← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18260

الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (198 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حوضي، وفي حديث آخر: "على ترعة من ترعة الجنة". قال مالك: نهيت بعض الولاة أن يرقى منبر رسول الله ﷺ بخفين أو نعلين، ولم أر ذلك، وكذلك القبلة ولا بأس أن يجعل نعليه في حجرته إذا دخل الكعبة. [قال]: وكان: [بين منبر رسول الله ﷺ [٨ ب] وجدار القبلة قدر ممر المشاة]، ثم قدم عمرُ القبلة إلى الحد المقصورة، ثم قدْمها عثمان إلى حيث هي اليوم، وبقي المنبر في موضعه. قال مالك: من طرف الغابة نحته النبي ﷺ غلام نجار لسعد بن عبادة، وقال غيره: غلام لامرأة من الأنصار، وقيل: للعباس، فعمله من ثلاث درجات. وقيل لمالك: كيف كان أبو بكر وعمر من رسول الله ﷺ في حياته؟ قال:

стр. 37

منزلتهما بعد مماته، يريد في القرب إذ دفنا معه في البيت، وهو كان بيت عائشة. وروى ابن وهب عن مالك: أن موضع قبر النبي ﷺ في الجدار الذي يلي القبلة، وأن أبا بكر رأسه عند رجلي النبي ﷺ ، وأن عمر بن الخطاب خلف ظهر النبي ﵊ وبقي موضع قبر آخر. ويقال: إن قبر النبي ﷺ [في البيت] مما يلي القبلة وأبو بكر من خلفه، رأسه حذاء كتفي النبي ﷺ ، وعمر من خلفه رأسه حذاء كتفي أبي بكر. ويقال: إن أبا بكر خلف النبي ﷺ قد جاز ملحده ملحد النبي ﷺ ، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر قد جازتا رجلاه رجلي النبي ﷺ والأول أثبت عند أهل العلم. ويقال: إنه بقي في البيت موضع قبر يدفن فيه عيسى بن مريم ﷺ [وعلى نبينا] والله أعلم. وعمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددًا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي ﷺ فيصلى إليه، جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فبناه على هذا فصار للبيت خمسة أركان.

стр. 38

قال مالك: ويسلم الرجل على النبي ﷺ حين يقدم وحين يريد أن يخرج. قيل: فالرجل يمر بالقبر هل يسلم؟ قال: ماشيًا، وفي رواية ابن نافع يسلم كلما مر، وقد أكثر الناس من هذا. قيل: فهل من هذه المساجد شيء يأتيه؟ قال: مسجد قُبَا. قيل: فغيره؟ قال: لا أعلمه. وسئل مالك عن تفسير الصف الأول: هل هو دون المقصورة؟ قال: إن كانت المقصورة لا تدخل إلا بإذن فهو دونها، وإن كانت تدخل بغير إذن فهو الذي يلي الإمام. وحرم النبي [٩ أ] ﷺ ما بين لابتي المدينة وهما حرمان. قال [مالك: لا يُصاد الجراد بالمدينة، ولا بأس] أن يطرد عن النخل.

стр. 39

وقيل: إن حرم المدينة يريد في بريد من جوانبها [كلها]. قال مالك: وكان ابن الزبير إذ بنى الكعبة يصب الطيب بين أضعاف البناء. قال مالك: سألت الحجبة: هل كانوا يُرزقون على الحجابة؟ قالوا: لا، وقد حرص على ذلك عمر بن عبد العزيز فأبينا ذلك. قال مالك: وذلك أجود للحجبة. قال مالك: ولا يُشرك معهم في الحجابة غيرهم؛ لأنها ولاية من رسول الله ﷺ حين أعطى المفاتيح عثمان بن طلحة. قال مالك: قال النبي ﷺ : "لا يُنفَيَن [إنسان] في جزيرة العرب". قال مالك: وهي مكة والمدينة واليمن وأرض العرب، فأجلى عمر أهل نجران (وأما أهل فدك فصولحوا) على النصف، فقوم النصف الذي لهم فأعطاهم به جمالاً وأقتابًا، وذهبا فابتاعه للمسلمين، وأجلى يهود خيبر ولم

стр. 40

يأخذوا شيئًا لأنه لم يكن لهم شيء. قال مالك: فأما تيماء فأمرها بين، بيننا وبينهم أحد عشر ليلة. ليست من بلاد العرب، وهي من ناحية الشام، وأرى الوادي- يعني وادي القرى- ترك من فيها من اليهود لأنهم لم يروها من أرض العرب. فأما مصر وخراسان والشام فلم يُجلوا منها لأنها من أرض العجم، ومن أُجلي من غير المدينة (الذين هم سكانها، فليؤخروا أكثر من ثلاثة أيام حتى يتحملوا، وإنما ضرب لهم عمر ثلاثة أيام بالمدينة لأنهم بها مارة مجتازون. قال ابن شهاب: خيبر عنوة، وبعضها صلح، وأكثر الكتيبة عنوة. قيل لمالك: ما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر، وهي أربعون ألف عذق. وكتب أمير المؤمنين أن تقسم الكتيبة مع صدقات النبي ﷺ وهم

стр. 41

يقسمونها على الأغنياء والفقراء. قيل لمالك: أترى ذلك للأغنياء؟ قال: لا، وأرى أن يفرق على الفقراء. قال: كانت صدقات النبي ﷺ يقسمها الذين يلونها على من جاءهم ويؤثرون بها الأحوج، ولم يكونوا يعمون بها القبائل وكانت نفقتها من غلتها حتى أن أمير المؤمنين [٩ ب] [صار ينفق عليهم من بيت المال ثم يجمع تمرها فيعطيها القبائل يعمهم بها كلهم على قدر حاجتهم ولم يكن قبل ذلك يعم بها] الناس هكذا. وأوقاف النبي ﷺ سبعة حوائط [بالمدينة]. باب في العلم وهدي العلماء وآدابهم [وذكر الفتيا] . قال أبو محمد: قال الرسول ﵊: "لا ينزع الله العلم انتزاعًا من الناس ولكن يقبض الله العلم بقبض العلماء، فإذا ذهب العلماء اتخذ

стр. 42

الناس رؤوسًا جهالاً سُئِلُوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". قال مالك: سأل عبد الله بن سلام كعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: الذين يعملون بعلمهم. قال: صدقت. قال: (فما الذي نفاه عن صدورهم) بعد أن عِلموه؟ قال: الطمع. قال: صدقت. قال مالك: لم يكن بالمدينة قط إمام أخبر بحديثين مختلفين. قال أشهب: يعني لا يحدث بما ليس عليه العمل. قال ابن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد. وسئل مالك: هل يقدم في الأحاديث ويؤخر والمعنى واحد؟

стр. 43

قال: أما ما كان من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك وأن يزاد فيها أو ينقص وما كان من غير قوله فلا أرى به بأسًا إذا اتفق المعنى. وقيل لمالك أيضًا: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا. قيل لمالك: أيؤخذُ ممن لا يحفظ الأحاديث وهو ثقة؟ قال: لا. قيل: يأتي بكتبه قد سمعها؟ قال: لا تؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. قال معن بن عيسى: سمعت مالكًا يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: لا يؤخذ من مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا عن سفيه معلن بالسفه، ولا عن من يكذب في أحاديث الناس وإن كان يصدق في أحاديث النبي ﷺ ولا عن من لا يعرف هذا الشأن.

стр. 44

قال مالك: أهل المدينة ليست لهم كتب، مات ابن المسيب والقاسم ولم يتركا كتابًا، وبلغني أن أبا فلانة ترك حمل [١٠ أ] بغل من كتب، ولم يكن عند ابن شهاب إلا كتاب فيه نسب قومه. قيل لمالك: أرأيت من أخذ بحديث حدثه به ثقة عن أحد من الصحابة أتراه في سعة؟ قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان جميعًا صوابًا. وذكر عن الليث مثله. قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقال: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول: أكره هذا ولم أكن لأصنعه، فكان الناس يكتفون بذلك. وفي موضع آخر كانوا لا يقولون حلال ولا حرام إلا لما في كتاب الله [تعالى].

стр. 45

قال مالك: إنما أفسد على الناس تأول ما لا يعلمون. قال مالك: ليس يسلم رجل حدث بكل ما يسمع ولا يكون إمامًا أبدًا. قال مالك: يلبسون الحق بالباطل. قال مالك: الذي غلب عليه أمر الناس هو المنهج، وقد يكون الشيء [حسنًا] وغيره أقوى منه. قال مالك: إذا أصبت الجواب قل الكلام، وإذا كثر الكلام كان من صاحبه فيه الخطأ. قال: ونهي عن الصياح في العلم وكثرة اللغط. قال: وكان ابن هرمز قليل الكلام، قليل الفتيا، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيرًا بالكلام وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك. قال محمد بن عجلان: ما هبتُ أحدًا قط هيبتي زيد بن أسلم، وكان زيد يقول له: اذهب تعلم كيف تسأل ثم تعال. ويقال: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك أن تقول. قال مالك: ربما مر بي زياد مولى ابن عياش فيضع يده بين يدي،

стр. 46

ويقول: عليك بالجد، فإن كان ما يقول أصحابك من الرخص حق لم يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت الجد، يريد: ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم. قال مالك: إذا رأيت هذه الأمور التي فيها الشكوك، فخذ في ذلك بالذي هو أوثق. قال مالك: كان سليمان بن يسار أعلم هذه البلدة بعد سعيد بن المسيب، وكان إذا كثر الكلام واللغط في المسجد أخذ نعليه وقام. قال مالك: ولا أحب الإكثار من المسائل والأحاديث، وأدركت أهل هذا البلد يكرهون الذي في الناس اليوم [١٠ ب]، ولم يكن أول هذه الأمة بأكثر الناس مسائل، ولا هذا التعمق، وقد نهى النبي ﵊ عن كثرة المسائل، وفي الحديث الآخر نهى عن قيل وقال وكثرة السؤال. قال مالك: فلا أدري هو ما أنتم فيه من كثرة السؤال أم سؤال الاستسعا، وكان مالك يكره العجلة في الفتيا وربما ردد المسائل، [وكثير القول: لا أدري].

стр. 47

وقال: جنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله. قال مالك: من إدالة العالم أن يجيب كل من سأله. وقال ابن عباس: من أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون. وسئل مالك عن شيء، فقال: ما أحب أن أجيب في مثل هذا. وقد ابتلى عمر بن الخطاب بمثل هذه الأشياء، فتركها ولم يجب فيها. قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إذا جعل الرجل قاضيًا أو أميرًا أو مفتيًا فينبغي أن يسأل عن نفسه من يثق به، فإن رآه أهلاًَ لذلك دخل فيه، وإلا لم يدخل. قال مالك: ومن عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه. قال مالك: ولا بأس أن يقول الرجل فيما قرأه على العالم: حدثني كما يقول: أقرأني فلان، وإنما أنت تقرأ عليه القرآن. قيل: فالرجل يقرأ عليك وأنا حاضر أيجوز لي أن أحدث به؟ قال: نعم.

стр. 48

قيل له: فالرجل يقول له العالم: هذا كتابي، فاحمله عني وحدث بما فيه؟ قال: لا أراه يجوز، وما يعجبني، وإنما يريدون الحمل. قال أشهب: يريد الحمل الكثير في الإقامة اليسيرة. وروي عن مالك غير هذا. وروي أيضًا عنه أنه قال: كتبت ليحيى بن سعيد مئة حديث من حديث ابن شهاب فحملها عني ولم يقرأها علي. وحكاية أخرى: قيل: أقرأتها عليه أو قرأها عليك؟ قال: كان أفقه من ذلك. وقد أجاز الكتب ابن وهب وغيره من العلماء. والمناولة أقوى من الإجازة إذا صح الكتاب. قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط. قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ فقال: لا. قلت: فيعاد عليك الحديث؟ قال: لا. وقد تقدم في أول المختصر كثير من معاني هذا الباب.

стр. 49

[١١ أ] باب في الفتن وفساد الزمان وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر بعض من امتحن في ذلك وتحليل الظالم، وفي الرجل يطلب العمالة . قال أبو محمد: قال مالك: قال النبي ﵊ لعبد الله بن عمر: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وكانوا هكذا؟ - وشبك بين أصابعه- قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: عليك بما تعرف وإياك ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم". قال مالك: لا أرى عمر دعا على نفسه بالشهادة إلا أنه خاف التحول من الفتن، وقد كان يحب البقاء في الدنيا. وقال النبي ﷺ : يأتي على الناس زمان يُمسي المرء مؤمنًا ويُصيح كافرًا ويصبح مؤمنًا ويُمسي كافرًا، قيل: يا رسول الله فأين العقول ذلك الزمان؟

стр. 50

قال: تنتزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان. وقرأ أبو هريرة: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (٢)﴾ [النصر ١: ٢]، فقال: والذي نفسي بيده لقد دخلوا فيه أفواجًا وليخرجن منه أفواجًا كثيرة. قال مالك: قال طلحة بن عبيد الله: قد خفت الأمر وغلب سفهاء الناس علماءهم. قال: واعتزل أبو الجهم وترك مجالسة الناس فقال: إني وجدت قرب الناس شرًا. قال يحيى بن سعيد: لما كانت الفتنة اعتزل محمد بن مسلمة وغيره. فنزل محمد الربذة فأتاه ناس من أهل العراق يحرضونه، فأراهم سيفه قد كسره. وقال النبي ﷺ : "إن رأيت من الأمور (ما تنكر) فاكسر

стр. 51

سيفك على حجر من الحرة والزم بيتك، وعض على لسانك". قال يحيى بن سعيد: لم يترك الصلاة في مسجد النبي ﷺ منذ كان الرسول ﷺ إلا ثلاثة أيام يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: [١١ ب] ونسيت الثالث. قال محمد بن عبد الحكم: هو يوم خرج بها أبو حمزة الخارجي. قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة ممن حمل القرآن. قال ابن القاسم: أشك أن فيهم أربعة من أصحاب النبي ﵊. قال مالك: كان يقال: من لقي الله لم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر. قال مالك: لما حكم على الحكمين خرجت تلك الخارجة، فقالوا: لا حكم إلا الله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. وهي أول خارجة خرجت، فتعدوا وكفروا الناس. قال مالك: ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وضرب ربيعة وحلق رأسه ولحيته في شيء غير

стр. 52

هذا، وضرب ابن المسيب، وأدخل في تبان من شعر. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلاً لم يصبه في هذا الأمر أذى. قال مالك: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن على ابن المسيب في السجن وقد ضُرب ضربًا شديدًا، فقالا له: اتقِ الله فإنا نخاف على دمك، قال: اخرجا عني أترياني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما؟. قال مالك: لا ينبغي المقام بأرض يعمل فيها بغير الحق والسب للسلف الصالح، وأرض الله واسعة، ولقد أنعم الله على عبد أدرك حقًا فعمل به. وقال ابن مسعود: تكلموا بالحق تعرفوا به، واعلموا به تكونوا من أهله. قال مالك: وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله فإن عصوا كانوا شهودًا على من عصاه. قيل له: الرجل يعمل أعمالاً سيئة، يأمره الرجل بالمعروف وهو يظن [أنه لا يطيقه] وهو ممن لا يخافه كالجار والأخ؟ قال: ما بذلك بأس ومن الناس من يرفق به فيطيع، قال الله : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه: ٤٤].

стр. 53

قيل له: أيأمر الرجل الوالي أو غيره [بالمعروف وينهاه] عن المنكر؟ قال: إن رجا أن يطيعه فليفعل. قيل له: فإن لم يرج هل هو من تركه في سعة. قال: لا أدري. قيل له: أيأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: نعم، ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة. قال مالك: كان عمر بن الخطاب يقول إذا [١٢ أ] أكربه أمر: والله لا يكون ذلك ما بقيت أنا وهشام بن حكم. قال مالك: مر على عمر حمار عليه لبن، فطرح عنه منه، استكثره ورآه يثقله. قيل لمالك: أمور تكون عندنا علانية من حمل المسلم الخمر، ومشيه مع المرأة الشابة يحادثها؟ قال: وددت أن بعض الناس يقومون في ذلك. قيل: فإن كان لا يقوى إلا بسلطان، فأتاه فأذن له أيأمر في ذلك وينهي الرجل فيه؟ قال: إن قوي على ذلك (وأصاب وجه العمل) مما أحسنه.

стр. 54

قال ابن وهب: سمعت مالك يقول فيمن يرى الشيء مما يؤمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر. قال: إن أهل الخير والفقه مختلفون في هذا. قال مالك: وكل من رأى منكرًا يقوم حتى يأمر به. قال مالك: وقد دخلت على عبد الله بن يزيد بن هرمز وهو على سرير وليس عنده أحد، فذكر شرائع الإسلام وما انتقض منه وما خاف من ضيعته وإن دموعه لتُسكب. قال مالك: كان عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري رجلاً صالحًا يدخل على الوالي في الأمر ينصحه فيه فلا يرفق به فيه، ولا يكف عن شيء من الحق بكلمة به. قال مالك: وغيره من الناس يفرق أن يضرب. قال مالك: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟ قال مالك: وكان القاسم بن محمد يحلل من ظلمه، يكره لنفسه

стр. 55

الخصوم، وكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا. وسئل عن ذلك مالك فقيل له: أرأيت الرجل يموت ولك عليه دين لا وفاء له به؟ قال: أفضل عندي أن أحلله، وأما الرجل يظلم الرجل، وفي رواية أخرى يغتابه وينتقصه، فلا أرى ذلك، قال الله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]. وفي رواية أخرى، قال: كان بعض الناس يحلل من ظلمه ويتأول الحسنة بعشر أمثالها، وما هذا بالبين عندي، ولا (أدري ما) هذا فإن الذي لم يعف لمستوف حقه. قيل لمالك: فالرجل يُولي العمل فيأبى، ويشير بمن يعمل؟ قال: إن أشار بمأمون فلا بأس بذلك [١٢ ب]. قيل لمالك: فالجر يُدْعى للعمل فيكره أن يجيب ويخاف أن يُسجن أو يُجلد، طهره أو تُهدم داره؟ قال: فليصبر على ذلك ويترك العمل، وأما من خاف على دمه فلا أدري ما حدّ ذلك، ولعل له في ذلك سعة إن عمل. باب في الدعاء وذكر الله وقراءة القرآن والقراءة بالألحان والقصص والذكر في المساجد والمصاحف ورطانة العجم والسمر بعد العشاء قال أبو محمد: قال مالك: قال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب

стр. 56

الله من ذكر الله هنا، وروي أن النبي ﵊ كان من دعائه كلما أصبح وأمسى: "اللهم بك نُصبح وبك نُمسي وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور"، وإذا أمسى قال: "وإليك المصير، اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظًا ونصيبًا من كل خير تقسمه في هذا اليوم، وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها، برحمتك إنك على كل شيء قدير". ومن دعائه: "اللهم بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا وفي كنفك أصبحنا وأمسينا". ومن دعائه عند النوم، يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجات ظهري إليك، وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك، رهبة منك ورغبة إليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، ثم يقول: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"، يرددها. ومن دعائه ﵊ إذا خرج [١٣ أ] من بيته: "اللهم إني أعوذ بك أن أضِل أو أُضل أو أَزِل أو أُزَل أو أَظِلم أو أُظلَم أو أجهل أو يُجهل علي". وفي باب السفر ذكر الدعاء عند السفر. وقال ﵊: "أما الركوع فعظموا فيه الله، وأما السجود فاجتهدوا

стр. 57

فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم"، يقول: فحري أن يُستجاب لكم". وروي من قوله في الركوع: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. وسمع ﷺ (يقول وهو ساجد من الليل): "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". ومما رُوي أنه يُستحب دُبُر الصلوات أن يُسبح ثلاثًا وثلاثين ويكبر ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وروي مما يستحب عند الخلاء أن يقول: الحمد لله الذي رزقني لذته، وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته.

стр. 58

قال: ودعا عمر بن الخطاب على نفسه بالموت حين قال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط .. قال: وقال عمر بن عبد العزيز لبعض من كان يخلو معه: ادع لي بالموت، وكان عمر بن عبد العزيز يدعو: اللهم رضني بقضائك وأسعدني بلقائك، حتى لا أحب تأخير شيء عجلته ولا تعجيل شيء أخرته. وقال مالك: كان عامر بن عبد الله يرفع يديه بعد الصلاة يدعو، ولا بأس به ما لم يرفع جدًا، وفي رواية ابن غانم: ليس رفع اليدين في الدعاء من أمر الفقهاء. قال مالك: وأكره أن يحلف أحد بحق الخاتم الذي على في أو يقول: رغم أنفي لله، وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: رغم أنفي لله الحمد لله الذي قطع مدة الحجاج. وسئل مالك عن النوم بعد صلاة الصبح قال: غيره أحسن منه وليس بحرام. قال مالك: كان سعيد بن أبي هند ونافع مولى ابن عمر وموسى.

стр. 59

قال مالك: كان من دعاء رسول الله ﷺ : "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت في قوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". والتعويذ الذي علمه جبريل رسول الله ﷺ إذا رأى عفريتًا يطلبه بشعلة من نار حين أسري به: "أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن. قال مالك: وكان يقال: أعوذ بك من جور بعد كور، ويروى بعد طور. وهو أن يتحول عن صلاح [حال] كان عليه. ويقال: أعوذ بك من جار سوء في دار مقامة. قال مالك: وقال النبي ﵊: (من نزل منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل). قال مالك: يستحب للرجل إذا دخل منزله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله [١٣ ب] (وهو في كتاب الله .

стр. 60

ابن ميسرة يجلسون بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ثم يتفرقون وما يكلم بعضهم بعضًا اشتغالاً بذكر الله [تعالى]. ولم تكن القراءة في المسجد في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج، وأكره أن يُقرأ في المصحف في المسجد. وأنكر مالك القصص في المسجد. وقد قال تميم الداري لِعُمر: دعني أدع الله وأقص وأذكر الله، فقال عمر: لا، فأعاد عليه، فقال: أنت تريد تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني. قال مالك: ولا أرى أن يُجلس إليهم، وإن القصص لبدعة، قال: وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب، وكان ابن المسيب وغيره يتحلقون والقصاص يقص. قال مالك: نهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا، وكره التابوت الذي [يجعل] في المسجد للصدقة. وسئل مالك عن الأكل في المسجد فقال: أما الشيء الخفيف مثل السويق ويسير الطعام فأرجوه، ولو خرج إلى باب المسجد كان أحب إلي، وأما الكثير فلا يعجبني ولا في رحابه، وأكره [١٤ أ] المراوح التي في مقدم المسجد التي يروح بها الناس.

стр. 61

وقال في الذي يأكل اللحم في المسجد: أليس يخرج يغسل يديه؟ قالوا: بلى، قال: فليخرج ليأكل مثل هذا. قال: وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد، وأكره أن يبني مسجدًا ويتخذ فوقه مسكنًا يسكن فيه بأهله، ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه وإن أخذه في ثوبه، وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من السواك من فِيه يلقيه، ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج لفعل ذلك، وكره ما يصنع الناس من اجتماعهم لأكل الطعام في المسجد في رمضان. وسئل عما يتخذ من المساجد في القرى تتخذ يأكل فيها الصبيان ويبيتون؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا. قال مالك: إن استطعت أن تجعل القرآن إمامًا فافعل فهو الذي يهدي إلى الجنة. قيل: فالرجل المحصي يختم في الليلة؟ قال: ما أجود ذلك. قيل: هل يقرأ في الطريق؟ قال: الشيء اليسير، وأما الذي يديم ذلك فلا. قال سحنون: ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع. قيل: فالرجل يخرج إلى قريته ماشيًا أيقرأ؟ قال: نعم. قيل: فيخرج إلى السوق أيقرأ في نفسه ماشيًا؟ قال: أكره أن يقرأ في السوق.

стр. 62

وسئل عن القراءة في الحمام؟ قال: ليس الحمام بموضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات فما بذلك بأس. وسئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن؟ قال: ما أرى هذا ينبغي. قال: ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة. وقال مالك: أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه. قال مالك: ولا تعجبني القراءة بالألحان ولا أحبه في رمضان ولا غيره؛ لأنه يشبه الغناء ويضحك بالقرآن، ويقال: [فلان] أقرأ من فلان. وبلغني أن الجواري يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء أترى هذا من القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ ؟. قال مالكك ولا بأس بالحلية للمصحف، وإن عندي مصحفًا كتبه جدي إذ كتب عثمان [﵁] المصاحف عليه فضة كثيرة. قيل: هل يكتب في أول السورة عدد آياتها؟ فكره ذلك في أمهات المصاحف [١٤ ب] وأن يشكل وينقط، فأما ما يتعلم

стр. 63

فيه الصبيان فلا بأس. قيل: فمما كتب اليوم من المصاحف أيكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟ قال: لا، ولكن على الكتبة الأولى، وبيان ذلك أن براءة لم يوجد في أولها بسم الله الرحمن الرحيم، فتركت. قيل: كيف قدمت السور الكبار في التأليف وقد نزل بعضه قبل بعض؟ قال: أجل، ولكن أراهم إنما ألقوه على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ . قيل: أفيكتب في الألواح يتعلمون فيها بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة السورة، وكل ما يكتبون؟ قال: نعم.

стр. 64

وكره علم الأعشار في المصحف بالحمرة ونحوه، فقال: يعشر بالحبر، ورأينا مصحف مالك مُغَشى بخرق ديباج ومن فوقها غلاف طايفي أحمر. قال مالك: وهذا من ديباج الكعبة، وأستخف أن يشتري منه للمصحف. قال: ولا يُحلى بشيء من الذهب. قال ابن المسيب: لأن أنام عن العشاء الآخرة أحب إلي من أن ألغو بعدها. وقيل: فإن سمر بعدها في علم أو عمل يد ونحوه من القدر فلا يكره. وأنكر مالك أن يقال: صلاة العتمة، وأيام التشريق، وقال: يقول الله سبحانه: ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ [النور: ٥٨]، وقال الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].

стр. 65

باب في الصمت والعزلة والتواضع والقصد والحياء وحسن الخلق، وذكر في العبادة وشيء من مواعظ وحكم قال أبو محمد: قال مالك: قال الرسول ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بال يهوي بها في نار جهنم). وقال من وقي شر اثنين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه. وقال: أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل. وقال: التقي ملجم لا يتكلم بكل ما يريد. وقال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه. وقال عيسى بن مريم [١٥ أ] [صلى الله على نبينا وعليه]: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله تعالى.

стр. 66

قال مالك: من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه. ويقال: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه. قال مالك: ولم يكونوا يهذرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة، أو كما قال. قال مالك: وكان الربيع بن خثيم أقل الناس كلامًا. وقال النبي ﷺ : (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم). وقال ﵊: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا). وقال ﵊: (لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء). وقال ﵊: (الحياء من الإيمان). وقال ﵊ لمعاذ بن جبل: (حسن خلقك للناس

стр. 67

معاذ بن جبل) وقال ﷺ للذي سأله أن يوصيه ولا يكثر عليه: (لا تغضب). وقال ﵊: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وقال سفيان: صاف من شئت ثم أغضبه فليرمينك بداهية تمنعك من العيش. ويقال: ما تجرع أحد أفضل من جرعة الغضب. قال مالك: والفظاظة مكروهة، يقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ١٤]. قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: ما دخل علي أحد فيدينه أشد عليه من الإملاء. قال مالك: وليس في الناس شيء أقل من الإنصاف.

стр. 68

قالت عائشة [﵂]: ولو نهي الناس عن جاحم الجمر لقال قائل: لو ذاقه. قال مالك: قال عمرك خرق المرء أشد علي من عدمه لأنه يستفيد المال والخرق لا يقوم له شيء. وقال عمر: لا تصحب فاجرًا، ولا تفش إليه سرك وشاور في أمرك الذين يخشون الله. قال: وقف رجل على لقمان قال: أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك وغشيهم بابك ورضاهم بقولك، قال: يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك. قال عثمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، ووفائي بعهدي، ووفائي بوعدي [١٥ ب] وتكريمي ضيفي [وحفظي جاري] وتركي ما لا يعنيني. قال مالك: قال سعد بن عبادة: صل صلاة امرئ مودع يظن أن لن يعود، وأظهر اليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى، وإياك والطمع وطلب الحاجات فإنه الفقر الحاضر، وقد علمت أنه لا بد لله من قول، فإياك (وما

стр. 69

يعتذر) منه. قال مالك: ويقال إن البلاء موكل بالمنطق، ومن أكثر الكلام ومراجعة الناس ذهب بهاؤه. قال مالك: ولم يكن في زمان سالم بن عبد الله أشبه منه بمن مضى في الزهد والقصد، كان يلبس الثوب بدرهمين ويشتري الشملة بحملها ويخرج إلى السوق في حوائج نفسه. وكان القاسم يلبس الخز والثياب الحسان. وكان ابن المسيب يسرد الصوم. قيل لمالك: فما روي فيه؟ قال: كان النبي ﵊ يفعل أشياء توسعة على الناس، وقد سرد قوم من الصحابة. وقال الرسول ﵊: (من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه أمره ولم يأته منها إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة همه جعل الله غناه في نفسه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة). قال الصديق: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان من ذكر الله أو أدى إلى ذكر الله. وقال بعض الصالحين: الزهد ترك الحرام وفضول الحلال وترك المنزلة عند الناس.

стр. 70

فلم يعجب سحنونًا قوله: تركُ الحرام، وقال: ترك الحرام فريضة، وقال: من الزهد ترك الفضول بعد المقدرة عليها، ولا خير في حب المنزلة. وقال ابن شهاب: الزاهد من لم يغلب الحرام صبرة ويشغل الحلال شكره. وفي موضع آخر قيل لابن شهاب: من الغافل؟ من غلب الحرام صبره والحلال شكره. قال سحنون: وزهد الغني بالترك، وزهد الفقير بالنية، وترك الدنيا زهدًا أفضل من طلبها وإنفاقها في البر. وروي أن النبي ﵊ قال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره). وروي أنه ﵊ قال لعبد الله بن عمر: (اعبد الله كأنك تراه، وكن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل). وقال: ما من آدمي [١٦ أ] إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك فإذا رفع نفسه ضربه بها وقال انخفض خفضك الله وإذا تواضع لله رفض بها، فقال: ارتفع رفعك الله.

стр. 71

وقال ﵇: (أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء)، فقال رجل: أولسنا نستحيي يا رسول الله؟ أو لسنا نستحيي من الله؟ قال: (من استحيا من الله فليبت وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر القبور والبلاء، ومن أحب الآخرة فليترك زينة الحياة الدنيا). باب في التجمل وذكر العجب والرياء والكبر والكذب والغيبة سوء الظن قال أبو محمد: قال مالك: قال رجل لرسول الله ﷺ : إني أحب أن يكون ثوبي نظيفًا وشراك نعلي خصيفًا، أفذلك من الكبر؟ فقال: (لا، إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس). [وقد] قال ﵊: (إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم). قال مالك: وأما الذي يقول ذلك على جهة التحزن فليس من ذلك ما

стр. 72

يريد: إنما المكروه من قال ذلك طعنًا وتنقصًا. قال مالك: وقد أدركت الناس وهم يقولون: ذهب الناس. قال مالك: ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال له: من سيد قومك؟ قال له: أنا فقال له: لو كنت سيدهم ما قلته. وقال عمر: إن المدح هو الذبح. وروي أن النبي ﵊ قال: (يقول الله سبحانه يوم القيامة: من عمل عملاً أشرك فيه غيره فهو له، وأنا منه بريء، أنا أغني الشركاء عن الشرك). قال مالك: رأى سعد بن أبي وقاص رجلاً بين عينيه سجود فقال له: من كم أسلمت؟، فذكر له الرجل أمره كأنه بقر به، فقال سعد: أسلمتُ منذ كذا وكذا وما بين عيني شيء. وذكر مالك القصد وفضله، وقال: وإياك من القصد ما تحب أن ترتفع به وتُعجب به الناس. وقيل لمالك في المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يُحب أن يُعلم به، ويُحب أن يُلقى في طريق المسجد؟ قال: إن كان أولُ ذلك لله فلا بأس، وربما كان

стр. 73

ذلك من الشيطان [١٦ ب] ليمنعه ذلك. وإن المرء يحب أن يكون صالحًا، وقد قال عمر لابنه حين سألهم النبي ﵊ عن شجرة ضربها مثلاً للمؤمنين، قال: فقلت في نفسي هي النخلة، ولم أتكلم بذلك، فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا. وهذا يكون في القلب لا يُملك، قال الله سبحانه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩]. وقال ابن عمر: اللهم اجعلني من أيمة المتقين. قال أبو حازم: ما كان في نفسك فرضيته نفسك لها فهو من نفسك فقابلها، وما كان من نفسك فكرهته نفسك لها فهو من الشيطان، فتعوذ بالله منه. قال بعض العلماء: الرياء أن تعمل عملاًَ لا تحب أن يعرفك الناس به ويثنون به عليك، فإن قبل قلبك هذا فهو رياء، ويقال: من خاف الرياء سلم منه، ويقال: من البر أن لا تترك البر مخافة الرياء. ومن العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس، وتمقتهم ولا تمقت نفسك.

стр. 74

وقال بعض السلف: إذا كنت في الصلاة فقال لك الشيطان: إنك تُرائي فزدها طولاً، فإنه كذوب. قال مالك: واخف النوافل كلها للصلاة وغيرها أحسن. قال مالك: سمعت أنه ما خرف قط إنسان صدوق. قال ابن مسعود: ما من خصلة في امرئ أشر من الكذب. قيل لمالك: هل يؤدب الرجل أهله وولده على الأيمان بالكذب؟ قال: نعم. قال عمر بن الخطاب: لا تنظروا إلى صوم أحد ولا إلى صلاته ولكن انظروا من إذا حدث صدق وإذا ائتمن [أدى]، وإذا أشفى ورع. قال مالك: وكان الخير لا يُعرف في عمر ولا في ابنه عبد الله حتى يقولا أو يعملا. قال القاسم: أدركت الناس وما يعجبون بالقول.

стр. 75

قال مالك: يريد إنما يُنظر إلى العمل. وروي أن النبي ﵊ قال: (المكر والخيانة والخديعة في النار). وقال ﵊: (إن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه). وقال ﵊: (إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره). قال مالك: قال القاسم: من الرجال رجال لا تذكر عيوبهم. وروي أنه ﵊ قال: (الغيبة أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع). قيل: يا رسول الله: وإن كان [١٧ أ] حقًا؟ قال: (إذا قلت باطلاً فذلك البهتان). وفي بعض الحديث أن من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه، فقيل: هو المعلن بالفسق والله أعلم، ويقال: لا غيبة في أمير جائر، ولا في ذي بدعة يدعو إلى بدعته، ولا فيمن يشاور فيه لنكاح أو شهادة ونحوه، وقد قال النبي ﵊ لفاطمة بنت قيس فيمن خطبها، فقال: إن معاوية صعلوك
следующие страницы →