Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ؛ تَصَدَّقْنَ وَأكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ؛
ــ
ومن سلك الطريق، وهكذا يقوله المحدثون الهادِ، وهو صحيح على لغة، والمختار في العربية الهادي بالياء لعدم ما يوجب حذف الياء اهـ. روى عن عبد الله بن دينار ومحمد بن إبراهيم التيمي وسعد بن إبراهيم وعبد الله بن خباب وسهيل والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، ويروي عنه (ع) والليث بن سعد والدراوردي وإبراهيم بن سعد ومالك وجماعة، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة مكثر، من الخامسة، مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبي عبد الرحمن المدني، ثقة من الرابعة، مات سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبي عبد الرحمن المكي، تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم مصريان، واثنان مدنيان، وواحد مكي (عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر النساء) والمعشر: الجماعة المشتركة في أمر، فالإنسان معشر، والجن معشر، والنساء معشر والشياطين معشر (تصدقن) أي اصرفن الصدقة للمحتاجين، فإنها سترة من النار، وهذا نداء لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشاد لهن إلى ما يستخلصهن من النار، وهو الصدقة مطلقًا، واجبها وتطوعها، فالمراد هنا القدر المشترك بين الواجب والتطوع، قال القرطبي: ويعني بالصدقة غير الواجبة لا الواجبة، لقوله في بعض الروايات "ولو من حليكن" إذ لا زكاة في الحلي.
(وأكثرن الاستغفار) أي طلب المغفرة لذنوبكن من الله تعالى، والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى سواء كان مع توفر شروط التوبة أم لا، وقد يعبر به عن التوبة كما في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ أي توبوا، وإنما عبر عن التوبة بالاستغفار لأنه إنما يصدر عن الندم، وخوف الإصرار، وذلك هو التوبة، فأما الاستغفار مع الإصرار، فحال المنافقين والأشرار، وهو جدير بالرد، وتكثير الأوزار، وقد قال بعض العارفين: "الاستغفار باللسان توبة الكذابين" اهـ من المفهم بتصرف.
стр. 1122
فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَالتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ:
ــ
والفاء في قوله (فإني) معللة للأمر بالتصدق والاستغفار أي لأني (رأيتكن أكثر أهل النار) والعذاب، والرؤية هنا، إما علمية تتعدى إلى مفعولين، أي علمتكن بما عرفت من أحوالكن، أو بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، وأكثر حال من ضمير المخاطبات لأن أفعل لا يتعرف بالإضافة إلى اسم الجنس، كما عليه ابن السراج وأبو علي الفارسي، أي أبصرتكن في النار مكاشفة، حال كونكن أكثر أهلها.
وقول النووي هنا: (وقيل هو بدل من الكاف في رأيتكن) خطأ لفساد المعنى، لأن المبدل منه في نية الطرح فيكون المعنى رأيت أهل النار، والقصد الإخبار عن رؤيتهن لا عن رؤية أهل النار، تأمل، أي رأيت صنفكن لا المخاطبات، وأكثريتهن هو السبب في أمرهن بالإكثار.
قال الأبي: (فإن قلت) أكثريتهن مع قوله في حديث أهل الجنة "لكل واحد منكم زوجتان" تدل على أن صنف النساء أكثر من صنف الرجال (قلت) أكثريتهن حينئذ لا تستلزم أكثريتهن دائمًا أو يقال الزوجتان إنما هما بعد الخروج من النار، أو أنهما ليستا بآدميتين كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ انتهى.
وعبارة المفهم أي اطلعت على نساء آدميات من نوع المخاطبات، لا على أنفس المخاطبات كما في الرواية الأخرى "اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء" رواه أحمد والبخاري والترمذي من حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه.
(فـ) لما سمع النساء ذلك علمن أن ذلك كان لسبب ذنب سبق لهن و (قالت امرأة منهن جزْلة) بسكون الزاي لأنه اسم فاعل من فعُل المضموم يقال: جَزُلَ زيد فهو جزْلٌ وهي جزلة أي عاقل وعاقلة كما قال ابن مالك في لامية الأفعال:
كوزن فاعلٍ اسمُ فاعلٍ جُعلا ... من الثلاثي الذي ما وزنه فَعُلا
ومنه صيغ كسهل والظريف وقد ... يكون أفعلَ أو فعالًا أو فعلا
وعبارة المناهل هنا مع المتن (ومنه صيغ) أي وبُني اسم الفاعل من مصدر فَعُل المضموم المذكور في آخر البيت السابق، على وزنين قياسيين، أحدهما فعْلٌ بفتح الفاء وسكون العين، وذلك (كسهل) أي كقولك سَهُلَ الأمر فهو سهل إذا لأن، وصعُبَ ضد سهل، فهو صعب وجَزُل زيد فهو جزل إذا كان عاقلًا، وثانيهما فعيل (و) ذلك
стр. 1123
وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ الله أَكْثَرَ أَهْلِ النَّار؟ ! قَال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفرْنَ الْعَشِيرَ،
ــ
(كالظريف) أي كقولك ظرف الرجل فهو ظريف، إذا كان ذكيًا بارعًا إلى آخر ما هنالك، قال ابن دريد: الجزالة العقل، وفي كتاب العيني: امرأة جزلة أي ذات عجيزة عظيمة، والجزل العظيم من كل شيء، ومنه عطاء جزل، قال الأبي: ومن جزالتها أنها لم تسأل إلا عن السبب لتحترز منه، والمعنى أي فلما سمع النساء ذلك علمن أن ذلك كان لسبب ذنب سبق لهن، فبادرت هذه المرأة لجزالتها، وشدة حرصها على ما يخلص من هذا الأمر العظيم، فسألت عن ذلك فقالت (وما لنا يا رسول الله) مبتدأ وخبر (أكثر أهل النار) بالنصب حال من ضمير المتكلمين، أو خبر لكان المحذوفة، أي وأي شيء ثبت لنا حالة كوننا أكثر أهل النار، أو أي ذنب حصل لنا كنا أكثر أهل النار، أو في قولك لنا رأيتكن أكثر أهل النار، إن قلنا منصوب على الحكاية كما في النووي.
فأجابها رسول الله ﷺ حيث (قال) لأنكن (تكثرن اللعن) قال القاضي: اللعن لغة: الطرد وشرعًا: الطرد عن رحمة الله تعالى، ففيه أن اللعن وكفران العشير من الذنوب اهـ. أي يدور اللعن علي ألسنتهن كثيرًا لمن لا يجوز لعنه، وكان ذلك عادة جارية في نساء العرب، كما قد غلبت بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئًا ربما لعنوه فيقولون ما أشعره لعنه الله، وقد حكى بعضهم أن قصيدة ابن دريد، كانت تُسمى عندهم الملعونة، لأنهم كانوا إذا سمعوها قالوا: ما أشعره لعنه الله.
(وتكفرن) أي تجحدن نعمة (العشير) والزوج وإحسانه إليكن، قال القاضي: العشير: الزوج والزوجة، لأنه من المعاشرة، وكل منهما معاشر الآخر، والعشير أيضًا الخليط والصاحب مطلقًا، والمراد به هنا الزوج لأنه شرحه بما يرجع إلى معنى الزوج، وأيضًا فاستحقاقهن النار يدل على أنه الزوج لعظم حقه عليهن دون غيره، قال النواوي: كفران العشير كبيرة للعقوبة عليه بالنار، وأما اللعن فمن المعاصي الصغائر، لا أنه كبيرة، لقوله: وتكثرن اللعن، والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة، واتفقوا على أنه لا يجوز لعن المعين، وإن كان كافرًا، لأن اللعن إبعادٌ عن رحمة الله تعالى، ولا يبعد عنها من لا تُعرف خاتمته، إلا أن يعلم بنص أنه مات أو يموت كافرًا كأبي لهب وإبليس، وأما اللعن بصفه كالحالقة وآكل الربا والظالم فجائز لوروده اهـ.
والمراد بالعشير الزوج، وبالكفر كفران الحقوق، ويدل على صحة الأمرين حديث
стр. 1124
وَمَا رَأَيتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ"،
ــ
الموطأ الذي فيه "لكفرهن" قيل: أيكفرن بالله؟ فقال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" رواه مالك في الموطأ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قوله (وما رأيت من ناقصات عقل) معطوف على تكثرن، على كونه مقولًا لقال، وقال القرطبي: وقوله من ناقصات عقل، صفة لمحذوف هو مفعول أول لرأيت، على أن الرؤية علمية، وقوله أغلب مفعولٌ ثانٍ له، وإن قلنا إنها بصرية فهو صفة لذلك المحذوف، أي وما رأيت وعلمت أحدًا من ناقصات عقل (ودين أغلب) أي أكثر غلبة (لـ) رجل (ذي لب) أي صاحب عقل كامل (منكن) أي من إحداكن يا معشر النساء، وهذا تعجب من كثرة غلبتهن الرجال، أي إنكن مع ما فيكن من الرذيلتين، خُلقتن سالبات لنُهى الرجال ذوي العقل الكامل.
واللب العقل، سُمي بذلك لأنه خلاصة الإنسان ولُبه ولبابه، ومنه سُمي قلب الحَبِّ لبًا، والعقل الذي نقصه النساء هو التثبت في الأمور، والتحقق فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال وهن في ذلك غالبات بخلاف الرجال.
والدين هنا يُراد به العبادات، وليس نقصان ذلك ذمًا لهن، وإنما ذكر النبي ﷺ ذلك من أحوالهن على معنى التعجب من الرجال، حيث يغلبهم من نَقَصَ عن درجتهم، ولم يبلغ كمالهم، وذلك هو صريح قوله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وفي معنى الحديث في غلبتهن الرجال قول الأعشى في امرأته:
وقذفتني بين عصرٍ مُؤتشب ... وهن شر غالب لمن غلب
والعصر هو اليابس من عيدان الشجر، والمؤتشب: الملتف المشتبك، وقصته مذكورة في شرح القاضي فراجعها، وقول معاوية: يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام، وقول صاحبة أم زرع وأغلبه والناس يغلب، وذكر الغزالي: أن ابن المسيب بلغ في العمر ثمانين، وذهبت إحدى عينيه، وبقي أربعين سنة لا يُرى إلا من داره إلى المسجد، ومع هذا فكان يقول: أخوف ما أخاف على نفسي من النساء.
стр. 1125
قَالتْ: يَا رَسُولَ الله؛ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَال: "أمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَينِ تَعْدِلُ شَهادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّين"
ــ
وقال القاضي: وإدخال مسلم هذا الحديث في كتاب الإيمان لفائدتين:
إحداهما: بيان أن الكفر قد يطلق على كفر النعمة، وجحد الحق وتغطيته، وهو معنى الكفر في اللغة ..
والثانية: إظهار نقص الإيمان وزيادته بقوله "ناقصات عقل ودين".
(قالت) تلك المرأة الجزلة (يا رسول الله وما نقصان العقل والدين) فينا (قال) رسول الله ﷺ (أما نقصان العقل) فيكن، أي أما علامة نقصان العقل منكن (فشهادة امرأتين تعدل) وتساوي (شهادة رجل) واحد (فهذا) المذكور من مساواة شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد سببه (نقصان العقل) فيكنَّ، قال المازري: نقصان شهادتهن لا يستقل دليلًا على نقضان عقلهن، حتى يتم بما نبه الله عليه من عدم ضبطهن بقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي إنهن قليلات الضبط والعقل: العلم، وقيل: قوة يميز بها بين الحسن والقبيح، واختلف في محله، قيل: هو في القلب، وقيل: هو في الرأس.
(و) أما نقصان دينها فإنها (تمكث) وتجلس (الليالي) ذوات العدد الخمسة عشر، وما دونها حالة كونها (ما تصلي) ولا تؤدي الصلوات الخمس، لعارض الحيض والنفاس (و) إنها (تفطر) أيام الحيض (في رمضان فهذا) المذكور من ترك الصلاة والإفطار في رمضان (نقصان الدين) والعبادة، قال المازري: نقص دينها صحيح، إذا قلنا العبادات الدين، لأن من نقص عبادة نقص دينًا، ولا يعترض بالمسافر، فيقال: إنه يقصر وإنه ناقص الدين، لأن تركهن الصلاة إنما هو تنزيه لله تعالى، أن يعبدنه مستقذرات، بخلاف المسافر، فجاء النقص فيهن من هذا الوجه، وأيضًا فالنقص للمسافر غير لازم، لأن له أن لا يسافر فلا يسقط عنه، وهو لهن لازم إذ ليس لهن أن لا يحضن، وقد لا يحتاج إلى هذا، لأن المسافر إنما يغير العدد، وهن يتركن الصلاة جملة.
قال النووي: والحديث بين في أن الحائض لا تثاب على تركها الصلاة، وقالوا في المسافر والمريض يتركان نوافل الصلاة لعذرهما، إنهما يكتب لهما ثواب ما كان يتنفلان
стр. 1126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به في الصحة والحضر، وفُرِّق بأنهما كانت نيتهما الدوام لولا العذر، والحائض لم تكن نيتها الدوام، وإنما نظير الحائض من كان يتنفل مرة ويترك أخرى، فهذا لا يكتب له لأنه لم تكن نيته الدوام اهـ. وهذا الحديث أعني حديث ابن عمر، شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٦٦) وابن ماجه (٤٠٠٣) والله أعلم.
فصل في الأحكام التي تستفاد من هذا الحديث
قال النووي: ويستفاد من هذا الحديث جُمل من العلوم، منها الحث على الصدقة وأفعال البر، والإكثار من الاستغفار وسائر الطاعات، وفيه أن الحسنات يُذهبن السيئات، كما ذكره تعالى في الكتاب العزيز، وفيه أن كفران العشير والإحسان من الكبائر، فإن التوعيد بالنار من علامة كون المعصية كبيرة، وفيه أن اللعن أيضًا من المعاصي الشديدة القبح، وليس فيه أنه كبيرة، فإنه ﷺ قال تكثرن اللعن، والصغيرة إذا اكثرت صارت كبيرة، وقد قال ﷺ : "لعن المسلم كقتله" واتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله تعالى من لا يعرف حاله وخاتمة أمره، معرفة قطعية، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحدٍ بعينه، مسلمًا كان أو كافرًا، أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، كأبي لهب، أو يموت عليه كإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام، كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصورين، والظالمين، والفاسقين، والكافرين، ولعن من غير منار الدين، ومن تولى غير مواليه، ومن اتسب إلى غير أبيه، ومن أحدث في الإسلام حدثًا، أو آوى محدثًا، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله أعلم.
وفيه أيضًا إطلاق الكفر على غير الكفر بالله تعالى، ككفر العشير، والإحسان، والنعمة، والحق، ويؤخذ من ذلك صحة تأويل الكفر في الأحاديث على ما أولناها، وفيه بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وفيه وعظ الإمام وأصحاب الولايات، وكبراء الناس رعاياهم، وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات، وفيه مراجعة المتعلم العالم، والتابع المتبوع فيما قاله، إذا لم يظهر له معناه، كمراجعة هذه الجزلة رضي الله
стр. 1127
١٤٥ - (٠٠) وَحدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابنُ وَهْبٍ عن بَكْرِ بْنِ مُضَرَ،
ــ
تعالى عنها رسول الله ﷺ ، وفيه جواز إطلاق رمضان من غير إضافة إلى الشهر، وإن كان الأفصح إضافته إليه.
وأما وصفه ﷺ النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض فقد يستشكل معناه، وليس بمشكل، بل هو ظاهر، فإن الدين والإيمان والإسلام، كلمات مشتركة في معنى واحد كما قدمناه في مواضع، وتقدم أن الطاعات تُسمى إيمانًا ودينًا، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه، كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم، فإن قيل إذا كانت معذورة فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض، وإن كانت لا تقضيها، كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره، مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره، فالجواب أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض، فنظيرها مسافر أو مريض. كان يصلي النافلة في وقت، ويترك في وقت، غير ناوٍ الدوام عليها، فهذا لا يكتب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن يتنفل فيه والله أعلم اهـ نووي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٤٥) - (٠٠) (وحدثنيه أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح الأموي، مولاهم الفقيه المصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٥) خمس وخمسين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه عن عبد الله بن وهب في الإيمان وغيره، قال أبو الطاهر (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن بكر بن مضر) بن
стр. 1128
عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
١٤٧ - (٧٥) وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِي وَأَبُو بَكرِ بْنُ إِسْحَاقَ،
ــ
محمد بن حكيم بن سليمان القرشي مولى شرحبيل بن حسنة، أبي عبد الملك أو أبي محمد المصري، روى عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادِ وجعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث ويزيد بن أبي حبيب، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن وهب وابن القاسم وقتيبة والوليد بن مسلم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٧٤) أربع وسبعين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والصوم والحج والجهاد والمعروف والزهد وانشقاق القمر فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة تقريبًا (عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي أبي عبد الله المدني من الخامسة مات سنة (١٣٩) وقد تقدم أن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع وهو بكر بن مضر والإشارة راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع كما هو اصطلاح المؤلف وقوله (مثله) مفعول ثان لما عمل في المتابع المقدر والضمير فيه عائد إلى المتابع المذكور في السند السابق وهو ليث بن سعد والتقدير حدثنا بكر بن مضر عن يزيد بن الهاد عن عبد الله بن دينار العدوي المدني عن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المكي مثل ما حدث الليث عن يزيد بن الهاد وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان مدنيان وواحد مكي وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة بكر بن مضر لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن الهاد وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن ليث بن سعد من الثقات الإثبات لا يحتاج إلى تقويته والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أبي سعيد الخدري ﵃ فقال:
(١٤٧) - ش (٧٥) (وحدثني الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي الخلال (الحلواني) الريحاني المكي ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب (و) حدثني أيضًا (أبو بكر) محمد (بن إسحاق) الصاغاني أصله من خراسان البغدادي ثقة ثبت من الحادية عشرة وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية
стр. 1129
قَالا: حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي مرْيَمَ، أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي زَيدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ،
ــ
أبواب وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من الحسن وأبي بكر (حدثنا) سعيد بن الحكم بن محمد بن مسلم (بن أبي مريم) الجمحي مولاهم الحافظ الفقيه أبو محمد المصري ثقة ثبت فقيه من كبار العاشرة مات سنة (٢٢٤) أربع وعشرين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا قال ابن أبي مريم (أخبرنا محمد بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، روى عن زيد بن أسلم والعلاء بن عبد الرحمن وهشام بن عروة وشريك بن أبي نمر وإبراهيم بن عقبة وأبي حازم بن دينار وغيرهم ويروي عنه (ع) وسعيد بن أبي مريم وخالد بن مخلد وجماعة، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من السابعة روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والنفاق والزكاة واللباس والحشر فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أبواب تقريبًا (قال) محمد بن جعفر (أخبرني زيد بن أسلم) أبو أسامة القرشي العدوي مولى عمر بن الخطاب المدني روى عن عياض بن عبد الله وعطاء بن يسار وحمران مولى عثمان وعبد الرحمن بن أبي سعيد وعبد الرحمن بن أبي وعلة وإبراهيم بن عبد الله بن حنين والأعرج وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن جعفر وحفص بن ميسرة وسعيد بن أبي هلال وهشام بن سعد والضحاك بن عثمان والسفيانان وسليمان بن بلال ومالك بن أنس وابن جريج وروح بن القاسم وخلق وقال في التقريب ثقة عالم وكان يرسل من الثالثة مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في ثلاثة مواضع والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة والحج والبيوع والتوبة والفتن والهبة والجهاد والرحمة واللباس فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا (عن عياض بن عبد الله) بكسر أوله وتخفيف التحتانية آخره معجمة بن سعد بن أبي سرح بمهملات مع فتح أوله وسكون ثانيه القرشي العامري المكي روى عن أبي سعيد الخدري في الإيمان والزكاة وغيرهما وأبي هريرة ويروي عنه (ع) وزيد بن أسلم وداود بن قيس وإسماعيل بن أمية والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب ومحمد بن عجلان في الزكاة وسعيد المقبري وبكير بن الأشج وغيرهم وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات على رأس المائة (١٠٠) (عن أبي سعيد الخدري) المدني سعد بن مالك بن سنان بنونين،
стр. 1130
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ
ــ
له ولأبيه صحبة يروي عنه (ع) وعياض بن عبد الله في الإيمان وخلق لا يحصون وقد تقدم البسط في ترجمته (عن النبي ﷺ بمثل معنى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ وفي الكلام حذف من الأول لعلمه من الثاني وغرضه الاستشهاد بحديث أبي سعيد لحديث ابن عمر كما مر آنفًا وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مكيان وواحد مصري إلا أبا بكر فإنه بغدادي كما مر.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية حديث أبي سعيد الخدري البخاري (٣٧٠) بطوله في العيدين وفي الطهارة (١١٤) وفي الزكاة (٢٤٤) وفي غيرها والنسائي في الصلاة (٦٧١) وابن ماجه (١٩٧) اهـ من تحفة الأشراف وفي النكت الظراف للحافظ ابن حجر، والحاصل أن مسلمًا ما أخرج حديث أبي سعيد فيما يتعلق بالمنبر في كتاب الإيمان أصلًا لا سندًا ولا متنًا ولا حوالة وإنما أخرجه في العيدين (١١٨٤) وأخرج حديثه فيما يتعلق بالنساء في الإيمان وأحال به على حديث ابن عمر فعرف أنه أراد بعضه لا جميعه وهو ما يتعلق بنقص عقل النساء ودينهن فلذلك ذكره في كتاب الإيمان اهـ بتصرف واختصار.
والواقع أن مسلمًا لم يسق لفظ حديث أبي سعيد الخدري وإنما أورد حديث ابن عمر بسند آخر إليه في قصة النساء ونقصان عقلهن ودينهن خاصة وأردفه بحديث أبي سعيد المذكور ثم أردفه بحديث أبي هريرة بقوله وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأحاله أيضًا على حديث ابن عمر في قصة النساء ونقصان عقلهن ودينهن فليتأمل.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵃ فقال:
(ح) أي حول المؤلف من الاستشهاد بحديث أبي سعيد إلى الاستشهاد بحديث أبي هريرة (و) قال (حدثنا يحيى بن أيوب) والإتيان بحاء التحويل في الاستشهاد ليس عادة له والأولى إسقاط هذه الحاء أي حدثنا يحيى بن أيوب العابد المقابري بفتح الميم والقاف أبو زكريا البغدادي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وتقدم
стр. 1131
وَقُتَيبَةُ وَعَلِيُّ بن حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابنُ جَعْفَرٍ- عن عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيرَةَ،
ــ
البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب (و) حدثنا أيضًا (قتيبة) بن سعيد بن جميل الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٤٠) وتقدم البسط في ترجمته، وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب (و) حدثنا أيضًا (علي بن حجر) بن إياس بن مقاتل بن مشمرج السعدي أبو الحسن ثقة حافظ من صغار التاسعة مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني أخو محمد بن جعفر ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا وأتى بقوله (وهو ابن جعفر) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زاده من عند نفسه (عن عمرو بن أبي عمرو) مولى المطلب بن عبد الله القرشي المخزومي أبي عثمان المدني واسم أبي عمرو ميسرة روى عن سعيد المقبري في الإيمان وأنس بن مالك في الحج والأعرج في النذور وعكرمة ويروي عنه (ع) وإسماعيل بن جعفر ويعقوب بن إبراهيم والدراوردي ومالك وسليمان بن بلال وثقه أبو زرعة وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقال في التقريب: ثقة ربما وهم من الخامسة مات بعد الخمسين ومائة (١٥٠) روى المؤلف عنه في ثلاثة أبواب الإيمان والحج والنذور (عن) سعيد بن أبي سعيد كيسان (المقبري) الليثي مولى بني ليث أبي سعد المدني روى عن أبي هريرة وعن أبيه أبي سعيد وعطاء بن ميناء وعبد الله بن رافع وعمرو بن سليم الزرقي وأبي سلمة وسعيد بن يسار وأبي شريح العدوي وعبد الله بن أبي قتادة وخلق ويروي عنه (ع) وعمرو بن أبي عمرو وأيوب بن موسى والوليد بن كثير وليث بن سعد ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وخلق، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة في موضعين والحج في ثلاثة مواضع والنكاح والدعاء والجهاد في موضعين والرفق والأحكام فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم
стр. 1132
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
مدنيون إلا يحيى بن أيوب فإنه بغدادي، وقتيبة فإنه بغلاني وعلي بن حجر فإنه مروزي (عن النبي ﷺ أي روى كل من أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ (بمثل معنى حديث ابن عمر) السابق (عن النبي ﷺ وحديث أبي هريرة هذا أعني "يا معشر النساء تصدقن ... " الحديث، انفرد بروايته الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات وغيرهم، ولكن ذكره إحالة لا صريحًا، كما علمت وقوله بمثل معنى حديث ابن عمر راجع لكل من أبي سعيد الخدري وأبي هريرة كما أشرنا إليه في الحل، فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب صريحًا وإحالة ثلاثة أحاديث، الأول حديث ابن عمر فذكره صريحًا للاستدلال به وذكر فيه متابعة واحدة والثاني حديث أبي سعيد الخدري والثالث حديث أبي هريرة وذكرهما بطريق الإحالة للاستشهاد لحديث ابن عمر والله أعلم.
(فائدة) قال النواوي: وقد اختلفوا في المراد بالمقبري في قوله (عن عمرو بن أبي عمرو عن المقبري) هو أبو سعيد المقبري أو ابنه سعيد فإن كل واحد منهما يقال له المقبري وإن كان المقبري في الأصل هو أبو سعيد فقال الحافظ أبو علي الغساني عن أبي مسعود الدمشقي هو أبو سعيد، قال أبو علي: وهذا إنما هو في رواية إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو، وقال الدارقطني: خالفه سليمان بن بلال فرواه عن عمرو عن سعيد المقبري، قال الدارقطني: وقول سليمان بن بلال أصح، قال ابن الصلاح: رواه أبو نعيم الأصفهاني في كتابه المخرج على صحيح مسلم عن إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري هكذا مبينًا لكن رويناه في مسند أبي عوانة المخرج على صحيح مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سعيد ومن طريق سليمان بن بلال عن سعيد كما سبق عن الدارقطني فالاعتماد عليه إذًا هذا آخر كلام ابن الصلاح، ويقال فيه المقبري بضم الباء وفتحها وجهان مشهوران فيه وهي نسبة إلى المقبرة وفيها ثلاث لغات ضم الباء وفتحها وكسرها والثالثة غريبة، قال إبراهيم الحربي وغيره كان أبو سعيد ينزل المقابر فقيل له المقبري وقيل كان منزله عند المقابر وقيل إن عمر بن الخطاب ﵁ جعله على حفر القبور فقيل له المقبري -وجعل نعيمًا
стр. 1133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على إجمار المسجد فقيل له نعيم المجمر- واسم أبي سعيد كيسان الليثي المدني، والله أعلم انتهى.
***
стр. 1134
٤٠ - بَابُ كَوْنِ الطَّاعَةِ لِأَمْرِ اللهِ وَالْخُضُوع لَهُ مِنَ الإِيمَانِ الَّذِي يُوجِبُ الْجَنَّةَ، وَكَوْنِ الْعِصْيَانِ لِأَمْرِهِ وَالتَّكَبُّرِ عَنِ السُّجُودِ لَهُ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ النَّارَ
١٤٨ - (٧٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاويةَ عَنِ الأعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ
ــ
٤٠ - بَابُ كَوْنِ الطَّاعَةِ لِأَمْرِ اللهِ وَالْخُضُوع لَهُ مِنَ الإِيمَانِ الَّذِي يُوجِبُ الْجَنَّةَ، وَكَوْنِ الْعِصْيَانِ لِأَمْرِهِ وَالتَّكَبُّرِ عَنِ السُّجُودِ لَهُ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ النَّارَ
أي هذا باب معقود في الاستدلال على كون الطاعة والامتثال لأمر الله سبحانه والتذلل له من شعب الإيمان الذي يوجب الجنة وكون العصيان والمخالفة لأمره والتكبر عن السجود له من أنواع الكفر الذي يوجب النار.
ولم يترجم للحديث الآتي النواوي ولا القاضي ولا أكثر المتون التي بأيدينا بل أدخلوه في ترجمة الحديث الآتي وترجم له الأبي بقوله (باب قوله ﷺ إذا قرأ ابن آدم السجدة) وترجم له السنوسي بقوله (باب من يسجد لله فله الجنة).
(قلت) وترجمتي أعم وأنسب لترجمة كتاب الإيمان.
وبالسندين المتصلين في أول الكتاب قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(١٤٨) - س (٧٦) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) (و) حدثنا أيضًا (أبو كريب) الكوفي محمد بن العلاء الهمداني ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٤٨) وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قال) أي قال كل من أبي بكر وأبي كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم الكوفي ثقة من كبار التاسعة مات سنة (١٩٥) (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي ثقة ثبت من الخامسة مات سنة (١٤٨) (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني مولى جويرية بنت الحارث القيسية ثقة ثبت من الثالثة مات سنة (١٠١) (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ إذا قرأ ابن آدم)
стр. 1135
السَّجْدَةَ فَسَجَدَ .. اعْتَزَلَ الشَّيطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيلَهُ -وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُريبٍ يَا وَيلِي- أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ
ــ
المسلم آية (السجدة فسجد) لتلاوتها امتثالًا لأمره تعالى وخضوعًا وطاعة له تعالى (اعتزل) أي ابتعد (الشيطان) أي تباعد إبليس عنه كما يتباعد عنه عند الأذان وله ضراط حالة كون الشيطان (يبكي) ويحزن حسدًا لطاعته وإيمانه وامتثاله أمر ربه وقوله (يقول) حال من فاعل يبكي فيكون حالًا متداخلة أي حالة كونه يقول في بكائه أو من الشيطان فيكون حالًا مترادفة أي حالة كون الشيطان يقول (يا ويله) أي ياويلي ويا هلاكي أحضر إلي لأتعجب منك فهذا أوانك والأصل هنا ضمير المتكلم وأتى بدله بضمير الغائب صونًا لنفسه عن إضافة السوء إليها لأنه مما يستهجن عند البلغاء ونداء غير العاقل يكون للتعجب منه ونصبه على أنه منادى مضاف وضمير الغيبة بدل من ياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه وعبارة النواوي هنا وقوله (يا ويله) هو من آداب الكلام وهو أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكي الضمير عن نفسه تصاونًا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه اهـ، وفي رواية (يا ويلتاه) والألف فيها للندبة والهاء للسكت وهذا في رواية أبي بكر بن أبي شيبة (و) أما (في رواية أبي كريب) فهو (يا ويلي) بكسر اللام على الأصل في كسر ما قبل ياء المتكلم للمناسبة مثل يا أبي ويا أمي وبفتحها بقلب ياء المتكلم ألفًا للتخفيف بعد قلب الكسرة فتحة ليسهل القلب وهذه الألف ضمير المتكلم في محل الجر مضاف إليه مبني على السكون وبهذا الألف ألغز بعضهم فقال ما ألف وقعت للمتكلم وهي في محل جر وأنشأ:
أيا عالمًا لاحت شوارق نوره ... على الجو حتى ضاء كل جنابه
فما ألف جاءت ضمير تَكَلم ... ومجرورة فاسمح برد جوابه
فأجاب بعضهم بقوله:
أيا سيدًا حاز المكارم جملة ... ولا زالت الألغاز تسمو ببابه
أيا حسرتا بالباب جاءت مجيبة ... تنادي أنا مبد لكشف نقابه
انتهى من رسالتنا هدية أولي الإنصاف في إعراب المنادى المضاف. (أمر ابن آدم) أي أمره ربه (بالسجود) للتلاوة أمر ندب عند قراءة آية السجدة (فـ) أجاب ربه و (سجد)
стр. 1136
فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيتُ فَلِيَ النَّارُ"
ــ
السجود الذي هو من شعب الإيمان (فله الجنة) التي هي دار الكرامة جزاء له على طاعته وسجوده (وأمرت) أنا، أي أمرني ربي (بالسجود) أي سجود انحناء تحية لآدم أو بالسجود الشرعي لله تعالى وآدم قبلة كالكعبة (فأبيت) السجود أي امتنعت من إجابة أمر ربي بالسجود وعاندته وكفرت به واستكبرت عن السجود لآدم (فلي النار) دار الذل والهوان جزاء على إبائي وكفري وامتناعي من السجود الذي هو من شعب الإيمان.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٤٤٠ و ٤٤٣) وابن ماجه (١٠٥٢) قال الأبي: والأظهر في الشيطان أنه إبليس لقوله فعصيت ولم يبك ندمًا بل حسدًا أن دخل الجنة بالسبب الذي عصى هو به ولا يمتنع أن يكون بكاؤه حقيقة لأنه جسم ولا يتفق له هذا البكاء دائمًا لأن إذا ليست من ألفاظ العموم والويل الهلاك وهي كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها اهـ.
قال القرطبي: ومعنى السجود لغة الخضوع والخشوع قال زيد الخيل ﵁.
بجمع تصل البلق في حجراته ... ترى الأَكَم فيها سجدًا للحوافر
والبلق جمع أبلق والفرس الأبلق ما كان فيه سواد وبياض وقوله (سجدًا) أي خاضعة ويطلق السجود أيضًا على الميل يقال سجدت النخلة أي مالت وسجدت الناقة إذا طأطأت رأسها قال يعقوب أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وسجد إذا وضع جبهته على الأرض وقال ابن دريد أصل السجود إدامة النظر مع إطراق إلى الأرض والحاصل أن أصل السجود الخضوع وسميت هذه الأحوال سجودًا لأنها تلازم الخضوع غالبًا ثم قد صار في الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض على وجه مخصوص والسجود المذكور في هذا الحديث هو سجود التلاوة لقوله (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد) وقد اختلف في حكمه فذهب الجمهور إلى أنه مندوب وفضيلة وصار أبو حنيفة إلى أنه واجب مستدلًا بهذا الحديث، ووجهه أن إبليس عصى بترك ما أمر به من السجود فذم ولعن وابن آدم أطاع بفعله فمدح وأثيب بالجنة فلو تركه لعصى إذ السجود نوع واحد فلزم من ذلك كون السجود واجبًا.
(والجواب) أن ذم إبليس ولعنه لم يكن لأجل ترك السجود فقط بل لترك السجود
стр. 1137
١٤٩ - (٠٠) حَدَّثَنِي زُهيرُ بْنُ حَرْبٍ،
ــ
عتوًا على الله وكبرًا وتسفيهًا لأمره تعالى وبذلك كفر لا بترك العمل بمطلق السجود ألا ترى قوله تعالى مخبرًا عنه بذلك حين قال ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] وقال ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] وقال ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، سلمنا أنه ذم على ترك السجود لكن لا نسلم أن السجود نوع واحد، فقد قال بعض المفسرين: إن السجود الذي أمر الله به الملائكة إنما كان طأطأة الرأس لآدم تحية له وتعظيمًا وتشريفًا، وسجود التلاوة وضع الجبهة على الأرض على كيفية مخصوصة فافترقا، سلمنا أنه نوع واحد لكن منقسم بالإضافة ومتغاير بها، فيصح أن يؤمر بأحدها ويُنهى عن الآخر، كما يؤمر بالسجود لله تعالى، وينهى عن السجود للصنم، فما أمر به الملائكة من السجود لآدم محرم على ذريته كما قد حرم ذلك علينا وكيف يستدل بوجوب أحدهما على وجوب الآخر.
فسجود الملائكة لآدم كان عبادة لله وطاعة لأمره، كما أمرنا نحن بالسجود للكعبة أي لجهتها تعظيمًا من الله تعالى لشأنها، وسيأتي الكلام في سجود القرآن في بابه إن شاء الله تعالى.
وبكاء إبليس المذكور في الحديث ليس ندمًا على معصيته، ولا رجوعًا عنها، وإنما ذلك لفرط حسده وغيظه وألمه مما أصابه من دخول أحد من ذرية آدم الجنة ونجاته، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذان والإقامة ويوم عرفة، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وعبارة النواوي هنا وقد احتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وإياهم بقوله (أمر ابن آدم بالسجود على أن سجود التلاوة واجب ومذهب مالك والشافعي والكثيرين أنه سنة وأجابوا عن هذه بأجوبة، أحدها أن تسمية هذا أمرًا إنما هو من كلام إبليس فلا حجة فيها فإن قالوا حكاها النبي ﷺ ولم ينكرها قلنا قد حكى غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية وهي باطلة، والوجه الثاني أن المراد به أمر ندب لا إيجاب، والثالث المراد به المشاركة في السجود لا في الوجوب والله تعالى أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٤٩) - متا (٠٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وتقدم البسط في
стр. 1138
حدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ بِهذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيرَ أَنَّهُ قَال: "فَعَصَيتُ فَلِي النَّارُ"
ــ
ترجمته قال زهير (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح بفتح الميم الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة مات في آخر سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة وتقدم البسط في ترجمته قال وكيع (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي ثقة ثبت حافظ قارئ ورع مدلس من الخامسة مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بحدثنا وكيع وكذا قوله (مثله) مفعول ثان لحدثنا وكيع والضمير فيه عائد إلى أبي معاوية وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة وكيع لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش، والمعنى حدثنا وكيع عن الأعمش بهذا الإسناد أي عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل ما روى أبو معاوية عن الأعمش ثم استثنى من المماثلة قوله (غير أنه) أي غير أن وكيعًا (قال) في روايته (فعصيت) أي خالفت أمر ربي (فلي النار) جزاء على عصياني ومخالفتي بدل رواية أبي معاوية (فأبيت فلي النار) وهذا السند أيضًا من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد نسائي.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أبي هريرة وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 1139
٤١ - بَابُ إِيمَانِ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ جَحْدًا أَوْ تهَاوُنًا
١٥٠ - (٧٧) حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ،
ــ
٤١ - بَابُ إِيمَانِ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ جَحْدًا أَوْ تهَاوُنًا
أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان من ترك الصلاة ولو واحدة من الصلوات الخمس جحدًا وإنكارًا لوجوبها أو تهاونًا واستخفافًا لأمر الله تعالى بها وعدم مبالاة به مع إقرار وجوبها، فالجاحد لوجوبها أو وجوب واحد من أركان الإسلام أو وجوب غيرها مما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر بالإجماع يقتل كفرًا ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يصلى عليه والتارك استخفافًا لها وتهاونًا بأمر الله تعالى مع إقرار وجوبها فالجمهور على أنه لا يكفر بل يستتاب فإن تاب وإلا يقتل حدًّا ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين فالحديث الآتي محمول على هذا التفصيل والله أعلم.
وترجم لحديث جابر الآتي القاضي والنواوي وأكثر المتون بقوله (باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة) وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما (باب التكفير بترك الصلاة) وترجم له القرطبي بقوله (باب ترك الصلاة جحدًا أو تسفيهًا للأمر كفر) وترجمتي أوفق لترجمة كتاب الإيمان والله أعلم وبالسندين قال المؤلف:
(١٥٠) - س (٧٧) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد (التميمي) الحنظلي مولاهم أبو زكريا النيسابوري ثقة ثبت إمام من العاشرة مات سنة (٢٢٦) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم أبو الحسن الكوفي ثقة حافظ له أوهام من العاشرة مات سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومائتين وله (٨٣) وهو أكبر من أبي بكر بن أبي شيبة بثلاث سنين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (كلاهما) أي كل من يحيى وعثمان رويا (عن جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط بن هلال بن قيس الضبي أبي عبد الله الكوفي القاضي ثقة صحيح الكتاب من السابعة مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا تقريبًا.
стр. 1140
قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِن بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ"
ــ
وأتى بقوله (قال يحيى أخبرنا جرير) تورعًا من الكذب على يحيى لأنه صرح بالسماع ولم يقل عن جرير كما قاله عثمان (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي ثقة حافظ من الخامسة مات سنة (١٤٨) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي مولاهم الإسكاف المكي نزيل واسط صدوق من الرابعة روى عن جابر في الإيمان والصلاة وغيرهما وتقدم البسط في ترجمته (قال) أبو سفيان (سمعت جابرًا) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أبا عبد الله المدني الصحابي بن الصحابي روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا وهذا السند من خماسياته رجال اثنان منهم أو ثلاثة كوفيون أو كوفيان ونيسابوري وواحد مكي وواحد مدني.
حالة كون جابر (يقول سمعت النبي ﷺ يقول إن بين الرجل) المسلم وكذا المرأة (وبين) الاتصاف بـ (الشرك والكفر) وعطف الكفر على الشرك من عطف العام على الخاص لأن الكفر يكون بجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة مثلًا (ترك الصلاة) المكتوبة أي فعل الصلاة المكتوبة، قال السنوسي إن ترك الصلاة معبر به عن ضده الذي هو فعلها لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر فإذا ارتفع رفع المانع اهـ.
قال القرطبي: يعني أنه من ترك الصلاة لم يبق بينه وبين الكفر حاجز يحجزه عنه ولا مانع يمنعه منه أي قد صار كافرًا وهذا إنما يكون بالإجماع فيمن كان جاحدًا لوجوبها فأما من كان معترفًا بوجوبها متهاونًا بفعلها وتاركًا لها فالجمهور على أنه يقتل إذا أخرجها عن آخر وقتها أو عن وقتها الضروري ثم هل يقتل كفرًا أو حدًّا فيه خلاف فممن ذهب إلى الأول أحمد بن حنبل وابن المبارك وإسحاق وابن حبيب من أصحابنا وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وممن ذهب إلى الثاني مالك والشافعي وكثير من أهل العلم قالوا يقتل حدًّا إذا عرضت عليه فلم يفعلها ثم هل يستتاب أم لا قولان لأصحابنا، وقال الكوفيون لا يقتل ويؤمر بفعلها ويعزر حتى يفعلها.
стр. 1141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم وليس بجاحد ولأن رسول الله ﷺ قد قال (خمس صلوات افترضهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا كان له عند الله عهد أن يغفر له ومن لم يأت بهن فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه) رواه أحمد (٥/ ٣١٧ و ٣٢٢) وأبو داود (٤٢٥) والنسائي (١/ ٢٣٠) ومالك في الموطأ (١/ ٢٣).
فهذا الحديث ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] واختلف العلماء في أخوات الصلاة من الفرائض كالزكاة والصيام والحج والوضوء والغسل من الجنابة هل يقتل الآبي من فعلها وإن اعترف بوجوبها أم يعاقب حتى يفعل وهل هو كافر أم عاص، مذهب مالك في أن من قال لا أتوضأ ولا أصوم أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن قال لا أزكي أخذت منه كرهًا فإن امتنع قوتل فإن قال لا أحج لم يجبر لكون فرضه على التراخي.
وقال القرطبي: أيضًا هكذا أطلق أئمتنا وينبغي أن يقال إذا انتهى الممتنع إلى حالة يخاف معها الفوت كالهرم والمرض حمل على الفعل لئلا يُخَلِّيَ زمانه عن الحج مع استطاعته وأما من يقول إن الحج على الفور إذا حصلت الاستطاعة فقياس مذهبه يقتضي أن يحمل على الفعل في تلك الحال لكن أصحابنا لم يقولوا به ولا كفروه بترك الحج كما فعلوا في الصلاة لأن كون وجوبه على الفور ليس بمعلوم التحديد والتوقيف من الشرع كما هو في الصلاة وإنما قيل ذلك بالاجتهاد والظن والله أعلم.
وقال ابن حبيب: من قال عند الإمام لا أصلي وهي عليّ قتل ولا يستتاب وكذلك من قال لا أتوضأ ولا أغتسل من الجنابة ولا أصوم وقال أيضًا من ترك الصلاة متعمدًا أو مفرطًا كافر ومن ترك أخواتها متعمدًا من زكاة وحج وصوم كافر وقاله الحكم بن عتيبة وجماعة من السلف اهـ من المفهم، وقال غيرهم لا يكفر إلا بجحد الوجوب واحتجوا بإجماع الصدر الأول على موارثته ودفنه في مقابر المسلمين وهكذا في الزكاة إذا امتنع منها ولم يصرح اهـ من الأبي.
وهذا الحديث أعني حديث جابر شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ٢٨٩) وأبو داود (٤٦٧٨) والترمذي (٢٦٢٢) وابن ماجه (١٠٧٨).
стр. 1142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضي عياض: قوله (بين الرجل والكفر ترك الصلاة) أي بين المسلم وبين أن يتسم بسمة الكفر ترك الصلاة وقد يكون معنى الحديث أن بالصلاة يتميز المسلم من الكافر فإذا تركها دخل في أهل الكفر اهـ، قال الأبي: معنى الأول ترك الصلاة صفة أهل الكفر فإذا تركها اتصف بصفتهم ولا فرق بين الوجهين في المعنى لأن كلًّا منهما يرجع إلى كون الترك سببًا في الكفر، ويتضح ذلك بأن تعرف أن الكائن بين أمرين في هذا التركيب تارة يكون سببًا في حصول ما بعده لما قبله نحو بيني وبين رؤية الهلال أن انظر إليه وتارة يكون مانعًا من حصوله له نحو بيني وبين رؤيته هذا الجبل والحديث من القسم الأول ويشكل جعله من الثاني لأن الأصل في المانع أنه إذا أزيل حصل الممنوع وترك الصلاة إنما يزول بفعلها، وفعلها لا يكون موجبًا للكفر، وجعله النواوي من الثاني، وأخذ يتكلف بالجواب عنه، فقال: يتخرج على حذف فقال: والتقدير بين الرجل وبين الكفر عدم ترك الصلاة، وعدم تركها إنما يرتفع بالترك، وترك الصلاة كفر، وأنت تعرف أن ما ذكرناه أبين وأقرب اهـ أبي.
فصل
قال النواوي: وأما تارك الصلاة فإن كان منكرًا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج عن ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق، ويستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصن لكنه يقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو أحد الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى، وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي ﵏ جميعًا أنه لا يكفر، ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يُصلي، واحتج من قال بكفره بظاهر هذا الحديث وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتج من قال لا يقتل بحديث "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"
стр. 1143
١٥١ - (٠٠) حَدَّثَنَا أبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخلَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ،
ــ
وليس فيه الصلاة، واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وبقوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" "ولا يلقى الله تعالى عبد بهما غير شاك فيحجب عن الجنة" "حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله" وغير ذلك واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم" وتأولوا قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار والله أعلم.
وقوله (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم (الشرك والكفر) بالواو، وفي مستخرج أبي عوانة وأبي نعيم (أو الكفر) بأو، ولكل واحد منهما وجه، ومعنى بينه وبين الشرك ترك الصلاة، أن الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه، ثم إن الشرك والكفر قد يُطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله تعالى، وقد يُفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات، مع اعترافهم بالله تعالى، ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك كما مر، والله أعلم. انتهى من النواوي، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
(١٥١) - متا (٠٠) (حدثنا أبو غسان) بالصرف وعدمه، مالك بن عبد الواحد (المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة نسبة إلى مسمع بن ربيعة البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٠) ثلاثين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا قال أبو غسان (حدثنا الضحاك بن مخلد) بن مسلم الشيباني أبو عاصم النبيل البصري ثقة ثبت من التاسعة مات سنة (٢١٢) اثنتي عشرة ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا.
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه مدلس
стр. 1144
قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ: أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ"
ــ
مرسل من السادسة مات سنة (١٥٠) خمسين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن جريج (أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي ثقة مدلس من الرابعة مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا (أنه) أي أن أبا الزبير (سمع جابر بن عبد الله) حالة كونه (يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) بحذف إنّ ورفع ترك على أنه مبتدأ مؤخر والظرف خبر مقدم معناه بين المسلم وبين اتسامه باسم الكفار واستحقاقه من القتل ما استحقوه ترك الصلاة وقد يكون معنى الحديث إن بالصلاة والمواظبة عليها وتكرار ذلك في يومه وليلته يفترق المسلم من الكافر ومن ترك ذلك ولم يهتبل به ولا تميز بسيماء المؤمنين دخل في سواد أضدادهم من الكفرة والمنافقين اهـ من إكمال المعلم وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان مدنيان وواحد مكي وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي الزبير لأبي سفيان في رواية هذا الحديث عن جابر وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن أبا سفيان صدوق وإنما كرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بنقص إن الناصبة والله أعلم ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث جابر وذكر فيه متابعة واحدة.
стр. 1145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجملة ما شرحناه في هذا المجلد من الأحاديث الغير المكررة (٧٧) سبعة وسبعون حديثًا ومع المكررة مائة وأحد خمسون حديثًا (١٥١) وجملة ما فيه من الأبواب (٤١) أحد وأربعون بابا وهذا آخر ما أكرمني الله من هذا المجلد بإتمامه بعد ما وفقني بابتدائه في تاريخ ١٧/ ١١ / ١٤١٩ هـ ـ تسع عشرة سنة من بعد ألف وأربعمائة قبيل المغرب في اليوم السابع عشر من شهر ذي القعدة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التحيات وعلى آله السادات وأصحابه القادات وتابعيهم إلى يوم القيامات والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 1146
شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
الجزء الثالث
دار المنهاج
دار طوق النَّجاة
стр. 1147
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقًا من الناشر
دار المنهاج للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية- جدة
حي الكندرة- شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة ٦٣٠٠٦٥٥
المكتبة ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس ٦٣٢٠٣٩٢
ص. ب ٢٢٩٤٣ - جدة ٢١٤١٦
هاتف المؤلف ٠٥٦٢٠٠٩١٨٨
ISBN ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٤٩٨ - ٣٦ - ٢
WWW.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
стр. 1148
شرح صحيح مسلم
стр. 1149
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1150
ومما قيل في الزهد: -
أتبني بناء الخالدين وإنما ... مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية ... لمن كان فيها يعتريه رحيل
قال أبو الطيب المتنبي: -
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر صغير ... كطعم الموت في أمر كبير
يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تُغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
الحمد لله الذي شرح قلوب أصفيائه، بمعاني سنن خير أنبيائه، والصلاة والسلام على منبع الحكم والأحكام، سيدنا محمَّد علم الهدى ومنار الإِسلام، وعلى آله السادة الكرام، وأصحابه الأئمة الأعلام، وتابعيهم إلى يوم القيام، ما طلع وَناءَ نَجْمٌ في دُجى الظلام.
(أما بعد) فلما فرغت من كتابة المجلد الثاني من شرح صحيح مسلم تفرغت إن شاء الله تعالى لبداية تسطير المجلد التالي، بقلم ما عندي من قطرات الفيض، ورشحات العلوم، فقلت مستمدًا من الله التوفيق والسداد إلى أقوم الطريق:
стр. 1151
٤٢ - (١) بَابُ: كَوْنِ الإيِمَان أَفْضَلَ الأعْمَالِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ
١٥٢ - (٧٨) (١) وحدثنا مَنْصُورُ بْنُ أبي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ.
ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ،
ــ
٤٢ - (١) بَابُ: كَوْنِ الإيِمَان أَفْضَلَ الأعْمَالِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ
أي هذا باب معقود في بيان دون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، وأساسها وأكثرها أجرًا على الإطلاق، بدنية كانت أو مالية، فعلية كانت أو قولية، وبيان مفاضلة بعض الأعمال على بعض بعد الإيمان.
وترجم النواوي والقاضي وأكثر المتون للأحاديث الآتية بقولهم (باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال)، وترجم لها القرطبي بقوله (باب الإيمان بالله أفضل الأعمال)، وترجم لها الأبي بقوله (باب تفضيل بعض الأعمال على بعض) وترجم لها السنوسي بقوله (باب أفضل الأعمال الإيمان باللهِ) ومفاد هذه التراجم كلها واحد، ولكن ترجمتي أعم وأوفق للأحاديث الآتية، وبالسندين المتصلين السابقين قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(١٥٢) - س (٧٨) (١) (وحدثنا منصور بن أبي مزاحم) التركي بضم المثناة الفوقية، أبو نصر البغدادي، واسم أبي مزاحم بشير بفتح الباء الموحدة، روى عن إبراهيم بن سعد وعبد الله بن المبارك ويحيى بن حمزة ومالك بن أنس وأبي الأحوص وفليح بن سليمان وغيرهم، ويروي عنه (م د س) وأَحمد بن عليّ المروزي وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، وثقه الدارقطني، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة مات لست بقين من ذي الحجة سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمانين (٨٠) سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والنكاح والجهاد في موضعين والفتن في أربعة أبواب تقريبًا.
قال منصور (حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عوف الزُّهْرِيّ، أبو إسحاق المدنِيُّ، ثِقَة حجة، من الثامنة، مات سنة (١٨٣)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثني محمَّد بن جعفر بن زياد) بن أبي
стр. 1152
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الأعمَالِ أَفْضَلُ؟ قَال: إِيمَانٌ
ــ
هاشم أبو عمران الوركاني بفتحتين، وقيل بسكون الراء، نسبة إلى وركان اسم محلة أو قرية، الخُرَاسَانِيّ من أهل بغداد، روى عن إبراهيم بن سعد في الإيمان والنكاح والبيوع وغيرها وشريك وأبي الأحوص وطبقتهم، ويروي عنه (م د س) وأبو يعلى والبغوي، وابن معين من أقرانه ووثقه، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة، مات سنة (٢٢٨) ثمان وعشرين ومائتين، روى عنه المؤلف في الثلاثة الأبواب المذكورة آنفًا وغيرها، قال محمَّد بن جعفر (أخبرنا إبراهيم) وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغتي شيخيه لأن منصورًا قال حَدَّثَنَا وقال محمَّد (أخبرنا إبراهيم) ولم ينسبه وفي اصطلاح مسلم فرق بين حَدَّثَنَا وأخبرنا كما علمت وأتى بالعناية في قوله (يعني) شيخي محمَّد بن جعفر بإبراهيم، إبراهيم (بن سعد) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه محمَّد بن جعفر بل زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي (عن) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) القُرشيّ الزُّهْرِيّ أبي بكر المدنِيُّ عالم الحجاز والشَّام ثِقَة من الرابعة مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى له في ثلاثة وعشرين بابا تقريبًا (عن سعيد بن المسيّب) بن حزن بوزن سهل القُرشيّ المخزومي أبي محمَّد المدنِيُّ ثِقَة من كبار الثَّانية مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا منصورًا أو محمَّد بن جعفر فإنهما بغداديان (قال) أبو هريرة (سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل) أي أكثر أجرًا عند الله وأعظم أساسًا، قال الأبي: السائل هو أبو ذر ﵁ وإنما سأل عنه ليلتزمه كعادتهم في الحرص على الخير، ويصح لغة إطلاق أن بعض الأفعال أفضل وأقبح من بعض، واختلف في إطلاق أوجب وأحل وأحرم فمنعه الباقلاني وتوقف فيه السيوري وعبد الحميد، والمنع مقتضى العربية لأن أفعل التفضيل لا يُبنى إلَّا مما يقبل الزيادة والنقص كالتعجب، وهذه الصفات لا تقبلهما إذ لا يقال واجبٌ جدًّا، وكذا في بقيتها وصحة اقتران لفظة جدًّا بصفة هي معيار ما يقبل الزيادة والنقص (قال) رسول الله ﷺ أفضل الأعمال وأساسها (إيمان
стр. 1153
بِاللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: حَجٌّ مَبْرُورٌ".
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَال: "إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ"
ــ
بالله) أي تصديق بوجوده وبوحدانيته وبألوهيته وبجميع صفاته قال القاضي عياض: جعل الإيمان هنا عملًا، وهو غيره عند المتكلمين، لأنه عندهم التصديق.
ويدل عليه حديث جبريل ﵇، لأنه جعله فيه عمل قلب، وجعل الإسلام عمل الجوارح، وتقدم لنا نحن أنه التصديق والنطق، وأن تمامه العمل، وأجمعوا على أنه لا يكون مؤمنًا تام الإيمان إلا بعقد وقول وعمل، وهذا الإيمان هو الذي يُنجي من النار رأسًا، ويعصم الدم والمال، ولهذا الارتباط الذي بين الثلاثة صح إطلاق الإيمان على مجموعها، وعلى كل واحد منها، وكان أفضل الأعمال لأنه شرط في كلها.
وقد يحتمل أن يُريد بالإيمان المجعول أفضل الأعمال، الذكر الخفي، من تعظيم حق الله تعالى، وحق رسوله ﷺ ، وإدامة الذكر وتدبر آيات كتاب الله تعالى، وهي من أعمال القلب كما جاء في الحديث الآخر: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي "أخرجه أحمد عن سعد بن مالك (١/ ١٧٢) قال القرطبي: ولا يخفى أن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال كلها لأنه متقدم عليها، وشرط في صحتها، وقد يوجه كون الإيمان أفضل بأن شرف الصفة بشرف متعلقها، ومتعلق الإيمان هو الله تعالى وكتبه ورسله، ولا أشرف من ذلك، فلا أشرف في الأعمال من الإيمان، ولا أفضل منه اهـ.
(قيل) له ﷺ (ثم) بعد الإيمان (ماذا) أفضل، أي: أيُّ عمل أفضل يا رسول الله، هكذا في نسخة الأبي والسنوسي والقرطبي بلفظ (قيل) وفي نسخة النواوي والقاضي وأكثر المتون (قال) بصيغة المعلوم أي (قال) السائل (ثم ماذا) وهو أبو ذر، ونسخة (قيل) أوضح وأنسب لقوله أولًا (سُئل) بصيغة المجهول (قال) رسول الله ﷺ أفضلها (الجهاد في سبيل الله) وطاعته وطلب مرضاته لإعلاء كلمته العليا، لا للحمية ولا للوطنية ولا للغنيمة ولا لإظهار الشجاعة (قيل: ثم) بعد الجهاد (ماذا) أي أيُّ شيء أفضل يا رسول الله (قال) رسول الله ﷺ أفضلها (حج مبرور) أي حج لم يخالطه شيء من المآثم، هكذا رواية الحديث بلفظ "إيمان بالله" بلا زيادة شيء في رواية منصور بن أبي مزاحم (و) أما (في رواية محمد بن جعفر قال: إيمان بالله ورسوله) بزيادة لفظ رسوله بعد الجلالة.
стр. 1154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القرطبي: قوله (ثم الجهاد في سبيل الله) ظاهر هذا الحديث أن الجهاد أفضل من سائر الأعمال بعد الإيمان, وظاهر حديث أبي ذر أن الجهاد مساوٍ للإيمان في الفضل حيث قال:
"الإيمان والجهاد"، وظاهر حديث ابن مسعود يُخالفهما لأنه أخر الجهاد عن الصلاة وعن بن الوالدين، حيث قال: "الصلاة ثم بن الوالدين ثم الجهاد"، وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو: "أي الإسلام خير؟ قال: تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" وفي حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو: "أي المسلمين خير؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده" وصح في حديث عثمان: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وأمثال هذا في الصحيح كثير.
ويجاب عنه بأن هذا الاختلاف ليس بتناقض, لأنه إنما اختلفت أجوبته ﷺ لاختلاف أحوال السائلين، وذلك أنَّه ﷺ كان يُجيب كل سائل بالأفضل في حقه، وبالمتأكد في حقه فمن كان متاهلًا للجهاد، وراغبًا فيه، كان الجهاد في حقه أفضل من الصلاة وغيرها، وقد يكون هذا الصالح للجهاد له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما, ولو تركهما لضاعا، فيكون بن الوالدين في حقه أفضل من الجهاد، كما قد استأذن رجل النَّبِيّ ﷺ في الجهاد فقال: "أحي والداك" قال: نعم فقال: "ففيهما فجاهد" رواه أَحْمد والبخاري ومسلم والنَّسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وهكذا سائر الأعمال وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال وذلك في وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمين كحال هذا الزمان فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات وأفضل الأعمال لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا جبر الله صدعنا وجدد نصرنا فالجهاد أولى بالتحريض والتقديم من الحج لما في الجهاد من المصلحة العامة للمسلمين مع أنَّه متعين متضيق في هذا الحال بخلاف الحج والله أعلم.
والحاصل من هذا البحث أن تلك الأفضلية تختلف بحسب الأشخاص والأحوال ولا بعد في ذلك فأما تفصيل هذه القواعد من حيث هي فعلى ما تقدم من حديث ابن
стр. 1155
١٥٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ
ــ
عمر الذي قال فيه "بني الإِسلام على خمس"، قال النواوي: قال القفال فقد يكون السائل ذا نجدة فالجهاد في حق هذا أفضل وقد يكون له والدان لو خرج لجهاد لضاعا فالبر في حق هذا أفضل وقد يختلف جوابه بحسب ما يراه أليق بالزمان كما لو نزل العدو وخيف استئصاله وكما كان في صدر الإِسلام حين كان المراد إعزاز الدين وشهد لصحة هذه الاعتذارات حديث ابن عباس "حجة لمن لم يحج خير من أربعين غزوة وغزوة لمن حج خير من أربعين حجة" وقيل قدّم الجهاد في حديث أبي هريرة على الحج لأنه كان في أول الإِسلام ومحاربة أعدائه والجد في إظهاره، قال القفال: وقد يجمع بأن يكون الكلام على تقدير من أي من أفضل الأعمال كذا فيكون الإيمان أفضلها على الإطلاق وتستوي سائرها في كونها من أفضل، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدليل آخر، قال: ولا يمنع من هذا كونه في بعض الطرق معطوفًا بثم لأن ثم قد تكون للترتيب في الذكر لا في الحكم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وكقول الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
(والحج المبرور) هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم كما قال تعالى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال﴾ قاله شمر. بفتح الشين وكسر الميم - بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب المتوفى سنة (٣٥٥) ومنه بن في يمينه وبيعه إذا سلم من الحنث والخديعة وقال الحربي المبرور هو المقبول أي المثاب عليه وقيل هو المبذول فيه النوال لأنه ﷺ سئل "ما بن الحج قال إطعام الطعام وطيب الكلام" رواه الحاكم في المستدرك من البر الذي هو فعل الجميل ويكون من البر بمعنى الصدق فيكون الحج المبرور الصادق الخالص لله تعالى ويقال بن حجك بضم الباء مبنيًّا للمفعول وبر الله حجك بفتحها مبنيًّا للفاعل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة أَحْمد (٢/ ٣٣٠ و ٣٨٨ و ٥٣١) والبخاري (٥٠) والتِّرمذيّ (١٦٥٨) والنَّسائيّ (٥/ ١١٣).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٥٣) - متا (٠٠) (وحدثنيه) أي حَدَّثني الحديث المذكور يعني حديث أبي هريرة
стр. 1156
محمدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ.
١٥٤ - (٧٩) (٢) حَدَّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ،
ــ
﵁ (محمَّد بن رافع) بن أبي زيد سابور القشيري مولاهم أبو محمَّد النَّيسَابُورِيّ ثِقَة عابد من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنيه أَيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكسي أبو محمَّد الحافظ ثِقَة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة تقوية السند، كلاهما (عن عبد الرَّزّاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبي بكر الصَّنْعانِيّ ثِقَة حافظ من التاسعة مات سنة إحدى عشرة ومائتين (٢١١) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا قال عبد الرَّزّاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأَزدِيّ الحداني مولاهم أبو عروة البَصْرِيّ نزيل اليمن ثِقَة ثبت من كبار السابعة مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمَّد بن مسلم (الزُّهْرِيّ) أبي بكر المدنِيُّ ثِقَة من الرابعة روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابا والإشارة في قوله (بهذا الإسناد) راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع أي عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ﵁ وقوله (مثله) مفعول ثان لقوله أخبرنا معمر والضمير فيه عائد إلى إبراهيم بن سعد أي أخبرنا معمر بن راشد عن الزُّهْرِيّ مثل ما روى إبراهيم عن ابن شهاب وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري أو كسي وغرضه بسوقه بيان متابعة معمر لإبراهيم بن سعد في رواية الحديث عن الزُّهْرِيّ، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بحديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٥٤) - ش (٧٩) (٢) (حَدَّثني أبوالرَّبيع) العتكي (الزهراني) سليمان بن داود البَصْرِيّ ثِقَة من العاشرة مات في رمضان سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا.
قال أبوالرَّبيع (حَدَّثَنَا حماد بن زيد) بن درهم الأزرق الأَزدِيّ أبو إسماعيل
стр. 1157
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشام (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا حَمادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوحِ اللَّيثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَال: "قُلْتُ:
ــ
البَصْرِيّ ثِقَة ثبت فقيه من كبار الثامنة مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا قال حماد (حَدَّثَنَا هشام بن عروة) بن الزُّبير بن العوام القُرشيّ الأسدي أبو المنذر المدنِيُّ ثِقَة حجة مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا خلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة البَزَّار بالراء آخره المقرئ أبو محمَّد البغدادي ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٢٧) سبع وعشرين ومائتين روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والنكاح كما تقدم في ترجمته وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف كيفية سماعه من شيخيه ولذلك قال في الأول حَدَّثني، وفي الثاني حَدَّثَنَا وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي لخلف بن هشام تورعًا من الكذب على أبي الرَّبيع لأنه إنما روى معنى الحديث الآتي لا لفظه، قال خلف بن هشام (حَدَّثَنَا حماد بن زيد عن هشام بن عروة) الأسدي المدنِيُّ (عن أَبيه) عروة بن الزُّبير بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدنِيُّ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ثِقَة فقيه تابعي مشهور من الثَّانية مات سنة (٩٤) أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي مراوح) بضم الميم وبالراء والحاء المهملة والواو المكسورة الغفاري ثم (الليثيّ) المدنِيُّ اسمه سعد، قيل له صحبة وإلا فتابعي بصري ثِقَة من الثالثة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّه ثِقَة وليس يوقف له على اسم واسمه كنيته قال إلَّا أن مسلم بن الحجاج ذكره في الطبقات, فقال: اسمه سعد وذكره في الكنى ولم يذكر اسمه ويقال في نسبه الغفاري، ويقال الليثيّ قال أبو علي الغساني هو الغفاري ثم الليثيّ اهـ نواوي روى عن أبي ذر ويروي عنه (خ م س ق) وسليمان بن يسار وزيد بن أسلم وجماعة وثقه العجلي وابن حبان له عندهم حديثان (عن أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ جندب بضم القال وفتحها مع ضم الجيم بن جنادة بضم الجيم بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الصحابي المشهور مات بالربذة سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب، وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان أو بصري وبغدادي (قال) أبو ذر (قلت:
стр. 1158
يَا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَال: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْجِهَادُ في سَبِيلِهِ قَال: قُمتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَال: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكثَرُهَا ثَمَنًا
ــ
يَا رسول الله؛ أيُّ الأعمال أفضل) أي أكثر أجرًا وأحبّ عند الله تعالى (قال) رسول الله ﷺ أفضلها (الإيمان بالله) تعالى وإفراده بالعبادة (والجهاد) أي المقاتلة مع الكفار (في سبيله) تعالى أي في طاعته وطلب مرضاته لإعلاء كلمة الله (قال) أبو ذر (قلت) له ﷺ ثانيًا (أي الرقاب) أي أيّ الأرقاء (أفضل) أي أكثر أجرًا في العتق (قال) رسول الله ﷺ أفضلها عتقًا (أنفسها) أي أرغبها وأحبها (عند أهلها) ومواليها لحسن خلقها ولحذاقتها وجمالها وجودة رأيها وعملها (وأكثرها) عند النَّاس (ثمنًا) أي قيمة لقوتها وشدتها ومعرفتها الصناعة.
قال القرطبي: وأنفسها أغبطها وأرفعها، والمال النفيس هو المرغوب فيه قاله الأصمعيّ، وأصله من التنافس في الشيء الرفيع اهـ، قال النواوي: وأما قوله ﷺ في الرقاب "أفضلها أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا" فالمراد بها والله أعلم إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة أما إذا كان معه أَلْف درهم وأمكن أن يشتري بها رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة مثمنة فالرقبتان أفضل وهذا بخلاف الأضحية فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن، قال البَغَويّ من أصحابنا في التهذيب بعد أن ذكر هاتين المسألتين كما ذكرت: قال الشَّافعيّ رحمه الله تعالى في الأضحية: استكثار القيمة مع استقلال العدد أحب إليّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثار العدد مع استقلال القيمة أحب إلى من استكثار القيمة مع استقلال العدد لأن المقصود من الأضحية اللحم ولحم السمين أوفر وأطيب والمقصود من العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من ذل الرق فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد والله أعلم.
وعبارة الأبي قوله "وأكثرها ثمنًا" هو من عطف التفسير وكانت أفضل لأنها ترجع لكثرة المتصدق به إذ الصدقة بدينار ليست كالصدقة بألف وأخذ اللخمي بظاهر الحديث فقال عتق الكافر الأكثر ثمنًا أفضل من عتق المسلم دونه ومقتضى الحديث لا فرق بين الذكر والأنثى، ومن شيوخنا من كان يرجح عتق الذكر لما يخشى من الفساد على الأنثى ولا يبعد أن يكون فك الأسير أفضل من العتق لأنه واجب وأيضًا فإن الاستخلاص من ذل الكفر آكد منه من ذل الرق اهـ.
стр. 1159
قَال: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَل؟ قَال: تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأخَرَقَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إن ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَال: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ الناسِ، فَإِنَّهَا
ــ
(قال) أبو ذر (قلت) يَا رسول الله (فإن لم أفعل) ذلك الإعتاق أي إن لم أقدر عليه ولا تيسر لي ذلك فماذا أفعل لأن المعلوم من أحوالهم أنَّهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلَّا إذا تعذر عليهم (قال) رسول الله ﷺ أفضلها أن (تعين) وتساعد (صانعًا) بالصاد المهملة والنون أي من يعرف الصناعة والحرفة في صناعته وحرفته لتنال ثواب التعاون على البر كأن تعين للخياط في خياطته وللزراع في زراعته وللكاتب في كتابته مثلًا (أو تصنع) وتعمل (لأخرق) أي لمن لا يعرف الصناعة طلبًا لمرضاة الله سبحانه في العمل لا بالأجرة كأن تكتب لمن لا يعرف الكتابة أو تخيط لمن لا يعرف الخياطة مثلًا، والأخرق هو الذي ليس بصانع يقال رجل أخرق وامرأة خرقاء لمن لا صنعة له.
قوله (تعين صانعًا) والرواية المشهورة من جميع طرق مسلم في الحديث الآخر لهشام والزهري (ضايعًا) بالضاد المعجمة وبالياء التحتانية، لكن قال ابن المدينيّ والدارقطني إنه تصحيف من هشام ورواه عبد الغافر الفارسي "صانعًا" بالصاد المهملة والنون وهو الصواب لمقابلته لأخرق وهو الذي لا يحسن العمل يقال رجل أخرق وامرأة خرقاء وهو ضد الحاذق بالعمل فإن حذقا في الصنعة قيل رجل صنع بفتح الصاد والنون بلا أَلْف وامرأة صناع بالألف بعد النُّون قال أبو ذؤيب في الرَّجل:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
والمسرودة الدرع المثقوبة حلقها بالمسمار ليربط بعضها ببعض وقال آخر في المرأة:
صناع بإشفاها حصان بشكرها ... جواد بقوت البطن والعرض وافر
وفي رواية (جواد بزاد الركب) وفي رواية أَيضًا (والعرق زاجر) والإشفى للإسكاف وهو فعلى والجمع الأشافي والشكر بفتح الشين الفرج وبضمها الثناء بالمعروف (قال) أبو ذر (قلت: يَا رسول الله؛ أرأيت) أي أخبرني (إن ضعفت) وعجزت (عن بعض العمل) الذي يحتاج فيه الصانع إلى المساعدة له أو الأخرق إلى العمل له (قال) رسول الله ﷺ (تكف شرك) وضررك وإذايتك (عن) إيصاله إلى (النَّاس فإنَّها) أي
стр. 1160
صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ".
١٥٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّد بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ) أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ،
ــ
فإن خصلة كف نفسك ومنعها عن إذاية النَّاس (صدقة منك على نفسك) أي يكتب لك به ثواب التصدق بالمال إن فعلته امتثالًا لنهي الشارع، قال القرطبي: وهذا دليل على أن الكف فعل للإنسان داخل تحت كسبه ويؤجر عليه ويعاقب على تركه خلافًا لبعض الأصوليين القائل إن الترك نفي محض لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب وهو قول باطل بما ذكرناه هنا، غير أن الثواب لا يحصل على الكف إلَّا مع النيات والقصود، وأما مع الغفلة والذهول فلا، كما ذكرناه آنفًا، والله أعلم، وهذا الحديث أعني حديث أبي ذر شارك المؤلف في روايته غيره، فإنَّه رواه أَحْمد (٥/ ١٥٠، ١٦٣، ١٧١) والبخاري (٢٥١٨) والنَّسائيّ (٦/ ١٩).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٥٥) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن رافع) القشيري مولاهم، أبو محمَّد النَّيسَابُورِيّ، ثِقَة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، أبو محمَّد الحافظ، ثِقَة، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) وأتى بقوله (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع: حَدَّثَنَا) لبيان اختلاف كيفية سماعهما، وتورعًا من الكذب على أحدهما، لو قال بها أخبرنا أو حَدَّثَنَا, لأن بينهما فرقًا في اصطلاح الإِمام مسلم أي قالا روى لنا (عبد الرَّزّاق) بن همام الحميري مولاهم الصَّنْعانِيّ، ثِقَة من التاسعة، مات سنة (٢١١) قال عبد الرَّزّاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأَزدِيّ مولاهم، أبو عروة البَصْرِيّ، ثِقَة من السابعة، مات سنة (١٥٤) (عن) محمَّد بن مسلم (الزُّهْرِيّ) أبي بكر المدنِيُّ، ثِقَة من الرابعة (عن حبيب) الأعور المدنِيُّ (مولى عروة بن الزبير) روى عن مولاه عروة بن الزُّبير في الإيمان, وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ويروي عنه (م د س) والزهري والضَّحَاك بن عثمان، وقال في التقريب: مقبول من الثالثة، مات في حدود الثلاثين ومائة (عن عروة بن الزُّبير) بن العوام الأسدي، أبي عبد الله المدنِيُّ ثِقَة فقيه
следующие страницы →