وكذا إذا أجبت بها عن اليمين؛ كقولك: والله إن زيداً قائم فهي مكسورة لأن القسم يجاب بالابتداء والخبر؛ كقولك: والله لزيد قائم، وبالفعل والفاعل كقولك: والله ليقومنَّ زيد؛ ووالله لقد قام زيد؛ فجواب القسم - كما ترى- من المواضع غير المختصة بأحد القبيلين.
وكذلك إن دخلت خبرها اللام كانت مكسورة لأن اللام في نية التقدم، إذ كانت لام الابتداء، ولام الابتداء تختص بالدخول على جملة تامة، و "أنَّ" المفتوحة ليست مع اسمها وخبرها في تقدير جملةٍ، بل في تقدير مفرد، و "إن" المكسورة مع معمولها جملةٌ، فلذا إذا دخلت اللام خبرها كُسرت ولم تفتح، فإن اختص الموضع بالاسم أو بالفعل وقعت فيه المفتوحة لا المكسورة، وكان ذلك من مواضعها لا من مواضع تلك، لأن العبرة سبقت بتعريف مواضع المكسورة، وأنها لا تقع إلا في موضع مشترك بين الاسم والفعل، فمن ذلك وقوعها بعد حرف الجر كقولك: عجبتُ من أنك تقول كذا، فذا موضع مختص بالاسم، إذ حرفُ الجر من خواصه.
ووقوعُها في الموضع المختص بالفعل كقولك: لو أنه قام لقمت، لأنك تقول: لو قام زيد قمت ولا تقول: لو زيدٌ قائمٌ، ولا ما أشبهه، فذا موضعٌ كما ترى مختص بالفعل دون الاسم، لما في "لو" من معنى الشرط، فإن وقع بعد "لو" اسمٌ كان محمولاً على فعلٍ مضمر، وهو مع ذلك قليل، ومنه المثل "لو ذاتُ سوار لطمتني" (١) والأصلُ: لو لطمتني ذاتُ سِوارٍ.
стр. 177
وكذا تفتحها بعد لولا، لأن الفعل لا يقع بعدها كما يقع الاسم، بل هي من مواضع الاسم دونه، تقول: لولا زيدٌ لكان كذا، ولا تقول لولا يقوم (١)، فلهذا جاء قوله ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٢) [الصافات: ١٤٣] مفتوحاً فيه "انَّ" لا مكسوراً.
وبالجملة، فإن المكسورة مع اسمها وخبرها جملة، والمفتوحة مع اسمها وخبرها في تقدير مفرد محكومٍ له بوجوه الإعراب التي تتناول المفردات، ولهذا اعتبرت بأن يحسن في موضعها، إذا حُذفت مع معمولها "ذاك"، أي هذه اللفظة، إذا قلت: علمت أنك منطلق؛ تضع مكان "أن" ومعمولها "ذاك"، فتقول في قولك بلغني أنك منطلق إذا حذفتها مع معمولها: بلغني ذاك، فيكون كلاماً صحيحاً.
وكشف هذا التعليل وهذه العبرة بوضع "ذاك" موضعها أنها مع اسمها وخبرها في تقدير مصدر، والمصدرُ اسم مفرد، ولهذا وقعت فاعلةً ومفعولةً ومجرورة كقولك (٣): بلغني أنك منطلق، أي بلغني انطلاقك وعرفت أنك منطلق، أي عرفت انطلاقك وعجبت من أنك منطلق؛ أي عجبت من انطلاقك.
فإذا دخلت اللام في خبرها عادت مكسورة، وعلقت عنها اللام الأفعال التي من شأنها أن تُلغى، فعملت في موضعها؛ كقولك: علمت إنك لمنطلق. لأن هذه اللام وإن كانت متأخرة فأصلها التقديم على "إن"
стр. 178
وما في خبرها، ولهذا قال سيبويه (١): فزحلفوها (٢) إلى الخبر، أي دحرجوها إليه وكان موضعها الاسم، لأنه المبتدأ في الأصل، وهذه اللام مخصوصة بالدخول عليه؛ ولكنه لما "وليت" إن بدخولها عليها لتأكيد الجملة كرهوا الجمع بينهما لاشتراكهما في التأكيد، فأخروا اللام إلى الخبر، فذلك التأخير هو الزحلفة التي عبر بها سيبويه، فكان الأصل في قولك: إن زيداً لمنطلق؛ لأن زيداً منطلق؛ إلا أنهم كرهوا الجمع بينهما لما ذكرنا، فأخروها إلى الخبر، إذ لو أدخلوها على الاسم لوقعوا فيما هربوا منه، والخبر هو الاسم في المعنى، فكان دخولها إياه دخولها المبتدأ وهو اسم "إن"، إلا أن هذا مع حصول الغرض؛ وهو أن لا يدخل حرف معنى على مثله في الدلالة.
وأما الاثنان الباقيان من الثمانية، فواحد يقدم مرفوعه على منصوبه ويلزمه التقديم وهو "ما" النافية في لغة أهل الحجاز كقولك: ما زيدٌ قائماً فـ "ما" هذه مشبهة بـ "ليس" في هذه اللغة، وهي لغة التنزيل، ووجهُ شبهها بـ "ليس" أنها تنفي ما في الحال كما تنفيه ليس، وتحسُنُ في خبرها الباء كما تحسُنُ في خبر ليس، فتقول: ما زيدٌ بقائم كما تقول ليس عمرو بمنطلقٍ، وأنها تنفي الأسماء كما تنفيها ليس، فمن ذلك قوله تعالى ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٣) قرأت القراء قاطبةً أمهاتِهم بالنصب إلا ما روي
стр. 179
عن عاصم (١) بن أبي النَجود من طريق المُفضل (٢) أنه قرأ برفعها "أمهاتُهمُ" فأما بنو تميم وغيرهم من العرب ما خلا أهل الحجاز ومن تكلّم بلغتهم، فـ "ما" غير مُعملة عندهم، إذ كانت لا تختص بالاسم دون الفعل، ولا بالفعل دون الاسم، لأنك كما تقول: ما زيدٌ قائم، تقول: ما قام زيد، وما يقوم زيد، فجرت عندهم مجرى "هل"، ولم يراعوا شبهها بـ "ليس" في النفي.
والذين أعملوها عمل "ليس" لشبهها بها يعملونها عملها في حالةٍ مخصوصة؛ وهي بقاء النفي عليها، ولزوم الترتيب في تقديم الاسم على الخبر، فإن انتقض النفي بحرف موجب، أو قُدم الخبر على الاسم أبطلوا عملها، وعادوا إلى لغة التميميين فصار حكمها عند الجميع واحداً في كونها حرفاً غير عامل، دخل لمعناه فقط؛ وذلك حكم "هل" فتقول: ما قائمٌ زيد وما زيدٌ إلا قائم.
وانتقاض النفي ينبغي أن يكون أشد (٣) في إبطال العمل من تقديم الخبر؛ ولهذا روي عن بعض العرب نصبُ الخبر مقدماً، فحكوا: "ما مسيئاً من أعتب" (٤)، والأكثر الأعرف غير ذلك.
стр. 180
والآخر من الاثنين الباقيين حرف يرفع وينصب، إلا أنه يشبه بـ "إنّ" تارة لكونه نقيضاً (١) له، فيلزم تقديم منصوبه على مرفوعه، ويشبه تارة بـ "ليس" فيلزم تقديم مرفوعه على منصوبه؛ وحمله على "ليس" حمل نظير على نظيره في المعنى؛ وذلك الحرف هو "لا" النافية.
والمثال في عملها عمل "إن" قولك: لا رجل أفضل منك، وفي عملها عمل ليس قولك: لا رجلٌ قائماً.
وقد قلنا إن حملها على "إن" حمل النقيض على نقيضه؛ وهو كحمل النظير على نظيره، فـ "إنّ" للإيجاب و "لا" للنفي، فهما - كما ترى - نقيضان، فشُبهت بها فأعملت عملها من نصب الأول ورفع خبره وهو الثاني.
ونظير هذا الحمل على النقيض إعرابهم "أياً" وهي متضمنة معنى الحرف؛ وهو همزة الاستفهام مثلاً في قولهم: أيهم في الدار؟ والاسم إذا تضمن معنى الحرف استحق البناء لتعدي حكم الحرف إليه، إلا أنهم أعربوا "أياً" من بين أسماء الاستفهام لأن لها نقيضاً ونظيراً معربين، فالنقيض "كلٌّ" والنظير "بعضٌ".
وكذا حمل بعضهم بناء "كم" الخبرية على أنه حمل لها على "رُب"، إذا كانت كم للتكثير و "رب" للتقليل. وكذا حملوا النقائض في الأبنية والصيغ بعضها على بعض، فاشتركت فيها، ولهذا قالوا: رجلٌ أرسح كما قالوا أستة (٢)، وقالوا أفرع، للتام الشعر كما قالوا أقرع، وقالوا
стр. 181
جوعان وغرثان كما قالوا شبعان وملآن، وعطشان وصديان كما قالوا: ريان والشواهد في هذه الأمثلة كثيرة جداً.
وحملها على "ليس" لأنها تنفي كما أن "ليس" تنفي، وحملها عليها حمل الشيء على ما هو في معناه أي على نظيره. إلا أنها إذا أُعملت عمل "إن" لم تعمل إلا في نكرة جنس شائع بشرط أن تليها، فإن فصل بينها وبين الاسم الذي من شأنها أن تعمل فيه بطل عملها، وصارت حرفاً يقع بعده الكلام الذي قد عمل بعضه في بعض، فمثال العمل قولك: لا غلام رجلٍ عندك ولا خيراً من زيدٍ في الدار، ومثال إبطال العمل قولك: لا في الدار خيرٌ من زيدٍ ولا عندك غلام رجل؛ فلا يكون مع الفصل إلا الإبطال للعمل. ولو قلت: لا غلام زيدٍ عندك لم يجز الإعمال، وإن كنت لم تفصل لأن "غلام زيدٍ" معرفةٌ ولا يجوز أن تعمل "لا" في معرفة لانحطاطها عن رتبة ما شبُهت به في العمل، ووضعها لنفي الجنس إذا عملت. ومثل "غلام زيدٍ" لا يعد جنساً كما أن ما أضفته إليه؛ وهو الاسم العلم لا يعد جنساً.
فـ "لا"، إذا فصلت معمولاتها، وعددتها لم تخرج عن أن تعمل في نكرة، إما مفردةٍ كقولك: لا رجل في الدار، وإما مضافةٍ إلى نكرة كقولك: لا غلام رجلٍ في الدار، وإما مشبهةٍ للمضاف، وهي التي يقال لها: الممطولة، كقولك: لا خيراً من زيدٍ عندك، ويقال لهذا القسم أيضاً: إنه المشابه للمضاف لطوله وانتصابه. وانتصاب المضاف بـ "لا" انتصاب صحيح.
وشبه هذا بالمضاف أن الأول عاملٌ في الثاني كما أن المضاف عاملٌ في
стр. 182
المضاف إليه والثاني من تمام الأول كما أن المضاف إليه من تمام المضاف، ومخصص له.
وإذا دخلت "لا" على اسم جنسٍ مفردٍ نكرة بنيت معه ورُكبا فكانا كالكلمة الواحدة، وفتح آخره للتركيب فجريا لذلك مجرى الجزء الواحد، ويحذف منه التنوين للبناء، فيصير، بعد أن كان أمكن الأسماء، غير متمكن، وذلك كقولك: لا رجل في الدار ولا جارية لك، فهذا كما تقول: خمسة عشر في الدار وثلاث عشرة عندي.
وإن أعملتها عمل "ليس" رفعت ما بعدها رفعاً صحيحاً كما ترفعه "ليس" ونصبت خبرها. إلا أن حكمها في العمل في النكرة خاصةً وترك عملها مع (١) الفصل بينها وبين الاسم هو الحكم الأول، لنقصها أيضاً وانحطاطها عن رتبة "ليس" في العمل، وذلك كقولك: لا رجل قائماً في الدار، ولو قلت: لا في الدار رجلٌ قائماً لم يجز إلا أن ترفع قائماً أو تنصبه على الحال. وقولك "في الدار" خبر للمبتدأ - الذي هو رجل - مقدمٌ عليه.
وقد يحذف خبر "لا" في كثير من الأمر للعلم به وكونه محذوفاً في حكم النطق به، كقولك: لا إله إلا الله، والمعنى لنا أو في الوجود أو غير ذلك من الأخبار التي إذا قُدرت بعد الحذف كان المعنى صحيحاً بها، ولا يحذف مثل هذا الخبر المقدر إلا إذا كان المعنى مفهوماً عند السامع كل الفهم، وكذا كل محذوف إنما يحذف بعد العلم به والثقة - مع الاختصار- بفهم المعنى؛ وإلا كان المتكلم مكلفاً السامع علم الغيب، إذ المحذوف معلوم عند الناطق لا المخاطب.
стр. 183
فإن وصفت اسم لا المبني معها كنت مخيراً في نصب الصفة وتنوينها على الأصل مع بناء موصوفها، وهذا هو الوجه؛ كقولك: لا رجل ظريفاً عندك، وفي بناء الصفة مع الموصوف على الفتح وجعلهما كالكلمة الواحدة، لأنهما في المعنى كذلك، إذ كانا اسمين مسماهما واحد، وذلك قولك: لا رجل ظريف عندك. و "لا" في هذا الوجه غير مركبة مع الاسم كما كانت في الوجه الذي قبله لأن الاسم قد رُكب مع صفته، فلا تجعل ثلاثة أشياء شيئاً واحداً، لأن جعل شيئين واحداً ضعيف في القياس، لولا استحسان (١) اللغة له، فاتبعت فيه ولم يُمكن - خلافها فكيف إذا جعلت ثلاثة أشياء شيئاً واحداً، فذلك ممتنع قياساً وسماعاً.
(ومن ركب هذا - أعني بناء لامع الصفة والموصوف - قال: هما كالشيء الواحد، فبنيت "لا" معهما والوجه عندنا هو الأول اعتباراً للفظ) (٢).
ولك أن ترفع الصفة حملاً على موضع "لا" واسمها إذا (٣) كانا في موضع ابتداء، فتنون لا غير فتقول: لا رجل ظريفٌ عندك.
وإن عطفت على اسمها في هذا الوجه نصبت المعطوف، وإن شئت رفعته، ولم يكن مع ذلك إلا منوناً كقولك: لا رجل وغلاماً في الدار ولا رجل وغلامٌ؛ هذا إذا لم يكن مع المعطوف "لا" مذكورة مكررة.
стр. 184
فإن جئت بها قبل المعطوف كما جئت بها قبل المعطوف عليه - وهي الأولى- ركبتها - إن شئت- مع المعطوف، وكان مفتوح الآخر بغير تنوين كما أن الأول كذلك، وذلك قولك: لا رجل ولا امرأة عندك، ونصبته نصباً صريحاً - إن شئت- عطفاً على اسم "لا" الأولى، وكانت "لا" الثانية مزيدة لتأكيد النفي، كقولك: لا رجلَ ولا امرأةً في الدار، وإن شئت رفعت المعطوف بالتنوين لا غير وقدرت "لا" الثانية مزيدةً في هذا الوجه أيضاً، وحملت المعطوف على موضع "لا" الأولى واسمها، وهو موضع ابتداء، والمسائل في ذلك كثيرة الأمثلة.
فإن وقع بعد "لا" المعرفة لم تكن إلا مرفوعة بالابتداء؛ كقولك: لا زيدٌ في الدار ولا عمرو، وبطل عمل "لا" إذ كانت مقصورة على العمل في النكرة الشائعة، ويلزم - في هذا- التكرير، وكذا إذا بطل عملها في النكرة بالفصل بينها وبينها كقوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ (١) [الصافات: ٤٧] وعلة ذاك أن "لا" هذا جوابٌ لكلام تتكرر فيه هذه الأسماء التي لزم تكريرها بعد "لا".
والجواب (٢) يكون أبداً على وفق السؤال ومطابقاً له، فلم تقل: لا زيدٌ في الدار حتى أتبعته بقولك: ولا عمروٌ، لأنه جواب لمن قال: أزيدٌ في الدار أم عمرو (٣)؛ وكذا لا في الدار رجلٌ ولا امرأة، جوابٌ لمن قال: أفي الدار رجلٌ أم امرأة فاعرف ذلك.
стр. 185
فصل
ومما عللوا به امتناع تقديم خبر "إن" على اسمها؛ وكذا بقية أخواتها؛ أن المرفوع إذا ولي رافعه وأُضمر استتر فيه وتضمنه الرافع؛ كقولك: زيدٌ قام، والأصل قام هو. فلو ولي "إن" مرفوعها وكان مضمراً للزم - لما ذكرنا من تضمن الرافع مرفوعه المضمر - أن يتضمنه فيكون (١) مضمراً فيها؛ والحروف لا يضمر فيها إنما يضمر في الأفعال والأسماء الجارية مجراها.
وقُسم ذلك تقسيماً فقيل: لو وليها الخبر المرفوع وهو مضمرٌ لم يخل من أن يستتر فيها ويضمر أو يظهر معها، فإن أُضمر فيها لم يجز، إذ الحروف لا يضمر فيها، إنما ذلك حكم اختصت به الأفعال لقوة دلالتها على الفاعلين؛ وكذا ما أجري مجرى الأفعال من الأسماء؛ وإن أُظهر معها كان مخالفةً لأصل الوضع، وهو امتناع ظهور ضمير المرفوع مع الرافع إذا وليه؛ فلما كان تقديم الخبر على الاسم في هذه الحروف يؤدي إلى هذا، أُلزمت تقديم منصوبها إلا أن يكون خبرها ظرفاً، أو ما جرى مجراه كما سبق، فذاك مما اتسع فيه.
وشبه قولهم إن زيداً قائمٌ بقولهم: كان منطلقاً زيدٌ لأن "إن" وأخواتها فروع في العمل على "كان".
стр. 186
الضرب الثاني من الحروف ما ينصب فقط
وهي (١) سبعة كما ذكر:
الأول الواو في باب المفعول معه، وذلك قولك: استوى (٢) الماء وشفير الوادي، وجاء البرد والطيالة، وقوله تعالى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] (٣) في أحد القولين، وقول الشاعر:
(وما أنا والسير في مهمهٍ ... يبرح بالذكر الضابط) (٤)
هذه الواو في الأصل للجمع؛ ومعنى الكلام الذي دخلته معنى "مع"، فقولك: استوى الماء وشفير الوادي تقديره مع شفير الوادي، فمع ظرف يدل على المصاحبة، ثم حُذف؛ والفعل الذي في الجملة لازم؛ وهو (٥) "كان" العامل في "مَعَ" المحذوفة في الأصل، واللازم لا ينصب
стр. 187
مفعولاً صريحاً، ولا يتعدى إليه بنفسه، وإنما يتعدى بمقوٍ، فأقيمت الواو مقام "مع" لتقاربهما في الدلالة، أن معنى الجمع قريب من معنى المصاحبة إذ لا مصاحبة إلا باجتماع، فقوي الفعل بالواو، فنُصب الاسم الذي كانت "مع" مضافةً إليه، وكان مجروراً بـ "مع" فصار منصوباً بالفعل، كما قوت "إلا" في الاستثناء الفعل اللازم، فعدته إلى المستثنى فنصبه (١)، وذلك قولك: قام القوم إلا زيداً، و"قام" لا يتعدى.
وتنزلت الواو من جهة التعدية تنزل الباء من (٢) مررت بزيدٍ، إلا أن الباء عاملة والواو غير عاملة، وليست الواو الآن بالعاطفة، لأن العاطفة تُشرك ما بعدها في إعراب ما قبلها، ولا معنى للعطف هاهنا لأنه ليس الغرضُ الإخبار عن استواء الماء واستواء شفير الوادي في قولك: استوى الماء وشفير الوادي؛ وإنما الغرض الإخبار عن مساواة الماء شفير الوادي.
وكذلك الغرض في قولك: قمت وزيداً بالنصبِ غيرُ الغرض في قولك قمتُ وزيدٌ بالرفع، لأن النصب المرادُ به الاصطحاب، والرفع المراد به وقوعُ الفعل من كلِّ واحد من الاسمين مطلقاً، مصطحبين كانا أو غير مصطحبين.
والأجود في هذا المثال إذا أردت الرفع أن تؤكد الضمير المرتفع بالفعل ثم تعطف عليه فتقول: قمت أنا وزيد؛ فإذا نصبت لم تحتج إلى
стр. 188
ذلك، لأن الثاني ليس بمعطوف على الأول، فإن لم تذكر فعلاً كقولك: ما أنت وزيدٌ عطفت إن شئت على الاسم المضمر فرفعت، ونصبت إن شئت على تقدير المفعول معه، وأضمرت للأول فعلاً يكون مرتفعاً به في الأصل، كأنك قلت: ما تكون وزيداً؛ وكيف تكون وزيداً؛ أي مع زيدٍ، وليس المراد بهذا الكلام مجرد الاستفهام عن ذاتي الاسمين وكونهما (١)، بل المراد به الاستفهام عن المعنى الجامع بينهما؛ نعم وزيادةٌ أخرى، وهي أن الكلام يتضمن إنكاراً إذا قلت: ما أنت وزيداً، فهو استفهامٌ على سبيل الإنكار (٢).
وقد أجروا "كان" في هذا الباب مجرى الأفعال الحقيقية، فنصبوا بها المفعول معه، فمن ذلك قول الشاعر:
(فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال) (٣)
أي مع بني أبيكم، فـ "بني" منصوبٌ على المفعول معه، و "مكان الكليتين" خبر كان.
стр. 189
الحرف الثاني مما ينصب فقط إلا في الاستثناء
والاستثناء إخراج بعضٍ من كل، ولا يخلو من أن يكون موجباً، فيكون إخراجاً للمستثنى مما حكم به للمستثنى منه، أو منفياً (١) فيكون إدخالاً للمستثنى في حكمٍ قد سلب عن المستثنى منه؛ فالإيجاب كقولك: قام القوم إلا زيداً، وانطلقوا إلا أخوتك. فمذهب سيبويه ومن تابعه (٢) أن المستثنى منصوب بالفعل المذكور قبل "إلا"، لازماً كان أو متعدياً، فالمتعدي واللازم في هذا الحكم سواء، لأن المتعدي إذا استوفى معموله الذي يتعدى إليه بنفسه لم يتعد إلى غيره إلا بواسطة و "إلا" قوت الفعل حتى تعدى، كما أن الواو في المفعول معه كذلك.
ومذهب غيره أن المستثنى منصوبٌ "بإلا" نفسها، إذا كان معناها استثنى؛ وممن قال بهذا القول أبو العباس المبرد (٣)، وهو قول ضعيف يظهر فساده بأدنى تأمل.
стр. 190
وللكوفيين في نصب المستثنى مذهبٌ غير هذين (١) مرغوبٌ عنه وليس في الإيجاب إلا النصبُ، فأما غير الإيجاب كالنفي والاستفهام والنهي، فلك إبدال المستثنى من المستثنى منه وإجراؤه على إعرابه؛ وهذا يكون في الكلام التام قبل "إلا"، كقولك: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ وما رأيت أحداً إلا زيداً، على البد لا الاستثناء، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ.
وهذا البدل مخالف لحكم المبدل منه في المعنى، وكقولك في الاستفهام: هل في الدار أحدٌ إلا زيدٌ؛ وفي النهي: لا يقومن أحد إلا زيد. ومنه قوله تعالى في إحدى القراءتين ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ (٢) [هود: ٨١].
وإن شئت نصبت في هذا القسم المستثنى على كل حال، كما نصبت في الإيجاب، لشبه الكلام في تمامه قبل المستثنى بالإيجاب، إذ كان كل واحدٍ من القسمين جملة تامة، وعلى هذا الوجه القراءة الأخرى ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾.
فإن كان الفعل قبل إلا مفرغاً لما بعدها كان لما بعدها من الحكم ما له لو لم تذكر "إلا"، كقولك: ما قام إلا زيدٌ، ترفع "زيداً"
стр. 191
لأنه فاعل لا غير، وكذلك ما ضربت إلا زيداً، تنصبه لأنه مفعول لا غير، وكذلك ما مررت إلا بزيد.
وقد أجريت مجرى إلا كلم من الأسماء والأفعال والحروف، فاستثنى بها كما استثني بـ "إلا" والأصل في الباب إلا، وما عداها فروع لها ومحمول عليها.
فمن الأفعال "ليس" و "لا يكون" و "خلا" و "عدا" و "حاشا" في أضعف القولين (١).
تقول: جاني القوم ليس زيداً، وكذلك لا يكون عمراً. ففي هذين الفعلين ضمير لا يظهر، ومظهر ذلك الضمير قولك: بعضهم فالأصل: لا يكون بعضهم عمراً وليس بعضهم زيداً، والاسم المنصوب خبر لأحد هذين الفعلين إما "ليس"، أو "لا يكون"، ثم أجريت ليس واسمها وخبرها مجرى "إلا" والاسم المستثنى فأقيمت مقامهما (٢).
فأما "خلا" و "عدا" ففعلان حقيقيان غير مفتقرين إلى خبر، فـ "عدا" فعلٌ متعد، تقول: عداك هذا الأمر أي تجاوزك؛ وقد استعمل "خلا" وإن كان في الأصل لازماً استعمال المتعدي، فقالوا: افعل كذا وكذا وخلاك ذمٌ أي وتجاوزك، فإذا استعملا في الاستثناء، كان فيهما ضمير مستتر مرتفع بأنه فاعل؛ والمنصوب بعدهما مفعولهما" ومعنى الكلام معنى الاستثناء.
стр. 192
وربما أجروا "عدا" و "خلا" مجرى حروف الجر، فجروا بهما، فقالوا: جاءني القوم خلا زيد وعدا عمرو. فإن أدخلت عليهما "ما" تمحضتا (١) فعلاً، وكان النصب بهما لا غير، لأن "ما" مصدرية في هذا الوجه، والمصدرية لا توصل بحرف الجر إنما توصل بالفعل المحض.
وأجاز أبو الحسن الأخفش (٢) الجر بهما (٣) مع "ما" على أن تكون ما زائدة.
فأما حاشا (٤) فالأجود في الاستعمال أن تكون جارة، وقد نُصب بها، واحتجوا لفعليتها باستعمال المضارع منها في قوله:
(وما أُحاشي من الأقوام من أحد) (٥)
وقال من ضعف الفعلية فيها: لا حجة في هذا البيت، ولا في هذا الاستعمال لأنه فعل مشتق من الحرف لا من فعلٍ ماضٍ، وقولنا "لا من فعلٍ ماضٍ تجوز وتسامح في اللفظ وتسهيل على المبتدئ، إذ الأفعال
стр. 193
كلها مأخوذة على اختلاف صيغها من المصدر في أصح القولين (١).
ومن الأسماء التي عدت في باب الاستثناء فكانت استثناء في المعنى "سيما" إذا قلت: أكرمُ الناس قومك ولاسيما بنو عمك؛ وهذا كلام موضوع موضع الاستثناء ومحمولٌ على معناه، وما بمعنى الذي، والتقدير الذين هم؛ وإن شئت جررت فقلت: ولاسيما بني عمك، لأن السي المثل فتجعل ما مزيدة كأنك (إذا قلت ولاسيما رجلٍ صالح قد) (٢) قلت: ولا مثل رجلٍ صالحٍ فيهم.
والأصل في "سي" التشديد، ثم قد تخفف هاهنا.
ومن ذلك "سوى" وهي ظرف مكان تلزمه الظرفية ولا يظهر فيه الإعراب لكونه مقصوراً، ويحكم (٣) عليه بالنصب على الظرفية أبداً، ويكون الاسم الذي بعده مجروراً بإضافته إليه ومعناهما معنى الاستثناء.
فأما "غير" فاسم صريح مبهم، يجري (٤) عليه من الإعراب ما يجري على الاسم المذكور بعد "إلا" في الإيجاب والنفي، ويكون الثاني مجروراً بإضافته إليه على كل حال، تقول: جاءني القوم غير زيدٍ كما تقول: إلا زيداً، وما جاءني أحدٌ غير زيدٍ كما تقول: ما جاءني أحد إلا زيدٌ، وكذلك بقية الأمثلة.
فإن قلت: فبأي شيء تنصب غيراً من قولك: قام القوم غير
стр. 194
زيدٍ، وليس معك حرفٌ مقو للفعل اللازم، فينتصب به كما كان في قولك: قام القوم إلا زيداً. فالجواب أن غيراً لإبهامها أشبهت الظروف في هذا المعنى، إذ كان أصل الظروف الإبهام؛ والظروف تتعدى إليها روائح الفعل فضلاً عن الأفعال الصريحة، فتنتصب بها، فلما أشبهتها "غير" انتصبت بالفعل المذكور قبلها لازماً كان أو معتدياً، ولم يفتقر الفعل معها إلى حرف معدٍ (١).
الثالث حرف النداء
النداء أحد أركان معاني الكلام، وهو رفع الصوت بالمنادى بإحدى أدواته، وأدواته: "يا" وهي الأصل، تكون للقريب والبعيد، و "أيا" لما بعد، و "هيا" لما هو أبعد من المنادى بـ "أيا"، والهاء فيها بدل من الهمزة كما أبدلت منها في "إياك" فقيل "هياك"، و"أي" للقريب، و "الهمزة" لما هو أقرب.
فهذه الحروف التي ينبه بها المدعو وينادى، ولا يخلو المنادى من أن يكون مفرداً أو مضافاً أو مضارعاً (٢) للمضاف لطوله، ويسمى "الممطول".
والمفرد لا يخلو من أن يكون معرفة أو نكرة، فالنكرة الباقية على أصلها منصوبة بحرف النداء، لأن المنادى مفعول، وحرف النداء نائبٌ عن الفعل، إلا أنه فعل لا يصح إظهاره، لأنه لو ظهر لكان
стр. 195
خبراً، والنداء ليس بخبر لأنه أصل من أصول الكلام لا يحتمل الصدق ولا الكذب، ولهذا عُد ركناً من أركان الكلام، كما عد الخبر ركناً والاستفهام ركناً وغيرهما (١).
ولأن هذا الفعل لا يمكن تمثيله، وهو باقٍ على معناه، شبهه بعضهم بجذر عشرة، إذ كان جذرها لا يمكن النطق به، ولأن حرف النداء لما قام مقام الفعل (٢) نفسه لا العبارة عنه قوي وتمكن فتنزل منزلة الفعل الصريح، وذاك أدون أحواله، ولهذا ضمنه بعضهم ضميراً مرفوعاً هو ضمير المنادى، وأميل، فقيل: يا زيد كما تمال الأفعال.
وأما المعرفة فتنقسم قسمين. أحدهما أن تكون معرفة قبل النداء، والآخر أن يكون متعرفاً في النداء خاصة بدخول الحرف عليه، فيجري حرف النداء منه مجرى لام التعريف، وإن كانت جهتا التعريف مختلفتين لأن النداء يُعرف المنكور بإقبال المنادى عليه، وتخصيصه له دون غيره، وكلا الضربين مبني على الضم، فالأول كقولك: يا زيد ويا حكم والثاني كقولك: يا رجل ويا غلام.
والفرق بين هذا القسم الثاني وبين النكرة المنصوبة أن النكرة المنصوبة لا تخص بندائك إياها واحداً من جنسها دون آخر، بل أي شخصٍ أجابك فقد حصل الغرض به كما يقول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي؛ ويا غلاماً إجر بي، وهو لا يريد شخصاً دون شخص، فإن كان له قائد مخصوص فأقبل عليه، وقال: يا رجل خذ بيدي، فذلك هو القسم المتعرف من النكرات في النداء.
стр. 196
وحمل (١) بعضهم المعارف من الأسماء كزيدٍ وعمرو على هذا القسم، فجعل تعريفها في النداء كتعريف النكرات المخصوصة بالنداء، وهذا بعد أن قدرها معراةً من تعريف العلمية، لأن الاسم لا يصح تعريفه من جهتين في حالٍ واحدة، وقد أسلفنا علة بناء هذا الضرب فلم نكرره هاهنا.
فأما المضاف فمنصوب أبداً على أصل النداء، كقولك: يا غلام زيدٍ ويا راكب فرسٍ، قالوا: لأن المضاف لم يقع الموقع الذي أوجب للمفرد المعرفة البناء، وذلك أنه (٢) إما متعرفٌ بالمضاف إليه أو متخصص به، فلم يقع لهذا موقع المضمر فيبني.
وأما المضارع للمضاف لطوله فمنصوب أيضاً، وقد بينا صفته في باب "لا"، ومثاله: يا خيراً من زيدٍ ويا ضارباً رجلاً، ويا "ثلاثةً وثلاثين" إذا سميت بهذين العددين شخصاً، فإن ناديت جماعة هذه العدة عدتها، فإن كانت مطلقة غير معينة نصبت كما تنصب النكرات المفردات الباقيات على أصولها من التنكير، فقلت يا ثلاثةً وثلاثين، وإن ناديت جماعة عدتها هذه العدة إلا أنها معينة قلت: يا ثلاثة والثلاثون فيمن قال: يا زيد والحارث ويا ثلاثة والثلاثين فيمن قال يا زيد والحارث (٣).
فإن وصفت المفرد المعرفة أجريت صفته على لفظه إن شئت، فرفعتها رفعاً صحيحاً وكانت معربةً دونه كقولك: يا زيد العاقل،
стр. 197
وإن شئت نصبتها حملاً على موضعه فقلت: يا زيد العاقل، وإنما أجريت إعرابها على لفظه وإن كانت ضمته ضمة بناء لأنها أعني الضمة استمرت في كل منادى بهذه الصفة واطردت فيه، فأشبهت الرفع في الفاعل فلذلك جاز الإجراء عليها ولم يجز الإجراء على غيرها من حركات البناء.
فإن نعته بصفة مضافة لم تكن إلا منصوبة كما لو ناديتها، فتقول: يا زيد صاحب الفرس فلا يكون في "صاحب" إلا النصب، كما أنه لو نودي لم يكن فيه غير ذلك.
فأما المضاف وما ضارعه فلا تكون صفته إلا منصوبة، بمضافٍ نعته أو بمفرد، لأنه لا يخالف موضعه إعرابه.
فأما قولهم: يا أيها الرجل، فإن "أياً" في هذا منادى معرفةٌ و "ها" بعدها مقحمة للتنبيه إقحاماً لازماً، ومعنى إقحامها أنها دخلت بين الموصوف وصفته، إذ كان الرجل وما أشبهه من الأسماء المعرفة باللام نعتاً لـ "أي"، وهذا النعت هو المقصود بالنداء دون منعوته، ولهذا لزم ذكره ولم يصح المعنى إلا به.
والصفات لم توضع لازمةً، بل يُجاء بها زيادةً في الفائدة، وبعد استقلال الكلام دونها، ولهذا المعنى لم يجز فيه، أعني وصف "أي" ما جاز في صفات المنادى المفرد المعرفة من الحمل على الموضع تارة وعلى اللفظ أخرى، فلم يجز فيه نصب في قول الجمهور (١)، وأجازه المازني (٢) قياساً على ما رووه عنه، وكلام العرب قياسه.
و"أي" وصلةٌ في هذا اللفظ إلى نداء ما فيه اللام، إذ كانت
стр. 198
"يا" لا تباشر "اللام"، فلا تقول: يا الرجل، فلما لم يكن من أصول كلامهم هذا وآثروا نداء ما فيه اللام توصلوا إليه بأي، فأوقعوا النداء عليها وجعلوا المقصود بالنداء وصفاً لها، ولهذا ألزم (١) الكلام حرف التنبيه لينبهوا على هذا الغرض.
واختصوا بهذا التوصل "أياً" لأنها في الأصل بعض من كل، فهي اسم مبهم، والغرض وصفها، والمبهم يقتضي الوصف كل الاقتضاء.
ومثل هذا التوصل توصلهم إلى وصف المعارف بالجمل بالأسماء الموصولة كالذي والتي، وتوصلهم إلى الوصف بأسماء الأجناس غير المشتقة بـ "ذي" التي بمعنى صاحبٍ، وتوصلهم إلى تعيين زمن المصدر بوضعٍ "أن" والفعل موضعه، وتوصلهم إلى الجزاء بالجملة من المبتدأ والخبر بالفاء، والوصل في كلامهم كثيرة.
وأيٌ اسم مبهم، وقد أجري هاهنا كما رأيت وصلة.
فأما قولهم يا الله، فإنما جاز نداء هذا الاسم وفيه الألف واللام لأنهما لزمتاه، إذ كانتا عوضاً من همزة إله في الأصل، فلما (٢) جاز أن تقول يا إله جاز أن تقول يا الله، ولأن هذا القسم قد اختص بأحكام لا تكون لغيره، لأن مسماه - تعالى وتقدست أسماؤه- لا يشبهه شيء، تعالى عن ذلك عُلواً كبيراً، فمن ذلك تفخيم اللام فيه مع لزومها له، وذلك إذا كان قبلها فتحة أو ضمة، فإن انكسر ما قبلها رققت في جيد اللغة كما ترقق اللامات في غير هذا الاسم، كقولك: اللحم واللبن، فأنت تقول: قال الله
стр. 199
ويقول الله، فالاسم مفخم في هذين الموضعين وشبههما، وتقول: بالله، فترقق في جيد اللغة، والترقيق في هذا منحو به نحو الإمالة؛ والتفخيم كالتغليظ، فافهمه تعليلاً حسناً.
ومن ذلك قطع همزته وفيه وصلها أيضاً، فتقول: يا الله بوصلها ويا الله بقطعها.
فإن عطفت على المضموم (١) من الأسماء المناداة اسماً فيه لام التعريف أجريته مجرى وصفه في الإعراب، فرفعت إن شئت على اللفظ، ونصبت إن شئت على الموضع، فقلت: يا زيد والغلام وإن شئت: والغلام.
ومن النحويين من يفرق، فيختار فيما فيه الألف واللام للتعريف المخلص النصب على الرفع لأنه يتنزل عنده منزلة المضاف، إذ كانت الألف واللام فيه للتعريف كما المضاف إليه معرف للمضاف أو مخصص له، وفيما الألف واللام فيه لغير مجرد (٢) التعريف، الرفع، لأنه يتنزل عنده منزلة العلم، وذلك قولك في الأول: يا زيد والرجل وفي الثاني: يا زيد والحارث، لأن الحارث يكون معرفة بغير اللام، كقولك: حارثٌ، وكذلك عباسٌ والعباء، وحسينٌ والحسين، وعليه قوله:
(أترجو أمةٌ قتلت حسيناً ... شفاعة جده يوم الحساب) (٣)
وقول الآخر:
стр. 200
(إنك يا حارث نعم الحارث) (١).
فأما قوله سبحانه "يا جبال أوبي معه والطير" (٢) فيمن قرأ بالنصب، فيكون من هذا الباب في أحد الأقوال، ويكون مفعولاً معه.
فإن وصفت المضموم بابن، والابن بين علمين فتحت إن شئت، وأتبعته حركة نون ابن فقلت: يا زيد بن عمروٍ، الكنية في هذا الباب كالعلم كقولك: يا بكر بن أبي القاسم، وإنما غيرته عما ثبت له في الأصل لأن الأعلام تغير كثيراً، هذا مع إجراء الصفة والموصوف مجرى الاسم الواحد، فأتبعته حركتها، كما تتبع حركة حرفٍ من كلمةٍ حركة حرفٍ آخر منها، وذلك قولك في "مُنْتِن" مُنْتُن، فتضم التاء لضمة الميم؛ أو منتن، فتكسر الميم لكسرة التاء، وكقولهم: أنا أجوؤك وهم يريدون أجيئك.
وأتبعت حركة الموصوف حركة الصفة ولم تعكس فتتبع حركة الصفة حركة الموصوف لأن حركة الموصوف حركة بناء، وحركة الصفة حركة إعراب؛ وحركة الإعراب في الأصل لمعنى وحركة البناء لغير معنى أي غير دالة على معنى في المبني كدلالة حركة الإعراب على معنى في المعرف؛ فحركة الإعراب حينئذٍ ذات فائدة، وحركة (٣) البناء غير
стр. 201
ذات فائدة، فكانت بأن تكون نابعة، أعني حركة البناء، أولى من أن تكون متبوعة.
فإن كان الابن مضافاً إلى اسمٍ ليس بعلمٍ ولا كنيةٍ لم تتبع الموصوف صفته، بل أقررت كلاً على ماله في أصل الباب، فبنيت الموصوف على الضم وأقررته عليه، وأجريت الصفة التي هي "ابن" على مالها عن الإعراب بالنصب، فقلت: يا زيدٌ ابن أخينا ويا عمرو ابن صاحب المال (١) ليس في هذا إلا ذا.
وأنت في الأول بالخيار، إن شئت أجريته على هذا الحكم من ضم الموصوف، ونصب وإن شئت أتبعته حركة صفة على ما بينا من الاتباع، والتغيير (٢) بالاتباع أكثر في كلامهم وإن كان الأصل غيره.
فصل في الترخيم
معنى الترخيم القطع، من قولهم: رخمت الدجاجة إذا انقطع بيضها، كما تقول: أصفت، ومنه صوت رخيمٌ، إذا لم يكن جهيراً، وفي الصوت إذا ضعف تقطيعٌ.
وهو - أعني الترخيم - خاصة من خواص النداء جائزةٌ لا واجبة،
стр. 202
ولا يكون في كل منادى (١) بل في ضربٍ من الأسماء مخصوص، وذلك كل اسمٍ مفرد علمٍ زائدٍ على ثلاثة أحرف. هذا ما لا خلاف بينهم فيه؛ وما عداه ففيه خلاف. وربما زادوا في شرط الاسم المرخم أن يكون موهناً بالبناء. ومعلوم أنك إذا ناديت اسماً علماً مفرداً بنيته على الضم، فهو متوهنٌ بالبناء (٢) على كل حال. والعلة هي أن الترخيم حذفٌ، والحذف يراد للتخفيف، والتخفيف في كل اسم زاد على الثلاثة كالرباعي مثلاً أن يرد إلى الثلاثي، والثلاثي أصل في الأسماء يرد غيره إليه، ما لم يعرض دون ذاك عارض، فلو رخم الثلاثي لم يرجع إلى أصل، وكذلك ترخيم الخماسي رده إلى الرباعي، والرباعي أصل في الأسماء، فقد رد الاسم المرخم مع الترخيم إلى أصلٍ يوجد مثله في الأسماء. وقد أصلوا (٣) أن الثلاثي أعدل الأسماء بأن قالوا: لابد للاسم من حرفٍ يفصل بين الحرف المبدوء به وبين الحرف الموقوف عليه، وهذا من طريق الأولى لا اللازم؛ فلهذا قيل: أعدل الأسماء الثلاثي منها، ولهذا كثرت أمثلته في الكلام، وكثر استعماله، وكان أخف من غيره؛ والأخف غير محتاج إلى تخفيف.
ولزم في شرط المرخم أن يكون علماً لأن الأعلام يطرق عليها من التغيير ما لا يكون مثله في غيرها ولا يتطرق على سواها، ألا ترى أنك
стр. 203
تميل الحجاج (١) والعجاج (٢) ماداما علمين، فإن خرجا إلى الوصف فقلت مررت برجلٍ حجاج أي كثير الحج وببحرٍ عجاجٍ أي له عجيج، لشدة تلاطم موجه لم (٣) تجز الإمالة، وإنما يمال الحجاج إذا كان ابن يوسف مثلاً والعجاج إذا كان الراجز أبا رؤبة مثلاً؛ فهذا من التغيير المختص بالأعلام كما اختص بها الترخيم؛ ومن ذلك قولك في اسم الرجل: محبب بفك الإدغام، فإن لم تستعمله علماً لم يجز أن تفك الإدغام بل تدغم، فتقول محبٌ كقولك: مهب ومصبٌ لمهب الريح ومصب الماء. وكذلك قالوا في الاسم العلم موهبٌ بفتح الهاء، ولو بنيت من وعد وورد - وهما نظير "وَهَب" - مفعلاً اسماً على عِدة "موهب" لم تقل فيه: موعد، إنما تبنيه على مفعل بكسر العين فتقول: "وعد ومورد.
стр. 204
فأما موحد فلأنه معدول، وقد خرج عن باب متمكن الأسماء كما خرج أيضاً في البناء والصيغة عن معهود صيغ المتمكنات في هذا الباب.
وقيل في شرط الاسم المرخم ما كان متوهناً بالبناء في النداء، لأن توهينه بالبناء، وإخراجه عن أصله في التمكن تغييرٌ، فطرق عليه التغيير التغيير، وليس ذاك بانتهاكٍ له لأن أحد التغييرين مخالف للآخر، إذ كان البناء يثقله والترخيم يخففه، ولأن حركة البنائية وهي الضمة غير دالة على معنى دلالة الإعراب، فلم تقع المحافظة عليها. ومن الحروف المختصة، مما (١) يعمل النصب فقط "أن" الخفيفة، وهي الناصبة للفعل المستقبل؛ وتكون معه في تأويل المصدر، وفائدتها أنها مع الفعل مصدر معين الزمان، فيقع بعدها الماضي كقولك: عجبت من أن قام زيدٌ، فلا تعمل فيه، ويقع بعدها المستقبل فتعمل فيه النصب كقولك: أريد أن يقوم، ولا تدخل على فعل حالٍ. وليس الماضي هنا بواقع موقع المستقبل فيحكم عليه بأنه في موضع نصبٍ، لأنها لتخليص (٢) زمن هذا كما هي لتخليص (٣) زمن الآخر، بخلاف الحال التي لـ "إن" الشرطية، لأن الشرط لا يكون إلا بالمستقبل (٤)، فالماضي في موضعه، فحكم له بإعرابه. و"إن" لتخليص (٥) الزمانين لا تخص أحدهما؛ ولو حكم على الماضي أنه في موضع نصب بـ "أن"
стр. 205
ولم يظهر الإعراب في لفظه لأجل البناء لما (١) كان بعيداً في القياس.
واعلم أن "أن" تقتضي الفعل اقتضاءين؛ أحدهما اقتضاء العامل المعمول، إذ كانت ناصبة له، والآخر اقتضاء الموصول الصلة، إذ كان معها مصدراً مقدراً.
و"لن"، وهي نافية للفعل المستقبل أيضاً وعاملة فيه، وليست معه مصدراً كما كانت "أن" معه، ولهذا صح تقديم بعض معمول الفعل عليها، كقولك: زيداً لن أضرب، والمصدر لا يتقدم عليه شيء من صلته.
وقال الخليل (٢): هي مركبة من لا وأن، أما من "لا" فلأنه رآها نافيةً، وأما من "أن" فلأنها ناصبة للمستقبل كما تنصبه "أن".
وعورض بتقديم بعض المعمولات عليها، أعني معمول منصوبها، وليس ذلك في المصدر. وله أن التركيب يغير كثيراً من أحكام المفردات على انفرادها، وكذا يجب في القياس لأجل التمزيج؛ إلا أن الأصل في الحروف أن لا يُحكم عليها بالتركيب لأن التركيب وغيره من ضروب التغيير تصرف، وباب التصرف الأفعال؛ والأسماء محمولة عليها فيه.
ومتى أمكن حمل الكلمة - على الإطلاق، اسماً كانت أو فعلاً أو حرفاً- على الأفراد الذي هو الأصل لم تحمل على التركيب الذي هو فرع وثانٍ فاعرفه.
стр. 206
ومنها "كي" وهي للغرض، وتخص الأفعال؛ وربما استعملت استعمال حروف الجر وهي محمولة في ذاك على اللام الجارة؛ والمثال في ذلك قولك في الاستفهام لمن قال: فعلت كذا وكذا، فتقول أنت: كيمه؟ تريد كيم كما تقول في لم لمه، فإذا دخلت عليها اللام تمحضت حرفاً ناصباً للفعل؛ وذاك هو الأصل فيها، كقولك: جئت لكي تكرمني، وفي التنزيل "كيلا يكون دولة" (١)، ﴿لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (٢) [الحديد: ٢٣]، وإنما تمحضت في هذا الاستعمال حرفاً ناصباً لأن حرف الجر لا يدخل على مثله، بل قياس كل حرف ألا يدخل على حرفٍ في معناه.
ومنها "إذن"، ومعناها الجواب والجزاء؛ وتنصب الفعل المستقبل بشروطٍ: منها أن تكون جواباً في أول الكلام، وألا يعتمد ما بعدها على ما قبلها، ويكون الفعل مستقبلاً، ولا يفصل بينها وبينه بغير القسم، فإن أخلت بشرط من هذه الشروط بطل عملها.
مثال ذلك، يقول القائل: أنا أكرمك، فتقول أنت مجيباً له: إذن أشكرك، فهي هاهنا في أول الكلام كما ترى، وقد وقعت جواباً لكلام المخبر عن نفسه بالإكرام لك وجزاءً لفعله؛ والفعل الذي دخلت عليه وهو الجزاء المستقبل (٣)، لأنه لم يقع بعد ولم يوجد ولم يفصل بينها وبينه بشيء، ولم تعتمد على شيءٍ قبلها.
стр. 207
ولو فصلت في هذا الكلام بالقسم، فقلت: إذن - والله - أشكرك كان العمل باقياً بحاله، لأن القسم يقع معترضاً في الكلام لتأكيده، ففصله كلا فصل؛ وهذا كفصله في الكلام في مواضع كثيرة، دخوله فيها كخروجه، كقولك في المبتدأ وخبره: زيدٌ - والله - قائمٌ، وفي الفعل وفاعله: قام - والله زيدٌ، وفي الصفة والموصوف: مررت برجلٍ - والله - كريمٍ، إلى غير ذلك من مواضع، فصل فيها بالقسم، فكان فصله غير معتدٍ به كما اعتد بفصل غيره.
ومثال الاعتماد المبطل لعملها قولك: أنا إذن أشكرك، ترفع الفعل وتلغي "إذن" لاعتماد الفعل على المبتدأ الذي هو قولك: أنا، فوقعت "إذن" على هذا متوسطةً لا مبتدأ بها، وتوسطها يلغيها؛ وهي في عوامل الأفعال كـ "ظننت" وبابها في عوامل الأسماء، تعمل إذا تمكنت من المعمول، وتلغى إذا عرض لها عارضٌ يضعفها؛ ومعلومٌ أن عوامل الأسماء أقوى، وعوامل الأفعال أضعف، وتلك تلغى ويبطل عملها إذا توسطت أو تأخرت؛ فما ظنك بهذه؟ فلهذا ألغيت "إذن" إذا (١) اعتمد ما بعدها على ما قبلها، لتوسطها بين ما هو بأن يعني به دونها أولى، وذلك هو المبتدأ الذي وقع صدراً فاقتضى خبراً، إذ لابد له (٢) منه.
ومثال إبطال عملها، إذا وقع بعدها فعل الحال، أن يتحدث متحدث بحديث، فتقول أنت: إذن أظنك كاذباً، وأنت مخبرٌ أنك
стр. 208
في حالة ظن لا مستقبل لها؛ وإنما لم تعمل في فعل الحال لأن أخواتها من نواصب الفعل لا يعملن في الحال.
وما عدا هذه الحروف الأربعة مما ينتصب بعده الفعل، فبتقديرها يعمل وعليها يحمل، وكله منصوب بإضمان "أن" خاصة، وذلك كحتى في قولك: حتى يقوم زيدٌ، فـ "أن" بعد "حتى" مضمرةٌ، وهي الناصبة، لأن "حتى" في الأصل، حرف جر كـ "إلى"؛ وحروف الجر لا تنصب الأفعال وإنما عملها الجر في الأسماء؛ فلزم أن يكون للفعل ناصب غيرها وليس بمظهر فكان مضمراً، وكان "أن" خاصة دون غيرها من نواصب الأفعال؛ وهي "لن" و "كي" و "إذن"، لأن "أن" مع الفعل في تقدير اسم، ولهذا صح دخول حرف الجر غير حتى عليها؛ كقولك: عجبت من أن قام زيدٌ؛ وأفعل كذا إلى أن ينطلق عمرو، فدخول "حتى" عليها كدخول "من" و "إلى" وغيرهما من حروف الجر.
ولو رمت إدخال شيء من هذه الحروف الجارة التي دخلت على "أن"، على بقية أخواتها لم يصح، فكانت (١) لهذا هي المضمرة دون أخواتها.
ولكون هذا المعنى مستحيلاً في بقية أخواتها، أعني دخول حروف الجر عليها، لزم إضمارها بعد "حتى" وغيرها من المواضع التي لزم إضمارها فيها، حتى لو أنك أظهرتها كنت لاحناً لأنه أصل مرفوض؛ وذلك لأنه تخفيف مع أمن اللبس، وظهور العمل الذي أثرته في الفعل وهو نصبها إياه، كظهورها معه.
стр. 209
فكل ما ينصب بعده الفعل – خلا المذكورة (١) مع "أن" من أخواتها – فبأن هذه المضمرة يُنصب، غير أن منها ما يجوز إظهار "أن" معه ومنها ما يلزمها (٢) معه الإضمار فمما يلزمها إضمارها معه كـ "حتى" لام الجحد في قولك: ما كان زيد ليفعل كذا، اللام فيه هي اللام في قولك: جئتك لتكرمني، وكلاهما لام الجر، إلا أن المستعملة في الإيجاب لك إظهار "أن" معها والمستعملة في الجحود يلزمها الإضمار لطول الكلام مع العلم كل العلم بأنها الجارة و "أن" بعدها مقدرةٌ، فهي العاملة دونها، والكلام إذا طال لزم فيه من الحذف ما لا يلزم غيره؛ على أنهم قد عللوا بغير هذا.
ومثال إظهارها في الواجب: جئت لتكرمني، إن شئت قلت: لأن تكرمني؛ وقد يعترض الكلام نفيٌ فيلزم إظهارها مع اللام، ولولا ذلك النفي كنت مخيراً في إضمارها وإظهارها على ما مثلناه، وذلك في مثل قوله تعالى ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] (٣) ولو أضمرت "أن" ها هنا لم يجز، لأن إضمارها يؤدي إلى مباشرة حرف الجر حرف النفي، وذلك غير جائز.
ومن ذلك واو الجمع (٤) في مثل قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، يلزم مع هذه الواو إضمار "أن" وهي الناصبة للفعل لا محالة، لا الواو، ولا يجوز إظهارها مراعاة للمشاكلة في ظاهر اللفظ بين المعطوف
стр. 210
والمعطوف عليه، إذ كانت الواو، وإن كانت للجمع؛ فهي راجعة في المعنى إلى العطف.
ألا ترى أن معنى الكلام: لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن، فلما كان ما قبلها فعلاً وليس باسم لم يظهروا "أن" بعدها، ليكون ظاهر اللفظ عطف فعلٍ على فعلٍ وجمعه إليه.
ويسمى الكوفيون (١) هذه الواو واو الصرف لأنها تصرف، في المعنى، الفعل الثاني عن حكم الفعل الأول، إذ كان لم يجامعه في النهي مطلقاً بل جامعه في النهي عن الجمع بينهما فقط.
وعلة لزوم الإضمار بعد "أو" إذا قلت لأهيننه أو يقلع عن هذا الفعل ولأنتظرنه أو يقدم؛ وقول الشاعر:
(وكنت إذا غمزت قناة قومٍ ... كسرت كعوبها أو تستقيما) (٢)
والمعنى إلى أن تستقيم أو إلا أن تستقيم.
هذه العلة المذكورة في الواو من ترك إظهارها معها لأنها حرف عطف كما أن تلك حرف عطف، وحروف العطف في الأصل تعطف الأسماء على الأسماء والأفعال على الأفعال، وبالجملة الشيء على ما هو من جنسه؛ فلا يقع بعدها فعل معطوف على اسم ولا اسمٌ معطوف على
стр. 211
فعلٍ، فألزموها؛ أعني أن، الإضمار بعدٍ "أو" أيضاً لتباشر لفظ الفعل، فتكون في ظاهر اللفظ كأنها قد عطفت فعلاً على فعل.
وفي البيت المستشهد به شيء يحتاج إلى معرفته؛ وذلك أن الأفعال المعطوفة في الأصل، إذا كان الأول ماضياً فالمعطوف عليه ينبغي أن يكون ماضياً مثله، وإذا كان مضارعاً فكذلك أيضاً، ولهذا أصلوا في باب العطف أنك تعطف الاسم على الاسم إذا اتفقنا في الحال، والفعل على الفعل إذا اتفقا في الزمان فتقول: قام زيد وقعد ولا تقول: يقوم زيد وقعد، ولا عكسه، فينبغي على هذا الأصل أن يراعي تشابه الفعلين في الزمان، فيقع قبل "أو" مستقبلٌ كما وقع بعدها مستقبل، فتقول: لانتظرنه أو يقدم، ولا تقول: انتظرته أو يقدم. وفي البيت قبل أو "كسرت" وهو ماضٍ في اللفظ، وبعدها "تستقيم"، وهو مستقبل.
وإنما جاز ذلك وحسنه كونه جواباً لـ "إذا" و "إذا" فيها معنى الشرط؛ والماضي إذا وقع شرطاً انقلب إلى معنى المستقبل؛ فهو على هذا في معنى إذا أغمز أكسر أو تستقيم، فاعرفه (١).
وكذا علة لزوم إضمار "أن" بعد الفاء إذا وقعت جواباً للأشياء (٢) السبعة التي هي: الأمر والنهي والاستفهام والدعاء والنفي والتمني والعرض كقولك: إثنتي فأحسن إليك، ولا تعص الله فيعذبك، وأتأتيني فأنتظرك وما أنت بصادقٍ فأسمع منك، وألا تنزل فنقضي حق ضيافتك، وليت
стр. 212
لي مالاً فأبذله (واللهم ارزقني بعيراً فأحج عليه) (١) فـ "أن" بعد الفاء في هذه المواضع هي الناصبة للأفعال التي وقعت بعدها، وإضمارها لازم كالواو وأو.
والفرق بين الفاء إذا وقعت جواباً، كما مثلنا في هذه الأشياء، وبينها إذا وقعت غير جواب أنها لا تكون جواباً إلا في المواضع التي يصح أن يقدر الكلام فيها تقدير الشرط؛ فإن عري الكلام من معنى الشرط بطل الجواب، وكانت عاطفة للثاني على الأول ومشركةً بينهما في الأعراب، وذلك هو أصلها في العطف، وإنما هي في الجواب والنصب لما بعدها من الأفعال بإضمار "أن" مُخرجة عما وضعت له من العطف، ومتأول فيها الرد إلى أصلها، وإنما كان ذاك لأن الشرط يقتضي الجواب، فلا يصح عطف الجواب على الشرط فيشركه في الإعراب بحق العطف (٢)، ولو كان ذاك لكان الجواب شرطاً، وذاك محال، فخالفه حينئذٍ في حكم العطف. فإذا وقعت الفاء هذا الموقع خالف ما بعدها حكم ما قبلها (فانتصب الفعل بعدها ولم تنسقه على ما قبلها) (٣) فيشاركه في الإعراب.
ومثال تأول الشرط في هذه الأشياء قولك في الأمر: اثنتي فأحسن إليك، والمعنى: اثنتي، إن تأتني، أحسن إليك، ولهذا إذا حذفت الفاء من جواب هذه الأشياء انجزمت الأفعال التي وقعت بعدها منصوبة ما خلا جواب الجحود، وكذا بقية الأمثلة.
стр. 213
ومثال العاري من فعل الشرط قولك: اذهب إلى فلانٍ فانظر ما حاله؟ وليذهب زيد إلى عمرو فينظر ما حاله؟ والنهي: لا تغضب فتشتم بكراً، إذ لم تجعل الغضب علةً للشتم، بل نهيت عن هذا كما تنهي عن هذا؛ وكذا كل ما لم تكن الفاء فيه جواباً لما قبله، بل عاطفة ما بعدها على ما قبلها عطفاً صريحاً حكمه الحكم الذي ذكرناه.
стр. 214
الضرب الثالث من الحروف ما يجزم
والجازم يعمل الجزم فقط، كما أن الجار عمله الجر فقط. وأصل الجزم في اللغة القطع؛ فلما كانت هذه الحروف إذا دخلت الفعل قطعت عنه الحركة أو ما جرى مجرى الحركة سميت جوازم، لأن عملها يسمى جزماً؛ والجزم إسكان أو حذف يجري مجرى الإسكان.
وهذه الحروف أضعف الأدوات عملاً، لأن معمولها أصله أن يكون غير معمول. وهي خمسة؛ منها "لم" ومعناها النفي وتختص بأنها تنقل المضارع إلى المضي بعد نفيه، وتقلب معناه إليه، كقولك: لم يقم زيد.
ويدلك على صحة هذا المعنى فيه، وأنه قد قلب المضارع إلى معنى المضي كما تقلب "إن" الشرطية الماضي إلى معنى الاستقبال صحة وقوع الفعل معها في الزمن الماضي كقولك: لم يقم زيد أمس، ولو كان باقياً على معناه من حالٍ أو استقبال لم يصح وقوعه إلا في الزمن الذي صيغ له.
ألا ترى أنك لو قلت: يقوم زيد أمس كان محالاً كما كان محالاً قولك قام زيد غداً؛ ولو قلت: إن قام زيدٌ غداً قام عمرو كان كلاماً حسناً،
стр. 215
لقلب "إن" معنى الماضي إلى المستقبل كما يصح لم يقم أمس لقلب "لم" مع نفيها إياه معناه من غير المضي إلى المضي، فهي على ما ترى في هذا الحكم من القلب عكس "إن" الشرطية، لقلبها الماضي إلى المستقبل.
وتتصل "لم" بما دخلت عليه من الأفعال اتصالاً يجعلها معه كالجزء الواحد، فلهذا لا يجوز في الكلام المنثور، وهو حال السعة والاختيار، الفصل بينها وبينه، أعني "لم" وما نفته، وإن جاء شيء من الفصل بينها وبينه فإنما يجيء نزراً في بعض المنظوم وضرورة لإصلاح الوزن، وذلك مما لا يعمل عليه وكما أنشدوا:
(فأضحت مغانيها قفاراً رسومها ... كأن لم سوى أهلٍ من الوحش تؤهل) (١)
أراد: كأن لم تؤهل سوى أهلٍ من الوحش، ففصل كما ترى.
والفصل في الكلام نظمه ونثره كثير، منه الحسن ومنه القبيح وهذا منه؛ وكلما كثر الفصل، لاسيما بين شديدي الاتصال كان أقبح. وقد يقع الفصل بين أشياء بأشياء وقع فيها التقديم والتأخير. ومن طريف الفصل والمقدم والمؤخر أما أنشدنيه بعض أهل الأدب قديماً من قول الشاعر:
(فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفراً رسومها قلما) (٢)