← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وجوابه: أن ذلك لو سلم لا يمنع من الاستدلال على تحريم قليل ما أسكر كثيرة إذ لو منع لانسد باب الاستدلال بالكتاب والسنة في مسائل النزاع، وقد قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ على أن القطع والظن أمر نسبي فقد يكون الحكم ظنيًا عند شخص وهو قطعي عند غيره، وإن كان لا يكفر جاحده لتأويله، بل يكون مأجورًا على اجتهاده مغفورًا له خطؤه، وهكذا الحكم في كل مسائل الخلاف. الرابع: قوله: وإنما سمي خمرًا لتخمره لا لمخامرته العقل. وجوابه: أن عبارات أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر اختلفت على ثلاثة معان متقاربة كلها موجودة لا يلزم من إثبات أحدها نفي ما عداه كما ادعاه المصنف: أحدها: أنه من التخمر أي تركت حتى أدركت كما يقال: قد اختمر العجين أي بلغ إدراكه، واختمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه، والمعنى في ذلك كله: أنه قد غطى حتى أدرك غايته. ثانيها: أنه من المخامرة وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، مأخوذ من قولهم: دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم. ثالثها: أنها سميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره وكل شيء غطيته فقد خمرته.

стр. 1997

الخامس: قوله: على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصًا به، فإن النجم مشتق من الظهور ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير./ وجوابه: أن النجم وإن لم يسم به كل ما ظهر لا يختص به ما غلب عليه وهو الثريا، بل يسمى به سائر النجوم وكذلك الخمر وإن لم يسم بها كل ما غطى العقل من غير إسكار كالبنج والنوم ونحوهما لا يختص به ما غلب عليه وهو المسكر من عصير العنب بل يسمى به كل ما غطى العقل مسكرًا. السادس: قوله: والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين. يشير بذلك إلى ما رواه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي عن أبي عون الفرائضي، قال: سمعت عباس الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ثلاثة أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ : "كل مسكر حرام"، "ولا نكاح إلا

стр. 1998

بولي"، و "من مس ذكره فليتوضأ"، وقد قال ابن الجوزي: لا يثبت عن يحيى، وقد كان مذهبه انتقاض الوضوء بمس الذكر، وكان يحتج بحديث بسرة كذلك رواه الدارقطني عنه. انتهى. مع أن الطعن المبهم لا يصح، وقوله ﷺ : "كل مسكر خمر" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵁، وقد خرجه أبو عمر بن عبد العزيز من طرق في التمهيد، وحكى تصحيح أحمد له، وكفى بتصحيح أحمد ومسلم له، مع أن الأحاديث في ذلك كثيرة صحيحة غير هذا الحديث منها: الحديث الثاني الذي ذكره المصنف وهو

стр. 1999

قوله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" رواه الجماعة إلا البخاري، ولم يرده المصنف إلا بأنه أريد به بيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرسالة، ويجب مقابلته بالسمع والطاعة ومقابلة بقية الأحاديث منها [بـ] ما تقدم ذكره ومنها عائشة ﵂، قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن البتع؟ وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه فقال: كل شراب أسكر فهو حرام". وعن أبي موسى قال: "قلت يا رسول الله ﷺ أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه- فقال: كل مسكر حرام" متفق عليهما. ويضيق هذا المختصر عن بسط ما في ذلك من الأحاديث، وقد ذكر في معارضتها أحاديث لم يثبت منها شيء بل كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولا تصلح لمعارضة ما ذكر. قوله: (وهو غير معلول عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر

стр. 2000

المسكرات، والشافعي ﵀ يعديه إليها، وهذا بعيد لأنه خلاف السنة المشهورة، وتعليل لتعدية الاسم، والتعليل في الأحكام لا في الأسماء). الذي ادعى بعده هو القريب الذي تشهد له السنة بالصحة كما تقدم في الأحاديث المذكورة، وقد جاء في السنن عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر وصححه الدارقطني. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل ما أسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" رواه أحمد

стр. 2001

وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وعن سعيد بن أبي وقاص ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن قليل ما أسكر كثيره" رواه النسائي والدارقطني، وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فانتبذوا فيكل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا" رواه مسلم. وقوله: وهذا بعيد لأنه خلاف السنة المشهورة، يشير إلى قوله ﷺ "حرمت الخمر لعينها، والسكر من كل شراب" وسيأتي التنبيه على ضعف هذا الحديث عن قريب إن شاء الله تعالى، وقال ابن المنذر: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة ذكرناها مع عللها في كتاب الأوسط. انتهى.

стр. 2002

ولم يعدل محمد بن الحسن عن قول شيخه في هذا إلا لما تبين له من الحق. وقوله: وتعليل لتعدية الاسم، والتعليل في الأحكام لا في الأسماء. جوابه: أن هذا ليس من باب تعدية الاسم بل من باب شمول الاسم المشتق له كما في خبز الشعير وخبز الرز وخبز الذرة ونحو ذلك، فإن اسم الخبز يشمل الكل لمعنى الخبز وإن كان الاسم يغلب في كل بلد على ما يتعارفونه وليس ذلك من باب تعدية الاسم ولو لم يكن الاسم شاملاً لغير المسكر من عصير العنب، فعلة الإسكار شامل للكل، والقليل/ من الكل داع إلى الكثير للذة النشوة في كل مسكر، ولا تصح دعوى الاختصاص. قوله: (واختلفوا في سقوط ماليتها، والأصح أنه مال لأن الطباع تميل إليها وتضن بها). فيه نظر، فإن المسلم مأمور باجتنابها بنص القرآن، والقول بماليتها مضاد لذلك ولا يميل إليها ويضن بها إلا كافر أو فاسق، وإن مال الطبع إليها لما يسمع عنها من اللذة فالضنة بها لا تقع من مؤمن إلا أن يكون فاسقًا، بل يجتنبها ويتلفها امتثالاً لأمر ربه، بل صاحب الطبع السليم يبعد عنها لما فيه من المفاسد كما ورد عن عمر ﵁ أنه قال: "لم أشربها في الجاهلية ولا

стр. 2003

في الإسلام" وكذلك نقل عن غيره أيضًا، فلا يصح التعليل بميل الطبع إليها ولا الضنة بها. قوله: (إلا أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر إلى آخره). فيه نظر، وقول محمد بن الحسن لمن تقدم ذكره، هو الحق يجب اعتقاده لما تقدم ذكره من السنة، وأيضًا فعن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" رواه أحمد وأبو داود وأخرج أحمد وابن ماجه معناه عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وأخرج ابن ماجه أيضًا معناه من حديث أبي أمامة، وأخرج النسائي عن ابن محيريز عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 2004

قوله: (ولا بأس بالخليطين لما روي عن ابن زياد ﵁ أنه قال: "سقاني ابن عمر شربة ما كدت أهتدي إلى أهلي فغدوت إليه من الغد، فأخبرته بذلك، فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب"). هذا الأثر لم يثبت عن ابن عمر ﵁ كيف وهو راوي قول النبي ﷺ : "كل مسكر خمر" كما تقدم، وعلى تقدير صحته يمكن أن يكون ابن عمر لم يعلم أنه قد اشتد بعد فسقاه، ولو علم أنه قد بلغ حد الإسكار لأراقه، كما قال أبو داود: سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فقال: لا بأس به، قلت: إنهم يقولون: يسكر فقال: لا يسكر لو كان يسكر ما أحله عمر ﵁ وهكذا يقال عن بن عمر ﵄: لو كان قد علم أنه يسكر ما أحله، يؤيده ما ذكر ابن عبد البر في التمهيد بسنده أن ابن عمر ﵁ "نهى أن ينبذ الزهور والرطب جميعًا والبسر والتمر جميعًا".

стр. 2005

قوله: (وما روي أنه ﵊: "نهى عن الجمع بين التمر والزبيب وبين الرطب والبسر" محمول على حالة الشدة وكان ذلك في الابتداء). يعني بالشدة الجذب والغلاء، وفيه نظر، بل لأنه تسرع إليه قوة الإسكار لأن أحدهما يقوي الآخر فيسرع تخمره كما في النهي عن الانتباذ في النقير والمزفت والحنتم والدباء لأن هذه الأوعية تقوي إسراع التخمر إليه فيدب فيه الإسكار وهم لا يعلمون فيشرب الرجل مسكرًا وهو لا يدري فحماهم عن ذلك ثم إنه ﷺ بين أن المعنى الذي نهاهم عنه لأجله عن الانتباذ في هذه الأوعية ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، ولا يقوي ما ذكره

стр. 2006

المصنف من المعنى وهو أنه نهى عن الخليطين لأجل ما أصاب أهل المدينة من الجدب والقحط لأنه ﷺ قال بعد نهيه عن الخلط: "انتبذوا كل واحد على حدته" متفق عليه، وقال في لفظ: "من شربه منكم فليشربه زبيبًا فردًا أو تمرًا أو بسرًا فردًا" رواه مسلم والنسائي. وانتباذ كل واحد على حدته بمفرده لا يكون فيه توفير شيء فلو انتبذ صاعًا من تمر مرة وصاعًا من زبيب مرة كان كما لو انتبذ نصف صاع تمر ونصف صاع زبيب مرة ثم انتبذ مثل ذلك مرة أخرى سواء بسواء، ويدل على أن هذا المعنى هو المراد وهو الخوف من أن يقوي أحدهما الآخر ما رواه المختار بن فلفل عن أنس ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين شيئين مما ينتبذان مما يبغي أحدهما على صاحبه" الحديث رواه النسائي، وقد كان ينتبذ لرسول الله ﷺ الخليطان ويشربه بسرعة كما في حديث عائشة ﵂/ قالت: "كنا ننبذ لرسول الله في سقاء فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنظرحهما فيه ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربة عشية، وننبذه عشية

стр. 2007

فيشربه غدوة" رواه ابن ماجه. قوله: (لقوله ﵊: "الخمر من هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرمة والنخلة" خص التحريم بهما، والمراد بيان الحكم). فيه رد على من يخص الخمر بالكرمة وحدها، قد ورد في السنة الصحيحة الزيادة على ما في هذا الحديث وهو موافق للقياس الصحيح على ما تقدم، ومعنى الحديث المذكور والله أعلم: أن الأعم الأغلب أن تكون الخمر من هاتين الشجرتين، وقد ورد مثل هذا المعنى في صيغ الحصر كما في قوله تعالى: ﴿إنما أنت نذير﴾ وقوله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" متفق عليه والمراد حصر الكمال. قوله: (لأن قليله لا يدعو إلى كثيره كيفما كان).

стр. 2008

يعني نبيذ العسل والتين والحنطة والشعير، وفيه نظر بل كل ما يسكر كثيره فقليله يدعو إلى كثيره، ودعوى الاختصاص إنما نشأت والله أعلم من اعتقاد الفرق بين المسكر من عصير العنب وبين غيره من المسكرات، وقد تقدم التنبيه على ضعف الفرق. قوله: (ولنا قوله ﵊: "حرمت الخمر لعينها" ويروى "بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شرب"). أخرجه النسائي والبيهقي والطحاوي من كلام ابن عباس نفسه ولم يثبت مرفوعًا، وفي لفظ للنسائي "والمسكر من كل شراب" بالميم، وهذه الرواية موافقة، لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فيجب رد الرواية الأخرى إليها، وأن راويها بغير ميم واهم في روايته.

стр. 2009

قوله: (ولأن المفسد هو القدح المسكر وهو حرام عندنا). فيه نظر، فإن القدح الأخير إنما يصير مسكرًا بما تقدمه لا بانفراده بنفسه، وقد أجاب السغناقي ﵀ عن هذا الإشكال: بأنه لما وجد السكر بشرب القدح الأخير أضيف الحكم إليه لكونه علة معنى وحكمًا، وهذا لأن المسكر ما يتصل به السكر بمنزلة المتخم من الطعام فإن تناول الطعام بقدر ما يغذيه ويقوي بدنه حلال، وما يتخمه وهو الأكل فوق الشبع حرام، ثم المحرم منه هو المتخم وهو ما زاد على الشبع، وإن كان هذا لا يكون متخمًا إلا باعتبار ما تقدمه فكذلك في الشراب، إلى هذا أشار في المبسوط. انتها. وهذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه تعليل مقابلة النص فقد ثبت -بما تقدم ذكره من السنة الصحيحة المشهورة الموضحة لما دل عليه الكتاب- التسوية بين المسكر من عصير العنب وبين المسكر من غيره فلا يقبل. والثاني: أن الفرق بين المسكر والمتخم أن للمتخم حدً يمكن ضبطه به وهو الزيادة على الشبع، ولا حد للمسكر، ولا يدعو قليل الأكل النافع إلى الكثير المتخم بخلاف المسكر، ولما لم يكن ضبط القدر المسكر بضابط- وكان القليل

стр. 2010

منه داعيًا إلى كثيرة ولم يعارض المنع من القليل معارض أقوى منه ولا مساوٍ له من حاجة أو ضرورة -منع الشارع من المنع قليلة كما منع من كثيره، ولما أمكن ضبط القدر المتخم بضابط- وهو الزيادة على الشبع، وليس في الطبع ما يدعو إليه بل الطبع السليم ينفر من الأكل فوق الشبع- منع الشارع من الزيادة عليه إلا إذا عارض ذلك معنى آخر كمؤانسة الضيف أو التقوى على صوم الغد فيباح له الزيادة بقدر الحاجة، فلا يصح قياس المسكر على المتخم والحالة هذه، وأيضًا فإن التخمة لا تحصل إلا بالأكل الزائد على الشبع بخلاف السكر فإنه يحصل بتناول المسكر شيئًا فشيئًا فكان نظير القدح الأول اللقمة الأولى بعد الشبع، نظيره [أيضًا] إيقاد الحطب تحت قدر اللحم كلما أوقد عودًا ازداد اللحم نضجًا، فلا يحصل شيء من التخمة بالأكل دون الشبع ويحصل بعض السكر بتناول بعض المسكر كما يحصل بعض التخمة بتناول شيء بعد الشبع لكن لما لم يكن ضبط البعض -الذي يحصل به بعض السكر أو بعض التخمة- منع مطلقًا/ من الأكل فوق الشبع، ومن تناول شيء من المسكر سدًا للذريعة. قوله: (ولنا قوله ﵊: "نعم الإدام الخل"). اختلف العلماء في جواز تخليل الخمر ، فعن عمر بن الخطاب عدم

стр. 2011

جواز تخليلها وبه قال الزهري وأحمد ونحوه قول مالك وابن المبارك. وقال الشافعي: إن ألقي فيها شيء يفسدها كالملح فتخللت فهي على تحريمها، وإن نقلت من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت ففي إباحتها قولان. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تطهر بالتخيل، واتفق العلماء على أنها لو تخللت بنفسها طهرت وحلت، استدل من قال بجواز التخليل بما ذكره المصنف وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث جابر، وبما ذكره البيهقي وغيره عن جابر -رضي الله

стр. 2012

عنه- أيضًا "ما أفقر أهل بيت من أدم فيه خل، وخير خلكم خل خمركم"، وهو حديث ضعيف، وبما ذكره الدارقطني عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الدباغ يحل من الميتة كما يحل الخل من الخمر" وهو حديث ضعيف أيضًا واستدل من قال بعدم جواز التخليل بحديث أنس ﵁ "أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاً؟ فقال: لا" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعنه "أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟ قال: أهرقها،

стр. 2013

قال: أفلا نجعلها خلاً؟ قال: لا"، رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد قال: "قلنا لرسول الله ﷺ لما حرمت الخمر: إن عندنا خمرًا ليتيم لنا؟ فأمرنا فأهرقناها" رواه أحمد. وهذه نصوص في المسألة لا تصح معارضتها بما ذكره المجوزون أصلاً، فإن حديث "إن الدباغ يحل من الميتة كما يحل الخل من الخمر" لا تقوم به حجة، والحديث الذي فيه مدح خل الخمر ضعيف أيضًا، ولو ثبت يحمل على خل خمر تخللت بنفسها، والحديث الذي ذكره المصنف وإن كان صحيحًا فلا معارضة بينه وبين نهي النبي ﷺ عن تخليل الخمر بل يج حمله على خل لم يكن أصلها خمرًا، أو كان أصلها خمرًا وتخللت بنفسها للجمع بين الحديثين، والفرق بين تخليل الخمر ودباغ جلد الميتة أن جلد الميتة لا محذور في إمساكه للدبغ، فإن الطباع تنفر من الميتة فلا يخاف مقارفتها بخلاف الخمر فإن الطبع قد يميل إليها، والشيطان لم يمت بعد فيخاف مقارفتها فيجب مفارقتها بإراقتها، والأمر فيها بالاجتناب منصوص عليه ونهيه عن تخليلها دليل على أن ذلك لا يصلحها، ولو كان إلى إصلاحها سبيل لم يجز إراقتها، بل كان أرشدهم إليه لاسيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم، وقد تقدم نقله عن عمر ﵁ ولا يعرف له مخالف من الصحابة فنزل منزلة الإجماع.

стр. 2014

قالوا: بل أمره ﷺ كافٍ في عدم جواز تخليلها لأنه لو جاز لبين جوازه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، كما قال في حق الشاة الميتة: "هلا دبغتم جلدها فانتفعتم به" كيف والأصحاب يدعون مالية الخمر دون مالية الميتة، وقد "نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال" فلو جاز تخليلها لما أمر بإراقتها. وقد أجيب عن هذا: بأن ذلك كان في الابتداء لينزجر الناس عنها وينتهوا عن شربها، وهذا الجواب فاسد، فإن الناس اليوم أحوج إلى شرع مثل هذا الزاجر من أهل ذلك الزمان، فإن الصحابة ﵃ كانوا أقرب إلى الانتهاء بمجرد النهي ممن بعدهم، ألا ترى "أن عمر ﵁ زاد في حد الشرب إلى ثمانين" للزجر، ورأى أن أقل من ذلك لا يزجرهم لما رأى من حالهم، وأيضًا فإن المحرم لما نهي عن قتل الصيد لم يكن قتله ولا ذبحه إياه مبيحًا له فكذلك تخليل الخمر. قوله: (فصل في طبخ العصير إلى آخره).

стр. 2015

قد تقدم التنبيه على أن الشارع سوى بين المسكر من عصير العنب وبين غيره من المسكرات فطبخ العصير لا يفيد شيئًا بعد ثبوت ذلك، وأما ما روي عن عمر ﵁ "أنه لما قدم الشام وأراد أن يطبخ للمسلمين شرابًا لا يسكر كثيره، طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مثل الرب فأدخل فيه إصبعه فوجده غليظًا، فقال: كأنه الطلاء، يعني الطلاء الذي تطلى به الإبل، فسموا ذلك الطلاء. فهذا الذي أباحه عمر ﵁ لم يكن يسكر ولكن نشأت شبهة/ من جهة أن هذا المطبوخ قد يسكر من جهة ما يضاف إليه من الأفاويه وغيرها مما يقويه ويشده حتى يصير مسكرًا أو من جهة أنه ربما يكون لبعض البلاد طبيعة يسكر فيها ما ذهب ثلثاه فيحرم إذا أسكر فإن مناط التحريم هو السكر لما تقدم، ولم يثبت عن عمر ﵁ ولا غيره من الصحابة ﵃ أنه أباح قليل مسكر ولا كثيره، والله أعلم. * * *

стр. 2016

كتاب الصيد قوله: (وله أنه آية جهله من الابتداء؛ لأن الحرفة لا ينسى أصلها فإذا أكل تبين أنه كان تركه الأكل للشبع لا للعلم، وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود، لأنه بالأكل، فصار كتبدل اجتهاد القاضي قبل القضاء). قول الصاحبين أقوى وعليه أكثر أهل العلم، وقول المصنف: أنه آية جهله من الابتداء. ممنوع، بل أكله من صيده بعد ثبوت تعلمه وحل صيده

стр. 2017

يحتمل أن يكون لنسيان أو لفرط جوعه أو لنسيان تعليمه، فلا يترك ما ثبت يقينًا من تعلمه وحل صيده بالاحتمال. وقوله: لأن الحرفة لا ينسى أصلها، فإذا أكل تبين أنه كان تركه الأكل للشبع لا للعلم. جوابه: المنع أيضًا لما تقدم؛ ولأنه ترك الأكل من صيوده المتقدمة علم أنه كان قد أمسكها لمرسله ولما أكل من هذا الصيد الأخير احتمل أنه أمسكه لنفسه، وقد قال تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وقد قال ﷺ لعدي بن حاتم: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" متفق عليه. فقد نبه ﷺ على العلة بقوله: فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه. ولم يقل فإنه تبين أنه لم يكن متعلمًا، وأنه إنما كان قد ترك الأكل للشبع لا للعلم، وبهذا يحصل الجواب عن قوله: وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود إلى آخره، والله أعلم. قوله: (وإذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه، ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتًا أكل، وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتًا لم يؤكل لما روي عن النبي ﷺ "أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي وقال: لعل هوام الأرض قتلته"). فيه نظر، لحديث عدي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت

стр. 2018

الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، فإن وقع في الماء فلا تأكل" رواه أحمد والبخاري. وفي رواية: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله فإن غاب يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، فإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل" رواه مسلم والنسائي. وفي رواية: أنه قال للنبي ﷺ : "إنا نرمي الصيد فتقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتًا وفيه سهمه؟ قال: يأكل إن شاء" رواه البخاري. وفي رواية قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الصيد؟ قال: إذا رميت سهمك فاذكر الله، فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" متفق عليه. وعن أبي ثعلبه الخشني عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت سهمك فغاب ثلاثة ايام وأدركته فكله ما لم ينتن" رواه أحمد ومسلم وأبو داود

стр. 2019

والنسائي، وهذان الحديثان المخرجان في الصحيح لا يصلح لمعارضتهما ما أشار إليه المصنف من كراهية النبي ﷺ فإنه لم يثبت مسندًا، وإنما ذكره أبو داود في المراسيل والبيهقي ولو صح لأمكن الجمع بأن الكراهة للتنزه دون التحريم، وهذا هو المشهور عن أحمد وهو قول الحسن وقتادة قالوا: إذا لم يجد فيه إلا أثر سهمه ولم يقع في ماء يأكله إن شاء. قوله: (ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل). تقدم في كتاب الذبائح التنبيه على لفظ الحديث. قوله: (وقال ﵊: "الصيد لمن أخذه"). هذا الحديث غير معروف في كتب الحديث. قوله: (والصيد لا يختص بمأكول اللحم، قال قائلهم: صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدي الأبطال)

стр. 2020

البيت لعنترة العبسي وهو جاهلي وهم كانوا الثعالب وما هو شر منها، وفي تحريم أكل الثعالب خلاف بين علماء المسلمين، فقد ذهب الشافعي وغيره إلى القول بحله، وإن كان استدلاله بصيد الأبطال فإن قتل الأبطال لا يسمى صيدًا إلا بقرينة فهو مجاز، وذلك بمنزلة تسمية الشجاع أسدًا فلا/ يصح الاستدلال به على أن الصيد لا يختص بمأكول اللحم. * * *

стр. 2021

كتاب الرهن قوله: (لقوله ﵊: "لا يغلق الرهن. قالها ثلاثًا، لصاحبه غنمه وعليه غرمه"). عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه" قال الدارقطني [هذا] إسناد حسن متصل. انتهى.

стр. 2022

ولم أر في شيء من طرقه: قالها ثلاثًا كما قال المصنف. قوله: (ولنا قوله ﵊ للمرتهن بعد ما نفق فرس الرهن عنده: "ذهب حقك"، وقوله ﵊: "إذا عمي الرهن فهو بما فيه"). الحديث الأول رواه أبو داود مرسلاً عن عطاء "أن رجلاً رهن فرسًا فنفق في يده، فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: ذهب حقك" قال عبد الحق في أحكامه: هذا مرسل وضعيف الإسناد. انتهى. ومذهب عطاء بخلافه، حكاه صاحب المغني، وقال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذابًا، وقيل: يرويه مصعب بن ثابت وكان

стр. 2023

ضعيفًا. قالوا: ويحتمل أنه أراد: ذهب حقك من التوثق، أي لايلزم الراهن أن يرهن شيئًا آخر مكان الفرس، وكان حقه في الفرس التوثق بحبسه فذهب بموته، مع أن قوله: "فنفق في يده" ظاهره أنه نفق في يد الراهن قبل التسليم إلى المرتهن وحينئذ فقد ظهر أن معنى قوله للمرتهن: "ذهب حقك" في الارتهان، فلا يلزم الراهن أن يقيم بدل الفرس رهنًا آخر. والحديث الثاني: رواه الدارقطني وضعف سنده، ولفظه عن أنس عن النبي ﷺ : "الرهن بما فيه" ولو صح فلا يدل على ما ادعاه المصنف بل يحتمل أن معناه أن المرتهن أولى به من غيره من الغرماء، ويكون معنى قوله: الرهن بما فيه، أن يكون بما هو مرهون به يختص المرتهن بالاستيفاء منه دون سائر الغرماء عند ضيق التركة. قوله: (وإجماع الصحابة ﵃ على أن الرهن مضمون مع اختلافهم في كيفيته والقول بالأمانة خرق له). في نقل الإجماع نظر، فقد نقل عن علي ﵁ فيه روايات

стр. 2024

مختلفة منها: أنه يهلك من مال الراهن، حكى هذه الرواية عنه صاحب المغني، ولا يعرف فيه نقل عن غير علي وعمر ﵄، والنقل عن علي مضطرب فأين الإجماع، وقال بهذا القول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وسائر أهل الحديث وأهل الظاهر. قال ابن المنذر في الإشراف: وبقول الشافعي أقول لأن ملك الراهن ثابت عليه ولم يملكه المرتهن، فإذا تلف فتلفه من مال مالكه، والزيادة والنقصان عليه وله. انتهى.

стр. 2025

قوله: (ولأن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء ... إلى آخره). لا يلزم مما ذكره كله أن يكون المرتهن مستوفيًا دينه عند هلاك الرهن، فأما قوله: إن الرهن ينبئ عن الحبس الدائم، قال الله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾. فجواب: أن الرهن إنما هو بالدين فيبقى ببقاء الدين، ولهذا يلزم المرتهن رده عند استيفاء الدين فلا يلزم منه أن يكون مضمونًا بالدين، بل محبوسًا به، وأما استدلاله بقول القائل: وفارقت برهن لا فكاك له .... البيت. فلا دليل فيه، فإنه ذكر رهنًا منكرًا في سياق إثبات، ووصفه بأنه لا فكاك له، فلا يلزم منه أن كل رهن لا فكاك له، وأما قوله: ليقع الأمر من الجحود مخافة جحود المرتهن الرهن -إلى أن قال- وإذا كان كذلك ثبت الاستيفاء من وجه، وقد تقرر بالهلاك، فلو استوفاه ثانيًا يؤدي إلى الربا إلى آخره.

стр. 2026

فجوابه أنه إذا احتمل كلا المعنيين والدين ثابت بيقين فلا يسقط بالشك، والمرتهن لم يكن مستوفيًا حال قيام الرهن، فلا ينقلب بعد هلاكه فلا يكون باستيفائه مستوفيًا لحقه مرتين، وإذا لم يكن بالارتهان مستوفيًا لدينه حال قيام الرهن لا يصير مستوفيًا لحقه مرتين، وإذا لم يكن بالارتهان مستوفيًا لدينه حال قيام الرهن لا يصير مستوفيًا بعد هلاكه، لأنه في هذه الحالة معدوم والأصل بقاء ما كان على ما كان، والدين كان ثابتًا فيبقى على ما كان، والرهن كان أمانة في يده حتى لو أبرأه من الدين ثم هلك الرهن لم يضمن فيبقى على ما كان، وعلى كل تقدير فلا يلزم مما علل به كله أن يكون مستوفيًا، وإن كان محتملاً ففي ثبوته بالاحتمال نظر, قوله: (والاستيفاء يقع بالمالية، أما العين [فـ] أمانة حتى كانت نفقة المرهون على الراهن في حياته وكفنه بعد مماته/ وكذا قبض الرهن لا ينوب عن قبض الشراء إذا اشتراه المرتهن، لأن العين أمانة فلا تنوب عن قبض الضمان). كون العين أمانة على كل حال مما يؤيد قول الشافعي وأحمد ومن وافقهما فإن العين هي الأصل والمالية تبع، فيلزم من كون العين أمانة أن تكون المالية كذلك، والتفريق في المالية بين كونها أمانة في حال دون أخرى فيه نظر، فإن كون الرهن لو هلك بعد الإبراء من الدين هلك أمانة وبعد الاستيفاء لا مرتب على أن [بـ] الاستيفاء يثبت للمديون على رب الدين دين آخر، وتشتغل

стр. 2027

ذمة كل منهما بدين صاحبه، وقد تقدم التنبيه على ما في ذلك من الإشكال في كتاب الوكالة، وكون أمانة قبل هلاكه لا بعده تقدم التنبيه عليه قريبًا. قوله: (ومذهبنا مروي عن عمر وابن مسعود ﵄). أما النقل عن عمر ﵁ فرواه الدارقطني والبيهقي، وأما النقل عن ابن مسعود ﵁ فلم أره. قوله: (وما أدى أحدهما مما وجب على صاحبه فهو متطوع وما أنفق أحدهما مما يجب على الآخر بأمر القاضي رجع عليه كأن صاحبه أمره به). في هذا الإطلاق نظر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا

стр. 2028

والنسائي. وفي لفظ: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته" رواه أحمد، وبذلك قال أحمد في أصح الروايتين عنه: إن الرهن المحلوب والمركوب للمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته متحريًا للعدل في ذلك وهو قول الحق، وهو الموافق للنقل الصحيح والقياس الصحيح، فإن الراهن قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن، وفي جواز الإنفاق بالركوب وبشرب اللبن مصلحة محضة للراهن والمرتهن وهي بلا شك أولى من تعطيل ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذر أو يتعسر الرفع إلى الحاكم، ولاسيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، وأيضًا فإن هذا إن كان مأذونًا فيه شرعًا فلا حاجة إلى إذن الحاكم، فأين قال الشارع ذلك بل الشارع قد أذن للمرتهن في الإنفاق على المرهون المركوب والمحلوب بركوبه وحلبه، فاستغنينا عن إذن القاضي، إلا أن يكون القاضي ملزمًا لمن امتنع عن موجب هذا الحديث الصحيح.

стр. 2029

فإن هذا الذي يقتضيه منصب القضاء، وقد تنازع الفقهاء فيمن أدى عن غيره واجبًا بغير أمره كالدين، فمذهب مالك وأحمد في المشهور عنه: له الرجوع به عليه، وإذا أنفق نفقة تجب عليه، مثل أن ينفق على ولده الصغير أو عبده، فالمحققون من أصحاب أحمد سووا بين الدين والنفقة، والقرآن يدل لذلك، قال تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾، فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدًا ولا إذن الأب، وكذلك قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، بعد قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ ونفقة الحيوان واجبة على مالكه والمرتهن والمستأجر له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على مالكه كان أحق بالرجوع من النفقة على ولده. قوله: (ولا يجوز رهن المشاع). تقدم في كتاب الهبة، التنبيه على قوة قول من قال ب جواز رهن المشاع وهبته وإجارته ووقفه، وأنه لم يرد بإبطاله كتاب ولا سنة وأكثر الأئمة على

стр. 2030

جواز الأئمة الثلاثة وغيرهم. قوله: (فإن رهن إبريق فضة وزنه عشرة [بعشرة] فضاع فهو بما فيه، قال ﵁: معناه أن تكون قيمته مثل وزنه وأكثر). صور هذه المسألة جماعة من الأصحاب في قلب فضة وهو أولى من التصوير في إبريق فضة، فإن إبريق/ الفضة لا قيمة لصياغته، لأنه لا يجوز استعماله، فلا تجوز صياغته، وكذلك سائر الأواني من الذهب والفضة بخلاف سوار الفضة وسائر الحلي من الذهب والفضة للمرأة وخاتم الفضة للرجل، فإن هذا جائز الاستعمال جائز الصياغة فتكون صياغته متقومة. قوله: (ووجه الفرق أن بالإبراء يسقط الدين أصلاً كما ذكرناه وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب إلا أنه يتعذر الاستيفاء لعدم الفائدة، لأنه يعقب مطالبة مثله، فأما هو في نفسه قائم، فإذا هلك تقرر الاستيفاء الأول، فانتفض الاستيفاء الثاني). هذا مرتب على أصلين، في ثبوت كل منهما نظر: أحدهما: أن عقد الرهن عقد استيفاء، وقد تقدم التنبيه على ما في ذلك من الإشكال.

стр. 2031

والثاني: أن من استوفى دينه يثبت للذي وفاه في ذمته ذلك القدر الذي وفاه إياه، وتبقى ذمة كل منهما مشغولة للآخر بقدر ذلك الدين، وإنما تمتنع المطالبة لعدم الفائدة؛ لأنه إذا طالب أحدهما الآخر بدينه طالبه الآخر بدينه، ولا تقع المقاصة بالدينين أبدًا. وكلما تأمل المنصف هذا القول تبين له ضعفه، وكيف يقال إن الواجب على المديون غير ما فعله من وفاء دينه، وإن ذمة المديون اشتغلت بما لا يمكنه تفريغ ذمته منه أبدًا إلا أن يبرئه رب الدين من دينه وأنه إذا لم يبرئه فذمته مشغولة، فلو امتنع من الإبراء لا يكون له طريق إلى تفريغ ذمته، وكيف يقدم على الإبرام وقد قلتم: إنه إذا أبرأه من دينه فللمبرأ أن يطالب المبرئ بنظير ما أبرأه منه؛ لأنه بالإبراء سقط دينه وبقي دين المبرأ عليه، فله أن يطالبه به، فعلى هذا لا يقدم أحدهما على أن يبرئ صاحبه خوفًا من أن يطالبه بنظير ما أبرأه منه فتأمل قبح هذا اللازم، ولو كان الإبراء من الدين شرطًا في تفريغ ذمة المديون لبينه لنا الشارع، ولما لم يأت عن الشارع اشتراط الإبراء مع الوفاء في تفريغ الذمة علمنا أنه شرط باطل، وأن المديون لم تشتغل ذمته بغير وفاء الدين، وقد تقدم التنبيه على هذا المعنى في كتاب الوكالة. قوله: (كذا لو تصادقا على أن لا دين ثم هلك الرهن يهلك بالدين لتوهم وجوب الدين بالتصادق على قيامه فتكون الجهة باقية بخلاف الإبراء). هذه الصورة أبعد مما تقدم فإنه على تقدير أن يثبت بالاستيفاء دين في ذمة

стр. 2032

رب الدين للمديون، فهنا قد تصادقا [على] أن لا دين، ولازم ذلك أن ييكون الرهن أمانة وأن لا ضمان بهلاكه فكيف يقال بوجوب ضمان الرهن، وصاحب الرهن يبرئه عنه معنى بتصديقه على أن لا دين، وأن الرهن أمانة، مع أن صاحب المبسوط ذكر أنه يهلك أمانة خلاف ما نقله صاحب الهداية، وهذا هو الحق، وذكر الإسبيجابي فيه اختلاف المشايخ. ﷺ . * * *

стр. 2033

كتاب الجنايات قوله: (ولنا ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة، ولأن المال لا يصلح موجبًا لعدم المماثلة والقصاص يصلح للتماثل وفيه مصلحة الأحياء زجرًا أو جبرًا فيتعين، وفي الخطأ وجوب المال ضرورة صون الدم عن الإهدار ولا يتعين بعدم قص الولي بعد أخذ المال، فلا يتعين مدفعًا للهلاك). فيه نظر من وجوه: أحدها: قوله: ولنا ما تلونا، بعنى قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ الآية. وجوابه: ما ثبت عن ابن عباس ﵁ قال: "كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ الآية ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾، قال: فالعفو أن

стр. 2034

يقبل في العمد الدية والاتباع بالمعروف يتبع الطالب بمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مما كتب على من كان قبلكم" رواه البخاري والنسائي والدارقطني. والثاني: قوله: روينا من السنة، يعني قوله ﷺ : "العمد قود". وجوابه: أن هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه بألفاظ متقاربة ولا ينافي التخيير الثابت في حديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ قال: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقتل" رواه الجماعة، لكن/ لفظ الترمذي: "إما أن يعفو، وإما أن يقتل".

стр. 2035

وعن أبي شريح الخزاعي قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أصيب بدم أو خبل- والخبل الجراح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو فإن أراد رابعة فخذوا على يديه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. والثالث: قوله: ولأن المال لا يصلح موجبًا لعدم المماثلة إلى آخره. وجوابه: أن هذا تعليل في مقابلة النص فلا يقبل، وأيضًا فإن دخول المال قد يكون أصلح من القود للحاجة إليه وعدم المبالاة بفقد ذلك المقتول فيحصل به الزجر والجبر، وتمام التعليل معروف في موضعه. والتخيير مذهب سعيد بن المسيب وابن سيرين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، واختاره ابن المنذر، وقد أجاب الأصحاب عن الآية
следующие страницы →