← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

حاملاً أو شك في حملها أو تردد فيه فالاستبراء لازم فيها، وكل من غلب على الظن براءة رحمها لكنه مع الظن الغالب يجوز حصوله فإن المذهب على قولين في ثبوت الاستبراء أو سقوطه، ثم خرج على ذلك الفروع المختلف فيها ولا شك أن الاستبراء استفعال من البراءة فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها، فإذا علم ذلك لا حاجة إلى زيادة المدة وإذا لم يعلم ذلك كيف يسوغ له الإقدام على وطئها مع احتمال الشغل وماذا عسى أن تنفع الحيلة على إسقاطه الاستبراء أفبالحيلة استخرج ما في رحمها لو كان مشغولاً، فقول مالك ومن وافقه -أنه إذا تيقن بفراغ رحمها من ماء البيع فلا استبراء عليه فيها- أقوى. قال السغناقي في شرحه في تعليل قول أبي يوسف أن الاستبراء كاسمه ليتبين فراغ الرحم وقاسه بالمطلقة، قبل الدخول. انتهى. فالحق أن سبب وجود الاستبراء إرادة الوطء بشرط تجدد الملك مع توهم الشغل بهذا القيد، هذا الذي تشهد له أحاديث الاستبراء بخلاف العدة فإن في تلك تربصًا زائدًا على معرفة براءة الرحم بحق الزوج وغيره كما تقدم كما في انتقاض الطهارة بالنوم، فإنه وإن كان مظنة الحدث لكن لابد من توهم الحدث حتى لو نام قاعدًا لم تنتقض طهارته لأنه لا يتوهم الحدث في هذه الحالة فكذلك من اشترى جارية من زوجته مثلاً وقد حاضت عنه فهذه توهم الشغل فيها منتف، فلا حاجة إلى الاستبراء.

стр. 1962

الثالث: قوله: أوتوهم الشغل بماء محترم، وهو أن يكون الولد ثابت النسب، فإنه لا معنى لتقييده بكونه ثابت النسب لأنه إن لم يكن ذلك الماء محترمًا فماؤه هو محترم فلا يخلطه به، ويحمل/ على نفسه ولد زنا والأحاديث الواردة في الاستبراء لا فصل فيها بين ثابت النسب وغيره. وقال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره" رواه الترمذي، يعني الحبالي من السبي من غير فصل بين ثابت النسب وغيره، على أن تعليله بكون الولد ثابت النسب ينافي إيجابه الاستبراء على من اشترى جارية من امرأة، والجارية غير مزوجة. قوله: (وعن محمد رحمهما الله أنها لا تحرم). يعني دواعي النكاح في حق المسبية، وهذا القول أقوى لما روى حماد بن سلمة قال: حدثنا علي بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمي عن

стр. 1963

ابن عمر قال: "وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة، قال ابن عمر: فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون"، ولو استدل بهذا على جواز الدواعي في حق المستبرأة مطلقًا كما قال الحسن البصري لكان قويًا، لأن ما ذكر من الفرق وهو احتمال انفساخ البيع بظهور حبل من سيدها، لا يقوى، لأن هذا بناء على تحريم بيع أمهات الأولاد وفيه ما فيه، ولا يلزم القال به لأنه لمااستمتع بها كانت ملكه ظاهرا ًوذلك يكفي في جواز الاستمتاع كما يخلو بها ويحدثها وينظر منها ما لا يباح من الأجنبية. قوله: (والحيلة إذا لم تكن تحت المشتري حرة -إلى آخره-). تقدم في كتاب الشفعة التنبيه على بطلان مثل هذه الحيلة لأنها حيل على إبطال حق، والحكمة التي شرع لأجلها الاستبراء تفوت بالحيلة على

стр. 1964

إسقاطها فتكون الحيلة باطلة، ويجب أن يعامل بضد قصده من بقاء الاستبراء كما في القاتل والفار. قوله: (ولهما ما روي أنه ﵊ "نهى عن المكامعة -وهي المعانقة- وعن المكاعمة -وهي التقبيل" وما رواه محمول على ما قبل التحريم، وقوله: وقال ﵇: "من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبه"). هذان الحديثان غير معروفين، وتفسير المكامعة بالمعانقة فيه نظر وإنما فسرت في كتب اللغة بالمضاجعة وهي أخص من المعانقة، وإنما أخرج أبو داود عن أبي ريحانة عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن مكامعة الرجل الرجل

стр. 1965

بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار"، وفسرت المكامعة بالمضاجعة، وقد ورد في المصافحة غير ما ذكره المصنف، وليس في شيء منه "وحرك يده" فيما أعلم. قوله: (وكذا إذا أخبره مخبر أنك تزوجتها وهي مرتدة أو أختك من الرضاعة لم يتزوج بأختها وأربع سواها حتى يشهد بذلك عدلان، لأنه أخبر بفساد مقارن، والإقدام على العقد يدل على صحته، وإنكار فساده". تقدم في الرضاع التنبيه على ما في ذلك من الإشكال، وهنا إشكال

стр. 1966

آخر وهو قوله: والإقدام على العقد يدل على صحته، وحقه أن يقول: والإقدام على العقد يدل على دعوى صحته أو على صحته عنده، وإلا فالإقدام على العقد لا يكون دليلاً على نفس الصحة، وهذا هو مراد المصنف ولكن إطلاق الصحة هنا يوهم فلا ينبغي أن يجوز. قوله: (لقوله ﵇: "من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه"). رواه أحمد وهو ضعيف ولم يثبت في الاحتكار غير قوله ﷺ : "من احتكر فهو خاطئ" انفرد به مسلم، وروايه سعيد بن المسيب عن معمر، وكان كل منهما يحتكر فيحمل على أن النهي إذا كان يضر الاحتكار بأهل البلد، وأن احتكار سعيد ومعمر كان عند عدم الضرر، وذكر ذلك بمعناه

стр. 1967

الحافظ ضياء الدين بن عمر الموصلي في كتابه: المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شيء في هذا الباب. قوله: (لقوله ﵊: "لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق"). هذا اللفظ غير معروف، والمحفوظ حديث أنس ﵁ قال: "قال الناس: يا رسول الله إلا السعر، سعر لنا. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال" أخرجه أبو دواد وابن ماجه/ والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1968

قوله: (ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا -إلى آخره). اتخاذ العصير خمرًا فعل محرم فالإعانة عليه محرمة، لأن حرمة الإعانة على المعصية مطلقة في قوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فلا يجوز تقييد هذا الإطلاق بأن المعصية لا تقام بعين العصير بل بعد التغيير، فإن الإعانة على المعصية حاصلة سواء أقيمت المعصية بعين المبيع أو بعد تغيره، فإن اتخاذ العصير خمرًا معصية والبائع منه قد أعانه على ذلك فكان بذلك عاصيًا، وقد "لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة، منهم: عاصرها". فكيف بالبائع له الذي هو أعظم معاونة فكان أولى بدخوله في اللعن، [والعصير وإن كان يقع على العنب لكن لما كان المعصور محرمًا حرمت الوسيلة إليه سدًا للذريعة لأن الدافع أسهل من الرفع].

стр. 1969

قوله: (وله أن الإجارة ترد على منفعة البيت ولهذا يجب الأجر بمجرد التسليم ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه فقطع نسبته عنه). لا يصلح هذا جوابًا عما استدل به أبو يوسف ومحمد رحمهما الله من أنه إعانة على المعصية، فإن اتخاذ بيت للنار أو اتخاذ الكنيسة والبيعة، واتخاذ بيت لبيع الخمر معصية، فالإعانة على ذلك معصية، وقد ورد في تعزيز الخمار إحراق حانوته الذي يبيع فيه الخمر، فإذا شرع إتلاف هذا البيت بالإحراق الذي هو أبلغ من الهدم لرفع هذه المعصية فالمنع منها والدفع عنها بعدم جواز إجارة البيت [لها] أولى. وقوله: ولهذا يجب الأجر بمجرد التسليم ولا معصية فيه، ممنوع، بل كما أن المعصية بفعل المستأجر في البيت فالإعانة على ذلك معصية لأن الإعانة على المعصية معصية. قوله: (وله أن المعصية في شربها وهو فعل فاعل مختار، وليس الشرب من ضرورات الحمل ولا يقصد به، والحديث محمول على الحمل المقرون

стр. 1970

بقصد المعصية). كون شربها معصية لا يمنع أن يكون حملها معصية، وإن لم يكن الشرب من ضرورات الحمل، فالحمل مفض إليه معين عليه، وحرمة عصر الخمر واعتصارها وحملها وتحميلها ونحو ذلك بمنزلة دواعي الزنا من اللمس والقبلة والنظر بشهوة، فكما تحرم الدواعي تحرم هذه الدواعي. وقوله: والحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية: ممنوع بدليل "لعن عاصرها" ولا يتصور في العصر الاقتران بالشرب ولأن الأمر باجتنابها يقتضي النهي عن حملها أيضًا فيكون حملها مخالفًا للأمر باجتنابها فيكون أولى باللعن من عاصرها. قوله: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵇: "مكة حرام لا تباع رباعها ولا تورث" -ثم قال-: ويكره إجارتها أيضًا لقوله ﵊: "من أجر أرض مكة فكأنما أكل الربا"). هذا الحديثان لا يعرفان بهذا اللفظ وإنما ورد معناهما في حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها، ومن أكل من أجور بيوت مكة

стр. 1971

شيئًا فإنما يأكل نارًا" أخرجه الحارثي في مسند الإمام أبي حنيفة، وأخرجه الدارقطني والبيهقي من جهته، ولكن رواه أبو حنيفة عن عبيد الله بن أبي زياد، عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو، وابن أبي زياد ضعيف، والصواب أنه موقوف على عبد الله بن عمر. قالوا: ورفعه وهم هكذا قاله الدارقطني وأبو عبد الرحمن السلمي والبيهقي. قوله: (ومن وضع درهمًا عند بقال يأخذ منه ما شاء، يكره ذلك لأنه ملكه قرضًا وجر به نفعًا، وهو أن يأخذ منه ما شاء حالاً فحالاً "ونهى رسول الله ﷺ عن قرض جر نفعًا").

стр. 1972

في كون هذا من باب قرض جر نفعًا- نظر، بل كلما أخذ شيئًا من البقل ووجب ثمنه في ذمته وقعت المقاصة بنظيره من ذلك الدرهم فالنفع مشترك بينهما ليس مختصًا بالمقرض وحده، فلا يكون قد رجع إلى المقرض نظير رأس ماله وزيادة خالية عن العوض حتى يقال: إن تلك الزيادة في معنى الربا. قوله: (والآية محمولة على الحضور استيلاءً واستعلاءً أو طائفتين عراة كما كانت عادتهم في الجاهلية). في الحمل على ذلك وحده نظر بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ / فإن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات، وكان المشركون يأتونهم بالطعام ويتجرون فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقرة وضيق العيش، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿وإِن خفتم عيلة﴾ أي فقرًا وفاقة ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ الآية، وإنزال وفد ثقيف في مسجد رسول الله ﷺ لا يلزم منه جواز

стр. 1973

دخولهم المسجد الحرام لأن الله تعالى خص المسجد الحرام بخصائص فاق بها سائر المساجد فلا يقاس على غيره فظهرت قوة قول الشافعي ﵀. قوله: (روي أنه كان من دعائه ﵇: "اللهم إني أسألك بمقعد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة"). وهذا لم يثبت عنه ﷺ وإنما ذكر في بعض الكتب التي يذكر فيها الغث والسمين.

стр. 1974

قوله: (وهو محكي عن الشافعي ﵀. يعني جواز اللعب بالشطرنج المحكي عن الشافعي ﵀ أنه قال عن الشطرنج لم يتبين لي تحريمه، ولم يصح عنه القول بجواز اللعب بالشطرنج. قوله: (ولنا قوله ﵊: "من لعب بالشطرنج والنردشير فكأنما غمس يده في دم خنزير"). لم يرد لفظ الشطرنج في الحديث، وإنما ورد في حديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير" وفي رواية: "غمس يده في لحم خنزير ودمه" أخرجه مسلم، وأخرج أبو داود الثانية. وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1975

"من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله" أخرجه مالك في الموطأ، قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي فيه حديث منكر عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله" وهذا إسناد عن مالك مظلم، وهو حديث موضوع باطل. انتهى. ولكن التحريم ثبت في الشطرنج بدلالة النص لأنه أشغل عن ذكر الله منه، فإن الشطرنج يحتاج إلى فكر زائد يستغرق الذهن أكثر من النرد فكان أحق بالمنع منه. قوله: (لقوله ﵇: "ما ألهاك عن ذكر الله فهو ميسر"). إنما حكاه البيهقي من كلام القاسم بن محمد ولا يعرف مرفوعًا.

стр. 1976

قوله: (وقبل هدية بريرة وكانت مكاتبة). الظاهر أن هدية بريرة إنما كانت بعد اعتاقها، يعرف ذلك بالتأمل في المحكي من قضيتها، فإن عائشة ﵂ اشترت بريرة وأعتقتها، وخيرها النبي ﷺ بين المقام مع زوجها أو فسخ النكاح، فاختارت نفسها وفسخت النكاح، وهذا كان أول تعلقها بآل البيت وكانت الهدية بعد ذلك، وهذا هو الظاهر والله أعلم قوله: (لأنه ﵊: "بعث عتاب بن أسيد إلى مكة"). لم يبعثه إلى مكة، وإنما كان بمكة فأسلم عام الفتح فاستعمله النبي ﷺ على مكة حين خرج إلى حنين ولم يزل أميرًا عليها حتى قبض رسول الله ﷺ وأقره أبو بكر إلى أن مات هو وأبو بكر في يوم أحد.

стр. 1977

قوله: (ولا بأس أن تسافر الأمة وأم الولد بغير محرم لأن الأجانب في حق الإماء فيما يرجع إلى النظر والمس بمنزلة المحارم على ما ذكرنا من قبل، وأم الولد أمة لقيام الملك فيها وإن امتنع بيعها). فيه نظر، فإن نهي المرأة أن تسافر بغير زوج أو محرم عام في كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، فدخلت الأمة فيه، وخوف الفتنة شامل للأمة والحرة، بل قد يكون بعض الإماء أحسن من بعض الحرائر، فيكون خوف الفتنة فيها أغلب، وهذا مما لا شك فيه، وأما كون الأجانب في حق الإماء بمنزلة المحارم فيما يرجع إلى النظر والمس فللحاجة إلى ذلك لأجل الخدمة، وهذا يكون في حال قيامها بالخدمة، ولا حاجة إلى السفر بها فيمنع منه، وأيضًا فقد "نهى رسول الله ﷺ عن الخلوة بالأجنبية"، وفي السفر بأمة الغير الخلوة بالأجنبية فكيف يقال إن ذلك يجوز وهو مما نهى عنه باعتبارين: /أحدهما: السفر بغير محرم. الثاني: الخلوة بها وهي أجنبية. * * *

стр. 1978

كتاب إحياء الموات قوله: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه" وما روياه يحتمل أنه إذن لقوم لا نصبٌ لشرع). الحديث أخرجه الطبراني في معجمه وفي سنده عمرو بن واقد؛ ضعيف، وقد تقدم ذكره في باب الغنائم، وإن كان ضعيفًا لا يصلح لتقييد ما روياه من قوله ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" رواه أحمد،

стр. 1979

وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه، ويؤيده حديث عائشة ﵂ قالت: "قال رسول الله ﷺ : "من عمر أرضًا لأحد فهو أحق بها" رواه أحمد والبخاري، وعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، ومن أحيا من موات الأرض شيئًا فهو له، وليس لعرق ظالم حق" أخرجه البيهقي، ولأبي داود عن عروة قال: "أشهد أن رسول الله ﷺ قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتًا فهو أحق به، جاءنا بهذا عن النبي ﷺ الذين جاؤوا بالصلوات عنه" ومثل هذا لا يحتمل التأويل بل هو نصب شرع. قوله: (لقوله ﵊: "من حفر بئرًا فله مما حولها أربعون ذراعًا عطنًا لماشيته" -ثم قال- لهما قوله عليه الصلاة

стр. 1980

والسلام: "حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعًا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعًا"). أخرج الحديث الأول ابن ماجه، وفي سنده إسماعيل المكي وهو ضعيف، والثاني لم أره. وروى الدارقطني والخلال بإسنادهما عن النبي ﷺ أنه قال: "حريم البئر

стр. 1981

البدي خمس وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا" وروى أبو عبيد بإسناده عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: "السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا والبدي خمس وعشرون ذراعًا" وبإسناده عن سعيد بن المسيب قال: "حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعًا من نواحيها كلها، وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، وحريم البئر العادية خمسون ذرعًا من نواحيها"، وإلى هذا التقدير ذهب أحمد. وقال القاضي وأبو الخطاب من أصحابه: ليس هذا على طريق التحديد

стр. 1982

بل حريمها على الحقيقة ما تحتاج إليه في ترقية مائها منها فإن كان بدولاب فقدر مدار الثور أو غيره، وإن كان بساقية فقدر طول البئر لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "حريم البئر مد رشائها"، أخرجه ابن ماجه وإن كان المستخرج عينًا فحريمها القدر الذي يحتاج إليه [صاحبها للانتفاع بها، و [لا] يستضر بأخذه منها ولو على ألف ذراع، وحريم النهر من جانبيه] ما يحتاج إليه لطرح كرايته بحكم العرف في ذلك لأن هذا إنما ثبت للحاجة فينبغي أن يراعي فيه الحاجة دون غيرها" ذكر ذلك في المغني، وإذا كان التقدير الأول غير ثابت فالمصير إلى الثاني أو إلى ما قاله القاضي وأبو الخطاب أظهر، وهو قول الشافعي ﵀.

стр. 1983

قوله: (والعام المتفق على قبوله والعمل به أولى عنده من الخاص المختلف في قبوله والعمل به). يعني بالعام قوله ﷺ : "من حفر بئرًا فله مما حولها أربعون ذراعًا عطنًا لماشيته" وقد تقدم ذكر بعض ما فيه من الخلاف، فلم يكن العام المذكور متفقًا على قبوله. * * *

стр. 1984

فصل في مسائل الشرب قوله: (منها ماء البحار، ولكل واحد من الناس فيها حق الشفة وسقي الأراضي حتى أن من أراد أن يكري منها نهرًا إلى أرضه لم يمنع من ذلك -ثم قال-: والثاني: ماء الأودية العظام كجيحون وسيحون ودجلة الفرات). عطفة جيحون وسيحون ودجلة والفرات على البحار دليل على أن مراده من البحار المالحة التي لا تجري كبحر القلزم والبحر الرومي وغيرهما وفي

стр. 1985

ذلك نظر، فإن الماء الملح الأجاج لا ينتفع به لشرب الشفة أصلاً، لا للآدميين ولا للبهائم، ولا تسقي به الأراضي ولا يحكم عليها لتسقي به بل هو واقف لا يجري ولا يروي من العطش، قال الله تعالى: ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج﴾ وقال تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾، والأجاج هو الذي مع كونه ملحًا مر. قوله: (وفي مثله قال عمر ﵁: "لو تركتم لبعتم أولادكم"). يعني في مثل إلزام أهل النهر المشترك بكريه، لم أر هذا من كلام عمر ولا غيره من الصحابة ﵃.

стр. 1986

قوله: (وفي الشرب بخلاف البيع والصدقة والهبة والوصية بذلك حيث لا تجوز العقود إما للجهالة أو للغرر أو لأنه ليس بمال متقوم حتى لا يضمن إذا سقي من شرب غيره إلى آخره). كلام المصنف هنا يناقض كلامه في البيوع في باب البيع الفاسد فإنه قال هناك: إن الشرب يجوز بيعه مفردًا في رواية وهو اختيار مشايخ بلخ لأنه حظ من الماء، ولهذا يضمن بالإتلاف، وله قسط من الثمن على ما

стр. 1987

ذكره في كتاب الشرب، فقوله: ولهذا يضمن بالإتلاف، يناقض قوله: حتى لا يضمن إذا سقي من شرب غيره مناقضة ظاهرة. * * *

стр. 1988

كتاب الأشربة قوله: (وهي النيئ من ماء العنب إذا صار مسكرًا وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، وقال بعض الناس: هو اسم لكل مسكر). في تسمية -من كان ذلك معروفًا عندهم- أهل العلم، وتسميته- من قال: إن الخمر اسم لكل مسكر- بعض الناس، تحامل وعصبية فإن الذين قالوا: إن الخمر اسم لكل مسكر من الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن

стр. 1989

عمر وأبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأنس وعائشة ﵃. ومن التابعين والأئمة عطاء وطاووس ومجاهد والقاسم وقتادة وعمر ابن عبد العزيز والحسن ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وإسحاق ومحمد بن الحسن ﵏.

стр. 1990

ذكر بعضهم ابن المنذر والباقين ابن قدامة في المغني، والمخالفون لهم أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم من علماء الكوفة والبصرة ونسبوا قولهم هذا إلى بعض الصحابة، ولم يثبت. وقال أبو عمر بن عبد البر: إن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي وهذه زلة عالم، وقد حذرنا من زلة العالم. انتهى. وقد رجح جماعة من الأصحاب قول محمد بن الحسن الموافق لمن ذكر منهم أبو الليث السمرقندي فكيف يقال عن أولئك بعض الناس بعد أن يقال عن هؤلاء إنهم أهل العلم، وسيأتي عن قريب التنبيه على ما استدل به أولئك

стр. 1991

إن شاء الله تعالى وإن كان مراده أن القائلين بتسمية المسكر خمرًا لا يقولون إنها خمر حقيقة بل مجازًا فهذا غير مسلم فإن التفريق بين الحقيقة والمجاز اصطلاح حادث ولا تحقيق يحبب هذا التفريق بعد الإتفاق على حكم التحريم والتسمية في الكل هنا عند من ذكروا اتفاقهم مؤيد بالكتاب والسنة. قوله: (ولنا أنه خاص فإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه ولهذا اشتهر استعماله فيه، وفي غيرِه غيرُه، ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها ظنية وإنما سمي خمرًا لتخمره لا لمخامرته العقل على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصًا فيه، فإن النجم مشتق من الظهور ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر، وهذا كثير النظير والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين والثاني أريد به بيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرسالة). فيه نظر من وجوه: أحدها: قوله: إنه اسم خاص بإطباق أهل اللغة.

стр. 1992

وجوابه: أن صاحب المحكم حكى فيه عن أبي حنيفة الدينوري أنه قال: قد يكون الخمر من الحبوب هذا من ناقلي اللغة. وعن أنس ﵁: "إن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر" متفق عليه، وفي لفظ قال: "حرمت علينا حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر" رواه البخاري، وفي لفظ: "لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب إلا من تمر" رواه مسلم.

стр. 1993

وعن أنس أيضًا ﵁ قال: "كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها" متفق عليه، وعن ابن عمر قال: "تنزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما منها شراب العنب" رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال/ على منبر النبي ﷺ : "أما بعد: أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه، وفي لفظ: "كل

стр. 1994

مسكر خمر وكل خمر حرام" رواه مسلم والدارقطني، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" رواه الجماعة إلا البخاري، وعن عبد الله بن ابي الهذيل قال: "كان عبد الله يحلف بالله أن التي أمر رسول الله ﷺ حين حرمت الخمر أن يكسر دنانه وأن يكفأ ثمره التمر والزبيب" روه الدارقطني. وهذه نصوص لا يجوز الاعتراض عليها تدل على أن اسم الخمر لا يختص بالمسكر من عصير العنب لأن الرسول ﷺ والصحابة ﵃ هم أهل اللسان، ولو خالفهم غيرهم لا يلتفت إلى خلافه، لأن فهم من خوطب بالقرآن لمعانيه، أولى من فهم غيرهم، ولو لم يرد من السنة زيادة على ما في الكتاب من تحريم الخمر، وقلنا إنها حقيقة في عصير العنب إذا أسكر لكان غيره من المسكرات محرمًا بدلالة النص لأنه مثله

стр. 1995

من كل وجه إذ المعنى الذي حرم لأجله قليل عصير العنب إذا أسكر كثيره -وهو سد الذريعة إلى الكثير- موجود في غيره وإن لم يكن بدلالة النص فبالقياس، فإنه إن لم يكن هذا قياسًا صحيحًا فليس في الدنيا قياس صحيح وكيف يقاس الجص على الحنطة في تحريم الربا بجامع الكيل والجنس ولا يقاس بقية الأنواع المسكرة على الخمر التي هي من عصير العنب بعلة الإسكار التي قد نبهنا الله عليها بقوله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ وهذا المعنى موجود في كل مسكر إن لم يكن داخلاً في اسم الخمر كما ذكرتم، كيف وقد ثبت بما تقدم أن اسم الخمر شامل لكل مسكر. الثاني: قوله: ولهذا اشتهر استعماله فيه، وفي غيره غيره. وجوابه: أن غلبة الاستعمال لا تدل على الاختصاص كما أن غلبة استعمال ذوي الأرحام على من لا فرض له ولا تعصيب لا يمنع من أنه يعم جميع الأقارب، وغلبة استعمال السعي على العدو لا يمنع من أنه يشمل كل شيء، وغلبة استعمال الجائز على المباح لا يمنع شموله الواجب والمستحب وشواهد ذلك من الكتاب والسنة والكلام الفصيح كثيرة. الثالث: قوله: ولأن حزمة الخمر قطيعة وهي في غيرها ظنية.

стр. 1996

وجوابه: أن ذلك لو سلم لا يمنع من الاستدلال على تحريم قليل ما أسكر كثيرة إذ لو منع لانسد باب الاستدلال بالكتاب والسنة في مسائل النزاع، وقد قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ على أن القطع والظن أمر نسبي فقد يكون الحكم ظنيًا عند شخص وهو قطعي عند غيره، وإن كان لا يكفر جاحده لتأويله، بل يكون مأجورًا على اجتهاده مغفورًا له خطؤه، وهكذا الحكم في كل مسائل الخلاف. الرابع: قوله: وإنما سمي خمرًا لتخمره لا لمخامرته العقل. وجوابه: أن عبارات أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر اختلفت على ثلاثة معان متقاربة كلها موجودة لا يلزم من إثبات أحدها نفي ما عداه كما ادعاه المصنف: أحدها: أنه من التخمر أي تركت حتى أدركت كما يقال: قد اختمر العجين أي بلغ إدراكه، واختمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه، والمعنى في ذلك كله: أنه قد غطى حتى أدرك غايته. ثانيها: أنه من المخامرة وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، مأخوذ من قولهم: دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم. ثالثها: أنها سميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره وكل شيء غطيته فقد خمرته.

стр. 1997

الخامس: قوله: على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصًا به، فإن النجم مشتق من الظهور ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير./ وجوابه: أن النجم وإن لم يسم به كل ما ظهر لا يختص به ما غلب عليه وهو الثريا، بل يسمى به سائر النجوم وكذلك الخمر وإن لم يسم بها كل ما غطى العقل من غير إسكار كالبنج والنوم ونحوهما لا يختص به ما غلب عليه وهو المسكر من عصير العنب بل يسمى به كل ما غطى العقل مسكرًا. السادس: قوله: والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين. يشير بذلك إلى ما رواه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي عن أبي عون الفرائضي، قال: سمعت عباس الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ثلاثة أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ : "كل مسكر حرام"، "ولا نكاح إلا

стр. 1998

بولي"، و "من مس ذكره فليتوضأ"، وقد قال ابن الجوزي: لا يثبت عن يحيى، وقد كان مذهبه انتقاض الوضوء بمس الذكر، وكان يحتج بحديث بسرة كذلك رواه الدارقطني عنه. انتهى. مع أن الطعن المبهم لا يصح، وقوله ﷺ : "كل مسكر خمر" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵁، وقد خرجه أبو عمر بن عبد العزيز من طرق في التمهيد، وحكى تصحيح أحمد له، وكفى بتصحيح أحمد ومسلم له، مع أن الأحاديث في ذلك كثيرة صحيحة غير هذا الحديث منها: الحديث الثاني الذي ذكره المصنف وهو

стр. 1999

قوله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" رواه الجماعة إلا البخاري، ولم يرده المصنف إلا بأنه أريد به بيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرسالة، ويجب مقابلته بالسمع والطاعة ومقابلة بقية الأحاديث منها [بـ] ما تقدم ذكره ومنها عائشة ﵂، قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن البتع؟ وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه فقال: كل شراب أسكر فهو حرام". وعن أبي موسى قال: "قلت يا رسول الله ﷺ أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه- فقال: كل مسكر حرام" متفق عليهما. ويضيق هذا المختصر عن بسط ما في ذلك من الأحاديث، وقد ذكر في معارضتها أحاديث لم يثبت منها شيء بل كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولا تصلح لمعارضة ما ذكر. قوله: (وهو غير معلول عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر

стр. 2000

المسكرات، والشافعي ﵀ يعديه إليها، وهذا بعيد لأنه خلاف السنة المشهورة، وتعليل لتعدية الاسم، والتعليل في الأحكام لا في الأسماء). الذي ادعى بعده هو القريب الذي تشهد له السنة بالصحة كما تقدم في الأحاديث المذكورة، وقد جاء في السنن عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر وصححه الدارقطني. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل ما أسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" رواه أحمد
следующие страницы →