عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَن النَّبِيّ ﷺ قَال: "إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ .. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا"
ــ
والوضوء والصلاة في خمسة مواضع والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في أربعة مواضع والنكاح في موضعين والعتق والفتن والذبائح واللباس والفضائل فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا.
(عن نافع) مولى عبد الله بن عمر بن الخَطَّاب القُرشيّ العدوي مولاهم أبي عبد الله المدنِيُّ يقال إنه كان من أبرشهر ويقال إنه كان من أهل المغرب أصابه ابن عمر في بعض غزواته، روى عن مولاه ابن عمر وأبي هريرة وأبي لبابة بن عبد المنذر وأبي سعيد الخُدرِيّ ورافع بن خديج وعائشة وزيد بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمَّد وخلق ويروي عنه (ع) وعبيد الله بن عمر ومالك وموسى بن عقبة والليث وأبو بكر بن نافع وأيوب والحكم بن عتيبة وزيد بن محمَّد وجرير بن حازم ويحيى بن سعيد الأَنْصَارِيّ وخلائق، قال البُخَارِيّ: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر وثقه العجلي والنَّسائيّ وابن خراش، وقال في التقريب: ثِقَة ثبت فقيه مشهور من الثالثة مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع والجنائز في خمسة مواضع والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في ثلاثة مواضع والنكاح والطلاق والبيوع في أربعة مواضع والأطعمة واللباس وفي ذكر الجن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخَطَّاب القُرشيّ العدوي أبي عبد الرَّحْمَن المكيّ وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (أن النَّبِيّ ﷺ قال: إذا كفر الرَّجل) منكم ونسب (أخاه) المسلم إلى الكفر بصيغة الخبر كقوله له أَنْتَ كافر أو بصيغة النداء كقوله له يَا كافر أو اعتقد الكفر فيه كاعتقاد الخوارج تكفير المُؤْمنين بالذنوب وليس من ذلك تكفيرنا أهل الأهواء والبدع على أحد قولين (فقد باء) أي رجع واتصف (بها) أي بخصلة الكفر ومعصيته (أحدهما) أي أحد القائل والمقول له إن كان المقول له كافرًا فذاك وإن كان مؤمنًا فقد رجعت خصلة الكفر على القائل كما تبينه الرواية الآتية والمراد بتكفيره نسبته إلى الكفر قولًا أو اعتقادًا كما في الأبي.
стр. 1052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الأبي (فإن قلت) إذا لم يكن المقول له كذلك فغاية القائل أنَّه ساب أو كاذب أو شاتم ولا شيء من ذلك بكفرٍ عندكم فالحديث حجة للمكفر بالذنوب (قلت) أولها الإِمام بحمله على مستحل قول ذلك أو يجعل الضمير في (بها) عائدًا على السيئة المفهومة من السياق أي فقد باء بالسيئة أحدهما قال القاضي أو يجعل عائدًا على تنقيصه لأخيه أي فقد رجع بالنقيصة أحدهما وقيل رجع عليه تكفيره لأخيه لا الكفر حقيقة لأنه لما كفر مسلمًا فكأنه كفر نفسه أو كفر نعمة أخوة أخيه المسلم، قال النووي: فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو مثله وإما لأنه كفر ما لا يكفره إلَّا كافر يعتقد بطلان دين الإِسلام والله أعلم.
قال السنوسي: والحديث ظاهر في تحريم تكفير الرَّجل أخاه فإن وقع فهو سباب وإذاية، وقال مالك: من آذى مسلمًا أُدِّب.
(والتكفير) نسبة الغير إلى الكفر، والكفر لغة: الستر والتغطية ومنه سمي الزارع كافرًا لستره البذر في الأرض ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، أي الزراع ومنه قول الشَّاعر:
يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كَفَرَ النجوم غمامها
أي ستر وغطى، والغمام السحاب، وشرعًا: جحد ما علم من الدين بالضرورة وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعي وقد جاء فيه الكفر بمعنى جحد المنعم وترك الشكر على النعم وترك القيام بالحقوق ومنه قوله ﷺ للنساء (يكفرن الإحسان ويكفرن العشير) رواه الشيخان وأبو داود ومالك في الموطأ أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم ومن ها هنا صح أن يقال كفر دون كفر وظلم دون ظلم.
قوله (فقد باء بها أحدهما) أي رجع بإثمها ولازم ذلك، قال الهروي: وأصل البوء اللزوم ومنه "وأبوء بنعمتك عليَّ" رواه أَحْمد والبخاري والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه، أي أُقِرُّ بها وأُلزِمُها نفسي، وقال غيره من أهل اللغة: رجع بشرِّ، والهاء في (بها) عائدة إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقل ما يدل عليها لفظ كافر ويحتمل أن يعود الضمير إلى الكلمة اهـ قرطبي.
وعبارة القاضي عياض هنا قال الإِمام يحتمل أن يكون قال ذلك في المسلم مستحلًا فيكفر باستحلاله وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه حجة لمن كفر بالذنوب ويحتمل
стр. 1053
١٢٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَيَحْيَى بنُ أيوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سعيد وَعَلِي بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ: أَنهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ
ــ
أَيضًا أن يكون مراده بقوله (باء بها) أي بمعصية الكذب في حق القائل إن كذب اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عمر انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات وشاركه أَحْمد (٢/ ٦٠) وسنده من خماسياته، رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد مكّيّ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٢٣) - متا (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن حماد (التَّمِيمِيّ) الحنظلي مولاهم أبو زكريا النَّيسَابُورِيّ الحافظ أحد الأئمة الأعلام ثِقَة ثبت إمام من العاشرة مات سنة (٢٢٦) ست وعشرين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابا (و) حدثنا أَيضًا (يحيى بن أَيُّوب) المقابري أبو زكريا البغدادي العابد كان ثِقَة ورعًا من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (قتيبة بن سعيد) بن جميل الثَّقَفيّ أبو رجاء البغلاني ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٤٥) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (علي بن حجر) بضم المهملة وسكون الجيم ابن إياس السعدي أبو الحسن المروزي ثِقَة حافظ من صغار التاسعة مات سنة (٢٤٤) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وقوله (جميعًا) حال من الأربعة أي حالة كونهم مجتمعين في الرواية (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأَنْصَارِيّ الزُّرَقيّ مولاهم أبي إسحاق المدنِيُّ ثِقَة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٥) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا (قال يحيى بن يحيى أخبرنا إسماعيل بن جعفر) بصيغة السماع لا بالعنعنة (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم -مولى عبد الله بن عمر بن الخَطَّاب- أبي عبد الرَّحْمَن المدنِيّ ثِقَة من الرابعة مات سنة (١٢٧) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب (أنَّه سمع) عبد الله (بن عمر) بن الخَطَّاب أَبا عبد الرَّحْمَن العدوي المكيّ وهذا السند من رباعياته واحد منهم نيسابوري أو بغدادي أو بغلاني أو مروزي واثنان منهم
стр. 1054
يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيُّما امْرِيءٍ قَال لأخَيهِ: يَا كَافِرُ .. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَال، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيهِ"
ــ
مدنيان وواحد مكّيّ وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الله بن دينار لنافع في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن عمر وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى فلا اعتراض متنًا وسندًا، حالة كون ابن عمر (يقول قال رسول الله ﷺ أيما) أي اسم شرط جازم مبتدأ مرفوع بالابتداء وما زائدة (امرئ) مضاف إليه لأي والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما معًا على الخلاف المقرر في محله (قال لأخيه) فعل شرط لأي (يَا كافر) مقول لقال (فقد باء بها) أي بكلمة الكفر (أحدهما) أي أحد القائل والمقول له جواب الشرط لأي دخلت عليه الفاء لاقترانه بقد.
قوله (يَا كافر) وفي بعض النسخ (كافر) منونًا على أن يكون خبرًا لمبتدإ محذوف أي هو كافر، قال القرطبي: ضبطه بعضهم بغير تنوين على أنَّه منادى حذف منه حرف النداء أي يَا كافر وهو خطأ لأن حذف حرف النداء من النكرة قليل لا ينقاس والصواب تنوينه على الخبر أي هو كافر اهـ.
وقوله (باء بها) أي بكلمة الكفر وكذا حار عليه وهو بمعنى رجعت عليه أي رجع عليه الكفر فباء وحار ورجع بمعنى واحد اهـ نووي، وقال القاضي (باء بها) أي بمعصية الكذب في حق القائل إن كذب.
(إن كان) المقول له (كما قال) أي على ما قال به القائل ووصفه به من الكفر الحقيقي وجواب الشرط محذوف لعلمه من السياق تقديره فقد صدق القائل فيما وصفه به فيكون الكفر على المقول له، وقوله (وإلا) فيه إدغام إن الشرطية في لا النافية أي وإن لم يكن المقول له كما قال القائل بأن كان مسلمًا صحيح الإيمان (رجعت) أي رجعت كلمة الكفر ومعصية نسبته إلى الكفر (عليه) فيكون عاصيًا بنسبته إلى الكفر كذبًا إن استحل ذلك وإلا كان القائل كافرًا باستحلال نسبته إلى الكفر وقال القاضي رجعت عليه نقيصته لأخيه كما قال إذا لم يكن لذلك أهلًا بكذبه عليه وقيل إذا قاله لمؤمن صحيح الإيمان مثله ورماه بالكفر فقد كفر نفسه لأنه مثله وعلى دينه انتهى.
وعبارة القرطبي هنا ومعنى هذا الكلام أن المقول له يَا كافر إن كان كافرًا كفرًا شرعيًّا فقد صدق القائل له ذلك وذهب بها المقول له وإن لم يكن كذلك رجعت للقائل
стр. 1055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معرة ذلك القول وإثمه وذنبه وقوله (أحدهما) يعني به المقول له على كل وجه لقوله (إن كان كما قال) وأما القائل فهو المعني بقوله (وإلا رجعت عليه) وبيانه بما في حديث أبي ذر الذي قال فيه: "من دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلَّا حار عليه" أي على القائل وحار رجع ويعني بذلك وزر ذلك وإثمه.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثًا واحدًا وهو حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وذكر فيه متابعة واحدة.
стр. 1056
٣٤ - بَابُ حُكْمِ إِيمَانِ مَنِ انْتَسَبَ لِغَيرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَإِيمَانِ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ مَا لَيسَ لَهُ
١٢٤ - (٦٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَربِ، حَدَّثَنَا عَبْد الصَمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي،
ــ
٣٤ - بَابُ حُكْمِ إِيمَانِ مَنِ انْتَسَبَ لِغَيرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَإِيمَانِ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ مَا لَيسَ لَهُ
أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان من انتسب نفسه لغير أَبيه وهو يعلم أن ذلك الغير ليس أباه هل يكفر بذلك أم لا إن استحل ذلك يكفر وإلا فلا وبيان حكم إيمان من ادعى لنفسه ما ليس له كذبًا علمًا كان أو مالًا أو جاهًا.
وترجم النواوي والقاضي وأكثر المتون للأحاديث الآتية بقولهم (باب بيان حال إيمان من رغب عن أَبيه وهو يعلم) ولم يترجم الأبي ولا السنوسي للأحاديث الآتية إلى حديث (سباب المسلم فسوق) بل أدخلا الأحاديث الآتية كلها في الترجمة السابقة وكذلك فعل القرطبي وترجمتنا أعم وأوفق لمنطوق الحديث.
(١٢٤) - (٦٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النَّسائيّ ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرين بابًا تقريبًا، قال زهير (حَدَّثَنَا عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد بن ذكران العنبري مولاهم أبو سهل البَصْرِيّ روى عن أَبيه وشعبة وحاجب بن عمر بن أبي خشينة وهمام وعبد العزيز بن مسلم وسليم بن حيان وحرب بن شداد وإبراهيم بن سعد والمثنَّى بن سعيد وغيرهم ويروي عنه (ع) وابنه عبد الوارث بن عبد الصمد وأبو خيثمة وأَحمد بن خراش وحجاج بن الشَّاعر والحسن بن عليّ الحلواني وإسحاق الحنظلي وإسحاق بن منصور وخلق وقال في التقريب: صدوق ثبت في شعبة من التاسعة مات سنة (٢٠٧) سبع ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز والزكاة والحج في أربعة مواضع والبيوع والهبة والنكاح والأدب والجهاد في موضعين والحوض ودلائل النبوة وصفة النَّبِيّ ﷺ والقدر وصفة النَّار فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ستة عشر بابا قال عبد الصمد (حَدَّثَنَا أبي) عبد الوارث بن سعيد بن ذكران التَّمِيمِيّ العنبري مولاهم أبو عبيدة البَصْرِيّ أحد الأئمة الأعلام روى عن حسين
стр. 1057
حَدَّثَنَا حُسَينٌ المُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ،
ــ
المعلم وعبد العزيز بن صهيب وداود بن أبي هند والقاسم بن مهران وسعيد الجريري ويزيد الرشك وغيرهم ويروي عنه (ع) وابنه عبد الصمد وشيبان بن فروخ وعبيد الله القواريري ويحيى بن يحيى ومعلّى بن منصور وأبو الرَّبيع الزهراني وغيرهم، وقال في التقريب ثِقَة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والصوم والحج في موضعين والبيوع والأطعمة واللباس والفتن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب، قال عبد الوارث (حَدَّثَنَا حسين) بن ذكران (المعلم) بضم الميم وتشديد اللام المكسورة المكتب بضم الميم وسكون الكاف وتخفيف التاء المكسورة بصيغة اسم الفاعل فيهما يقال لمن يعلم الصبيان العوذي بفتح العين وسكون الواو بعدها ذال معجمة نسبة إلى عوذة بطن من الأزد البَصْرِيّ روى عن عبد الله بن بريدة وقتادة في الإيمان والتفسير وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن أبي كثير وجماعة، ويروي عنه (ع) وعبد الوارث بن سعيد ويحيى القطَّان وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس ويزيد بن هارون وعبد الله بن المبارك والفضل بن موسى وروح بن عبادة وخلق قال في التقريب ثِقَة ربما وهم من السادسة مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز والصوم والجهاد والدعاء وبيع المدبر والفتن والتفسير فجملة الأبواب التي روى عنه فيها عشرة.
(عن) عبد الله (بن بريدة) بضم الباء مصغرًا بن الحصيب أيضًا الأسلمي قاضي مرو، أخي سليمان بن بريدة، وكانا توأمين، ولد عبد الله قبل سليمان، أبي سهل المروزي، وهو وأخوه سيدان ثقتان تابعيان جليلان ولدا في بطن واحدة في عهد عمر بن الخَطَّاب ﵁. روى عن يحيى بن يعمر وعبد الله بن مغفل وسمرة بن جندب وعن أَبيه وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ويروي عنه (ع) وحسين المعلم وكهمس ومطر الوراق وعثمان بن غياث ومالك بن مغول وخلق، وثقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم وقال في التقريب ثِقَة من الثالثة مات سنة (١١٥) خمس عشرة ومائة وهو ابن مائة سنة (١٠٠) وله في (خ) من روايته عن أَبيه فرد حديث روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والصلاة في موضعين والجنائز في موضعين والجهاد والدعاء والحدود والذبائح
стр. 1058
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: أَن أَبا الأَسْوَدِ حدَّثهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَيسَ مِنْ رَجُلٍ
ــ
والفتن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية (عن يحيى بن يعمر) بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة وبضم الميم أَيضًا من بني عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان أبي سعيد البَصْرِيّ التابعي الجليل ويقال له أبو سليمان القيسي الجدلي قاضي مرو روى عن أبي الأسود الديلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعثمان وعلي وأبي ذر وغيرهم ويروي عنه (ع) وعبد الله بن بريدة ويحيى بن عقيل وسليمان التَّيميّ وغيرهم، وثقه أبو حاتم والنَّسائيّ وقال في التقريب: ثِقَة فصيح وكان يرسل من الثالثة مات قبل المائة بخراسان وقيل بعدها روى عنه المؤلف في أربعة أبواب في الإيمان والصلاة والقدر والدعاء (أن أَبا إلَّاسود) الديلي ظالم بن عمرو بن سفيان البَصْرِيّ التابعي الجليل، ويقال: عمرو بن ظالم، وقيل: ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، ويقال: اسمه عمرو بن عثمان، شهد مع علي صفين، وولي البصرة لابن عباس ومات بها، روى عن أبي ذر في الإيمان والصلاة والزكاة، وأبي موسى الأَشْعريّ في الزكاة، وعمران بن حصين في القدر، وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وابن مسعود وجماعة، ويروي عنه (ع) ويحيى بن يعمر وابنه حرب وعبد الله بن بريدة وجماعة، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها أربعة، وقال في التقريب: ثِقَة فاضل مخضرم، مات سنة (٦٩) تسع وستين، وهو أول من تكلم في النحو (حدثه) أي حدث ليحيى بن يعمر (عن أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ، جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الصحابي المشهور، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، وهو أول من حيا النَّبِيّ ﷺ بتحية الإِسلام، روى عن النَّبِيّ ﷺ ، ويروي عنه (ع) وأبو الأسود الدؤلي وأنس بن مالك وابن عباس وأبو مراوح الليثيّ والمعرور بن سويد وخرشة بن الحسن ويزيد الرشك التَّيميّ وعبد الله بن شَقِيق وأبو نضرة وعبد الرَّحْمَن بن شماسة وخلق له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا مات بالربذة وقُبِر هناك في خلافة عثمان سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة وفي إسلامه في أربعة أبواب تقريبًا وهذا السند من ثمانياته رجاله خمسة منهم بصريون وواحد نسائي وواحد مروزي وواحد مدني ومن لطائفه أنَّه اجتمع فيه ثلاثة تابعيون جلة روى بعضهم عن بعض ابن بريدة ويحيى وأبو الأسود (أنَّه) أتي أن أَبا ذر (سمع رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول ليس من رجل) من زائدة لوقوعها بعد النفي والتعبير بالرجل جرى على الغالب وإلا
стр. 1059
ادَّعَى لِغَيرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ،
ــ
فالمرأة كذلك أي ليس رجل ولا امرأة (ادعى) وانتسب (لغير أَبيه) ووالده أي انتسب إليه واتخذه أبًا أنفة عن أَبيه (وهو) أي والحال أن ذلك الرَّجل المنتسب لغير أَبيه (يعلمه) أي يعلم أن ذلك الغير ليس أباه ووالده (إلا كفر) ذلك المنتسب كفرًا حقيقيًّا يخرجه عن الملة إن استحل ذلك الانتساب لأنه استحل ما هو معلوم حرمته من الدين ضرورة وإلا كفر كفرًا بمعنى كفران نعمة الأبوة أي جحد حق أَبيه لأن انتسابه لغير أَبيه إما قذف أو كذب أو عقوق ولا شيء من ذلك بكفر، قال القرطبي أو أنَّه أطلق الكفر مجازًا لشبهه بفعل أهل الكفر لأنهم كانوا يفعلونه بالجاهلية، وعبارته هنا (قوله ليس من رجل) إلخ، أي انتسب لغير أَبيه رغبة عنه مع علمه به وهذا إنما يفعله أهل الجفاء والجهل والكبر لخسة منصب الأب ودناءته فيرى الانتساب إليه عارًا ونقصًا في حقه ولا شك في أن هذا محرم معلوم التحريم فمن فعل ذلك مستحلًا فهو كافر حقيقة، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مستحل فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنَّه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر، وعلى فعله أنَّه كفر لغة، وشرعًا على ما قررناه، ويحتمل أن يقال أطلق عليه ذلك لأنه تشبه بالكفار أهل الجاهلية أهل الكبر والأنفة فإنهم كانوا يفعلون ذلك والله تعالى أعلم اهـ منه.
قال النواوي: (وأما قوله ﷺ فيمن ادعى لغير أَبيه وهو يعلم أنَّه غير أَبيه كفر) فقيل: فيه تأويلان أحدهما: أنَّه في حق المستحل، والثاني: أنَّه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى، وحق أَبيه وليس المراد الكفر الذي يخرجه عن ملة الإِسلام، وهذا كقوله ﷺ "يكفرن" ثم فسره بكفرانهن الإحسان وكفران العشير، ومعنى قوله: (ادعى لغير أَبيه) أي انتسب إليه واتخذه أبًا، وقوله ﷺ "وهو يعلم" تقييد لا بد منه، فإن الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء.
قال الأبي: انظر لو انتسب لغير أَبيه لضرورة كالمسافر ينزل الخوف به فيقول: أنا ابن فلان لرجل محترم لصلاح أو غيره، والظاهر أنَّه لا يتناوله الوعيد بخلاف ما لو انتسب لغير أَبيه ليُكرم أو يُعطى، الأظهر أن هذا يتناوله الوعيد لعدم الضرورة إليه.
وانظر ما لو انتسب لأبيه من زنًا وكان الشيخ يقول: إنه أخف لأنه أبوه لغة لا شرعًا، ويدل على أنَّه أبوه لغة حديث جريج حيث قال الولد: أبي الراعي فلان، وأما
стр. 1060
وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ فَلَيسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالكُفْرِ، أَوْ قَال:
ــ
عكس ما في الحديث وهو أن ينسب الرَّجل إلى نفسه غير ولده، فيحتمل أنَّه من الباب ويحتمل أن لا.
لأن ما في الحديث عقوق والعقوق كبيرة، وكان لبعض ذوي الخطط ربيب فكان يُناديه يا ولدي، فكان معاصروه يعدونها من مُجَرِّحاته.
(ومن ادعى) وجعل لنفسه (ما ليس) حقًّا وثابتًا (له) في الحقيقة، ونسبه إلى نفسه من كل شيء سواء تعلق به حق لغيره أم لا، فيشمل من ادعى علمًا لا يحسنه أو يرغب في خطة ومرتبة لا يستحقها وكل ذلك يعده العلماء مما يجرح في الرواية (فليس منا) أي فليس ذلك المدعي من أهل هدينا وملتنا وشريعتنا فقد كفر وخرج بذلك عن ملتنا وديننا إن استحل ذلك أو ليس عمله من عمل أهل ديننا، فهو كاذب يُعاقب إن لم يستحل ذلك، فيكون كقول الرَّجل لولده إذا أساء لست ابني (وليتبوأ) أي وليتخذ (مقعده) أي مقره ومنزله (من النَّار) الأخروية، وهذا دعاء عليه أو خبر بلفظ الأمر، وهو أظهر القولين فيه، أي يكون مقعده ومنزله من النَّار مخلدًا فيها إن استحل ذلك أو هذا جزاؤه إن جُوزي على ذلك إن لم يستحل لأنه يجازى عليه إن لم يُغفر له، وقد يُعفى عنه، وقد يُوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك.
وفي هذا الحديث تحريم دعوى ما ليس له مالًا كان أو علمًا أو جاهًا أو منقبة أو صلاحًا، وفيه أنَّه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له الحاكم بدعواه الكاذبة.
وعبارة القرطبي هنا قوله: "من ادعى ما ليس له فليس منا" ظاهره التبري المطلق، فيبقى على ظاهره في حق المستحل لذلك على ما تقدم، ويُتأول في حق غير المستحل بأنه ليس على طريقة النَّبِيّ ﷺ وعلى طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظلم، وطريقة أهل الدين العدل وترك الظلم، ويكون هذا كقوله ﷺ "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب" رواه البُخَارِيّ ومسلم والتِّرمذيّ والنَّسائيّ، ويقرب منه قوله ﷺ "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" رواه التِّرْمِذِيّ والنَّسائيّ، وقوله (ومن دعا رجلًا بالكفر) على تقدير النفي ومن الزائدة ليصح الاستثناء الآتي، والتقدير أي وما من أحد دعا ونادى رجلًا بالكفر بأن قال له: يَا كافر (أو قال) له يَا
стр. 1061
عَدُوَّ الله وَلَيسَ كَذَلِكَ، إلَّا حَارَ عَلَيهِ".
١٢٥ - (٦١) حَدثني هَارُونُ بْنُ سعيدٍ الأَيلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب،
ــ
(عدو الله و) الحال أن ذلك الرَّجل (ليس كذلك) أي كافرًا أو عدوًا لله (إلَّا حار) ورجع نداؤه وقوله (عليه) أي على الداعي والقائل بالكفر الحقيقي إن استحل ذلك، وإلا فبكفران نعمة أخوة الإِسلام، فهو جاحد لنعمة الإِسلام ونعمة الله التي جعل بينهما فهو عاصٍ، وقوله (إلَّا حار عليه) قال النووي: هذا الاستثناء قيل إنه واقع على المعنى أي لا يدعوه أحد بالكفر إلَّا حار عليه، ويحتمل أنَّه معطوف على قوله (ليس من رجل) فيكون جاريًا على اللفظ، قال الأبي: إنما حُمل على الوجه الأول على المعنى الذي هو النفي؛ لأن المقصود إثبات أن يرجع بها, ولا يثبت ذلك إلَّا بالنفي، ليكون الاستثناء من النفي إثباتًا، ولو لم يُقدَّر النفي لم يثبت ذلك؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي عكس المطلوب.
وقوله (عدو الله) قال النووي ضبطناه بالنصب على أنَّه منادى مضاف، وبالرفع على أنَّه خبر لمحذوف أي هو عدو الله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي ذر من أصحاب الأمهات البُخَارِيّ فقط (٣٥٠٨) وشاركه أَحْمد أَيضًا (٥/ ١٦٦).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي ذر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
(١٢٥) - ش (٦١) (حَدَّثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التَّمِيمِيّ السعدي مولاهم أبو جعفر (الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتانية، نزيل مصر، روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، وابن عيينة وأبي ضمرة أنس بن عياض وطائفة، ويروي عنه (م د س ق) وأبو حاتم ومحمَّد بن وضاح وبقي بن مخلد وعاصم بن رازح والطحاوي وجماعة، قال أبو حاتم: شيخ، وقال النَّسائيّ: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثِقَة، وقال ابن يونس: ثِقَة، وضَعُفَ ولزم بيته وقال أبو عمر الكندي: كان فقيهًا من أصحاب ابن وهب، وقال في التقريب: ثِقَة فاضل من العاشرة، مات سنة (٢٥٣) ثلاث وخمسين ومائتين وله (٨٣) سنة، قال هارون (حَدَّثَنَا) عبد الله (ابن وهب) بن مسلم القُرشيّ مولاهم أبو محمَّد المصري الفقيه أحد الأئمة ثِقَة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة
стр. 1062
قَال: أَخْبَرَنِي عَمْروٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: إِن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أبِيهِ
ــ
(١٩٧) وله (٧٢) سنة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، (قال) ابن وهب (أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأَنْصَارِيّ مولاهم أبو أمية المصري ثِقَة فقيه حافظ من السابعة، مات سنة (١٤٨) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
(عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بضم فسكون غير منصرف بن حسنة بفتحات كما في المغني الكندي الحسني نسبة إلى جده حسنة بن شرحبيل المصري، روى عن عراك بن مالك والأعرج وأبي الخير اليزني وأبي سلمة، ويروي عنه (ع) وعمرو بن الحارث ويزيد بن أبي حبيب وبكر بن مضر ويحيى بن أَيُّوب والليث بن سعد، وثقه أَحْمد وأبو زرعة، وقال في التقريب: ثِقَة من الخامسة، مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والدعاء في موضعين والصلاة (عن عراك بن مالك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء، الغفاري الكناني المدنِيُّ، فقيه أهل دهلك، ودهلك جزيرة قريبة من أرض الحبشة من ناحية اليمن، نفاه إلى دهلك يزيد بن عبد الملك لكلمة قالها في أيام عمر بن عبد العزيز، روى عن أبي هريرة في الإيمان والزكاة والفضائل وغيرها، وحفصة بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر في الوضوء وعروة بن الزُّبير في النكاح وعائشة في المعروف وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة في انشقاق القمر، ويروي عنه (ع) وجعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وسليمان بن يسار في الزكاة وخثيم بن عراك ابنه في الزكاة وبكير بن الأَشَج والحكم بن عتيبة وزياد بن أبي زياد، وقال في التقريب: ثِقَة فاضل من الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة (١٠٠)، روي عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والزكاة والنكاح والفضائل والمعروف وانشقاق القمر في سبعة أبواب (أنه) أي أن عراك بن مالك (سمع أَبا هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، أحد المكثرين من الصَّحَابَة، وهذا السند من سداسياته رجاله، ثلاثة منهم مصريون وواحد أيلي واثنان مدنيان، حالة كون أبي هريرة (يقول: إن رسول الله ﷺ قال: لا ترغبوا) ولا تأنفوا (عن) الانتساب إلى (آبائكم) الذين ولدوكم (فمن رغب) وأعرض وأنف (عن) الانتساب إلى (أبيه) الذي
стр. 1063
فَهُوَ كُفْرٌ".
١٢٦ - (٦٢) حَدَّثَنِي عَمْرٌو الناقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ
ــ
أولده، أي ترك الانتساب إليه أنفةً عنه وانتسب إلى غيره، يقال رغب عنه: إذا تركه وكرهه، ورغب فيه: إذا أحبه (فهو) أي رغبته وأنفته وإعراضه عن الانتساب إلى أَبيه (كفر) حقيقةً أي خروج عن الملة إن استحل ذلك أو مجازًا أي جحدٌ لنعمة أبوة أَبيه إن لم يستحل فهو عاصٍ يُعاقب عليه، سماه كفرًا لأنه من عمل الكفار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ فقط في كتاب الفرائض عن أصبغ بن الفرج ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي ذر بحديث سعد بن أبي وقَّاص ﵄ فقال:
(١٢٦) - ش (٦٢) (حَدَّثني عمرو) بن محمَّد بن بكير بن شابور بمعجمة (النَّاقد) أبو عثمان البغدادي ثِقَة حافظ، وهم في حديث، من العاشرة مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا.
قال عمرو (حَدَّثَنَا هُشيم) مصغرًا (ابن بشير) بوزن عظيم بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطيّ ثِقَة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي من السابعة، مات سنة (١٨٣) وله (٨٥) سنة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابًا تقريبًا، قال هشيم (أخبرنا خالد) بن مهران بكسر الميم القُرشيّ الخُزَاعِيّ مولاهم أبو المنازل البَصْرِيّ المعروف بالحذاء، قيل: ما حذا نعلًا قط ولا باعها, لكنه تزوج امرأة فنزل عليها وهي بين الحذائين فنُسب إليهم، ثِقَة ولكنه يُرسل من الخامسة، مات سنة (١٤٢) مات في أولها، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي عثمان) عبد الرَّحْمَن بن مِلُّ بتثليث الميم ولام مشددة بن عمرو بن عدي بن وهب بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن بهز بن زيد النهدي بفتح النُّون وسكون الهاء نسبة إلى نهد بن زيد من قضاعة البَصْرِيّ أسلم في عهد النَّبِيّ ﷺ وأدى إليه صدقاته وغزا في عهد عمر غزوات وكان مقيمًا بالكوفة فلما قتل الحسين بن عليّ ﵄ انتقل منها إلى البصرة وقال لا أسكن بلدًا قتل فيها ابن بنت النَّبِيّ ﷺ روى عن سعد بن أبي وقَّاص وأبي بكرة
стр. 1064
قَال: لَما ادُّعِيَ زَيادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الذِي صَنَعْتُمْ؟
ــ
وعمر وعلي وأبي ذر وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وسلمان وأبي سعيد الخُدرِيّ وعمرو بن العاص ﵃ وخلقٍ ويروي عنه خالد الحذَّاء وعاصم الأحول وسليمان التَّيميّ وثابت البناني وأبو التَّيَّاح وداود بن أبي هند والجريري وقتادة وأيوب السختياني وخلائق ثِقَة ثبت عابد من كبار الثَّانية مات سنة (٩٥) خمسٍ وتسعين وله أكثر من مائة وثلاثين سنة (١٣٠)، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والجنائز والفضائل في خمسة مواضع والجهاد في موضعين وفي الرحمة والدعاء في أربعة مواضع والتوبة والأطعمة واللباس واللعان فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (قال) أبو عثمان النهدي (لما ادعي) قال النووي ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبنيًّا للمفعول أي لما نسب (زياد) بن عبيد الثَّقَفيّ إلى أبي سفيان ووجدتها بخط العبدري مفتوحة ووجهه أن زيادًا لما وافق معاوية في استلحاقه بأبيه أبي سفيان وصدقه فيه كأنه هو ادعى أنَّه ابن أبي سفيان أي لما وافق زياد معاوية في استلحاقه وجواب لما قوله (لقيت أَبا بكرة) مع ما عطف عليه وذلك أن زيادًا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان ويقال فيه زياد ابن أَبيه ويقال له أَيضًا زياد بن سمية وهو أخو أبي بكرة لأمه وكان يعرف أولًا بزياد بن أبي عبيد الثَّقَفيّ ثم ادعاه معاوية بن أبي سفيان وألحقه بأبيه أبي سفيان بن حرب وصار من جملة أصحابه بعد أن كان من أصحاب علي ﵃ أي قال أبو عثمان لمّا نسب زياد بن عبيد الثَّقَفيّ أخو أبي بكرة لأمه إلى أبي سفيان واستلحق به أنكرت ذلك في نفسي وحسبت أن أَبا بكرة ﵁ راض بذلك الاستلحاق فذهبت إليه فلقيته (فقك له) أي لأبي بكرة (ما هذا) الاستلحاق (الذي صنعتم) بأخيك زياد بن عبيد الثَّقَفيّ فهذا منكر في الشرع فكيف ترضى ذلك لأخيك وتركته عليه.
وقال النووي: المعنى أي ما هذا الذي جرى لأخيك لأنه أخو أبي بكرة لأمه وقد أنكر النَّاس استلحاق معاوية له وكان أبو بكرة أحد من أنكر ذلك وحلف أن لا يكلم زيادًا أبدًا فلعل أَبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة أو بلغه وعنى بقوله ما هذا الذي صنعتم بمعنى ما هذا الذي صنع أخوك (وأما أبو بكرة) فاسمه نُفَيع مصغرًا بن الحارث بن بمدة بفتحتين بن عمرو الثَّقَفيّ الصحابي الجليل عداده في البصريين سمي بأبي بكرة لأنه نزل عليها من حصن الطائف إلى النَّبِيّ ﷺ فكناه النَّبِيّ صلى الله عليه
стр. 1065
إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى أَبًا في الإِسلامِ غَيرَ أَبِيهِ يَعلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ .. فَالْجَنَّةُ عَلَيهِ حَرَامٌ"، فَقَال أَبُو بَكْرَةَ: وَأنا (١) سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ
ــ
وسلم بها له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، روى عنه أبو عثمان النهدي في الإيمان وأبناؤه عبد الرَّحْمَن وعبيد الله ومسلم وعبد العزيز وكبشة وربعي بن حراش والحسن وابن سيرين وغيرهم، وقال في التقريب: أسلم بالطائف وهو ابن ثماني عشرة سنة ومات سنة (٥٩) تسع وخمسين وقيل ثلاث وقيل اثنتين وكان له يوم مات (٦٣) ثلاث وستون سنة وكان له أربعون ولدًا أعقب منهم الأربعة المذكورين آنفًا قال أبو عثمان وقلت لأبي بكرة استدلالًا على إنكاري ذلك (إني سمعت سعد بن أبي وقَّاص) حالة كون سعد (يقول سمع أذناي من رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (يقول من ادعى) وأثبت لنفسه (أبًا) ينتسب إليه بعد أن دخل (في) دين (الإِسلام) وأنقذه الله تعالى من الشِّرك والجهالة وعلم حرمة ذلك الانتساب وقوله (غير أبيه) بدل من أبًا أو عطف بيان له أو صفة أي جعل لنفسه (أبًا) مغايرًا لأبيه الذي أولده بعد أن دخل في الإِسلام وعلم حرمته حالة كونه (يعلم أنَّه) أي أن ذلك الشخص الذي انتسب إليه (غير أَبيه) الذي أولده (فالجنة) أي فدخول الجنة (عليه) أي على ذلك المنتسب لغير أَبيه (حرام) أي ممنوع فهو مخلد في النَّار إن استحل ذلك الانتساب أو دخوله مع الفائزين وأهل السلامة حرام حتَّى يعاقب على ذلك الانتساب إن لم يستحل ذلك إلَّا إن تفضل الله عليه بالعفو والغفران (فقال أبو بكرة) لأبي عثمان النهدي (وأنا سمعته) أي سمعت هذا الحديث أَيضًا (من رسول الله ﷺ فحصل لأبي عثمان النهدي سماع هذا الحديث من صحابيين سعد بن أبي وقَّاص وأبي بكرة كما سيصرحه في الرواية الآتية إن شاء الله تعالى (وأما سعد بن أبي وقَّاص) قاسم أَبيه مالك بن وهيب ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب أبو إسحاق القُرشيّ الزُّهْرِيّ المدنِيُّ شهد بدرًا والمشاهد كلها وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة وآخرهم موتًا، وأحد ستة الشورى، وأول من رمى في سبيل الله تعالى وفارس الإِسلام، ومناقبه كثيرة من أن تحصر له مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا روى عنه أبو عثمان النهدي وبنوه إبراهيم وعامر وعمر
стр. 1066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومحمَّد وجابر بن سمرة وسعيد بن المسيّب و (ع) وخلائق وكان سابع سبعة في الإِسلام مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل إلى البقيع وصلى عليه مروان سنة تسع أو ثمان أو سبع أو ست وخمسين وهو ابن (٧٤) أربع وسبعين سنة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والنكاح والفضائل والدعاء والجهاد في ستة أبواب وسند هذا الحديث من خماسياته رجاله واحد منهم بغدادي وواحد واسطيّ وثلاثة بصريون في رواية أبي بكرة أو اثنان بصريان وواحد مدني في رواية سعد بن أبي وقَّاص وقوله (سمع أذناي) كذا بلفظ الماضي وتثنية الفاعل وضبط (سمع أذني) بلفظ المصدر وإفراد الأذن أعني بسكون الميم وفتح العين على المصدر وبضمها قال سيبويه: تقول العرب سمع أذني لكذا وما تقدم هو الصواب انظر النواوي.
(فصل) قال الأبي: وسبب استلحاق معاوية زيادًا لأبيه أبي سفيان أن عليًّا كان ولى زيادًا فارس فضبط أمرها بعد أن كان بين كورها اختلاف ثم ولاه اصطخر فلما قتل علي وبويع الحسن بعث معاوية إلى زياد يهدده فقام زياد خطيبًا وقال إن ابن آكلة الأكباد وذكر ألفاظًا أخر بعث يهددني وبيني وبينه ابنا بنت رسول الله ﷺ في سبعين ألفًا واضعين قبائع سيوفهم تحت أذقانهم لا يرون شيئًا دون الموت أما والله إن خلص إلى ليجدني أَحْمد ضراب بالسيف فلما بايع الحسن معاوية وسلم إليه الخلافة دخل المغيرة بن شعبة على معاوية فأنشده معاوية:
وإذا بحت بسر فإلى ... ناصح يستره أو لا تبح
فقال: يَا أمير المُؤْمنين إن استودعتني تستودع ناصحًا شفيقًا ووعاء وثيقًا، قال: وما ذلك، قال: فكرت في أمر زياد واعتصامه بقلاع فارس فلم أنم الليلة، فقال المغيرة: ليس زياد هنالك يَا أمير المُؤْمنين، فقال معاوية: بئس الوطاء العجز، داهية العرب معه الأموال متحصن بقلاع فارس يدبر الرأي ويربط الخيل وما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعاد خدعة، فقال المغيرة: ائذن لي في إتيانه، قال: نعم وتلطف فأتاه فادار المغيرة من الكلام ما قال زياد في جوابه أشر علي الآن وارم الغرض ودع الفضول، فقال المغيرة: في محض الرأي بشاعة ولا خير في التصديق إنه لن يمد أحد يده إلى هذا الأمر غير الحسن وقد بايع لمعاوية فخذ لنفسك قبل التوطين ويستغنى عنك وهو يريد أن يلحقك بأبيه فأرى أن تشخص إليه وتلحق أهلك بأهله وتعير
стр. 1067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّاس أذنًا صماء فقال لا أغرس عودًا في غير منبته وكتب معاوية إلى زياد علام تهلك نفسك اقدم إلى وأعلمني بما جبيت وما خرج عنك وما بقي وأنت آمن ثم إن شئت المقام عندي وإلا رجعت إلى مأمنك فلم يزل به المغيرة حتَّى أقدمه فسأله معاوية عما صار إليه من أموال فارس فأخبره بما بعث به إلى علي وبما أنفق في وجوه النفقة فصدقه وعرض عليه أن يلحقه بأبيه أبي سفيان فأبى فأرسلت إليه جويرية بنت أبي سفيان فأتاها فأذنت له ونشرت شعرها بين يديه وقالت له: أَنْتَ أخي أخبرني بذلك أبي فاعتزم على قبول الدعوة فأخرجه معاوية إلى الجامع وأحضر النَّاس وأحضر زيادًا وأربعة شهود أحدهم المنذر بن الزُّبير فشهد أنَّه سمع عليًّا يقول كنت عند عمر بن الخَطَّاب فقدم زياد بكتاب أبي موسى الأَشْعريّ فتكلم زياد بكلام أعجب عمر فقال أكنت قائلًا هذا للنَّاس على المنبر فقال هم أهون علي منك يَا أمير المُؤْمنين فقال أبو سفيان- وكان حاضرًا.: هو ابني فقلت وما يمنعك فقال هذا العير الناهق ثم شهد آخر بذاك فقام أبو مريم السلولي فقال ما أدري ما شهادة على ولكني كنت خمارًا بالطائف فمر بي أبو سفيان في سفر فطعم وشرب ثم سألني بغيًا فأتيته بسمية جارية بني عجلان وهي من أصحاب الرايات بالطائف فوقع بها ثم قال ما أصبت مثلها لقد سلت ماء ظهري استلالًا تبينت أثر العمل في عينها فقال له زياد مهلًا يَا أَبا مريم إنما بعثت شاهدًا ولم تبعث شاتمًا فقال قلت الحق على ما كان ولو أعفيتموني لكان أحب إلى فقام زياد وقال أيها النَّاس هذا الشاهد قد ذكر ما سمعتم ولست أدري حق ذلك من باطلة وإنما كان أبو عبيد أبًا مبرورًا ووليًا مشكورًا والشهود أعلم بما قالوا فقام يونس بن أبي عبيد الثَّقَفيّ فقال يَا معاوية قضى رسول الله ﷺ أن الولد للفراش وللعاهر الحجر فعكست أَنْتَ وخالفت سنة رسول الله ﷺ فقلت الولد للعاهر وللفراش الحجر فخالفت كتاب الله وسنة رسوله بشهادة أبي مريم على زنى أبي سفيان فقال معاوية يَا يونس والله لتنتهين أو لأطيرن بك طيرًا بطيئًا وقوعها فانفذ معاوية هذه الشهادة وأثبت زيادًا لأبي سفيان وولاه البصرة وللمؤرخين في ذلك حكايات وأشعار انتهى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سعد بن أبي وقَّاص ﵁ فقال:
стр. 1068
١٢٧ - (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَأَبُو مُعَاويةَ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ كِلاهُمَا
ــ
(١٢٧) - متا (٠٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (١٦) بابا، قال أبو بكر (حَدَّثَنَا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي مولاهم، أبو سعيد الكُوفيّ ثِقَة متقن من كبار التاسعة مات سنة (١٨٤) وله (٩٣) سنة، روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أَيضًا (أبو معاوية) محمَّد بن خازم بمعجمتين التَّمِيمِيّ السعدي مولاهم الضَّرير، عَمِّي في صغره، الحافظ الكُوفيّ ثِقَة، أحفظ النَّاس لحديث الأَعمش، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) وله (٨٢) سنة روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، كلاهما (عن عاصم) بن سليمان الأحول أبي عبد الرَّحْمَن البَصْرِيّ الحافظ التَّمِيمِيّ مولاهم، روى عن أبي عثمان النهدي وصفوان بن محرز وأبي المتوكل وحميد الطَّويل وأنس بن مالك وعبد الله بن سرجس والشعبي ومحمَّد بن سيرين، ويروي عنه (ع) ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة وأبو معاوية وداود بن أبي هند وحفص بن غياث ومروان بن معاوية وزهير بن معاوية ومعمر بن راشد وأبو خالد الأحمر وشعبة وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وخلائق، وثقه ابن معين وأبو زرعة وقال أَحْمد: ثِقَة من الحفاظ، وقال في التقريب: ثِقَة من الرابعة، وقال ابن سعد: مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، لم يتكلم فيه إلَّا القطَّان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية، وكان قاضيًا في المدائن (عن أبي عثمان) عبد الرَّحْمَن بن مُل البَصْرِيّ، ثِقَة ثبت عابد من كبار الثَّانية، مات سنة (٩٥) وله (١٣٥) سنة (عن سعد) بن أبي وقَّاص مالك بن وهيب أبي إسحاق القُرشيّ الزُّهْرِيّ المدنِيُّ الصحابي الجليل (وأبي بكرة) نفيع بن الحارث بن بمدة الثَّقَفيّ البَصْرِيّ الصحابي الجليل، تقدمت ترجمتهما آنفًا، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم كوفيان وثلاثة منهم بصريون، على رواية أبي بكرة، واثنان بصريان وواحد مدني على رواية سعد، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عاصم الأحول لخالد الحذَّاء في رواية هذا الحديث عن أبي عثمان النهدي، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث معها لما في الرواية الآتية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات (كلاهما) أي
стр. 1069
يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمدًا ﷺ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى إلى غَيرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ .. فَالْجَنةُ عَلَيهِ حَرَام"
ــ
كل من سعد وأبي بكرة (يقول سمعته) أي سمعت لفظ الحديث الآتي (أذناي) بصيغة التثنية على أنَّه فاعل سمع (ووعاه) معطوف على سمع أي ووعى وحفظ معنى الحديث الآتي (قلبي) أي فؤادي وعقلي وقوله (محمد ﷺ بالنصب بدل من ضمير سمعته أي سمعت أذناي محمدًا ﷺ حالة كونه (يقول من ادعى) وانتسب (إلى غير أَبيه) أي غير والده وإن علا (وهو) أي والحال أن ذلك المنتسب (يعلم أنَّه) أي أن ذلك الغير (غير أَبيه) أي غير والده وإن علا سواء كان من أقاربه أو من الأجانب (فالجنة) أي فدخولها (عليه) أي على ذلك المنتسب (حرام) أي ممنوع أبدًا إن استحل ذلك الانتساب أو أولًا مع الفائزين حتَّى يعاقب ويجازى على ذلك الانتساب إن لم يستحل ولم يدركه العفو.
قال القرطبي: والضمير في (سمعته أذناي) ضمير المصدر الذي دل عليه سمعته أي سمعت سمعًا أذناي كما تقول العرب ظننته زيدًا قائمًا أي ظننت ظنًّا زيدًا قائمًا وهذا الوجه أحسن ما يقال فيه إن شاء الله تعالى ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على معهودِ مقصورٍ في نفوسهم، ومحمدًا بدل منه، والله أعلم، انتهى. وهذا الحديث أعني حديث سعد بن أبي وقَّاص وأبي بكرة رواه أَحْمد (١/ ١٧٤) و (٥/ ٤٦) وشاركه من أصحاب الأمهات البُخَارِيّ (٦٧٦٦) وأبو داود (٥١١٣) وابن ماجه (٢٦١٠).
стр. 1070
٣٥ - بَابُ حُكْمِ سِبَابِ الْمُسْلِمِ وَقِتَالِهِ
١٢٨ - (٦٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بَكارٍ بن الرَّيَّان وَعَوْنُ ابن سَلَّامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ طَلْحَةَ،
ــ
٣٥ - بَابُ حُكْمِ سِبَابِ الْمُسْلِمِ وَقِتَالِهِ
أي باب معقود في بيان حكم إيمان من ساب مسلمًا أو قاتله فحكمهما الخروج من الملة إن استحلا ذلك وإلا فلا وترجم النواوي والقاضي والأبي والسنوسي وأكثر المتون للحديث الآتي بقولهم (باب بيان قول النَّبِيّ ﷺ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
ولم يترجم له القرطبي بل أدخله في الترجمة السابقة وترجمتي أولى وأخصر لسلامتها مما يرد على ترجمتهم من اتحاد المترجم به والمترجم له مع وجوب كون الترجمة الحكم المستنبط من الحديث لئلا يتحد الدليل والمدلول عليه كما هو القاعدة.
(١٢٨) - س (٦٣) (حَدَّثَنَا محمَّد بن بكار) بالباء الموحدة المفتوحة والكاف المشددة (ابن الريان) بالراء المفتوحة والياء التحتانية المشددة الهاشمي مولاهم أبو عبد الله البغدادي ثِقَة من (١٠) مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (عون بن سلام) بتشديد اللام الهاشمي مولاهم أبو جعفر الكُوفيّ روى عن محمَّد بن طلحة بن مصرف في الإيمان والصلاة وأبي بكر النهشلي في الصلاة وزهير بن معاوية ويروي عنه (م) ومطين وطائفة، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٠) ثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في بابين الإيمان والصلاة في موضعين (قالا) أي قال كل من محمَّد بن بكار وعون بن سلام (حَدَّثَنَا محمَّد بن طلحة) بن مصرف بن عمرو بن كعب بن مُحْدِبِ بن معاوية بن سعد بن الحارث بن ذهل بن سلمة بن يام الهمداني اليامي من بني يام بن رافع بن مالك من همدان أبو عبد الله الكُوفيّ روى عن زبيد اليامي في الإيمان والصلاة وعبد الله بن شبرمة في البر عن أَبيه والحكم بن عتيبة وطائفة ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمَّد بن بكار وعون بن سلام وشبابة بن سوار وأسد بن موسى وابن مهدي وأبو نعيم وخلق، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، وقال ابن معين: صالح، وقال مرة: ضعيف، وقال أَحْمد بن حنبل: لا بأس به إلَّا أنَّه لا يكاد يقول في شيء من حديثه حَدَّثَنَا، وقال أبو زرعة: صالح، وقال العقيلي: قال
стр. 1071
ح وَحَدَّثَنَا محمدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمَنِ بن مَهدِي، حَدَّثَنَا سُفيَانُ، ح وَحَدثَنَا مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنى، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن جَعفَر، حَدَّثَنَا شُعبَةُ كُلهُم عَنْ زُبَيدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
ــ
أَحْمد: ثِقَة، وقال العجلي: ثِقَة من السابعة مات سنة (١٦٧) سبع وستين ومائة روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب في الإيمان والصلاة والبر (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمَّد بن المثنَّى) بن عبيد بن قيس أبو موسى العنزي البَصْرِيّ ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابا تقريبًا، قال ابن المثنَّى (حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهدي) بن حسان الأَزدِيّ مولاهم أبو سعيد البَصْرِيّ ثِقَة ثبت حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٨) بالبصرة عن (٦٣) وكان يحج كل سنة روى عنه المؤلف في (١٤) بابا قال ابن مهدي: (حَدَّثَنَا سفيان) بن سعيد بن مسروق بن عدي الثَّوريّ ثور بن عبد مناة أبو عبد الله الكُوفيّ ثِقَة حافظ فقيه إمام حجة من السابعة مات سنة (١٦١) وله (٦٤) سنة روى عنه المؤلف في (٢٤) بابا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم البَصْرِيّ أبو عبد الله ربيب شعبة ثِقَة من التاسعة مات سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا قال محمَّد بن جعفر (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البَصْرِيّ ثِقَة متقن من السابعة مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه التحويلات بيان كثرة طرقه كلهم) أي كل من محمَّد بن طلحة وسفيان وشعبة (عن زبيد) مصغرًا بن الحارث بن عبد الكريم اليامي من بني يام بن رافع بن مالك من همدان أبي عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ روى عن أبي وائل شَقِيق بن سلمة ومرة الهمداني ومحارب بن دثار وعمارة بن عمير وإبراهيم التَّيميّ وسعد بن عبيدة وإبراهيم بن سويد النَّخَعيّ وغيرهم، ويروي عنه (ع) والثوري وشعبة ومحمَّد بن طلحة وزهير بن معاوية وفضيل بن غزوان والحسن بن عبيد الله النَّخَعيّ وخلق وقال في التقريب: ثِقَة ثبت عابد من السادسة مات سنة اثنتين وعشرين ومائة (١٢٢) وليس في مسلم من اسمه زبيد إلا هذا الثقة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والجنائز والصوم والحج والجهاد والضحايا والدعاء في سبعة أبواب تقريبًا (عن أبي وائل) شَقِيق بن سلمة الأسدي أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان الكُوفيّ من بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر أدرك النَّبِيّ صلى الله
стр. 1072
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسعودٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوق،
ــ
عليه وسلم ولم يسمع منه شيئًا وكان من عباد أهل الكوفة واحد سادة التابعين واحد العلماء العاملين مخضرم روى عن عبد الله بن مسعود وحذيفة وأبي موسى والأشعث بن قيس ومسروق وعلقمة بن قيس وعمار بن ياسر وأم سلمة وخباب بن الأرت وأبي الهياج الأسدي وخلق ويروي عنه (ع) وزبيد بن الحارث ومنصور والأعمش وواصل وجامع بن أبي راشد وعمرو بن مرة ومغيرة بن مقسم تعلم القرآن في سنتين وقال في التقريب: ثِقَة مخضرم مات في خلافة عمر بن العزيز وله مائة سنة (١٠٠).
روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والوضوء والصلاة في أربعة مواضع والجنائْز في موضعين والزكاة في خمسة مواضع والجهاد في ثلاثة مواضع والبيوع والأطعمة والزهد فجملة الأبواب التي روى عنه فيها تسعة (عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه بن غافل بن خبيب بن شمخ بن مخزوم الهذلي أبي عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ أحد السابقين الأولين إلى الإِسلام صاحب النعلين وقد تقدم البسط في ترجمته مات بالمدينة سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها وأسانيد هذا الحديث ثلاثة الأول سند محمَّد بن طلحة وهو من خماسياته ورجاله كلهم كوفيون إلَّا محمَّد بن بكار فإنَّه بغدادي والثاني سند سفيان وهو من سداسياته ورجاله اثنان منهم بصريان وأربعة كوفيون والثالث سند شعبة وهو من سداسياته أَيضًا ورجاله ثلاثة منهم بصريون وثلاثة كوفيون.
قال النووي: قوله (كلهم عن زبيد) هكذا ضبطناه وكذا وقع في أصلنا وبعض الأصول ووقع في الأصول التي اعتمدها ابن الصلاح بطريقي محمَّد بن طلحة وشعبة ولم يقع فيها طريق محمَّد بن المثنَّى عن ابن مهدي عن سفيان وأنكر الشيخ قوله كلهم مع أنهما اثنان محمَّد بن طلحة وشعبة وإنكاره صحيح على ما في أصوله وأما على ما عندنا فلا إنكار فإن سفيان ثالثهما والله أعلم انتهى.
(قال) عبد الله بن مسعود (قال رسول الله ﷺ سباب المسلم) أي سب المسلم وشتمه مثل يَا خائن يَا حمار يَا ثور يَا كلب يَا كبش يَا بطة (فسوق) أي خروج عن الملة إن استحله وخروج عن حيز الاستقامة والعدل إلى حيز الجهالة والظلم إن لم
стр. 1073
وَقِتَالهُ كفْرٌ"،
ــ
يستحل أي فلا إيمان للساب إن استحله وإلا فلا، فيستحق التأديب بما يراه الإِمام كما قاله الإِمام مالك، وقال الأبي: السباب مصدر ساب من باب فاعل يقال سابه سبابًا ومساببة كقاتله يقاتله قتالًا ومقاتلة ثم يحتمل أنَّه بمعنى سب الثلاثي والمفاعلة ليست على بابها والإضافة حينئذ تصح أن تكون للفاعل أي سب المسلم المسلم وأن تكون للمفعول أي سب الرَّجل المسلم ويحتمل أنَّه على بابه من المفاعلة أي تشاتمهما فسق وخروج عن العدل إلى الظلم فيعارض حينئذ حديث"المتسابان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم" لأنه نص في أن إثم تشاتمهما إنما هو على البادئ فقط ويجاب بأن حديث السباب محتمل للمعنيين السابقين فيرد لذلك النص وإنما كان على البادئ لأنه المتسبب والآخر إنما هو مكافئ ولهذا قال"ما لم يعتد المظلوم" فيخرج حينئذ عن حد المكافأة وإثم المظلوم إنما هو تقديري فلا إثم عليه إن لم يعتد قال النووي والسب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيّبه والمحكم فيما هو سب العرف ومن قال لرجل يَا شارب الخمر أو يَا آكل الربا أو يَا خائن أو يَا حمار أو يَا ثور أو يَا كلب أو يَا خنزير أو يَا فاسق أو يَا فاجر أو يَا ابن الفاجرة عزَّر وإن قال له يَا فاجرًا بفلانة حدّ إلا أن يدعي مخرجًا مثل أن يراه ناظرًا لها أو مُقَبِّلًا فيحلف على أنَّه أراد ذلك فيعزر وجعل الشيخ ابن عرفة الهجاء من السب ويستثنى من السب ما كان للتأديب وهو ما أشار إليه النووي بقوله فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر به النَّبِيّ ﷺ وعقوبته التأديب لأنه إذاية، وقال مالك من آذى مسلمًا أدب وقال القاضي والفسوق لغة الخروج ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها وشرعًا الخروج عن حد العدل إلى الظلم وعن الطاعة إلى الجهالة ومعنى سباب المسلم فسوق أي خروج عن امتثال الشرع وواجبه وسمي الفاسق فاسقًا لخروجه عن ميزان الشرع وانسلاخه عن أعمال البر، وقال القرطبي: ومعنى (سباب المسلم فسوق) أي خروج عن الذي يجب عليه من احترام المسلم وحرمة عرضه وسبه.
(وقتاله) أي قتال المسلم لأجل إسلامه (كفر) أي خروج عن الملة وانسلاخ عن حكم الإِسلام والإيمان إن استحل ذلك أو جحد لنعمة أخوة الإِسلام التي جعلها الله سبحانه بينهم أو كفر لإحسانه ونعمته كفران الزوج أو يؤول به بشؤمه إلى الكفر أو من عمل أهل الكفر إن لم يستحل ذلك فهو عاص لا يخرجه عن الملة.
стр. 1074
قَال زُبَيدٌ: فَقُلْتُ لأَبِي وَائِلٍ: أَنتَ سَمِعْتَهُ من عَبْدِ الله يَرويهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال: نَعَم، وَلَيسَ في حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيدٍ لأَبِي وَائِلٍ.
١٢٩ - (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ المُثَنَّى عَنْ مُحَمَّد بنِ جَعْفَرٍ,
ــ
وقال القاضي: قوله (وقتاله كفر) أي قتاله من أَجل إسلامه واستحلال ذلك منه كفر حقيقي وقيل المعنى قتاله من أعمال أهل الكفر أو يكون كفر طاعة وكفر نعمة وغمطهما حيث جعلهما الله سبحانه مسلمين وألف بين قلوبهما ثم صار هو بعد يقاتله وقيل كفر بحق المسلم وجحد له بالمعنى لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه وقتاله وترك ما أمر به من محبته وإكرامه وصلته فهو كفر بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده وكل ذلك منهي عنه وفاعله جاحد حق أخيه المسلم وحق الله فيه، وقد يكون القتال بمعنى المدافعة والمشاررة أي دفع شره وأذاه كما في حديث المار بين يدي المصلي"فليقاتله" انتهى بتصرف وزيادة.
وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن مسعود رواه أَحْمد (١/ ٣٨٥ و ٤٣٣ و ٤٣٩ و ٤٤٦ و ٤٥٤ و ٤٥٥) والبخاري (٤٨) والتِّرمذيّ (٢٦٣٦) والنَّسائيّ (٧/ ١٢٢) وابن ماجه (٦٩) و (٣٩٣٩).
(قال زبيد) بن الحارث اليامي بالسند السابق (فقلت ل) شيخي (أبي وائل) شَقِيق بن سلمة أ (أنت سمعته) أي أسمعت هذا الحديث (من عبد الله) بن مسعود حالة كون عبد الله (يرويه) أي يروي هذا الحديث (عن رسول الله ﷺ قال زبيد (قال) أبو وائل (نعم) سمعت عبد الله بن مسعود يرويه عن رسول الله ﷺ وقوله (قال زبيد) من قول سفيان ومن قول محمَّد بن طلحة (و) هو في حديثهما لأنه (ليس في حديث شعبة) حكاية (قول زبيد لأبي وائل) والله أعلم، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٢٩) - متا (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكُوفيّ ثبت ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) (و) حدثنا محمَّد (بن المثنَّى) بن عبيد أبو موسى العنزي البَصْرِيّ ثِقَة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٥٢) (عن محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم البَصْرِيّ أبي عبد الله من (٩) مات سنة (١٩٣)
стр. 1075
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ كِلاهُمَا، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ بِمِثْلِهِ
ــ
(عن شعبة) بن الحجاج العتكي مولاهم أبي بسطام البَصْرِيّ من (٧) مات سنة (١٦٠) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي أبي عثاب بمثلثة بعدها باء موحدة الكُوفيّ من بني بهشة بن سليم من رهط العباس بن مرداس ومجاشع بن مسعود السلميين روى عن أبي وائل وإبراهيم النَّخَعيّ وهلال بن يساف وأبي الضحى ومجاهد والحكم بن عتيبة والمسيب بن رافع وأبي إسحاق السبيعي وعمرو بن مرة وخلق ويروي عنه (ع) وشعبة وجرير بن عبد الحميد والثوري وإسرائيل وسليمان التَّيميّ ومسعر وشيبان وزائدة وأبو عوانة وحماد بن سلمة والمعتمر بن سليمان وخلائق، قال العجلي: ثِقَة ثبت له نحو ألفي حديث قال زائدة صام منصور أربعين سنة وقام ليلها، وقال في التقريب: ثِقَة ثبت وكان لا يدلس من الخامسة مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في سبعة مواضع والزكاة في موضعين والصوم في أربعة مواضع والحج في موضعين والنكاح والبيوع والجهاد والأدب في موضعين والمناقب والأحكام والضحايا والذبائح والنذور والرفق والقدر والدعاء والتفسير فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة عشر بابا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا) محمَّد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني أبو عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ ثِقَة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (١٠) أبواب قال ابن نمير (حَدَّثَنَا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأَنْصَارِيّ أبو عثمان الصفار البَصْرِيّ ثِقَة ثبت من كبار العاشرة مات سنة (٢٢٠) عشرين ومائتين روى عنه المؤلف في تسعة أبواب (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج (عن) سليمان (الأَعمش) الكُوفيّ الكاهلي ثِقَة من الخامسة (كلاهما) أي كل من منصور والأعمش رويا (عن أبي وائل) شَقِيق بن سلمة الكُوفيّ (عن عبد الله) بن مسعود الكُوفيّ (عن النَّبِيّ ﷺ وقوله (بمثله) متعلق برويا المقدر والضمير عائد على زبيد بن الحارث اليامي أي كلاهما رويا عن أبي وائل بمثل ما روى زبيد عن أبي وائل وغرض المؤلف بسوق هذين السندين بيان متابعة منصور والأعمش لزبيد اليامي في رواية هذا الحديث عن أبي وائل وفائدة
стр. 1076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذه المتابعة بيان كثرة طرقه وهذان السندان من سداسياته، الأول منهما رجاله اثنان بصريان وأربعة كوفيون، والثاني رجاله كذلك أَيضًا.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلَّا حديثًا واحدًا وهو حديث ابن مسعود وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 1077
٣٦ - بَابُ الأمْرِ بِلزومِ الإيمَانِ وَالتَّمَسُّكِ بِشَرَائِع الإِسْلامِ، والنَّهْيِ عَنِ الارْتدَادِ عَنِ الإِسْلامِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالْكفَّارِ
١٣٠ - (٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ
ــ
٣٦ - بَابُ الأمْرِ بِلزومِ الإيمَانِ وَالتَّمَسُّكِ بِشَرَائِع الإِسْلامِ، والنَّهْيِ عَنِ الارْتدَادِ عَنِ الإِسْلامِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالْكفَّارِ
أي هذا باب معقود في بيان الأمر بلزوم الإيمان والمواظبة عليه والتمسك بشرائع الإِسلام والعمل بها وهذا الجزء من الترجمة دل عليه الحديث الآتي بمفهومه وباب معقود في بيان النهي عن الارتداد والرجوع عن الإِسلام إلى الضلالة وعن التشبه بالكفار في أعمالهم بالمسلمين بمقاتلة بعضهم بعضًا وهذا الجزء دل عليه الحديث الآتي بمنطوقه.
وترجم للحديث الآتي النووي والقاضي وأكثر المتون وهذا الأبي والسنوسي بقولهم (باب بيان معنى قوله ﷺ لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض).
ولم يترجم له القرطبي بل أدخله في الترجمة السابقة واعترض على ترجمتهم هذه بأنه لم يبين في داخلها معنى الحديث المذكور بل إنما ذكر فيه لفظه وأيضًا بأن الترجمة عين الحديث المترجم له مع أن القاعدة عندهم أن الترجمة هي المعنى المستنبط من منطوق الحديث أو مفهومه واعترض أَيضًا بأنها لا تدخل تحت ترجمة كتاب الإيمان مع أن القاعدة عندهم دخول تراجم الأبواب تحت ترجمة الكتاب لأن الكتاب اسم لجنس من العلم مشتمل على أنواع داخلة تحته.
(١٣٠) - س (٦٤) (حَدَّثَنَا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكُوفيّ ثِقَة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٣٥) (و) حدثنا أَيضًا (محمَّد بن المثنَّى) العنزي أبو موسى البَصْرِيّ ثِقَة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٥٢) (و) حدثنا أَيضًا محمَّد (بن بشار) بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي أبو إسحاق البَصْرِيّ المعروف ببندار لكونه بندار الحديث أي أوعيته ثِقَة من (١٠) مات سنة (٢٥٢) وله (٨٠) ثمانون سنة روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه،
стр. 1078
جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، ح وَحَدْثَنَا (١) عُبَيدُ الله بن مُعَاذِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدرِكٍ: سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جدهِ جَرِيرٍ
ــ
حدثوا لنا حالة كونهم (جميعًا) أي حالة كونهم مجتمعين متفقين في تحديثهم لنا (عن محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم الحافظ أبي عبد الله البَصْرِيّ من (٩) مات سنة (١٩٣) (عن شعبة) بن الحجاج العتكي مولاهم أبي بسطام البَصْرِيّ من (٧) مات سنة (١٦٠).
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان التَّمِيمِيّ العنبري أبو عمرو البَصْرِيّ ثِقَة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في الإيمان وغيره وأتى بقوله (واللفظ له) اي لفظ الحديث الآتي لعبيد الله بن معاذ تورعًا من الكذب على أبي بكر وابن المثنَّى وابن بشار لأنهم إنما رووا معنى الحديث الآتي لا لفظه قال عبيد الله بن معاذ (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنَّى البَصْرِيّ قاضي البصرة ثِقَة متقن من كبار التاسعة مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في عشرة (١٠) أبواب تقريبًا وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي مشايخه الراويين عن شعبة مع اختلاف صيغتهما, لأنه في السند الأول محمَّد بن جعفر وفي الثاني معاذ بن معاذ العنبري قال معاذ بن معاذ (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج البَصْرِيّ أبو بسطام العتكي روى عنه المؤلف في ثلاثين (٣٠) بابا تقريبًا (عن علي بن مدرك) النَّخَعيّ أبي مدرك الكُوفيّ روى عن أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير في الإيمان وهلال بن يساف وإبراهيم النَّخَعيّ ويروي عنه (ع) وشعبة والأعمش والمسعودي وقال في التقريب: ثِقَة من الرابعة مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة (سمع) علي بن مدرك (أَبا زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليّ الكُوفيّ روى عن جده جرير وأبي هريرة ومعاوية وغيرهم ويروي عنه (ع) وعلي بن مدرك وعمارة بن القعقاع وغيرهم ثِقَة من الثالثة روى عنه المؤلف في الإيمان والفتن وغيرهما كما مر. حالة كون أبي زرعة (يحدث عن جده جرير) بن عبد الله بن جابر البَجَليّ الأحمسي أبي عمرو الكُوفيّ له صحبة من النَّبِيّ ﷺ عداده في الكوفيين سكنها زمانًا وتحول إلى قرقيسياء ومات بها سنة (٥١) إحدى وخمسين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة أبواب تقريبًا في الإيمان والصلاة والزكاة وهذان السندان
стр. 1079
قَال: قَال لِي النَّبِيُّ (١) ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قَال: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض"
ــ
من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وثلاثة كوفيون إلَّا في رواية أبي بكر بن أبي شيبة فعلى روايته أربعة منهم كوفيون واثنان بصريان.
(قال) جرير بن عبد الله (قال لي النَّبِيّ ﷺ في حجة الوداع) يوم النحر بمنى، قال النووي والمعروف في الرواية حجة الوداع بفتح الحاء والمسموع من العرب فيها الكسر قال الهروي والقياس الفتح لأنها اسم المرة الواحدة لا الهيئة قالوا فيجوز الكسر فيها بالسماع والفتح بالقياس وسميت حجة النَّبِيّ ﷺ بذلك لأنه ﷺ ودع النَّاس فيها وعلمهم في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم أن يبلغ الشاهد فيها الغائب (استنصت النَّاس) أي اطلب منهم الإنصات وأمرهم به ليسمعوا مني هذه الأمور المهمة والقواعد التي سأقررها لهم وأحَمّلهم إيَّاها والاستنصات طلب الإنصات منهم والإنصات السكوت مع الإصغاء ومعنى استنصت أسكت النَّاس ليستمعوا مني قواعد دينهم ووصيتي إليهم بمصالح دينهم (ثم) بعد ما أسكتهم وأمرتهم بالاستماع فسكتوا (قال) رسول الله ﷺ (لا ترجعوا) ولا تنقلبوا (بعدي) أي بعد فراقي من موقفي هذا ويكون معنى بعدي خلافي أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به أو بعد وفاتي أي لا ترتدوا ولا تصيروا بعد وفاتي (كفارًا) مستحلين حالة كونكم (يضرب بعضكم رقاب بعض) آخر مستحلين المقاتلة والمقاطعة بينكم فتكونون كافرين كفرًا حقيقيًّا ومفهوم هذا النهي الأمر بملازمة الإيمان والاعتصام بشرائع الإِسلام والمباعدة عن صنوف الشِّرك والضلال والمعنى لازموا عقيدة أهل الإيمان واعملوا بشرائع الإِسلام ولا ترجعوا بعد وفاتي على أعقابكم وتصيروا كفارًا مستحلين ضرب بعضكم رقاب بعض فتنقلبوا خاسرين مرتدين عن الإِسلام، وقال القرطبي: معنى لا ترجعوا كفارًا بعدي لا تشبهوا بالكفار في المقاتلة والمقاطعة وفيه ما يدل على أن النَّبِيّ ﷺ كان يعلم ما سيقع بعده في أمته من الفتن والتقاتل ويدل أَيضًا على قرب وقوع ذلك من زمانه فإنَّه خاطب بذلك أصحابه وظاهره أنَّه أرادهم لأنه بهم أعْنَى وعليهم أحْنَى ويحتمل غير ذلك اه.
وقال الخطابي: معناه لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا اه،
стр. 1080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: المراد بالحديث أهل الردة وهذا القول إنما قاله الرسول ﷺ في خطبة النحر إثر قوله "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" الحديث متفق عليه ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارًا الحديث فهو شرح لما تقدم منه ﷺ في تحريم بعضهم على بعض ما أقاموا على الإِسلام، قال النووي: قوله ﷺ "لا ترجعوا بعدي كفارًا" إلخ قيل في معناه سبعة أقوال، الأول: أن ذلك كفر شرعي في حق مستحل الضرب بغير حق لأنه استحل ما هو معلوم حرمته ضرورة أي لا تصيروا كفارًا باستحلال ضرب بعضكم بعضًا فتخرجوا عن الملة والإيمان" والثاني: كفر النعمة وحق الإِسلام والمعنى لا تصيروا جاحدين لنعمة الإِسلام وأخوته فيضرب بعضكم رقاب بعض، والثالث: أنَّه ما يقرب إلى الكفر ويؤدي إليه أي لا تفعلوا ما يؤول بكم إلى أن تصيروا كفارًا بضرب بعضكم رقاب بعض، والرابع: أنَّه فعلٌ كفعل الكفار أي لا تصيروا أشباه الكفار بضرب بعضكم رقاب بعض نظير قوله تعالى ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ باللهِ﴾ الآية أي كيف تتشبهون بالكفار نزلت في لبس الْأَنصار السلاح بعضهم لبعض لإفساد يهود بينهم وتذكيرهم إياهم أيامهم في الجاهلية حتَّى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح وهذا أظهر الأقوال وهو اختيار القاضي عياض والقرطبي، والخامس: المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين مؤمنين، والسادس: أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح يقال: تكفر الرَّجل بسلاحه إذا لبسه أي لا تصيروا متسلحين يضرب بعضكم رقاب بعض، والسابع: لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا فتخرجوا عن الملة. انتهى بتصرف.
وهذا كله على رواية الرفع في يضرب وهو في موضع الحال وأما على رواية الجزم فلا يستقيم المعنى عليه لأن الجزم في جواب النهي بتقدير شرط فينقلب النهي معه نفيًا، فإذا قلت لا تضرب زيدًا يكرمك فالتقدير إن لا تضربه يكرمك فإن لم يحسن النفي معه وجب الرفع فتقول لا تدن من الأسد يأكلك بالرفع إذ لا يصح إن لا تدن من الأسد يأكلك فلا يصح الجزم والحديث نظير هذا المثال فلا يصح الجزم فيه لأن المعنى حينئذ إن لا ترجعوا كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض فلا يصح ذلك.
وقال المازري: تمسك بهذا الحديث الخوارج في التكفير بالذنوب لأن المعنى لا تكفروا بعدي بضرب بعضكم رقاب بعض والمبتدعة في أن الإجماع ليس بحجة قالوا
стр. 1081
١٣١ - (٦٥) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِي، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّد بْنِ زَيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ
ــ
لأن نهي الأمة عن الكفر يدل على جوازه منهم لأنه لو كان ممتنعًا لم ينه عنه وإذا جاز أن يجتمعوا على الكفر فعلى الخطإ في الاجتهاد أولى، والجواب عن الأول أن كفارًا معناه مكفرين أي متسترين بالسلاح يضرب بعضكم رقاب بعض وأصل الكفر الستر وعن الثاني بأن كفارًا بمعنى جاحدين نعمة الله تعالى عليكم بأن أَلْف بين قلوبكم.
وهذا الحديث أعني حديث جرير شارك المؤلف في روايته أَحْمد (٤/ ٣٥٨ و ٣٦٣ و ٣٦٦) والبخاري (١٢١) والنَّسائيّ (٧/ ١٢٧ و ١٢٨) وابن ماجه (٣٩٤٢).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جرير بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٣١) - ش (٦٥) (وحدثني أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ ثِقَة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في ستة عشر بابا (و) حدثني أَيضًا (أبو بكر) محمَّد (بن خلاد) بن كثير (الباهليّ) البَصْرِيّ روى عن محمَّد بن جعفر ويحيى بن سعيد القطَّان وعبد الأعلى بن عبد الأعلى والوليد بن مسلم وعبد الرَّحْمَن بن مهدي وابن فضيل وغيرهم ويروي عنه (م د س ق) وأبو حاتم الرَّازيّ وعبد الله بن أَحْمد وبقي بن مخلد وغيرهم وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين على الصحيح روى عنه المؤلف في الإيمان والصوم والجهاد والأطعمة والرؤيا واللباس في ستة أبواب تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال ابن أبي شيبة وابن خلاد (حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البَصْرِيّ المعروف بغندر ثِقَة صحيح الكتاب إلَّا أن فيه غفلة من التاسعة مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا قال محمَّد بن جعفر (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج العتكي أبو بسطام البَصْرِيّ ثِقَة متقن حافظ من السابعة مات سنة (١٦٠) ستين ومائة روى عنه المؤلف في (٣٠) ثلاثين بابا (عن واقد بن محمَّد بن زيد) بن عبد الله بن عمر بن الخَطَّاب العدوي المدنِيُّ ثِقَة من السادسة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة أبواب (أنَّه) أي أن واقد بن محمَّد (سمع أباه) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن
стр. 1082
يحدِّث عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنهُ قَال في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "وَيحَكُمْ -أَوْ قَال: وَيلَكُمْ- لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"
ــ
عمر بن الخَطَّاب رضي الله تعالى عنهما العمري المدنِيُّ ثِقَة من الثالثة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب حالة كون محمَّد بن زيد (يحدث عن) جده (عبد الله بن عمر) بن الخَطَّاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل المكيّ أحد المكثرين من الصَّحَابَة مات سنة أربع وسبعين (٧٤) بمكة ودفن بفخ وهو ابن أربع وثمانين سنة والفخ بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة موضع بمكة دفن فيه ابن عمر ذكره في القاموس وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد مكّيّ إلَّا على طريقة ابن أبي شيبة فإنَّه كُوفِيّ والبصري اثنان فقط.
(عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه) ﷺ (قال في حجة الوداع) في خطبة يوم النحر بمنى سنة عشر (ويحكم) أي أشرفتم على الهلاك واستحق لكم الترحم (أو قال) ﷺ (ويلكم) وأو هنا للشك من الراوي، أي هلكتم هلاككم أو ألزمكم الله الهلاك فهما مفعولان به لفعل محذوف تقديره اسوجبتم الويح والترحم لكم أو ألزم الله الويل والهلاك لكم إلَّا ترجعوا) ولا ترتدوا (بعدي) أي بعد وفاتي فتصيروا (كفارًا) أي أشباه كفار غيركم حالة كونكم (يضرب) ويقطع (بعضكم رقاب بعض) آخر وأعناقه مستحلين المقاتلة بينكم.
(فائدة) في الويح والويل والويس والويب وهما بمعنى الويل والويح في الأصل دعاء بالرحمة والويل دعاء بالهلاك أريد بهما هنا الحث والتحريض على ملازمة الإيمان والتمسك بشرائع الإِسلام والتحذير عن الرجوع إلى الكفر والارتداد على الأعقاب لا حقيقة الرحمة والهلاك وانتصابهما إما على المصدر بفعل ملاق لهما في المعنى دون اللفظ لأنهما من المصادر التي لم تستعمل أفعالها والتقدير استوجبتم ويحكم وهلكتم هلاككم وإما على المفعول والتقدير أوجب الله ويحكم وألزم ويلكم وعلى كلا التقديرين فالجملة في محل النصب مقول لقال كذا أفادته الجمل على الجلالين، وقد بسطنا الكلام على الويل في حدائق الروح والريحان فراجعه.
стр. 1083
١٣٢ - (٠٠) وَحَدْثَنَا عُبَيدُ اللهِ بن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
١٣٣ - (٠٠) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بن يَحيَى، أخبَرَنَا عَبدُ الله بْنُ وَهبٍ،
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث ابن عمر البُخَارِيّ وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٣٢) - متا (٠٠) (وحدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر العنبري أبو عمرو البَصْرِيّ ثِقَة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٣٧) قال عبيد الله بن معاذ (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنَّى البَصْرِيّ ثِقَة متقن من (٩) مات سنة (١٩٦) قال معاذ بن معاذ (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي أبو بسطام البَصْرِيّ من (٧) (عن واقد بن محمَّد) بن زيد العدوي المدنِيُّ من (٦) (عن أَبيه) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر العدوي المدنِيُّ من (٣) (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخَطَّاب (عن النَّبِيّ ﷺ ) والجار والمجرور في قوله (بمثله) أي بمثل حديث محمَّد بن جعفر متعلق بقوله حَدَّثَنَا أبي أي حَدَّثَنَا أبي معاذ بن معاذ عن شعبة بن الحجاج بمثل ما حدث محمَّد بن جعفر عن شعبة وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معاذ بن معاذ لمحمد بن جعفر في رواية هذا الحديث عن شعبة وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان منهم مدنيان وواحد منهم مكّيّ وتقديم هذا السند أعني سند عبيد الله بن معاذ على السند الذي قبله أعني سند أبي بكر بن أبي شيبة من تصحيف النساخ وتحريفهم ولا تغتر بما في الشروح والمتون من تقديمه عليه والصواب ما شرحنا عليه كما في النسخ القديمة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٣٣) - متا (٠٠) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة التجيبي أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين روى عن عبد الله بن وهب في مواضع قال حرملة (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القُرشيّ
стр. 1084
قَال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّد: أنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدٍ
ــ
مولاهم أبو محمَّد المصري ثِقَة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) عبد الله بن وهب (حَدَّثني عمر بن محمَّد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخَطَّاب العمري المدنِيُّ ثم العسقلاني نزل عسقلان روى عن أَبيه ونافع وحفص بن عاصم وسالم والقاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وجده زيد ويروي عنه (خ م د ص ق) وابن وهب ويزيد بن زريع وشعبة وغيرهم وثِقَة أَحْمد وأبو حاتم، وقال في التقريب ثِقَة من السادسة مات قبل الخمسين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز في موضعين والصوم والبيوع في موضعين والنكاح واللباس في ثلاثة مواضع والأطعمة في موضعين والحوض، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة (أن أباه) محمَّد بن زيد العمري المدنِيُّ (حدثه) أي حدث لعمر بن محمَّد (عن) جده عبد الله (بن عمر) بن الخَطَّاب المكيّ [(عن النَّبِيّ ﷺ ] والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث شعبة عن واقد) متعلق بقوله أخبرنا عبد الله بن وهب أي أخبرنا عبد الله بن وهب عن عمر بن محمَّد عن أَبيه محمَّد بن زيد بمثل ما حدث شعبة عن واقد وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الله بن وهب لشعبة في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن زيد ولكنها متابعة ناقصة لأن عبد الله بن وهب روى عن محمَّد بن زيد بواسطة عمر بن محمَّد وشعبة روى عن محمَّد بن زيد بواسطة واقد بن محمَّد وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه وهذا السند من خماسياته اثنان منهم مصريان واثنان مدنيان وواحد مكّيّ والله أعلم.
стр. 1085
٣٤ (*) - بَابُ حُكْمِ إيمَانٍ مَنْ طَعَنَ في النَّسَبِ وَنَاحَ عَلَى الْمَيِّتِ
١٣٤ - (٦٦) وَحَدْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمدُ بْنُ عُبَيدٍ
ــ
٣٤ - بَابُ حُكْمِ إيمَانٍ مَنْ طَعَنَ في النَّسَبِ وَنَاحَ عَلَى الْمَيِّتِ
أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان من طعن وعيَّب في نسب النَّاس وفي بيان حكم إيمان من ناح ورفع الصوت بالبكاء على الميت سواء كان مع الندب أم لا فحكم إيمانهما أنهما إن استحلا الطعن والنوح يكفران ويخرجان عن الملة وإلا فهما عاصيان بعملهما أعمال أهل الكفر والجاهلية.
وترجم النواوي والقاضي وأكثر المتون للحديث الآتي بقولهما (باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة) وترجم له الأبي بقوله (باب قوله ﷺ ثنتان في النَّاس هما بهم كفر) وترجم له السنوسي بقوله (باب الطعن في الأنساب والنياحة على الميت) ولم يترجم له القرطبي بل أدخل هذا الحديث في الترجمة السابقة وعدلت إلى ما ترجمت به ليوافق ترجمة كتاب الإيمان ولسلامته من اتحاد الترجمة والمترجم له، وبالسندين السابقين في أول الكتاب، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(١٣٤) - س (٦٦) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حَدَّثَنَا أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضَّرير التَّمِيمِيّ مولاهم الكُوفيّ ثِقَة من كبار التاسعة مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا) محمَّد بن عبد الله (بن نمير) مصغرًا الهمداني أبو عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ ثِقَة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا وأتى بقوله (واللفظ له) اي لابن نمير تورعًا من الكذب على أبي بكر بن أبي شيبة وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه، قال محمَّد بن نمير (حَدَّثَنَا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني أبو هشام الكُوفيّ ثِقَة من أهل السنة من كبار التاسعة مات سنة (١٩٩) تسع وتسعين ومائة روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (محمَّد بن عبيد) -بلا إضافة- بن أبي أمية عبد الرَّحْمَن الطنافسي الأحدب أبو عبد الله الكُوفيّ روى عن الأَعمش ويزيد بن كيسان وهشام بن
стр. 1086
كُلُّهُم عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "اثْنَتَانِ في النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْر: الطعْنُ في النسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ"
ــ
عروة وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم ويروي عنه (ع) ومحمَّد بن عبد الله بن نمير عن أَبيه وعنه مقرونًا وابن أبي شيبة وإسحاق وأَحمد ويحيى بن معين وجماعة وقال في التقريب: ثِقَة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين وقال النَّسائيّ: ثِقَة، ووثقه أَحْمد وابن معين روى عنه المؤلف في باب الإيمان وفي باب المرء مع من أحب وفي الجنائز في موضعين (كلهم) أي كل من أبي معاوية وعبد الله بن نمير ومحمَّد بن عبيد (عن) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم المعروف بـ (الأعمش) أبي محمَّد الكُوفيّ، قال النَّسائيّ: ثِقَة ثبت وعدَّه في المدلسين، من الخامسة مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة روى عنه المؤلف في ثلاثهّ عشر بابًا تقريبًا (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدنِيُّ مولى جويرية بنت الحارث القيسية ثِقَة ثبت من الثالثة مات سنة (١٠١) إحدى ومائة وقال العجلي تابعي مدني موثوق به وفي الخلاصة مات ليالي الحرة سنة ثلاث ومائة (١٠٣) مقتولًا (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ مات سنة (٥٩) تسع وخمسين وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ اثنتان) مبتدأ أول وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بقوله (في النَّاس) أي خصلتان موجودتان في النَّاس (هما) مبتدأ ثان (بهم) متعلق بقوله (كفر) وهو خبر عن المبتدأ الثاني وصح الإخبار به عن المثنَّى مع كونه مفردًا لأنه مصدر يصلح للمفرد والمثنَّى والجمع بلفظه أي خصلتان موجودتان في النَّاس هما كفر قائم بهم كفرًا شرعيًّا يخرج من الملة إن استحلوها وإلا فهما من أعمال أهل الكفر وجاهلية واقعة منهم فهم عصاة بهما فلا يخرجان من الملة، أحدهما: (الطعن) والتعيير (في النسب) أي في نسب النَّاس وإن يقال فلان ليس ابن فلان لأنه لا يشبهه (و) ثانيهما: (النياحة) أي رفع الصوت بالبكاء (على الميت) أي على من مات والتقييد بالنساء فيما ورد من الأحاديث جرى مجرى الغالب لأن النوح على الميت من عادتهن وإلا فالرجل كذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة أَحْمد (٢/ ٤٩٦)
стр. 1087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقط، وقال الأبي: قوله (هما بهم كفر) أي فيهم فالباء بمعنى في اهـ، وقال القرطبي: أي هما من خصال أهل الكفر والجاهليةكما قال ﷺ "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الطعن في الأحساب والفخر بالإنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" رواه التِّرْمِذِيّ (١٠٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.
وقال النواوي: في معنى هذا الحديث أقوال: أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني أنَّه يؤدي إلى الكفر، والثالث أنَّه كفر النعمة والإحسان, والرابع أن ذلك في المُسْتَحِل، وفي هذا الحديث تغليظُ تحريم الطعن في النسب والنياحة وقد جاء في كل واحد منهما نصوص معروفة والله أعلم اهـ.
وقال القاضي: قوله (هما بهم كفر) أي من أعمال أهل الكفر وعادتهم وأخلاق الجاهلية وهما خصلتان مذمومتان محرمتان في الشرع وقد كان النَّبِيّ ﷺ يأخذ على النساء في بيعتهن أن لا ينحن وقال ﷺ : "ليس منّا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" رواه البُخَارِيّ وغيره وكذلك نهى النَّبِيّ ﷺ عن السخرية واللمز والنبز والغيبة والقذف وكل هذا من أعمال الجاهلية وقد قال الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فعرف نعمته بالإنساب للتعارف والتواصل فمن تسور على قطعها والغَمْضِ فيها فقد كفر نعمة ربه وخالف مراده وكذلك أمر تعالى بالصبر وأثنى على الصابرين ووعدهم رحمته وصلاته ووصفهم بهدايته وحتم الموت على عبادة فمن أبدى السخط والكراهة لقضاء ربه وفعل ما نهاه عنه فقد كفر نعمته فيما أعد للصابرين من ثوابه وتشبه بمن كفر من الجاهلية انتهى.
стр. 1088
٣٧ - بَابُ حُكْمِ إيمَانِ الْعَبْدِ الآبِقِ
١٣٥ - (٦٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَعديُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يعني ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيّ،
ــ
٣٧ - بَابُ حُكْمِ إيمَانِ الْعَبْدِ الآبِقِ
أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان العبد الآبق أي الشارد عن سيده بلا إذنه فحكم إيمانه أنَّه يكفر ويخرج عن الملة إن استحل الإباق لاستحلاله ما هو معلوم من الدين بالضرورة وإلا فهو كافر كفرانًا بمعنى جحد حق مواليه فهو مؤمن عاص يستحق التأديب، وترجم النووي والقاضي وأكثر المتون بقولهم (باب تسمية العبد الآبق كافرًا) وترجم له الأبي بقوله (باب إباق العبد) وترجم له السنوسي بقوله (باب العبد الآبق إذا أبق فهو كافر) ولم يترجم له القرطبي وعدلت إلى ما ترجمت به ليوافق ترجمة كتاب الإيمان والله أعلم.
(١٣٥) - س (٦٥) (حَدَّثَنَا علي بن حجر) بن إياس بن مقاتل بن مشمرج (السعدي) أبو الحسن المروزي نزيل بغداد ثم مرو ثِقَة حافظ من صغار التاسعة مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابا تقريبًا.
قال علي بن حجر (حَدَّثَنَا إسماعيل) بن إبراهيم بن سهم بن مقسم الأسدي أبو بشر المجري مولى بني أسد بن خزيمة وأمه علية مولاة أَيضًا لبني أسد ثِقَة حافظ من الثامنة مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (يعني) ويقصد شيخي علي بن حجر بإسماعيل الذي أبهمه إسماعيل (ابن عليّة) تورعًا من الكذب على شيخه وإيضاحًا للراوي (عن منصور بن عبد الرَّحْمَن) الأشل الغداني بضم المعجمة قبل المهملة المشددة آخره نون البَصْرِيّ روى عن الشعبي في الإيمان وأبي إسحاق السبيعي والحسن البَصْرِيّ ويروي عنه (م د) وإسماعيل بن عليّة وشعبة وبشر بن المفضل وغيرهم، وثقه أَحْمد وابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النَّسائيّ ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثِّقات، وقال في التقريب: صدوق يهم من الثالثة ولم أر من أرخ موته (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الشعبي شعب همدان أبي عمرو الكُوفيّ الإِمام
стр. 1089
عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "أيُّما عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ .. فَقَد كَفَرَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيهِمْ" قَال مَنصُور: قَدْ وَاللهِ رُويَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، وَلَكِني أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ
ــ
العلم ثِقَة من الثالثة مات سنة (١٢٥) عشرين ومائة ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخَطَّاب وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابا (عن جرير) بن عبد الله البَجَليّ الأحمسي أبي عمرو الكُوفيّ ويقال فيه أبو عبد الله الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في الإيمان والصلاة والزكاة.
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مروزي (أنَّه) أي أن الشعبي (سمعه) أي سمع جرير بن عبد الله حالة كونه (يقول أيما عبد) أي أيّ رقيق (أبق) وشرد وهرب (من مواليه) وأسياده (فقد كفر) كفرًا حقيقيًّا شرعيًّا وخرج عن الملة إن استحل ذلك الإباق وإلا فقد كفر وجحد وأنكر حق مواليه فهو عاصٍ (حتَّى يرجع إليهم) أي إلى مواليه وعبارة السنوسي معنى هذا الكلام أن منصورًا روى هذا الحديث عن الشعبي عن جرير موقوفًا عليه، ثم قال منصور -بعد حكايته إياه موقوفًا: والله إنه لمرفوع إلى النَّبِيّ ﷺ فاعلموه أيها الخواص الحاضرون فإنما أكره أن أصرح برفعه من لفظ روايتي فيشيع عني بالبصرة المملوءة بالمبتدعة. انتهى.
وقوله (أيما) اسم شرط جازم مبتدأ مرفوع وما زائدة وعبد مضاف إليه والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، وأبق بفتح الباء أفصح من كسرها وهو فعل شرط فقد كفر جواب الشرط وقرن بالفاء لاقترانه بقد وهذا حديث موقوف على جرير ثم (قال منصور) بن عبد الرَّحْمَن بالسند السابق ورفعه إلى النَّبِيّ ﷺ حيث قال إنه (قد والله روي) هذا الحديث (عن النَّبِيّ ﷺ وفصل بين الفعل وقد بالقسم تأكيدًا للكلام (ولكني) أي ولكن أنا (كره أن يروي) ويحدث هذا الحديث (عني ها هنا) يعني (بالبصرة) البلدة المملوءة بالمبتدعة مرفوعًا إلى النَّبِيّ ﷺ فإن البصرة كانت وقتئذ ممتلئة بأهل البدعة القائلين بتكفير أهل المعاصي وتخليدهم في النَّار وعبارة السنوسي هنا وكره منصور أن يحدث به بالبصرة لكثرة من بها من المعتزلة والمكفرين بالذنوب إذ لهم في هذا الحديث متمسك ولم يكره أن يحدث به بحضرة
стр. 1090
١٣٦ - (٠٠) حَدَّثَنَا أبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بن غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أيما عَبْدٍ أَبَقَ .. فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ"
ــ
الخواص كما فعل اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث جرير رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٣٦) - متا (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ ثِقَة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حدثنا حفص بن غياث) بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة ابن طلق بن معاوية النَّخَعيّ أبو عمر الكُوفيّ قاضي الكوفة قال في التقريب: ثِقَة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر بعد ما استُقْضِيَ من الثامنة مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا كما تقدم (عن داود) بن أبي هند دينار القشيري مولاهم أبي بكر البَصْرِيّ ثِقَة متقن كان يهم بآخره من الخامسة مات سنة (١٤٥) أربعين ومائة وقيل قبلها وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الكُوفيّ (عن جرير) بن عبد الله البَجَليّ الكُوفيّ وهذا السند من خماسياته رجاله واحد منهم بصري وأربعة كوفيون وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة داود بن أبي هند لمنصور بن عبد الرَّحْمَن في رواية هذا الحديث عن الشعبي وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن منصورًا مختلف فيه وبيان رفع الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى.
(قال) جرير (قال رسول الله ﷺ أيما عبد) أي أيّ رقيق (أبق) وشرد وهرب (فقد برئت) أي خلصت (منه) أي من ذلك العبد (الذمة) أي ذمة الإيمان وعهده وخرج ذلك العبد من الإيمان فيقتل إن فعل ذلك الإباق مستحلًا له أو ذمة الشرع وأمانه الذي جعله للمسلمين من كفاية الأعداء فيستحق عقوبة سيده له إن فعله غير مستحل له، وعبارة القرطبي هنا (قوله فقد برئت منه الذمة) أي ذمة الإيمان وعهده وحمايته وخفارته إن كان مستحلًا للإباق فيجب قتله بعد الاستتابة لأنه مرتد وإن لم يكن كذلك فقد خرج عن حرمة المُؤْمنين وذمتهم فإنَّه تجوز عقوبته على إباقه وليس لأحد أن يحول بين سيده وبين عقوبته الجائزة إذا شاءها السيد اهـ.