← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ فَقَالت لَهُ عَائِشَةُ: لكِنَّكَ لَسْتَ كَذلِكَ ــ قوله (حصان) بفتح الحاء والصاد من الإحصان وهو الامتناع من الرجال من نظرهم إليها والعفة وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي أي عائشة حصان أي محصنة عفيفة محفوظة من الأنظار السيئة وقوله (رزان) خبر ثان أو معطوف على حصان بعاطف مقدر أي وهي رزان بتقديم الراء على الزاي أي كاملة العقل ثقيلة الدين من الرزانة وهو كمال العقل يقال رزن الرجل رزانة فهو رزين إذا كان وقورًا ورزنت المرأة رزانة فهي رزان إذا كانت كاملة العقل وقوله (ما تزن) بالبناء للمجهول خبر ثالث أي ما تتهم (بريبة) أي بفاحشة وسيئة من الزن وهو الرمي والقذف والريبة السيئة والفاحشة (وتصبح) أي وتكون عائشة (غرثى) أي عطشى جائعة (من) أكل (لحوم) المؤمنات (الغوافل) جمع غافلة جمع تكسير أي من أكل لحوم المؤمنات الغافلات عن الفواحش العفيفات من الزنا والمعنى أنها لا تغتاب واحدة من النساء العفائف لأن الله تعالى وصف الغيبة بأكل لحم الأخ الميت وفيه تعريض لحمنة بنت جحش. وقوله غرثى وصف مؤنث من الغرث وهو الجوع يقال رجل غرثان وامرأة غرثى كعطشان وعطشى ويعني حسان بهذا البيت أن عائشة ﵂ في غاية العفة والنزاهة عن أن تزن وتتهم بريبة وفاحشة ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع له من أن تتكلم بعرض غافلة عفيفة وشبّهها بالغرثى لأن بعض الغوافل قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها وهي حمنة بنت جحش فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها اهـ من المفهم. وقوله (فقالت له) أي لحسان (عائشة) ﵂ معطوف على قال الأولى (لكنك) يا حسان (لست كذلك) أي غرثان عن لحوم الغوافل لأنك كنت مع أصحاب الإفك تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله بن أبي ابن سلول غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة ﵂ قد برأت حسان من الفرية وقالت إنه لم يقل شيئًا وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا في البيت المذكور فيما بعد هذا البيت المذكور آنفًا من القصيدة حيث قال:

стр. 10327

قَال مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيكِ؟ وَقَدْ قَال اللهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. فَقَالت: فَايُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ، أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ٦٢٣٧ - (٠) (٠) حدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فِي هذَا الإِسْنَادِ ــ فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي فيحتمل أن يقال إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحًا ويكون قد عرض ذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه والله أعلم وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا وهل جلد الحد أم لا فالله أعلم أي ذلك كان اهـ من المفهم. (قال مسروق) بالسند (فقلت لها) أي لعائشة (لم تأذنين له) أي لحسان أن (يدخل عليك و) الحال أنه (قد قال الله) في كتابه الكريم: (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾) [النور: ١١] أي كبر الإفك وأشده ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، فقالت) عائشة لمسروق إنه عذب في الدنيا بفقد البصر (فأي عذاب أشد من العمى) أي من فقد البصر وظاهر هذا الكلام يدل على أن حسان كان ممن تولى كبره وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة ﵂ إن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه ويجاب عنه بأن الذي تولى كبره صريحًا هو عبد الله بن أبي وحسان كان ممن صدقه ولم يكذبه في ذلك فلذلك تلا مسروق هذه الآية في معرض ذكر حسان ﵁ ثم عللت الإذن له في الدخول عليها بقولها (إنه كان ينافح أو يُهاجي عن رسول الله ﷺ أي وإنما أذنت له في الدخول علي لأنه كان ينافح ويدافع هجو الكفار عن رسول الله ﷺ "أو" قالت عائشة إنه كان يهاجي أي يدفع هجو الكفار عن رسول الله ﷺ بهجوهم والمعنى واحد وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في تفسير سورة النور بابٌ ويبين الله لكم الآيات [٤٧٥٦] ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال: ٦٢٣٧ - (٠) (٠) (حدثناه) محمد (بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) محمد السلمي وقيل هو نفس إبراهيم وكنيته البصري ثقة من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (عن شعبة) بن الحجاج (في هذا الإسناد) المذكور أي بهذا

стр. 10328

وَقَال: قَالتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَلَمْ يَذكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ. ٦٢٣٨ - (٢٤٧٤) (٣٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَّامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ــ السند السابق يعني عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة غرضه بيان متابعة ابن أبي عدي لمحمد بن جعفر (و) لكن (قال) ابن أبي عدي في روايته لفظة (قالت) عائشة (كان) حسان (يذبُّ) ويدفع (عن رسول الله صلى الة عليه وسلم ولم يذكر) ابن أبي عدي البيت السابق يعني (حصان رزان) وتمام هذه الأبيات التي أنشدها حسَّان على عائشة ﵂: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي وكيف وودِّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل وزاد الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق: حليلة خير الخلق دينًا ومنصبًا ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل رأيتك وليغفر لك الله حرة ... من المحصنات غير ذات الغوائل ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لعائشة ﵂ فقال: ٦٢٣٨ - (٢٤٧٤) (٣٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا يحيى بن زكرياء) بن أبي زائدة خالد بن ميمون الهمداني الكوفي ثقة من (٩) روى عنه في (١٢) بابا (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ وهذا السند

стр. 10329

قَالتْ: قَال حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ. قَال: "كَيفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ " قَال: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ. فَقَال حَسَّانُ: وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ. وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ ــ من خماسياته (قالت) عائشة (قال حسان) بن ثابت (يا رسول الله ائذن لي في) هجو (أبي سفيان) المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وقيل اسمه كنيته اهـ من الإصابة القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وأخيه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية وكان ممن يشبه رسول الله ﷺ اهـ من الإصابة. وذلك قبل أن يتشرَّف أبو سفيان بالإسلام وكان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين في ذلك الوقت ثم أسلم وحسن إسلامه. (قال) رسول الله ﷺ (كيف) تفعل (بقرابتي) ونسبي (منه) أي من أبي سفيان هل تسبني معه أو تخرجني من سبه يعني أن من عادة الشعراء أنهم حين يهجون رجلًا فإنما يعيبون نسبه وإنك إن هجوت أبا سفيان وعيبت نسبه فإن ذلك يرجع إلى نسبي لما لي من العلاقة القريبة بآبائه (قال) حسان (والذي) أي أقسمت بالإله الذي (كرمك) وشرفك بالحق (لأسلَّنك) أي لأخرجنَّ نسبك (منهم) أي من هجو قريش بحيث لا يصدق عليك الهجو سلًّ (كما تسل الشعرة) أي إخراجًا كإخراج الشعرة الساقطة في العجين (من الخمير) أي من العجين والخمير في الأصل الشيء الذي يخلط بالعجين فيصلح بسببه للخبز كما هو معروف عند الخبازين ولكن المراد هنا نفس العجين قال القرطبي ومعناه لأتلطفنَّ في تخليص نسبك من هجوهم بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو كما أن الشعرة إذا سلت من العجين لا يبقى منها شيء بخلاف ما لو سلت من شيء صلب فإنها ربما انقطعت فبقيت فيه منها بقية (فقال حسَّان) أي أنشد القصيدة التي منها هذا البيت وهي قوله: ألا أبلغ أبا سفيان أن محمدًا ... هو الغصن ذو الأفنان لا الواحد الوغدُ وما لك فيهم محتد يعرفونه ... فدونك فالصق مثل ما لصق القُردُ وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبدُ ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجدُ

стр. 10330

قَصِيدَتَهُ هذِهِ. ٦٢٣٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذا الإِسْنَادِ. قَالتِ: اسْتَأذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشرِكِينَ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ. وَقَال بَدَلَ -الْخَمِيرِ- الْعَجِينِ. ٦٢٤٠ - (٢٤٧٥) (٣١) حدَّثنا عَبدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيبِ بْنِ اللَّيثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، ــ أي قال حسان في هجوهم هذا البيت حتى أكمل (قصيدته هذه) التي منها هذا البيت والأبيات السبعة التي ذكرناها سابقًا وهذه القصيدة مثال لما فعله حسان من هجو نسب أبي سفيان وإخراج نسب رسول الله منه وراجع لهذه القصيدة وشرحها ديوان حسان بن ثابت وشرحه للبرقوقي وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال: ٦٢٣٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي (حدثنا هشام بن عروة بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة عبدة بن سليمان ليحيى بن زكرياء (قالت) عائشة (استأذن حسان بن ثابت النبي ﷺ في هجاء المشركين) أي مشركي مكة يعني قريشًا (ولم يذكر) عبدة (أبا سفيان) بن الحارث بخصوصه كما ذكره يحيى بن زكرياء (وقال) عبدة في روايته (بدل الخمير) لفظة (العجين) والعجين دقيق يعجن فيخبز. ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لعائشة ﵂ فقال: ٦٢٤٠ - (٢٤٧٥) (٣١) (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري ثقة من (١١) (حدثني أبي) شعيب ثقة من (١٠) (عن جدي) ليث بن سعد ثقة من (٧) (حدثني خالد بن يزيد) الجمحي أبو عبد الرحيم المصري الإسكندراني ثقة من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (حدثني سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المصري صدوق من (٦) روى عنه في (١١) بابا (عن عمارة بن غزية) بن

стр. 10331

عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "اهْجُوا قُرَيشًا. فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيهَا مِنْ رَشقٍ بِالنَّبْلِ" فَأرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَال: "اهْجُهُمْ" فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ ــ الحارث بن عمرو الأنصاري المازني المدني ثقة من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي المدني ثقة من (٤) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة من (٣) روى عنه في (١٤) بابا (عن عائشة) ﵂ وهذا السند من تساعياته كما ذكرناه في البويطية (أن رسول الله ﷺ قال اهجوا) أيها الشعراء من المسلمين (قريشًا) أي مشركيها (فإنه) أي فإن هجوهم (أشدّ عليها) أي أضرّ على قبيلة قريش وأشد تأثيرًا في قلوبهم بانكسارها (من رشق) أي من رمي لهم (بالنبل) أي بالسهام والرشق بفتح الراء هو الرمي بالنبل وهي السهام وأما الرشق بكسر الراء فهو اسم للنبل التي ترمى دفعةً لا يتقدم منها شيء قال القاضي عياض وفيه جواز هجو المشركين وإذايتهم بكل ما يقدر عليه وجواز سبهم في وجوههم وأنه لا غيبة في كافر ولا فاسق معلن بفسقه وأما أمره ﷺ بهجائهم مع أنه لم يكن فاحشًا ولا يأمر بالفحشاء وطلبه لنفر من أصحابه واحدًا بعد واحد ولم يرض بقول الأول والثاني حتى أمر حسان فإنما المقصود نكايتهم وكف إذايتهم بهجوهم المسلمين لأنهم إذا علموا أنهم يجابون عن قولهم كفوا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وكذلك يجب أن لا يبدأ المشركون بالسب والهجاء خوف هذا أي خوف سبهم لله تعالى وتنزيهًا لألسنة المسلمين عن الفحشاء إلا أن تدعو ضرورة لابتدائهم ككف أذاهم اهـ من الأبي وكان الشعر في ذلك الزمان من أقوى وسائل الدعاية والإعلام فاستعملها رسول الله ﷺ للانتصار للإسلام فيؤخذ منه أن تستخدم مثل هذه الوسائل المباحة لنشر دعوة المسلمين وللرد على الكفار المعاندين للإسلام وأهله بما فيه نكاية لهم ومدافعة لشرهم (فأرسل) رسول الله ﷺ أولًا (إلى) عبد الله (بن رواحة) الأنصاري فجاء ابن رواحة (فقال) له رسول الله ﷺ (اهجهم) أي اهج المشركين يا عبد الله واشتمهم دفاعًا عن المسلمين (فهجاهم) ابن رواحة (فلم يُرض) النبي ﷺ هجاؤه إياهم أي لم يعجبه ولم يشفه بضم الياء من أرضى

стр. 10332

فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ، قَال حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ. ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ. فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَفْرِيَنَّهمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الأدِيمِ ــ الرباعي (فأرسل) رسول الله ﷺ ثانيًا (إلى كعب بن مالك) الأنصاري فجاء فقال له اهجهم فهجاهم فلم يرض يشف النبي ﷺ هجاؤه إياهم (ثم أرسل) ثالثًا (إلى حسان بن ثابت) الأنصاري فجاء (فلما دخل) حسان (عليه) أي على رسول الله ﷺ في المسجد. (قال حسان) لرسول الله ﷺ ولمن معه من الصحابة (قد آن) أي قد حان وقرب وظهر (لكم) الآن (أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب) جنبيه (بذنبه) لاغتياظه وغضبه قال العلماء المراد بذنبه هنا لسانه شبه حسان نفسه بالأسد في انتقامه وبطشه إذا اغتاظ وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه كما فعل حسان بلسانه حين أدلعه فجعل يحرِّكه فشبه نفسه بالأسد ولسانه بذنبه اهـ نووي. قال القرطبي: (وقول حسان قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه) هذا القولُ منه مدح لنفسه شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي ﷺ واحتدَّ لذلك واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي ﷺ فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي ﷺ وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك وتنزل هذا الافتخارُ في هذا الموطن منزلةَ افتخار الأبطال في حال القتال فإنهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا وذلك يدل على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصبر وإظهار كل ذلك للعدو إغلاظ عليهم وإرهاب لهم وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار فلا عتب ولا إنكار اهـ من المفهم. (ثم أدلع) حسان (لسانه) أي أخرجه عن الشفتين يقال دلع لسانه وأدلعه ودلع اللسان بنفسه أخرجه وحركه كأنه بعده للإنشاد (فجعل يحرّكه فقال والذي بعثك) وأرسلك (بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم) أي لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدباغ فإنه يقطع خفافًا ونعالًا وغير ذلك وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه

стр. 10333

فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيشٍ بِأنْسَابِهَا. وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا. حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي" فَأَتَاهُ حَسَّانُ. ثُمَّ رَجَعَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ. قَالتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ" ــ بحضرة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسان إلى الجبن ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يهاجي قريشًا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه ولم يعيره أحدٌ منهم بالجبن ولا نسبه إليه والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار وقيل إن حسان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطّل بالسيف فكأنه اختل في إدراكه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. والمعنى لأمزقن أعراضهم تمزيق الجلد المدبوغ اهـ نووي من الفري والفري في الأصل القطع (فقال رسول الله ﷺ لحسان ﵁ (لا تعجل) يا حسان في هجوهم حتى تستخبر أبا بكر عن نسبي فيهم (فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وانّ لي فيهم) أي في قريش (نسبًا) أي قرابة أي فاذهب إلى أبي بكر (حتى يلخص لك نسبي) فيهم أي حتى يبين لك خلاصة نسبي فيهم وقرابتي منهم (فأتاه) أي فأتى أبا بكر (حسان) بن ثابت فذكر أبو بكر له خلاصة نسبه ﷺ فيهم (ثم رجع) حسان إلى رسول الله ﷺ . (فقال) حسان له ﷺ (يا رسول الله قد لخص لي نسبك) فيهم أي قد ذكر لي أبو بكر خلاصة نسبك منهم (والذي بعثك بالحق لأسلنَّك) أي لأخرجنَّ نسبك (منهم) أي من نسبهم (كما تسل) وتخرج (الشعرة من العجين) بلا بقاء شيء منها في العجين ويقال إنه لما بلغ أبا سفيان بن الحارث قصيدة حسان المذكورة قال هذا شعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة كذا في ديوان حسان (قالت عائشة) ﵂ بالسند السابق (فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان إن روح القدس) جبريل الأمين (لا يزال يؤيدك) أي يقويك ويساعدك ويلهمك (ما نافحت) ودافعت به (عن الله) سبحانه (و) عن (رسوله) ﷺ أو مدة منافحتك على أن ما مصدرية ظرفية والمنافحة

стр. 10334

وَقَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "هَجَاهُم حَسَّانُ فَشَفَى وَاشتَفَى". قَال حَسَّانُ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ ــ المخاصمة والمجادلة والمدافعة من النفح وهو الدفع يقال نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته وركضته ونفحه بسيفه أي ضربه به من بعيد اهـ من المفهم (وقالت) عائشة أيضًا (سمعت رسول الله ﷺ يقول هجاهم) بصيغة الماضي فاعله (حسان) أي هجا حسان المشركين أي دافع هجوهم عن الإسلام والمسلمين (فشفى) حسان الألم الذي أحدثه هجوهم في الإسلام والمسلمين وعالجه بهجوه إياهم (واشتفى) هو في نفسه أي أصاب شفاء بثأره منهم بما ناله من أعراضهم. (قال حسان) أي أنشد حسان بن ثابت ﵁ قصيدته في هجو المشركين لم يرو مسلم أولها وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق وقد ذكرها القرطبي والأبي والسنوسي في شروحهم فراجعها إن شئت واقتصر مسلم منها على ثلاثة عشر بيتًا واقتصرنا نحن على شرح ما ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى خوفًا من الإطالة لأن شرحنا هذا مختصر إنما وضعناه تحنيكًا للأطفال باصطلاحات مسلم وتنبيهًا للرجال على دقائقه ولطائفه أي أنشد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله ﷺ مخاطبًا لأبي سفيان بن الحارث المبتلى بهجو رسول الله ﷺ قبل إسلامه فذكر الأول منها بقوله: (هجوتَ محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء) (هجوت) أي شتمت يا أبا سفيان (محمدًا) ﷺ (فأجبت عنه) أي عن هجائك إياه (وعند الله) خبر مقدم (في ذاك) أي على ذاك الجواب متعلق بقوله (الجزاه) وهو مبتدأ مؤخر أي والجزاء الحسن على ذاك الجواب عنه مدخر لي عند الله تعالى والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله فأجبت عنه أو حال من فاعل أجبت والتقدير فأجبت عنه حالة كوني راجيًا ادخار الجزاء الحسن لي عند الله على ذاك الجواب ورُوي أن النبي ﷺ لما أنشده هذا البيت قال له

стр. 10335

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا ... رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وقَاءُ ــ "جزاؤك عند الله الجنة" انظر الأغاني [٤/ ١٦٣] للشيخ الأصبهاني اهـ من المفهم. (هجوت) أي سببت (محمدًا) ﷺ (برًا) أي فاعل البر والخير لعباد الله الذي من أجله الدعوة إلى التوحيد (تقيًّا) أي ممتثلًا لأوامر الله تعالى ومجتنبًا عن نواهيه وفي رواية بدله (حنيفًا) أي مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق قال الأبي ويُروى بدل هذا الشطر "هجوت مباركًا برًّا تقيًّا" والبر الواسع الخير والنفع من البر بالكسر وهو الاتساع بالإحسان وهو اسم يجمع الخير كله ويكون البر أيضًا بمعنى المنزه عن المآثم ومنه بيع مبرور إذا لم يخالطه كذب وحج مبرور لا يخالطه ذنب ولا مأثم ومعنى "حنيفًا" في الرواية الأخرى مستقيمًا من الحنف وهو الاستقامة وسُمي الرجل المائل أحنف تفاؤلًا وقيل بل أصل الحنف الميل والحنيف المائل إلى الشيء والمسلم حنيف وسميت ملة إبراهيم الحنيفية لميلها إلى الرشد والخير والحنيف أيضًا الذي على ملة إبراهيم ﵇ ودينه وقوله (برًّا تقيًّا) صفتان لمحمد وقوله (رسول الله) عطف بيان منه وقوله: (شيمته الوفاء) مبتدأ وخبر والجملة الاسمية صفة ثالثة لمحمد ومعنى "شيمته" أي خُلقه (الوفاء) للوعد ضد الغدر والخديعة وقال القرطبي والشيمة والسجية والسليقة والخليقة والجبلة كلها بمعنى وهو الطبيعة وقال غيره والشيمة بكسر الشين الخُلقُ بضمتين يجمع على شيم بكسر الشين وفتح الياء وذكر الثالث منها بقوله: (فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاءُ) والفاء في قوله (فإن أبي) تعليلية لأنه عقل بها قوله فأجبت عنه وإنما قلت فأجبت عنه لأن أبي وكذا أمي (ووالده) بالنصب معطوف على اسم إن أي وإن والد أبي وهو جده (وعرضي) وعرض الإنسان موضع المدح والذم منه قال ابن قتيبة يعني بالعرض هنا النفس وهو معطوف على اسم إن أيضًا والجار في قوله (لعرض محمد) أي لنفس محمد وكذا قوله (منكم) متعلق بقوله (وفاء) وهو خبر إن والمعنى عليه على ما قاله ابن قتيبة فإن أبي وأبا أبي ونفسي وقاية وستارة لنفس محمد منكم وفداء لها وقال غيره والعرض هنا هو الحرمة التي تنتهك بالسب والغيبة التي قال فيها النبي ﷺ "إن دماءكم

стр. 10336

ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ ــ وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا" رواه مسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي والوقاء بكسر الواو وبالقاف وبالمد وكذا الوقاية ما وقيت به الشيء وسترته عما يصيبه وذكر الرابع منها بقوله: (ثكلت بنيَّتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء) (ثكلت) بضم التاء للمتكلم من باب فرح قال السنوسي الثكل فقد الولد (بُنيَّتي) بضم الباء وتشديد الياء تصغير بنت أي فقدت بنتي وهو دعاء على ابنته بالموت وعند النووي بكسر الباء وتخفيف الياء أي فقدت نفسي لأن البنية بمعنى النفس المركبة من أجزاء كثيرة والضمير في (إن لم تروها) عائد على الخيل وإن لم يجر لها ذكر لكنها تفسرها الحال والمشاهدة (تثير) بضم التاء من الإثارة وجملة (النقع) أي ترفع الغبار وتهيجه وتحرّكه حال من ضمير المفعول في تروها لأن الرؤية هنا بصرية وقوله: (من كنفي كداءُ) متعلق بتثير والكنفان بفتحتين تثنية كنف الجانبان وكداء بفتح الكاف وبالمد ثنية بأعلى مكة بين مقبرة الحجون والعتيبية وكدى بضم الكاف والقصر ثنية في أسفل مكة على طريق إبراهيم الخليل ﵇ وكداء هنا مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة في آخره وحينئذ يدخل في القافية عيب الإقواء وهو مخالفة حركة الروي لحركة ما قبلها وما بعدها لأن حركة ما قبلها وما بعدها الضم وحركته الكسرة وفي هامش المفهم الإقواء هو اختلاف حركة الإعراب في القوافي اهـ خزانة الأدب [٤/ ٢٠٠] ولكن وقع هذا الشعر في بعض الروايات بلفظ "موعدها كداء" وفي بعضها "غايتها كداءُ" وهو أوفق بقوافي القصيدة وأبعد عن عيب الإقواء وجاء هذا الشعر في ديوان حسان هكذا: عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء وهو حينئذ سليم عن عيب الإقواء وعن الإضمار للخيل قبل ذكرها ومعنى البيت فقدت ابنتي بموتها إن لم تروا أيها المشركون خيول المسلمين حالة كونها مثيرة الغبار في حوالي مكة للإغارة عليكم والمراد أنكم سوف ترون خيول المسلمين تغير عليكم في جوانب مكة وإن لم تفعل فإني أدعو على ابنتي بالموت.

стр. 10337

يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ ــ ثم ذكر الخامس منها بقوله: (يبارين الأعنَّة مصعدات ... على كتافها الأسل الظماءُ) وقوله (يبارين) أي يأكلن بأضراسهن (الأعنة) أي ألجمة الحديد في محل النصب معطوفة على جملة قوله تثير النقع على كونها حالًا من مفعول ترون مأخوذ من برى القلم إذا صلحه بالسكين ويُروى (يبارعن الأعنة) أي يفقنها في الصلابة وقال القاضي الأول هو رواية الأكثرين ومعناه أنها لصرامتها وقوة نفوسها تضاهي أعنتها بقوة جبذها لها وهي منازعتها لها وقال الأبي نقلًا عن القاضي يعني أن الخيول لقوتها في نفسها وصلابة أضراسها تُضاهي أعنتها الحديد في القوة وقد يكون ذلك في مضغها الحديد في الشدة ويجوز أن يكون المعنى كما في اللسان يعارضنها في الجذب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعلك حدائدها قال القاضي ووقع في رواية ابن الحذاء "يبارين الأسنة" وهي الرماح قال فإن صحت هذه الرواية فمعناها أنهن يضاهين قوامها واعتدالها وقال البرقوقي مباراتها الأسنة أن يضجع الفارس رمحه فيركض الفرس ليسبق السنان "والأعنَّة" جمع عنان بكسر العين كلجام وزنًا ومعنىً وهو سير اللجام الذي تمسك به الدابة وقوله (مصعدات) حال من فاعل يبارين أي حالة كونها مقبلات إليكم ومتوجهات من أصعد في الأرض إذا ذهب فيها مبتدئًا ولا يقال للراجع (على أكتافها) جمع كتف وهو ما بين العنق والعضد (الأسل) بفتحتين الرماح (الظماءُ) جمع ظمئ أي العطاش لدماء الأعداء وفي بعض الروايات "الأسد الظماء" جمع أسد شبه راكبيها بالأسد لشجاعتهم وصولتهم. ومعنى البيت عدمنا خيلنا إن لم تروها أيها المشركون حالة كونها ترفع الغبار بحوافرها إلى السماء وحالة كونها يأكلن ألجمتها بأضراسها حالة كونها متوجهات إليكم على أكتافها الرماح العطاش لدماء الأعداء. ثم ذكر السادس منها بقوله: (تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساءُ) (تظل جيادنا متمطرات) أي تكون خيولنا طول النهار مسرعات يسبق بعضها بعضًا وجملة تظل مستأنفة وجملة قوله: (تلطمهن بالخمر النساء) حال من الضمير المستكن في خبر تظل أي حالة كون تلك الجياد تمسح النساء العرق والغبار بخمرهن عن وجوههن أو

стр. 10338

فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ ــ المعنى تظل جيادنا متمطرات للعرق لشدة جريها وعدوها حالة كونها تمسح النساء العرق عنها بخمرهن قال السنوسي الجياد جمع جواد الخيل ومتمطرات أي سائلات بالعرق لشدة الجري يعني أن هذه الخيول لكرمها على أهلها تبادرها النساء فتمسح وجوه هذه الخيل بخمرهن اهـ والخمر جمع خمار وهو ما تستر به المرأة رأسها قال القرطبي: الجياد الخيل متمطرات يعني بالعرق من شدة الجري والرواية المشهورة "يلطمهن" من اللطم وهو الضرب في الخد يعني أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن ولعزتهن عليهم تبادر النساء إليها فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخمر وكان الخليل يروي هذه اللفظة يُطلّمهن بتقديم الطاء على اللام ويجعله بمعنى ينفض وقال ابن دريد اللطم ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ثم ذكر السابع منها بقوله: (فإن أعرضتموا عنَّا اعتمرنا ... وكان الفتحُ وانكشف الغطاءُ) قال الأبي ظاهر هذا كما قال ابن هشام أن حسَّان قال هذه القصيدة قبل الفتح في عمرة الحديبية حين صدوا رسول الله ﷺ عن البيت وقال ابن إسحاق إن حسّان قاله في فتح مكة وفيه بعد والمعنى فإن أعرضتم أيها المشركون عن قتالنا وخليتم بيننا وبين بيت الله تعالى (اعتمرنا) أي أدينا العمرة وأتممنا عملها وهي في الشرع زيارة البيت الحرام بالأعمال المخصوصة المعروفة والفرق بينها وبين الحج أن العمرة تكون للإنسان في جميع السنة كلها والحج في وقت واحد من السنة ولا يكون إلا مع الوقوف بعرفة يوم عرفة وهي مأخوذة من الاعتمار وهو الزيارة "وكان الفتحُ" أي وحصل فتح مكة لنا (وانكشف الغطاءُ) أي زال الحجاب عما وعد الله به نبيه من فتح مكة عليه صلوات الله وسلامه. ثم ذكر الثامن منها بقوله: (والا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاءُ) (وإلا) أي وإن لم تعرضوا (عنا) أي عن صدنا من بيت الله تعالى ودمتم على صدكم إيانا. (فاصبروا لضراب يوم) أي فاصبروا على شدة بطشنا وضراب سيوفنا في يوم (يعز الله فيه) وينصر (من يشاءُ) نصره وعزه قال القرطبي هذا من باب إلهام العالم

стр. 10339

وَقَال اللهُ: قَدْ أرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَال اللهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ ــ لأن حسان قد علم أن الله قد أعز نبيه وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات قوله: "لضراب" بكسر الضاد مصدر قياسي لضارب الرباعي بمعنى المضاربة والقتال يفيد المشاركة من الجانبين وقوله: "يعز الله فيه من يشاء" فيه من المحسنات البديعية تجاهل العارف والمقصود منه أن الله يعز المسلمين ولكنه لم يصرح بذلك تجاهلًا. وقد ذكر التاسع منها بقوله: (وقال الله: قد أرسلت عبدًا ... يقول الحق ليس به خفاءُ) (وقال الله) جل وعز في كتابه (قد أرسلت عبدًا) من عبادي إلى المكلفين كافة (يقول) ذلك العبد الدين (الحق) أي القويم (ليس به) أي ليس في ذلك الدين أي في حقيته (خفاءُ) أي إشكال حيث قال في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ إلى غير ذلك. وقد ذكر العاشر منها بقوله: (وقال الله: قد يسرت جندًا ... هم الأنصارُ عرضتها اللِّقاءُ) أي (وقال الله) أيضًا في كتابه (قد يسرت) وسخرت مع ذلك العبد المرسل (جندًا) لنا (هم الأنصار) والمهاجرون (عرضتها) بضم العين أي مقصدها ومطلبها (اللقاء) أي لقاء قوم المشركين وصناديدهم وقتالهم لإعزاز دين الله ونصرته مع نبيه ﷺ حيث قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩]، إلى غير ذلك من الآيات قوله: "عرضتها" قال القاضي عياض عرضتها بضم العين قصدها فيقال اعترضت عرضه أي قصدت قصده وقد يكون عرضتها بمعنى صولتها وقوتها في اللقاء يقال فلان عرضة لكذا أي قوي عليه والمعنى عرضتها أي قصدها وهمتها لقاؤكم أيها المشركون يعني أنهم لما عاندوا نصر الله سبحانه نبيه صلَّى الله عليه وسلم

стр. 10340

لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ... وَيمْدَحُهُ وَينْصُرُهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا ــ بالأنصار ولم يذكر المهاجرين لأنهم لم يظهر لهم أمر إلا عند اجتماعهم مع الأنصار أو تركهم لضيق النظم. ثم ذكر الحادي عشر منها بقوله: (لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء) قال البرقوقي (لنا) يعني معشر الأنصار وقوله "من معد" يعني قريشًا لأنهم عدنانيون أي (لنا) معاشر الأنصار (في كل يوم) من أيام المعارك (من معد) أي مع بني معد بن عدنان يعني قريشًا لأنهم من نسل معد بن عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ (سباب) بالنثر (أو قتال) بالسيف (أو هجاء) بالنظم وأوفي الموضعين للتنويع. ثم ذكر الثاني عشر منها بقوله: (فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواءُ) والفاء في قوله (فمن يهجو) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفتم أن الله تعالى يسر له جندًا عرضتها اللقاء وأردتم بيان ما جرى بينه وبينكم فأقول لكم يا معشر قريش إن من يهجو ويشتم (رسول الله) ﷺ (منكم) كأبي سفيان بن الحارث ومشركي مكة (و) من (يمدحه) منكم بلسانه (وينصره) بسيفه كالمهاجرين (سواء) عنده لأن هجو من هجاه لا يلحقه به ضرر ومدح من مدحه ونصر من نصره لا يزيده منزلة عند الله تعالى بل هو غني عن مدحكم ونصركم بنصر الله تعالى له ومدحه له في كتابه يعني أن رسول الله ﷺ من العزة والشرف بمكان لا يضره هجاؤكم ولا ينفعه مدحكم ونصركم لأنكم من الهوان بحيث لا يعبأ بكم وهو من العزة والشرف والمنعة والوجاهة بحيث لا ينال منه ولا يرتقى إليه. ثم ذكر الثالث عشر منها بقوله: (وجبريل رسول الله فينا قوله (وجبريل) مبتدأ (رسول الله) عطف بيان له (فينا) خبر المبتدإ أي معنا بالنصر والتأييد (وروح القدس) معطوف على رسول الله وقوله (ليس له كفاء) خبر ثان للمبتدأ

стр. 10341

وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيسَ لَهُ كِفَاءُ ــ وروح القدس ليس له كفاءُ) ويحتمل كون روح القدس مبتدأ خبره قوله "ليس له كفاء" والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله وجبريل فينا (وروح القدس) بضمتين وبإسكان الثاني للتخفيف من القدس بمعنى الطهارة فيكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول وإضافة الروح بمعنى الملك إليه من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع أي والروح المقدس من النقائص والخيانة لأنه أمين وحي الله تعالى وسفيره إلى أنبيائه وهو جبريل (ليس له كفاء) بكسر الكاف هو الكفء وهو المثل أي ليس له نظير ولا مثيل يكافئه ويقاومه عند النصر ويدافعه عند المقاومة والمقاتلة. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى كما في تحفة الأشراف وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثمانية أحاديث الأول حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة. والثاني حديث عبد الله بن سلام ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين والرابع حديث البراء ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والخامس حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والسادس حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والسابع حديث عائشة الثالث ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والثامن حديث عائشة الأخير ذكره للاستشهاد. "تتمّةٌ" طبقات الشعراء أربعة جاهلي وإسلامي ومخضرم ومحدث فالجاهلي من لم يدرك الإسلام والإسلامي من حدث في صدر الإسلام والمخضرم من أدرك الإسلام والجاهلية قال الأخفش من قولهم ماءُ خضرم بكسر الخاء والراء وسكون الضاد بينهما إذا تناهى في الكثرة والسعة فسمي الرجل بذلك كأه استوفى الأمرين وزعم بعضهم أنه لا يكون مخضرمًا حتى يكون إسلامه بعد موت النبي ﷺ وقد أدركه كبيرًا ورده ابن رشد بأن النابغة الجعدي ولبيدًا وقع عليهما هذا الاسم وليسا كذلك فحسّان مخضرم على الأول لا على ما زعم هذا البعض وكذلك سماه ابن رشيق يعني أنه سماه مخضرما والمحدث من حدث بعد الطبقة الأولى من الإسلاميين ثم المحدثون طبقات بعضهم دون بعض في البراعة وأما أن حسان شاعر الأنصار فقال ابن رشيق كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيهم شاعر أتت القبائل تهنئهم ويصنعون الأطعمة وتقبل النساء يلعبن

стр. 10342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس ويتفاخر الرجال بذلك لأنه حماية لأعراضهم ويذب عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم وإشادة لذكرهم وكانوا لا يهنئون إلا بغلام وُلد أو شاعر نبغ وكان حسان شاعر الأنصار لهذا الوجه وأما أنه شاعر رسول الله ﷺ فقال ابن رشيق في باب من رفعه الشعر وممن رفعه الشعر من المخضرمين حسان بن ثابت فإنه لم تكن له في الجاهلية والإسلام إلا شعره وقد بلغ من رضا الله تعالى ما أوجب له الجنة وأما أنه شاعر العرب كلها في الإسلام فلولا أنه قيده بقوله في الإسلام لم يصح لأن امرأ القيس كندي وكندة يَمَنِيٌّ وهو أشعر منه لقوله ﷺ في امرئ القيس إنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار يعني شعراء الجاهلية قال دعبل الخزاعي ولا يقود قومًا إلا أميرهم وقال عمر حين سأله العباس عن الشعراء امرؤ القيس سائقهم وفي حديث آخر امرؤ القيس بيده لواء الشعراء قال من فضل الأعشى على امرئ القيس من هذا الحديث صح للأعشى ما قلت لأنهم لا يحملون اللواء إلا على رأس الأمير فامرؤ القيس حامل اللواء والأعشى الأمير وقد اختلف في أيّ الناس أشعر اختلافًا كثيرًا وتعصبت كل طائفة لمن فضلت ومن جملة ما قيل إن أشعر الناس في الجاهلية امرؤ القيس وفي الإسلام حسان وعلى هذا يصح ما ذكر اهـ من الأبي [٦/ ٣١٦ - ٣١٧]. ***

стр. 10343

٧١٥ - (٤) والسابع عشر منها باب فضائل أبي هريرة وقصة حاطب بن أبي بلتعة مع بيان فضله وفضل أهل بدر وفضائل أهل بيعة الرضوان ٦٢٤١ - (٢٤٧٦) (٣٢) حدَّثنا عَمْرو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا ــ ٧١٥ - (٤) والسابع عشر منها باب فضائل أبي هريرة وقصة حاطب بن أبي بلتعة مع بيان فضله وفضل أهل بدر وفضائل أهل بيعة الرضوان " أما أبو هريرة" فقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا انتهت أقوال النقلة في ذلك إلى ثمانية عشر قولًا وأشبه ما فيها أن يقال إنه كان له في الجاهلية اسمان عبد شمس وعبد عمرو وفي الإسلام عبد الله وعبد الرحمن بن صخر وقد اشتهر بكنيته حتى كأنه ما له اسم غيرها فهي أولى به وكُني بأبي هريرة لأنه وجد هرةً صغيرة فحملها في كمه فكني بها وغلب ذلك عليه وقيل إن رسول الله ﷺ كناه بذلك عندما رآه يحملها أسلم أبو هريرة عام خيبر وشهدها مع رسول الله ﷺ ثم لازمه وواظب عليه رغبة في العلم راضيًا بشبع بطنه فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيثما دار فكان يحضر ما لا يحضره غيره ثم اتفق له أن حصلت له بركة دعوة النبي ﷺ في الثوب الذي ضمه إلى صدره فكان يحفظ ما سمعه ولا ينساه فلا جرم أن حفظ له من الحديث عن رسول الله ما لم يحفظ لأحد من الصحابة ﵃ وذلك خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا [٥٣٧٤] قال البخاري روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صحابي وتابعي قال أبو عمر استعمله عمر على البحرين ثم عزله ثم أراده على العمل فأبى عليه ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته سنة سبع وخمسين (٥٧) وقيل ثمان وقيل سنة تسع وقيل توفي بالعقيق وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وكان أميرًا يومئذ على المدينة ومروان معزول وكان ﵁ من علماء الصحابة وفضلائها ناشرًا للعلم شديد التواضع والعبادة عارفًا لنعم الله تعالى شاكرًا لها مجتهدًا في العبادة كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويصلي هذا ثم يوقظ هذا وكان يقول نشأت يتيمًا وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدوا إذا ركبوا فزوجنيها الله تعالى فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا ثم استدل المؤلف على فضائل أبي هريرة بحديثه ﵁ فقال: ٦٢٤١ - (٢٤٧٦) (٣٢) (حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا

стр. 10344

عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيرَةَ قَال: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلى الإِسْلامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَكرَهُ. فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ ادْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ. فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ. فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ" فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّ جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ. فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، ــ عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي أبو حفص (اليمامي) ثقة من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا عكرمة بن عمّار) العجلي الحنفي أبو عمار (اليمامي) صدوق من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن) بن أُذينة العنبري السحيمي اليمامي ثقة من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (حدثني أبو هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (قال) أبو هريرة (كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام) قال ابن بشكوال اسمها أميمة بنت صبيح اهـ تنبيه المعلم (وهي مشركة) أي كافرة. (فدعوتها يومًا) إلى الإسلام (فأسمعتني في) شأن (رسول الله) ووصفه (ما أكره فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي) قال الأبي يحتمل بكاؤه لأنه سمع في رسول الله ﷺ كما أشار إليه أو لأن تلك الكلمة التي سمع منها آيسته من إيمانها اهـ منه فـ (قلت) له ﷺ (يا رسول الله إني كنت) دائمًا (أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى) من باب سعى أي فتمتنع (عليَّ) الإسلام (فدعوتها اليوم) إلى الإسلام (فأسمعتني فيك) أي في وصفك وشأنك (ما أكره) ولا أحبّ من الوصف الذي لا يليق بك (فادع الله) تعالى (أن يهدي أمَّ أبي هريرة) إلى الإسلام (فقال رسول الله ﷺ في نفس الوقت (اللهم اهد أم أبي هريرة) إلى الإسلام بالتوفيق لها (فخرجت) أنا من عند رسول الله ﷺ (مستبشرًا) مسرورًا (بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت) ورجعت ووصلت إلى البيت (فصرت) أي فكنت (إلى الباب) أي عند الباب (فإذا هو) أي الباب (مجاف) أي مغلق والفاء في قوله فإذا زائدة وإذا فجائية رابطة لجواب لما أي فلما جئت وكنت عند الباب فاجأني إجافة الباب وغلقه فقوله: "مجاف" اسم مفعول

стр. 10345

فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ. فَقَالتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ. قَال: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَت دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا. فَفَتَحَتِ الْبَابَ. ثُمَّ قَالتْ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَال: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَيتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ وَقَال خَيرًا. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ ــ من أجاف الرباعي من باب أقام يقيم يقال أجاف الباب إجافة إذا أغلقه وسكه بالغلق (فسمعت أمي خشف قدميَّ) بصيغة التثنية أي صوت وقعهما على الأرض (فقالت) لي من داخل البيت (مكانك) أي الزم مكانك (يا أبا هريرة) حتى أفتح الباب لك (وسمعت) أنا من داخل البيت (خضخضة الماء) أي صوت تحريك الماء وتروشه وإنما سمعه لأن أمَّه كانت تغتسل وفي الحديث إجابة دعوة رسول الله ﷺ لأمه (قال) أبو هريرة (فاغتسلت) أمي أي فرغت من غسلها (ولبست درعها) أي قميصها (وعجلت) أي استعجلت (عن) أخذ (خمارهما) ولبسه إلى الخروج إليّ من غير أن تغطي رأسها بالخمار (ففتحت الباب) عني (ثم قالت) لي (يا أبا هريرة) استمع لي كلمة الإسلام وأنا أريده فقالت (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) ﷺ (قال) أبو هريرة (فرجعت إلى رسول الله ﷺ إخبارًا له بالبشارة (فأتيته وأنا أبكي من) أجل (الفرح) والسرور بإسلام أمّي (قال) أبو هريرة فـ (قلت) له ﷺ (يا رسول الله أبشر) بإجابة دعوتك لأمي فإنه (قد استجاب) أي أجاب (الله) (دعوتك) لها بالهداية (وهدى) الله سبحانه بفضله وكرمه (أمَّ أبي هريرة) إلى الإسلام فأقرت الشهادتين (فحمد الله) سبحانه أي حمد رسول الله ﷺ ربه على إجابة دعوته بتنزيهه من النقائص (وأثنى) رسول الله ﷺ (عليه) تعالى بوصفه بالكمالات (وقال) رسول الله ﷺ وفقت أمك (خيرًا) عظيمًا يعني إسلامها أو قال كلامًا خيرًا أي حسنًا في الدعاء لها (قال) أبو هريرة فـ (ـقلت يا رسول الله ادع الله) لنا (أن يُحببني) الله تعالى (أنا وأمي إلى عباده

стр. 10346

الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَينَا. قَال: فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيدَكَ هَذَا -يَعْنِي أَبَا هُرَيرَةَ- وَأُمَّهُ إلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ. وَحَبِّبْ إِلَيهِمُ الْمُؤْمِنِينَ" فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلَا يَرَانِي، إلا أَحَبَّنِي. ٦٢٤٢ - (٢٤٧٧) (٣٣) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يُكْثِرُ ــ المؤمنين) أي أن يجعلنا محبوبين بين عباده المؤمنين (ويحببهم إلينا) أي وأن يجعلهم محبوبين عندنا أي عندي وعند أمي قال الأبي يحتمل أنه تلطف في سؤال الله تعالى لأن ذلك فرع محبة الله سبحانه إياه لحديث إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل في السماء الحديث إلخ (قال) أبو هريرة (فقال رسول الله ﷺ اللهم حبب عبيدك هذا) هذا التصغير ليس للتحقير بل هو أسلوب من أساليب المحبة كما يفعل الوالد مع أولاده بل تصغير شفقة (يعني) النبي ﷺ بقوله عبيدك (أبا هريرة) ﵁ وقوله (وأمّه) بالنصب معطوف على عبيدك أي اجعلهما محبوبين (إلى عبادك المؤمنين) أي عند عبادك (وحبب إليهم المومنين) أي وحبب المؤمنين عندهما والمراد بالجمع ما فوق الواحد يعني أبا هريرة وأمه أو يقال إن الجمع فيه لمشاكلة ما قبله قال أبو هريرة (فما خلق مؤمن) ولا مؤمنة (يسمع بي) أي بخبري إلا أحبني (ولا يراني) مؤمن ولا مؤمنة (إلا أحبّني) ببركة دعوة النبي ﷺ قال الأبي علمه بذلك ممن رآه دليله المشاهدة وأمّا من لم يره أو خلق بعده فمستنده في ذلك علمه بقبول دعوته ﷺ اهـ وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى ولكنه شاركه أحمد [٢/ ٣٢٠]. ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة هذا بحديث آخر له ﵁ فقال: ٦٢٤٢ - (٢٤٧٧) (٣٣) (حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن سفيان قال زهير حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن الأعرج قال سمعت أبا هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (يقول) أي أبو هريرة (إنكم) أبها الناس (تزعمون) أي تقولون (أن أبا هريرة يكثر

стр. 10347

الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَاللهُ الْمَوْعِدُ. كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا. أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلءِ بَطنِي. وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ ــ الحديث عن رسول الله ﷺ والله الموعد) أي الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصادق فيُجازي كلًّا على قوله وفعله إن شرًّا فشر وإن خيرًا فخير اهـ من المفهم قال الحافظ في الفتح [٥/ ٢٨] فيه حذف تقديره وعند الله الموعد لأن الوعد إما مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان وكل ذلك لا يخبر به عن الله تعالى ومراده أن الله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذبًا ويحاسب من ظنَّ بي السوء إن لم أكن كذلك وقال النووي الكلام على حذف مضاف من الأول والتقدير ولقاء الله ومجازاته موعود به فيجازي كلًّا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر وقال القاضي عياض معناه الله سبحانه يحاسبني إن تعمدت كذبًا وحسيب من يظن بي السوء. وقال القسطلاني: معناه يوم القيامة يظهر أنكم على الحق في الإنكار على أو أني عليه في الإكثار والجملة معترضة ولا بد في التركيب من تأويل لأن مفعلًا للمكان أو الزمان أو للمصدر ولا يصح هنا إطلاق شيء منها على الله لأنه ذات فلا بد من إضمار أو تجوّز يدل عليه المقام قاله البرماوي كالكرماني والجملة معترضة "قلت" في الكلام حذف من الأول وتأويل في الثاني والتقدير وحكم الله بين عباده أي فصله بين عباده المختلفين موعود به آت فلا تستعجلوه والجملة معترضة أتى بها لتأكيد الكلام والله أعلم. ولكنِّي (كنت) أنا (رجلًا مسكينًا) ليس له شاغل من الدنيا (أخدم رسول الله ﷺ بضم الدال من باب نصر (على ملء بطني) أي مع كف نفسي عن طلب المال الذي يشغلني عن ملازمته ﷺ والاقتناع بما حصل لي من القوت الضروري قال السنوسي معناه أي ألازمه ﷺ مقتنعًا بقوتي بلا طلب مال أدخره زيادة على ذلك بل إذا حصل لي القوت من وجه مباح اكتفيت به ولا أطلب زيادة عليه وليس المعنى أنه كان يخدم رسول الله ﷺ على طريق الإجارة أو كان طعامه أجرة خدمته والله أعلم اهـ منه بزيادة وتصرف (وكان المهاجرون) من أصحابه ﷺ (يشغلهم) عن ملازمته ﷺ (الصفق) أي العقود

стр. 10348

بِالأسوَاقِ. وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنسَى شَيئًا سَمِعَهُ مِني". فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ. ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِليَّ. فَمَا نَسِيتُ شَيئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ــ بالشراء والبيع (بالأسواق) أي في الأسواق والأسواق جمع سوق والسوق تذكر وتؤنث وسميت سوقًا لقيام الناس بها على سوقهم وقيل لسوق الناس إليها ما يُباع اهـ نووي "والصفق" بسكون الفاء مصدر لصفق من باب ضرب أصله ضرب اليد على اليد وجرت به عادتهم عند التبايع فكان التصفيق علامةً لتمام عقد البيع فاستعيرت الكلمة للعقد (وكانت الأنصار يشغلهم) عن ملازمة رسول الله ﷺ (القيام) بالأشغال العائدة (على) إصلاح (أموالهم) أي على بساتينهم ومزارعهم يعني به الزراعة والحصد والدياسة والغرس والتلقيح والقطف والتجفيف مثلًا وقد صرَّح به في رواية يونس الآتية "كان يشغلهم عمل أرضهم" (فقال رسول الله ﷺ يومًا من الأيام (من يبسط ثوبه) ويمد إلى أن أفرغ من مقالتي عليه ثم جمع أطراف ثوبه وجمعه إلى صدره فمن اسم شرط جازم جوابه (فلن ينسى شيئًا سمعه منِّي) بعد ذلك والفاء في قوله فلن ينسى رابطة الجواب بالشرط وجوبًا لاقترانه بلن قال أبو هريرة (فبسطت ثوبي حتى قضى) رسول الله ﷺ (حديثه) أي مقالته تلك (ثم) جمعت ثوبي فـ (ضممته إليَّ) أي إلى صدري (فما نسيت) بعد ذلك (شيئًا سمعته منه) ﷺ ببركة دعائه قال النووي في هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ في بسط ثوب أبي هريرة اهـ قوله "من يبسط ثوبه" ووقع في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري في البيوع وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدّثه "إنه لن يبسط أحدٌ ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعي ما أقول" قوله "فما نسيت شيئًا سمعته منه" وفي رواية شعيب المذكورة فبسطت نمرةً عليَّ حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ من شيء. وهذا يدل على أن بشارة رسول الله ﷺ كانت لخصوص تلك المقالة التي كان يقولها إذ ذاك .. وقد أخرج الترمذي رقم [٣٨٣٥] من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة وصححه قال قلت يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها قال

стр. 10349

٦٢٤٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مَعْنٌ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيرَ أَنَّ مَالِكًا انْتَهَى حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ" إِلَي آخِرِه ــ ابسط رداءك فبسطت فحدث حديثًا كثيرًا فما نسيت شيئًا حدثني به وهذا يدل على أن النبي ﷺ حدثه حينئذ بأحاديث كثيرة مختلفة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٣٨] والبخاري [٣٥٦٨] وأبو داود [٤٨٣٩] والترمذي [٣٦٣٩] ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ هذا فقال: ٦٢٤٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد) بن برمك البرمكي أبو محمد البصري سكن بغداد ثقة من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (أخبرنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني ثقة من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (عن مالك) بن أنس الأصبحي المدني ثقة من (٧) (ح وحدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي ثقة من (١١) (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (كلاهما) أي كل من مالك ومعمر رويا (عن الزهري) غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة مالك ومعمر لسفيان بن عيينة (عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁ كلاهما رويا (بهذا الحديث) السابق الذي رواه سفيان بن عيينة عن الزهري (غير أن مالكًا) ابن أنس (انتهى) أي تمّ (حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة) يعني قوله "وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم" "ولم يذكر" مالك (في حديثه) أي في روايته (الرواية) أي رواية أبي هريرة (عن النبي ﷺ لفظة (من يبسط ثوبه) أكمل (إلى آخره) أي إلى آخر ما رواه أبو هريرة يعني قوله "فما نسيت شيئًا سمعته منه". وما يقع هنا في أغلب النسخ الموجودة في زماننا متونًا وشروحًا من ذكر حديث عائشة بعد هذه المتابعة وقبل المتابعة الثانية الآتية بعد ذكر حديث عائشة بقوله قال ابن شهاب وقال ابن المسيب تحريف من النساخ بالتقديم والتأخير فالصواب ذكر المتابعات

стр. 10350

٦٢٤٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالت: أَلا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيرَةَ، جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي. يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . يُسْمِعُنِي ذلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ. - قَال ابْنُ شِهَابٍ: وَقَال ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: يَقُولُونَ: إِنَّ أبَا هُرَيرَةَ قَدْ أَكْثَرَ. وَاللهُ الْمَوْعِدُ. ويقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذلِكَ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ. وإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بَالأَسْوَاقِ ــ في حديث أبي هريرة على التوالي ثم ذكر حديث عائشة بعدها كما يدل على ما ذكرناه قوله في آخر المتابعة الثالثة "بنحو حديثهم" بالضمير العائد على سفيان ومالك ومعمر وعلى هذا الصواب الذي ذكرناه نقول: ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا تعليقًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٦٢٤٤ - (٠٠) (٠٠) (قال ابن شهاب) بالسند السابق (وقال) لنا سعيد (بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني (إن أبا هريرة قال) لنا غرضه بسوق هذا السند المعلّق بيان متابعة ابن المسيب لعبد الرحمن الأعرج في الرواية عن أبي هريرة الناس (يقولون) في شأني. (إن أبا هريرة قد أكثر) من رواية الحديث برواية ما لم يروه غيره من المهاجرين والأنصار (والله الموعد) أي وحكم الله من الفصل بين المتخاصمين حق موعود سيأتي يوم القيامة تقدم ما في هذه الجملة من البحث في الرواية الأولى (ويقولون) في الاعتراض عليَّ معطوف على القول الأول (ما بال المهاجرين والأنصار) وما شأنهم (لا يتحدثون) أي لا يحدّثون حديثًا كثيرًا (مثل أحاديثه) أي مثل أحاديث أبي هريرة (وسأحدثكم) أيها المعترضون على إكثار الحديث (عن) سبب (ذلك) أي عن سبب عدم إكثارهم الحديث وأقول لكم في بيان ذلك السبب (إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق) والعقود (بالأسواق) أي

стр. 10351

وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا: "أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيئًا سَمِعَهُ" فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذلِكَ الْيَوْمِ شَيئًا حَدَّثَنِي بِهِ. وَلَوْلا آيتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] إِلَى آخِرِ الآيَتَينِ ــ في الأسواق قال القرطبي والصفق بالأسواق التجارة فيها وقد تقدم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي فيصفق أحدهما في كف الآخر فإذا فعلوا ذلك وجب البيع فسمي البيع صفقًا بذلك اهـ من المفهم (وكنت ألزم) وأصحب (رسول الله ﷺ على ملء بطني) أي مع شبع بطني وكفها عن الشهوات (فأشهد) رسول الله ﷺ (إذا غابوا) أي غاب إخواني المذكورون عنه (وأحفظ) أحاديثه (إذا نسو) ها (و) أقسم لكم بالإله الذي لا إله غيره على أنه (لقد قال) لنا (رسول الله ﷺ يومًا) من الأيام (أيكم يبسط ثوبه فيأخد من حديثي هذا) يعني الذي قال على الثوب حين بُسط والمراد بأخذه قوله معه ﷺ مشافهة عندما قال (ثم يجمعه) أي يجمع ثوبه ويلفه ثم يضمه (إلى صدره فإنه) أي فإن ذلك الباسط ثوبه (لم ينس) بعد ذلك (شيئًا سمعه) من الأحاديث قال أبو هريرة (فبسطت) أنا (بردة) كانت (عليّ) في ذلك الوقت البردة كساء مخطط تلبسه الأعراب (حتى فرغ) رسول الله ﷺ (من حديثه) الذي قاله على البردة (ثم جمعتها) أي ثم جمعت البردة وضممتها (إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به) رسول الله ﷺ (ولولا) مخافة الكتمان الذي تضمنته (آيتان أنزلهما الله) تعالى (في كتابه) العزيز (ما حدثت شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا من الأحاديث (أبدًا) أي مدة حياتي خوفًا من تعيير الناس عليّ وسوء ظنهم بي بالكذب والافتراء على رسول الله ﷺ والآيتان هما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] إلى آخر الآيتين). "وقوله يقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه" قال القرطبي: هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة الآتي في حديثها ﵂ فإنها إنما أنكرت سرد الحديث وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا وهذا إنكار استبعاد

стр. 10352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتعجب لا إنكار تهمة ولا تكذيب لما يعلم من حفظه وعلمه وفضله ولما يعلم أيضًا من فضلهم ومعرفتهم بحاله ولذلك بين لهم الموجب لكثرة حديثه وبين أنه شيئان أحدهما أنه لازم النبي ﷺ ما لم يلازموا فحضر ما لم يحضروا. وثانيهما بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من بسط ثوبه وضمّه إلى صدره فكان ذلك سبب حفظه وعدم نسيانه فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله ﷺ وخصائص دعواته ما لم يحصل لغيره ثم إن أبا هريرة ﵁ لما حفظ علمًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ وتحقق أنه وجب عليه أن يبلغه غيره وقد وجد من يقبل عنه ومن له رغبة في ذلك تفرغ لذلك مخافة الفوت ومعالجة القواطع أو الموت ثم إنه لما المه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبه عليها في القرآن ولذلك قال لولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثًا ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآيتين اهـ من المفهم. قوله "وأحفظ إذا نسوا" وقد شهدوا له بذلك فقد روى البيهقي في مدخله من طريق أشعث عن مولى لطلحة قال كان أبو هريرة جالسًا فمرّ رجل بطلحة فقال له لقد أكثر أبو هريرة فقال طلحة قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ ونسينا ذكره الحافظ في الفتح [٨/ ٧٧] وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي في المدخل من حديث محمد بن عمارة بن حزم أنه قعد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلًا فجعل أبو هريرة يحدّثهم عن رسول الله ﷺ بالحديث فلا يعرفه بعضهم فيراجعون فيه حتى يعرفوه ثم يحدثهم بالحديث كذلك حتى فعل مرارًا فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس ذكره الحافظ في الفتح [١/ ٢١٤]. وأخرج الحاكم في المستدرك [٣/ ٥١٠] بسند صحيح أقرّه الذهبي عن أبيّ بن كعب ﵁ أنه قال كان أبو هريرة جريًّا على النبي ﷺ يسأله عن أشياء لا نسأله عنها وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده [٥/ ١٣٩] وأخرج الحاكم أيضًا عن حذيفة ﵁ قال: قال رجل لابن عمر إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن عمر أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به ولكنّه اجترأ وجبنَّا اهـ. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:

стр. 10353

٦٢٤٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيب، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِنَحْو حَدِيثِهِمْ. ٦٢٤٦ - (٢٤٧٨) (٣٤) حَدَّثَنَي حرملة بن يحي التجيبي أخبرنا ابن وهب أَخْبَرَنِي يونس عن ابْنُ شهاب أن عروة بن الزبير حدّثه أن عائشة قَالتْ: ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : يُسمعني ذلك ــ ٦٢٤٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) السمرقندي (أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي ثقة من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (عن شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي الحمصي ثقة من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة شعيب بن أبي حمزة لسفيان بن عيينة ومالك ومعمر (قال) أبو هريرة (إنكم تقولون) أيها الناس (إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ وساق شعيب بن أبي حمزة (بنحو حديثهم) أي بنحو حديث سفيان ومالك ومعمر والله أعلم. ثم استشهد المؤلف وقيل استطرد لحديث أبي هريرة أعني حديثه الأخير بحديث عائشة ﵂ فقال: ٦٢٤٦ - (٢٤٧٨) (٣٤) (وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي) المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدَّثه أن عائشة) ﵂ وهذا السند من سداسياته (قالت ألا يعجبك) بضم الياء وكسر الجيم من الإعجاب (أبو هريرة) فاعل وقوله (جاء) حال من (أبو هريرة) بتقدير قد وقوله (فجلس) في المسجد (إلى جنب حجرتي) معطوف على جاء وقوله: (يحدث عن رسول الله ﷺ حال من فاعل جلس وقوله (يُسمعني ذلك) التحديث بضم الياء وكسر الميم حال من فاعل يحدث فهي أحوال متداخلة والمعنى على هذه الرواية ألا يريك يا بن أختي أبو هريرة من شأنه العجب حالة

стр. 10354

وكنت أسبّح فقام قبل أن أقضي سبحتي ولو أدركته لرددت عليه إنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم ــ كونه قد جاء المسجد فجلس فيه عند جانب حجرتي حالة كونه يحدث عن النبي ﷺ حالة كونه يسمعني ذلك الحديث (و) الحال أني قد (كنت أسبّح) أي أصلي السبحة وهي النافلة قيل المراد منها هنا صلاة الضحى سميت سبحة لاشتمالها على التسبيح أو المعنى أذكر الله تعالى والأول أوجه كما في فتح الباري وفي رواية "ألا نعجبك" بضم النون وفتح العين وكسر الجيم المشددة من التعجيب قال القاضي عياض كذا ضبطناه والمعنى ألا نسمعك العجب من شأن أبي هريرة وقوله: "أبو هريرة" على هذه الرواية مبتدأ وجملة "جاء فجلس" خبره قال القاضي وهذه الرواية أصحّ من الأولى لأنها أوفق للقياس وفي رواية للبخاري "ألا أعجبك" ووقع في رواية للبخاري "ألا يعجبك أبو فلان" من غير تصريح باسم أبي هريرة قالت عائشة (فقام) أبو هريرة من مجلسه بعدما حدّث للناس (قبل أن أقضي) وأكمل (سبحتي) أي نافلتي وأفرغ عنها (ولو أدركته) أي أدركت أبا هريرة قبل أن يقوم بالفراغ من صلاتي (لرددت) أي لأنكرت (عليه) سرده الحديث وإسراعه في روايته وإكثاره الحديث على الناس في مجلس واحد فـ (إنّ رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث) أي يكثر الحديث على الناس ويتابعه وشرع فيه (كسردكم) هذا أي لا يفعل في الحديث كفعلكم هذا من الإكثار على الناس والإسراع فيه والمتابعة بين الأحاديث في مجلس واحد والمعنى لا يتابع الحديث استعجالًا بعضه إثر بعض لئلا يلتبس على المستمع قال في المصباح يقال سردت الحديث سردًا من باب قتل أتيت به على الولاء وقيل لأعرابي أتعرف الأشهر الحرم فقال ثلاثة سرد وواحد فرد اهـ منه. وقولها "ألا يعجبك أبو هريرة" إلخ قالته إنكارًا عليه الإكثار من الحديث في المجلس ولذا قالت إنما كان يحدث حديثًا لو عدّه العاد أحصاه أي يحدث حديثًا قليلًا قوله: "ولو أدركته لرددت عليه" أي لأنكرت عليه وبينت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد فيه قال الأبي وهذا اعتذار على عدم المبادرة في التغيير لأن تغيير ما ينكر على الفور ولكن منعها أنها كانت في صلاة اهـ منه قولها "لم يكن يسرد الحديث كسردكم" قال الأبي وقد يقال إنه لا يستقيم حجة على أبي هريرة لأن تحديثه ﷺ بحسب النوازل والوقائع وتحديث أبي هريرة كان للرواة والطلبة للعلم وهو مناسب للإكثار والمرجع في ذلك لصورة السرد التي أنكرت اهـ منه.

стр. 10355

فضائل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ ٦٢٤٧ - (٢٤٧٩) (٣٥) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- (قَال إِسْحَاقُ: أَخبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، ــ وزاد الإسماعيلي من رواية ابن المبارك عن يونس "إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلًا فهمًا تفهمه القلوب" ذكره الحافظ في الفتح [٦/ ٦٧٨] وهذا يدل على أن عائشة ﵂ لم تنكر على مطلق رواية الحديث إنما أنكرت على الاستعجال في قراءته أو سرده لأنه لا يفهم إلا بالتأني وعلى جمع الأحاديث الكثيرة في وقت واحد لأنّها لا تحفظ بهذا الطريق عادة واعتذر الحافظ لأبي هريرة بأنه كان واسع الرواية كثير المحفوظات فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث كما قال بعض البلغاء أريد أن أقتصر فتزاحم القوافي على فيَّ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١١٨] والبخاري في المناقب باب صفة النبي ﷺ [٣٥٦٨] وأبو داود في العلم باب في سرد الحديث [٣٦٥٥] والترمذي في المناقب باب في كلام النبي ﷺ [٣٦٣٩]. فضائل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ واسمه عمرو بن راشد من ولد لخم بن عدي يكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد وهو حليف للزبير بن العوام وقيل لبني أسد وقيل كان عبدًا لعبيد الله بن حميد كاتبه فأدى كتابته شهد بدرًا والحديبية مات سنة (٣٠) ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة وصلّى عليه عثمان بن عفان وقد شهد الله تعالى له بالإيمان في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقد شهد له ﵁ بالإيمان والصدق وبأنه لا يدخل النار اهـ مفهم. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة وهو فضائل حاطب وأهل بدر بحديث علي ﵁ فقال: ٦٢٤٧ - (٢٤٧٩) (٣٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (واللفظ) الآتي (لعمرو) الناقد (قال إسحاق أخبرنا وقال الآخرون حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن

стр. 10356

عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ. قَال: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ وَهُوَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيرَ وَالْمِقْدَادَ. فَقَال: "ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، ــ دينار الجمحي المكي (عن الحسن بن محمد) بن علي بن أبي طالب الهاشمي ابن ابن الحنفية أبي محمد المدني ثقة فقيه من (٣) روى عنه في (٤) أبواب وهو أول من تكلم بالإرجاء قال ابن حجر الإرجاء الذي تكلّم فيه لا يتعلق بالإيمان فيكون مما يعيبه أهل السنة وإنما معناه أنه كان يرى عدم القطع بالخطأ أو الصواب على إحدى الطائفتين المقتتلتين علي ومعاوية فلا يلحق بذلك عيب وقدح قال (أخبرني عبيد الله بن أبي رافع) إبراهيم القبطي مولى رسول الله ﷺ (وهو) أي عبيد الله (كاتب علي) بن أبي طالب ﵁ المدني ثقة من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (قال) عبيد الله (سمعت عليًّا) ابن أبي طالب ﵁ وهذا السند من سداسياته أي سمعت عليًّا (وهو يقول) أي والحال أنّه يقول (بعثنا) معاشر الثلاثة (رسول الله ﷺ أنا والزبير) بن العوام (والمقداد) بن الأسود إلى جهة مكة (فقال) لنا (ائتوا روضة خاخ) أي امشوا إلى روضة خاخ أي إلى مكان يسمى بها وهو موضع بين مكة والمدينة قريب إلى المدينة وهي بخاءين معجمتين وهو الصواب الذي قاله العلماء كافة من جميع الطوائف وفي جميع الروايات والكتب إلا في رواية أبي عوانة للبخاري فقد وقع فيه روضة حاج بالحاء المهملة والجيم وقد اتفق العلماء على أنها غلط من أبي عوانة وقد اشتبه عليه روضة خاخ بموضع آخر اسمه ذات حاج وهو موضع بين المدينة والشام (فإن بها) أي إن في روضة خاخ (ظعينة) أي امرأة مسافرة في الهودج وأصله من الظعن بمعنى السير والسفر ثم أطلق لفظ الظعينة على الهودج وعلى المرأة ما دامت في الهودج كما في القاموس والهودج مركب من مراكب النساء يقبب ويمكن فيه الرقود وذكر النووي أن اسم هذه الظعينة سارة مولاة لعمران بن أبي صيفي -وقال الخطيب هي أم سارة مولاة لابن أبي صيفي القرشي ووقع في الفتح [١٢/ ٣٠٧] هي مولاة أبي صيفي بن عمرو بن هاشم وفي الإصابة [٤/ ٣٢٣] مولاة عمرو بن هاشم اهـ وقيل اسمها كتود مولاة لقريش اهـ دهني قال القرطبي وتجمع الظعينة على ظعن بسكون العين وضمها مع ضم الظاء فيهما وعلى ظعائن وأظعان اهـ (معها) أي مع تلك الظعينة (كتابٌ) أي رسالة إلى أهل مكة

стр. 10357

فَخُذُوهُ مِنْهَا" فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيلُنَا، فَإذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ. فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. فَقَالتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيِنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَينَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ ــ (فخذوه) أي فخذوا ذلك الكتاب (منها) أي من تلك المرأة قال النووي فيه هتك أستار الجواسيس بقراءة كتبهم سواء كان رجلًا أو امرأة وفيه هتك ستر المفسدة إذا كان فيه مصلحة وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر اهـ (فانطلقنا) أي ذهبنا معاشر الثلاثة من المدينة إلى روضة خاخ حالة كوننا (تعادى) أي تجري وتعدو (بنا خيلنا) وتسرع بنا في سيرها وقوله "تعادى" بحذف إحدى التاءين أصله تتعادى مضارع تعادى الخماسي نظير ترامى ثلاثيّه عدا من باب دعا من العدو وهو الجري والسير السريع فوصلنا إلى روضة خاخ (فإذا نحن) راؤون (بالمرأة) الظعينة والفاء في قوله "فإذا" عاطفة على محذوف كما قدرناه في الحل وإذا فجائية والتقدير فوصلنا إلى روضة خاخ ففاجأنا رؤية الظعينة (فقلنا) لها (أخرجي) إلينا (الكتاب) المحمول معك (فقالت ما معي كتاب فقلنا) لها والله إمَّا (لتخرجنَّ الكتاب) الذي معك (أو لتلقين) أي أو لترمين (الثياب) التي عليك لنفتش الكتاب فيها وفي بعض روايات البخاري "أو لنلقين الثياب" بالنون على صيغة المتكلمين وفي رواية عنده في الجهاد [٣٥٨١] "لتخرجن أو لأُجردنك" وهو أوضح (فأخرجته) أي أخرجت الكتاب (من عقاصها) أي من شعرها المضفور جمع عقيصة وفي المفهم والعقاص بكسر أوله الشعر المعقوص أي المضفور أو الخيط الذي يعتقص به أطراف الذوائب والملصق في القوم وهو الذي لا نسب له فيهم وهو الحليف والنزيل والدخيل قال عليّ بن أبي طالب (فأتينا به) أي بالكتاب (رسول الله ﷺ فإذا فيه) أي في ذلك الكتاب والرسالة هذه رسالة أرسلت (من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة) صفة ثانية لناس أو بدل من الجار والمجرور قبله وكان حاطب رجلًا من أهل اليمن فحالف الزبير بن العوام ﵁ وأقام مع قريش وكان من فرسانهم وشعرائهم وقد شهد بدرًا والحديبية وبعث معه النبي ﷺ كتابًا إلى مقوقس مصر مات سنة ثلاثين أيام خلافة عثمان وله خمس وستون سنة كذا في الإصابة [١/ ٢٩٩ و ٣٠٠] كما مرّ آنفًا حالة كون حاطب (يخبرهم) أي يخبر

стр. 10358

بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ " قَال: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيشٍ (قَال سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا) وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ، إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، ــ لمشركي مكة (ببعض أمر رسول الله ﷺ وشؤونه من الاستعداد لهم فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا (فقال) له (رسول الله ﷺ يا حاطب ما هذا الكتاب) الذي كتبته إلى المشركين من أسرارنا (قال) حاطب (لا تعجل عليَّ) أي لا تستعجل عليَّ بالمؤاخذة (يا رسول الله) حتى أبين لك عن سبب هذا الكتاب وذلك (إني كنت امرأً ملصقًا في قريش) قال القرطبي والملصق في القوم هو الذي لا نسب له فيهم وهو الحليف والدخيل كما فسره سفيان بن عيينة على سبيل الإدراج فيما ذكره المؤلف بقوله (قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق يعني حاطب بقوله كنت امرأ ملصقًا في قريش (كان حليفًا لهم) أي لقريش أي معاقدًا معه عقد الحلف والمناصرة والموارثة (ولم يكن) حاطب (من أنفسها) أي من أنفس قريش ونسبها يعني لم أكن من قريش نسبًا وإنما نسبت إليهم بحكم حلافتي مع بعضهم وكان حليفًا للزبير كما مر آنفًا (وكان ممن كان معك) أي لمن كان معك (من المهاجرين) وقوله (لهم) توكيد لفظي لقوله "ممن كان معك" على كون من بمعنى اللام قوله "وكان ممن معك" قال القرطبي كذا وقع هذا اللفظ "ممن" بزيادة من وفي بعض النسخ "وكان من معك" باسقاط من الجارة وهو الصواب لأن من لا تزاد في الواجب عند البصريين وأكثر أهل اللسان وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين والمعنى وكان من معك من المهاجرين لهم (قرابات) أي مع أهل مكة (يحمون) أي يحمي ويحفظ أهل مكة (بها) أي بسبب تلك القرابة (أهليهم) أي أهل من معك من المهاجرين (فأحببت) أنا أي وددت أنا (إذْ فاتني ذلك) أي قرابة يحمون بها أهلي (من النسب) العريق (فيهم أن أتخذ) وأكتسب (فيهم) أي عندهم أي عند أهل مكة من المشركين (يدًا) أي نعمةً ومنةً (يحمون بها) أي بتلك اليد (قرابتي) أي أهل قرابتي الذين بقوا في مكة (ولم أفعله) أي ولم أفعل ذلك الكتاب ولم أكتبه (كفرًا)

стр. 10359

وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ" فَقَال عُمَرُ: دَعْنِي، يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْربُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ــ أي جحدًا وإنكارًا لحقية دين الإسلام (ولا ارتدادًا) أي رجوعًا إلى الشرك (عن ديني) دين التوحيد الحنيفي (ولا رضًا) أي حبًّا (بالكفر) والشرك (بعد) دخولي في (الإسلام) الملة الحنيفية (فقال النبي ﷺ صدق) هذا الرجل أي أخبر لنا خبرًا صادقًا لا شك ولا نفاق فيه. وروى ابن شاهين والبارودي والطبراني من طريق الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة وقال حاطبٌ رجل من أهل اليمن وكان حليفًا للزبير وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وقد شهد بدرًا وكان بنوه وإخوته بمكة فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه إلخ وروى قصته ابن مردويه من حديث ابن عباس فذكر معنى حديث علي وفيه فقال: يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت فقال يا رسول الله كان أهلي فيهم فكتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله ذكره الحافظ في الإصابة (فقال عمر) بن الخطاب ﵁ (دعني) أي اتركني (يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق) وأقتله بالجزم على جواب الطلب قال الحافظ في الفتح [٨/ ٦٣٤] إنما قال ذلك عمر مع تصديق رسول الله ﷺ لحاطب فيما اعتذر به لما كان عن عمر من القوة في الدين وبغض من ينسب إلى النفاق وظنّ أن من خالف ما أمره به رسول الله ﷺ استحق القتل لكنه لم يجزم بذلك فلذلك استأذن في قتله وأطلق عليه منافقًا لكونه أبطن خلاف ما أظهر وعذرُ حاطب ما ذكره فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه اهـ. وعبارة القرطبي هنا وإنما ألق عليه عمر اسم النفاق لأن ما صدر منه يشبه فعل المنافقين لأنه والى كفار قريش وباطنهم وهمّ بأن يطلعهم على ما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم مع أن رسول الله ﷺ قد كان دعا فقال اللهم أخف أخبارنا عن قريش لكنّ حاطبًا لم ينافق في قلبه ولا ارتدّ عن دينه وإنما تأول فيما فعل من ذلك أن اطّلاع قريش على بعض أمر النبي ﷺ لا يضرّ رسول الله ﷺ ويخوف قريشًا ويحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ وأنهم لا طاقة لهم به يخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة ويفروا منها وحسن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله وولده إذ هم قطعة من كبده.

стр. 10360

فَقَال: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" ــ ولقد أبلغ من قال: قلما يفلح من كان له عيال لكن لطف الله به ونجاه لما علم من صحة إيمانه وصدقه وغفر له بسابقة بدر وسبقه اهـ من المفهم. (فقال) رسول الله ﷺ لعمر (إنه) أي إن حاطبًا ليس بمنافق فإنه (قد شهد بدرًا) أي وقعتها (وما يدريك لعلَّ الله) ولعل هنا بمعنى أن فتكون للتحقق لا للترجي لما قال العلماء إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للتحقق ويشهد لذلك ما وقع عند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم ولفظه "إن الله اطلع على أهل بدر إلخ" وما وقع في رواية الباب من الترجي فإنه في معنى الجزم أيضًا ذكره الحافظ في الفتح [٧/ ٣٠٥] والمعنى وما يدريك ويعلمك يا عمر أن الله (اطلع على أهل بدرٍ فقال) لهم (اعملوا) في المستقبل (ما شئتم) من الذنوب غير الشرك (فقد غفرت لكم) ما سيقع منكم بلا استغفار فإنه إذا وقع يقع مغفورًا لا يكتب عليهم وهذا الذي ذكرنا معنى ظاهر هذا الحديث لكن استشكله العلماء بأن ظاهره إباحة الذنوب لهم وليس مرادًا بالإجماع فحمله أبو الفرج ابن الجوزي وغيره على الماضي وذكر أن المراد أن الله تعالى قد غفر لهم جميع ذنوبهم السابقة ولكن هذا الجواب فيه تكلف ظاهر فإن صيغة الأمر لا يمكن حملها على الماضي لأنها لا تستعمل إلا للمستقبل وأحسن ما فسّر به الحديث ما ذكره الحافظ عن القرطبي قال وقد ظهر لي وجه آخر وأنا أستخير الله فيه وهو أن الخطاب في قوله "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" خطاب إكرام وتشريف تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم الماضية وتأهلوا لأن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة إن وقعت منهم لا أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع بأن وفقوا التوبة إذا وقعت لا أنها تغفر بلا توبة ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك الشيء إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها وكذلك القضاء وغيره من المناصب وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب وقد أظهر الله صدق رسوله في كل ما أخبر به فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا ولو قدر صدور شيء من الذنوب من أحدهم لبادر

стр. 10361

فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وَلَيسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكرٍ وَزُهَيرٍ ذِكْرُ الآيَةِ. وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ، فِي رِوَايَتِهِ، مِنْ تِلاوَةِ سُفْيَانَ ــ بالتوبة ولازم الطريق المستقيم والحاصل أن قوله اعملوا ما شئتم بشارة بكونهم موفقين في المستقبل بالأعمال الصالحة وبأنه لا يصدر من أحدهم ذنب إلا وسوف يوفق للمبادرة إلى التوبة فيغفر له ذلك وليس المراد أنهم قد أبيح لهم ارتكاب المعاصي كما هو ظاهر خطاب الحديث ثم المغفرة الموعودة لهم في الحديث متعلقة باحكام الآخرة ولا تنافي أن يستحق أحدهم الحد أو التعزير إذا اقترف ما يوجبه وقد وقع ذلك فعلًا حيث ضرب رسول الله ﷺ مسطح بن أثاثة وكان بدريًا نبَّه عليه النووي. (فأنزل الله في قصة حاطب (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾) [الممتحنة: ١]، فشهد الله لحاطب بهذه الآية بالإيمان كما مر في ترجمته (وليس في حديث أبي بكر وزهير ذكر) هذه (الآية وجعلها) أي جعل هذه الآية (إسحاق في روايته من تلاوة سفيان) بن عيينة لا من نفس الحديث بل مدرجة من سفيان كأن قال إسحاق في روايته "قال سفيان فأنزل الله " إلخ وفي حديث حاطب هذا أبواب من الفقه وأدلة على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وعلى فضائل أهل بدر وحاطب بن أبي بلتعة فمن جملة ما فيه من الفقه أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا وأن المتأول أعذر من العامد وقبول عذر الصادق وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضرورة ففي بعض رواياته أنهم فتشوا من المرأة كل شيء حتى قبلها ومنه ما يدل على أن الجاسوس حكمه بحسب ما يجتهد فيه الإمام على ما يقول مالك وقال الأوزاعي يعاقب وينفى إلى غير أرضه وقال أصحاب الرأي يعاقب ويسجن وقال الشافعي إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عفي عنه وإلا عزّر اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٧٩] والبخاري في مواضع كثيرة منها في الجهاد باب الجاسوس [٣٠٠٧] وأبو داود في الجهاد باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا [٢٦٥٠ و ٢٦٥١] والترمذي في التفسير باب ومن سورة الممتحنة [٣٣٠٢] ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث علي ﵁ فقال:

стр. 10362

٦٢٤٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيثَمِ الْوَاسِطِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللهِ)، كُلُّهُمْ عَنْ حُصَينٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ. قَال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَويَّ وَالزُّبَيرَ بْنَ ــ ٦٢٤٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي صدوق من (٩) روى عنه في (٢٠) بابا (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي ثقة من (٨) روى عنه (١٧) بابا (ح وحدثنا رفاعة بن الهيثم) بن الحكم أبو سعيد (الواسطي) مقبول من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا خالد يعني ابن عبد الله) بن عبد الرحمن المزني أبو الهيثم الواسطي الطحان ثقة من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (كلهم) أي كل من ابن فضيل وابن إدريس والطحان رووا (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي ثقة من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن سعد بن عبيدة) مصغرًا السلمي أبي حمزة الكوفي زوج بنت أبي عبد الرحمن السلمي ثقة من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن) عبد الله بن حبيب بن ربيعة بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة (أبي عبد الرحمن السلمي) المقرئ الكوفي مشهور بكنيته ثقة ثبت من (٢) الثانية روى عنه في (٦) أبواب (عن علي) بن أبي طالب ﵁ وهذه الأسانيد من سداسياته غرضه بسوقها بيان متابعة أبي عبد الرحمن السلمي لعبيد الله بن أبي رافع. (قال) علي بن أبي طالب (بعثني رسول الله ﷺ أنا (وأبا مرثد) بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة (الغنوي) بفتح المعجمة البدري كنّاز بن الحصين بن يربوع الشامي الصحابي المشهور بكنيته شهد بدرًا ﵁ حليف حمزة بن عبد المطلب وتربه مات سنة (١٢) اثنتي عشرة من الهجرة وابنه مرثد بن أبي مرثد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ واستشهد في حياة رسول الله ﷺ يوم الرجيع روى عن أبي مرثد واثلة بن الأسقع في الجنائز كما مر وله ذكر في قصة حاطب بن أبي بلتعة في الفضائل ويروي عنه (م د ت س) وله فرد حديث عندهم عن واثلة بن الأسقع وليس من الرواة من اسمه كناز إلا هذا الصحابي المشهور بالكنية (والزبير بن

стр. 10363

الْعَوَّامِ. وَكُلُّنَا فَارِسٌ. فَقَال: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتوا رَوْضَةَ خَاخٍ. فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةَ مِنَ الْمُشرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشرِكِينَ"، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ. ٦٢٤٩ - (٢٤٨٠) (٣٦) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيث. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَشكُو حَاطِبًا. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ ــ العوام) ومر في الرواية السابقة ذكر المقداد بدل أبي مرثد ولا تعارض لأن كلًّا من الراويين قد ذكر من لم يذكره الآخر فكان جملة المبعوثين أربعة عليًّا والزبير والمقداد وأبا مرثد (وكلُّنا) أي وكل من الأربعة المبعوثين (فارس) أي راكب فرس وعارف ركضة الفرس (فقال) لنا رسول الله ﷺ (انطلقوا) إلى جهة مكة واذهبوا إليها (حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأةً من) الكفار (المشركين معها كتاب) أي رسالة أرسلت (من حاطب) بن أبي بلتعة (إلى) كبار (المشركين) من أهل مكة (فذكر) أبو عبد الرحمن السلمي (نحو حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي) بن أبي طالب ﵁. ثم استشهد المؤلف لحديث علي بحديث جابر ﵁ فقال. ٦٢٤٩ - (٢٤٨٠) (٣٦) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد المصري (ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري (أخبرنا الليث) بن سعد (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي (عن جابر) بن عبد الله ﵄ وهذان السندان من رباعياته (أن عبدًا لحاطب) بن أبي بلتعة اسمه سعد قاله ابن بشكوال وكذا قاله ابن سيد الناس في حاشيته على الاستيعاب وقال ابن حجر في الفتح [٨/ ٤٦] رقم [٤٣٢٨] لم أقف على اسمه ولم يعينه أحد من الشراح اهـ تنبيه المعلم (جاء رسول الله ﷺ حالة كونه (يشكو حاطبًا) أي إذاية حاطب له (فقال) العبد (يا رسول الله) والله (ليدخلنّ حاطبٌ النارَ) أي العذاب لأنه آذاني وظلمني (فقال رسول الله ﷺ للعبد (كذبت) يا عبد (لا يدخلها) أي لا يدخل حاطب النار (فإنه)

стр. 10364

شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيبِيَةَ". ٦٢٥٠ - (٢٤٨١) (٣٧) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَال: قَال ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِي ﷺ يَقُولُ، عِنْدَ حَفْصَةَ: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَحَدٌ. الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا" ــ أي فإن حاطبًا (شهد بدرًا و) بيعة (الحديبية) "وما يدريك أن الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٢٥] والترمذي في المناقب باب في من سبّ أصحاب رسول الله ﷺ [٣٨٦٤]. وقال النووي "قوله كذبت لا يدخلها" إلخ فيه فضيلة أهل بدر والحديبية وفضيلة حاطب لكونه منهم وفيه أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه عمدًا كان أو سهوًا سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل وخصته المعتزلة بالعمد وهذا يرد عليهم اهـ نووي. ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جابر بن عبد الله ﵄ وهو فضائل أصحاب الحديبية ﵃ فقال: ٦٢٥٠ - (٢٤٨١) (٣٧) (حدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى البزّاز الحمّال ثقة من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا حجاج بن محمد) الأعور المصيصي أبو محمد البغدادي ثقة من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (قال) حجاج (قال) لنا (ابن جريج) ثقة من (٦) (أخبرني أبو الزبير) المكي الأسدي مولاهم (أنه سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ (يقول أخبرتني أم مبشر) الأنصارية امرأة زيد بن حارثة كنيتها اسمها ﵂ وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابية (أنها) أي أن أمَّ مبشر (سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة) بنت عمر أم المؤمنين ﵄ (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب) بيعة (الشجرة أحدٌ) وهم (الذين بايعوا) رسول الله ﷺ على أن لا يفرّوا (تحتها) أي تحت شجرة الحديبية وقوله إن شاء الله للتبرك لا للشك لأنه استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بمحصوله بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:

стр. 10365

قَالتْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ. فَانْتَهَرَهَا. فَقَالتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. فَقَال النَّبِي ﷺ : قَدْ قَال اللهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢] ــ ١٨]، وبغير ذلك وصار هذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقوله: "من أصحاب الشجرة أحد" هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وكانت بالحديبية والمبايعون تحتها كانوا ألفًا وأربعمائة وقيل وخمسمائة كانوا بايعوا رسول الله ﷺ على الموت أو على أن لا يفروا على خلاف بين الرواة ثم إن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة وكفى الله المؤمنين القتال وأحرز لهم الثواب وأثابهم فتحًا قريبًا ورضوانًا عظيمًا (قالت) حفصة (بلى) أي ليس الأمر كما قلت (يا رسول الله) بل يدخلونها وقولها بلى قول أخرجه منها الشهامة النفسية والقوة العمرية فإنه كانت بنت أبيها وهذا من نحو قول عمر ﵁ للنبي ﷺ في المنافقين أتصلي عليهم (فانتهرها) رسول الله ﷺ أي زجرها عن معارضتها عليه كلامًا زجرًا شديدًا وانتهار النبي ﷺ لها تأديب لها وزجر لها عن بادرة المعارضة وترك الحرمة ولمَّا حصل الإنكار عليها صرّحت بالاعتذار (فقالت حفصة) ألم يقل الله سبحانه في كتابه المجيد ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وحاصل ما فهمت من الآية أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله ﷺ لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. وكأنها رجحت عموم القرآن فتمسكت به فأجابها النبي ﷺ بأن آخر الآية يبين المقصود. (فقال النبي ﷺ قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢]، أصله جثويًا مصدر جثا يجثو جثويًا وقع حالًا من الظالمين أي جاثين على الركب من هول ذلك الوقت أو من ضيق المكان اهـ من المبارق. قال القرطبي وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول لكنه دخول عبور فينجو من اتقى ويترك فيها من ظلم وبيان ذلك أن جهنم أعاذنا الله منها محيطة بأرض المحشر
следующие страницы →