فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الآيِ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ .. فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا؛
ــ
يجوزُ قبولُ أخبار رسول الله ﷺ من الراوي لها العدل وَإِنْ جَرَّ لنفسهِ بذلك نفعًا أو لولدِه، أو ساق بذلك مَضَرَّةَ لِعَدُوِّه، كأخبار عليٍّ ﵁ عن الخوارج.
وسِرُّ الفرقِ: أنه لا يُتَّهَمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأنْ يَكْذِبَ على رسول الله ﷺ بشيءٍ من ذلك، فكيف يقتحم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيءٍ من ذلك مع قول رسول الله ﷺ : "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ ليس كَكَذِبٍ على أَحَدٍ، فمَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه من النار"؟ والخبرُ والشهادةُ وَإِنِ اتَّفَقا في أصل اشتراط العدالة .. فقد يفترقان في أمورٍ عديدةٍ) اهـ (١). وسيأتي الإِشارةُ إِليه في كلام المؤلِّف.
(فَدَلَّ) (بما ذَكَرْنا) وبَيَّنَّا (مِنْ هذهِ الآي) الثلاثةِ على (أَنَّ خَبَرَ الفاسقِ) ونَبَأَه (ساقطٌ) مهجورٌ مردودٌ (غيرُ مقبولٍ) في حُكْمٍ من الأحكام، وهذا ما دَلَّ عليه بمنطوق الآية الأولى.
(و) دَلَّ أيضًا على (أَنَّ شهادةَ) الفاسقِ (غيرِ العَدْلِ مردودةٌ) غيرُ مقبولة، وهذا ما دَلَّ عليه بمفهوم الآيَتَينِ الأخيرَتَينِ (والخَبَرُ) أي: الروايةُ (وإنْ فَارَقَ معناهُ) أي: معنى الخبرِ وحُكْمُه (مَعْنَى الشَّهَادَةِ) أي: حُكْمها وهي الإِخْبَارُ عن حقٍّ للغير على الغير (في بعضِ الوُجُوهِ) والشُّروطِ كالذُّكورة والحُرِّيَّة والعدد، فإِنَّ هذه الثلاثةَ معتبرةٌ في الشهادة دون الخبر والرواية (فقد يَجْتمِعانِ) أي: الخبرُ والشهادةُ؛ أي: يَتَّفِقانِ (في أعظمِ مَعَانِيهِما) أي: في أكثرِ أحكامِهما وشروطِهما كالإِسلام والعدالة والبلوغ والعقل.
قال النوويُّ: (وقولُ مسلمٍ: "والخَبَرُ وَإنْ فَارَقَ معناه مَعْنَى الشهادةِ ... " إِلخ من الدلائل الصريحة على عِظَمِ قَدْرِ مسلمٍ، وكثرةِ فِقْهِهِ.
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعْلَمْ: أَنَّ الخَبَرَ والشهادةَ يَشْتَرِكان في أوصافٍ، ويَفْتَرِقان في أوصافٍ، فيَشْتَرِكان في اشتراطِ الإِسلامِ والعقلِ والبُلوغِ والعدالةِ والمُروءةِ وضَبْطِ الخبرِ أو المشهودِ به عند التحمُّل والأداء، ويَفْتَرِقانِ في الحُرِّيَّةِ والذُّكوريةِ والعددِ والتهمةِ وقبولِ الفرع مع وجود الأصل.
فيُقبل خبرُ العبدِ والمرأةِ والواحدِ وروايةُ الفَرْع مع حضور الأصل الذي هو شيخه، ولا تُقبل شهادتُهم إِلَّا في المرأة في بعض المواضع مع غيرها.
وتُرَدُّ الشهادة بالتُّهمة كشهادته على عَدُوِّه، وبما يَدْفَعُ به عن نفسه ضررًا أو يَجُرُّ به إِليها نَفْعًا ولولدِه ولوالدِه.
واختلفوا في شهادة الأعمى: فمَنَعَها الشافعيُّ وطائفةٌ، وأجازها مالكٌ وطائفةٌ، واتَّفَقُوا على قبول خبره.
وإِنما فَرَّقَ الشرعُ بين الشهادة والخبرِ في هذه الأوصاف؛ لأنَّ الشهادةَ تَخُصُّ فيظهر فيها التهمة، والخبرَ يعمّه وغيرَه من الناس أجمعين، فتنتفي التُّهمة، وهذا الذي قلناه كلام العلماء الذين يُعْتَدُّ بكلامهم، وقد شَذَّ عنهم جماعةٌ في أفراد بعض هذه الشروط، فمِنْ ذلك:
شرطُ بعض أصحاب الأصول أن يكون تَحَمُّلُه الروايةَ في حال البلوغ، والإِجماع يَرُدُّ عليه، وإِنما يُعتبر البلوغ حال الرواية لا حال السماع، وجَوَّزَ بعضُ أصحاب الشافعي روايةَ الصبي وقبولَها منه في حال الصِّبا، والمعروفُ من مذاهب العلماء مطلقًا ما قَدَّمْناه.
وشَرَطَ الجُبَّائيُّ المعتزليُّ وبعضُ القَدَرِيَّةِ: العددَ في الرواية، فقال الجُبَّائي: لا بُدَّ من اثنين عن اثنين كالشهادة، وقال القائلُ من القَدَرية: لا بُدَّ من أربعةٍ عن أربعةٍ في كُلِّ خَبَر.
وكُلُّ هذه الأقوالِ ضعيفةٌ ومنكرةٌ مُطرحة، وقد تظاهرتْ دلائلُ النصوص الشرعية والحُجَجُ العقليةُ على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد قَرَّرَ العلماءُ في كتب الفقه والأُصول ذلك بدلائله، وأوضحوه أبلغَ إِيضاح، وقد صَنَّفُوا مُصَنَّفاتٍ كثيرةً في قبولِ
стр. 143
إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ؛ كَنَحْو دَلالةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ
ــ
خبر الواحد ووجوبِ العمل به، والله أعلم) اهـ (١).
وقولُه: (إِذْ كان خَبَرُ الفاسقِ) عِلَّةٌ لقوله: (فقد يَجْتَمِعَانِ) أي: لأنه قد كان خبرُ الفاسقِ وروايتُه (كيرَ مقبولٍ عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) يعني الحديثَ (كَمَا أَنَّ شهادتَه مردودةٌ) غيرُ مقبولةٍ (عندَ جميعِهم) أي: عندَ جميعِ أهل العلم.
(ودَلَّتِ السُّنَّةُ) أي: سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ وحديثُه (على نَفْيِ) ورَدِّ (روايةِ المُنْكَرِ) والموضوعِ (من الأخبارِ) والأحاديث.
ولفظُ (نَحْو) في قوله: (كنَحْو دَلالةِ القرآنِ) مُقْحَمٌ؛ أي: دَلَّتِ السُّنَّةُ على ذلك دَلالةً مِثْلَ دَلالةِ القرآن (على نَفْي خَبَرِ الفاسقِ) ورَدِّه (وهو) أي: ما ذُكِرَ من السُّنَّةِ، وذَكَّرَ الضميرَ؛ لأنَّ الخبرَ مُذَكَّرٌ، أو أعاده على السُّنَّة بمعنى المذكور (الأثَرُ المشهورُ) والحديثُ المأثورُ (عن رسولِ اللهِ ﷺ .
قال النوويُّ: (وكلامُه جارٍ على المذهب المختار الذي قاله المُحَدِّثون وغيرُهم، واصْطَلَحَ عليه السَّلَفُ والخَلَفُ، وهو أَنَّ الأثَرَ يُطْلَقُ على المَرْويِّ مطلقًا، سواءٌ كان عن رسول الله ﷺ أر عن صحابي، وقال الفُقهاءُ الخُرَاسانيّونَ: الآثَرُ هو ما يُضَافُ إِلى الصحابي موقوفًا عليه، والله أعلم) (٢).
وقولُه: ("مَنْ حَدَّثَ ... ) إِلخ في مَحَلِّ الرفع، بدلٌ محكيٌّ من (الأَثَرُ) أي: مَنْ رَوَى (عنّي) ونَسَبَ إِليَّ (بحديثٍ) لم أَقُلْه ولم أفعله ولم أُقَرِّرْه، والحالُ أنه (يُرَى) بضم الياء؛ أي: يُظَنُّ، أمَّا بفتحها: فهو بمعنى يَعْلَمُ، وكِلا الضَّبْطَينِ ثابتٌ كما سيأتي (أَنَّهُ) أي: أَنَّ ذلك الحديثَ المنسوبَ إِليَّ (كَذِبٌ) موضوعٌ مُخْتَلَقٌ.
стр. 144
فَهوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ"
ــ
والفاءُ في قوله: ( .. فهو) رابطةٌ لجواب (مَنْ) الشرطية وجوبًا؛ أي: ذلك المحدث (أَحَدُ الكَاذِبينَ") أي: النَّاسِبِينَ إِليَّ ما لم أَقُلْه، وما لم أَفْعَلْه، وما لم أُقرِّره .. فله ما لهم من الوعيد.
و(الكاذبين) قال النوويُّ: (بكسر الباء الموحدة وفتح النون على صيغة الجمع، وهذا هو المشهور، قال القاضي عياض: الروايةُ فيه عندنا "الكاذِبينَ" على صيغة الجمع، ورواه أبو نُعَيم الأصبهانيُّ في كتابه "المستخرج على صحيح مسلم" في حديث سَمُرة "الكاذبَينِ" بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحْتَجَّ به على أَنَّ الراويَ له يُشَارِكُ البادئَ بهذا الكذب، ثم رواه أبو نُعَيمٍ من رواية المغيرة: "الكاذبَينِ أو الكاذِبِينَ" على الشكّ في التثنية والجمع) (١).
وقال القرطبي: (والمعنى على الجَمْع: فهو أَحَدُ الكَذَّابِينَ على رسول الله ﷺ ، الذين قال اللهُ تعالى في حَقِّهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾؛ لأنَّ الكَذِبَ على رسول الله ﷺ كَذِبٌ على الله تعالى.
والمعنى على التثنية: أَنَّ المُحَدِّثَ والمُحَدَّثَ بما يَظُنَّان أو يَعْلَمانِ أنه كَذِبٌ: كاذبان، هذا بما حَدَّثَ والآخَرُ بما تَحَمَّلَ من الكذب مع عِلْمِه أو ظَنِّه لذلك) اهـ (٢).
قال النوويُّ: (وذَكَرَ بعضُ الأئمَّةِ جوازَ فتح الياء من "يرى"، وهو ظاهرٌ حَسَنٌ، فأمَّا مَنْ ضَمَّ الياءَ .. فمعناه: يُظَنُّ، وأما من فتحها .. فظاهرٌ، ومعناه: وهو يَعْلَمُ، ويجوزُ أن يكون بمعنى يُظَنُّ أيضًا، فقد حُكِيَ: رأى بمعنى ظَنَّ، وقيد
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بذلك؛ لأنه لا يأثم إِلَّا بروايته ما يَعْلَمُه أو يَظُنُّه كَذِبًا، أمَّا ما لا يعلمه ولا يَظُنُّه .. فلا إِثْمَ عليهِ في روايته وَإنْ ظَنَّه غيرُه كَذِبًا أو عَلِمَه) اهـ (١)
وعبارةُ القرطبي هنا: ("يُرى" قيّدناه عن مشايخنا مَبْنِيًّا للفاعل وللمفعول، فَيَرَى بِفَتْحِ الياءِ بمعنى: يَعْلَمُ المتعدِّية لمفعولين، وأَنَّ سَدَّتْ مَسَدَّهما، وماضي يَرَى: رأى مهموزًا، وإِنما تَرَكَت العربُ هَمْزَةَ المضارعِ؛ لكثرة الاستعمال، وقد نَطَقُوا به على الأصل مهموزًا في قولهم:
أَلَمْ تَرَ مَا لاقَيتُ والدَّهْرُ أَعْصَرُ ... وَمَنْ يَتَمَنَّى العَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ
ورُبَّما تركوا هَمزةَ الماضي في قولهم:
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرَا في الحِلابِ؟
ويحتملُ ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا؛ أي: ظَهَرَ لي، وعليهما: يكون المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث المُتَعَمِّدَ للكذب عِلْمًا أو ظَنًّا، وأمَّا "يُرى" بالضمّ: فهو مَبْنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومعناها: الظَّنُّ وَإنْ كان أصلُها مُعَدًّى بالهمزة مِنْ رأى، إِلَّا أَنَّ استعماله في الظنّ أكثرُ وأشهرُ.
ويفيد الحديثُ التحذيرَ عن أنْ يُحَدِّثَ أَحَدٌ عن رسول الله ﷺ إِلَّا بما تَحَقَّقَ صِدْقَه عِلْمًا أو ظَنًّا، إِلَّا أنْ يُحَدِّثَ ذلك على جهة إِظهارِ الكذب؛ فإِنه لا يتناوله الحديث) اهـ (٢).
وقال النوويُّ: (وأمَّا فِقْهُ الحديثِ .. فظاهرٌ، ففيه تغليظُ الكَذِب والتعرُّضِ له، وأَنَّ مَنْ غَلَبَ على ظَنِّه كَذِبُ ما يرويه فرواه .. كان كاذبًا، وكيف لا يَكون كاذبًا وهو مُخْبِرٌ بما لم يَكُنْ؟ ! ) اهـ (٣)
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى سَنَدينِ لهذا الأثَرِ المشهورِ إِلى الصحابِيَّينِ، ثم
стр. 146
[١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ،
ــ
قال: (قالا: قال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك) الأَثَرَ المذكورَ، فتقديمُ المتَنِ على السَّنَدِ جائزٌ بلا شَكَّ كعكسه المشهور المصطلَح عليه، حيث قال رحمه الله تعالى:
[١] (حَدَّثَنا أبو بكرِ) عبدُ اللهِ بن محمد (بن أبي شَيبَةَ) إِبراهيم بن عثمان العَبْسي الواسطي الأصل، ثم الكوفي، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين، يروي عنه (خ م د س ق)، اجتمع في مجلسه نحوُ ثلاثينَ ألفَ رجل، هو وأخوه عثمانُ بن أبي شيبة حافظان جليلان، وهو أَجَلُّ من عثمان، وأحفظُ منه، وكان عثمانُ أكبرَ منه سِنًّا وتأخّرتْ وفاةُ عثمان فمات سنة تسعٍ وثلاثين ومائتين.
قال الإِمام النوويُّ: (ومن طُرَفِ ما يتعلّق بأبي بكر بن أبي شيبة ما ذكره أبو بكرٍ الخطيبُ البغداديُّ قال: حَدَّثَ عن أبي بكر بن أبي شيبة: محمدُ بن سَعْدٍ كاتبُ الواقدي ويوسف بن يعقوب أبو عَمْرو النيسابوري وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع سنين، والله أعلم) (١).
قال: (حَدَّثنَا وَكِيعٌ) -بفتح الواو- ابنُ الجَرَّاح بن مَلِيح -بوزن فَصِيح- الرُّؤَاسي -بضمِّ الراء وهمزةٍ ثم سينٍ مهملة- أبو سفيان الكوفي.
قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، أحد الأئمَّة الأعلام، من كبار التاسعة، مات في آخر ستٍّ وأول سنة سبع وتسعين ومائة.
(عن شُعْبَةَ) بنِ الحَجَّاج بن الورد العتكي مولاهم، أبي بِسْطام -بكسر الموحدة وسكون المهملة- الواسطيِّ ثم البصريِّ، أحدِ أئمَّة الإِسلام، ثقة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة ستين ومائة.
(عن الحَكَمِ) بن عُتَيبة -بالمثناة من فوق ثم الموحدة مصغّرًا- الكنديِّ مولاهم، أبي مُحَمَّدٍ أو أبي عبد الله الكوفي، أحدِ الأئمَّة الأعلام.
стр. 147
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ،
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيهٌ، إِلا أنه ربما دَلَّسَ، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها، وله نيف وستون سنة.
(عن عبد الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى) الأنصاريِّ الأوسيِّ المدنيِّ ثم الكوفيِّ -واسمُ أبي ليلى: يسار، وقيل: بلال، وقيل: بُلَيلٌ مصغرًا، وأبو ليلى صحابيٌّ قُتِلَ مع عليّ ﵁ بصِفِّين- أبي عيسى، أدرك مئةً وعشرين من الصحابة الأنصاريين، اختُلف في سماعه من عُمر.
قال في "التقريب": ثقةٌ من الثانية، مات سنة ثلاثٍ وثمانين بوقعة الجماجم، وقيل: غرق بدُجَيل مع محمد بن الأشعث.
قال عبد الله بن الحارث: ما ظننتُ أَنَّ النساءَ وَلَدْنَ مِثْلَه.
قال النووي: (هو من أَجَلِّ التابعين، قال عبد الملك بن عُمَير: رأيتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي ليلى في حَلْقَةٍ فيها نَفَرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يستمعون لحديثه ويُنصتون له، فيهم البراءُ بن عازب، وأمَّا ابنُ أبي ليلى المذكورُ في الفقه، والذي له مذهبٌ معروفٌ: فاسمُه: مُحَمَّدٌ، وهو ابنُ عبد الرحمن هذا، وهو ضعيفٌ عند المُحَدِّثين، والله أعلم) اهـ (١)
(عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ) -بضمِّ الدال وفتحِها- ابنِ هلالٍ الفَزَارِيِّ أبي عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، نزيل البصرة، حليف الأنصار، قال ابن عبد البَرّ: كان من الحُفَّاظ المُكْثِرين، وقال ابنُ سيرين: كان سَمُرَةُ عظيمَ الأمانة، صَدُوقَ الحديث، يُحِبُّ الإِسلام وأهلَه، وقال ابنُ عبد البَرّ: تُوفِّي بالبصرة، وقيل: بالكوفة، سنة ثمان وخمسين، وقيل: تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية ﵃ أجمعين.
وهذا مختصرُ ما يَتَعَلَّقُ بهذا السَّنَد، وَإنْ كان هو ليس غَرَضَنا لكنّه أولُ موضعٍ جَرَى فيه ذِكْرُهم فأَشَرْنا إِليه رمزًا، وهذا السَّنَدُ من السُّداسيات، ومن لطائفِه: أنه
стр. 148
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيضًا، حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ،
ــ
روَى فيه كوفيٌّ عن كوفيٍّ عن بصريٍّ عن كُوفيٍّ عن كُوفيٍّ عن بصريٍّ، ففيه بصريان، وأربعةٌ كوفيون.
ثم تَحَوَّلَ إِلى سَنَدٍآخَرَ وأشارَ إِلى تَحَوُّلهِ إِليه بالحاء المنحوتة عن التحوُّل فقال:
(ح) أي: حَوَّلَ المؤلِّفُ السَّنَدَ (و) قال رحمه الله تعالى: (حدثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبَةَ) وقوله: (أيضًا) مفعولٌ مطلق لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: إِضْتُ إلى التحديث عن أبي بكرٍ أيضًا؛ أي: رَجَعْتُ إِلى الإِخبارِ عنه رجوعًا، والجملةُ معترضةٌ.
قال أبو بكر: (حَدَّثنَا وَكِيعُ) بن الجَرَّاح (عن شُعْبَةَ وسُفْيانَ) بنِ سعيد بن مَسْرُوق الثوْري، أبي عبد الله الكوفي، أحدِ الأئمَّة الأعلام.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فقيةٌ عابدٌ إِمامٌ حُجَّةٌ، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دَلَّسَ، مات سنة إِحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.
كلاهما (عن حَبِيبٍ) هو ابن أبي ثابت: قيس، ويُقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي.
روى عن زيدِ بن أرقم وابنِ عَبَّاس وابن عُمر، ويروي عنه الجماعة (ع).
قال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ تابعيٌّ جليلٌ، وكان كثيرَ الإِرسالِ والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة.
قال أبو بكر بن عَيَّاش: كان بالكوفة ثلاثةٌ ليس لهم رابِعٌ: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحَمَّاد، وكانوا أصحابَ فُتْيا، ولم يكنْ أَحَدٌ إِلا ذَلَّ لحبيبٍ (١).
(عن ميمونِ بنِ أبي شَبِيبٍ) بفتح الشين، الربعي أبي نصر الكوفي ويُقال: الرقّي.
روى عن معاذ بن جبل وعُمر وعلي وأبي ذَرٍّ وغيرِهم، ويروي عنه (من عم) وإِبراهيمُ النَّخَعِيُّ وحبيبُ بن أبي ثابت.
стр. 149
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالا: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ
ــ
وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ الإِرسال، من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم.
(عن المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ) ﵁ -بضمِّ الميم على المشهور، وحَكَى ابنُ السِّكِّيت وابنُ قتيبة وغيرُهما جوازَ كسْرِها (١) - ابن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبي محمد، وقيل: أبي عيسى، الصحابي المشهور، شَهِدَ الحُديبية وما بعدَها، أسلم عام الخندق، له مئةٌ وستّةٌ وثلاثون حديثًا، مات سنة خمسين، وقيل: إِحدى وخمسين.
قال السنوسيُّ: (ومن طرف أخباره: ما حُكي أنه أَحْصَنَ في الإِسلام ثلاثمائة امرأةٍ، وقيل: ألف امرأة.
واعْلَمْ: أَنَّ هذَينِ الإِسنادَين فيهما لطيفتان:
الأولى: أَنَّ رُواتهما كُلّهم كوفيون إلا شعبة؛ فإِنه واسطي ثم بصري.
الثانية: أَنَّ في كُلِّ واحدٍ من الإِسنادين تابعيًّا روى عن تابعي، في الأول: الحَكَم عن عبد الرحمن، وفي الثاني: حَبِيب عن ميمون) اهـ (٢)
(قالا) بألف التثنية؛ أي: قال سَمُرَةُ بن جُنْدُب والمغيرةُ بن شعبة: (قال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك) (٣) الأَثَرَ المشهورَ، وهو: "مَنْ حَدَّثَ عنِّي بحديثٍ يُرَى أنه كَذِبٌ .. فهو أَحَدُ الكاذِبينَ".
وشارك المؤلِّفَ في رواية هذا الحديث: الإِمامُ أحمدُ في "مسنده" (٤/ ٢٥٢)، والترمذيُّ (٢٦٦٢)، وابنُ ماجهْ (٣٩).
وفي "كتاب الترمذي" عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه
стр. 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسلم أنه قال: "اتقوا الحديث عنِّي إِلا ما علمتم، فمَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا .. فليتبوأْ مقعدَه من النار، ومَنْ قال في القرآن برَأْيِه .. فليتبوأْ مقعدَه من النار" رواه الترمذي في "جامعه" (٢٩٥١) وقال: حديث حَسَن.
فصل: وفيه فوائد:
الأُولى منها: أَنَّ الحاءَ التي تُوجَدُ بين الطريقَينِ .. اختُلف فيها، فقيل: إِنها مأخوذٌ من التحويل منحوتةٌ منه؛ لتحوُّلهِ وانتقالِه من إِسنادٍ إِلى آخَر، وإِنه يقول القارئ إِذا انتهى إِليها: (خ) ويستمرُّ في القراءة، ورأيتُ لبعض المتأخرين استحسان زيادة هاء السكت.
قلتُ: وتَحْسُنُ زيادتُها في الوقف لا في الوصل، ولعل هذا الشيخَ المتأخِّرَ إِنما أطْلَقَ؛ لأنه يَرَى أَنَّ الوقفَ عليها يتعيَّنُ، وهو الأَوْلى؛ لاستقلالها بنفسها.
وقيل: إِنها مأخوذٌ مِنْ حَال بين الشيئين إِذا حَجَز بينهما؛ لكونها حَالتْ بين الإِسنادَينِ، وعليه: فلا يُلفظ عند الانتهاء إِليها بشيءٍ؛ إِذْ ليستْ من الرواية.
وقيل: إِنها رَمْزٌ إِلى الحديث، وإِنَّ أهلَ الحديثِ كُلّهم إِذا وَصَلُوا إِليها يقولون: الحديث، وقد كَتبَ جماعة من الحُفاظ موضعها: "صح"، فيُشْعِرُ بأنها رَمْزُ "صح".
قال النوويُّ: (وحَسُنَتْ هنا كتابةُ "صح"؛ لئلا "يتَوَهَّمَ أنه سَقَطَ متنُ الإِسنادِ الأول، ثم هذه الحاءُ تُوجَدُ في كتب المتأخّرين كثيرًا، وهي كثيرةٌ في "صحيح مسلم" قليلةٌ في "صحيح البخاري"، فيتأكَّدُ احتياجُ قارئ هذا الكتاب إِلى معرفتها، وقد أرشدناه إِلى ذلك، فللهِ الحمدُ والنعمة، والفضلُ والمِنَّة) اهـ سنوسي (١).
قلتُ: إِنَّ هذه الحاءَ نَحْتٌ من (حَوَّلَ) بصيغة الماضي المُسْنَدِ إِلى المؤلِّف، وأَنَّ الواوَ الداخلةَ بعدها على حَدَّثَنَا -مثلًا- عاطفةٌ للقَوْلِ المحذوفِ على (حَوَّلَ)
стр. 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المنحوتِ عنه المرموزِ إِليه بهذه الحاء، وهذه الحاء لا تُلفظ، بل الملفوظُ المقروءُ إِذا وَصَلَ القارئُ إِليها المنحوتُ عنه الذي هو (حَوَّلَ)؛ لأنَّ النَّحْتَ لا يُقْرَأُ ولا يُلْفَظُ، بل المنحوتُ عنه.
نظيرُها: قولُهم: (انتهى) إِذا وصلوا إِلى (اهـ)، وقولُهم: (إِلى آخره) إِذا وصلوا إِلى (إِلخ)، وقولُهم: (قال المصنِّفُ) إِذا وصلوا إِلى (ص)، وقولُهم: (قال الشارح) إِذا وصلوا إِلى (ش)، فلا يقولون في هذه النحوت (اهـ) و (إِلخ) و (ص) و (ش)، فما الفَرْقُ بين هذه الحاء وبين هذه النحوت المذكورة وغيرِها ممَّا يَكْثُرُ في كلامهم كالبسملة والحوقلة والصلعمة والهيعلة وغيرها؟ !
وهذا الفَرْقُ فَرْقٌ بلا فارقٍ وقولٌ بلا دليلٍ، وهذا التفريق خَرْقٌ للقاعدة العربية في النَّحْت، والنَّحْتُ لغةً: مطلَقُ الاختصار، واصطلاحًا: أن يُخْتَصَرَ من كلمةٍ أو كلمتَينِ فأكثرَ حرفٌ أو حرفان فأكثرُ، فالنَّحْتُ لا يُقْرأُ؛ لأنه رَمْزٌ رُمِزَ به إِلى المنحوت المقروء.
واصطلاحُ المحدِّثين في هذه الحاء اصطلاحٌ خارقٌ للقاعدة النحوية فلا يُتابَع، وإِنْ قاله أكابرُهم وحُفَّاظُهم .. فهم إِنما يُتَابَعُون في نَقْلِ الحديث لا في القاعدة النَّحْوية، فتقول أيها القارئُ إِذا وَصَلْتَ إِلى هذه الحاء: (حَوَّلَ وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع ... ) إِلخ؛ أي: حَوَّل المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- وغَيَّرَ السَّنَدَ إِلى سَنَدٍ آخر، وقال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة ... إِلخ، ولا تَسْتَغْرِبْ ما قُلْناه، ولا تَقُلْ: هذا ما وَجَدْنا عليه آباءَنا، ولقد أجادَ مَنْ قال: كَمْ تَرَكَ الأوائلُ للأواخِرِ ما لَم يَطَّلِعُوا عليهِ مِنَ المسائل، كَمْ فتح الإِلهُ فضلًا للأواخِر من الكُنوز ما لم يَفْتَح للأوائل.
ولولا خوفُ الإِطالةِ .. لبسطتُ الكلامَ في هذه المقالة استدلالًا واستشهادًا، ولكنْ فيما ذكرنا كفايةٌ لمَنْ عنده رُسُوخٌ في القواعد العربية.
الثانية: جَرَتْ عادةُ أهلِ الحديث بحَذْفِ (قال) فيما بين رجال الإِسناد في الخطّ، وينبغي للقارئ أن يلفظَ بها.
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال النوويُّ: (وإِذا تكَرَّرَتْ كلمة "قال" كقوله: "حدثنا صالحٌ قال: قال الشَّعْبِيُّ" .. فإِنهم يحذفون إِحداهما في الخطّ؛ فَلْيَقُلْهما القارئُ، فلو ترَكَ القارئُ لفظةَ "قال" .. فقد أخطأ، والسماعُ صحيحٌ؛ للعِلْم بالمقصود، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه، والله أعلم) (١)؛ لأنَّ حَذْفَ القولِ جائزٌ اختصارًا جاء به القرآنُ العظيمُ، وكذا قال ابن الصلاح أيضًا في "فتاويه" مُعَبِّرًا بـ (الأظهر).
قال العراقي: (وقد كان بعض أئمة العربية -وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف بن المرحّل- يُنْكِرُ اشتراطَ المحدِّثين التلفُّظَ بـ"قَال" في أثناء السند، وما أدري ما وَجْه إِنكارِه، لأن الأصل هو الفَصْلُ بين كلامَي المتكلِّمَينِ للتمييزِ بينهما، وحيث لم يفصل فهو مُضْمَر، والإِضمارُ خلافُ الأصل).
قلتُ: وَجْهُ ذلك في غاية الظُّهور؛ لأن (أخبرنا وحَدَّثَنَا) بمعنى: (قال لنا)؛ إِذْ (حَدَّثَ) بمعنى (قال)، و (نا) بمعنى (لنا)، فقولُهم: (حَدَّثَنَا فلانٌ حَدَّثَنَا فلانٌ) معناه: قال لنا فلان قال لنا فلان، وهذا واضحٌ لا إِشكال فيه.
وقد ظَهَرَ لي هذا الجوابُ وأنا في أوائل الطلب فعرضتُه لبعض المُدَرِّسين فلم يَهْتَدِ لفَهْمِه لجَهْلِه بالعربية، ثم رأيتُه بعد نحو عشر سنين منقولًا عن شيخ الإِسلام، وأنه كان يَنْصُرُ هذا القولَ ويُرَجِّحُه، ثم وقفتُ عليه بخطه فلله الحمد. ذكره السيوطي في "التدريب" (٢).
الثالثة: من لطائف صَنْعَةِ الإِسناد التي اخْتَصَّ بها الإِمامُ مسلمٌ في "جامعه" رحمه الله تعالى وتجده يتحرَّاها لِوَرَعِه أجزل اللهُ مثوبتَه: (الفَرْقُ) بين حَدَّثَنى وحَدَّثَنَا، وأخبرني وأخبرنا، فحَدَّثَني: فيما سمعه وحدَه من لفظ الشيخ، وحَدَّثَنَا: فيما سَمِعَه مع غيره، وأخبرني: فيما قَرَأَه وحدَه على الشيخ، وأخبرنا: فيما قُرِئَ على الشيخ بحضرته.
стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال النوويُّ: وهذا الاصطلاح إِنما هو بحسب الأَوْلَى، ولو أَبْدَلَ حرفًا بآخَرَ .. صحّ.
قال الأُبّي فيما يأتي: أمَّا أَنَّ قراءةَ الشيخ يُعَبَّرُ عنها بحدثني وحدثنا، وقراءةَ التلميذِ بأخبرني وأخبرنا .. فهو الذي عليه الأكثر، وأجازَ بعضُهم حَدَّثَنَا في قراءة التلميذ، ثم حيث يقول: حدثني أو حدثنا .. فإنما ذلك إِذا قَصَدَ الشيخ إِسماعَه، وإن لم يَقْصِدْ .. فإِنما يقول: قال الشيخ أو حَدَّثَ أو سمعتُه يقول، وحيث يقول: أخبرني أو أخبرنا .. فالأكثرُ على أنه يقولُه دون تقييد، ومنَعَهُ قومٌ حتى يقول: أخبرني قراءةً عليه. اهـ سنوسي (١).
وأمَّا أنبأني وأنبأنا -وهو قليلٌ في "صحيح مسلم"- فهو بمعنى: أخبرني وأخبرنا.
الرابعة: قال النووي: (ليس للراوي أنْ يَزِيدَ في نَسَبِ غير شيخه ولا صفتِه على ما سمعه من شيخه؛ لئلّا يكونَ كاذبًا على شَيخِه، فإِنْ أرَادَ تعريفَه وإِيضاحَه وإِزالةَ اللَّبْسِ المتطرِّقِ إِليه لمشابهة غيره .. فطريقُه أن يقول: قال حدثني فلانٌ يعني ابنَ فلان أو الفلاني، أو هو ابنُ فلان أو الفلاني أو نحو ذلك، فهذا جائزٌ حَسَنٌ، قد استعمله الأئمَّة.
وقد أكثر منه البخاريُّ ومسلمٌ في "الصحيحين" غايةَ الإِكثار، حتى إِنَّ كثيرًا من أسانيدهما يَقَعُ في الإِسناد الواحد منها موضعان أو أكثرُ من هذا الضَّرْب، كقول البُخَارِيِّ في أول "كتابه" (٢) في (باب مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويَدِه): قال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابنُ أبي هند- عن عامر قال: سمعتُ عبد الله، هو ابنُ عَمْرو.
стр. 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقول مسلم في "كتابه" (١) في (باب مَنع النساء من الخروج إِلى المساجد): حدثنا عبد الله بن مَسْلَمة، حدثنا سليمان -يعني ابنَ بلال- عن يحيى، وهو ابنُ سعيد.
ونظائرُه كثيرةٌ في كتابَيهما، ولكنَّ كلمةَ (يعني) كثيرةٌ في مسلم قليلةٌ في البخاري، وكلمةَ (هو) بالعكس من (يعني).
وإِنما يقصدون بهذا التورُّعَ من الكذب على الشيخ لو لم يَفْصِلُوا ما بعدَ (يعني) أو (هو) عمَّا قبلهما بكلمة (يعني) أو (هو)، والإِيضاحَ للراوي كما ذَكَرْنا أولًا؛ فإِنه لو قال: حدثنا داود أو عبد الله .. لم يُعْرَفْ مَنْ هو لكثرة المُشَارِكين في هذا الاسم، ولا يَعْرِفُ ذلك في بعض المواطن إِلا الخَوَاصُّ والعارفون بهذه الصَّنْعَةِ وبمراتبِ الرجال، فأوضحوه لغيرهم وخَفَّفُوا عنهم النظر والتفتيش، وهذا الفصلُ بـ (يعني) أو بـ (هو) يَعْظُمُ الانتفاعُ به؛ فإنَّ مَنْ لا يُعانِي هذا الفن قد يَتَوَهَّمُ أَنَّ قولَه: (يعني) وقولَه: (هو) زيادةٌ لا حاجةَ إِليها، وأَن الأَوْلَى حَذْفُها، وهو جهلٌ قبيحٌ، والله أعلم) اهـ بزيادة (٢).
والحاصِلُ؛ أَنَّ الغَرَضَ من الإِتيان بهما: الإِشعارُ بأنَّ ما بعدَهما ممَّا زَادَه من عندِ نفسه لا ممَّا سَمِعَه من شيخه إِيضاحًا للراوي، والتورُّعُ من الكذب على شيخه؛ لأنه لو لم يَأْتِ بهما .. لتوُهِّمَ أَنَّ ما بعدهما من كلام شيخه مع أنه ليس من كلامه.
الخامسة: في بيان الفرق بين الكلمات الجارية في متابعات "صحيح مسلم".
فإِنْ قلتَ: ما الفرق بين قولهِ: (بمِثْلِه) وقوله: (بنَحْوه) وقولهِ: (بمعناه) وقولهِ: (بنَحْو مِثْلِه) وقوله: (بنَحْو معناه)؛ قلتُ: الفرقُ بينها: أَنَّ قولَه: (بمِثْلِه) عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في جميع لفظهِ ومعناه سواءً بسواءٍ، إِلَّا فيما استثنى منه بنحو قوله: غيرَ أنه قال: كذا وكذا.
стр. 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأَنَّ قولَه: (بنحوه) عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في بعضِ ألفاظه وبعضِ معناه.
وأَن قولَه: (بمعناه) عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في جميع معناه دون لفظه.
وأَنَّ قولَه: (بنحو مثله) عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في مُعْظَم معناه وألفاظِه.
وأَنَّ قولَه: (بنحو معناه) عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في مُعْظَم معناه دون لفظهِ.
والفرقُ بين قولهِ: (بمثله) وقولهِ: (مثله): أَنَّ قولَه: (بمثله) آكد مماثلة من قوله: (مثله)؛ لأن الباءَ لتأكيد المماثلة، لأنَّ العرب لا تَضَعُ شيئًا بلا فائدة.
وهذه الكلمات المختلفة كلها إِنما يذكرها في المتابعات غالبا، وقد يذكرها قليلًا في الشواهد، والفرقُ بين المتابعة والاستشهاد: أَنَّ المتابعةَ لا تكون إِلَّا في حديثِ صحابيٍّ واحدٍ، والاستشهادَ لا يكون إلا بحديث صحابي آخر.
وإِنْ قلتَ: ما معنى المتابعة لغةً واصطلاحا وكم أقسامها؟ قلتُ: المتابعةُ لغةً: الموافقةُ، كمتابعة المأموم لإِمامه في أفعال صلاته، واصطلاحًا: موافقةُ الراوي الثاني للراوي الأول في لفظ الحديث أو في معناه كُلًّا أو بعضًا مع كون الصحابي الذي روى الحديث واحدًا.
وهي قسمان: تامّة وناقصة، فالتامَّة: هي موافقةُ الراوي الثاني للراوي الأول في شيخه، وهي الغالبةُ في "صحيح مسلم"، والناقصةُ: هي موافقة الراوي الثاني للراوي الأول في شيخِ شَيخِه فما فوقُ دون شيخه، وهي الغالبةُ في "صحيح البخاري"، والنادرةُ في "صحيح مسلم".
تتمة: في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والأَفراد والشاذّ والمنكَر
قال النوويُّ: (مثلًا إِذا روى حَمَّادٌ حديثًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .. يُنظر: هل رواه ثقة غير حماد عن
стр. 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيوب، أو عن ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟ فأيُّ ذلك وُجِدَ .. عُلِمَ به أَنَّ له أصلًا يُرجَعُ إِليه، فهذا النَّظَرُ والتفتيشُ يُسَمَّى اعتبارًا.
وأمَّا المتابعةُ: فهي أن يرويه عن أيوب غيرُ حماد، أو عن ابن سيرين غيرُ أيوب، أو عن أبي هريرة غيرُ ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ غيرُ أبي هريرة، فكُلُّ واحدٍ من هذه الأقسام سُمِّيَ متابعةً، وأعلاها الأُولى، وهي متابعةُ حَمَّادٍ في الرواية عن أيوب، ثم ما بعدها على الترتيب.
وأمَّا الشاهد: فهو أنْ يُرْوَى حديثٌ آخَرُ بمعناه وتُسَمَّى المتابعةُ شاهدًا، ولا يُسَمَّى الشاهدُ متابعةً، وإِذا قالوا في نحو هذا: تَفَرَّدَ به أبو هريرة أو ابنُ سيرين أو أيوبُ أو حَمَّاد .. كان مُشْعِرًا بانتفاء وجوه المتابعاتِ كُلِّها.
واعْلَمْ: أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد روايةُ بعض الضعفاء، ولا يَصْلُحُ لذلك كُلُّ ضعيفٍ، وإِنما يفعلون هذا؛ لكون التابع لا اعتماد عليه، وإِنما الاعتمادُ على مَنْ قبلَه، وإِذا انْتَفَتِ المتابعاتُ وتمحض فردًا .. فله أربعةُ أحوال:
حالٌ يكون فيها مخالفًا لروايةِ مَنْ هو أحفظُ منه، فهذا ضعيف، ويُسَمَّى شاذًّا ومنكَرًا.
وحالٌ لا يكون فيها مخالفًا، ويكون هذا الراوي حافظًا ضابطًا متقنًا فيكون صحيحًا.
وحالٌ يكون فيها قاصرًا عن هذا ولكنه قريبٌ من درجته، فيكون حديثُه حسنًا.
وحالٌ يكون فيها بعيدًا عن حاله، فيكون شاذًّا منكرًا مردودًا.
فتَحَصَّلَ أَنَّ الفَرْدَ قسمان: مقبولٌ ومردودٌ، والمقبول ضربان: فردٌ لا يُخالِف وراويه كاملُ الأهليَّةِ، وفرد هو قريبٌ منه، والمردودُ أيضًا ضربان: فردٌ مُخالِفٌ للأحفظ، وفردٌ ليس في راويه من الحفظ والإِتقان ما يَجْبُرُ تَفَرُّدَهُ، والله أعلم) اهـ (١).
стр. 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإِنْ قلتَ: ما مرجعُ الضميرِ في قوله: بمثله بنحوه مثلًا؟ قلتُ: مرجعُ الضميرِ فيها المتابَعُ بصيغة اسم المفعول المذكورُ في السند السابق، ولكنه على تقدير مضاف هو لفظ حديث كما لم سيصرح به في بعض المواضع.
فإِنْ قلتَ: ما مرجعُ اسم الإِشارة في قوله: بهذا الإِسناد؟ قلتُ: ترجع الإِشارةُ إِلى ما بعد شيخ المتابع المذكور في السند السابق، ويكون غالبًا التابعيَّ والصحابيَّ.
فإِنْ قلتَ: كم جملةُ الأحاديث المرفوعة المذكورة في "صحيح مسلم" بلا مكرر؟ قلتُ: جملتُها (٢٣٢١) ألفان وثلاثمائة وإحدى وعشرون، وكم جملتُها مع المكرَّر؟ قلتُ: جملتُها مع المكرَّر (٧٣٦٦) سبعة آلاف وثلاثمائة وستة وستون حديثًا (١).
وإِنْ قلتَ: كم جملةُ رجالهِ بالإِجمال؟ قلتُ: جملةُ رجاله: ألفٌ وثمانِ مئةٍ وخمسةٌ وتسعون.
وإِنْ قلتَ: كم جملةُ الضعفاء المتروكين الذين أدخلهم مسلمٌ في جامعه على سبيل المقارنة أو المتابعة؟ قلتُ: جملتُهم: ستةَ عَشَرَ رجلًا كما بَيَّنَّاهم سابقًا بأسمائهم.
السادسة: قال النووي: (يُستحبُّ لكاتب الحديث إِذا مَرَّ بذِكْرِ الله أنْ يكتبَ: ، أو تعالى، أو ، أو جَل ذِكْرُه، أو تبارك اسمُه، أو ﵎، أو جَلَّتْ عظمَتُه، أو ما أَشْبَهَ ذلك، وكذلك يَكْتُب عند ذِكْر النبي ﷺ : ﷺ بكمالهما، لا رامزًا إِليهما، ولا مُقْتَصِرًا على أحدهما.
وكذلك يقول في الصحابي: ﵁، فإِنْ كان صحابيًّا ابنَ صحابيٍّ .. قال: ﵄.
وكذلك ينبغي أن يترحَّم على سائر العلماء والأخيار، ويكتب كُلِّ هذا وإِنْ لم يكن
стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مكتوبًا في الأصل الذي يَنْقُلُ منه، فإِنَّ هذا ليس روايةً وإِنما هو دُعاء، وينبغي للقارئ أن يقرأَ كُلِّ ما ذكرناه وإِنْ لم يكن مذكورًا في الأصل الذي يَقْرَأُ منه، ولا يَسْأَمُ مِنْ تَكَرُّرِ ذلك، ومَنْ أغفلَ هذا حُرِمَ خيرًا عظيمًا، وفَوَّتَ فضلًا جسيمًا) اهـ (١).
السابعة: قال النوويُّ: (جَرَت العادةُ بالاقتصار على الرَّمْزِ في "حدثنا" و"أخبرنا"، واستمرَّ الاصطلاحُ عليه من قديم الأعصار إِلى زماننا، واشْتَهَرَ ذلك بحيث لا يَخْفَى، فيكتبون من حَدَّثَنا: "ثنا" وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء، ويكتبون من أخبرنا: "أنا"، ولا تحسنُ زيادةُ الباء قبل نا.
وإِذا كان للحديث إِسنادان أو كثر .. كتبوا عند الانتقال من إِسناد إِلى آخر "ح" وهي حاء مهملة مفردة، والمختار: أنها مأخوذة من التحول؛ لتحوله من إِسناد إِلى إِسناد) (٢) كما مَرَّ بَسْطُ الكلام فيها في الفائدة الأولى.
الثامنة قال النوويُّ: (تكرَّر في "صحيح مسلم" قولُه: "حدثنا فلانٌ وفلانٌ، كليهما عن فلانٍ": هكذا يَقَعُ في مواضع كثيرة في أكثر الأصول "كليهما" بالياء، وهو مما يُستشكل من جهة العربية، وحَقُّه أنْ يُقال: "كلاهما" بالألف، ولكن استعماله بالياء صحيح، وله وجهان:
أحدهما: أن يكون مرفوعًا تأكيدًا للمرفوعَينِ قبله، ولكنه كُتب بالياء لأجل الإِمالة، ويُقرأ بالألف كما كتبوا الرِّبا والربى بالألف والياء ويُقرأ بالألف لا غير.
والوجه الثاني: أن يكون "كليهما" منصوبًا بفعل محذوف ويُقرأُ بالياء، ويكون تقديره: أعني كليهما) اهـ (٣).
ومن اصطلاحاته أيضًا: أَنَّ الضمير في (كلهم) أو (كلاهما) يَرْجِعُ إِلى ما قبل حاء التحويل وإِلى الشيخ الأخير من السند الأخير إِذا تكرَّر التحويل، وكذا القول في (قوله) جميعًا.
стр. 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنه إِذا ذُكِرَ (سفيان) وأُطلق .. فإِنه: إِنْ وَقَعَ ثانيَ السَّنَد .. فهو ابنُ عُيَينة، أو ثالثَه .. فهو الثَّوْرِيُّ غالبًا، إلا إِنْ رَوَى عن الزُّهْرِيِّ .. فهو ابنُ عُيَينة مطلقًا، أو رَوَى عنه وَكيعٌ .. فهو الثَّوْرِيُّ.
ومنها: أنه إِذا ذُكِرَ ابنُ أبي زائدة وأُطلق: فإن وَقَعَ ثانيَ السَّنَدِ .. فهو يحيى، وإن وَقَعَ ثَالثَهُ .. فهو زكريا.
ومنها: أنه إذا أَطْلَقَ أبا خيثمة: فإِنْ وَقَعَ في أول السَّنَدِ .. فهو زهيرُ بن حرب، وإِنْ وَقَعَ ثانيَ السَّنَدِ .. فهو زُهَيرُ بن معاوية.
ومنها: إِذا أَطْلَقَ إِسحاقَ بنَ منصورٍ فإِنْ وَقَعَ في أول السَّنَدِ .. فهو الكَوْسَج، وإِنْ وَقَعَ ثانيَ السَّنَدِ .. فهو السَّلُوليُّ، إلى غيرِ ذلك مما اخْتَصَّ به مسلمٌ من الاصطلاحات، وقد ضَرَبْنا عن تعدادِها صَفْحًا خوفَ الإِطالة، وفيما ذَكَرْناه إِشارةٌ إِلى باقيها لمَنْ عنده إِلمامٌ باصطلاحاتِه، والله أعلم.
***
стр. 160
(٢) بَابُ تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
[٢] ١ - (١) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، ح وَحَدَّثَنَا
ــ
(٢) باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ
[٢] ١ - (١) (وحَدَّثنَا أبو بكرِ بن أبي شَيبَةَ) والواو في قوله: (وحدثنا) للاستئناف النحوي؛ لأنها وَقَعَتْ في أول الترجمة، وفي أول حديث آخر، وتقدَّمتْ ترجمةُ أبي بكر بنِ أبي شَيبة قريبًا فلا عَوْدَ ولا إِعادة، فراجعْها إِنْ شئتَ.
قال: (حَدَّثنَا غُنْدَرٌ) قال النوويُّ: (بضمِّ الغين المعجمة، وإِسكان النون، وفتح الدال المهملة، هذا هو المشهورُ في ضَبْطِه، وذكر الجوهريُّ في "صحاحه": أنه يقال: بفتح الدال وضمِّها، واسمُه: محمد بن جعفر الهُذَلي مولاهم، البصري، أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر) (١) الحافظ، رَبِيب شُعْبة، جَالسه نحوًا من عشرين سنة.
قال في "التقريب": ثقةٌ صحيحُ الكتابِ إلا أَنَّ فيه غَفْلَةً، من التاسعة، مات في ذي القعدة سنةَ ثلاث وتسعين ومائة، وقال ابنُ سعد: سنةَ أربع وتسعين ومائة.
قال النوويُّ: (وغُنْدَرٌ: لَقَبٌ لمحمد بن جعفرِ، لَقَّبَه به ابنُ جُرَيج، رُوينا عن عُبَيد الله بن عائشة، عن بَكْر بن كُلْثُوم السُّلَمِيِّ قال: قَدِمَ علينا ابنُ جُرَيجِ البصرةَ، فاجتمع الناسُ عليه، فحدَّثَ عن الحَسَنِ البصريِّ بحديثٍ فأنكره الناسُ عليه، فقال ابنُ عائشة: إِنما سَمَّاه غُنْدَرًا ابنُ جُرَيجٍ في ذلك اليوم، كان يُكْثِرُ الشَّغَبَ عليه، فقال: اسْكُتْ يا غُنْدَر، وأهلُ الحِجازِ يُسَمّون المشغب غُنْدرًا؟ ! ومن طرف أخبار غُنْدَرٍ رحمه الله تعالى: أنه بَقِيَ خمسين سنةً يصوم يومًا ويُفْطِرُ يومًا) اهـ (٢)
(عن شُعْبة) بن الحَجَّاج العَتكِيّ، والواو في قوله: (ح وحَدَّثنَا) عاطفة للقول
стр. 161
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
ــ
المحذوف على (حَوَّلَ) المنحوت عنه الحاء، والتقدير: حَوَّلَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى السَّنَدَ وقال: حَدَّثَنَا (محمدُ بن المُثَنَّى) بن عُبَيد بن قيس العَنَزي بفتح النون وبالزاي، أبو موسى البصري، المعروف بالزَّمِن، مشهورٌ بكُنْيتِه وباسمِه، الحافظ.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من العاشرة، وقال الخطيب: مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
(و) محمدُ (بن بَشَّارِ) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري بُنْدَار -بضم الموحدة وفتحها وسكون النون- أحد أوعية السُّنَّة، وبُنْدَارٌ في الأصل: من في يده القانون وهو أصل ديوان الخراج، وإِنما قيل لهُ بُنْدار؛ لأنه كان بُنْدارًا في الحديث، جَمَعَ حديثَ بلده، كذا في "تهذيب الكمال" (٢٤/ ١١) وقال العجلي: بندار ثقةٌ كثيرُ الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائيُّ: صالحٌ لا بأسَ به.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وله بضع وثمانون سنة.
وقال الذهبيُّ: انْعَقَدَ الإِجماع بَعْدُ على الاحتجاج ببُنْدَار (١).
وفائدةُ هذه المقارنة: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأنَّ الراوَيينِ ثقتان.
كلاهما (قالا: حَذثنَا محمدُ بن جعفرٍ) الهُذَلِيُّ، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحَجَّاج بن الوَرْد العَتكي.
وغَرَضُ المؤلِّف رحمه الله تعالى بهذا التحويل: بيانُ متابعة محمد بن المثنى وابن بشار لأبي بكر بن أبي شيبة في رواية هذا الحديث الآتي عن محمد بن جعفر، وإِنما لم يَجْمَعْ بين الثلاثة في سَنَدٍ واحدٍ مع أَنَّ صِيَغَهم واحدةٌ وهي (حَدَّثَنَا) بان قال: (قالوا حَدَّثَنَا محمدُ بن جعفرٍ أو غُنْدَرٌ)؛ تَوَرُّعًا من الكذب على أبي بكر بن أبي شيبة لو قال: (قالوا حدثنا محمد بن جعفر)؛ لأنه إنما قال: حدثنا غُنْدَرٌ؛ وتَوَرُّعًا من الكذب على الأخيرَينِ لو قال: (قالوا حدثنا غُنْدَرٌ)؛ لأنهما إِنما قالا: حدثنا
стр. 162
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ:
ــ
محمد بن جعفر، وهذا من ألطف لطائف السند الذي ينبغي الاعتناءُ به لا البَحْثُ عن البصري والكوفي.
(عن منصورٍ) هو ابنُ المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عَتَّاب -بمثناة ثقيلة بعدها باء موحدة- الكوفي، أحد الأئمة الأعلام المشاهير.
روى عن إِبراهيم النَّخَعي ورِبْعِي بن حِراش والحَسَن البصري وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشعبةُ ومِسْعَرٌ والأعمشُ وغيرُهم، وقال العجلي: ثقةٌ ثَبْث له نحو ألفي حديث، قال زائدة: صام منصورٌ أربعين سنةً وقام ليلَها.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ وكان لا يُدَلِّس، من الطبقة الخامسة، طبقة الأعمش، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
(عن رِبْعِيِّ) بكسر الراء المهملة، وإِسكان الموحدة (بنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، آخره شين معجمة -وليس في "الصحيحين": (حِرَاش) بالحاء المهملة سواه، ومَنْ عداه بالمعجمة- العَبْسي -بموحدة ساكنة- أبي مريم الكوفي، التابعي الجليل، مُخَضْرَم.
روى عن عُمر وعلي فرد حديث وغيرهما، ويروي عنه (ع) ومنصورُ بن المُعْتَمِر وعبدُ الملكِ بن عُمَيرٍ وغيرُهما، قال العِجْلِيُّ: من خيار الناس لم يكذب كذبةً قطُّ.
قال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ مُخَضْرَم، من الثانية، مات سنة مائة، وقيل: مائة وأربع، وقيل: تُوفِّي في ولاية الحجاج، ومات الحَجَّاجُ سنة خمس وتسعين.
وحُكي: أنه حَلَفَ لا يضحك حتى يعلم أين مصيرُه، فما ضَحِكَ إلا بعد موته، وكذلك حَلَفَ أخوه ربيعٌ أنْ لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار؟ قال غاسلُه: لم يَزَلْ مُتَبَسِّمًا على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا، وأخوهما مسعود الذي جلس بعد موته وتَكَلَّمَ وقال في آخر كلامه: أَسْرِعُوا بي إِلى رسول الله ﷺ ؛ فإِنه أقسم أن لا يبرح حتى آتيه (١).
стр. 163
أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ يَخْطُبُ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ .. يَلِجِ النَّارَ"
ــ
(أَنَّه) أي: أَنَّ حِرَاشًا (سَمعَ عَلِيًّا ﵁ حالةَ كَوْنه (يَخْطُبُ) أي: يَعِظُ الناسَ، وهو عليُّ بن أبي طالب عبد منافِ بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشميُّ أبو الحسن، ابنُ عَمّ رسولِ الله ﷺ وخَتَنُه علي بنته، من السابقين الأولين، وهو أوّلُ مَنْ أَسْلَمَ من الصبيان، وأَحَدُ العَشَرَة المُبَشَّرة، شَهِدَ بدرًا والمشاهدَ كُلِّها، أميرُ المؤمنين، يُكْنَى أبا تراب، وأُمُّه فاطمةُ بنتُ أَسَد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدتْ هاشميًّا، له خمسُمائة حديثِ وستةٌ وثمانون حديثًا، مات في رمضان شهيدًا ليلة الجمعة لإِحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت منه سنة أربعين، وهو يومئذٍ أفضلُ مَنْ على وجه الأرض من الأحياء بإِجماع أهل السُّنَّة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح، ومناقبُه كثيرةٌ ومشهورة.
(قال) عليُّ بن أبي طالب -والجملةُ بدلٌ من جملة يَخْطُبُ-: (قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ" أي: لا تَرْوُوا أيها الناسُ عنِّي كَذِبًا (فإنَّه) أي: فإنَّ الشأنَ والحال (مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ) أي: يَرْو عنّي كَذِبًا ويَنْسُبْه إِليَّ ( .. يَلجِ النَّارَ") أي: يَسْتَحِقَّ وَيسْتَوْجِبْ وُلُوجَ النَّارِ ودُخُولَها عقوبةً له على كَذِبِه عليَّ (١).
وشارك المؤلِّفَ في رواية هذا الحديث: البخاريُّ (١٠٦)، والترمذيُّ (٢٦٦٠)، وابنُ ماجهْ (٣١)(٢).
قال الإِمام أبو العبّاس القرطبي: (وقوله: "يَلِجِ النَّارَ" أي: يَدْخُلْها، مضارع "وَلَجَ" من باب وَعَدَ، ومصدرُه الوُلُوج، ومنه قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾.
وصَدْرُ هذا الحديثِ نَهْيٌ، وعَجُزُه وعيدٌ شديدٌ، وهو عامٌّ في كُلِّ كاذبٍ على رسول الله ﷺ ، ومُطْلَقٌ في أنواع الكذب.
стр. 164
[٣] ٢ - (٢) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ،
ــ
ولمَّا كان ذلك .. هاب قومٌ من السلف الحديثَ عن رسول الله ﷺ كعُمَرَ والزُّبيرِ بنِ العَوَّام وأنسِ بنِ مالكٍ ﵃ أجمعين؛ فإِنَّ هؤلاء سمعوا كثيرًا وَحَدَّثُوا قليلًا، كما قد صَرَّحَ الزُّبَيرُ ﵁ بذلك لَمَّا قال له ابنُه عبدُ اللهِ ﵁: إِني لا أسمعك تُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ كما يُحَدِّثُ فلانٌ وفلانٌ؟ ! فقال: أَمَا إِني لم كن أُفارقه، ولكنِّي سمعتُه يقول: (مَنْ كَذَبَ عليَّ .. فليتبوأْ مقعدَه من النار"، وقال أنسٌ: إِنه يمنعني أنْ أُحَدِّثَكم حديثًا كثيرًا أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَنْ كَذَبَ عليَّ ... " الحديث.
ومنهم مَنْ سَمِعَ وسَكَتَ كعبد الملك بن إِياس، وكأَنَّ هؤلاءِ تَخَوَّفُوا من إِكثار الحديث الوقوعَ في الكَذِبِ والغلطِ فقَلَّلُوا أو سَكَتُوا، غيرَ أَنَّ الجمهورَ خَصَّصُوا عمومَ هذا الحديث، وقَيَّدُوا مُطْلَقَه بالأحاديث التي ذُكِرَ فيها "مُتَعَمِّدًا"؛ فإِنه يُفْهَمُ منها أَنَّ ذلك الوعيدَ الشديدَ إِنما يَتَوَجَّهُ لِمَنْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ على رسول الله ﷺ ، وهذه الطريقةُ هي المرضيّة؛ فإِنها تَجْمَعُ بين مختلفات الأحاديث، إِذْ هي تخصيصُ العموم، وحَمْلُ المُطْلَقِ على المقيِّد مع اتحاد الموجِب والموجَب كما قَرَّرْناه في الأصول، هذا مع أَنَّ القاعدةَ الشرعيةَ القطعيةَ تقتضي: أَنَّ المخطئَ والناسِيَ غيرُ آثمَينِ ولا مؤاخذَينِ، لاسِيَّما بعد التحرُّز والحَذَر) (١).
وفي هذين السندَينِ من اللطائف:
في الأول منهما: روايةُ كوفي عن بصري عن بصري عن كوفي عن كوفي.
وفي الثاني: روايةُ بَصْرِيَّينِ عن بصري عن بصري عن كوفي عن كوفي.
ففي الأول ثلاثة من الكوفيين واثنان من البصريين، وفي الثاني أربعة من البصريين واثنان من الكوفيين.
ثم استشهد لحديث عليٍّ بحديث أنسٍ ﵄ فقال:
[٣] (٢) (وحَدَّثَنِي زُهَيرُ بن حَرْبِ) بن شَدَّاد الحَرَشِيّ -بفتح المهملتين بعدهما معجمة- مولاهم، أبو خيثمة النسائي الحافظُ نزيلُ بغداد.
стр. 165
حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ-
ــ
روى عن جَرِير بن عبد الحميد وهُشَيم وابن عُيَينة وغيرِهم، ويروي عنه (خ م د ق) و (س) بواسطةٍ، وله في "البخاري" و "مسلم" أكثرُ من ألف حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ روى عنه مسلمٌ أكثرَ من ألف حديثٍ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو ابنُ أربع وسبعين سنة.
قال: (حَدَّثنَا إسماعيلُ يعني) شيخي زُهَيرٌ بإِسماعيل حين قال لي: حَدَّثَنَا إِسماعيلُ (ابنَ عُلَيَّةَ) أي: إِسماعيلَ ابنَ عُلَيَّة، وأَتَى بالعناية؛ إِيضاحًا للراوي، وإِشعارًا بأَنَّ ما بعدها لم يسمعه من شيخه، بل هو ممّا زَادَه من عند نفسه للإِيضاح، وتَوَرُّعًا من الكذب على شيخه؛ لأنه لو لم يَأتِ بالعناية .. لأَوْهَمَ أَنَّ هذه النِّسْبَةَ من كلام شيخه مع أنه من زيادته.
وعبارةُ السنوسي هنا: (وإِنما قال "يعني"؛ لأن هذه النِّسْبَةَ لم يَسْمَعْها من شَيخِه، واحْتَرَزَ بها عن الكذب على شيخه، واحتاج إِلى النسبة للتعريف فقال: "يعني"، وهذا من وَرَعِه رحمه الله تعالى، وقد أَكْثَرَ البخاريُّ ومسلمٌ رحمهما الله تعالى من هذا الاحتياط، إِلا أَنَّ البخاريَّ كثيرًا ما يقول: "هو ابنُ فلان"، ومسلمٌ كثيرًا ما يقول: "يعني ابنَ فلانٍ"، وكلاهما سواء) (١).
وقال النوويُّ: (ليس للراوي أن يزيدَ في نَسَبِ غير شيخه ولا في صفتِه على ما سَمِعَه من شيخه؛ لئلّا يكونَ كاذبًا على شيخه، فإِنْ أرادَ تعريفَه وإِيضاحَه وزوال اللَّبْسِ المُتَطَرِّقِ إِليه لمشابهة غيره .. فطريقهُ أن يقول: حدثني فُلانٌ يعني ابنَ فُلان، أو الفُلاني، أو هو ابنُ فلان، أو الفلاني، أو نحو ذلك، فهو جائزٌ حسن) اهـ (٢).
وقال أيضًا: (وعُلَيَّة -بضمِّ العين وفتح اللام-: هي أُمُّ إِسماعيل، وهي عُلَيَّهُ بنت حَسَّان مولاة لبني شَيبان، وكانت امرأةَ نبيلةَ عاقلةَ، وكان صالح المُرِّيُّ وغيرُه من وُجُوهِ البصرة وفقهائِها يدخلون عليها فتَبْرُزُ لهم وتُحَادِثُهم وتُسَائِلُهم، وأبوه إِبراهيم بن سهم بن مِقْسَم الأسدي، وإِسماعيل بصريٌّ وأصلُه من الكوفة، كنيتُه أبو بِشْر. قال
стр. 166
عَنْ عَبْدِ آلْعَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال:
ــ
شعْبة: إِسماعيل بن عُلَيَّةَ ريحانةُ الفقهاء وسَيَّدُ المحدِّثين) (١).
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من الثامنة، مات سنة ثلاثٍ وتسعين ومائة.
قال: (عن عبد العزيزِ بنِ صُهَيبٍ) البُنَاني -بموحدة ونونين- نِسْبة إِلى بُنَانة بن سعد بن لؤي بن غالب مولاهم، البصري الأعمى.
روى عن أنس وشَهْر، ويروي عنه شُعبةُ وابنُ عُلَيَّة.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومائة.
(عن أنسِ بنِ مالكِ) بن النَّضْر بن ضمضم بن زَيد بن حَرَام الأنصاري الخَزْرَجي النَّجَّاري، خَدَمَ رسولَ اللهِ ﷺ عشر سنين، وله ألفٌ ومئتا حديثٍ وستةٌ وثمانون حديثًا.
روى عن جماعةٍ من الصحابة، ويروي عنه (ع) وبنوه موسى والنَّضْرُ وأبو بكرٍ والحَسَنُ البصريُّ وثابتٌ البُنَانِيُّ وغيرُهم، مات سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة، وهو آخِرُ من مات بالبصرة من الصحابة ﵃ أجمعين.
(أنَّه) أي: أَنَّ أنسًا (قال: إِنه) أي: إِنَّ الشأنَ والحال (لَيَمْنَعُنِي) واللامُ فيه لامُ الابتداء (أَنْ أحَدِّثَكُمْ) أي: أنْ أُخْبِرَكم أيُها المخاطَبون (حديثًا كثيرًا) وأخبارًا مأثورةً عن رسول الله ﷺ (٢)، وجملةُ (أَنَّ) المصدريةِ في قولهِ: (أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال) في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على أنه فاعل (لَيَمْنَعُنِي) أي: يَمْنَعُني ويَحْجُزُني من أنْ أُخْبِرَكم حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ
стр. 167
"مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"
ــ
قولهُ ﷺ : ("مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا) أي: من افترى عليَّ كَذِبًا عَمْدًا وعِلْمًا ونَسَبَ إِليَّ ما لم أشرعه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا ( .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) أي: فَلْيتَّخِذْ مَقَرَّه ومنزلَه (من النَّارِ") الأُخروية؛ بسبب افترائِه واختلاقِه على كَذِبًا (١).
قال القرطبيُّ: (أي: ليتّخذْ فيها منزلًا فإِنها مقرُّه ومسكنهُ، يُقال: تبوأت منزلًا؛ أي: اتخذته ونزلته، وبَوَّأْتُ الرجلَ منزلًا؛ أي: هيأتُه له، ومصدرُه: باءة ومباءة، وهذه صيغةُ أمرٍ، والمرادُ بها: التهديدُ والوعيدُ، وقيل: معناها الدُّعاءُ عليه؛ أي: بَوَّأَهُ اللهُ سبحانه ذلك، وقيل: معناها الإخبارُ بوقوع العذاب به في نارِ جهنَّم، وكذلك القولُ في حديث عليٍّ الذي قال فيه: "يَلِجِ النار" (٢).
وقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود وزادَ فيه: "ليُضِلَّ به" (٣).
وقد اغْتَرَّ بهذه الزيادة أُناسٌ ممن يَقْصِدُ الخيرَ ولا يعرفُه، فظَنَّ أَنَّ هذا الوعيدَ إِنما يتناولُ من قَصَدَ الإِضلال بالكذب على رسول الله ﷺ ، فأمَّا مَنْ قَصَدَ الترغيبَ في الأعمال الصالحة وتقويةَ مذاهب أهل السُّنَّة فوضع الأحاديث لذلك .. فلا يتناولهُ، وهذه جهالةٌ؛ لأن هذه الزيادةَ تُروى عن الأعمش ولا تَصِحُّ عنه، وليستْ معروفةً عند نَقَلَةِ ذلك الحديث مع شُهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكمُ المعروف بابن البَيِّع من طُرُقٍ كثيرةٍ، وقال: إِنها واهيةٌ لا يَصِحُّ منها شيء، قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولو صَحَّتْ .. لما كان لها دليلُ خطاب، دما نما كانت تكون تأكيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾، وافتراءُ الكذبِ
стр. 168
[٤] ٣ - (٣) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة،
ــ
على الله مُحَرَّمٌ مطلقًا، قصد به الإِضلال أو لم يقصد، قاله الطحاويُّ.
ولأنَّ وَضْعَ الخبرِ الذي يُقْصَدُ به الترغيبُ كَذِبٌ على الله تعالى في وضع الأحكام؛ فإِنَّ المندوبَ قِسْمٌ من أقسام الأحكام الشرعية، وإِخبارٌ عن أَنَّ الله تعالى وَعَدَ على ذلك العملِ بذلك الثواب، فكُلُّ ذلك كَذِبٌ وافتراءٌ على الله تعالى، فيتناولُه عمومُ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
وقد استجازَ بعضُ فقهاء العراق نسبةَ الحُكْم الذي دَلَّ عليه القياسُ إِلى رسول الله ﷺ نسبةً قولية، وحكايةً نقليةً، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ولذلك تَرَى كُتُبَهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعةٍ تَشْهَدُ متونُها بأنها موضوعةٌ؛ لأنها تُشْبهُ فتاوى الفقهاء، ولا تَلِيقُ بجزالة سيد الأنبياء، مع أنهم لا يُقِيمُون لها صحيحَ سَنَدٍ وَلا يُسْنِدُونها من أئمّة النقل إِلى كبيرِ أحد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النَّهْيَ الأكيد، وشَمِلَهم ذلك الذمُّ والوعيد، ولا شَكَّ في أَنَّ تكذيبَ رسولِ الله ﷺ كُفْرٌ، وأمَّا الكَذِبُ عليه: فإِنْ كان ذلك الكاذبُ مُسْتَحِلًّا لذلك .. فهو كافرٌ، وإِنْ كانَ غيرَ مُسْتَحِلٍّ .. فهو مرتكبُ كبيرة، وهل يَكْفُرُ أم لا؟ اختُلِفَ فيه على ما مَرَّ) اهـ (١).
ثم استشهد ثانيًا لحديث علي ﵁ بحديث أبي هريرة ﵄ فقال: [٤] (٣) (وحَدَّثنَا محمدُ بن عُبَيدٍ) مصغرًا بلا اضافة، ابن حِساب بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة آخره موحدة (الغُبَرِيُّ) بضمِّ المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، منسوبٌ إِلى غُبَر أبي قبيلةٍ معروفةٍ في بكر بن وائل، البصري.
روى عن أبي عَوَانة وحَمَّاد بن زيد وجماعةٍ، ويروي عنه (م د س) وأبو زُرْعة وأبو حاتم وخَلْقٌ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ من العاشرة، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
قال: (حَدَّثنَا أبو عَوَانَةَ) بفتح العين وبالنون، الوَضَّاح -بتشديد الضاد المعجمة
стр. 169
عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
ــ
ثم حاء مهملة- ابنُ عبد الله اليشكريُّ بالمعجمة الواسطي البَزَّاز -بزايين- مشهورٌ بكُنْيته، أحدُ الأئمة الأعلام.
روى عن قتادة وابن المُنْكَدِر وإِسماعيل السُّدِّي وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشَيبان بن فَرُّوخ وخَلَفُ بن هشامٍ وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثبْتٌ، من السابعة، مات سنة خمسٍ أو ستٍّ وسبعين ومائة.
(عن أبي حَصِينٍ) بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد، عثمان بن عاصم بن حُصَين الأسدي الكوفي الفقيه، أحد الأئمة الأعلام الأَثْبات.
روى عن ابن عَبَّاس وأبي صالح وغيرهما، ويروي عنه (ع) ومِسْعَرٌ وشُعْبَةُ وأبو عَوَانة وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ سُنِّيٌّ، من الرابعة، وربما دَلَّسَ، وقال العِجْلِيُّ: كان عالمًا صاحبَ سُنَّة، ووَثَّقَه ابنُ مَعِين والنَّسائيُّ وغيرُهما، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: بعدها.
(عن أبي صالحٍ) السَّمان -ويُقال له: الزيَّات- المدني، كان يجلبُ السَّمْنَ والزَّيتَ إِلى الكوفة، واسمه ذَكْوان.
روى عن سَعْد وأبي الدرداء وأبي هريرة وخَلْق، ويروي عنه (ع) وبنوه: عبد الله وسُهَيل وصالح، والأعمش، من الأئمة الثقات، وسمع منه الأعمشُ ألفَ حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ من الثالثة، مات سنة إِحدى ومائة.
(عن أبي هُرَيرَةَ) رضي الله تعالى عنه، واختُلف في اسمه واسم أبيه على نَحْوٍ من ثلاثين قولًا، وأَصَخُها: عبد الرحمن بن صَخْر، وهو مُكْثِرٌ من حفظ الحديث جِدًّا، له خمسةُ آلافِ حديثٍ وثلاثُ مئةِ وأربعة وسبعون حديثًا، وقيل: اسمه عبد الله بن عائذ، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن عمرو، وقيل غير ذلك، ويُقال: كان اسمُه في الجاهلية عبدَ شمس، وكنيته: أبو الأسود، فسَمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله، وكَنَاه أبا هريرة -قيل: لأجل هِرَّةٍ كان يحمل أولادها- الدَّوْسي اليَمَاني
стр. 170
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى آللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا .. فَلْيَتَبَؤَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[٥] ٤ - (٤) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ،
ــ
صاحب رسول الله ﷺ .
روى عن رسول الله ﷺ الكثيرَ الطيِّبَ وعن أبي بكرٍ وعُمَرَ والفَضْلِ بنِ عَبَّاسٍ وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وابنُ عباس وابنُ عُمَرَ وأنسٌ وغيرُهم، وقال ابن سعد: كان يُسبِّح كُلَّ يومٍ اثنتي عشرة ألف تسبيحة.
قال الواقدي: مات سنة تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَذَبَ" وافْتَرَى (عليَّ) ونَسَبَ إِليَّ ما لم أشرِّعه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، حالةَ كونه (مُتَعَمِّدًا) أي: قاصدًا الكذبَ على عالمًا به ( .. فَلْيَتَبَؤأْ مَقْعَدَهُ) أي: فَلْيَتَّخِذْ منزلَهُ ومَقَرَّه (من النَّارِ") أي: من نارِ جهنَّم، أعاذنا اللهُ تعالى منها.
وسَنَدُ هذا الحديث من خُماسياته، وفيه بصري وواسطي وكوفي ومدنيان (١).
ثم استشهد ثالثًا لحديث علي بن أبي طالب بحديث المغيرة بن شعبة ﵄ فقال:
[٥] (٤) (وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بن عبد اللهِ بن نُمَيرٍ) بضمِّ النون مصغّرًا، الهَمْداني -بسكون الميم- الكوفي أبو عبد الرحمن الحافظ، أحدُ الأئمَّةِ الأعلام.
روى عن أبي خالدٍ الأحمرِ وابنِ عُيَينةَ وأبي معاوية وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) ومُطَيّن وأبو يَعْلَى وخَلْقٌ، عَظَّمَه أحمدُ وأَجَلَّه.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فاضل، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
стр. 171
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ قَال: أتَيتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، قَال: فَقَال الْمُغِيرَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ كذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا
ــ
قال: (حَدَّثنَا أبي) عبدُ اللهِ بن نُمَيرٍ الهَمْدَانيُّ أبو هشام الكوفيُّ.
روى عن إِسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة والأعمش وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وابنُ مَعِين وابنُ المَدِيني وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ صاحبُ حديثٍ من أهل السُّنَّة، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة.
قال: (حَدَّثنَا سعيدُ بن عُبَيدٍ) مصغرًا بلا إِضافة، الطائيُّ أبو الهذيل الكوفيُّ.
روى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ وعليِّ بنِ ربيعة الوالبيِّ، ويروي عنه (خ م دت س) ووَكِيعٌ ويحيى القطَّانُ وعبدُ اللهِ بن نُمَيرٍ، وَثَّقَه أحمدُ والنَّسائيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من السادسة.
قال: (حَدَّثنَا عَلِيُّ بن ربيعةَ) بن نَضْلة الوَالِبيُّ -بلام مكسورة وباء موحدة نسبة إِلى والب قبيلة أو قرية، كذا في "السنوسي" (١)، أبو المغيرة الكوفي.
روى عن علي وسَلْمان والمغيرة، ويروي عنه (ع) والحكمُ وأبو إِسحاق وعثمانُ بن المغيرة، موثّق، له في (خ م) فرد حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من كبار الثالثة.
(قال: أَتَيتُ المسجدَ) أي: مسجدَ الكوفةِ (والمغيرةُ) بن شُعْبَةَ الثقفيُّ الصحابيُّ المشهورُ (أميرُ الكوفةِ) وقتئذٍ من جهة عليٍّ رضي الله تعالى عنه (قال) عليُّ بن ربيعة الوَالِبيُّ -والجملةُ تأكيدٌ لقال الأُولى-: (فقال المغيرةُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ حالة كونه (يقولُ: "إِنَّ كَذِبًا" وافتراءً (عَلَيَّ ليس ككَذِبٍ على أَحَدٍ) (٢) غيري (فمَنْ كَذَبَ) وافترى (عَلَيَّ) حالة كونه (مُتَعَمِّدًا)
стр. 172
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[٦] وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيسٍ الأَسَدِيُّ،
ــ
الكَذِبَ ( .. فَلْيَتَبوَّأ مقعدَه من النَّارِ") أي: من عذابِ النَّارِ عُقُوبةً على كَذِبِه عليَّ؛ لأن الكَذِبَ عَلَيَّ كَذِبٌ على الله تعالى، والكَذِبُ على الله تعالى افتراءٌ، والافتراءُ كُفْرٌ، وعقوبةُ الكُفْرِ النَّارُ.
وهذا السَّنَدُ من خُماسياته، ورواتُه كُلُّهم كوفيون، وشارك المؤلِّفَ في رواية حديث المغيرة: أحمدُ (٤/ ٢٤٥) و (٢٥٢)، والبخاريُّ (١٢٩١).
ثم ذكر المتابعةَ في حديث المغيرة فقال:
[٦] (وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بن حُجْرٍ) بضمِّ الحاء وسكون الجيم ابن إياس (السَّعْدِيُّ) أبو الحَسَن المروزي الحافظ، نزيلُ بغدادَ ثم مَرْو.
روى عن شَرِيك وإِسماعيل بن جعفر وخَلْق، ويروي عنه (خ م ت س) وابنُ خزيمة، وَثَّقَه النَّسائيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ من صغار التاسعة، مات سنة أربع وأربعين ومائتين.
قال: (حَدَّثنَا عَلِيُّ بن مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، القرشيُّ أبو الحَسَن الكوفيُّ، قاضي المَوْصِل الحافظ.
روى عن الأعمش ومحمد بن قيس وإِسماعيل بن أبي خالد، ويروي عنه (ع) وخالدُ بن مَخْلَد ومحمد بن عُبَيد المُحاربي.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الثامنة، له غرائبُ بعدَ أنْ أَضَرَّ، مات سنة تسع وثمانين ومائة.
قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن قيسٍ الأَسَديُّ) بفتح الهمزة والسين نسبة إلى بني أَسَد، الوالبيُّ -بالموحدة نسبة إِلى وَالِب أبي بَطْنٍ من أسد- الكوفيُّ.
стр. 173
عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ"
ــ
رَوَى عن علي بن ربيعة وأبي الضُّحَى والحَكَم والشَّعْبي، ويروي عنه (م د س) وشُعْبهُ والثَّوْرِيُّ ووَكِيعٌ، وَثَّقَه أحمدُ والنسائيُّ وأبو داود، قال ابنُ المَدِيني: له نحو عشرين حديثًا.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من كبار السابعة.
(عن عَلِيِّ بنِ ربيعةَ الأسديِّ) الوَالِبيِّ، ثقةٌ من كبار الثالثة (عن المُغيرة بنِ شُعْبَة) الصحابيِّ الجليلِ (عن النبيِّ ﷺ ، والجازُ والمجرورُ في قوله: (بمِثْلِهِ) متعلق بـ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن قيسٍ)؛ لأنَّ العامل في الجارِّ والمجرورِ في قولَه: (بمِثْلِه) و (بنَحْوهِ) و (بمعناه) هو العاملُ في المُتَابِع بصيغة اسم الفاعل، والضميرُ في (مثله) هنا عائدٌ إِلى سعيدِ بنِ عُبَيدٍ؛ لأنه المُتَابَع بصيغة اسم المفعول، ولكنه على تقدير مضاف هو لفظ حديث، والمعنى: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن قيس عن علي بن ربيعة بمِثْلِ ما حَدَّثَ سعيدُ بن عُبَيدٍ عن علي بن ربيعة.
والمِثْلُ: عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في جميع لفظه ومعناه إِلَّا فيما اسْتَثْنَى من الحديث كما ذَكَرَ الاستثناءَ هنا بقوله:
(ولم يَذْكُرْ) أي: ولكنْ لم يذكر مُحَمَّدُ بن قيسٍ في حديثه لفظةَ: ("إِنَّ كَذِبًا عَلَي ليس ككَذِبٍ على أَحَدٍ") غيري، بل إِنما ذكره سعيد بن عبيد فقط، فالمتابعةُ تامَّةٌ هنا؛ لأن شيخَ المتابَع والمتابَع واحدٌ، وهو علي بن ربيعة.
فإِذًا: غَرَضُ المؤلِّف بسَوْقِ هذا السَّنَدِ بيانُ متابعة محمد بن قيس لسعيد بن عُبَيدٍ في روايةِ هذا الحديث عن علي بن ربيعة، فهذا السَّنَدُ أيضًا من خُماسياته، ورجالُه كُلُّهم كوفيون إِلا عليَّ بنَ حُجْرٍ السعديَّ فهو مروزي.
فجملةُ ما ذكَره المؤلِّفُ في هذا الباب من الأحاديث أربعة: واحدٌ منها للاستدلال على الترجمةِ وهو حديثُ عليّ ﵁، وثلاثةٌ للاستشهاد وهي حديثُ أنس بن مالك، وحديثُ أبي هريرة، وحديثُ المغيرة بن شعبة، وذكر في حديث المغيرة المتابعةَ هنا.
стр. 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال السنوسي: وأمَّا متنُ الحديث: فهو حديثٌ عظيمٌ في نهاية من الصّحة، وقيل: إنه متواتر، قيل: رواه مئتان من الصحابة وفيهم العَشَرَةُ المشهودُ لهم بالجَنَّة ﵃ أجمعين.
ومعنى: "فليتبوأْ مقعدَه من النار": فَلْيَنْزِلْ، وقيل: فَلْيَتَّخِذْ منزلَه من النار، قال الخَطَّابِيُّ: وأصلُه من مباءة الإِبل وهي أَعْطَانُها، ثم قيل: إِنه دُعَاءٌ بلفظ الأمر، وقيل: هو خبرٌ بلفظ الأمر، معناه: فقد استوجب ذلك فليوطن نفسه عليه، وتَدُلُّ عليه الروايةُ الأخرى: "يَلِجِ النَّارَ".
ومعنى الحديث: إِنَّ هذا جزاؤه إلا أنْ يَعْفُوَ اللهُ تعالى، ثم إِنْ جُوزِيَ بالنار .. فلا يُخَلَّدُ فيها.
والكَذِبُ عند أهل السُّنَّةِ: الإِخبارُ بالشيء على خلافِ ما هو عليه، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، وشَرَطَ فيه النَّظَّامُ وأتباعهُ من المعتزلة العَمْدَ، وهو باطلٌ، وإنما العَمْدُ شرطٌ في حصول الإِثم بالكذب لا في تسميته كذبًا، وتقييدُ الكذبِ بالعَمْدِ في الحديث يَرُدُّ على المعتزلة؛ إِذْ لو اختصَّ الكَذِبُ بالعَمْدِ .. لم يكن لتقييده به فائدة، والمسألةُ مبسوطةٌ في كتب الأُصولِ وغيرِها.
ولا شَكَّ أَنَّ الكَذِبَ عمدا كُلُّهُ حرامٌ إِلا ما استُثني، ويتأكّدُ تحريمُه في الخبر عنِ النبي ﷺ ؛ لأنه في الحقيقة كَذِبٌ على الله جَل وعلا؛ لأن النبيَّ ﷺ لا يَنْطِقُ عن الهوى إِنْ هو إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، والجمهورُ على أَنَّ الكَذِبَ عليه ﷺ من أعظم الكبائر، وحَكَى إِمامُ الحرمَينِ عن والده أبي محمد الجُوَيني: أَنَّ المُتَعَمِّدَ للكذب عليه ﷺ كافرٌ، وهو بعيد.
ثم اختُلف على الأول هل تُقبل روايتُه إِذا تاب وحَسُنَتْ توبتُه أو لا تُقبل توبتُه في ذلك أبدًا؛ فقال بالأول جمهورُ الشافعية، واختار النوويُّ الثاني (١).
ويَقْرُبُ من الكَذِبِ عليه ﷺ أر هو هو: اللَّحْنُ في حديثه، فَلْيَكُنِ المؤمنُ على تَحَفُّظِ عظيمٍ في ذلك.
стр. 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد تَقَدَّمَ أَنَّ بعض المبتدعة أجازَ الكَذِبَ فيما يَرْجِعُ إِلى الترغيب والترهيب، وهو مُخَالِفٌ لإِجماع المسلمين المُعْتَدِّ بهم، وقولُهم: "هذا كَذِبٌ له لا عليه" جهلٌ عظيمٌ، وتَعَلُّقُهم بزيادةِ مَنْ زادَ: "لِيُضِلَّ به" فرواه: "مَنْ كذب عليَّ مُتعمَّدًا ليُضِلَّ به .. فليتبوأ مقعدَه من النار"، أحسنُ ما قيل في الجواب عنه وأخصرُه: أَنَّ هذه الزيادةَ باطلةٌ باتّفاق الحُفَّاظ (١).
قلتُ: يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَه النوويُّ في اللحن، ما نقلَه ابنُ الصلاح بسَنَدِه عن الأصمعي أنه كان يقول: إِن أَخْوَفَ ما أخافُ على طالب العلم إِذا لم يعرف النَّحْوَ أن يَدْخُلَ في جملة قوله ﷺ : (مَنْ كَذَبَ عليَّ .. فليتبوأْ مقعدَه من النار"؛ لأنه لم يَكُنْ يَلْحَنُ، فمهما رَويتَ عنه ولَحَنْتَ فيه .. كَذَبْتَ عليه.
قال الشيخُ ابنُ الصلاح: (فحَقٌّ على طالب الحديث أن يتعلَّمَ من النَّحْو واللُّغَة ما يتخلَّصُ به من شَينِ اللحن والتحريف ومَعَرَّتِهما.
رُوينا عن شُعْبة قال: مَنْ طَلَبَ الحديثَ ولم يُبْصِرِ العربيةَ .. فَمَثَلُه كمَثَلِ رجلٍ عليه بُرْنُسٌ ليس له رأس) (٢) أو كما قال.
وعن حَمَّاد بن سلمة قال: مَثَلُ الذي يطلبُ الحديثَ ولا يعرفُ النَّحْوَ مَثَلُ الحمارِ عليه مِخْلاةٌ لا شعيرَ فيها اهـ (٣)
وقال الجلالُ السيوطيُّ في "شرح ألفيته": وقد اتفَقَ العلماءُ على أَنَّ النَّحْوَ يُحتَاجُ إِليه في كُلِّ فَنٍّ من فنون العلم لاسِيّما التفسير والحديث؛ فإِنه لا يجوز لأَحَدٍ أن يتكلَّمَ في كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رسوله ﷺ حتى يكون مَلِيًّا بالعربية؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ ولا تُفْهَمُ مقاصدُه إلا بمعرفة قواعد العربية، وكذلك سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ .
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال بعضهم:
من فاته النحو فذاك الأخرس ... وفهمه في كل علم مفلس
وقدره بين الورى موضوع ... وإِن يناظر فهو المقطوع
لا يهتدي لحكمة في الذكر ... وماله في غامض من فكر
ولبعضهم:
قَدّمِ النحوَ على الفقه فقد ... يبلغ النحوي بالنحو الشرف
أما ترى النحوي في مجلسه ... كهلال بان من تحت الشغف
يخرج الألفاظ من فيه كما ... يخرج الجوهر من بطن الصدف
ولبعضهم:
والنحو حقًّا ختان الألسن ... من لا يعرفه كمن لم يختَن
فاصرف فيه نفائس الزمن ... تكن حقًّا فائقًا في كل الفَنَن
قال السنوسي: (وأمَّا التصحيفُ: فسبيلُ السلامة منه الأَخْذُ من أفواه أهل العلم والضَّبْط، واختُلِفَ إِذا وَقَعَ في الرواية لَحْنٌ أو تحريفٌ:
فذهَبَ ابنُ سيرين وأبو معمر بن سَخْبَرة إِلى أنه يرويه على الخطإ كما سمعه، وهذا غُلُوٌّ في مَنع الرواية بالمعنى.
وذَهَبَ الأوزاعيُّ وابنُ المبارك وغيرُهما من المُحَصِّلين إِلى أنه إِنما يرويه على الصواب، وهو لازمٌ على مذهب رواية الحديث بالمعنى، وقد سَبَقَ أنه قولُ الأكثرين.
وأمَّا تغييرُ ذلك وإِصلاحُه في الكتاب: فالصوابُ تَرْكُه وتقريرُ ما وَقَعَ في الأصل على ما هو عليه مع التضبيبِ عليه وبيانِ الصواب خارجًا في الحاشية؛ فإِنَّ ذلك أجمعُ للمصلحة، وأَنْفى للمفسدة، وقد رُوينا: أَنَّ بعض أصحاب الحديث رُئِيَ في المنام وكأنه قد مَرَّ من شفتيه أو لسانهٍ شيءٌ، فقيل له في ذلك، فقال: لفظة من حديث رسول الله ﷺ غيَّرْتُها برأيي ففُعِلَ بي هذا.
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الشيوخ مَنْ جَسَرَ على تغييرِ الكُتُبِ وإِصلاحِها، وعن أحمد بن حنبل الفرقُ بينَ اللَّحْنِ الفاحشِ فيُصْلَحُ، وبينَ غيرِه فلا، والصوابُ الأولُ، وأنه لا تُصْلَحُ الكُتُبُ ولو كان لَحْنًا في القرآن) اهـ (١).
***
стр. 178
(٣) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمعَ
[٧]- (٥) وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
ــ
(٣) باب النَّهْيِ عن الحديثِ بكُلِّ ما سَمعَ
أي: بابٌ في ذِكْر الحديث الذي يَدُلُّ على النَّهْيِ والزَّجْرِ عن الحديثِ والروايةِ بكُلِّ ما سَمِعَ عن الناس من قبل أن يفحصَ ويبحثَ ويتثبَّتَ فيه ويستيقِنَ صِدْقَه، ثُمَّ استدلَّ المؤلِّفُ على الترجمة بقوله:
[٧] (٥) (وحَدَّثنَا عُبَيدُ اللهِ بن مُعَاذِ) بن معاذ بن نَصْر بن حسّان (العَنْبَرِيُّ) نسبة إِلى عَنْبَر بطن من تميم، أبو عَمْرو البصري الحافظ.
روى عن أبيه: معاذِ بن معاذٍ ومُعْتَمِر بن سُلَيمان، ويروي عنه (م د) وحَمَّاد بن حُمَيد و (خ س) بواسطةٍ، قال أبو داود: كان يحفظُ نحو عشرة آلاف حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين، ورَجَّحَ ابنُ مَعِين أخاه المُثَنَّى عليه.
قال: (حَدَّثنَا أبي) معاذُ بن معاذ التميميُّ العَنْبري أبو المُثَنَّى البصري الحافظ قاضي البصرة.
روى عن سُلَيمان التيمي وحُمَيد وابن عَوْن وشُعْبة وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ المَدِيني وغيرُهم، قال القطَّانُ: ما بالبصرةِ ولا بالكوفةِ ولا بالحجاز أَثْبَتُ مِنْ معاذ بن معاذ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ستّ وتسعين ومائة.
(ح وحَدَّثنَا) أي: حَوَّل المؤلِّفُ السَّنَدَ وقال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا (مُحَمَّدُ بن المُثنَّى) بن عبيد بن قيس العنزي -بفتح النون وبالزاي- أبو موسى البصري.
стр. 179
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) كلما مَرَّ.
وفائدةُ هذا التحويل: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأنَّ عُبَيدَ اللهِ بنَ معاذِ ومُحَمَّدَ بنَ المُثنَّى كليهما ثقتان.
قال ابنُ المثنّى: (حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيِّ) بن حَسَّان الأَزْدِي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإِمام العَلَم.
روى عن عكرمة بن عَمَّار وشُعْبة والثَّوْري ومالك وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابن المبارك وأحمد وابن مَعِين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظٌ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة عن ثلاثِ وستين سنة، وكان يَحُجُّ كُلَّ سنة.
(قالا) أي: قال معاذُ بن معاذ العنبريُّ وعبدُ الرحمنِ بن مهدي: (حَدَّثَنَا شُعْبةُ) ابنُ الحَجَّاج بن الورد العتكي البصري كلما مَرَّ (عن خُبَيبِ) بضمِّ الخاء مصغّرًا (بنِ عبد الرحمنِ) بن خُبَيب بن يَسَاف -بفتح أوله وثانيه مُخَفّفًا- الأنصاري أبي الحارث المدني.
روى عن أبيه وعَمَّتِه أُنَيسَة ولها صحبةٌ، ويروي عنه (ع) وشُعْبَةُ وعبدُ الله وعبيدُ الله ابنا عُمر بن حفص بن عاصم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وليس في مسلمٍ من اسمه "خُبَيب" إلا هذا الثقة، وليس خُبَيب بالمعجمة في "الصحيحين" إِلا ثلاثة: هذا، وخُبَيب بن عَدِيّ، وأبو خُبَيب كُنْيَةُ عبد الله بن الزُّبير (١).
(عن حَفْصِ بنِ عاصِمِ) بن عُمر بن الخطَّاب العَدَوي المدني.
روى عن أبيه وأبي هريرة وعَمِّه عبد الله بن عُمر، ويروي عنه (ع) وبنوه: عُمر ورباح وعيسى، وخُبَيب بن عبد الرحمن، وثقه النسائيُّ وغيره.
стр. 180
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُل مَا سَمعَ".
[٨] وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
وقال في "التقريب، : ثقةٌ من الثالثة.
(قال) حفصُ بن عاصم -وهو تابعيُّ-: (قال رسولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا ... ) الحديث، ففي هذا السَّنَدِ إِرسالٌ؛ أي: إسقاطُ الصحابيِّ الذي روى الحديثَ وهو أبو هريرة ﵁، ولكنه موصولٌ بَوجْهٍ آخر، ورجالُه كُلُّهم ثِقاتٌ، كُلُّهم بصريون إلا خُبَيب بن عبد الرحمن وحفص بن عاصم فهما مدنيان.
أي: كفى المرء والشخص من جهة الكذب (أَنْ يُحَدِّثَ) ويَرْويَ (بكُلِّ ما سَمعَ") قبل أنْ يَتَثَبَّتَ فيه ويَسْتَيقِنَ.
ثم ذكرَ المؤلِّفُ لهذا الحديث طريقًا آخرَ موصولًا فقال:
[٨] (وحَدَّثنَا أبو بكرِ) عبدُ اللهِ بن محمد (بن أبي شَيبةَ) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن حَفْصٍ) المدائني أبو الحَسَن البغدادي.
روى عن حَرِيز بن عثمان وشُعْبة، ويروي عنه (م د ت س) وأبو خيثمة وأحمد. وَثَّقَه ابنُ المَدِيني وغيره.
وقال في "التقريب": صَدُوقٌ من التاسعة.
قال: (حَدَّثَنَا شُعْبهُّ) بن الحَجَّاج بن الورد العتكي الواسطيّ (عن خُبَيبِ بنِ عبد الرحمنِ) المدني (عن حَفْصِ بنِ عاصِمِ) بن عُمر المدني (عن أبي هُرَيرَةَ) ﵁ (عن النبيِّ ﷺ .
ومن لطيفة هذا السَّنَدِ: أَنَّ فيه روايةَ كوفي عن بغدادي عن كوفي عن المدنيين، وكِلا السَّنَدَينِ من السداسيات.