Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
كُلُّهُم عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "اثْنَتَانِ في النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْر: الطعْنُ في النسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ"
ــ
عروة وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم ويروي عنه (ع) ومحمَّد بن عبد الله بن نمير عن أَبيه وعنه مقرونًا وابن أبي شيبة وإسحاق وأَحمد ويحيى بن معين وجماعة وقال في التقريب: ثِقَة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين وقال النَّسائيّ: ثِقَة، ووثقه أَحْمد وابن معين روى عنه المؤلف في باب الإيمان وفي باب المرء مع من أحب وفي الجنائز في موضعين (كلهم) أي كل من أبي معاوية وعبد الله بن نمير ومحمَّد بن عبيد (عن) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم المعروف بـ (الأعمش) أبي محمَّد الكُوفيّ، قال النَّسائيّ: ثِقَة ثبت وعدَّه في المدلسين، من الخامسة مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة روى عنه المؤلف في ثلاثهّ عشر بابًا تقريبًا (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدنِيُّ مولى جويرية بنت الحارث القيسية ثِقَة ثبت من الثالثة مات سنة (١٠١) إحدى ومائة وقال العجلي تابعي مدني موثوق به وفي الخلاصة مات ليالي الحرة سنة ثلاث ومائة (١٠٣) مقتولًا (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ مات سنة (٥٩) تسع وخمسين وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ اثنتان) مبتدأ أول وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بقوله (في النَّاس) أي خصلتان موجودتان في النَّاس (هما) مبتدأ ثان (بهم) متعلق بقوله (كفر) وهو خبر عن المبتدأ الثاني وصح الإخبار به عن المثنَّى مع كونه مفردًا لأنه مصدر يصلح للمفرد والمثنَّى والجمع بلفظه أي خصلتان موجودتان في النَّاس هما كفر قائم بهم كفرًا شرعيًّا يخرج من الملة إن استحلوها وإلا فهما من أعمال أهل الكفر وجاهلية واقعة منهم فهم عصاة بهما فلا يخرجان من الملة، أحدهما: (الطعن) والتعيير (في النسب) أي في نسب النَّاس وإن يقال فلان ليس ابن فلان لأنه لا يشبهه (و) ثانيهما: (النياحة) أي رفع الصوت بالبكاء (على الميت) أي على من مات والتقييد بالنساء فيما ورد من الأحاديث جرى مجرى الغالب لأن النوح على الميت من عادتهن وإلا فالرجل كذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة أَحْمد (٢/ ٤٩٦)
стр. 1087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقط، وقال الأبي: قوله (هما بهم كفر) أي فيهم فالباء بمعنى في اهـ، وقال القرطبي: أي هما من خصال أهل الكفر والجاهليةكما قال ﷺ "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الطعن في الأحساب والفخر بالإنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" رواه التِّرْمِذِيّ (١٠٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.
وقال النواوي: في معنى هذا الحديث أقوال: أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني أنَّه يؤدي إلى الكفر، والثالث أنَّه كفر النعمة والإحسان, والرابع أن ذلك في المُسْتَحِل، وفي هذا الحديث تغليظُ تحريم الطعن في النسب والنياحة وقد جاء في كل واحد منهما نصوص معروفة والله أعلم اهـ.
وقال القاضي: قوله (هما بهم كفر) أي من أعمال أهل الكفر وعادتهم وأخلاق الجاهلية وهما خصلتان مذمومتان محرمتان في الشرع وقد كان النَّبِيّ ﷺ يأخذ على النساء في بيعتهن أن لا ينحن وقال ﷺ : "ليس منّا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" رواه البُخَارِيّ وغيره وكذلك نهى النَّبِيّ ﷺ عن السخرية واللمز والنبز والغيبة والقذف وكل هذا من أعمال الجاهلية وقد قال الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فعرف نعمته بالإنساب للتعارف والتواصل فمن تسور على قطعها والغَمْضِ فيها فقد كفر نعمة ربه وخالف مراده وكذلك أمر تعالى بالصبر وأثنى على الصابرين ووعدهم رحمته وصلاته ووصفهم بهدايته وحتم الموت على عبادة فمن أبدى السخط والكراهة لقضاء ربه وفعل ما نهاه عنه فقد كفر نعمته فيما أعد للصابرين من ثوابه وتشبه بمن كفر من الجاهلية انتهى.
стр. 1088
٣٧ - بَابُ حُكْمِ إيمَانِ الْعَبْدِ الآبِقِ
١٣٥ - (٦٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَعديُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يعني ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيّ،
ــ
٣٧ - بَابُ حُكْمِ إيمَانِ الْعَبْدِ الآبِقِ
أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان العبد الآبق أي الشارد عن سيده بلا إذنه فحكم إيمانه أنَّه يكفر ويخرج عن الملة إن استحل الإباق لاستحلاله ما هو معلوم من الدين بالضرورة وإلا فهو كافر كفرانًا بمعنى جحد حق مواليه فهو مؤمن عاص يستحق التأديب، وترجم النووي والقاضي وأكثر المتون بقولهم (باب تسمية العبد الآبق كافرًا) وترجم له الأبي بقوله (باب إباق العبد) وترجم له السنوسي بقوله (باب العبد الآبق إذا أبق فهو كافر) ولم يترجم له القرطبي وعدلت إلى ما ترجمت به ليوافق ترجمة كتاب الإيمان والله أعلم.
(١٣٥) - س (٦٥) (حَدَّثَنَا علي بن حجر) بن إياس بن مقاتل بن مشمرج (السعدي) أبو الحسن المروزي نزيل بغداد ثم مرو ثِقَة حافظ من صغار التاسعة مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابا تقريبًا.
قال علي بن حجر (حَدَّثَنَا إسماعيل) بن إبراهيم بن سهم بن مقسم الأسدي أبو بشر المجري مولى بني أسد بن خزيمة وأمه علية مولاة أَيضًا لبني أسد ثِقَة حافظ من الثامنة مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (يعني) ويقصد شيخي علي بن حجر بإسماعيل الذي أبهمه إسماعيل (ابن عليّة) تورعًا من الكذب على شيخه وإيضاحًا للراوي (عن منصور بن عبد الرَّحْمَن) الأشل الغداني بضم المعجمة قبل المهملة المشددة آخره نون البَصْرِيّ روى عن الشعبي في الإيمان وأبي إسحاق السبيعي والحسن البَصْرِيّ ويروي عنه (م د) وإسماعيل بن عليّة وشعبة وبشر بن المفضل وغيرهم، وثقه أَحْمد وابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النَّسائيّ ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثِّقات، وقال في التقريب: صدوق يهم من الثالثة ولم أر من أرخ موته (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الشعبي شعب همدان أبي عمرو الكُوفيّ الإِمام
стр. 1089
عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "أيُّما عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ .. فَقَد كَفَرَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيهِمْ" قَال مَنصُور: قَدْ وَاللهِ رُويَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، وَلَكِني أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ
ــ
العلم ثِقَة من الثالثة مات سنة (١٢٥) عشرين ومائة ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخَطَّاب وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابا (عن جرير) بن عبد الله البَجَليّ الأحمسي أبي عمرو الكُوفيّ ويقال فيه أبو عبد الله الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في الإيمان والصلاة والزكاة.
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مروزي (أنَّه) أي أن الشعبي (سمعه) أي سمع جرير بن عبد الله حالة كونه (يقول أيما عبد) أي أيّ رقيق (أبق) وشرد وهرب (من مواليه) وأسياده (فقد كفر) كفرًا حقيقيًّا شرعيًّا وخرج عن الملة إن استحل ذلك الإباق وإلا فقد كفر وجحد وأنكر حق مواليه فهو عاصٍ (حتَّى يرجع إليهم) أي إلى مواليه وعبارة السنوسي معنى هذا الكلام أن منصورًا روى هذا الحديث عن الشعبي عن جرير موقوفًا عليه، ثم قال منصور -بعد حكايته إياه موقوفًا: والله إنه لمرفوع إلى النَّبِيّ ﷺ فاعلموه أيها الخواص الحاضرون فإنما أكره أن أصرح برفعه من لفظ روايتي فيشيع عني بالبصرة المملوءة بالمبتدعة. انتهى.
وقوله (أيما) اسم شرط جازم مبتدأ مرفوع وما زائدة وعبد مضاف إليه والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، وأبق بفتح الباء أفصح من كسرها وهو فعل شرط فقد كفر جواب الشرط وقرن بالفاء لاقترانه بقد وهذا حديث موقوف على جرير ثم (قال منصور) بن عبد الرَّحْمَن بالسند السابق ورفعه إلى النَّبِيّ ﷺ حيث قال إنه (قد والله روي) هذا الحديث (عن النَّبِيّ ﷺ وفصل بين الفعل وقد بالقسم تأكيدًا للكلام (ولكني) أي ولكن أنا (كره أن يروي) ويحدث هذا الحديث (عني ها هنا) يعني (بالبصرة) البلدة المملوءة بالمبتدعة مرفوعًا إلى النَّبِيّ ﷺ فإن البصرة كانت وقتئذ ممتلئة بأهل البدعة القائلين بتكفير أهل المعاصي وتخليدهم في النَّار وعبارة السنوسي هنا وكره منصور أن يحدث به بالبصرة لكثرة من بها من المعتزلة والمكفرين بالذنوب إذ لهم في هذا الحديث متمسك ولم يكره أن يحدث به بحضرة
стр. 1090
١٣٦ - (٠٠) حَدَّثَنَا أبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بن غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أيما عَبْدٍ أَبَقَ .. فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ"
ــ
الخواص كما فعل اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث جرير رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٣٦) - متا (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ ثِقَة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حدثنا حفص بن غياث) بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة ابن طلق بن معاوية النَّخَعيّ أبو عمر الكُوفيّ قاضي الكوفة قال في التقريب: ثِقَة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر بعد ما استُقْضِيَ من الثامنة مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا كما تقدم (عن داود) بن أبي هند دينار القشيري مولاهم أبي بكر البَصْرِيّ ثِقَة متقن كان يهم بآخره من الخامسة مات سنة (١٤٥) أربعين ومائة وقيل قبلها وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الكُوفيّ (عن جرير) بن عبد الله البَجَليّ الكُوفيّ وهذا السند من خماسياته رجاله واحد منهم بصري وأربعة كوفيون وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة داود بن أبي هند لمنصور بن عبد الرَّحْمَن في رواية هذا الحديث عن الشعبي وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن منصورًا مختلف فيه وبيان رفع الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى.
(قال) جرير (قال رسول الله ﷺ أيما عبد) أي أيّ رقيق (أبق) وشرد وهرب (فقد برئت) أي خلصت (منه) أي من ذلك العبد (الذمة) أي ذمة الإيمان وعهده وخرج ذلك العبد من الإيمان فيقتل إن فعل ذلك الإباق مستحلًا له أو ذمة الشرع وأمانه الذي جعله للمسلمين من كفاية الأعداء فيستحق عقوبة سيده له إن فعله غير مستحل له، وعبارة القرطبي هنا (قوله فقد برئت منه الذمة) أي ذمة الإيمان وعهده وحمايته وخفارته إن كان مستحلًا للإباق فيجب قتله بعد الاستتابة لأنه مرتد وإن لم يكن كذلك فقد خرج عن حرمة المُؤْمنين وذمتهم فإنَّه تجوز عقوبته على إباقه وليس لأحد أن يحول بين سيده وبين عقوبته الجائزة إذا شاءها السيد اهـ.
стр. 1091
١٣٧ - (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ،
ــ
قال القاضي: (قوله برئت) يقال فيما هنا وفي الدين وغيرهما من الأشياء برئ بكسر الراء ويهمز ويسهل وأما برأ من المرض فلغة الحجاز فيها الفتح ولغة تميم الكسر ويهمز ولا يهمز ومضارعه يبرأ بالفتح على الوجهين في ماضيه يقال برئت من الرَّجل والدين أبرأ براءة وبرأت من المرض أبرأ برءًا وجاء في لغة برؤ بضم الراء أبرؤ من باب كرم، وقال القاضي أَيضًا: والمراد بالذمة هنا عهد الإيمان ويعني أنَّه خرج منه ويقتل إن فعله مستحلًّا وفي الحديث: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله وقد يعني بالذمة ضمان الشرع وأمانه الذي جعله للمؤمنين من كفاية الأعداء من الجن والإنس في بعض الأحيان ومنه سمي أهل الذمة لأنهم في أمان المسلمين وضمانهم فالمعنى أنَّه كان في ضمان الشرع وكفالته من عقوبة سيده له فلما أبق خفر بإباقه هذا الضمان والأمان أو يكون هذا في عبد كافر استحياه الإِمام فابق لدار الحرب فأسقط بإباقه ذمام الإِسلام بحقن دمه وصار كاحد الحربيين اهـ. قال النواوي وقال ابن الصلاح: وقد تكون الذمة هنا بمعنى الذمام وهو الاحترام أي لا احترام له.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جرير ﵁ فقال:
(١٣٧) - متا (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِيّ الحنظلي أبو زكريا النَّيسَابُورِيّ أحد الأئمة الأعلام، وقال في التقريب: ثِقَة ثبت إمام من العاشرة مات سنة (٢٢٦) ست وعشرين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابًا تقريبًا، قال يحيى (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط الضَّبِّيّ أبو عبد الله الكُوفيّ ثم الرَّازيّ ثِقَة صحيح الكتاب كان في آخر عمره يهم من حفظه مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم وسكون القاف الضَّبِّيّ مولاهم أبي هشام الكُوفيّ الفقيه الأعمى روى عن الشعبي وإبراهيم النَّخَعيّ ونعيم بن أبي هند وأبي وائل وواصل بن حيان وغيرهم ويروي عنه (ع) وجرير بن عبد الحميد وإسرائيل وهشيم وزهير بن معاوية وشعبة وأبو عوانة وجماعة وثقه العجلي وابن معين، وقال في التقريب: ثقة متقن إلَّا أنَّه كان يدلس ولا سيما في إبراهيم من السادسة مات سنة (١٣٦)
стр. 1092
عَنِ الشَّعْبِيِّ قَال: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الله يحدِّث عَنِ النبِي ﷺ قَال: "إِذَا أَبَقَ العَبْدُ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلاةٌ"
ــ
ست وثلاثين ومائة على الصحيح.
روى المؤلف عنه في الإيمان وفي أول الصلاة والحج والبيوع في ثلاثة مواضع والأطعمة والطب ودلائل النبوة والفضائل في موضعين فجملة الأبواب التي روى عنه فيها ثمانية تقريبًا (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الكُوفيّ (قال) الشعبي كان جرير بن عبد الله) البَجَليّ الصحابي الجليل (يحدث عن النَّبِيّ ﷺ .
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلَّا يحيى بن يحيى فإنَّه نيسابوري وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة مغيرة بن مقسم لمنصور بن عبد الرَّحْمَن في رواية هذا الحديث عن الشعبي وفائدتها تقوية هذا السند الأول وكرر متن السند لما في هذه الرواية أَيضًا من المخالفة للرواية الأولى (قال) النَّبِيّ ﷺ (إذا أبق العبد) وهرب الرقيق من سيده (لم تقبل له) أي لذلك العبد (صلاة) ولا صيام ولا كل عمل صالح والصلاة كناية عن كل عمل صالح، وقال القرطبي: إن كان مستحلًا حمل الحديث على ظاهره لأنه يكون كافرًا ولا يقبل لكافر عمل وإن لم يكن كذلك لم تصح صلاته على مذهب المتكلمين في الصلاة في الدار المغصوبة لأنه منهي عن الكون في المكان الذي يصلي فيه ومأمور بالرجوع إلى سيده وأما على مذهب الفقهاء المصححين لتلك الصلاة فيمكن أن يحمل الحديث على مذهبهم على أن الإثم الذي يلحقه في إباقه أكثر من الثواب الذي يدخل عليه من جهة الصلاة فكأنه صلاته لم تقبل إذ لم يتخلص بسببهما من الإثم ولا حصل له منها ثواب يتخلص به من عقاب الله على إباقه فكان هذا كما قلناه في قوله ﵊: "إن شارب الخمر لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا" رواه التِّرْمِذِيّ (٨٦٣ ١) والنَّسائيّ (٨/ ٣١٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما انتهى.
قال النووي: وقد أول هذا الحديث المازري والقاضي عياض على أن ذلك محمول على المستحل للإباق فيكفر ولا تقبل له صلاة ولا غيرها ونبه بالصلاة على غيرها، وأنكر ابن الصلاح وقال: بل ذاك جار في غير المستحل ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها
стр. 1093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمعصية وأما صحتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحتها ولا تناقض في ذلك ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب وأثر الصحة في سقوط القضاء وفي أنَّه لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة هذا آخر كلام ابن الصلاح وهو ظاهر لا شك في حسنه وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث جرير أَحْمد (٤/ ٣٥٧ و ٣٦٥) وأبو داود (٤٣٦٠) والنَّسائيّ (٧/ ١٠٢).
***
стр. 1094
٣٨ - بَابُ حُكْمِ إيمانِ مَنْ قَال مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا
١٣٨ - (٦٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَال: قَرَأْتُ َعَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بن كَيسَانَ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ،
ــ
٣٨ - بَابُ حُكْمِ إيمانِ مَنْ قَال مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا
أي باب معقود في بيان حكم إيمان من قال مطرنا بنوء كذا أي بنجم كذا وكذا مع اعتقاد اختراعه وتأثيره في حصول المطر، وترجم للحديث الآتي النواوي والقاضي وأكثر المتون بقولهم (باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء) وترجم له الأبي بقوله (باب أحاديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) وترجم له السنوسي بقوله (باب من قال مطرنا بالأنواء فهو كفر) وترجم له القرطبي بقوله (باب نسبة الاختراع لغير الله حقيقة الكفر) وعدلت إلى ما ترجمت به ليوافق ترجمة كتاب الإيمان والله أعلم كما مر مرارًا:
(١٣٨) - س (٦٨) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) بن بكير التَّمِيمِيّ الحنظلي أبو زكريا النَّيسَابُورِيّ ثِقَة ثبت إمام من العاشرة مات سنة (٢٢٦) وروى المؤلف عنه في تسعة عشر بابًا تقريبًا (قال) يحيى (قرأت على مالك) بن أنس وأنا وحيد فهو بمعنى أخبرني مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبي عبد الله المدنِيّ الفقيه إمام دار الهجرة أحد أعلام الإِسلام، وقال في التقريب: ثِقَة متقن من السابعة بلغ تسعين سنة (٩٠) ومات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة وولد سنة (٩٣) ثلاث وتسعين ودفن بالبقيع وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن صالح بن كيسان) الغفاري أبي محمَّد المدنِيُّ مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز تابعي رأى عبد الله بن عمر ثِقَة ثبت فقيه من الرابعة مات بعد الأربعين ومائة (١٤٠) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا وتقدم البسط في ترجمته (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي الأعمى أبي عبد الله المدنِيُّ من سادات التابعين واحد الفقهاء السبعة ثِقَة ثبت فقيه من الثالثة مات سنة (٩٤) أربع وتسعين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا، قال المازري: قيل هو في نسخة ابن ماهان عن صالح عن الزُّهْرِيّ عن عبيد الله وإدخال الزُّهْرِيّ بينهما خطأ لأن صالحًا أسن منه وهو يرويه عن عبيد الله بلا واسطة اهـ من الأبي.
стр. 1095
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ صَلاةَ الصبحِ بِالحُدَيبِيَةِ في إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيلِ،
ــ
(عن زيد بن خالد الجهني) من جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن إلحاف بن قضاعة حديثه في أهل الحجاز أبي طلحة المدنِيُّ ويقال أبو عبد الرَّحْمَن صحابي مشهور له أحد وثمانون حديثًا اتفقا على خمسة وانفرد (م) بثلاثة روى عن النَّبِيّ ﷺ وعن عثمان وأبي طلحة الأَنْصَارِيّ ويروي عنه (ع) وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعطاء بن يسار وعبد الله بن قيس بن مخرمة ويزيد مولى المنبعث وبسر بن سعيد وعبيد الله الخولاني وجماعة، مات بالكوفة في آخر ولاية معاوية وقيل بالمدينة سنة (٧٨) وله (٨٥) خمس وثمانون سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء في موضعين والصلاة والأحكام واللباس في خمسة أبواب.
وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم مدنيون إلَّا يحيى بن يحيى فإنَّه نيسابوري، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي وهو صالح عن عبيد الله (قال) زيد بن خالد (صلى) جماعة (بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية) أكثر الرواة يشددون ياء الحديبية، وهي لغة أهل اليمن، وأهل العراق يخففونها، وكذا الجعرانة، تقولها أهل المدينة بكسر العين وتشديد الراء، وأهل العراق يسكنون العين ويخففون الراء، وكذا ابن المسيّب أهل المدينة يكسرون الياء مشددة وأهل العراق يفتحونها، وكذلك قرأته وقيدته على من لقيته وقيدت عليه، والحديبية موضع فيه ماء بينه وبين مكة أميال، وصل النَّبِيّ ﷺ إليه وهو محرم بعمرة قبل فتح مكة فصده المشركون عن البيت، فصالحهم وشرط لهم وعليهم ولم يدخل مكة في تلك السنة، ورجع إلى المدينة فلما كان العام المقبل دخلها وسيأتي تفصيل ذلك كله إن شاء الله تعالى اهـ قرطبي.
(في إثر سماء) أي عقب مطر (كانت من الليل) أي وقعت في الليل، وفي نسخة الأبي والسنوسي "إثر سماء" بحذف في، وعلى نسختنا هذه ففي زائدة، وإثر الشيء بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة بعده وعقبه، ويقال فيه أَثر بفتح الهمزة والثاء، والسماء هنا المطر، سُمي بذلك لأنه من السماء ينزل، وحقيقة السماء كل ما علاك فأظلك، قال القاضي جمع السماء أسمية وسُمى، وأصل السماء سماو لأنه من السمو قُلبت الواو
стр. 1096
فَلَمَّا انْصَرَفَ .. أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَال: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَال رَبُّكُمْ؟ ، قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "قَال: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فأَمَّا مَنْ قَال:
ــ
همزة لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة، وهذا القلب مطرد، وسُمي المطر سماء تسمية للشيء باسم محله لأنه ينزل من السماء أي السحاب، وسمي السحاب سماء كما سُمي مُزنًا، لأن كل ما علا وأظل فهو سماء، وسماء كل شيء ما ارتفع منه اهـ.
وفي تفسير الحدائق عند قوله تعالى ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال سلمان الفارسي: والسموات سبعٌ، اسم الأولى: رُفَيعٌ مصغرًا، وهي من زمردة خضراء، واسم الثانية: أرفلون وهي من فضة بيضاء، والثالثة: قيدوم وهي من ياقوتة حمراء، والرابعة: ماعون وهي من دُرة بيضاء، والخامسة: دبقاء وهي من ذهب أحمر، والسادسة: وَفناء وهي من ياقوتة صفراء، والسابعة: عروباء وهي من نور يتلألأ اهـ.
وقد نظم بعضهم أسماء السموات السبع والكرسي والعرش العظيم فقال:
أولاها رُفيعٌ ثانيها أرفلون ... ثالثها قيدوم رابعها ماعون
خامسها دبقاء والسادس وَفناء ... سابعها عروباء سميت بهن السماء
ثامنها هو الكرسي الكريم ... كذا تاسعها العرش العظيم
(فلما انصرف) وفرغ وسلم رسول الله ﷺ من صلاة الصبح (أقبل) بوجهه الشريف (على الناس) الذين صلوا معه، وفي المفهم: أي فلما انصرف من صلاته وفرغ منها، ظاهره أنه لم يكن يثبت في مكان صلاته بعد سلامه بل كان ينتقل عنه، ويتغير عن حالته وهذا هو الذي يستحبه مالك للإمام في المسجد اهـ.
(فقال) ﷺ لهم (هل تدرون) وتعلمون (ماذا قال) أي ما الذي قاله (ربكم) وخالقكم في هذه الليلة، فما استفهامية في محل الرفع مبتدأ، وذا اسم موصول في محل الرفع خبر، وجملة قال صلة الموصول والعائد محذوف كما قدرناه والجملة الاستفهامية سادة مسد مفعولي درى معلق عنها باسم الاستفهام (قالوا) أي الحاضرون سلوكًا مسلك الأدب وتفويضًا للعلم إلى الله سبحانه (الله) (ورسوله) ﷺ (أعلم) أي عالمان ذلك لا نحن (قال) رسول الله ﷺ (قال) الله سبحانه (أصبح) أي دخل الصباح (من عبادي) فريق (مؤمن بي و) فريق (كافر) بي والفاء في قوله (فأما من قال) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط
стр. 1097
مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرحْمَتِهِ .. فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بالْكَوْكَبِ، وأَمَّا مَنْ قَال: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا .. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ"
ــ
مقدر، تقديره إذا عرفتم أن عبادي فريقان وأردتم بيان كل فريق فأقول لكم: أما من قال (مطرنا) أي رزقنا المطر (بفضل الله) أي بتفضله وتكرمه علينا (ورحمته) وإحسانه لنا (فذلك) أي قائل مُطرنا بفضل الله ورحمته (مؤمن بي) أي مصدق بأن المطر خلقي لا خلق الكوكب، أرحم به من أشاء من عبادي وأتفضل عليهم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ سورة الشورى: آية (٢٨) (كافر بالكوكب) أي جاحد بتأثير الكوكب وإنشائه للمطر.
(وأما من قال مُطرنا بنوء كذا وكذا) بنجم كذا وكذا كالثريا والدبران أي بطلوعه أو بغروبه وقت الفجر (فذلك) أي قائل مُطرنا بنوء كذا (كافر بي) أي جاحد بفضلي وإحساني ورحمتي (مؤمن بالكوكب) أي مصدق بتأثير الكوكب وإنشائه المطر، ومعتقد له، قال القرطبي: ظاهره أنه الكفر الحقيقي، لأنه قابل به المؤمن الحقيقي، فيُحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها لا من فعل الله تعالى كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين والعرب، فأما من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق المطر واخترعه ثم تكلم بذلك القول "أعني مُطرنا بنوء كذا" فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين: أحدهما: أنه خالف الشرع فإنه قد حذر من ذلك الإطلاق، وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز لأنا قد أمرنا بمخالفتهم فقال: "خالفوا المشركين" رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، وقال: "خالفوا اليهود" رواه أبو داود من حديث شداد بن أوس، ونُهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال، ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبه بهم في النطق بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] لما كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي ﷺ يقصدون ترعينه- حفظنا الله من إطلاقها وقولها للنبي ﷺ وإن قصدنا بها الخير سدًا للذريعة ومنعًا من التشبه بهم فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يُريد به الإخبار عما أجرى الله به سنته جاز كما قال ﷺ : "إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة" أي كثيرة الماء رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به الواقدي وفيه مقال، وفي هامش إكمال المعلم انفرد
стр. 1098
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به مالك في الموطأ وذكره بلاغًا، قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي في الأم ومعنى إذا نشأت بحرية أي إذا ظهرت سحابة من ناحية البحر ومعنى تشاءمت أي أخذت نحو الشام وغديقة تصغير غدقة، وقال مالك: معناه إذا ضربت ريح بحرية فأنشأت سحابًا ثم ضربت ريح من ناحية الشمال فتلك علامة المطر الغزير والعين مطر أيام لا يقلع اهـ منه.
وقوله (بنوء كذا) والنوء لغة: النهوض بثقل يقال ناء الرجل بكذا إذا نهض به متثاقلًا ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ "القصص آية ٧٦" أي لتثقلهم عند النهوض بها ثم استعمل في ناء الكوكب إذا طلع، وقيل إذا غرب، ثم سُمي الكوكب نفسه نوأً، فقالوا مُطرنا بنوء كذا، أي بنجم كذا من تسمية الفاعل بالمصدر، وإنما نسبت العرب المطر إلى النجوم لأن ثمانية وعشرين كوكبًا معروفة المطالع في السنة وهي المسماة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة كوكب عند طلوع الفجر ويظهر نظيره، فكانت العرب إذا طلع نجم من المشرق وسقط آخر من المغرب فحدث عند ذلك مطر أو ريح أو حر أو برد فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى الغارب الساقط نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث، فنهى الشرع عن إطلاق ذلك لئلا يعتقد أحد اعتقادهم، ولا يتشبه بهم في نُطقهم والله أعلم، قال الزجاج في بعض أماليه: الساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي البوارح اهـ.
وقد جمع منازل القمر الثمانية والعشرين في وسيلة الطلاب إلى علمي الفلك والحساب في ستة أبيات فقال:
أولها الشرطين ثم البُطينْ ... ثم الثريا الواضح المستبينْ
ودبران هَقعَةٌ وهَنْعةْ ... ذراعُ نَثْرةٌ وطرفُ جبهةْ
والخرثانُ زُبرةَ تُسمى ... والصرفةُ العوا السماك ثما
غَفْرٌ زُبَانا اكليلُ قلبٌ بعدَهْ ... وشولةٌ نعائمٌ وبلدهْ
سعدٌ ذابحٌ سعدٌ بلعهْ ... سعدُ سعودٍ سعدُ الأخبيةْ
والفرغُ ذو التقديمِ والفرغُ الأخير ... وبطنُ حوتٍ والرشا فيه شهيرْ
стр. 1099
١٣٨ - (٦٨) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ
ــ
قال النواوي: وأما معنى هذا الحديث فاختلف العلماء في كفر من قال مُطرنا بنوء كذا على قولين أحدهما هو كفر بالله ، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء، والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال مُطرنا بنوء كذا معتقدًا أنه من الله تعالى وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة، اعتبارًا بالعادة، وكأنه قال: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، واختلفوا في كراهته والأظهر كراهته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيساء الظن بصاحبها، ولأنها شعار الجاهلية، ومن سلك مسلكهم.
والقول الثاني: في أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب "أصبح من الناس شاكر وكافر"، وفي الرواية الأخرى "ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، وفي الرواية الأخرى "ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين" فقوله بها يدل على أنه كفر بالنعمة والله أعلم انتهى.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث، أعني حديث زيد بن خالد، أحمد (٤/ ١١٧)، والبخاري (٨٤٦)، وأبو داود (٣٩٠٦)، والنسائي (٣/ ١٦٥). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث زيد بن خالد، بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٣٨) - ش (٦٨) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة التجيبي، أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) روى عن عبد الله بن وهب في مواضع (و) حدثني أيضًا (عمرو بن سواد) بتشديد الواو، بن الأسود بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح (العامري) السرحي بمهملات، أبو محمد المصري، روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، ويروي عنه (م دس ق) وابن قتيبة العَسْقَلِي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة، مات سنة
стр. 1100
وَمُحَمدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَال الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَال: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَن أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَال رَبُّكُمْ؟ !
ــ
(٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين (و) حدثني أيضًا (محمد بن سلمة) بن عبد الله بن أبي فاطمة (المرادي) الجمليُّ -بفتح الجيم والميم- مولاهم أبو الحارث، المصري الفقيه، روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، وعن ابن القاسم وجماعة، ويروي عنه (م د س) وقال النسائي: ثقة ثقة، وقال ابن يونس: كان ثبتًا، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الحادية عشرة، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند، لأن الأولين من الثلاثة صدوقان، وأتى بقوله (قال المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن يونس) بصيغة التحديث، وبقوله (وقال الآخران) حرملة وعمرو (أخبرنا ابن وهب) بصيغة الإخبار تورعًا من الكذب على الأخيرين، لو قال في الكل حدثنا، ومن الكذب على الأول لو قال في الكل أخبرنا، لأن بين حدثنا وأخبرنا فرقًا في اصطلاح مسلم، أي قالوا أخبرنا عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولى بني فهر، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد، مشكان القرشي الأموي، مولى معاوية بن أبي سفيان أبو يزيد الأيلي، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) القرشي الزهريّ أبي بكر المدني، ثقة متقن حافظ، متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا (قال) ابن شهاب (حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة مات سنة (٩٤) روى عنه المؤلف في (٨) أبواب تقريبًا.
(أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (قال قال رسول الله ﷺ ألم تروا) أي ألم تنظروا (إلى ما قال ربكم) وخالقكم بقلوبكم
стр. 1101
قَال: مَا أَنْعمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ .. إلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُم بِها كَافِرِينَ يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ".
١٣٩ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي مُحَمدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمرِو بْنِ الْحَارِثِ، ح وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ:
ــ
وتتفكروا فيه (قال) ربكم (ما أنعمت) وتفضلت (على عبادي) برًا وفاجرًا (من نعمة) أي من مطر (إلا أصبح فريق) وجماعة (منهم بها) أي بتلك النعمة (كافرين) أي إلا دخلوا في الصباح حالة كونهم كافرين جاحدين بها، على جعل أصبح تامة، أو كانوا جاحدين بها غير شاكرين عليها، على أنها ناقصة وجملة قوله (يقولون) حال ثانية أو خبر ثان لأصبح، أي حالة كونهم يقولون أمطرت (الكواكب) أ (و) يقولون مُطرنا (بالكواكب) أي بالنجوم، أي بطلوع نجم كذا أو غروبه.
قال الأبي: (قوله ما أنعمت على عبادي من نعمة) وفي الآخر (ما أنزلت من بركة) -يعني بالنعمة والبركة المطر لا عموم النعم، ثم يحتمل أن هذه المقالة منهم كانت فيما قبل واستمرت، ويحتمل أنها إنما كانت فيما قبل الإخبار بهذا الحديث.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة، النسائي فقط، كما في التحفة، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٣٩) - متا (٠٠) (وحدثني محمد بن سلمة المرادي) أبو الحارث المصري الفقيه ثقة ثبت من الحادية عشرة، قال محمد بن سلمة (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي أبو محمد المصري ثقة من (٩)، مات سنة (١٩٧) (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري، مولاهم أبي أمية المصري الفقيه المقرئ، أحد الأئمة الأعلام، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، مات سنة (١٤٨)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني عمرو بن سواد) بن الأسود العامري أبو محمد المصري من (١١) مات سنة (٢٤٥) قال عمرو (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري القرشي قال ابن وهب (أخبرنا عمرو بن الحارث) الأنصاري المصري، وأتى بحاء التحويل لبيان اختلاف صيغتي شيخيه لأن
стр. 1102
أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيرَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَال: "مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةس .. إلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِها كَافِرِينَ، يُنْزِلُ الله الْغَيثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا"، وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: "بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا".
١٤٠ - (٦٩) وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ،
ــ
المرادي قال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، وقال عمرو بن سواد أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن الحارث أي أخبرنا عمرو بن الحارث (أن أبا يونس) سليم بن جبير المصري (مولى أبي هريرة) الدوسي روى عن أبي هريرة في الإيمان والصلاة والزكاة وغيرها ويروي عنه (م د ت) وعمرو بن الحارث وحيوة بن شريح، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات سنة (١٢٣) ثلاث وعشرين ومائة (حدثه) أي حدث عمرو بن الحارث (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون إلا أبا هريرة فإنه مدني وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي يونس لعبيد الله بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات.
(عن رسول الله ﷺ قال ما أنزل الله) (من السماء) أي من السحاب سمي سماء لارتفاعه عن الأرض (من بركة) أي من مطر سمي بركة لأنه سبب لخيرات أهل الأرض وأرزاقهم (إلا أصبح) أي دخل في الصباح (فريق) وجماعة (من الناس بها كافرين) أي حالة كونهم كافرين وجاحدين بكونها من فضل الله سبحانه أو معرضين عن شكرها فإنه (ينزل الله) (الغيث) والمطر (فـ) ـهم (يقولون) أمطر (الكوكب كذا وكذا) أي أمطر النجم الفلاني مطرًا صفته كذا وكذا فيضيفون المطر إلى غير الله تعالى مع أنه الممطر (وفي حديث) محمد بن سلمة (المرادي) وروايته مطرنا (بكوكب) أي بنجم (كذا وكذا) كطلوع الثريا وغروب الهقعة والهنعة مثلًا.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث زيد بن خالد الجهني بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٤٠) - ش (٦٩) (وحدثني عباس بن عبد العظيم) بن توبة بن كيسان (العنبري) أبو
стр. 1103
حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ -وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيلٍ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ
ــ
الفضل المروزي البصري الحافظ، قال القاضي: وعند العذري الغبري وهو تصحيف، روى عن النضر بن محمد في الإيمان وغيره وأبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي في الحج وأبي بكر الحنفي في الزهد ويزيد بن هارون ومعاذ بن هشام وخلق فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثلاثة.
ويروي عنه (م عم) و (خ) تعليقًا وابن خزيمة، وقال في التقريب: ثقة حافظ من كبار الحادية عشرة مات بالبصرة سنة (٢٤٦) قال العباس (حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الجرشي بالجيم المضمومة والشين المعجمة الأموي مولاهم أبو محمد اليمامي روى عن عكرمة في الإيمان والصوم والحج والأحكام وصفة النبي ﷺ والفضائل والنفاق وأبي أويس عبد الله في الصلاة فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية ويروي عنه (خ م د ت ق) وعباس بن عبد العظيم وعبد الله الرومي وأحمد بن جعفر المعقري في الصلاة وأحمد بن يوسف الأزدي وغيرهم وثقه العجلي، وقال في التقريب: له أفراد من التاسعة، قال النضر بن محمد (حدثنا عكرمة) بن عمار العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة أحد الأئمة روى عن أبي زميل سماك الحنفي وإياس بن سلمة بن الأكوع ويحيى بن كثير وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وشداد بن عبد الله أبي عمار وسالم بن عبد الله ويزيد بن عبد الرحمن بن أذينة وغيرهم ويروي عنه (م عم) والنضر بن محمد وابن مهدي وابن المبارك وشعبة والسفيانان وخلق، وثقه ابن معين والعجلي، وقال في التقريب: صدوق من الخامسة يغلط، وكان مجاب الدعوة مات سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن عمار) إشارة إلى أن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه بل مما زاده من عند نفسه، وإيضاحًا للراوي، قال عكرمة (حدثنا أبو زُميل) مصغرًا سماك بن الوليد بكسر أوله وتخفيف الميم الحنفي اليمامي، نزيل الكوفة، روى عن ابن عباس في الإيمان والطلاق والجهاد والفضائل، ومالك بن مرثد، ويروي عنه (م عم) وعكرمة بن عمار ومسعَر وشعبة، وثقه أحمد وابن معين والعجلي، قال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة (قال) أبو زُميل (حدثني ابن عباس) بن
стр. 1104
قَال: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هذِهِ رَحْمَةُ الله، وَقَال بَعضُهُم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، قَال: فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ حتى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾
ــ
عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم النبي ﷺ أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم يماميون وواحد طائفي وواحد بصري (قال) ابن عباس (مُطر الناس) أي حصل المطر لهم (على عهد النبي ﷺ أي في زمان حياته (فقال النبي ﷺ أصبح من الناس) أي دخل في الصباح (شاكر) أي فريق شاكر لربه منهم (ومنهم كافر) أي وفريق كافر لنعمة ربه منهم (قالوا) أي قال الشاكرون (هذه) البركة والمطر (رحمة الله) تعالى وفضله وإحسانه فلهُ الشكر عليها (وقال بعضهم) الكافرون والله (لقد صدق) طلوع أو سقوط (نوء كذا وكذا) أي نجم كذا وكذا أي نجم الثريا أو الشرطين أو البطين [(قال) ابن عباس] (فنزلت هذه الآية) الكريمة أي نزل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ أي أقسم لكم بمواقعها والمراد بالنجوم نجوم السماء ومواقعها مطالعها أو مغاربها أو انكدارها وانتشارها في القيامة على اختلاف المفسرين في ذلك وقيل المراد بمواقع النجوم منازل القرآن لأنه نزل نجومًا وقيل مواقع النجوم محكم القرآن (حتى بلغ) القرآن النازل قوله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكر رزقكم الذي هو المطر فالكلام على حذف مضاف (﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾) أي التكذيب أي تكذيب كونه من الله تعالى حيث تقولون مطرنا بنوء كذا، قال ابن الصلاح: وظاهر هذا الكلام أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء وليس الأمر كذلك بل النازل في ذلك قوله تعالى (﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾) والباقي نزل في غير ذلك ولكن اجتمعا في وقت النزول فذكر الجميع من أجل ذلك ومما يدل على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب واختلف أيضًا في الرزق المذكور فقال ابن عباس ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا ونجم كذا وقال قطرب الرزق هنا الشكر والتحقيق أن معناه وتجعلون عوض شكر ربكم ونعمه قولَكم هذا وإضافة
стр. 1105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رحمته لكم لغيره اهـ، وعن الهيثم بن عدي في لغة أزد شنوءة ما رزق فلان فلانًا أي ما شكر اهـ تفسير الطبري.
قال القرطبي: وقوله (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر) أصل الشكر الظهور ومنه قولهم (دابة شكور) إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكله من العلف والشاكر هو الذي يثني بالنعمة ويظهرها ويعترف بها للمنعم، وجحدها كفرانها فمن نسب المطر إلى الله تعالى وعرف منته فيه فقد شكر الله تعالى ومن نسبه إلى غيره فقد جحد نعمة الله تعالى في ذلك وظلم بنسبتها لغير المنعم بها فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقة وإن كان عن غير معتقد فقد تشبه بأهل الكفر والظلم الحقيقي كما قلناه آنفًا وقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر فدل ظاهره على أن المراد بالكفر ها هنا كفران النعم لا الكفر بالله تعالى ويحتمل أن يكون المراد به الكفر الحقيقي ويؤيد ذلك استدلال النبي ﷺ بقوله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾.
والقسم الإيلاء والحلف وهذا وأشباهه قسم من الله تعالى على جهة التشريف للمقسم به والتأكيد للمقسم له ولله تعالى أن يقسم بما شاء من أسمائه وصفاته ومخلوقاته تشريفًا وتنويهًا كما قال تعالى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ وقوله ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ وقوله ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ وقوله ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ونحو هذا انتهى.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث، الأول حديث زيد بن خالد وذكره للاستدلال والثاني حديث أبي هريرة وذكر فيه متابعة واحدة والثالث حديث ابن عباس وذكرهما للاستشهاد لحديث زيد بن خالد الجهني والله أعلم.
стр. 1106
٣٩ - بَابُ بَيَانِ أَنَّ عَلامَةَ الإِيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ، وَأَنَّ عَلامَةَ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ
١٤١ - (٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا
ــ
٣٩ - بَابُ بَيَانِ أَنَّ عَلامَةَ الإِيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ، وَأَنَّ عَلامَةَ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ
أي هذا باب معقود في بيان أن حب الأنصار من حيث نصرتهم للرسول ﷺ لا لغرض دنيوي علامة على إيمان الشخص وقوته وأن بغض الأنصار ومقتهم من تلك الحيثية علامة على نفاقه وكفره لأنه إنما بغضهم لبغض الرسول وبغض الرسول ﷺ كفر وترجم النواوي والقاضي وأكثر المتون للأحاديث الآتية بقولهم (باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله تعالى عنهم من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق) وترجم لها القرطبي بقوله (حب علي والأنصار آية الإيمان وبغضهم آية النفاق) وترجم لها الأبي بقوله (باب أحاديث حب الأنصار) وترجم لها السنوسي بقوله (باب حب الأنصار من الإيمان) ولم يذكر عليًّا في الترجمة لأن حديثه مستقل ولذلك وضعت له ترجمة مستقلة فيما سيأتي:
(١٤١) - س (٧٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس أبو موسى العنزي البصري ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في (١٤) بابا قال محمد بن المثنى (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٨) بالبصرة روى عنه المؤلف في (١٤) بابا.
(عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبي بسطام البصري ثقة متقن من (٧) مات سنة (١٦٠) (عن عبد الله بن عبد الله بن جبر) بن عتيك الأنصاري المدني أهل المدينة يقولون جابر والعراقيون يقولون جبر ويقال لا يصح جبر إنما هو جابر روى عن أنس في الإيمان والوضوء وعن أبيه وابن عمر ويروي عنه (ع) وشعبة ومسعر في الوضوء ومالك، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة (قال) عبد الله بن عبد الله (سمعت أنسًا) ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري خادم رسول الله
стр. 1107
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آَيَةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الأنْصَارِ، وآيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الأَنْصَارِ"
ــ
ﷺ ، أبا حمزة، تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، ورجاله كلهم بصريون إلا ابن جبر فإنه مدني (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ آية المنافق) أي علامة نفاق المنافق (بغض الأنصار) ومقتهم لأجل نصرتهم رسول الله ﷺ وإيوائه (وآية المؤمن) أي علامة إيمان المؤمن (حب الأنصار) ومودتهم لأجل نصرتهم رسول الله ﷺ وإيوائه.
قال القرطبي: الآية العلامة والدلالة، وقد تكون ظنية وقد تكون قطعية، وحب الأنصار من حيث إنهم كانوا أنصار الدين، ومظهريه، وباذلين أموالهم وأنفسهم في إعزازه، وإعزاز نبيه وإعلاء كلمته، دلالة قاطعة على صحة إيمان من كان كذلك وصحة محبته للنبي ﷺ وبغضهم كذلك دلالة قاطعة على النفاق، وأما من أبغضهم من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمر طارئ، وحدث واقع من مخالفة غرض أو ضرر حصل، أو نحو ذلك لم يكن كافرًا ولا منافقًا بسبب ذلك اهـ بتصرف.
قال الأبي: الأنصار في اللغة جمع ناصر وهم في العرف اسم لأنصاره ﷺ من الأوس والخزرج ولم يكن الأنصار اسمًا لهم في الجاهلية حتى سماهم به الله في القرآن الكريم.
والأوس والخزرج أخوان شقيقان أبوهما الحارث بن ثعلبة وأمهما قيلة بنت كاهل بن عذرة قضاعية وقيل هي ابنة جفنة بن عمرو بن عامر وهم أعني الأنصار يمن من ولد يمن بن قحطان لا من ذرية إسماعيل ﵇.
ثم قد علمت أن الحكم في القضية تارة يكون بحسب العنوان نحو الكاتب متحرك وتارة بحسب الموضوع نحو الإنسان كاتب والحكم في الحديث من القسم الأول فإن الأنصار من علمت سابقتهم في إعزاز الدين وبذلهم النفس والمال في نصرته ﷺ فمن أحبهم من هذه الحيثية فهو مؤمن ومن أبغضهم منها فهو كافر فلا يتناول الحديث من أحبهم أو أبغضهم لذواتهم أو لأسباب أخر، نعم هو في بغضهم عاص فليجتهد في درء ذلك عن نفسه بأن يتذكر ما لهم من السابقة والمنزلة من رسول الله
стр. 1108
١٤٢ - (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِي، حَدَّثَنَا خَالِدٌ
ــ
ﷺ (فإن قلت) والمهاجرون أيضًا لهم هذه الحيثية فلم خص الأنصار (قلت) إنما خصهم لأن المنافقين كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر ويرون أن الحامي لهم منها إنما هم لمنعتهم ودارهم فكانوا يبغضونهم لذلك فجعل ﷺ ذلك آية المنافق انتهى.
ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام وحبهم النبي ﷺ وحبه إياهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله ورسوله ﷺ ومن أبغضهم كان بضد ذلك واستدل به على نفاقه وفساد سريرته اهـ من بعض هوامش المتن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٤٢) - متا (٠٠) (حدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) وقيل الشيباني أبو زكريا البصري روى عن خالد بن الحارث وحماد بن زيد ومعتمر بن سليمان ويزيد بن زريع وروح بن عبادة وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم.
ويروي عنه (م عم) وأبو بكر بن عاصم وأبو بكر البزار وابن خزيمة وغيرهم ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا قال يحيى بن حبيب (حدثنا خالد) بن الحارث بن سليم بن عبيد بن سفيان بن مسعود بن سكين الهجيمي أبو عثمان البصري روى عن شعبة وهشام بن أبي عبد الله وقرة بن خالد وسعيد بن أبي عروبة وعبيد الله بن عمر وابن جريج وهشام بن عروة وخلق ويروي عنه (ع) ويحيى بن حبيب والقواريري وعاصم بن النضر وأبو كامل وإسحاق الحنظلي ومحمد بن عبد الله الرازي وهريم بن عبد الأعلى وغيرهم، قال القطان: ما رأيت خيرًا منه ومن سفيان، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٦) ست وثمانين ومائة وولد له ستة عشر ابنًا.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في خمسة مواضع والنكاح في
стр. 1109
-يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بن الْحَجَّاجِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَال: "حُبُّ الأَنْصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغْضُهُمْ آَيَةُ النِّفَاقِ".
١٤٣ - (٧١) وَحدَّثَنِي زُهيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَ وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ الله بْنُ مُعَاذٍ-
ــ
موضعين والطلاق والنفاق والحج في موضعين والصوم وخلق النبي ﷺ والدعاء والطب والفتن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن الحارث) إشارة إلى أن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه بل هي مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي قال خالد (حدثنا شعبة بن الحجاج) بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة متقن من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف (٣٠) بابًا تقريبًا (عن عبد الله بن عبد الله) بن جبر بن عتيك الأنصاري المدني (عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا ابن جبر فإنه مدني وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة خالد بن الحارث لعبد الرحمن بن مهدي في رواية هذا الحديث عن شعبة وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (عن النبي ﷺ أنه قال حب الأنصار) لنصرتهم النبي ﷺ وإيوائهم إياه (آية الإيمان) أي علامة إيمان الشخص وقوة يقينه (وبغضهم) أي بغض الأنصار لذلك (آية النفاق) أي علامة نفاق الشخص وكفره والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث البراء رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٤٣) - ش (٧١) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما معجمة، مولاهم أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وهو ابن (٧٤) سنة، روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا.
(قال) زهير (حدثني معاذ بن معاذ) التميمي العنبري، أبو المثنى البصري، ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا عبيد الله بن معاذ) بن
стр. 1110
وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
ــ
معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري، أبو عمر البصري، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان وغيره، وأتى بقوله (واللفظ له) أي لفظ الحديث الآتي لعبيد الله بن معاذ، تورعًا من الكذب على زهير بن حرب لأنه إنما روى معنى الحديث الآتي لا لفظه، وأتى بحاء التحويل لاختلاف صيغة شيخيه، قال عبيد الله بن معاذ (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري قال معاذ بن معاذ (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري، من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا.
(عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، روى عن البراء بن عازب وابن أبي أوفى وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي، وزر بن حبيش وأبي حازم الأشجعي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبة والأعمش ومسعر ويحيى بن سعيد الأنصاري وزيد بن أبي أنس، وفضيل بن مروان وغيرهم، وثقه أحمد والعجلي والنسائي، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة، مات سنة (١١٦) ست عشرة ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة في موضعين والحج والبيوع والذبائح في ثلاثة مواضع والفضائل والفتن والعصب، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة تقريبًا (قال) عدي بن ثابت (سمعت البراء) بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي، أبا عمارة الكوفي، له ثلاثمائة وخمسة أحاديث (٣٠٥) اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد (خ) بخمسة عشر (م) بستة، استصغر يوم بدر، وشهد أحدًا والحديبية، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁ في الأشربة وآخر الكتاب حديث الرحل، وأبي أيوب الأنصاري في عذاب القبر، ويروي عنه (ع) وعدي بن ثابت وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن يزيد وشقيق بن عقبة والشعبي وأبو جحيفة وخلق كثير، وقال في التقريب: مات سنة (٧٢) اثنتين وسبعين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثمانية مواضع والأشربة وعذاب القبر وفي آخر الكتاب حديث الرحل في خمسة أبواب، وهذا السند من خماسياته، رجاله واحد منهم نسائي واثنان بصريان واثنان كوفيان على رواية زهير، وثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان على رواية عبيد الله بن معاذ، أي قال عدي بن ثابت
стр. 1111
يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي الأَنْصَارِ: "لَا يُحِبُّهُمْ إلا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إلا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أحَبَّهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ"، قَال شُعْبَةُ: قُلْتُ لِعَدِيٍّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاء؟ ؛ قَال: إِيَّايَ حَدَّثَ
ــ
سمعت البراء حالة كونه (يحدث) ويروي (عن النبي ﷺ أنه) ﵊ (قال في) بيان منقبة (الأنصار) وفضلهم (لا يحبهم) أي لا يحب الأنصار لأجل نصرتهم نبيه ﷺ ودينه ببذل أموالهم وأنفسهم له ﷺ (إلا مؤمن) كامل الإيمان (ولا يبغضهم) لأجل ذلك (إلا منافق) كافر، والمنافق من يظهر الإسلام ويبطن الكفر (من أحبهم) أي من أحب الأنصار لأجل ذلك (أحبه الله) وجعله من أهل كرامته ومرضاته (ومن أبغضهم) أي ومن أبغض الأنصار لأجل ذلك (أبغضه الله) أي جعله من أهل بغضه ومقته وخذلانه.
قال القرطبي: قوله (فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله) هذا من مقابلة اللفظ، ومعناه أن من أحبهم جازاه الله على ذلك جزاء المحبوب المحب من الإكرام والترفيع والتشفيع، وعكس ذلك في البغض، وظاهر هذا الكلام أنه خبر عن مآل كل واحد من المصنفين، ويصلح أن يقال إن ذلك الخبر خرج مخرج الدعاء لكل واحد من المصنفين، فكأنه قال: اللهم افعل بهم ذلك كما قال "صلى الله على محمد وآله" اهـ.
وقال النواوي: ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار، وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام، كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصِدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله ورسوله، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم اهـ.
قال معاذ بن معاذ (قال) لنا (شعبة قلت لعدي) بن ثابت (سمعته) أي أسمعت هذا الحديث (من البراء) بن عازب بأذنك أم بواسطة (قال) عدي نعم (إياي) بلا واسطة (حدث) البراء، بلا واسطة بيني وبينه، وهذا الكلام من شعبة استثبات لسماع عدي من البراء لا للشك فيه، وهذا الحديث أعني حديث البراء، شارك المؤلف في روايته البخاري (٣٧٨٣) والترمذي (٣٨٩٦).
стр. 1112
١٤٤ - (٧٢) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيّ- عَنْ سُهيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بن مالك ثانيًا بحديث أبي هريرة فقال:
(١٤٤) - ش (٧٢) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني، روى عن يعقوب بن عبد الرحمن وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت س) وأحمد والحميدي وغيرهم، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، عن (٩٠) تسعين سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدثنا يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاريُّ بتشديد التحتانية، منسوب إلى القارة قبيلة معروفة من العرب، القرشي حليف بني زهرة المدني، روى عن سهيل وأبي حازم وموسى بن عقبة ومحمد بن عجلان وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن وهب وقتيبة وسعيد بن أبي مريم وسعيد بن منصور، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة والصوم والحج والنذور والبيوع في سبعة أبواب.
وأتى بالعناية في قوله (يعني) شيخي قتيبة بيعقوب في قوله (حدثنا يعقوب) يعقوب (ابن عبد الرحمن القاري) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل مما زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي (عن سهيل) بن أبي صالح السمان، أبي يزيد المدني، صدوق من السادسة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (عن أبيه) ذكوان السمان المدني مولى جويرية بنت قيس، ثقة من الثالثة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، الصحابي الجليل، أحد المكثرين من الصحابة، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة فإنه بغلاني.
(أن رسول الله ﷺ قال لا يبغض) بضم أوله، على صيغة المعلوم، من أبغض الرباعي، بمعنى مقت (الأنصار) الأوس والخزرج الذين نصروا رسول الله ﷺ وأظهروا دينه، لأجل نصرتهم إياه، وإظهار دينه وإيوائه،
стр. 1113
رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".
١٤٥ - (٧٣) وَحدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
ــ
وبذل أموالهم وأنفسهم له (رجل يؤمن بالله) (و) بـ (اليوم الأخر) يوم الجزاء، فمن أبغضهم لأجل ذلك فهو كافر، ومن أحبهم لأجل ذلك فهو كامل الإيمان.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث، أعني حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه النسائي فقط، رواه في كتاب المناقب عن قتيبة أيضًا في السنن الكبرى.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٤٥) - ش (٧٣) (وحدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، أبو الحسن الكوفي الحافظ، وهو أكبر من أخيه أبي بكر بن أبي شيبة بثلاث سنين، روى عن جرير بن عبد الحميد وبشر بن المفضل وأبي خالد الأحمر وعبدة بن سليمان ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهُشيم ووكيع وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي وخلق، ويروي عنه (خ م د س ق) وأبو زرعة وابنه محمد وأبو يعلى وخلق، قال ابن معين: ثقة أمين، وقال في التقريب: ثقة حافظ شهير وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة، ولد في سنة (١٥٦) ست وخمسين ومائة، ومات سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومائتين، وله ثلاث وثمانون (٨٣) سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والجنائز والصوم والحج والبيوع والتقاضي والحدود والجهاد واللباس ووفاة النبي ﷺ وفي المداحين آخر الكتاب، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا، قال عثمان (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة، الضبي أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي
стр. 1114
شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ كِلاهُمَا عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُبْغِضُ الأنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ"
ــ
شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه وتقدم البسط في ترجمته مرارًا وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا قال أبو بكر (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الحافظ مشهور بكنيته ثقة ثبت ربما دلس من كبار التاسعة مات سنة (٢٠١) إحدى ومائتين وهو ابن (٨٠) ثمانين سنة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (كلاهما) أي كل من جرير وأبي أسامة رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي ثقة ثبت حافظ قارئ من الخامسة مات في ربيع الأول سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة عن أربع وثمانين (٨٤) سنة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابا تقريبًا (عن أبي صالح) السمان ذكوان الزيات مولى جويرية بنت الحارث القيسية المدني ثقة من الثالثة روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي النجاري الخدري المدني الصحابي الجليل تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) أبو سعيد الخدري (قال رسول الله ﷺ لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) وهذا لفظ حديث أبي هريرة المذكور قبله وحديث أبي سعيد الخدري هذا انفرد به مسلم رحمه الله تعالى.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث أولها للاستدلال وباقيها للاستشهاد، الأول حديث أنس وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث البراء، والثالث حديث أبي هريرة والرابع حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 1115
٤٠ - بَابٌ في بَيَانِ أَنَّ حُبَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغْضَهُ آيَةُ النِّفَاقِ
١٤٦ - (٧٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاويةَ عَنِ الأعْمَشِ، ح وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحْيَى
ــ
٤٠ - بَابٌ في بَيَانِ أَنَّ حُبَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغْضَهُ آيَةُ النِّفَاقِ
أي هذا باب معقود في بيان أن حب الشخص علي بن أبي طالب ﵁ علامة على إيمانه وصدقه في الإسلام وأن بغضه علامة على نفاقه وكفره فمن أحبه لسابقيته في الإسلام وقدمه في الإيمان وغنائه فيه وذوده عنه وعن النبي ﷺ ولمكانته من النبي ﷺ وقرابته ومصاهرته وعلمه وفضائله كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صحة إيمانه ويقينه ومحبته للنبي ﷺ ومن أبغضه لشيء من ذلك كان على العكس.
ولم يترجم لهذا الحديث أحد من الشراح وأصحاب المتون بل أدخلوه في الترجمة السابقة ووضعت له ترجمة مستقلة لأن حديثه مستقل عن أحاديث الأنصار فالأنسب له إفراده بالترجمة.
(١٤٦) - ش (٧٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ من كبار التاسعة مات سنة (١٩٦) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا (أبو معاوية) أيضًا محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم الضرير الكوفي ثقة حافظ من كبار التاسعة مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (عن) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم المعروف بـ (الأعمش) أبي محمد الكوفي ثقة ثبت من الخامسة مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن
стр. 1116
-وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرٍّ قَال: قَال عَلِيٌّ:
ــ
عبد الرحمن التميمي الحنظلي مولاهم أبو زكرياء النيسابوري أحد الأئمة الأعلام ثقة ثبت إمام من العاشرة مات سنة (٢٢٦) ست وعشرين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابًا تقريبًا وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي ليحيى تورعًا من الكذب على أبي بكر لأنه إنما روى معناه لا لفظه قال يحيى (أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش) وأتى بحاء التحويل لاختلاف صيغة شيخيه لأن أبا بكر قال حدثنا ويحيى قال أخبرنا ولأن أبا بكر في روايته زيادة وكيع (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي ثقة من الرابعة مات سنة (١١٦) وتقدم البسط في ترجمته قريبًا وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب (عن زر) بكسر أوله وتشديد الراء بن حبيش مصغرًا بن حباشة بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة الأسدي أبي مريم الكوفي مخضرم روى عن علي في الإيمان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة والصوم وعمر وعثمان والعباس، ويروي عنه (ع) وعدي بن ثابت وأبو إسحاق الشيباني وإبراهيم النخعي والمنهال بن عمرو وعاصم بن بهدلة وعبدة بن أبي لبابة، وقال في التقريب: ثقة جليل مات سنة (٨٣) ثلاث أو اثنتين أو إحدى وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة (١٢٧) وليس في مسلم زر إلا هذا المخضرم الثقة روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب كما ذكرنا آنفًا (قال) زر بن حبيش (قال علي) بن أبي طالب أبو الحسن الكوفي القرشي الهاشمي وأبو طالب اسمه عبد مناف بن عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة بن هاشم وهاشم اسمه عمرو بن عبد مناف وعبد مناف اسمه المغيرة وقيل الحارث بن قصي وقصي اسمه يزيد وإنما سمي قصيا لأنه كان قاصيًا عن قومه في قضاعة ثم قدم وقريش متفرقة في القبائل فجمعهم حول الكعبة وسمي أيضًا مجمّع بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف توفيت مسلمة قبل الهجرة وقد زعم قوم أنها هاجرت وصلى عليها رسول الله ﷺ ودفنها وبكى عليها وكان علي ﵁ أصغر بني أبي طالب كان أصغر من جعفر بعشر سنين وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين كان علي من رسول الله ﷺ بمنزلة هارون من موسى شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ومات وهو عنه راض وقتل في رمضان بالكوفة سنة أربعين قيل ضرب
стр. 1117
(وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ؛ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأمِّيِّ إلَيِّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إلَّا مُنَافِقٌ)
ــ
لتسع عشرة ليلة ومات ليلة إحدى وعشرين قيل توفي وهو ابن ثمان وخمسين وقيل ابن ثلاث وستين ومناقبه كثيرة مشهورة روى عن النبي ﷺ وعن المقداد بن الأسود في الوضوء له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا (٥٨٦) اتفقا على عشرين وانفرد البخاري بتسعة و (م) بخمسة عشر يروي عنه (ع) وزر بن حبيش وشريح بن هانئ وعمر وفاطمة وعبد الله بن عباس وأولاده الحسن والحسين ومحمد وخلق لا يحصون.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في ثلاثة مواضع والجنائز والزكاة في ثلاثة مواضع والحج والنكاح في موضعين والفضائل فجملة الأبواب التي روى عنه فيها ثمانية تقريبًا وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري.
(والذي) أي أقسمت بالإله الذي (فلق) وشق (الحبة) والثمرة بالنبات والحبة بفتح الحاء اسم لما يزرع من الحبوب وبكسرها اسم لما ينبت بنفسه منها وفلقها شقها بالنبات (وبرأ) أي خلق (النسمة) أي النفس وقيل الإنسان وقيل كل ذي روح وقيل كل ذي نفس بفتح الفاء وحكى الأزهري أن النسمة هي النفس وأن كل دابة في جوفها روح فهي نسمة، وعبارة القرطبي قوله (والذي فلق الحبة) أي شقها بما يخرج منها كالنخلة من النواة والسنبلة من حبة الحنطة والحبة بفتح الحاء اسم لما يزرع ويستنبت وبكسرها اسم لبذور يقول الصحراء التي لا تزرع اهـ، أي أقسمت لكم بقدرة الإله الذي أنبت النبات وخلق الأرواح وجواب القسم قوله (إنه) أي إن الشأن والحال (لعهد النبي الأمي) أي لوصيته (إلي) ووعده لي والعهد مبتدأ وإليَّ متعلق به وجملة قوله (أن لا يحبني) وما عطف عليه خبر المبتدأ والجملة الاسمية خبر إن المكسورة وجملة إن المكسورة جواب القسم وجملة القسم مع جوابه مقول لقال أي إنه لعهده إلى ووعده لي أن لا يحبني (إلا مؤمن) كامل الإيمان (ولا يبغضني إلا منافق) كافر أو عاصٍ.
قال القرطبي: وقوله (ألا يحبني) بفتح همزة ألا لأنها همزة أن الناصبة للفعل المضارع ويحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة وكذلك روي (يحبني) بضم الباء وفتحها وكذلك (يبغضني) لأنه معطوف عليه والضمير في (إنه) ضمير الأمر والشأن والجملة بعده
стр. 1118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسير له وقوله (إنه لعهد النبي الأمي) والعهد الميثاق والأمي هو الذي لا يكتب كما قال (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر ﵄، والأمي منسوب إلى الأم لأنه باق على أصل ولادتها إذ لم يتعلم كتابة ولا حسابًا وقيل ينسب إلى معظم أمة العرب إذا الكتابة كانت فيهم نادرة وهذا الوصف من الأوصاف التي جعلها الله تعالى من أوصاف كمال النبي ﷺ ومدحه بها وإنما كان وصف نقص في غيره لأن الكتابة والدراسة والدربة على ذلك هي الطرق الموصلة إلى العلوم التي بها تشرف نفس الإنسان ويعظم قدرها عادة، فلما خص الله تعالى نبينا محمدًا ﷺ بعلوم الأولين والآخرين من غير كتابة ولا مدارسة كان ذلك خارقًا للعادة في حقه ومن أوصافه الخاصة به الدالة على صدقه التي نعت بها في الكتب القديمة وعرف بها في الأمم السابقة كما قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فقد صارت الأمية في حقه من أعظم معجزاته وأجل كراماته وهي في حق غيره نقص ظاهر وعجز حاضر فسبحان الذي صيّر نقصنا في حقه كمالًا وزاده تشريفًا وجلالًا، قال القرطبي: وهذا الحكم الذي جرى في علي ﵁ جارِ في أعيان الصحابة كالخلفاء الراشدين والعشرة والمهاجرين بل وفي كل الصحابة إذ كل واحد منهم له شاهد وغناء في الدين وأثر حسن فيه فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم له محض النفاق لكنهم لما كانوا في سوابقهم ومراتبهم متفاوتين فمنهم المتمكن الأمكن والتالي والمقدم خص الأمكن منهم بالذكر في هذا الحديث وإن كان كل منهم له في السوابق أشرف حديث وهذا كما قال العلي الأعلى ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
(تنبيه) من أبغض بعض من ذكرنا من الصحابة من غير تلك الجهات التي ذكرناها بل لأمر طارئ وحدث واقع من مخالفة غرض أو ضرر أو نحو ذلك لم يكن كافرًا ولا منافقًا بسبب ذلك لأنهم رضي الله تعالى عن جميعهم قد وقعت بينهم مخالفات عظيمة وحروب هائلة ومع ذلك فلم يكفر بعضهم بعضًا، ولا حكم عليه بالنفاق، لما جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يكون كلهم مصيبًا فيما ظهر له، أو المصيب واحد، والمخطئ معذور، بل مخاطب
стр. 1119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالعمل على ما يراه ويظنه، مأجور فمن وقع له بغض واحد منهم لشيء من ذلك فهو عاص، تجب عليه التوبة من ذلك، ومجاهدة نفسه في زوال ما وقع من ذلك بأن يذكر فضائلهم وسوابقهم، ومالهم على كل من بعدهم من الحقوق الدينية والدنيوية، إذ لم يصل أحد ممن بعدهم بشيء من الدنيا ولا الدين إلا بهم، وبسببهم وأدبهم وصلت لنا كل النعم واندفعت عنا الجهالات والنقم، ومن حصلت به مصالح الدنيا والآخرة فبغضه كفرانٌ للنعم، وصفقته خاسرة اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث علي كرم الله وجهه شارك المؤلف في روايته الترمذي (٣٧٣٧) والنسائي (٨/ ١١٧).
***
стр. 1120
٣٩ (*) - بَابُ مَا فِي النِّسَاءِ مِنْ نُقْصَانِ الإِيمَانِ وَالْعَقْلِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ، وإِطْلاقِ لَفْظِ الْكفْرِ عَلَى غَيرِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالى، وَسُؤَالِ الْعَالِمِ عَمَّا أَشْكَلَ مِنْ فَتْوَاهُ
١٤٦ - (٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيثُ عَنِ ابْنِ الْهادِ،
ــ
٣٩ - بَابُ مَا فِي النِّسَاءِ مِنْ نُقْصَانِ الإِيمَانِ وَالْعَقْلِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ، وإِطْلاقِ لَفْظِ الْكفْرِ عَلَى غَيرِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالى، وَسُؤَالِ الْعَالِمِ عَمَّا أَشْكَلَ مِنْ فَتْوَاهُ
أي هذا باب معقود في بيان ما في النساء من الخصائص التي منها نقصان إيمانهن لنقص طاعتهن ونقصان شهادتهن لنقص عقلهن، وفي بيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله تعالى ككفران النعمة والحقوق، وفي بيان جواز سؤال الطالب العالم عما أشكل عليه في تعليمه وفتواه.
وترجم القاضي والنواوي وأكثر المتون لهذا الحديث الآتي بقولهم: (باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق) وترجم له الأبي بقوله: (أحاديث ما في النساء من قلة العقل) وترجم له السنوسي بقوله: (باب ما في النساء من نقص العقل والدين) وترجم له القرطبي بقوله: (باب كفران العشير وكفر دون كفر) وترجمتي أعم وأولى.
(١٤٦) - (٧٤) (حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) بن المحرر بن سالم التجيبي بضم المثناة، مولاهم أبو عبد الله (المصري) روى عن الليث بن سعد في الإيمان وغيره وابن لهيعة وجماعة ويروي عنه (م ق) وبقي بن مخلد ومحمد بن زبان وخلق، وثقه أبو داود، وقال النسائي: ما أخطأ في حديث قط، وقال في التقريب: ثقة ثبت من العاشرة، مات بمصر سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين على الأصح، قال محمد بن رمح (أخبرنا الليث) بن سعد بن عبد الرحمن بن الحارث الفهمي مولاهم، مولى فهم من قيس عيلان، أبو الحارث المصري الإمام الحافظ، عالم مصر وفقيهها ورئيسها، وقال ابن بكير: هو أفقه من مالك، وقال في التقريب ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا (عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي، أبي عبد الله المدني، قال النووي: وأسامة هو الهادِ لأنه كان يوقد نارًا ليهتدي إليها الأضياف
стр. 1121
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ؛ تَصَدَّقْنَ وَأكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ؛
ــ
ومن سلك الطريق، وهكذا يقوله المحدثون الهادِ، وهو صحيح على لغة، والمختار في العربية الهادي بالياء لعدم ما يوجب حذف الياء اهـ. روى عن عبد الله بن دينار ومحمد بن إبراهيم التيمي وسعد بن إبراهيم وعبد الله بن خباب وسهيل والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، ويروي عنه (ع) والليث بن سعد والدراوردي وإبراهيم بن سعد ومالك وجماعة، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة مكثر، من الخامسة، مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبي عبد الرحمن المدني، ثقة من الرابعة، مات سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبي عبد الرحمن المكي، تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم مصريان، واثنان مدنيان، وواحد مكي (عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر النساء) والمعشر: الجماعة المشتركة في أمر، فالإنسان معشر، والجن معشر، والنساء معشر والشياطين معشر (تصدقن) أي اصرفن الصدقة للمحتاجين، فإنها سترة من النار، وهذا نداء لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشاد لهن إلى ما يستخلصهن من النار، وهو الصدقة مطلقًا، واجبها وتطوعها، فالمراد هنا القدر المشترك بين الواجب والتطوع، قال القرطبي: ويعني بالصدقة غير الواجبة لا الواجبة، لقوله في بعض الروايات "ولو من حليكن" إذ لا زكاة في الحلي.
(وأكثرن الاستغفار) أي طلب المغفرة لذنوبكن من الله تعالى، والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى سواء كان مع توفر شروط التوبة أم لا، وقد يعبر به عن التوبة كما في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ أي توبوا، وإنما عبر عن التوبة بالاستغفار لأنه إنما يصدر عن الندم، وخوف الإصرار، وذلك هو التوبة، فأما الاستغفار مع الإصرار، فحال المنافقين والأشرار، وهو جدير بالرد، وتكثير الأوزار، وقد قال بعض العارفين: "الاستغفار باللسان توبة الكذابين" اهـ من المفهم بتصرف.
стр. 1122
فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَالتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ:
ــ
والفاء في قوله (فإني) معللة للأمر بالتصدق والاستغفار أي لأني (رأيتكن أكثر أهل النار) والعذاب، والرؤية هنا، إما علمية تتعدى إلى مفعولين، أي علمتكن بما عرفت من أحوالكن، أو بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، وأكثر حال من ضمير المخاطبات لأن أفعل لا يتعرف بالإضافة إلى اسم الجنس، كما عليه ابن السراج وأبو علي الفارسي، أي أبصرتكن في النار مكاشفة، حال كونكن أكثر أهلها.
وقول النووي هنا: (وقيل هو بدل من الكاف في رأيتكن) خطأ لفساد المعنى، لأن المبدل منه في نية الطرح فيكون المعنى رأيت أهل النار، والقصد الإخبار عن رؤيتهن لا عن رؤية أهل النار، تأمل، أي رأيت صنفكن لا المخاطبات، وأكثريتهن هو السبب في أمرهن بالإكثار.
قال الأبي: (فإن قلت) أكثريتهن مع قوله في حديث أهل الجنة "لكل واحد منكم زوجتان" تدل على أن صنف النساء أكثر من صنف الرجال (قلت) أكثريتهن حينئذ لا تستلزم أكثريتهن دائمًا أو يقال الزوجتان إنما هما بعد الخروج من النار، أو أنهما ليستا بآدميتين كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ انتهى.
وعبارة المفهم أي اطلعت على نساء آدميات من نوع المخاطبات، لا على أنفس المخاطبات كما في الرواية الأخرى "اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء" رواه أحمد والبخاري والترمذي من حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه.
(فـ) لما سمع النساء ذلك علمن أن ذلك كان لسبب ذنب سبق لهن و (قالت امرأة منهن جزْلة) بسكون الزاي لأنه اسم فاعل من فعُل المضموم يقال: جَزُلَ زيد فهو جزْلٌ وهي جزلة أي عاقل وعاقلة كما قال ابن مالك في لامية الأفعال:
كوزن فاعلٍ اسمُ فاعلٍ جُعلا ... من الثلاثي الذي ما وزنه فَعُلا
ومنه صيغ كسهل والظريف وقد ... يكون أفعلَ أو فعالًا أو فعلا
وعبارة المناهل هنا مع المتن (ومنه صيغ) أي وبُني اسم الفاعل من مصدر فَعُل المضموم المذكور في آخر البيت السابق، على وزنين قياسيين، أحدهما فعْلٌ بفتح الفاء وسكون العين، وذلك (كسهل) أي كقولك سَهُلَ الأمر فهو سهل إذا لأن، وصعُبَ ضد سهل، فهو صعب وجَزُل زيد فهو جزل إذا كان عاقلًا، وثانيهما فعيل (و) ذلك
стр. 1123
وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ الله أَكْثَرَ أَهْلِ النَّار؟ ! قَال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفرْنَ الْعَشِيرَ،
ــ
(كالظريف) أي كقولك ظرف الرجل فهو ظريف، إذا كان ذكيًا بارعًا إلى آخر ما هنالك، قال ابن دريد: الجزالة العقل، وفي كتاب العيني: امرأة جزلة أي ذات عجيزة عظيمة، والجزل العظيم من كل شيء، ومنه عطاء جزل، قال الأبي: ومن جزالتها أنها لم تسأل إلا عن السبب لتحترز منه، والمعنى أي فلما سمع النساء ذلك علمن أن ذلك كان لسبب ذنب سبق لهن، فبادرت هذه المرأة لجزالتها، وشدة حرصها على ما يخلص من هذا الأمر العظيم، فسألت عن ذلك فقالت (وما لنا يا رسول الله) مبتدأ وخبر (أكثر أهل النار) بالنصب حال من ضمير المتكلمين، أو خبر لكان المحذوفة، أي وأي شيء ثبت لنا حالة كوننا أكثر أهل النار، أو أي ذنب حصل لنا كنا أكثر أهل النار، أو في قولك لنا رأيتكن أكثر أهل النار، إن قلنا منصوب على الحكاية كما في النووي.
فأجابها رسول الله ﷺ حيث (قال) لأنكن (تكثرن اللعن) قال القاضي: اللعن لغة: الطرد وشرعًا: الطرد عن رحمة الله تعالى، ففيه أن اللعن وكفران العشير من الذنوب اهـ. أي يدور اللعن علي ألسنتهن كثيرًا لمن لا يجوز لعنه، وكان ذلك عادة جارية في نساء العرب، كما قد غلبت بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئًا ربما لعنوه فيقولون ما أشعره لعنه الله، وقد حكى بعضهم أن قصيدة ابن دريد، كانت تُسمى عندهم الملعونة، لأنهم كانوا إذا سمعوها قالوا: ما أشعره لعنه الله.
(وتكفرن) أي تجحدن نعمة (العشير) والزوج وإحسانه إليكن، قال القاضي: العشير: الزوج والزوجة، لأنه من المعاشرة، وكل منهما معاشر الآخر، والعشير أيضًا الخليط والصاحب مطلقًا، والمراد به هنا الزوج لأنه شرحه بما يرجع إلى معنى الزوج، وأيضًا فاستحقاقهن النار يدل على أنه الزوج لعظم حقه عليهن دون غيره، قال النواوي: كفران العشير كبيرة للعقوبة عليه بالنار، وأما اللعن فمن المعاصي الصغائر، لا أنه كبيرة، لقوله: وتكثرن اللعن، والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة، واتفقوا على أنه لا يجوز لعن المعين، وإن كان كافرًا، لأن اللعن إبعادٌ عن رحمة الله تعالى، ولا يبعد عنها من لا تُعرف خاتمته، إلا أن يعلم بنص أنه مات أو يموت كافرًا كأبي لهب وإبليس، وأما اللعن بصفه كالحالقة وآكل الربا والظالم فجائز لوروده اهـ.
والمراد بالعشير الزوج، وبالكفر كفران الحقوق، ويدل على صحة الأمرين حديث
стр. 1124
وَمَا رَأَيتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ"،
ــ
الموطأ الذي فيه "لكفرهن" قيل: أيكفرن بالله؟ فقال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" رواه مالك في الموطأ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قوله (وما رأيت من ناقصات عقل) معطوف على تكثرن، على كونه مقولًا لقال، وقال القرطبي: وقوله من ناقصات عقل، صفة لمحذوف هو مفعول أول لرأيت، على أن الرؤية علمية، وقوله أغلب مفعولٌ ثانٍ له، وإن قلنا إنها بصرية فهو صفة لذلك المحذوف، أي وما رأيت وعلمت أحدًا من ناقصات عقل (ودين أغلب) أي أكثر غلبة (لـ) رجل (ذي لب) أي صاحب عقل كامل (منكن) أي من إحداكن يا معشر النساء، وهذا تعجب من كثرة غلبتهن الرجال، أي إنكن مع ما فيكن من الرذيلتين، خُلقتن سالبات لنُهى الرجال ذوي العقل الكامل.
واللب العقل، سُمي بذلك لأنه خلاصة الإنسان ولُبه ولبابه، ومنه سُمي قلب الحَبِّ لبًا، والعقل الذي نقصه النساء هو التثبت في الأمور، والتحقق فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال وهن في ذلك غالبات بخلاف الرجال.
والدين هنا يُراد به العبادات، وليس نقصان ذلك ذمًا لهن، وإنما ذكر النبي ﷺ ذلك من أحوالهن على معنى التعجب من الرجال، حيث يغلبهم من نَقَصَ عن درجتهم، ولم يبلغ كمالهم، وذلك هو صريح قوله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وفي معنى الحديث في غلبتهن الرجال قول الأعشى في امرأته:
وقذفتني بين عصرٍ مُؤتشب ... وهن شر غالب لمن غلب
والعصر هو اليابس من عيدان الشجر، والمؤتشب: الملتف المشتبك، وقصته مذكورة في شرح القاضي فراجعها، وقول معاوية: يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام، وقول صاحبة أم زرع وأغلبه والناس يغلب، وذكر الغزالي: أن ابن المسيب بلغ في العمر ثمانين، وذهبت إحدى عينيه، وبقي أربعين سنة لا يُرى إلا من داره إلى المسجد، ومع هذا فكان يقول: أخوف ما أخاف على نفسي من النساء.
стр. 1125
قَالتْ: يَا رَسُولَ الله؛ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَال: "أمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَينِ تَعْدِلُ شَهادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّين"
ــ
وقال القاضي: وإدخال مسلم هذا الحديث في كتاب الإيمان لفائدتين:
إحداهما: بيان أن الكفر قد يطلق على كفر النعمة، وجحد الحق وتغطيته، وهو معنى الكفر في اللغة ..
والثانية: إظهار نقص الإيمان وزيادته بقوله "ناقصات عقل ودين".
(قالت) تلك المرأة الجزلة (يا رسول الله وما نقصان العقل والدين) فينا (قال) رسول الله ﷺ (أما نقصان العقل) فيكن، أي أما علامة نقصان العقل منكن (فشهادة امرأتين تعدل) وتساوي (شهادة رجل) واحد (فهذا) المذكور من مساواة شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد سببه (نقصان العقل) فيكنَّ، قال المازري: نقصان شهادتهن لا يستقل دليلًا على نقضان عقلهن، حتى يتم بما نبه الله عليه من عدم ضبطهن بقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي إنهن قليلات الضبط والعقل: العلم، وقيل: قوة يميز بها بين الحسن والقبيح، واختلف في محله، قيل: هو في القلب، وقيل: هو في الرأس.
(و) أما نقصان دينها فإنها (تمكث) وتجلس (الليالي) ذوات العدد الخمسة عشر، وما دونها حالة كونها (ما تصلي) ولا تؤدي الصلوات الخمس، لعارض الحيض والنفاس (و) إنها (تفطر) أيام الحيض (في رمضان فهذا) المذكور من ترك الصلاة والإفطار في رمضان (نقصان الدين) والعبادة، قال المازري: نقص دينها صحيح، إذا قلنا العبادات الدين، لأن من نقص عبادة نقص دينًا، ولا يعترض بالمسافر، فيقال: إنه يقصر وإنه ناقص الدين، لأن تركهن الصلاة إنما هو تنزيه لله تعالى، أن يعبدنه مستقذرات، بخلاف المسافر، فجاء النقص فيهن من هذا الوجه، وأيضًا فالنقص للمسافر غير لازم، لأن له أن لا يسافر فلا يسقط عنه، وهو لهن لازم إذ ليس لهن أن لا يحضن، وقد لا يحتاج إلى هذا، لأن المسافر إنما يغير العدد، وهن يتركن الصلاة جملة.
قال النووي: والحديث بين في أن الحائض لا تثاب على تركها الصلاة، وقالوا في المسافر والمريض يتركان نوافل الصلاة لعذرهما، إنهما يكتب لهما ثواب ما كان يتنفلان
следующие страницы →