← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ذكره المحبوبي عن أبي يوسف، وهذا لابد منه. وفي تعليله نظر؛ فإن اللفظ على ثلاث درجات: أحدها: أن يدل على معنى بالوضع، كيد، وخذ، وفي. وهذا هو الذي يسمى المركب منه كلامًا في العرف واللغة. الثاني: أن يدل على معنى بالطبع كالأنين، والتأوه، والبكاء، ونحو ذلك. الثالث: أن لا يدل على معنى لا بالوضع ولا بالطبع كالنحنحة، وكل من هذين النوعين لا يسمى كلامًا، لا عرفًا، ولا لغة. حتى لو حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور. ولو حلف ليتكلمن لا يبر بمثل هذه الأمور.

стр. 387

قوله: (وقيل: بأن الأصل عنده أن الكلمة إذا اشتملت على حرفين وهما زائدان، أو أحدهما لا يفسد). في ثبوت هذا عن أبي يوسف ﵀ نظر. فإن هذا غلط؛ فإن الحروف الزوائد لم تسم زوائد لأنها لا تكون إلا زوائد، بل لأنها لا تكون الزوائد إلا منها. أي الزوائد على أصل بنية الكلمة كالهمزة من ((أخرج))، والتاء من ((تكلم))، والهمزة من ((انطلق))، والهمزة والسين والتاء من ((استخرج))، ونحو ذلك. وأما إذا قيل: ((نسي)) مثلًا، فهذه الحروف كلها أصول غير زوائد، وإن كان قد يوجد منها في كلمة أخرى ما هو زائد على أصل تلك الكلمة كالنون من ((انكسر))، والسين من ((استكمل))، والياء من ((كريم))، ونحو ذلك. وقد قال المصنف بعد ذلك إن هذا لا يقوى، ولكنه ما أشبع في البيان. قوله: (وينوي الفتح على إمامه، دون القراءة، هو الصحيح؛ لأنه مرخص فيه، وقراءته ممنوع عنه). تصوير القول المرجوح، وهو أن ينوي بالفتح على إمامه القراءة دون

стр. 388

الفتح عليه فيه بعد كبير؛ لأن النية عمل القلب، وهو حين جهر بالقراءة إنما جهر بها ليسمع الإمام ويتذكر ما نسي، وهذا هو الفتح على الإمام. فإذا قال: أنا أريد أن أقرأ، ولا أريد أن يسمع الإمام ليتذكر كان هذا إخبارًا عن غير الواقع، وكان حاله يكذبه، ومحال أن يريد شيئًا وينوي خلافه؛ لأن النية هي الإرادة، أو أنها إرادة مخصوصة. فإن النية تتعلق بعمل نفسه، والإرادة تتعلق بعمله وعمل غيره؛ فإنك تقول: أردت من فلان كذا. ولا تقول: نويت منه. وقراءة المؤتم جهرًا ليسمع الإمام إرادة من نفسه للقراءة والإسماع. ولو أراد القراءة فقط لم يجهر ليسمع إمامه، فالقول المرجوح ممنوع تصوره فلا يحتاج أن يقول: لأنه مرخص فيه، وقراءته ممنوع عنه. قوله: (ولو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله). قال السروجي: قال في ((المحيط)): وذكر في ((الأصل)) و ((الجامع الصغير)) أنه يجوز مطلقًا؛ لأن الفتح عمل يسير، وأنه تلاوة حقيقة.

стр. 389

وفي ((قاضي خان)): إن قرأ مقدار ما تحوز به الصلاة ففتح عليه، قالوا: تفسد صلاته وصلاة الإمام إن أخذ منه. والأصح أنه لا تفسد للحاجة. قوله: (لقوله ﵊: ((لا يقطع الصلاة مرور شيء)). أخرجه أبو داود، وضعفه ابن قدامة المقدسي والنووي). وما ورد من الدليل على قطع الصلاة بمرور الكلب الأسود البهيم، والمرأة، والحمار، صحيح لا يصلح هذا لمعارضته. وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب. ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)). وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره [إذا كان بين يديه] مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة

стр. 390

الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)). قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي، سألت رسول الله ﷺ -كما سألتني فقال: ((الكلب الأسود شيطان)). رواها مسلم وأبو داود وغيرهما. قال ابن المنذر: قال أنس بن مالك، والحسن البصري، وأبو الأحوص: ((يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)).

стр. 391

وقالت عائشة: ((لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود))، وبه قال أحمد. وقال: في قلبي من الحمار والمرأة شيء. وقال ابن قدامة المقدسي: وحديث عائشة، من الناس من قال: ليس بحجة على هذا؛ لأن المار غير اللابث، وهو في التطوع، وهو أسهل. والفرض آكد. وحديث ابن عباس: ((مررت بين يدي بعض الصف)) ليس بحجة، لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. انتهى. ***

стр. 392

فصل قوله: (لقوله ﵇: ((إن الله كره لكم ثلاثًا)) وذكر منها: ((العبث في الصلاة))). ذكر السروجي تتمة الحديث وهي: ((والرفث في الصيام، والضحك في المقابر)). وقال: ذكر هذا الحديث في كتب الفقه. يعني أنه لم يثبت. قوله: (ولأن العبث خارج الصلاة حرام، فما ظنك به في الصلاة). قال السروجي: فيه نظر؛ فإن من عبث بثيابه، أو بلحيته، أو بذكره خارج الصلاة يكون تاركًا للأولى، ولا يحرم ذلك عليه. ولهذا قال في الحديث الذي ذكره: ((كره لكم ثلاثًا))، وذكر منها: ((العبث في الصلاة))، فلم يبلغه درجة التحريم في الصلاة، فما ظنك بخارجها!.

стр. 393

ورأى رسول الله ﷺ -رجلًا يعبث [في] الصلاة فقال: ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)). ذكره في ((المغني)) لابن قدامة. انتهى. ولو كان مثل ذلك محرمًا لأنكره عليه كما ينكر على مرتكب الجرم. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله ﷺ -وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به الأرض، فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر)) الحديث أخرجه أبو داود وغيره.

стр. 394

قوله: (لقوله ﵊ لأبي ذر ((يا أبا ذر، مرة وإلا فذر))). هذا الحديث منقول بالمعنى، وأصله أن أبا ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى، فقال: ((واحدة أو دع)) رواه أحمد. قوله: (لقوله ﵊: ((لو علم المصلي من يناجي ما التفت))). قال السروجي: قالت عائشة ﵂: رسول الله ﷺ عن

стр. 395

الالتفات في الصلاة فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)) رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وأحمد. ثم ذكر حديث أنس، وحديث أبي ذر، وحديث ابن عباس، وحديث سهل

стр. 396

ابن الحنظلية، ثم قال: وفي كتب الفقه عن النبي ﷺ : ((لو علم المصلي من يناجي ما التفت)). قوله: (ولا يرد السلام بلسانه لأنه كلام، ولا بيده لأنه سلام معنى). قال السروجي: وفي ((الذخيرة))، و ((مختصر البحر))، قال الحلواني وبرهان الدين صاحب المحيط: لا بأس أن يتكلم مع المصلي ويجيب برأسه. انتهى. فعلى قولهما رد السلام بالإشارة لا بأس به بطريق الأولى. ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور أنه يرد السلام بالإشارة، ......................

стр. 397

[واستدلوا بحديث صهيب، وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ رد السلام بالإشارة]، وحملوا حديث جابر، وابن مسعود، في عدم الرد على الرد بالقول توفيقًا بين الأدلة. والمثبت أولى. وقد قال السروجي عن الرد بالإشارة: لعله كان نهيًا لهم عن السلام فظنه ردًا. قال: وما ذكره صهيب يحتمل أنه كان في حال التشهد، وهو يشير بأصبعه فظنه ردًا. انتهى.

стр. 398

وهذا بعيد، فإن مثل هذا يعرف بقرائن الحال، ولا يظن بالصحابة أن يخفى مثل هذا عنهم، وينقلونه عن رسول الله ﷺ عن غير ضبط. ولا يجوز أن ينسب هذا إلى الصحابة ﵃ أجمعين. قوله: (ولا يكف ثوبه لأنه نوع تجبر). في تعليله نظر؛ لأنه كف الثوب -وهو جمع أذياله، أو تشمير أكمامه -من فعل أرباب الأعمال والصناعات والخدم، لا من فعل المتجبرين. وإنما ينبغي أن يعلل النهي عن عقص الشعر وكف الثوب بأنه منعهما من السجود. فعن النبي ﷺ أنه قال: ((مثل الذي يصلي وهو معقوص كمثل الذي يصلي وهو مكتوف)). فالمكتوف لما كانت يداه لا تسجدان معه كذلك من ضم ثوبه، أو عقص شعره لا يسجد ثوبه، ولا يسجد شعره لسجوده. وأما ضفر الشعر مع إرساله فليس بممنوع. ***

стр. 399

باب الوتر قوله: (وقالا: سنة لظهور آثار السنن فيه، حيث لا يكفر جاحده، ولا يؤذن له). في تعليله نظر؛ فليس كل فرض يكفر جاحده كالقعدة الأخيرة قدر التشهد في آخر الصلاة، فإنها فرض ولا يكفر جاحدها؛ فإن الإمام مالكًا لا يقول بفرضها، وإنما يقول بفرضية القعود قدر إيقاع السلام. ونحو ذلك مما اختلف العلماء في فرضيته، بخلاف ما وقع الإجماع على القول بفرضيته. وإنما يكفر من جحد شيئًا معلومًا من الدين ضرورة. ولو ساغ الاستدلال بهذا لكان كل ما فيه خلاف يقول المخالف: هذا ليس بفرض لأنه لا يكفر جاحده، ولأن عدم تكفير جاحده لكونه متأولًا لا يمنع من كونه فرضًا، فلا يكفر جاحد فرض متأولًا، كما لا يكفر مثبت فرض متأولًا في محل يقبل التأويل. ويعكس عليه هذا الدليل فيقال: إنه فرض لأنه لا يكفر مثبته، وكونه لا يؤذن له لا يلزم أنه لا يكون فرضًا؛ لأنه من الممكن أن يقال: إنما لم يشرع فيه

стр. 400

الأذان لأنه لم يشرع فيه الاجتماع. والأذان لأجل الاجتماع، أو اكتفاء بأذان العشاء لاشتراكهما في الوقت كما يأتي في كلامه. والتعليل الصحيح أن النبي ﷺ -أوتر على الراحلة، والفرض لا يؤدى على الراحلة لغير ضرورة. في حديث طلحة، وعبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ : ((خمس صلوات ...))، مع قول الله : ﴿والصلاة الوسطى﴾ ما يغني

стр. 401

عن مثل هذا التعليل. وفيما أجاب به لأبي حنيفة عن قوله في الاحتجاج لهما: (حيث لا يكفر جاحده) من قوله: (لأن وجوبه ثبت بالسنة) نظر؛ لأنه لا يلزم من كونه ثبت بالسنة أن لا يكفر جاحده؛ فإن الثابت بالسنة المتواترة يكفر جاحده بالإجماع. قوله: (ولهذا وجب قضاؤه بالإجماع). فيه نظر، وكيف يدعي الإجماع في أمر جمهور العلماء على خلافه. قال السروجي: قال في ((الذخيرة)): يقضي في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول لا قضاء عليه. وعن محمد أنه قال: أحب إلي أن يقضيه. وأما عند الشافعي وغيره فلا يجب عليه القضاء. وقال ابن حنبل، وأبو مصعب، ..............................

стр. 402

واللخمي من المالكية: لا يقضي بعد الفجر، وبعد طلوع الشمس لا يقضي عند مالك، وللشافعي قولان فيه، وفي السنن المؤقتة. انتهى. فأين الإجماع والحالة هذه، مع أنه قد حكى جماعة من الأصحاب، القدوري وغيره أن أبا حنيفة رجع عن القول بفرضية الوتر، فلا فائدة في إتعاب الفكر في ترجيح قول مرجوع عنه بمثل هذا التعليل. قوله: (وحكى الحسن البصري إجماع المسلمين على الثلاث). هذا غير صحيح عن الحسن، وإن ثبت عنه فيحتمل أنه أراد الإجماع على

стр. 403

جواز الإيتار بثلاث بتسليمة، فإن الإيتار بثلاث بتسليمتين، أو الإيتار بواحدة من غير تقدم شفع فيه نزاع. قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في عدد ركعات الوتر، فكان ابن عمر يقول: ((الوتر ركعة)). وكان يقول: ((ذلك وتر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر)). وممن روينا عنه أنه قال: ((الوتر ركعة))، عثمان بن عفان، وسعد بن مالك، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان،

стр. 404

وأبي موسى الأشعري، وابن الزبير، وعائشة، وفعل ذلك معاذ القاري ومعه رجال من أصحاب رسول الله ﷺ لا ينكر منهم أحد. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. غير أن مالكًا، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق رأوا أن يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يوتر بركعة. وقالت طائفة: يوتر بثلاث. وممن روي عنه عمر بن الخطاب، وعلي بن

стр. 405

أبي طالب، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو إمامة، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أصحاب الرأي.

стр. 406

وقال الثوري: أعجب إلي ثلاث. وأباحت طائفة الوتر بثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وأحدى عشرة. قال أبو أيوب الأنصاري: "من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بركعة". وقال ابن عباس: "إنما هي واحدة، أو خمس، أو سبع، أو أكثر من ذلك، يوتر بما شاء". وقال سعد بن أبي وقاص: "ثلاث أحب إليَّ من واحدة، وخمس أحب إلي من ثلاث، وسبع أحب إليَّ من خمس". وروينا عن عائشة أنها قالت: "الوتر سبع، وخمس، والثلاث بتراء". وروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: ثلاث أعجب إليَّ من واحدة،

стр. 407

وخمس أحب إلي من ثلاث، وسبع أحب إلي من خمس" وروينا عن زيد بن ثابت أنه: "كان يوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها". وكان سفيان الثوري يقول: "الوتر بثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، واحدى عشرة". وكان إسحاق يقول: "إن شئت أن توتر بركعة، وإن شئت فثلاث، وإن شئت فخمس، وان شئت فسبع، وان شئت فتسع، لا تسلم إلا في آخرهن إذا فرغت. وان أوترت بإحدى عشرة فسلم في كل ركعتين، ثم أفرد الوتر بركعة". وقد اختلفَ أهل العلم في الرجل يوتر بركعة ليس قبلها شيء، كأنه صلى العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بركعة. فممن روي عنه أنه فعل ذلك عثمان ابن عفان، وسعد بن مالك، ومعاوية. وقال ابن عباس: أصاب، يعني معاوية. وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وابن الزبير. وبه قال سعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة،

стр. 408

وأبو أيوب. وهذا هو مذهب الشافعي. وكان مالك يكره ذلك. قال أبو بكر: أحب إلي أن يصلي المرء ما قضي له من الليل ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، فإن أوتر بواحدة ليس قبلها شيء فهو جائز. انتهى كلام ابن المنذر. ولا يظن بالحسن البصري أنه يخفى عنه مثل هذا الخلاف، والأحاديث الواردة في الإيتار بواحدة متفق على صحتها في "الصحيحين"، و "السنن"، و "المسانيد" لا مطعن فيها. وكذلك الإيتار بخس متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها

стр. 409

قالت: "كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرها". وكذلك الإيتار [بثلاث] متفق عليه من حديث عائشة ﵂، لكن ليس في "الصحيحين": "لا يفصل بينهن بسلام"، وإنما / هذه الزيادة ثابتة عنها في سنن النسائي، ومسند أحمد.

стр. 410

والإيتار بالسبع والتسع ثابت في صحيح مسلم وغيره. ولكن في الإيتار يسبع لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة. وفي الإيتار بتسع لم يجلس إلا في الثامنة والتاسعة. وفي رواية للنسائي: "سبع ركعات، لا يقعد إلا في آخرهن". ولولا قصا الاختصار لسقت الأحاديث الواردة في الوتر كلها هنا. ولا يظن بالحسن البصري خفاء هذه السنن عنه، إنما أراد - والله أعلم - إن صح هذا النقل عنه - الإجماع على جواز الإيتار بثلاث، لا على وجوبه. والذي يظهر أن الاختلاف في ترجيح الفصل بين الثلاث وعدمه بمنزلة الاختلاف في ترجيح القران، وترجيح التمتع، وترجيح الإفراد. ويكون الكل سائغاً. وإلا؛ إذا كان الكل ثابتاً، وليس شيء منه منسوخاً، فلا يجوز ترك شيء منه لمن بلغة. أما من لم يبلغه، أو بلغة وتأوله بتأويل سائغ فهو معذور. ورضي الله عن الأئمة كلهم.

стр. 411

قوله: (لما روي: "أنه ﵊ قنت في آخر الوتر" وهو بعد الركوع. ولنا ما روي: "أنه ﵊ قنت قبل الركوع". لم يثبت أنه ﵊ كان يقنت في الوتر، وإنما ثبت عنه أنه قنت في الفجر في وقت يدعو على أحياء من المشركين. وسيأتي الكلام على كونه منسوخاً أم، إن شاء الله تعالى. قوله: (لما روى ابن مسعود ﵁ أنه ﵊: "قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه").

стр. 412

أخرجه الطحاوي عن ابن مسعود، وتكلموا في سنده. وفي "الصحيحين" وغيرهما، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قنت رسول الله صلي الله عليه وسلم شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب ثم تركة". قوله: (ولهما أنه منسوخ، فلا متابعة فيه). قال السروجي: إن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر، وبه قال الثوري وأحمد.

стр. 413

قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: إنما لا يقنت عندنا ني صلاة الفجر من غير بلية، فإن وقعت فتنة وبلية فلا بأس به. فعله رسول الله صلي الله عليه وسلم. ذكره عنه السيد الشريف، صاحب النافع في مجموعه. انتهى. وجمهور أهل الحديث على أنه غير منسوخ، بل هو مشروع عد النوازل حتى في الصلوات كلها، فإنه ثبت في "الصحيحين" وغيرهما: "أنه قنت شهراً يدعو على رعل، وذكوان، وعصية ثم ترك هذا القنوت". ثم إنه بعد ذلك بمدة بعد خيبر، وبعد إسلام أبي هريرة قنت، وكان يقول

стр. 414

في قنوته: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم فذكرت له، فقال: "وما تراهم قد قدموا". ولو كان القنوت قد نسخ لما قنت هذه المرة الثانية. وعن ابن عباس ﵁ قال: "قنت رسول الله صلي الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على حي من بني سليم على رعل وذكوان، وعصية، ويؤمن من خلفه". أخرجه الإمام أحمد وأبو داود. وروى مسلم "أنه صلي الله عليه وسلم قنت في الظهر والعشاء الأخيرة". وفي البخاري عن أنس قال: "كان القنوت في المغرب والفجر". انتهى.

стр. 415

وأكثر قنوته كان في الفجر، ولم يكن يداوم على القنوت لا في الفجر، ولا في غيرها، بل قد ثبت في الصحيحين عن أنس أنه قال: "لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً". والحديث الذي رواه الحاكم وغيره من حديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، أن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما زال يقنت [في الفجر] حتى فارق الدنيا"، إنما في سياقه القنوت قبل الركوع. وهذا الحدث لو عارض الحديث الصحيح لم يلتفت إليه؛ فإن أبا جعفر الرازي متكلم فيه، فكيف وهو لم يعارضه، وإنما معناه: أنه كان يطيل القيام

стр. 416

في الفجر / قبل الركوع. وأما أنه كان يدعو في الفجر دائما قبل الركوع أو بعده بدعاء يسمع منه، أو لا يسمع، فهذا باطل قطعاً. وكل من تأمل الأحاديث الصحيحة علم هذا بالضرورة، وعلم أن لو كان واقعاً لنقلته الصحابة ﵃، ولما أهملوا قنوته المشروع لنا. مع أنهم إنما نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه، وإنما يشرع نظيره؛ فإن دعاءه على أولئك المعينين، ولأولئك المعينين ليس بمشروع، وإنما المشروع نظيره، فيشرع أن يقنت عند النوازل، يدعو للمؤمنين وعلى الكافرين في الفجر وغيرها، وفي الفجر آكد، فإنه تعالى يقول: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ وقد كان عمر ﵁ يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه: "اللهم العن كفرة أهل الكتاب" إلى آخره. وكذلك علي ﵁ لما حارب قوماً قنت يدعو عليهم. وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة. وقول أبي يوسف في متابعة من يقنت في الفخر هو الصحيح. كذلك من

стр. 417

اقتدى بمن لا يقنت في الوتر، أو بمن يقنت فيه بعد الركوع، أو سلم بعد الركعتين منه يتابعه؛ فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تختلفوا على أئمتكم". وقال ﵇: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وان أخطأوا فلكم وعليهم". والقنوت في الوتر مختلف فيه بين الصحابة، فحكى ابن المنذر عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في السنة كلها". وحكى عن علي، وأبي بن كعب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان فقط. قال: وكان ابن عمر يفعله. وحكي عن ابن عمر ترك القنوت في الوتر أيضاً. وأخذ بكل قول من هذه الأقوال طائفة من العلماء بعدهم، وسبب اختلافهم فيه - والله أعلم - عدم ثبوته عن النبي صلي الله عليه وسلم نصاً.

стр. 418

فإن حديث الحسن ﵁، فيه: "علمني رسول الله صلي الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قوت الوتر: اللهم اهدي فيمن هديت ... " إلى آخره. وحديث علي ﵁ فيه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: "اللهم إي أعوذ برضاك من سخطك ... " إلى آخره. رواهما أهل السنن الأربعة، والإمام أحمد. وليس فيها قبل الركوع ولا بعده. ويحتمل أن يكون المراد من آخره بعد التشهد؛ فإنه محل الدعاء بالإجماع. وحديث أي بن كعب: "أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات، ويقنت قبل الركوع". أخرجه النسائي، وأبو داود، وابن ماجه ..........

стр. 419

وفية كلام، بل عن أحمد أنه قال: "لم يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء". واختار هو القنوت بعد الركوع. وقال عن حديث الحسن أنه لا يعرف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم شيء في القنوت أحسن منه. والذي رواه الحاكم: "أنه ﵇ قنت قبل الركوع"، إنما كان في صلاة الفجر. وقد تقدم أن معناه أنه كان يطيل القيام. والقنوت له معنى آخر غير الدعاء في الصلاة وطول القيام وهو الطاعة مطلقاً. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾: أي مطيعين. قاله الشعبي، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وطاوس. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ

стр. 420

قَانِتُون﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾، وقوله تعالي: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾، وقوله تعالي: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، وقوله تعالي: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾. وهذه الصفة تكون في السجود أيضا كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾. وفي الحديث الصحيح: سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت". ولم يرد به طول القيام فقط، بل طول القيام والركوع والسجود كما كانت صلاة النبي صلي الله عليه وسلم معتدلة، إذا أطال القيام أطال الركوع / والسجود. وسمي إطالة القيام في الصلاة قنوتاً لأنه يطيل فيه الطاعة. والقنوت الذي هو الدعاء في الوتر والفجر عرف خاص. وقد تقدم ما في فصل الثلاث بالتسليم من الخلاف. وقال السروجي: اقتدي حنفي المذهب بمن يرى الوتر سنة يجوز؛ لضعف

стр. 421

دليل وجوبه. ذكره في "مختصر البحر المحيط". انتهى. وقال أبو بكر الرازي: اقتدى الحنفي بمن يسلم على الركعتين، يجوز في الوتر، ويصلي معه بقية الوتر؛ لأن إمامة لم يخرج بسلامة عنده، لأنه مجتهد فيه، كما لو اقتدى بإمام قد رعف وهو يعتقد أن طهارته باقية؛ لأنه مجتهد فيه، فطهارته باقية في حقه. قوله: (وقيل يقعد تحقيقاً للمخالفة). فيه نظر، فقد نهينا عن مخالفة الأئمة. قال ﵊: "لا تختلفوا على أئمتكم". وقال ﵊: "إ نما جعل الإمام ليؤتم به". واتفق المسلمون على أن المأموم يفعل لأجل الائتمام ما لا يسوغ له أن يفعله منفرداً، كالمسبوق إذا أدرك راكعاً كبر وركع معه، واعتد له بتلك الركعة. وان أدركه ساجداً كبر وسجد معه، ولم يعتد له بتلك الركعة، ثم

стр. 422

إنه يتشهد معه عقيب الأوتار. ولو فعل ذلك منفرداً عمداً لم يجز بالاتفاق. وكذلك المؤتم لا يسجد لسهوه، ويسجد لسهو الإمام. قوله: (وإذا علم المقتدي، منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه الاقتداء به). حكي عن أبي يوسف رحمة الله: أنه صلى خلف الرشيد وقد رآه احتجم، وأفتاه مالك أنه لا يتوضأ. وقد تقدم قول أبي بكر الرازي أنه لو اقتدى بإمام قد رعف، وهو يعتقد أن طهارته باقية صح اقتداؤه، وقال: لأنه مجتهد فيه، فطهارته باقية في حقه. وهذا هو الحق، يشهد له ما وواه البخاري في صحيحة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وان أخطأوا فلكم وعليهم". فقد صرح بأن الإمام أذا أخطأ كان خطؤه عليه. وغاية هذه المسائل أن يكون الإمام فيها مخطئاً، وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أن خطأه عليه دون المأموم.

стр. 423

وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام، فإذا علم بطلان صلاته كانت الصلاة خلفه كالصلاة خلف المحدث المتعمد الصلاة مع حدثه. وهذا القياس فاسد، وذلك أن المأموم يعلم أن الإمام مجتهد، إن أصاب فله أجران، وان أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور. وإذا كان يعلم أنه لا إثم عليه فممتنع أن يعتقد بطلان صلاته، ولعله هو المخطئ. وان كانا مقلدين فالكلام في حق الإمامين اللذين قلداهما. إن أحدهما صاحب أجرين، والآخر صاحب أجر مغفور له. وما زال الصحابة ﵃ يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في مسائل الاجتهاد. ولو قيل لهذا المأموم: أنت تقول إن صلاة هذا الإمام باطلة بمنزلة من صلي بغير طهارة، وهو يعلم ذلك تجتنبه وتفسقه؟ لقال: لا. ولو قيل له: هل هو مأجور على هذه الصلاة، قد برئت ذمته من الطلب بها؟ لقال: نعم. وسر المسألة أن ما تركوه إن لم يكن واجباً في نفس الأمر، فلم يتركوا واجباً. وان كان واجبا فقد سقط عنهم باجتهاد هم الذي استفرغوا فيه وسعهم، وبلغوا فيه إلى حد يعجزون معه عن معرفة الوجوب، فسقط عنهم

стр. 424

ما عجزوا عن معرفته، كما يسقط الواجب بالعجز عن فعلة. ولازم هذا القول الذي ذكره المصنف، أن أهل المذهب الواحد لا يصلي بعضهم خلف بعض، حتى لا يصلي أبو يوسف خلف محمد، ولا محمد خلفه، ولا يصليان خلف أبي حنيفة، ولا يقلد بعضهم في مسألة خلف من يقلد الآخر في خلافها. فإن أبا يوسف يعتبر في انتقاض الطهارة بالقيء المتفرق المجلس، ومحمد السبب. وأبي يوسف يرى انتقاض الطهارة بقيء البلغم، وخالفه أبو حنيفة ومحمد. ومحمد لا يرى انتقاض الطهارة بقيء الدم السائل حتى يكون ملء الفم، وخالفه أبو حنيفة، وأبو يوسف. وزفر يرى نقض الطهارة بقليل الدم، وأبو حنيفة وأبي يوسف ومحمد اعتبروا السيلان. وهذا يؤدي إلى الافتراق، وقد نهينا عنه. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾. وقال تعالى:

стр. 425

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. وقال تعالي: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾. وروى ابن ماجه عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعلية ولا عليهم". ومن تمسك في هذه المسألة وأشباهها بقوله: "الإمام ضامن" أجيب ببقية الحديث، وإن كان روي: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" أخرجه أحمد، والترمذي، وأبي داود من حديث أبي هريرة، وليس فيه تلك الزيادة. فتلك الزيادة قد أخرجها أحمد،
следующие страницы →