فعلٍ، فألزموها؛ أعني أن، الإضمار بعدٍ "أو" أيضاً لتباشر لفظ الفعل، فتكون في ظاهر اللفظ كأنها قد عطفت فعلاً على فعل.
وفي البيت المستشهد به شيء يحتاج إلى معرفته؛ وذلك أن الأفعال المعطوفة في الأصل، إذا كان الأول ماضياً فالمعطوف عليه ينبغي أن يكون ماضياً مثله، وإذا كان مضارعاً فكذلك أيضاً، ولهذا أصلوا في باب العطف أنك تعطف الاسم على الاسم إذا اتفقنا في الحال، والفعل على الفعل إذا اتفقا في الزمان فتقول: قام زيد وقعد ولا تقول: يقوم زيد وقعد، ولا عكسه، فينبغي على هذا الأصل أن يراعي تشابه الفعلين في الزمان، فيقع قبل "أو" مستقبلٌ كما وقع بعدها مستقبل، فتقول: لانتظرنه أو يقدم، ولا تقول: انتظرته أو يقدم. وفي البيت قبل أو "كسرت" وهو ماضٍ في اللفظ، وبعدها "تستقيم"، وهو مستقبل.
وإنما جاز ذلك وحسنه كونه جواباً لـ "إذا" و "إذا" فيها معنى الشرط؛ والماضي إذا وقع شرطاً انقلب إلى معنى المستقبل؛ فهو على هذا في معنى إذا أغمز أكسر أو تستقيم، فاعرفه (١).
وكذا علة لزوم إضمار "أن" بعد الفاء إذا وقعت جواباً للأشياء (٢) السبعة التي هي: الأمر والنهي والاستفهام والدعاء والنفي والتمني والعرض كقولك: إثنتي فأحسن إليك، ولا تعص الله فيعذبك، وأتأتيني فأنتظرك وما أنت بصادقٍ فأسمع منك، وألا تنزل فنقضي حق ضيافتك، وليت
стр. 212
لي مالاً فأبذله (واللهم ارزقني بعيراً فأحج عليه) (١) فـ "أن" بعد الفاء في هذه المواضع هي الناصبة للأفعال التي وقعت بعدها، وإضمارها لازم كالواو وأو.
والفرق بين الفاء إذا وقعت جواباً، كما مثلنا في هذه الأشياء، وبينها إذا وقعت غير جواب أنها لا تكون جواباً إلا في المواضع التي يصح أن يقدر الكلام فيها تقدير الشرط؛ فإن عري الكلام من معنى الشرط بطل الجواب، وكانت عاطفة للثاني على الأول ومشركةً بينهما في الأعراب، وذلك هو أصلها في العطف، وإنما هي في الجواب والنصب لما بعدها من الأفعال بإضمار "أن" مُخرجة عما وضعت له من العطف، ومتأول فيها الرد إلى أصلها، وإنما كان ذاك لأن الشرط يقتضي الجواب، فلا يصح عطف الجواب على الشرط فيشركه في الإعراب بحق العطف (٢)، ولو كان ذاك لكان الجواب شرطاً، وذاك محال، فخالفه حينئذٍ في حكم العطف. فإذا وقعت الفاء هذا الموقع خالف ما بعدها حكم ما قبلها (فانتصب الفعل بعدها ولم تنسقه على ما قبلها) (٣) فيشاركه في الإعراب.
ومثال تأول الشرط في هذه الأشياء قولك في الأمر: اثنتي فأحسن إليك، والمعنى: اثنتي، إن تأتني، أحسن إليك، ولهذا إذا حذفت الفاء من جواب هذه الأشياء انجزمت الأفعال التي وقعت بعدها منصوبة ما خلا جواب الجحود، وكذا بقية الأمثلة.
стр. 213
ومثال العاري من فعل الشرط قولك: اذهب إلى فلانٍ فانظر ما حاله؟ وليذهب زيد إلى عمرو فينظر ما حاله؟ والنهي: لا تغضب فتشتم بكراً، إذ لم تجعل الغضب علةً للشتم، بل نهيت عن هذا كما تنهي عن هذا؛ وكذا كل ما لم تكن الفاء فيه جواباً لما قبله، بل عاطفة ما بعدها على ما قبلها عطفاً صريحاً حكمه الحكم الذي ذكرناه.
стр. 214
الضرب الثالث من الحروف ما يجزم
والجازم يعمل الجزم فقط، كما أن الجار عمله الجر فقط. وأصل الجزم في اللغة القطع؛ فلما كانت هذه الحروف إذا دخلت الفعل قطعت عنه الحركة أو ما جرى مجرى الحركة سميت جوازم، لأن عملها يسمى جزماً؛ والجزم إسكان أو حذف يجري مجرى الإسكان.
وهذه الحروف أضعف الأدوات عملاً، لأن معمولها أصله أن يكون غير معمول. وهي خمسة؛ منها "لم" ومعناها النفي وتختص بأنها تنقل المضارع إلى المضي بعد نفيه، وتقلب معناه إليه، كقولك: لم يقم زيد.
ويدلك على صحة هذا المعنى فيه، وأنه قد قلب المضارع إلى معنى المضي كما تقلب "إن" الشرطية الماضي إلى معنى الاستقبال صحة وقوع الفعل معها في الزمن الماضي كقولك: لم يقم زيد أمس، ولو كان باقياً على معناه من حالٍ أو استقبال لم يصح وقوعه إلا في الزمن الذي صيغ له.
ألا ترى أنك لو قلت: يقوم زيد أمس كان محالاً كما كان محالاً قولك قام زيد غداً؛ ولو قلت: إن قام زيدٌ غداً قام عمرو كان كلاماً حسناً،
стр. 215
لقلب "إن" معنى الماضي إلى المستقبل كما يصح لم يقم أمس لقلب "لم" مع نفيها إياه معناه من غير المضي إلى المضي، فهي على ما ترى في هذا الحكم من القلب عكس "إن" الشرطية، لقلبها الماضي إلى المستقبل.
وتتصل "لم" بما دخلت عليه من الأفعال اتصالاً يجعلها معه كالجزء الواحد، فلهذا لا يجوز في الكلام المنثور، وهو حال السعة والاختيار، الفصل بينها وبينه، أعني "لم" وما نفته، وإن جاء شيء من الفصل بينها وبينه فإنما يجيء نزراً في بعض المنظوم وضرورة لإصلاح الوزن، وذلك مما لا يعمل عليه وكما أنشدوا:
(فأضحت مغانيها قفاراً رسومها ... كأن لم سوى أهلٍ من الوحش تؤهل) (١)
أراد: كأن لم تؤهل سوى أهلٍ من الوحش، ففصل كما ترى.
والفصل في الكلام نظمه ونثره كثير، منه الحسن ومنه القبيح وهذا منه؛ وكلما كثر الفصل، لاسيما بين شديدي الاتصال كان أقبح. وقد يقع الفصل بين أشياء بأشياء وقع فيها التقديم والتأخير. ومن طريف الفصل والمقدم والمؤخر أما أنشدنيه بعض أهل الأدب قديماً من قول الشاعر:
(فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفراً رسومها قلما) (٢)
стр. 216
أراد، أصبحت بعد بهجتها قفراً كأن قلما خط رسومها، وذا قبيح جداً وهو مصنوع بغير شك.
ولاتصال "لم" بما تنفيه وكونها معه كالشيء الواحد وقعت معه شرطاً وجزاء كما يقع الفعل المفرد من حرف يدخل عليه شرطاً وجزاء؛ وذلك حين تقول: إن لم تقم لم أقم؛ فالأولى مع فعلها شرط، والثانية مع فعلها جزاء. وكلا الحرفين مع منفيه في موضع جزمٍ بـ "إن"، فهذا كما تقول: إن تقم أقم.
وهي للنفي عاماً، مترقباً كان الفعل أو غير مترقب، فغير المترقب لم يقم زيد مثلاً والمترقب: خرجت ولم يخرج الأمير بعد.
و"لما" فرع عليها، لأنها "لم" في الأصل، زيدت عليها "ما" فصارت في أكثر الأمر لنفي الأفعال المترقبة كقولك: جئت ولما يركب الأمير، وبكرت ولما تطلع الشمس، قال:
(فقمنا ولما يصح ديكنا ................... ) (١)
أي ولم يركب الأمير ولم يصح ديكنا.
стр. 217
وقد تنفي بها غير المترقب؛ كقولك: لما يذهب زيد، بمعنى لم يذهب، تنفي ذهابه من غير أن يكون مترقباً كترقب ركوب الأمير ودخول الشتاء إذا قلت: قدمت ولما يدخل الشتاء.
وكل هذه المعاني مما تحملها الألفاظ كاحتمالها (١) إياها، وغيرها، إنما هي بحسب قصد المتكلم ومراده لما يخبر به.
ومن الفروق بين "لم" و "لما"، وإن اشتركا في الأصل والمعنى، وهو النفي، والعمل – وهو الجزم- أن "لم" لا يجوز الوقوف عليها دون ما تنفيه، فلا تقول: جئت ولم، وذلك إذا قال لك قائل مثلاً: هل ركب الأمير؟ فلا يجوز أن تقول: جئت ولم، وأنت تريد يركب الأمير؛ ويجوز ذلك في لما؛ فتقول: جئت ولما؛ تريد: يركب الأمير؛ لأنها بدخول ما عليها قويت فأشبهت صيغ الأسماء، فجاز لذلك الوقوف عليها دون ذكر معمولها، وذلك على كل حال لعلم بالمعنى، ولولا العلم به لم يجز أن يحذف، لأن حذف غير المعلوم بعد حذفه تكليف السامع أن يعلم الغيب و "لم" ليس لها هذا الحكم، ولو كان المعنى مفهوماً، ولهذا تقع "لم" في مواضع يقع فيها الفعل مفرداً من غير ذكر حرفٍ معه، ولا تقع "لما" ذلك الموقع، وذلك كالشرط، وقد مثلنا عليه. ومدار هذا التعليل على شدة اتصال "لم" بما دخلت عليه دون "لما".
فأما "لا" الناهية و "لام الأمر" فيشتركان في جزم الفعل
стр. 218
المستقبل أيضاً، والفرق بينهما من طريق المعنى ظاهرٌ، ومن طريق الاستعمال أن (١) "لا"، لا يعرى منهيٌ عنه من دخولها عليه إذا كان فعلاً، ولام الأمر تدخل بعض الأفعال المأمور بها دون بعضٍ، ألا تراها يطرد دخولها في فعل الغائب إذا قلت: ليقم زيدٌ، ويقل استعمالها في فعل المواجه إلا على جهة الندور، فهي عند البصريين (٢) مختصة بفعل الغائب، وعند الكوفيين عام دخولها في الجميع، لكن حذف مع الحاضر تخفيفاً واستغناء بالمواجه، ولهذا استعملت مع المواجه في بعض الكلام تنبيهاً على الأصل المطرح، وكلا القولين قوي في القياس، ومنزلة الأمر من النهي منزلة الإيجاب من النفي، لأن الأمر للإيقاع والنهي لترك الإيقاع، وبتركه ينتفي كما بفعله يقع ويجب.
وأما "إن" الشرطية فإنها وإن كانت حرفاً جازماً فإنها مخالفة في الحكم بقية الجوازم، وذلك أنها تعمل في فعلين هما الشرط وجزاؤه في قول كثير (٣) من الناس، وذلك إذا كانا مستقبلي اللفظ، فإنه يظهر جزمها لهما، فهي عاملة فيهما عند هؤلاء.
وعند الأكثرين أنها تجزم الأول بنفسها، وترفده أي تقويه، أعني فعل الشرط، فينجزم الثاني وهو الجزاء بها وبه، فمجموعهما العامل في الثاني كما كان مجموع الابتداء المبتدأ هو الرفع للخبر عندهم أيضاً، والذي دعاهم إلى القول بهذا
стр. 219
والعدول عن اعتقاد الأولين من أن "إن" هي الجازمة للثاني بنفسها كما جزمت الأول كونها حرفاً جازماً، والجازم أضعف العوامل عندهم، فلم يكن ليجزم فعلين بغير مقو أو وسيط، كما رأوا في الابتداء أنه عامل معنوي ضعيف، فلم يعملوه في الاسمين.
وعلى كل حال فلم تعر "إن" من أن تكون عاملةً في الفعلين، الأول بنفسها والثاني بمعينٍ ومقوٍ، فقد عملت فيما زاد على الفعل الواحد.
والأصح من الأقوال فيها أنها عاملةٌ الجزم عملاً إعرابياً.
وقول من ذهب إلى أن سكون الفعلين بعدها سكون بناء لا إعراب غير صحيح، وقد عزوا هذا القول إلى أبي عثمان المازني، وهو كما تراه (١).
واعلم أن أصل جوابها أن يكون فعلاً، كما أن الشرط الذي هو علة له فعل، فالأصل إن تقم أقم، فهذا، كما تراه، أحد الفعلين وهو الأول سببٌ للثاني، والثاني مسبب عنه، وما سواه من الأجوبة المذكورة – غير الفعل- محمول على الفعل، ولذلك يُحكم على موضعه بالجزم للفعل. فمن الأجوبة غير الفعل، الفاء في مثل قولك: إن تطع الله فأنت سعيد؛ وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] (٣).
стр. 220
والمراد بدخول الفاء هاهنا هو التوصل إلى المجازاة بالابتداء، والخبر لأنهم لما جازوا بالفعل الذي هو الأصل، والفعل يلزم فاعله، فلا ينفرد عنه، وهو مع فاعله جملة من فعلٍ وفاعل. والجملة من الابتداء والخبر نظيرة التي من الفعل والفاعل وأختها، فآثروا المجازاة بها كما جازوا بتلك، فلم يوقعوها موقعها مفاجأة، إذ كانت لا يتعين منها معنى استقبالٍ كما يتعين من الفعل؛ فلم يقولوا: إن يقم زيدٌ منطلقٌ، بل توصلوا إلى إيقاعها، أعني الجملة من الابتداء والخبر، موقع الجملة من الفعل والفاعل بأن أولوها حرفاً عاطفاً في الأصل يشارك الواو وغيرها من العواطف في العطف، وينفرد عنها بمعنى يخصه وهو التعقيب، وهو كون الثاني عقيب الأول أي بعده بلا مهلة، وذلك الحرف هو الفاء، فتجردت من العطف هنا، إذ كان الجزاء لا يصح عطفه على شرطه فأخلصت للمعنى المختص بها؛ وهو التعقيب، لأن الجزاء هذا حكمه مع الشرط، إذ كان يليه إذا وقع بلا مهلة ولا فسحة في الزمان ولا متنفس، فقالوا: إن تذهب فإني ذاهب، وإن أطعت فلك الثواب.
ولهذا التجريد للحرف وإفراده بالمعنى الخاص به في بعض المواضع، لئلا تنتقص الأوضاع ويفسد المعنى مع الاتساع، نظائر كثيرة في كلامهم تبسط في المبسوطات من كتب الصناعة لضيق المختصرات عنها.
ولهذا التوصل أيضاً نظائر واسعة كثيرة جداً، منها "الذي" وأخواته من الكلم الموصولة، عللت النحاة المجيء بها في الكلام أنها وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، إذ كانت الصفة وفق الموصوف في التعريف والتنكير، وقد آثروا وصف المعرفة بالجملة كما وصفوها بالمفرد
стр. 221
وأن يجمعوا لها ما جمعوا للنكرة من الوصف بالمفرد والجملة، فصدهم ما يعرض من التناقض عن أن يقولوا: مررت بزيدٍ أبوه منطلق، فتواصلوا إلى ذلك بالمجيء بالموصولات التي وصف بها، وجعلوا الجمل صلاتٍ لها وأجروها على المعارف أوصافاً فقالوا: مررت بزيدٍ الذي قام أبوه وببكر الذي أبوه قائم وبمحمد الذي في الدار وبعمرو الذي إن أكرمته أكرمك، وكذا سائر الجمل التي وقعت أوصافاً للنكرات بغير وصلة، توصف بها المعارف بالوصلة التي هي الاسم الموصول.
وكذا توصلهم إلى نداء ما فيه الألف واللام بـ "أي" في قولك: يا أيها الرجل.
والوصل كثيرة، وموضع الفاء وما بعدها من الابتداء والخبر جزمٌ لأنها وقعت موقع مجزوم؛ ويدلك على ذلك أنهم إن عطفوا عليها فعلاً مستقبلاً ظهر الجزم يه كقولهم: إن تقم فزيدٌ قائمٌ ويقم عمرو، وعليه (١) قراءة من قرأ ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٢) بجزم "يَذَرُهُم" ومن ذلك إذا في نحو قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] (٣) فإذا وما بعدها جواب قوله: " تُصِبْهُمْ" وتقديره يقنطوا، وقال النحويون (٤) معناه قنطوا، والتحقيق
стр. 222
أن يقدر بمستقبلٍ، لأن الشرط وجزاءه مستقبلان، فإن لم يظهر فيهما لفظ الاستقبال قدراً به.
وإنما وقعت "إذا" جواباً للشرط لما فيها من معنى المفاجأة، كما وقعت الفاء وما بعدها جواباً للتعقيب الذي فيها، ولأن "إذا" وما بعدها كأنها واقعة موقع الفاء وما بعدها، فكان قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع "فهم يقنطون"، وقوله: "فهم يقنطون" في موضع يقنطوا أو قنطوا، على ما فسروه، وهو تفسير من طريق المعنى.
والجواب بـ "إذا" أقل في استعمالها من الجواب بـ "الفاء"؛ ولهذا لم يذكره كثير من النحويين في أجوبة الشرط كما ذكروا الفاء في الجواب.
وعلى الجملة فالشرط وجوابه لا يخلوان من طريق الأفعال وقسمتها من أن يكونا فعلين مستقبلين؛ وذلك هو الأصل في الباب، لأن المعنى الذي وضع الشرط، عليه لا يكون إلا بالاستقبال، ولا يصح إلا به، وإذا كانا كذلك كانا مجزومي اللفظ، أو يكونا ماضيي اللفظ؛ فيحكم على معناهما بأنه مخالف للفظهما، وأنهما مستقبلان من طريق المعنى، ويُحكم على موضعهما بالجزم وأنهما متوسعٌ بإيقاعهما بلفظ المضي موضع المستقبل لغرضٍ صحيح ولفهم المعنى وعدم التباس الأفعال بعضها ببعض إذا قلت: إن قمت قمت، يدلك على أن المعنى إن تقم أقم، وأن الماضي هاهنا غير باقٍ على أصله، وأنه خارج (١) إلى معنى المستقبل بوقوعه موقعه أنك لو قرنت به زمناً ماضياً – أعني ظرفاً معناه المضي، وأعملته فيه – كان
стр. 223
مستحيلاً؛ كقولك: إن قام زيدٌ أمس قام عمرو أول من أمس، أو قام عمرو غداً؛ وإن قام عمرو غداً قام محمدٌ أمس؛ كل ذلك محال لإقرار الماضي من الفعلين على أصله. بل إذا أعملتهما في ظرفين مستقبلين، كان الكلام مستقيماً حسناً؛ كقولك: إن قام زيدٌ غداً قام عمرو بعد غدٍ.
وهكذا ينبغي أن تكون أزمنة الشرط وجزاؤه مستقبلاتٍ، ويكون (١) الجزاء أقعد في الاستقبال من شرطه، لأنه يتجدد بعده، وهو علة وسبب والجزاء معلٌ ومسببٌ، ولا مرية في تقديم السبب على مسببه زماناً ورتبة.
أو يكون الأول ماضياً في اللفظ والثاني مستقبلاً، وذلك جائز حسنٌ مستعملٌ في الاختيار وحال السعة كثيراً كقولك: إن ذهب محمدٌ يذهب بكرٌ، وعكسه غير جائز عند الأكثرين (٢) منهم في الاختيار والسعة لأن الجزاء أقعد (٣) في الاستقبال من الشرط، فاستقبحوا أن يجيء الشرط على الأصل الذي يستحقه من لفظ الاستقبال ومعناه، ويجيء الجزاء على لفظ المضي، وهو أحق بالاستقبال لفظاً ومعنى (٤) كقولك إن يقم عمرو قام زيدٌ؛ ومجيئه أيضاً في الشعر عزيزٌ كقوله:
(إن ينل رمحي الغداة حبيباً ... نال رمح الحصين كبشاً سميناً) (٥)
стр. 224
والشرط أبداً لا يكون إلا بالفعل، ولا يقوم مقامه غيره، كما قام مقام الجزاء غيره من الفاء وما بعدها وإذا ما بعدها.
ولأن الشرط متحقق بالفعل حُمل الاسم إذا وقع بعد حرف الشرط عليه أي على الفعل فرفع به مضمراً، مفسراً بما بعد الاسم، ولم يرفع الاسم بالابتداء في محقق الأقوال (١) وذلك في نحو: إن زيدٌ جاء فأكرمه وهو مرفوع بـ"جاء" أخرى مضمرةً يفسرها ما بعد الاسم وعليه حملوا قوله تعالى ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٢) [النساء: ١٧٦] أي إن هلك امرؤ، وكذا ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ (٣) [الانشقاق: ١] أي إذا انشقت السماء.
وربما حُذف الشرط لدلالة غيره عليه كقوله:
(فطلقها فلست لها بأهلٍ ... وإلا يعل مفرقك الحسام) (٤)
أي وإلا تطلقها يعل.
стр. 225
وكذا يحذف الجزاء لدلالة غيره عليه، كقولك: أقوم إن قمت وأنا ظالمٌ إن فعلت، والتقدير: إن فعلت فأنا ظالم؛ ولا يكون هذا إلا والشرط ماضي اللفظ ولا يكون وقد ظهر الجزم فيه، وهو أن يكون مستقبلاً، قال بعض المتأخرين لأنك أرهفت عامل الشرط غاية الإرهاف فلم يجز ألا تعمله في الجزاء.
فهذه أصول الشرط وأكثر فروعه قد أثبتت فاعرفها.
стр. 226
فصل
الضرب الرابع من الحروف ما يجر فقط
هذه الحروف أقوى عملا من حروف الجزم وإن كانت في الأسماء نظيرة تلك في الأفعال، وهي سبعة عشر حرفاً، قد عددها وبين معانيها جملة (١).
قوله: وتضمر "رب" بعد الواو كقول رؤبة (٢):
(وقاتم الأعماق خاوي المخترق) (٣)
стр. 227
التحقيق أن "رب" مضمرةٌ بعد الواو كما ذكر، فالجر بها لا بالواو، إذ العاطف لا يختص بعملٍ لكونه غير مختصٍ بمعمول، فالواو في قوله: وقاتم الأعماق
(وبلدٍ عاميةٍ أعماؤه) (١)
هي الواو في جاءني زيدٌ وعمرو؛ والعاطف يشترك ما بعده في إعراب ما قبله، ويدل على صحة هذا من كونها (٢) مقدراً بعدها الجار وهو رب، وقوع غيرها من حروف العطف التي لا يُمترى في أنها عاطفة لا جارة هذا الموقع.
فمن ذلك الفاء في مثل قول الهذلي (٣):
стр. 228
(فحورٍ قد لهوت بهن عينٍ ... نواعم في المروط وفي الرباط) والفاء لا يُشك في أنها لا تجر.
ومن ذلك "بل" في قول الآخر:
(بل بلدٍ أطرافه في أبلاد) (١)
فـ"رب" بعد هذين الحرفين مضمرةٌ لا محالة، وهما حرفا عطفٍ، وكذلك هي مضمرة بعد الواو؛ فإن قلت: فنراها تقع كثيراً في أوائل القصائد، وحيث لا كلام قبلها، فتعطف عليه، فعلى أي شيء عُطفت الواو والفاء وبل لرب المقدرة بعدها، وما انجر بها؟ فالجواب أن الشاعر يبتدئ بالواو مثلاً مقدراً العطف بها على شيء منويٍ مقدر يكون كالمنطوق به، كما يبتدئ بـ"الفاء" وكذا بـ"بل" مقدراً الإضراب عن شيء مقدر منوىٍ به التقديم؛ وحقيقة ذلك الشيء أنه سوى ما أخذ فيه.
وشبيه بهذا قولهم في أثناء القصائد حين يخرجون من نسيب إلى غيره، أو من نعت إلى نعت، فدع ذا، وفعد عما ترى، قال:
(فدع ذا ولكن هتعين متيماً ... ......................... ) (٢)
يريد هل تعين، فأدغم، وقال النابغة:
(فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانةٍ أجد) (٣)
стр. 229
فصل
اعلم أن الحروف تنقسم قسمين: عاملٌ وغير عامل ، وربما سموا غير العامل هاملاً (١) فالعوامل قد ذكرت، وهي ما ينصب أو يجر أو يجزم أو ما يعمل نصباً ورفعاً. فالناصب منها قد يقارن عمله النصب عمله الرفع أيضاً، فأما الجار والجازم فلا يعملان إلا عملاً واحداً، إذ كان للناصب الرافع أصلٌ يحمل عليه في ذاك؛ وهو الفعل المتعدي، فإنه يرفع الفاعل وينصب المفعول، فحمل عليه الحرف المشبه به في هذا العمل، فنصب ورفع ولم يكن هناك عامل يعمل مع الجر أو الجزم غيره (٢) فيجتمع (٣) معهما غيرهما في الحمل عليه.
واعلم أن من شرط العامل أن يختص بأحد القبيلين الاسم أو الفعل فإن (٤) اختص الحرف بأحدهما عمل فيه؛ وغير العوامل هي كل حرف اشترك الاسم والفعل في دخوله عليهما، فلا يعمل حينئذٍ في واحد منهما، لأنه ليس بأن يعمل في ذا بأحق من أن يعمل في ذا، فكان غير
стр. 230
عامل؛ وذلك كالحروف العاطفة، وكأدوات الاستفهام مثل هل والهمزة لما لم تختص لم تعمل.
ألا تراك تعطف بالعاطف من الحروف الاسم على الاسم كقولك: جاء زيد وعمرو؛ فقد دخل كما ترى على الاسم، والفعل على الفعل في قولك: قام وقعد زيدٌ؛ فقد دخل على الفعل كما دخل على الاسم، وتقول: هل زيدٌ منطلق كما تقول: هل انطلق زيدٌ؛ فتباشر هل - في دخولها عليهما - هذا تارةً وذاك أخرى، فلم تختص على هذا، فكانت غير عاملة. وقد ترد حروف مختصة بالاسم، وحروف مختصة بالفعل؛ وكلا القسمين غير عامل، وعلة ما جاء من هذا الضرب في امتناعه من العمل مع أنه مختصٌّ أن يتصل بما اختص به اتصالاً شديداً، حتى يتنزل لشدة اتصاله به منزلة الجزء منه، فيبطل عمله فيه، إذ كان الجزء من الكلمة لا يعمل فيها، وإنما عاملها غيرها.
فمن المختصة التي لم تعمل لام التعريف لما اتصلت بالاسم مع اختصاصها به دون الفعل، فجرت مجرى الجزء منه بأدلة كثيرة؛ منها أنها تغير طبيعة الاسم، فكأنها باتصالها به قد جعلته شيئاً آخر، إذ كانت قد نقلته من العموم إلى الخصوص، لأنه كان قبل دخولها نكرة شائعة، فصار بها معرفة مختصة مقصورةً على شخصٍ بعينه؛ ومنها أنه عدل عنه وهي فيه كما يعدل عن الاسم الذي ليست فيه، فهم يقولون: جاءنا سحر يا هذا، يريدون سحراً بعينه، فيمنعونه الصرف لكونه معرفةً معدولاً عن السحر المستعمل بالألف واللام، فذا يدل على تنزلها منزلة بعض (١) الاسم إذا عدل عنه، وهي فيه إلى غيره مما ليست فيه كما
стр. 231
عُدلت صيغه إلى صيغه في قولك: عمر المعدول عن عامرٍ، فتنزلت الألف واللام لهذا الحكم في قولك: جئت السحر؛ للعدل عما هي فيه، وعنها إلى قولك: جئت سحر منزلة بعض الكلمة من بعضٍ، وهذا الدليل حسن قويٌ في الاستنباط.
وكذا السين وسوف في العمل؛ هما غير عاملتين في الفعل مع اختصاصهما به، لجريهما فيه مجرى لام التعريف من الاسم، إذ كانتا تخصصانه كما تخصص تلك الاسم.
وكذا "قد" في الفعل تفيد في الماضي معنى شبيهاً بالتخصيص لتقريبها إياه من زمن الوجود؛ والماضي مع ذلك غير معرب، فلم تعمل في لفظه ولا (١) موضعه. وكذا إذا دخلت على المضارع جرت في دخولها عليه في الإهمال مجراها في الدخول على الماضي، ولهذا أجريت مجرى حروف التعويض، وإن كان في تلك العامل وغير العامل إذا قلت: علمت أن سيقوم زيد، وعلمت أن لن يقوم زيد، وعلمت أن لا يقوم وعلمت أن قد قام، ومنه قوله تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٢) [المزمل: ٢٠]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣) [النجم: ٣٩]. ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٤) [طه: ٨٩]، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٥) [المائدة: ٧١] في قراءة من رفع "تكون".
стр. 232
كل هذه الحروف تعاويض من تخفيف أن وحذف اسمها، وهو ضمير الشأن والحديث مع إحدى نونيها التي وقع التخفيف بحذفها، فاعرفه. واعلم أن من الحروف ما أصله في كلامهم أن يكون عاملاً، وعلى ذلك استعملوه حين أعملوه، ثم يدخل عليه حرفٌ يسمى عندهم كافاً لكفه ما دخل عليه من العوامل عن عمله. فمن هذه العوامل المكفوفة "إن" وأخواتها، هي عاملة في المبتدأ وخبره كما قد علمت تنصب المبتدأ بأنه اسمها وترفع الخبر بأنه خبرها إذا قلت: إن زيداً قائمٌ، فإذا دخلت عليها "ما" وهي الحرف الكاف هيأتها بدخولها لوقوع الفعل بعدها، فبطل مع دخولها عملها، لأنها تخرج بدخول "ما" عليها عن وضعها مختصة بالاسم دون الفعل وتصير مشتركة بينهما، ومن شرط العمل الاختصاص ومن شرط إبطاله الاشتراك. ويدلك على إبطال عملها وقوع الاسمين بعدها، إذا كفتها "ما"، مرفوعين فتقول: إنما زيدٌ قائم، والجملة من الفعل والفاعل، إنما يخرج زيدٌ غداً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١) [النساء: ١٧١] و ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ﴾ (٢) [النازعات: ٤٥] فهذا ابتداوٌ وخبرٌ، وقال في الفعل والفاعل ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (٣) [الأنبياء: ٤٥] و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) [فاطر: ٢٨] وقال الشاعر:
стр. 233
(إنما نحن كشيءٍ فاسدٍ ... فإذا أصلحه الله صلح) (١)
وقال الآخر في وقوع الفعل بعدها:
(أنما تقتل النيام ولا تقـ ... ـتل يقظان ذا سلاحٍ كميا) (٢)
وقال تعالى في كأنما ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ (٣) [الأنفال: ٦].
وقال عنترة (٤):
(وكأنما أقص الأكام عشيةً ... بقريب بين المنمين مصلم)
стр. 234
وقال الآخر في لعلمّا:
(أعد نظراً يا عبد قيسٍ لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا)
وفي "ليتما" بيت النابغة حين أنشدوه بالرفع على أن "ما" فيه كافة معتد بها لمنعها العامل عن عمله؛ والنصب على الوجهين:
(قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد)
والوجهان هما رفع الحمام ونصبه، فالرفع على أن "ما" فيه كافةٌ معتدٌ بها لمنعها العامل عمله، والنصب على أنها زائدة مؤكدةٌ ما دخلت عليه، مكثرةٌ لفظه، ملغاةٌ، خولها كخروجها.
وفائدة هذا الكف قد عللوه، فقالوا في "إن"، إذا قلت إنما زيدٌ قائمٌ، معنى الكلام: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وحرروا العبارة، فقالوا في "إنما": هي لإثبات الشيء للشيء ونفي ما عداه.
وقد كف بـ"ما" هذه الفعل وحرف الجر، وهما عاملان قويان دخلت عليهما "ما" فأبطلت عملهما وهيأتهما لوقوع شيء بعدهما، لولاها (١) لم يكن ليقع، فخرجا بها عن أصل وضعهما في كونهما عاملين وصلحا بها لما لم يصلحا له قبلها.
فأما الفعل فقولك قل وكثر، تدخل عليهما "ما" كافة، فيبطل عملهما حتى لا يحتاجا إلى فاعل ويقع بعدهما الفعل وكان لا يقع، تقول: قلما يقول زيدٌ كذا.
ويحمل على هذا الفعل نقيضه وهو "كثر"، فيقال: كثر ما يقولن (٢) كذا.
стр. 235
ومثال حرف الجر المكفوف "رب"، تدخل عليها "ما" فتكفها عن العمل ويليها الفعل، وحروف الجر في الأصل لا تدخل إلا على الأسماء، ومثال دخولها على الفعل مكفوفةً بما قوله تعالى ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١) [الحجر: ٢]، ومن شواهده قول الأبرش (٢)
(ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات) (٣)
والنحويون (٤) يجعلون "ما" كافة لرب في هذا البيت وفي الآية التي قبله، ولكن يجعلون استعمالها في البيت هو الأصل، قالوا: لأنها لما كان معناها لما مضى، وذلك قبل أن تكتف كانت بعد الكف لما مضى أيضاً، وأنشدوا البيت لأن فيه بعد "ربما" قوله: أوفيت؛ وهو فعلٌ ماضٍ، والآية عندهم لوقوع المضارع بعدها على غير قياس بابها في الأصل، بل متأولةٌ على حكاية الحال التي ستكون، قالوا: وهو كما جاء في الأخرى ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ
стр. 236
وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) [القصص: ١٥] حكى عندهم المستقبل بقوله (ربما يود) كما حكى الماضي في قوله: (هذا من شيعته وهذا من عدوه) ووجه الحكاية أن هذا اسم إشارة، والإشارة إنما تقع إلى الحاضر (٢) والقصة حين الإخبار بها ماضية.
وقد كفوا كاف التشبيه بـ"ما" في بعض الوجوه، وذلك في قولهم "كن كما أنت" (٣)، يجوز أن تكون "ما" بمعنى الذي كأنه قال: كن كالذي أنت. أي كالذي هو أنت، فحذف العائد وهو المبتدأ للطول ولا يقاس على هذا الحذف.
ويجوز أن تكون "ما" كافةً للكاف، وهي حرف جر فوقع بعدها الضمير المرفوع المنفصل بعد أن كان لو وليته لوقع بعدها الضمير المجرور وهو متصلٌ، لأنها تجر ما دخلت عليه بالإضافة إن كانت اسماً كما تجره "مثل" وبالحرفية إن كانت حرف جر، وتكف بما كف غيرها، كقولك أنت صاحبي كما زيدٌ صاحبي، فيقع بعدها، كما ترى المبتدأ وخبره، وبالجملة يقع بعدها المرفوع؛ ويدلك على أن الكاف حرف جرٍ، وصلهم بها الذي في قولك: الذي كزيدٍ منطلقٌ، فالكاف في صلة الذي متعلقةٌ بمحذوف كما تتعلق به "في" وغيرها من حروف الجر إذا وقعت هذا الموقع، إذا قلت: الذي في الدار؛ والذي من الكرام، وكونها اسماً هو في مثل قوله:
стр. 237
(وصالياتٍ ككما يؤثفين) (١)
لأن الحرف لا يدخل على حرف مثله.
وما حروف العطف فمن القسم غير العامل أصلاً لأنها لا تختص بعملٍ دون عمل، ولأنها مشتركةٌ بين القبيلين، والاشتراك يدفع الإعمال.
стр. 238
فصل من العوامل في الأسماء
أصل الأسماء أن تكون معربة معمولة (١) كما أن أصل الأفعال أن تكون مبنية عاملة؛ فما عمل من الأسماء فمحمولٌ على الأفعال لشبهه (٢) لفظاً أو وقوعاً بالأفعال؛ كما أن المعرب من الأفعال محمولٌ على الأسماء لمضارعته إياها، وقد يعمل الاسم عمل الحرف إذا تضمن معناه ودل على ما يدل الحرف عليه، فعلى هذا التقدير تنقسم الأسماء العاملة إلى قسمين: عاملٍ عمل الفعل، وعاملٍ عمل الحرف.
فالعامل عمل الفعل أقوى في العمل من العامل عمل الحرف، لأن الفعل أقوى من الحرف في العمل، والحرف إنما عمل نيابةً عن الفعل واختصاراً؛ ولهذا جيء به؛ فالمشبه به من الأسماء في العمل أضعف كما أن المشبه بالفعل أقوى، فالمشبهان في القوة والضعف على حسب اللذين (٣) شبه المشبه بهما، فعلى هذا ينبغي أن يقدم العامل عمل الفعل على العامل عمل الحرف.
ثم اعلم أن الأسماء العاملة عمل الفعل، منها ما هو أصل في ذلك،
стр. 239
وهو المجرى مُجرى الفعل إجراءً حقيقياً، فيعمل عملته الصريح، وهو رفع الفاعل ونصب المفعول إن كان هناك مفعول، ومنها ما هو مشبه لذاك القسم في العمل، فينصب نصباً غير صريح بل على التشبيه بالمفعول، وسيذكر بعد هذا.
فمما عَمِل عملَ الفعل الصريح اسم الفاعل ؛ وهو الصفة الجارية على الفعل المضارع في حركاته وسكناته كضارب وداخل ومكرم ومعطٍ، كل هذه الأسماء تعمل عمل أفعالها فضاربٌ يعمل عمل "يضرب" و"داخل" عمل "يدخل" ومكرمٌ عمل "يكرم" ومعط عمل يعطي؛ تقول: زيدٌ ضاربٌ أبو عمراً كما تقول يضرب أبو عمراً، وزيدٌ معطٍ أبوه بكراً ثوباً كما تقول يعطي أبوه بكراً ثوباً.
ومعنى جري هذا الاسم على الفعل في حركاته وسكناته أن عدد حروف ضارب كعدد حروف "يضرب"، وضاد (١) ضارب مفتوحةٌ، كما ياء "يضرب" مفتوحة والألف ثانية وهي ساكنة كما ثاني يضرب ساكنٌ وهي الضاد، والراء فيهما ثالثة مكسورة، والباء فيهما حرف إعراب؛ وكذلك مكرمٌ كيكرم، لأن الأصل في الفعل يؤكرم، فالأصل أيضاً في صفة الفاعل "مؤكرم".
ولما كان الفعل أصلاً للاسم في الإعمال، والاسم أصلاً للفعل في الإعراب، أعمل من أسماء الفاعلين ما أشبه الأفعال المحمولة على الأسماء في الإعراب، وذلك ما كان المحاضر أو المستقبل، فإن كان اسم الفعل
стр. 240
لما مضى لم يعمل عمل الفعل في قول الجمهور (١)؛ لما ذكرنا، وأجاز بعض الكوفيين إعماله عمل الفعل حملاً له على جنسية الأفعال لا مخصوصها، وراعى اللفظ وقوة شبهه (٢) ونظر إلى أحد الطرفين ولم يلتزم النظر إلى الطرف الآخر، وهو الإعراب، فيراعي المحمول على المعرب من الأفعال بل نظر إلى الحمل على الأفعال في الجملة، وكلها عامل، فكل ما حمل على ضروبها عاملٌ عملتها، واحتج بظاهر المسموع ولم يلتفت إلى تأوله (٣) فلو قلت: زيدٌ ضاربٌ عمراً أمس، لم يجز عند الجمهور، كما جاز: زيدٌ ضاربٌ عمراً الآن أو غداً.
وإنما باب الماضي عندهم الإضافة الحقيقية، كقولك: زيدٌ ضاربٌ عمروٍ أمس فيكون ضاربٌ عند سيبويه (٤) ومن تابعه، وهم الأكثرون، في هذه المسألة وإن كان مشتقاً جارياً في إبطال عمله لمضيه مجرى الأسماء الصريحة الأول، وهي الجوامد غير المشتقة كغلام وفرسٍ إذا قلت: غلام زيدٍ وفرس عمرو، ولهذا لا يجوز عندهم أن تصف به نكرةً وأنت تريد به حذف تنوينه تخفيفاً كما أردت ذاك في اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال، فلا تقول عندهم: مررت برجلٍ ضارب عمرو أمس وأنت تريد ضاربٍ عمراً أمس كما تقول: مررت برجلٍ ضاربٍ عمروٍ غداً أي ضاربٍ عمراً، وكما جاء في التنزيل: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٥) [الأحقاف: ٢٤] أي ممطرٌ إيانا، فوصف به النكرة مع
стр. 241
إضافته إلى الضمير وهو معرفةٌ، فإضافته على هذا غير حقيقية، وهي منوي بها الانفصال.
وعلى ذلك أيضاً جاء "ثاني عطفه" (١)، فنصبه على الحال؛ والحال من شرطها أن تكون نكرة، فلولا أن إضافته في نية الانفصال والتنوين مرادٌ كالمنطوق به لما جاز نصه على الحال. ولو أردت مثل هذا في الماضي لم يجز عندهم.
على أن بين اسم الفاعل إذا كان لما مضى وبين الأسماء الصريحة الجامد فرقاً ما، وهو أنه يعمل في الظرف ببقية ما فيه من شبه الفعل لفظاً إذ (٢) كانت حروفه كحروف؛ وهو مشتق على كل حال؛ فجاز عمله في الظرف عندهم وهو أمس من قولك: ضاربٌ عمراً (٣) أمس. ومنهم من يتشدد في ذلك فلا يعمله بتةً في ظرفٍ ولا غيره، وينتصب هذا الظرف بإضمار فعلٍ دل عليه اسم الفاعل وإن كان لما مضى، فتقول: التقدير في هذه المسألة ضاربُ عمرو ضربه أمس وعلته (٤) في هذا القول أن الفعل هنا إنما أضمر في قوله لدلالة اسم الفاعل عليه؛ فلولا أنه غير جارٍ مجرى الجامد من الأسماء في كل حال لما دل على الفعل، إذ كانت الجوامد لا تدل على الأفعال، فتضمر وتعمل لدلالتها عليها. واحتج من أعمل اسم الفاعل إذا كان بمعنى المضي عمل فعله الذي هو
стр. 242
في (١) معناه من الكوفيين بظاهر الآية، وهي قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (٢) [الكهف: ١٨] فأعمل "باسطاً"، وهو لما مضى، في ذراعيه فنصبهما به، وهذا عملٌ ظاهر.
وقال من لم يجز ذلك: هذه الآية لا دلالة فيها على جواز إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، لأنه حكاية حالٍ، والحكاية تتناول الماضي كما تتناول المستقبل، وقد مضى نبذٌ من القول في ذلك.
واسم المفعول في هذا الحكم من العمل يجري مجرى اسم الفاعل، وإن لم يجر مجرى الفعل في الحركات والسكنات والعدة، تقول: زيدٌ مضروبٌ أبوه كما تقول: يضرب أبوه فترفع به كما ترفع باسم الفاعل، وكذلك تنصب به إن كان فعله متعدياً، كقولك: زيدٌ معطىً أبوه درهماً كما تقول: يعطى أبوه درهماً، لأن "معطى" بمنزلة "يعطى" ومضروبٌ بمنزلة يضرب، كما أن "معطياً" بمنزلة يعطي و"ضارباً" بمنزلة "يضرب".
ومما يعمل عمل الفعل من الأسماء الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين ، وإن لم تكن مثلها في القوة في شبه الأفعال، بل منحطةٌ عن رتبتها، فتعمل لذلك الرفع خاصة، ولا تنصب مفعولاً، فإن نصبت شيئاً فعلى التشبيه، بالمفعول لا على المفعول الصريح؛ تقول: زيدٌ حسنٌ وجهاً، وشديدٌ ساعداً، وكريمٌ أباً، فالمنصوب بها منصوب على التمييز، ولهذا لم يسغ تقديمه عليها، والمرفوعات (٣) بها فاعلة.
стр. 243
ووجه شبهها باسم الفاعل أنها يوصف بها كما يوصف به وتثنى تثنيته وتجمع جمعه، وتؤنث تأنيثه، فكما تقول: ضارب وضاربان وضاربون وضاربةٌ وضاربتان وضارباتٌ تقول: حسنٌ وحسنان وحسنون وحسنةٌ وحسنتان وحسناتٌ.
وتنقص عن اسم الفاعل أيضاً بخاصةٍ من خواصه وهي أنها أكثر ما تكون وصفاً بما هو موجودٌ في الحال، واسم الفاعل يكون وصفاً، وهو تارةً للحال وتارةً للاستقبال (١) وهذا ما يوهنها ويقصر بها عن اللحاق بأسماء الفاعلين؛ إل أنها أشبه مع ذاك بأسماء الفاعلين من المصادر بها، فلذلك قدمت في الترتيب عليها، لأنها تتضمن الضمير، وتلك خاصة للفعل، والمصادر لا تتضمن الضمائر.
وأما المصادر المعملة عمل الأفعال فهي كل مصدرٍ قدر بـ"أن" والفعل، وهو يعمل عمل فعله الذي أخذ منه، والمصدر أصلٌ للفعل في الاشتقاق في أصح القولين؛ والفعل أصلٌ للمصدر في الإعمال.
وللمصدر في أعماله أحوالٌ وخواص، فأحواله (٢) أنه لا يخلو من أن يعمل منكراً منوناً أو مضافاً أو معرفاً باللام، فإذا كان منوناً (٣) وذلك أقوى أحواله في العمل ارتفع به الفاعل وانتصب به المفعول، إن كان لفعله مفعولٌ، تقول: يعجبني قيامٌ زيدٌ تريد أن يقوم زيدٌ، فيرتفع زيدٌ بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله، وتقول: عجبت من ضربٍ
стр. 244
زيدٌ عمراً كما تقول: من أن ضرب زيدٌ عمراً؛ ترفع به الفاعل وتنصب به المفعول كما تفعل ذلك بالفعل، حكمه في ذلك حكمه؛ إلا أن المصدر لا يتقدم عليه المفعول، والفعل يصح تقدم مفعوله عليه.
وبالجملة لا يتقدم شيء من معمولات المصدر عليه، لأنها في صلته، ولا يتقدم كما علمت شيء من الصلة على الموصول، على أنه قد جاء في الشعر ما ظاهره تقدم شيء من فضلات المصدر المتعلقة به عليه كقول حنظلة بن شرقي (١):
فما يرجو ابن عمي عنه دفعي (٢)
والمعنى دفعي عنه، والمصدر مضافٌ إلى الياء، وهي فاعلة.
والمحررون (٣) من المحققين منهم يجعلون مثل هذا تبييناً، فلا يعلقونه بنفس المصدر (٤) المذكور فراراً من تقديم شيء من صلة المصدر عليه. وقد ينون المصدر ويعمل بتقدير أن فعل (٥) فيرتفع الاسم به على أنه فاعل كقولك: يعجبني إكرام زيدٌ عمراً أي أن أكرم زيدٌ عمراً، وقد يعمل بتقدير أن فعل (٦) فيرتفع به الاسم ارتفاع ما لم يسم فاعله كقولك: يعجبني إكرام عمروٌ أي أن أكرم عمروٌ.
стр. 245
ويختص المصدر بأنه يجوز حذف الفاعل معه، ولا يجوز ذلك مع الفعل؛ بل يضمر فيه البتة لأنه لابد للفعل من فاعل، ولا يصح ترك إسناد إليه أو إلى ما قام مقامه.
فأما المصدر فحذف الفاعل معه حذفاً، ولم يصح أن يضمر فيه، والعلة في الحكمين واحدة أعني حذف الفاعل معه وامتناع إضماره فيه، وهي أنه اسمٌ على كل حال؛ وليس بفعلٍ ولا صفة جارية على فعل ولا مشبه بذلك، فنبهوا بذلك أي حذف الفاعل على استغنائه عن الفاعل بكونه اسماً صريحاً؛ والأسماء في الأصل مكتفيه بأنفسها، مستغنيةٌ عن غيرها، والأفعال ليست كذلك، ومثال حذف الفاعل معه قوله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ (١) [البلد: ١٤] التقدير، أو إطعام أنتم، فحذف أنتم وهو فاعل المصدر في هذه الآية وكذا الفاعل في قوله:
(بضربٍ بالسيوف رؤوس قومٍ ... أزلنا هامهن عن المقيل) (٢)
стр. 246
أي بضربٍ نحن، فالفاعل محذوف مع المصدر لا مضمر (١)، هذا نص العلماء من أهل العربية، والقول على ما أصلوا، لأن المصدر جنسٌ كسائر الأجناس، وتلك لا يضمر فيها، إذ (٢) لا تعمل لولا أن المصدر باينها بأن حروفه حروف ما أصله العمل وهو الفعل.
فإن استعملت المصدر مضافاً، فإن كان لازماً أضفته إلى فاعله، فقت: عجبتٌ من قيام زيد، فزيدٌ مجرور اللفظ بالإضافة مرفوع في الأصل بأنه فاعل، وكذلك (٣) تنعته إن شئت بالمجرور حملاً على لفظه، وبالمرفوع حملاً على معناه، فتقول: عجبت من قيام زيدٍ العاقل، والعاقل إن شئت، وعلى ذلك أنشدوا:
( ................... ... طلب المعقب حقه المظلوم) (٤)
برفع المظلوم صفةً للمعقب.
وإن كان متعدياً وذكرت مفعوله أضفته إلى أي الاسمين شئت،
стр. 247
وأخرجت الآخر على أصله وأعربته بما يستحقه من الإعراب؛ تقول: عجبت من ضرب زيدٍ عمراً، إذا كان زيدٌ فاعلاً، ومن ضرب عمرو زيدٌ فتضيفه إلى المفعول إن شئت، إلا أن إضافته - إلى أي الاسمين أضفته - إضافة حقيقية إذ كان اسم جنسٍ كغيره من الأجناس، وإضافة اسم الفاعل المعمل إلى معموله إضافةٌ غير حقيقية لأنها في تقدير الانفصال، والمصدر يتخصص بالإضافة أو يتعرف إن كان مضافاً إلى معرفةٍ، واسم الفاعل ليس كذلك، والمصدر يضاف إلى مرفوعه ومنصوبه، أي ذلك أردت صح فيه، واسم الفاعل إنما يضاف إلى منصوبه لا إلى مرفوعه، لأن مرفوعه هو هو في المعنى ومسماه مسماه.
والشيء لا يضاف إلى نفسه، والمصدر ليس كذلك، لأنه ليس هو مرفوعه، إذ كان مرفوعه، إما جثةً - والجثة لا تكون حدثاً - أو حدثاً هو غيره فاعرفه.
وتقول على ذاك: عجبت من أكل زيدٍ الخبز ومن دق القصار الثوب، ومن أكل الخبز زيدٌ ودق الثوب القصار، وتقول في اسم الفاعل: زيدٌ ضاربٌ أبوه عمراً، فهذا الأصل، ثم تضيفه - إن شئت - تخفيفاً (١) إلى المفعول - وهو المنصوب به - فتقول: زيدٌ ضارب عمروٍ أبوه، ولا تقول: ضارب أبيه عمراً - على ما قلناه، لأن ضارباً هو الأب، والأب هو ضاربٌ في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه لأنه لا يتخصص بنفسه ولا يتعرف، وإنما يكون ذلك بغيره.
стр. 248
واعلم أن هذين القسمين من أحوال المصدر قد استعملا في التنزيل فمن استعماله منوناً قوله سبحانه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ (١) [البلد: ١٤]، ومن استعماله مضافاً إلى المفعول قوله قال: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ (٢) [ص: ٢٤].
وأما القسم الثالث من أحواله، وهو استعماله بالألف واللام فقليل التردد في كلامهم، وقد مثل النحويون (٣) بقولهم: الضرب زيدٌ خالداً قبيحٌ، وأنشدوا عليه:
(لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا) (٤)
قالوا: أراد، عن أن ضربت مسمعا، وجعلوا هذا التقدير أولى من تقدير نصبه على حذف الجار وإفضاء الفعل، الذي هو كررت،
стр. 249
كأنه في هذا التقدير: كررت على مسمع فلم أنكل عن الضرب، قالوا: وهذا لا يحمل الكلام عليه ما وجد عنه مندوحة.
فأما التنزيل فلم يجيء في ظاهره شيء من هذا القسم، أعني إعمال المصدر معرفاً باللام، وأظنهم قد استنبطوا آية في القرآن حملوها على هذا القسم، والله أعلم بكتابه، وبالجملة، فهو معدوم في الفصيح من الكلام أو كالمعدوم، وعلة قلة هذا القسم في الاستعمال أنه يبعد من شبه الفعل في الحكم، إذ كان الفعل لا يتعرف البتة، وتقديره بأن والفعل - اللذين لا يعمل المصدر إلا بتقديرها مع الألف واللام فيه تعسف.
فأما اسم الفاعل إذا كان بالألف واللام فإعماله حسنٌ بالغ، لأنك إذا قلت: يعجبني القائم أبوه كانت الألف واللام بمعنى الذي، فكأنك قد قلت الذي قام أبوه والذي يقوم أبوه، ولهذا أعمل إذا كان للماضي بلا خلاف بينهم، لأن الألف واللام اللتين فيه بمنزلة الذي، فهما حرفٌ موصولٌ أو اسمٌ موصول، واسم الفاعل معهما بمنزلة الفعل المحض، فكأنه قد لفظ بـ"قام" حين لفظ بالقائم، ولا محالة أن الفعل يعمل لأي زمن كان من ماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ، ولو تجرد منهما وكان ماضياً لم يعمل عمل الفعل في قول الجمهور كما تقدم.
وقد ذكرنا أنه يحمل عليه وصفه أعني فاعل المصدر، إذا أضفت المصدر إليه، فتجر على اللفظ وترفع على الموضع، وكذلك حكم المفعول، وكذا العطف، تحمله على اللفظ فتجر وعلى الموضع فتجريه على الإعراب الذي يستحقه الاسم المجرور في الأصل إن فاعلاً وإن مفعولاً فتقول: يعجبني قيام زيدٍ وعمروٍ، وإن شئت: وعمروٌ، وعجبت من أكل الخبز والتمر زيدٌ، وإن شئت: والتمر، قال:
стр. 250
(قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الافلاس والليانا) (١)
لأن الافلاس، وإن كان مجروراً بالإضافة، فهو (٢) في موضع نصب لأنه في المعنى مفعول لمخافة.
ومن لوازم المصدر أنه لا يفصل بينه وبين معموله بأجنبي، لكونه عندهم موصولاً بمعموله، وأنه يعمل على كل حال ما قدر بأن والفعل سواءٌ كان للمضي أو للحضور أو للاستقبال، وكونه للحضور بعيدٌ في التقدير لأنه يقدر بأن والفعل إذا أعمل، و"أن" لا تدخل على حاضرٍ وإنما تعمل في المستقبل، ولكنك يمكنك أن تشير إلى ضربٍ موجود موقعٍ في حال إشارتك فتقول لضاربٍ رجلاً في حال إيقاعه الضرب به: هذا الضرب زيداً قاتله، فاعرف ذلك.