Полный текст (2 128 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
المصنف بقوله: (وما رواه غير ثابت) لكفى.
قوله: (ولنا ما روي عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم").
لا يعرف هذا الحديث في كتب الحديث، ولكن روى أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن عمر ﵁ "أنه فرض على أهل الذهب في الدية ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم".
قال أبو عمر بن عبد العزيز: ليس مع من جعل الدية عشرة آلاف عن النبي ﷺ حديث مسند ولا مرسل، وحديث الشعبي عن عمر يخالفه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه ﵁.
стр. 2067
قوله: (والأصل فيه ما روى سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ قال: في النفس الدية وفي اللسان الدية وفي المارن الدية وهكذا هو في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم").
[أما المنقول عن سعيد بن المسيب فهو ما رواه البيهقي عنه أنه قال: "مضت السنة في العقل بأن في اللسان الدية" وعنه: "مضت السنة في العقل بأن في الذكر الدية وفي الأنثيين الدية".
ولم أر ما نقله المصنف عن ابن المسيب كما قال عنه، وأما الكتاب الذي كتبه ﷺ لعمرو بن حزم] فليس فيه لفظ المارن، وإنما فيه: "وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية" وسيأتي ذكر الحديث بكماله إن شاء الله تعالى.
قوله: (لقوله ﵊ في حديث أبي موسى: "وفي كل سن خمس من الإبل").
لا يعرف هذا الحديث عن أبي موسى، وإنما يعرف في كتاب عمرو بن
стр. 2068
حزم عن النبي ﷺ ولفظه: "في السن خمس من الإبل" رواه النسائي.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "في الأسنان خمس خمس" رواه أبو داود، ولعل المصنف اشتبه عليه حديث دية الأسنان بحديث أبي موسى في دية الأصابع: "أن النبي ﷺ قال: الأصابع سواء عشر عشر من الإبل" رواه أبو داود والنسائي.
قوله: (لما روي عن كتاب عمرو بن حزم: "أن النبي ﷺ قال: في الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة: عشر، وفي المنقلة: خمس عشرة، وفي الآمة -ويرى في المأمومة- ثلث الدية").
стр. 2069
ليس للهاشمة ذكر في حديث عمرو بن حزم، وقال ابن المنذر: لم نجد في الهاشمة عن رسول الله ﷺ فرضًا معلومًا، ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرًا من الإبل. انتهى.
وحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا وكان في كتابه: أن من اعتبط مؤمنًا قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وإن في الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نفس الدية، وفي المأمومة ثلث
стр. 2070
الدية، وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي، وقال: قد روى هذا الحديث عن يونس عن الزهري مرسلاً.
قوله: (لقوله ﵊: "وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية").
هذا اللفظ غير معروف، وإنما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "وفي اليد نصف العقل" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه،
стр. 2071
وفي بعض طرق حديث عمرو بن حزم: "وفي اليد الواحدة نصف الدية" رواه النسائي، وفي لفظ: "وفي اليد خمسون -يعني من الإبل-".
وروي عن معاذ "أن النبي ﷺ قال: وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية" ذكره في المغني، فالمصنف ﵀ نقل الحديث بالمعنى من حديثين.
قوله: (لقوله ﵊: "لا تعقل العواقل عمدًا ... الحديث").
هذا الحديث لم يصح رفعه، وإنما رواه الدارقطني والبيهقي عن عمر ﵁ وهو منقطع أنه قال: "العمد والعبد واللصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة" وحكى أحمد عن ابن عباس مثله، وقال الزهري: "مضت
стр. 2072
السنة أن العاقلة لا تحمل شيئًا من دية العمد إلا أن يشاؤوا" رواه عنه مالك في الموطأ وروى البيهقي عن الشعبي أنه قال: "لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا" قال البيهقي: هو المحفوظ في قوله.
قوله: (ولنا ما روي عن علي ﵁: "أنه جعل عقل المجنون على عاقلته وقال: عمده وخطؤه سواء").
قال البيهقي: وروي عن علي بإسناد فيه ضعف، قال: "عمد الصبي والمجنون خطا"، وروي "أن مجنونًا سعى على رجل بسيف فضربه، فرفع ذلك إلى علي ﵁ فجعل عقله على عاقلته، وقال: عمده وخطؤه سواء".
قوله: (والغرة نصف عشر الدية، قال ﵀: معناه دية الرجل وهذا في الذكر، وفي الأنثى عشر دية المرأة، وفي كل واحد منهما خمسمائة درهم).
في تفريقه بين الذكر والأنثى نظر، فإنه ليس فيه فائدة، لأن عشر دية المرأة
стр. 2073
نصف عشر دية الرجل، و دية الجنين لا تختلف باختلاف ذكورته وأنوثته فتسمية ما يجب في الذكر بنصف عشر دية الرجل، وتسمية ما يجب في الأنثى بعشر دية المرأة تطويل لا ثمرة له.
فإن قيل: تظهر ثمرة ذلك في حق الجنين المملوك، فإنه يجب نصف عشر قيمته حيًا إن كان ذكرًا، وعشر قيمته لو كان أنثى.
قيل: الكلام في الجنين الحر مع أن التفريق في الجنين المملوك بين الذكر والأنثى لا يقوى، والأئمة الثلاثة وغيرهم على أن الواجب فيهما سواء وهو عشر قيمة أمة كما أن غرة الجنين الحر يستوي فيها الذكر والأنثى ويكون الواجب فيهما عشر دية الأم، ولأنه لو اعتبر بنفسه لوجبت قيمته كلها كسائر المضمونات بالقيمة.
قوله: (وجه الاستحسان ما روي أن النبي ﷺ قال: "في الجنين غرة عبد أو أمة قيمته خمسمائة، ويروى أن خمسمائة").
هذا اللفظ منكر، وحديث الغرة ثابت في الصحيحين من حديث
стр. 2074
أبي هريرة ومن حديث المغيرة بن شعبة، وفي كل منهما: "أن النبي ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة" وليس في شيء من طرقه: "قيمته خمسمائة" ولا "أو خمسمائة".
ولكن روي البيهقي بسند منقطع [عن عمر] "أنه قوم الغرة خمسين دينارًا" وروي تقدير الغرة بنصف عشر الدية عن عمر وزيد ﵄ وبه قال النخعي والشعبي وربيعة وقتادة وإسحاق الأئمة الأربعة.
وروي عن زيد مرفوعًا: "عبدًا، أو أمة، أو خمسمائة، أو عشرون ومائة شاة أو فرس"، وهو حديث ضعف.
وقال ابن المنذر: وقد روينا عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال: "قيمة الغرة
стр. 2075
أربعمائة درهم".
وقال طاووس ومجاهد وعروة بن الزبير: "الغرة عبد أو أمه أوفرس" وقال ابن سيرين: "الغرة عبد أو أمة أو مائة شاة"، وقال الشعبي: "مائة من الغنم". انتهى.
قوله: (وهو حجة على من قدرهما بـ: ستمائة، نحو مالك والشافعي هما الله).
لا يكون حجة عليهما إلا بعد ثبوته، ولم يثبت، بل لم يعرف ناقله.
قوله: (وهي على العاقلة عندنا إذا كانت خمسمائة درهم).
فيه نظر، فإن الغرة قد قدرها بخمسمائة درهم، فكيف يقول إذا كانت خمسمائة درهم، وإن كان مراده أنها على العاقلة لأنها مقدرة بخمسمائة درهم وهذا المقدار أقل ما يحمله العواقل عند أبي حنيفة، فحقه أ، يقول: إذا كانت خمسمائة درهم، بكلمة: إذ. لا بكلمة: إذا. وهي في نسخ الهداية
стр. 2076
بـ: إذا.
قوله: (ولنا ما روي عن محمد ﵀ أنه قال: بلغنا: "أن رسول الله ﷺ جعله على العاقلة في السنة").
يعني الغرة، ولم يثبت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ولم يذكره أهل الحديث.
قوله: (وفي جنين الأمة إذا كان ذكرًا نصف عشر قيمته لو كان حيًا، وعشر قيمته لو كان أنثى).
لو قال: وفي الجنين المملوك لكان أولى من قوله: (وفي جنين الأمة) لأن جنين الأمة لو كان من مولاها أو من زوجها المغرور كان حرًا، وكان الواجب فيه غرة كما في جنين الحرة، وإذ قد قال (وفي الجنين الأمة) فحقه أن يحترز عن جنين الأمة من مولاها ومن زوجها (المغرور) ويقيد ما أطلقه.
* * *
стр. 2077
باب جناية البهيمة الجناية عليها
قوله: (والراكب ضامن لما أوطأت الدابة وما أصابت بيدها أو رجلها).
هذا من لحن بعض الفقهاء أعني قوله: (أوطأت الدابة) قال في المغرب: وطئ الشيء برجله وطأ، ومنه وطئ المرأة: جامعها، وأوطأت فلانًا الدابة فوطئته أي ألقيته لها حتى وضعت عليها رجلها وعلى ذا قوله: ولو سقط فأوطأه رجل من المشركين بدابته؛ سهو، وإنما يقال: دابته، وكذا قوله: فأوطأت في القتال مسلمًا فقتله، الصواب: فوطئت. انتهى.
ولا شك أن (وطئ) متعد إلى واحد، وبالهمزة يتعدى إلى آخر كما يتعدى إليه بالباء والجمع بين الهمزة والباء لحن ظاهر.
قوله: (ويروى [ذلك] عن علي ﵁).
يعني إذا اصطدم فارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر.
وقوله: وروي عن علي ﵁ "أنه أوجب على كل واحد منهما كل الدية".
وقوله: "ولنا ما روي" أن النبي ﷺ قضى في عين الدابة بربع القيمة،
стр. 2078
وكذا قضى عمر ﵁".
لم أر من ذلك سوى ما روي عن عمر ﵁ في عين الدابة "أنه قضى فيها بربع ثمنها" رواه عبد الرزاق في مصنفه عنه وعن علي ﵁، وروي عن علي ﵁ أيضًا: "أنه قضى في الفرس تصاب عينه بنصف ثمنه"، وروي عن شريح أيضًا: "انه قضى في عين الدابة إذا تلفت بربع ثمنها".
وقال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يجني على الدابة فتذهب عينها:
فقالت طائفة: في عين الدابة ربع ثمنها، روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب ﵁ وبه قال شريح والشعبي وعمر بن عبد العزيز، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: عليه ما نقص من ثمنها.
قوله: (ولو انفلتت الدابة فأصابت مالاً أو آدميًا ليلاً أو نهارًا، لا ضمان
стр. 2079
على صاحبها لقوله ﵊: "العجماء جبار").
مذهب مالك والشافعي وأحمد أن الدابة إذا انفلتت بالليل وأتلفت شيئًا أن على صاحبها الضمان، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾ والنفش إنما يكون بالليل؛ ولأن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله ﷺ "أن على اهل المواشي ما أفسدت ماشيتهم بالليل وعلى أهل الحيطان حفظ حيطانهم بالنهار" رواه وأحمد وأبو داود وابن ماجه، ولأن صاحبها إذا أرسلها بالليل كان مفرطًا فهو كما
стр. 2080
لو أرسلها قرب زرع الناس أو لو كان معها قائد أو راكب أو سائق فصح تقييدًا إطلاق قوله ﷺ : "العجماء جبار".
قوله: (وفي عين بقرة الجزار وجزوره ربع القيمة ... إلى آخره).
تقييد بالجزار مشكل؛ لأنه يوهم أنه قيد وليس كذلك، قال السغناقي: وإنما وضع المسألة على هذا الوجه ليبين أن البقر والإبل -وإن أعد للحم كما في الشاة- لا يختلف الجواب فيهما، بل سواء كانا معدين للحم أو للحرث والحمل والركوب ففيه ربع القيمة، كما في الذي لا يؤكل لحمه كالحمار والبغل، وإلى هذا أشار فخر الإسلام. انتهى.
قوله: (وإذا كان صبيًا ففي ماله).
يعني ناخس الدابة، وفيه نظر، وإنما حكم الناخس إذا كان صبيًا كحكم البالغ في أن ضمان الدية يكون على عاقلته، لأنه يؤاخذ بأفعاله كالبالغ وإنما يجب في ماله في الجناية على المال وما دون أرش الموضحة كما في البالغ.
* * *
стр. 2081
باب جناية المملوك والجناية عليه
قوله: (وتعيين العشرة بأثر عبد الله بن عباس ﵁.
يعني أن تعيين نقص عشرة دراهم في حق من قتل عبدًا خطأ أن عليه قيمته لا تزاد على عشرة آلاف، إلا عشرة دراهم، ولا يعرف ذلك في كتب الحديث لا عن ابن عباس ولا عن غيره من الصحابة.
قوله: (لما روي عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ أنه قضى بجناية المدبر على مولاه).
لا يعرف هذا الأثر أيضًا في كتب الحديث، وقد تقدم في باب المدبر التنبيه على ما في حكم المدبر من الإشكال على مذهب أبي حنيفة ﵀.
* * *
стр. 2082
باب القسامة
قوله: (ولنا قوله ﵊: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه").
يريد بذلك الرد على مالك والشافعي رحمهما الله، ومعارضة ما استدلا به على يمين الأولياء بهذا الحديث، وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه البيهقي وحسنه النووي من حديث ابن عباس ﵄، ورواه الترمذي من حديث عمر بن شعيب عن ابيه عن جده، ولم يخرجه أهل
стр. 2083
الصحيح بهذا اللفظ.
وروى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة"، والذي في الصحيحين من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه".
وفي رواية: "أن النبي ﷺ قال: لو يعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" رواه أحمد ومسلم.
ولا معارضة بين هذا وبين حديث القسامة وهو حديث سهل بن أبي حثمة قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ
стр. 2084
صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كبر كبر -وهو أحدث القوم- فسكت فتكلما فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم -أو صاحبكم- فقالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر: قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار، فعقله النبي ﷺ من عنده" رواه الجماعة، وفي رواية متفق عليها: "فقال رسول الله ﷺ يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته".
قالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف! قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله قوم كفار" وذكر الحديث بنحوه.
فإن الجميع بين الحديثين والعمل بهما أولى من إبطال أحدهما، كيف وقد ورد استثناء القسامة من عموم الحديث في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
стр. 2085
عن جده، ولو لم يثبت الاستثناء نصًا لوجب المصير إليه لأن الأولياء في القسامة لم يستحقوا دم القاتل بمجرد دعواهم بل بأيمانهم بالمؤبدة بالظاهر الشاهد لصدقهم وهو اللوث أو العداوة، وحديث سهل المتقدم الذي لا ريب في صحته وثبوته وشهرته من أقوى الأدلة على ذلك، وكما أن اللعان مستثنى من عموما لحديث المذكور بنص الكتاب، وكذلك القسامة مستثناة بنص السنة، وقد قال بذلك أكثر العلماء منهم مالك والشافعي وأبو ثور ويحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد والليث بن سعد وأحمد بن حنبل.
فإن قيل: قد روى الكوفيون حديث القسامة من طريق سعيد بن عبيد الكوفي روي عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة "أن النبي ﷺ قال للأنصار: تأتوني بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا ببينة، قال: فيحلفون،
стр. 2086
قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود" لم يذكر فيه الأيمان من جهة المدعي بالكلية.
فالجواب: "قال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع سعيد بن عبيد على لوايته عن بشير بن يسار، وذكر الإمام أحمد حديث سعيد بن عبدي فنفض يده، وقال: ليس ذلك بشيء رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين حديث يحيى بن سعيد، وقال فيه غير ذلك، وأهل المدينة أعلم بذلك، والله أعلم.
قوله: (وروى ابن المسيب ﵀: "أن النبي ﷺ بدأ باليهود بالقسامة، وجعل الدية عليهم لوجود القتيل بين أظهرهم").
стр. 2087
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار: "أن النبي ﷺ قال لليهود -وبدأ بهم- يحلف منكم خمسون رجلاً، فأبوا، فقال للأنصار: استحقوا، قالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله ﷺ دية علىليهود لأنه وجد بين أظهرهم" رواه أبو داود وحكى أبو عمر بن عبد العزيز بن المسيب مثل ما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمنوسليمان بن يسار، ولا يصلح ذلك لمعارضة الحديث الصحيح المتفق على صحته.
قوله: (ولأن اليمين حجة للدفع دون الاستحقاق، وحاجة الولي إلى
стр. 2088
الاستحقاق، ولهذا لا يستحق بيمينه المال المبتذل، فأولى ألا يستحق به النفس المحترمة).
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه تعليل في مقابلة النص.
الثاني: أن الاستحقاق لم يكن باليمن المجردة بل بما انضم إليها من اللوث والعداوة، فإنه إذا وجد قتيل يتشحط في دمه وعدوه هارب بسكين ملطخة بالدم، وكيف يقال: القول قوله فيستحلف بالله ما قتله، ويخلى سبيله، ونظير هذا إذا رأينا رجلاً من أشراف الناس حاسر الرأس بغير عمامة، وآخر أمامه يشتد عدوًا، وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى، فإنا ندفع العمامة التي بيده إلى الحاسر الرأس، ولو اختصم رجلان في حائط، ولأحدهما عليها جذوع، أو بناؤه متصل ببنائه، فإنه يقضى له به، بل لو كان وجه الحائط أو قمط الخص إلى جهة أحدهما يقضى له به عند أبي يوسف
стр. 2089
ومحمد وغيرهما، ويعارض قوله: فأولى ألا يستحق به النفس المحترمة، بأن صون الدماء فوق صون الأموال ولولا القسامة في الدماء لأفضى إلى سفكها، فيقتل الرجل عدوه خيفة ولا يمكن أولياء المقتول إقامة البينة، واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة، فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين الفاجرة ولا يسع الناس في مثل هذا، الاكتفاء بيمين القاتل المتمرد الفاجر، ووجود العداوة واللوث بينة، وليس اسم البينة مقصورًا على الشهود، بل اسم البينة في الكتاب والسنة ولغة العرب أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين عند من يقول بذلك، ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص، والبينة في كتاب الله اسم لكل ما يبين الحق.
قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر﴾ وقال تعالى: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد
стр. 2090
ما جاءتهم البينة﴾ وقال تعالى: ﴿قل إني على بينة من ربي﴾.
ونظائر ذلك في القرآن كثيرة، والمراد بالبينة: ما يبين الحق من شهود أو دلالة، فإن الشارع صلوات الله عليه يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره من البنات التي هي أدلة عليه وشواهد له ولا يرد حقًا قد ظهر بدليله أبدًا، فتضيع بدليله أبدًا، فتضيع حقوق الله تعالى وحقوق عباده، بل لما ظن هذا من ظنه ضيعوا طريق الحكم فضاع كثير منه الحقوق لتوقف ثبوتها على طريق معين عندهم وصار الظالم الفاجر متمكنًا من ظلمه وفجوره ويقول: لا يقوم علي شاهدان عدلان، فضاعت حقوق كثيرة، وحينئذ أخرج الله أمر الحكم العام عن أيديهم ودخل فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويضيع به أخرى، ويحصل به العدوان تارة والعدل أخرى، ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المغنية عن التفريط والعداوة وسياسة من لا يعرف الشريعة من الأمراء.
روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال: "دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: إني أريد أن أدع القسامة، يأتي رجل من أرض كذا ورجل من أرض كذا فيحلفون قال: فقلت له: ليس ذلك لك قضى بها رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، وإنك إن تتركها أوشك أن يقتل عند بابك قتيل فيطل دمه،
стр. 2091
وإن للناس في القسامة حياة". انتهى.
وقد حفظ الله أمر الشريعة على هذه الأمة، فإن هذا الحكم إن لم يقل به هذا الإمام، فقد قال به الإمام الآخر، فلا تجد الأمة قد اتفقت على قول باطل وتركوا الحق أبدًا، ولا تقوم مصالح الناس بالعمل بقول إمام معين لا يعدل عن قوله إلى قول غيره أبدًا، وهذا مما يبين لك فساد التقليد، ولهذا لما رأى الملوك وأهل الحل والعقد أن الناس قد أخلدوا إلىلتقليد المحض، وقد افترقوا، وأخذت كل طائفة بقول إمام معين لا تعدو قوله، أقاموا من كل فرقة قاضيًا لئلا تضيع بعض الحقوق باعتبار الوقوف عند قول بعض الأئمة دون بعض، وكان النهي عن الافتراق حين رأوهم افترقوا أولى من تقريرهم على الافتراق، وفعل ما يكون باعثًا لهم على الإصرار على الافتراق، ولم يكن هذا في صدر الإسلام، وإنما حدث هذا من نحو مائة سنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قوله: (ولنا أنه ﵊ مع بين القسامة والدية في حديث ابن سهل وفي حديث زياد بن أبي مريم، وكذا جمع عمر بينهما على وادعة).
стр. 2092
فيه نظر من وجوه:
أحدها: قوله: إنه ﵊ جمع بين القسامة والدية في حديث ابن سهل. ليس كذلك، والحديث قد تقدم ذكره، ولم تجر بينهم قسامة بالكية، وإنما واده النبي ﷺ من عنده، وفي رواية: "من إبل الصدقة" كذا في الصحيحين وغيرهما.
الثاني: قوله: وفي حديث زياد بن أبي مريم، ولا يعرف هذا الحديث في كتب الحديث، وإنما رأيته في كتب الأصحاب.
الثالث: قوله: وكذا جمع عمر بينهما على وادعة، ويشير بذلك إلى ما روي "أن عمر ﵁ كتب في قتيل وجد بين خيوان، ووادعه أن
стр. 2093
يقاس ما بين الفريقين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلاً حتى يوافوه مكة فأدخلهم في الحجر، فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا! قال عمر: كذلك الأمر" أخرجه البيهقي.
وقد أجاب المخالفون في ذلك وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم عن ذلك: أن قول رسول الله ﷺ أولى وأحق بالاتباع من قول عمر ﵁، وأن قضية عمر ﵁ يحتمل أنهم أنكروا العمد فأحفلوا على ذلك وألزموا بالمال بحكم أن القتل خطأ.
قالوا: وكيف أخذتم بهذا مع مخالفته للأصول، وهو إيجاب الأيمان على غير المدعى عليه، وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم والجمع بين تحليفهم وتغريمهم وحبسهم على الأيمان، وتركتم الأخذ بما صح عن رسول الله ﷺ لكونه مخالفًا للأصول على زعمكم.
قالوا: وقولكم: إن اليمين شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم عن اليمين الكاذبة لا لتجنب الدية إذا نكلوا، مجرد دعوى والقاتل غالبًا إنما يقتل خفية، ولا يمتنع عن الإقدام على اليمين الكاذبة بعد أن أقدم على قتل
стр. 2094
النفس التي حرمها الله تعالى، إذ قتل النفس أعظم من اليمين الكاذبة وغيره من أهل المحلة يحلف صادقًا لأن القتل كان خفية لم يطلع عليه فحمل اليمين على هذه الفائدة والحالة هذه ضعيف.
قوله: (لما روي "أن عمر ﵁ لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلاً فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسون ثم قضى بالدية").
لم أر هذا في كتاب الحديث.
قوله: (لما روي "أن النبي ﷺ أتى بقتيل وجد بين قريتين فأمر أن يذرع").
أخرجه البيهقي بمعناه وضعفه.
قوله: (وأما أهل خيبر فالنبي ﷺ أقرهم على أملاكهم فكان يأخذ
стр. 2095
منهم على وجه الخراج).
قد تقدم في كتاب السير التنبيه على أن خيبر قسم رسول الله -صلى لله عليه وسلم- نصفها بين الغانمين وأبقى نصفها لنوائب المسلمين، وأقر أهلها عمالاً عليها على أن يجليهم عنها متى شاء، ولذلك أجلاهم عمر ﵁ بعد ذلك عنها، ولو كانت ملكًا لهم لم يجلهم عنها والله أعلم.
* * *
стр. 2096
[قوله]: كتاب المعاقل
كان الأولى أن يقول: العواقل لأن المعاقل جمع معقلة وهي الدية كما قال هو فكأنه قال: كتاب الديات، وقد تقدم تسمية الكتاب الذي قبله كتاب الديات فصار تكرارًا، والعواقل جمع عاقلة وهي من يتحمل الدية، وهذا هو المناسب هنا، والله أعلم.
قوله: (والأصل في وجوبها على العاقلة قوله ﷺ في حديث حمل ابن مالك للأولياء: "قوموا فدوه").
هذا اللفظ غير معروف في حديث حمل بن مالك، ووجوب الدية على العاقلة ثابت مستفيض من قضاء رسول الله ﷺ في حديث حمل بن مالك وغيره في الخطأ، وفي شبه العمد، قضى به الخلفاء الراشدون بعد
стр. 2097
رسول الله ﷺ ، وروى جابر ﵁ قال: "كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقوله" رواه أحمد ومسلم والنسائي، ولا خلاف في الخطأ. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأجمعوا على أنها تحمل دية الخطأ، واختلفوا في الحر يقتل العبد خطأ، ثم قال: واختلفوا في شبه العمد، فقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى وقتادة وابن شبرمة وأبو ثور: هو عليه في ماله، وقال الشعبي والنخعي والحكم والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: هو على العاقلة.
стр. 2098
قال أبو بكر: قول الشعبي أصح لحديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ جعل دية الجنين على عاقلة الضارب".
قوله: (وإنما خصوا بالضم لأنه إنما قصر لقوة فيه وتلك بأنصاره، وهم العاقلة فكانوا هم المقصرين في تركهم مراقبته فخصوا به).
هذا تعليل قاصر، ويجب حمل إيجاب الشارع على أكمل المعاني وأقوى من هذا المعنى وأكمل: أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة أو ضم العاقلة إليه على سبيل المواساة له تخفيفًا عنه إذ كان معذورًا في فعله، وينفرد هو بالكفارة.
стр. 2099
قوله: (والتقدير بثلاث سنين مروي عن النبي ﷺ ).
لم يثبت ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وإنما ثبت عن عمر وعلي ﵄، ولا يعرف لهما مخالف، وروى البيهقي عن الشافعي ﵀ أنه قال: وجدنا عامًا في أهل العلم "أنه ﵊ قضى في جناية الحر المسلم على الحر خطأ بمائة من الإبل بأسنان معلومة على عاقلة الجاني وأنها في مضي ثلاث سنين، كل سنة ثلثها".
قوله: (ولنا أن القياس يأباه، والشرع ورد به مؤجلاً، فلا يتعداه).
يعني أ، ما وجب على القاتل في ماله، يؤديه في ثلاث سنين؛ لأن القياس يأبى وجوب المال بمقابلة النفس، والشرع ورد بإيجاب الدية في ثلاث سنين فيقتصر فيه على ما ورد به النص، وفيه نظر منوجهين: أحدهما: قوله: إن القياس يأباه. وقد تقدم التنبيه على أن الشرع لم يرد على خلاف القياس الصحيح أصلاً، وإذا كان المراد من شرع القصاص حسم مادة
стр. 2100
الفساد، فقد يحصل ذلك بالمال، وإذا كان القصاص قد سقط لشبهة كما في قتل الأب ابنه، فلو لم يجب المال لأدى ذلك إلى إهدار الدم، والتجري على الفساد، فكان إيجاب المال والحالة هذه على وفق القياس الصحيح.
الثاني: قوله: والشرع ورد به مؤجلاً فلا يتعداه. إنما ورد الشرع به مؤجلاً في دية الخطأ ويشبه العمد لا غير على ما تقدم، مع أن ذلك لم يثبت مرفوعًا، وإنما ورد عن الصحابة ﵃، ولا يصح اعتبار العمد بالخطأ وشبه العمد؛ لأن القاتل ثم معذور لكونه لم يقصد القتل، وإنما أفضى إليه على غير اختيار منه، ولهذا تحمله العاقلة، والعاقلة لم تصدر منهم جناية، وحملوا أداء المال مواساة، فلاق بحالهم التخفيف عنهم، وأما العمد فإن ما يحمله الجاني بسببه في غير حال العذر فوجب أن يكون ملحقًا ببدل سائر المتلفات.
قوله: (وإنما تعتبر مدة ثلاثة سنين من وقت القضاء بالدية لأن الواجب الأصلي المثل والتحول إلى القيمة بالقضاء فيعتبر ابتداؤها من وقته كما في ولد المغرور).
فيه نظر، وقد خالف في ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما، وقالوا:
стр. 2101
إن أول المدة في حين وجوب الدية، وقولهم أقوى، فإنه مال وجب مؤجلاً فكان ابتداء أجله من حين وجوبه كالدين المؤجل والسلم، وقوله: لأن الواجب الأصلي المثل. ممنوع، بل الواجب الأصلي المال لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله﴾ الآية، فجعل جزاء القتل الخطأ الكفارة والدية، ولهذا وجبت على غير الجاني؛ لأنه معذور، وإنما يكون الواجب الأصلي المثل على خلاف فيه فيما إذا سقط القصاص لشبهة، وإن كان مراده أن الموجب الأصلي على مقتضى القياس المثل ممنوع أيضًا؛ لأنه ليس مقتضى القياس الصحيح وذلك لأن الموجود من القاتل خطأ جناية عن غير قصد، فلو قوبل بقتل مقصود لكان في ذلك زيادة على المثل، وما ورد به الشرع هو مقتضى الصحيح.
وقوله: والتحول إلى القيمة بالقضاء؛ ممنوع أيضًا؛ لأن الدية إن لم تكن واجبة بالشرع لم يكن للقاضي الإلزام بها، وإن كان واجبة بالشرع فالقاضي يلزم بما وجب بالشرع، وهذا هو الحق؛ فإن القاضي ليس بمشرع، وقد تقدم التنبيه على مثل هذا في مواضع.
وفي تسمية الدية قيمة نظر، ولو كانت قيمة لاختلف باختلاف الأشخاص، ودية الصحيح العالم العاقل كدية الأعمى الزمن المجنون
стр. 2102
الجاهل الفاسق، وإنما تجب الدية صلة مبتدأة جبرًا لمصاب أولياء المقتول وكفًا لهم عن العدوان، ولهذا يحملها غير الجاني.
وقوله: كما في ولد المغرور ليس من باب الإلزام للمخالف بل من باب التنظير للتوضيح. يعني أنا كما قلنا في ولد المغرور قلنا في الدية، أما المخالف فلا يقول إن الموجب الأصلي القصاص ولكن عدل عنه إلى الدية بحكم الحاكم، بل يقول الموجب الأصلي الدية في الخطأ وشبه العمد والحاكم يلزم بذلك، والقول بأن قيمة ولد المغرور إنما تجب عليه بقضاء القاضي فيه نظر؛ لأن رد عينه متعذر قبل القضاء فلم يكن بالقضاء بالقيمة قد عدل عن تسليم العين إلى تسليم القيمة، بل ولد المغرور جزء من أمه، وهي أمة، وحقه أن يكون رقيقًا تبعًا لأمه وإن كان أبوه حرًا لكن لما كان الأب مغرورًا كان تمام النظر للجانبين العدول إلى قيمته يوم ظهر استحقاقه له إذ قبل ذلك لا ضباط له حتى يقال: وجبت له القيمة من حين كذا، فلم يكن للقضاء تأثير في إيجاب القيمة، وإنما هو إلزام بما وجب شرعًا.
قوله: (لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنة، وينقص منها -إلى قوله- تحقيقًا لزيادة التخفيف).
اختلف العلماء فيما يحمله كل واحد من العاقلة: فمذهب أبي حنيفة
стр. 2103
والشافعي ما ذكره عنهما المصنف، وعن أحمد في رواية كالشافعي، وذهب مالك وأحمد في المشهور عنه إلى أنهم يحملون ما يطيقون من غير تقدير، وإنما يفوض تقديره إلى اجتهاد الحاكم فيفرض على كل واحد قدرًا يسهل عليه لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف، ولا يثبت بالرأي والتحكم، ولا نص في هذه المسألة، فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات، وتختلف بالغنا والفقر والتوسط ويعتبر ذلك عند رأس الحلول لأنه حال وجوب الأداء وهذا القول في القوة كما ترى.
قوله: (لقول عمر ﵁: "لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة").
لا يعرف هذا عن عمر ﵁، ولكن العمل عليه عند أهل العلم، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ الحلم لا يعقلان مع العاقلة، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق أصحاب الرأي، وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه من ذلك شيء.
стр. 2104
قوله: (والأصل فيه حديث ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى النبي ﷺ "لا تعقل العواقل عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما دون أرش الموضحة").
تقدم التنبيه على أن هذا لم يصح رفعه، وإنما ورد عن عمر وابن عباس وورد أيضًا عن الشعبي والزهري نحوه، ولكن ليس في شيء من ذلك "ولا ما دون أرش الموضحة" وقد اختلف العلماء في أقل ما تحمله العاقلة، فقال الزهري: الثلث فما دونه في مال الجاني، وقال سعيد بن المسيب: ما دون الثلث في مال الجانب، وبه قال عطاء ومالك وأحمد، وأبو حنيفة والثوري والشعبي: ما دون نصف العشر في مال الجاني، وقال الشافعي: تعقل العاقلة أرش الخطأ قل أو كثر، ولا يصح الاستدلال لأبي حنيفة بهذا الحديث الذي ذكره المصنف؛ لأن الصحيح أنه من كلام
стр. 2105
الشعبي ولكن يستدل له بحديث أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ جعل دية الجنين على عاقلة الضارب"، وفي الاستدلال به نظر.
* * *
следующие страницы →