Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
الاضطرارية مع ذكر اسم الله، وإن لم يستخرج كل الدم المسفوح.
وأما صيد البر في حق المحرم والحرم فلاستحقاقه الأمن يخرج عن محلية الذكاة.
فالحاصل أن التسمية شرط الحل، وما كان شرطًا للحل لا يسقط بالنسيان كما لو ذبح في غير المحل أو ذكى بغير المحدد ناسيًا، وهذا مما استدل به من لم يشترط التسمية بحال على من اشترطها مع الذكر فقط.
الثاني: قوله: والسمع غير مجرى على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة، وظهر الانقياد، وارتفع الخلاف في الصدر الأول.
وجوابه: أن مخالفة من خالف النصوص الواردة من الكتاب والسنة على اشتراط التسمية بالتأويل أو لنص ظن ثبوته لا يوجب أن تكون غير مجراة على ما ظهر من دلالتها ولو كان ذلك موجبًا لإخراجها عن ظاهرها لما صح الاستدلال بنص حصل النزاع فيما دل عليه من الحكم في مسألة من المسائل ولقال المخالف هذا النص غير مجرى على ظاهره لحصول النزاع في مدلوله إذ لو كان مجرى على ظاهره لارتفع الخلاف في الصدر الأول، وقد قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
والمراد بالرد إلى الله، الرد إلى كتابه، وبالرد إلى رسوله، الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، ولما كان حل متروك التسمية نسيانًا أو عمدًا من
стр. 1892
مسائل النزاع، كان الواجب علينا الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا نقول إن النصوص الدالة على حكم التسمية لا دلالة فيها لوجود الخلاف في حكم التسمية في الصدر الأول، بل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما هو القول الراجح، والقول الآخر مرجوح، وقائله مأجور على اجتهاده مغفور له خطؤه.
فالنصوص الدالة على اشتراط التسمية من الكتاب قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ الآيتان.
وقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ الآية، فقد أمر الله سبحانه بالأكل مما ذكر اسم الله عليه وعلق لك بالإيمان وأنكر على من لم يأكل مما ذكر اسم الله علي، ونهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وقال: ﴿وإنه لفسق﴾ وأن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه/ لفسق كما قال فيما أهل به لغير الله في قوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾، وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾.
стр. 1893
ومن السنة أحاديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني المخرجة في السنن والمساند فهاهنا عن عدي بن حاتم قال: "قلت يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي، فقال: إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبًا آخر لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" فأمره بأكل ما سمى عليه ونهاه عن أكل ما شك في تذكيته، وعلل ذلك بأنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر، فجعل المانع من حل صيد الكلب الآخر ترك التسمية كما جعل فعل التسمية عليه لحل صيد كلبه وهذا من أصرح الأدلة وأثبتها في جعله وجود التسمية شرطًا في الحل، وعدم التسمية مانعًا من الحل، ولم يفرق بين تركها ناسيًا أو عامدًا وعن أبي ثعلبة الخشني قال: "قلت يا رسول الله إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس يعلم مما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" فهذا أبو ثعلبة يسأله عما يحل له من ذلك وهذا سؤال من يطلب أن يبين له جميع ما يحل له من ذلك فلم يحل له إلا ما ذكر اسم الله عليه، فلو كان يحل له ما ترك التسمية عليه نسيانًا أو عمدًا لم يكن ما ذكره جوابًا له وأحاديث عدي وأبي ثعلبة وإن كانت في الصيد فإنه يؤخذ منها حكم الذبح بطرق الأولى، فإن حال الاصطياد حال قد يدهش الإنسان ويذهل عن التسمية فيها.
стр. 1894
وإذا لم يعذره في هذه الحال بترك التسمية فألا يعذره في حال الذبح -وهو أحضر عقلاً- أولى وأحرى.
الثالث: قوله وما رواه محمول عن حالة النسيان.
وجوابه: ما تقدم أن ما رواه لم يثبت، فإن قيل: فقد روى ابن جرير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمي حين الذبح فليسم وليذكر اسم الله وليأكل".
فالجواب أنه لا يصلح لمعارضة النصوص المتقدمة لأنه ضعيف، قال أهل الحديث: إن الصحيح وقفه على ابن عباس، والنزاع في ذلك معروف، وكذلك قد احتجوا أيضًا بحديث منكر ضعفه أهل الحديث وهو ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ﷺ : اسم الله على كل مسلم"، ولم يثبت ما يعارض النصوص المتقدمة، وأيضًا فليس في الكتاب والسنة نصوص صحيحة صريحة بتحريم ذبيحة المشركين والمرتدين والمجوس
стр. 1895
كالنصوص التي فيها النهي عما لم يذكر اسم الله عليه، فكيف يشترط في الذابح أن يكون مسلمًا أو كتابيًا ولا يشترط أن يذكر اسم الله، واشتراط هذا أبين في الكتاب والسنة.
قوله: (على ما قال ابن مسعود ﵁: "جردوا التسمية").
قال ابن التركماني في كلامه على أحاديث الهداية: لم أره، يعني في كتب الحديث.
قوله: (والأصل فيه قوله ﵇: "الذكاة ما بين اللبة واللحيين").
هذا اللفظ غير محفوظ، وإنما أخرج الدارقطني: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة"، ولكن في طريقه سعيد بن سلام قال الدارقطني: متروك الحديث [يحدث] بالبواطيل.
قوله: (لقوله ﵇: "افر الأوداج ما شئت" وهو اسم جمع وأقله الثلاث).
стр. 1896
الحديث غير معروف بهذا اللفظ وإنما المعروف/ حديث رافع بن خديج قال: "قلت: يا رسول الله إنا نلقي العدو غدًا وليس معنا مدى؟ فقال ﵇: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنًا ولا ظفرًا، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" رواه الجماعة، وللنسائي وأبي داود واللفظ له عن عدي بن حاتم "قلت: يا رسول الله أنذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله" ويروى: امر. وصوب الخطابي: امر -ساكنة الميم، خفيفة الراء- أي اسله وأجره، وللبيهقي عن ابن عباس ﵄ "كل ما أفرى
стр. 1897
الأوداج غير مثرد".
قال أبو عبيد: قال أبو زياد الكلابي: التثريد أن تذبح بشيء لا حد له، فلا ينهر الدم ولا يسيله.
وقوله: وهو اسم جمع وأقله الثلاث، مشكل؛ لأنه معرف بأل، فبطل معنى الجمع، والمسألة معروفة، وفي كلام المصنف مؤاخذة أخرى لفظية، وهي قوله: إن الأوداج اسم جمع وليس كذلك في اصطلاح النحاة، وإنما هو جمع، واسم الجمع كقوم ورهط ونفر وذلك معروف في كتب النحو.
قوله: (لقوله ﵇: "كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما خلا السن والظفر، فإنها مدى الحبشة").
لم يرد الحديث بهذا اللفظ في كتب الحديث، وإنما ورد كما تقدم،
стр. 1898
وليس في شيء من طرقه: وأفرى الأوداج، ولا تفسير السن والظفر بأنهما مدى الحبشة، وإنما فيه "وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة".
قوله: (ولنا قوله ﵇: "أنهر الدم بما شئت" ويروى "أفر الأوداج بما شئت" وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود وهو إخراج الدم، وصار كالحجر والحديد بخلاف غير المنزوع لأنه يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة).
المروي في كتب الحديث ما تقدم ذكره في حديث [عدي] بن حاتم وهو "أمرر الدم بما شئت" براءين، أو "امر الدم" بميم ساكنة وراء، وذكر "أفر الأوداج" إنما هو من كلام ابن عباس كما تقدم.
وقوله: وما رواه محمول على غير المنزوع، لم يستدل على هذه الدعوى
стр. 1899
إلا بأن الحبشة كانوا يفعلون ذلك وهذا يحتاج إلى نقل أنهم لم يكونوا يفعلون إلا ذلك لا أنهم كانوا يفعلون ذلك، ومن أين لنا أنهم لم يكونوا يذبحون بالظفر المنزوع وإنما كانوا يذبحون بغير المنزوع فقط، ولفظ الحديث يعم النوعين.
وقوله: ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم وصار كالحجر والحديد.
جوابه: إن الشارع أخرجه عن صلاحيته للذكاة الشرعية وقد نبه على العلة، والشارع قد زاد على انهار الدم شروطًا أخر، منها التسمية ومنها تعيين المحل حالة الاختيار، ومنها شروط في الذابح، وشروط في الآلة، فكما لا تجوز ذبيحة المجوسي والمحرم لا يجوز الذبح بالسن والظفر.
وقوله: بخلاف غير المنزوع؛ لأنه يقتل بالثقل، فيكون في معنى المنخنقة.
جوابه: أن الثقل الذي يكون مع غير المنزوع يكون مثله مع المنزوع بل مع كل محدد، فإن كل محدد لا بد مع إمراره على الذبح من التثقيل بالكبش والآلة غير قاطعة بنفسها، بل لابد معها من شد الساعد، فشد الساعد مع الظفر المنزوع كشده مع غير المنزوع، بل قد يكون الظفر القائم أحد من الحجر المحدد ونحوه ومن بعض المدى فلم تكن العلة في المنع القتل بالثقل، بل ما
стр. 1900
أشار إليه الشارع ﷺ بقوله: "أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"/ ولم يجعل الشارع العلة القتل بالثقل ولا أشار إليه، فالتعليل بالعلة التي علل بها الشارع أولى من التعليل بغيرها.
قوله: (والمستحب في البقر والغنم الذبح فإن نحرهما جاز ويكره -إلى أن قال- خلافًا لما يقوله مالك ﵀ أنه لا يحل).
لا يخالف مالك ﵀ في حل ما نحر من البقر والغنم، وإنما حكى أنه لا يجوز في الإبل إلا النحر؛ لأن أعناقها طويلة، فإذا ذبح تعذب بخروج روحه، وقال ابن المنذر: إنما كرهه ولم يحرمه، وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح، ذكر ذلك في المغني.
قوله: (وله أنه أصل في الحياة حتى يتصور حياته بعد موتها وعند ذلك
стр. 1901
يفرد بالذكاة ... إلى آخره).
يعني الجنين، أي يجب إفراده بالذكاة عند أبي حنيفة ﵀ لما ذكر، وما ذكره من التعليل لا يصلح في معارضة ما استدل به الصاحبان من الحديث، ولم يجب المصنف عن استدلالهما بالحديث وهو قوله ﷺ في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد أجاب بعض الأصحاب عن ذلك بأن المراد أن ذكاته كذكاة أمه، أي أنه يذكي كما تذكي أمه.
كما في قول القائل: بنونا بنو أبنائنا، ويدفع هذا التأويل ما ورد في بعض طرقه "قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة في بطنها الجين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" رواه أحمد
стр. 1902
وأبو داود، وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن. انتهى، ولا معارضة له، وهو قول عامة الصحابة والتابعين، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه إلى أن جاء النعمان.
* * *
стр. 1903
فصل
قوله: (لأن النبي ﷺ "نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور وكل ذي ناب من السباع" وقوله: "من السباع" ذكر عقيب النوعين فينصرف إليهما فيتناول سباع الطير والبهائم لا كل ما له مخلب أو ناب، والسبع كل مختطف منتهب جارح فاتك عادٍ عادة).
الأحاديث الواردة في تحريم ذي الناب والمخلب منها:
حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع" رواه الجماعة، وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام" رواه الجماعة إلا البخاري وأبا دواد، وحديث ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي
стр. 1904
وحديث جابر ﵁ قال: "حرم رسول الله ﷺ يعني يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" رواه أحمد، والترمذي، ولم أر في شيء منها كما ذكره المصنف من تقديم ذي مخلب على ذي الناب.
ولو ورد كما قال لا يدل على ما ادعاه من أن قوله: من السباع. ذكر عقيب النوعين فينصرف إليهما، فيتناول سباع الطير والبهائم لا كل ما له مخلب أو ناب، بل قوله: من الطير. صفة لذي مخلب، وقوله: من السباع. صفة لذي ناب، ولا يصح أن يكون قوله: من السباع. صفة لكل ذي مخلب وكل ذي ناب؛ لأنه وصف كل ذي [مخلب] بكونه من الطيور، ولا يحتاج أن ينصرف قوله: من السباع. إلى الطير والبهائم بل المراد ماله مخلب يعد به، فلم يتناول قوله: كل ذي مخلب من الطير، غير سباع الطير، وهذا من باب حذف الصفة لقيام قرينة تدل عليها، كما في قوله/ تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى﴾ أي على القاعدين من أولي الضرر يدل على هذا قوله: ﴿وكلا وعد الله
стр. 1905
الحسنى﴾ والقاعدون من غير أولي الضرر ليسوا ممن وعدهم الله الحسنى والقرينة التي دلت هنا على أن المراد كل ذي مخلب من الطير يعدو به أنه لولا هذا التقدير المغا: هذا التركيب إذ كل طير له مخلب ولو أريد تحريم لحم الطيور كلها لم يكن ذي مخلب منها فكان ذكر المخلب للتنبيه على علة التحريم، وأفرد سباع البهائم بالذكر لأن لها آلة أخرى تكسر بها وهي الناب.
وقوله: والسبع كل مختطف منتهب جارح فاتك عاد عادة. ما أدري ما قصده بهذا الإطناب والإسهاب الزائد في وصفه، ولا حاجة إلى ذكر هذه الصفات كلها، وذكر بعضها كافٍ في التعريف.
قوله: (ويدخل فيه الضبع والثعلب فيكون الحديث حجة على الشافعي ﵀ في إباحتهما).
أما الضبع فعن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار قال: "قلت لجابر
стр. 1906
-﵁: الضبع أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: أكلها؟ قال: نعم، قلت: أقال رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" رواه الخمسة وصححه الترمذي.
قالوا: وهي تخلط فتشبه الدجاجة، قال ابن المنذر: وحكم عمر ﵁ في الضبع يقتله المحرم كبشًا وبه قال ابن عباس، ورويناه عن علي ﵁ "أنه كان يرى الضبع صيدًا" وقد روينا الرخصة فيه عن سعد ابن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة، وكان عطاء والشافعي يريان فيه الجزاء على المحرم، ورخص في أكله أحمد وإسحاق وأب ثور. انتها.
وأما الثعلب فلم يرد فيه ما يعارض عموم تحريم كل ذي ناب من السباع، ولهذا لم يقل بحل أكله كل من قال بحل الضبع من العلماء، وإنما حكاه ابن المنذر عن طاووس وقتادة والشافعي وأبي ثور، قال: واختلف فيه عن
стр. 1907
عطاء وزاد في المغني: الليث وسفيان بن عيينة ورواية عن أحمد.
قوله: (والفيل ذو ناب فيكره).
لا خلاف في حرمة الفيل، وكان الأولى أن يقول: فيحرم لئلا يوهم بقوله: فيكره. أنه لم يبلغ درجة التحريم.
قوله: (وأما الضب فلأن النبي ﷺ نهى عن عائشة ﵂ حين سألته عن أكله وهو حجة على الشافعي في إباحته).
هذا حديث باطل لم يثبت وينسب إلى أبي حنيفة رواية، ولم يثبت وصوله إليه، وإنما احتج محمد بن الحسن بما روي عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ أهدي له ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ : [أتعطينه ما لا تأكلين؟ " قال محمد ﵀: فقد
стр. 1908
دل ذلك على أن رسول الله ﷺ ]: كره لنفسه ولغيره أكل الضب" قال: فبذلك نأخذ، هكذا ذكره عنه الطحاوي.
ثم قال: قيل له: ما في ذلك دليل على ما ذكرت، قد يجوز أن يكون كره لها أن تطعمه السائل [لأنها إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته، ولولا أنها عافته لما أطعمته إياه، وكان ما تطعمه السائل] فإنما هو لله ، فأراد النبي ﷺ أن لا يكون ما يتقرب إلى الله تعالى إلا من خير الطعام، كما قد نهى أن يتصدق بالبسر الرديء والتمر الرديء.
ثم اختار الطحاوي إباحته، ذكره في شرح معاني الآثار، وهو الصحيح
стр. 1909
ويشهد للمعنى الذي أشار إليه الطحاوي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ الآيتين، وقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ويدل على إباحته حديث ابن عباس ﵄ أن خالد بن الوليد ﵁ أخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة وهي خالته، وخالة ابن عباس فوجد عندها ضبًا محنوذًا قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول الله ﷺ بما قدمتن له، قلن: هو الضب يا رسول الله فرفع رسول الله يده، فقال خالد بن الوليد: "أحرام الضب يا رسول الله، قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر فلم ينهني" رواه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 1910
وعن ابن عمر ﵁ "أن رسول الله ﷺ سئل عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه" متفق عليه، وفي رواية عنه "أن رسول الله ﷺ كان معه ناس فيهم سعد، فأتوا بلحم ضب فنادت امرأة من نسائه: إنه لحم ضب، فقال رسول الله ﷺ : كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي" رواه أحمد ومسلم.
وعن جابر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال في الضب: "إن رسول الله ﷺ لم يحرمه وإن عمر قال: إن الله لينفع به غير واحد، وإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته" رواه مسلم وابن ماجه، وعن جابر ﵁ قال: "أتي رسول الله ﷺ بضب فأبى أن يأكل منه، وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت".
وعن أبي سعيد "أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال: إني في غائطٍ
стр. 1911
مضبة، وإنه عامة طعام أهلي قال: فلم يجبه، فقلنا: عاوده، فعاوده، فلم يجبه، ثلاثًا، ثم ناداه رسول الله ﷺ في الثالثة فقال: يا أعرابي إن الله لعن أوغضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، ولا أدري لعل هذا منها، ولست آكلها ولا أنهى عنها" رواه أحمد ومسلم.
وقد صح عنه ﵇ أن الممسوخ لا نسل له، والظاهر أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي، وأن تردده في الضب كان قبل الوحي بذلك، والحديث يرويه ابن مسعود ﵁ "أن النبي ﷺ ذكرت عنده القردة قال مسعر: وأراه قال: الخنازير مما مسخ فقال: إن الله لم يجعل للمسخ نسلاً ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك" وفي رواية: "أن رجلاً قال: يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ الله؟ فقال النبي ﷺ : إن الله لم يهلك قومًا، أو لم يعلم قومًا، أو لم يعذب فيجعل لهم نسلاً" روى ذلك أحمد ومسلم.
стр. 1912
وعن عائشة ﵂ قالت" "أهدي لنا ضب فقدمته إلى النبي ﷺ فلم يأكل منه، فقلت: يا رسول الله ألا تطعمه السؤال؟ فقال: إنا لا نطعم مما لا نأكله" أخرجه البيهقي، وكأن هذا الحديث هو الذي أشار إليه المصنف، ولا دليل فيه على الكراهة، بل هو من جنس ما تقدم، وهو أنه عافه فلم يأكل منه، وترك التصدق به لئلا يجعل لله ما يكره، وإنما ينبغي أن يجعل لله كما قال تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وذم من يجعل لله ما يكره، فقال تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى﴾ الآية.
قوله: (وإنما تكره الحشرات كلها استدلالاً بالضب لأنه منها).
تقدم التنبيه على ما في أكل الضب من السنة فلا يصح قياس الحشرات عليه.
قوله: (لما روى خالد بن الوليد: "أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير").
стр. 1913
أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والطحاوي والدارقطني والبيهقي ولكنه ضعيف لا يصلح لمعارضته حديث جابر المتفق على صحته أن النبي ﷺ "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل" رواه البخاري ومسلم والنسائي/ وأبو داود وفي لفظ: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر" رواه الترمذي وصححه.
стр. 1914
وقد ذكر المصنف بعد هذا حديث جابر المذكور وقال: إن حديث جابر معارض لحديث خالد بن الوليد ﵁، ولكنه لا يعارض الحديث إلا بحديث مثله، وهذا لا يقع لأن الأدلة الصحيحة لا تتعارض إلا أن يكون أحدهما ناسخًا للآخر والله أعلم بالصواب.
قوله: (وعن علي ﵁ "أن النبي ﷺ أهدر المتعة وحرم لحوم الحمير الأهلية يوم خيبر").
متفق عليه ولفظه: "نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية"، واتفق أهل الحديث على أن تحريم لحوم الحمر الأهلية كان يوم خيبر، وأما متعة النساء ففيها اضطراب.
ففي الصحيحين من حديث علي ﵁ "أن تحريم متعة النساء كان يوم خيبر" كما تقدم ذكره، ولكن قد صح "أن النبي ﷺ قد أباحها عام الفتح ثم حرمها"، فقالت طائفة: حرمت مرتين، يروى عن الشافعي رحمه الله
стр. 1915
أنه قال: "لا أعلم شيئًا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا متعة النساء -قال-: نسخت مرتين" وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم تحرم إلا عام الفتح، وقبل ذلك كانت مباحة.
قالوا: وإنما جمع علي ﵁ بين الأخبار بتحريمها وتحريم الحمر الأهلية، لأن ابن عباس كان يبيحهما، فروى له علي تحريمها عن النبي ﷺ ردًا عليه، وكان تحريم الحمر الأهلية يوم خيبر بغير شك فذكر يوم خيبر ظرفًا لتحريم الحمر الأهلية، وأطلق تحريم المتعة ولم يقيده بوقت، كما جاء ذلك في مسند أحمد بإسناد صحيح "أن النبي ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وحرم متعة النساء"، وفي لفظ "حرم متعة النساء وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلاً مبينًا، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن التحريم فقيدهما به.
ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المحرمين، وهو تحريم الحمر، وقيده
стр. 1916
بالظرف، فمن هنا نشأ الوهم وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا ورد أنهم استأذنوا في ذلك رسول الله ﷺ ، وليس للتمتع في غزوة خيبر ذكر البتة، وإنما وطؤهن بملك اليمين بعد الأمر بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة فيها -فعلاً وتحريمًا- مشهورة، قال الشيخ شمس الدين ابن القيم في الهدي: وهذه الطريقة أصح الطريقين.
قوله: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ خرج مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها).
فيه نظر فإن سورة النحل مكية، وكانت حينئذ الخيل والبغال والحمر حلالاً، فإن تحريم الحمر الأهلية إنما كان يوم خيبر بعد الهجرة بست سنين أو
стр. 1917
سبع، وبهذا أجاب الواحدي في تفسيره، وهو في غاية القوة، ويمكن أن يقال في حكمة ترك الامتنان بالأكل في حق الخيل والحمير إن أعلى أنواع الانتفاع بها إنما هو الركوب والزينة، وإن كانت مع ذلك تؤكل ويحمل عليها ولكن الحمل على الإبل أكثر خصوصًا عند قطع المفاوز، فإنه لا يصبر غيرها على العطش مثلها، فلذلك ذكر الحمل في الإبل فقال تعالى: ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكولوا بالغية إلا بشق الأنفس﴾، وكذلك الأكل منها لكثرتها وكبر أجسامها، ولو سلط الأكل على الخيل والبغال لقلت، وفات المعنى المختص بها فكذلك ترك الامتنان فيها بالأكل والحمل عليها، والله أعلم.
قوله: (ولا بأس بأكل الأرنب لأن النبي ﷺ / أكل منه حين أهدى إليه مشويًا وأمر أصحابه بالأكل منه).
هذا اللفظ غير محفوظ وإنما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: "جاء أعرابي رسول الله ﷺ بأرنب قد شواها ومعها صنابها وأدمها
стр. 1918
فوضعها بين يديه فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل وأمر أصحابه فأكلوا" رواه أحمد والنسائي، وفي حديث أنس -رضي اله عنه- قال: "أنفجنا أرنبًا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا، فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله بوركها وفخذها فقبله" رواه الجماعة.
قوله: (ولنا قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ وما سوى السمك خبيث).
فيه نظر، فإن استخباث ما سوى السمك مجرد دعوى فيكفي في جوابها المنع، فإن الأثمة الثلاثة وغيرهم على إباحة غير السمك من حيوان
стр. 1919
الماء، وإن كان قد حصل بينهم خلاف في استثناء بعضه.
وقال الشعبي: لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم. وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم" وعموم قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ يدل على إباحة جميع صيده، وروى عطاء وعمرو بن دينار أنهما بلغهما عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم" فكيف يكتفي في الاستدلال على من يدعي أن هذا من الطيبات بمجرد دعوى أنه من الخبائث، والأصل الحل إلى أن يرد منع، بدليل قوله ﷺ : "إن من أعظم المسلمين من المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته" متفق عليه.
والذين يعتبر استطابتهم واستخبائهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنهم الذين نزل القرآن عليهم وخوطبوا به وبالسنة، فيرجع في مطلق
стр. 1920
ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولا يعتبر أهل البوادي لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجد ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون؟ فقال: ما دب ودرج إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية، وإذا كان أكثر العلماء على القول بجواز أكل غير السمك من حيوان الماء فكيف يصح الاستدلال بدعوى أن ما عدا السمك من حيوان الماء خبيث.
قوله: (ونهى النبي ﷺ عن دواء يتخذ فيه الضفدع).
يشير إلى حديث عبد الرحمن بن عثمان "أن طبيبًا سأل رسول الله ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها" أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي، ويجب أن يقال: نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع، ولا يقال: نهى عن دواء يتخذ فيه الضفدع.
قوله: (ونهى عن بيع السرطان).
هذا الحديث لا أصل له في كتب الحديث.
стр. 1921
قوله: (والصيد المذكور فيما تلاه، محمول على الاصطياد، وهو مباح فيما لا يحل).
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: قوله: والصيد المذكور فيما تلاه محمول على الاصطياد، يعني قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ فإن الظاهر أن المراد من الصيد المصيد، وإن كان مجازًا وذلك لوجوه: أحدها: عطف طعامه على صيد وهو بمعنى المطعوم قطعًا.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾ وهو عائد إلى صيد البحر وطعامه، والمتاع إنما هو المصيد لا المصدر.
ثالثها: أن البحر لا يصاد، وإنما يصاد حيوانه فيحتاج حينئذ إلى تقدير محذوف أي أحل لكم صيد حيوان البحر، والأصل عدم التقدير.
الثاني: قوله: وهو مباح فيما لا يحل؛ لأن إتلاف الحيوان لغير أكله ولا دفع شره حرام، وإنما ورد الإذن/ بقتل الفواسق والوزغ ونحوها لدفع
стр. 1922
شرها، وورد النهي عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع ونحو ذلك لعدم شرها وعدم جواز أكلها، ونهى عن أن تصبر البهائم أي تقتل صبرًا، وأن يتخذ ما فيه الروح غرضًا؛ لأنه لا يحل أكله بذلك فيكون مقتولاً لغير أكله، وإن سلم جواز صيد ما ينتفع بجلده من الحيوان
стр. 1923
لأجل جلده فأكثر حيوان الماء ليس له جلد ينتفع به.
وظاهر النص يدل على جواز أكل كل صيد البحر، سواء أريد بالصيد المصدر أو اسم المفعول، فلا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل لا بمجرد دعوى أن ما عدا السمك من الخبائث.
قوله: (والميتة المذكورة فيما روى محمولة على السمك، وهو حلال مستثنى من ذلك لقوله ﵇: "أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال").
يشير بقوله: والميتة المذكورة فيما روي، إلى قوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه أحمد، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وقوله: أحلت لنا ميتتان ودمان" الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو
стр. 1924
ضعيف، ولكن أخرجه الدارقطني من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم أخي عبد الرحمن، وقد وثقه أحمد وابن المديني وقال البيهقي: الصحيح وقفه على ابن عمر، وقال: هذا قبله الإمام أحمد ﵀.
قوله: (ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه الماء فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا" وعن جماعة من الصحابة ﵃ مثل مذهبنا، وميتة البحر: ما لفظه البحر، ليكون موته مضافًا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة).
هذا الحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث، وعن أبي بكر الصديق
стр. 1925
-﵁ قال: "الطافي حلال" وعن عمر ﵁ في قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ قال: "صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به" وقال ابن عباس ﵄ "طعامه ميتته إلا ما ما قذرت منها" ذكر ذلك البخاري في صحيحه.
وعن جابر ﵁ قال: "غزونا جيش الخبط وأمرنا أبو عبيدة فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم ير مثله يقال له: العنبر فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمر الراكب تحته قال: فلما قدمنا المدينة، ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: كلو رزقًا أخرجه الله لكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بشيء منه فأكله" متفق عليه.
стр. 1926
ولا يقال: إن الصحابة كانوا مضطرين فأكلوه للضرورة، لأن النبي ﷺ أكل منه، ولا يقال: إنه يحتمل أن يكون قد نضب عنه الماء أو لفظه، لأنه قال: فألقى البحر حوتًا ميتًا، فعلم أن الموج ألقاه إلى الساحل بعد أن مات في الماء، وقال ابن المنذر: وممن قال إن معنى قوله: وطعامه متاعًا لكم، أن طعامه ما قذف، ابن عمر وابن عباس ﵃، وقال ابن عمر: طعامه ما ألقى، وقال ابن عباس: طعامه. ميتته، وقال مرة: ملحه.
وقد رورينا عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر أخبارًا تدل على إباحة ذلك تختلف ألفاظها، وروينا عن أبي أيوب "أنه أكل سمكة طافية".
وفي ما طفا من السمك على الماء قول ثان: وهو أن يؤكل ما يوجد في حافتي البحر، ويؤكل ما جزر عنه، ولا يؤكل ما كان/ طافيًا منه، هذا قول جابر بن عبد الله، وروينا عن ابن عباس، وممن كره أن يؤكل الطافي
стр. 1927
من السمك طاووس وابن سيرين وجابر بن زيد وأصحاب الرأي، ثم ذكر الاختلاف في أكل الجري والطافي وغير ذلك. انتهى.
وإذا كان الحكم بين الصحابة في الطافي هكذا مختلفًا فيه، تحمل كراهة من كرهه - إن ثبت عنه- على التنزه لا على التحري، كما كره النبي ﷺ أكل الضب، وأكله خالد بين يديه وهو ينظر إليه، ولا ينهاه، وأخبر أنه غير حرام ولكنه لم يكن بأرض قومه فعافته نفسه، وكذلك ما عدا السمك من حيوان الماء غير الضفدع فإن النبي ﷺ نهى عن قتلها، فدل على عدم جواز أكلها، فإنه لم يتفق العلماء على استخباثه، أعني ما عدا السمك من حيوان الماء، وفي مسائل النزاع لا يكون قول البعض حجة على البعض، فلا يصح استدلال المصنف بأنه نقل عن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا خصوصًا إذا كان القول مخالفًا لقول الأئمة الراشدين أبي بكر وعمر ﵄ مع أنه في ثبوته نظر.
قال أبو محمد بن [حزم]: أما الرواية عن جابر فلا تصح، لأن
стр. 1928
أبا الزبير، لم يذكر فيه سماعًا من جابر، وهي عن علي لا تصح لأن ابن فضيل لم يسمع من عطاء بن السائب إلا بعد اختلاطه، وهي عن ابن عباس من طريق أجلح وليس بالقوي. انتهى.
وقوله: وميتة البحر: ما لفظه البحر، ليكون موته مضافًا إلى البحر، لا ما مات فيه من غير آفة، مجرد دعوى وإلا فالإضافة صادقة، ويكفي في الإضافة أدنى ملابسة، وأيضًا فالميتة إنما حرمت لاحتقان الدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك كانت سبب الحل، ولا دم في السمك فاستوى الطافي وغيره، بل وكل حيوان الماء، ولهذا [لا] ينجس بالموت، ولو لم يكن في المسألة نصوص لكان هذا القياس كافيًا ولهذا يؤكل ما يوجد من الجراد ميتًا، وقد أجاب المصنف عن هذا فيما بعد بأسطر: إنا خصصناه بالنص الوارد في الطافي، وقد تقدم التنبيه على ضعفه.
стр. 1929
قوله: (وسئل علي عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيه الميت وغيره، فقال: كله كله).
روى البيهقي عنه ﵁ قال: "الحيتان والجراد ذكي كله" وهو حجة في جواز أكل الميتة من الجراد قبل أخذه والطافي من السمك، فلا يجوز أن يؤخذ بقوله في ميت الجراد دون طافي السمك.
* * *
стр. 1930
كتاب الأضحية
следующие страницы →