← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

محمدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ. ١٥٤ - (٧٩) (٢) حَدَّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، ــ ﵁ (محمَّد بن رافع) بن أبي زيد سابور القشيري مولاهم أبو محمَّد النَّيسَابُورِيّ ثِقَة عابد من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنيه أَيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكسي أبو محمَّد الحافظ ثِقَة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة تقوية السند، كلاهما (عن عبد الرَّزّاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبي بكر الصَّنْعانِيّ ثِقَة حافظ من التاسعة مات سنة إحدى عشرة ومائتين (٢١١) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا قال عبد الرَّزّاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأَزدِيّ الحداني مولاهم أبو عروة البَصْرِيّ نزيل اليمن ثِقَة ثبت من كبار السابعة مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمَّد بن مسلم (الزُّهْرِيّ) أبي بكر المدنِيُّ ثِقَة من الرابعة روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابا والإشارة في قوله (بهذا الإسناد) راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع أي عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ﵁ وقوله (مثله) مفعول ثان لقوله أخبرنا معمر والضمير فيه عائد إلى إبراهيم بن سعد أي أخبرنا معمر بن راشد عن الزُّهْرِيّ مثل ما روى إبراهيم عن ابن شهاب وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري أو كسي وغرضه بسوقه بيان متابعة معمر لإبراهيم بن سعد في رواية الحديث عن الزُّهْرِيّ، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بحديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (١٥٤) - ش (٧٩) (٢) (حَدَّثني أبوالرَّبيع) العتكي (الزهراني) سليمان بن داود البَصْرِيّ ثِقَة من العاشرة مات في رمضان سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا. قال أبوالرَّبيع (حَدَّثَنَا حماد بن زيد) بن درهم الأزرق الأَزدِيّ أبو إسماعيل

стр. 1157

حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشام (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا حَمادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوحِ اللَّيثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَال: "قُلْتُ: ــ البَصْرِيّ ثِقَة ثبت فقيه من كبار الثامنة مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا قال حماد (حَدَّثَنَا هشام بن عروة) بن الزُّبير بن العوام القُرشيّ الأسدي أبو المنذر المدنِيُّ ثِقَة حجة مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا خلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة البَزَّار بالراء آخره المقرئ أبو محمَّد البغدادي ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٢٧) سبع وعشرين ومائتين روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والنكاح كما تقدم في ترجمته وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف كيفية سماعه من شيخيه ولذلك قال في الأول حَدَّثني، وفي الثاني حَدَّثَنَا وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي لخلف بن هشام تورعًا من الكذب على أبي الرَّبيع لأنه إنما روى معنى الحديث الآتي لا لفظه، قال خلف بن هشام (حَدَّثَنَا حماد بن زيد عن هشام بن عروة) الأسدي المدنِيُّ (عن أَبيه) عروة بن الزُّبير بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدنِيُّ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ثِقَة فقيه تابعي مشهور من الثَّانية مات سنة (٩٤) أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي مراوح) بضم الميم وبالراء والحاء المهملة والواو المكسورة الغفاري ثم (الليثيّ) المدنِيُّ اسمه سعد، قيل له صحبة وإلا فتابعي بصري ثِقَة من الثالثة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّه ثِقَة وليس يوقف له على اسم واسمه كنيته قال إلَّا أن مسلم بن الحجاج ذكره في الطبقات, فقال: اسمه سعد وذكره في الكنى ولم يذكر اسمه ويقال في نسبه الغفاري، ويقال الليثيّ قال أبو علي الغساني هو الغفاري ثم الليثيّ اهـ نواوي روى عن أبي ذر ويروي عنه (خ م س ق) وسليمان بن يسار وزيد بن أسلم وجماعة وثقه العجلي وابن حبان له عندهم حديثان (عن أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ جندب بضم القال وفتحها مع ضم الجيم بن جنادة بضم الجيم بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الصحابي المشهور مات بالربذة سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب، وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان أو بصري وبغدادي (قال) أبو ذر (قلت:

стр. 1158

يَا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَال: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْجِهَادُ في سَبِيلِهِ قَال: قُمتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَال: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكثَرُهَا ثَمَنًا ــ يَا رسول الله؛ أيُّ الأعمال أفضل) أي أكثر أجرًا وأحبّ عند الله تعالى (قال) رسول الله ﷺ أفضلها (الإيمان بالله) تعالى وإفراده بالعبادة (والجهاد) أي المقاتلة مع الكفار (في سبيله) تعالى أي في طاعته وطلب مرضاته لإعلاء كلمة الله (قال) أبو ذر (قلت) له ﷺ ثانيًا (أي الرقاب) أي أيّ الأرقاء (أفضل) أي أكثر أجرًا في العتق (قال) رسول الله ﷺ أفضلها عتقًا (أنفسها) أي أرغبها وأحبها (عند أهلها) ومواليها لحسن خلقها ولحذاقتها وجمالها وجودة رأيها وعملها (وأكثرها) عند النَّاس (ثمنًا) أي قيمة لقوتها وشدتها ومعرفتها الصناعة. قال القرطبي: وأنفسها أغبطها وأرفعها، والمال النفيس هو المرغوب فيه قاله الأصمعيّ، وأصله من التنافس في الشيء الرفيع اهـ، قال النواوي: وأما قوله ﷺ في الرقاب "أفضلها أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا" فالمراد بها والله أعلم إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة أما إذا كان معه أَلْف درهم وأمكن أن يشتري بها رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة مثمنة فالرقبتان أفضل وهذا بخلاف الأضحية فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن، قال البَغَويّ من أصحابنا في التهذيب بعد أن ذكر هاتين المسألتين كما ذكرت: قال الشَّافعيّ رحمه الله تعالى في الأضحية: استكثار القيمة مع استقلال العدد أحب إليّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثار العدد مع استقلال القيمة أحب إلى من استكثار القيمة مع استقلال العدد لأن المقصود من الأضحية اللحم ولحم السمين أوفر وأطيب والمقصود من العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من ذل الرق فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد والله أعلم. وعبارة الأبي قوله "وأكثرها ثمنًا" هو من عطف التفسير وكانت أفضل لأنها ترجع لكثرة المتصدق به إذ الصدقة بدينار ليست كالصدقة بألف وأخذ اللخمي بظاهر الحديث فقال عتق الكافر الأكثر ثمنًا أفضل من عتق المسلم دونه ومقتضى الحديث لا فرق بين الذكر والأنثى، ومن شيوخنا من كان يرجح عتق الذكر لما يخشى من الفساد على الأنثى ولا يبعد أن يكون فك الأسير أفضل من العتق لأنه واجب وأيضًا فإن الاستخلاص من ذل الكفر آكد منه من ذل الرق اهـ.

стр. 1159

قَال: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَل؟ قَال: تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأخَرَقَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إن ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَال: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ الناسِ، فَإِنَّهَا ــ (قال) أبو ذر (قلت) يَا رسول الله (فإن لم أفعل) ذلك الإعتاق أي إن لم أقدر عليه ولا تيسر لي ذلك فماذا أفعل لأن المعلوم من أحوالهم أنَّهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلَّا إذا تعذر عليهم (قال) رسول الله ﷺ أفضلها أن (تعين) وتساعد (صانعًا) بالصاد المهملة والنون أي من يعرف الصناعة والحرفة في صناعته وحرفته لتنال ثواب التعاون على البر كأن تعين للخياط في خياطته وللزراع في زراعته وللكاتب في كتابته مثلًا (أو تصنع) وتعمل (لأخرق) أي لمن لا يعرف الصناعة طلبًا لمرضاة الله سبحانه في العمل لا بالأجرة كأن تكتب لمن لا يعرف الكتابة أو تخيط لمن لا يعرف الخياطة مثلًا، والأخرق هو الذي ليس بصانع يقال رجل أخرق وامرأة خرقاء لمن لا صنعة له. قوله (تعين صانعًا) والرواية المشهورة من جميع طرق مسلم في الحديث الآخر لهشام والزهري (ضايعًا) بالضاد المعجمة وبالياء التحتانية، لكن قال ابن المدينيّ والدارقطني إنه تصحيف من هشام ورواه عبد الغافر الفارسي "صانعًا" بالصاد المهملة والنون وهو الصواب لمقابلته لأخرق وهو الذي لا يحسن العمل يقال رجل أخرق وامرأة خرقاء وهو ضد الحاذق بالعمل فإن حذقا في الصنعة قيل رجل صنع بفتح الصاد والنون بلا أَلْف وامرأة صناع بالألف بعد النُّون قال أبو ذؤيب في الرَّجل: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع والمسرودة الدرع المثقوبة حلقها بالمسمار ليربط بعضها ببعض وقال آخر في المرأة: صناع بإشفاها حصان بشكرها ... جواد بقوت البطن والعرض وافر وفي رواية (جواد بزاد الركب) وفي رواية أَيضًا (والعرق زاجر) والإشفى للإسكاف وهو فعلى والجمع الأشافي والشكر بفتح الشين الفرج وبضمها الثناء بالمعروف (قال) أبو ذر (قلت: يَا رسول الله؛ أرأيت) أي أخبرني (إن ضعفت) وعجزت (عن بعض العمل) الذي يحتاج فيه الصانع إلى المساعدة له أو الأخرق إلى العمل له (قال) رسول الله ﷺ (تكف شرك) وضررك وإذايتك (عن) إيصاله إلى (النَّاس فإنَّها) أي

стр. 1160

صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ". ١٥٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّد بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ) أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، ــ فإن خصلة كف نفسك ومنعها عن إذاية النَّاس (صدقة منك على نفسك) أي يكتب لك به ثواب التصدق بالمال إن فعلته امتثالًا لنهي الشارع، قال القرطبي: وهذا دليل على أن الكف فعل للإنسان داخل تحت كسبه ويؤجر عليه ويعاقب على تركه خلافًا لبعض الأصوليين القائل إن الترك نفي محض لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب وهو قول باطل بما ذكرناه هنا، غير أن الثواب لا يحصل على الكف إلَّا مع النيات والقصود، وأما مع الغفلة والذهول فلا، كما ذكرناه آنفًا، والله أعلم، وهذا الحديث أعني حديث أبي ذر شارك المؤلف في روايته غيره، فإنَّه رواه أَحْمد (٥/ ١٥٠، ١٦٣، ١٧١) والبخاري (٢٥١٨) والنَّسائيّ (٦/ ١٩). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (١٥٥) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن رافع) القشيري مولاهم، أبو محمَّد النَّيسَابُورِيّ، ثِقَة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، أبو محمَّد الحافظ، ثِقَة، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) وأتى بقوله (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع: حَدَّثَنَا) لبيان اختلاف كيفية سماعهما، وتورعًا من الكذب على أحدهما، لو قال بها أخبرنا أو حَدَّثَنَا, لأن بينهما فرقًا في اصطلاح الإِمام مسلم أي قالا روى لنا (عبد الرَّزّاق) بن همام الحميري مولاهم الصَّنْعانِيّ، ثِقَة من التاسعة، مات سنة (٢١١) قال عبد الرَّزّاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأَزدِيّ مولاهم، أبو عروة البَصْرِيّ، ثِقَة من السابعة، مات سنة (١٥٤) (عن) محمَّد بن مسلم (الزُّهْرِيّ) أبي بكر المدنِيُّ، ثِقَة من الرابعة (عن حبيب) الأعور المدنِيُّ (مولى عروة بن الزبير) روى عن مولاه عروة بن الزُّبير في الإيمان, وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ويروي عنه (م د س) والزهري والضَّحَاك بن عثمان، وقال في التقريب: مقبول من الثالثة، مات في حدود الثلاثين ومائة (عن عروة بن الزُّبير) بن العوام الأسدي، أبي عبد الله المدنِيُّ ثِقَة فقيه

стр. 1161

عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ . بِنَحْوهِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: "فَتُعِينُ الصَّانِعَ أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ". ١٥٦ - (٨٠) (٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ــ مشهور من الثَّانية، مات سنة (٩٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا (عن أبي مُراوح) سعد الغفاري الليثيّ المدنِيُّ، تابعي ثِقَة من الثالثة (عن أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ، جندب بن جنادة، الصحابي الجليل، وهذا السند من ثمانياته رجاله خمسة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري أو كسِّي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة حبيب مولى عروة لهشام بن عروة في رواية هذا الحديث عن عروة بن الزُّبير وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه؛ لأن حبيبًا مولى عروة مقبول لا يصلح لتقوية هشام، ومن ألطف اللطائف في هذا السند أنَّه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهو الزُّهْرِيّ وحبيب وعروة وأبو مراوح فتابعيون معروفون، وأما حبيب مولى عروة فقد روى عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قال محمَّد بن سعد: مات حبيب مولى عروة هذا قديمًا في آخر دولة بني أمية فروايته عن أسماء مع هذا ظاهرها أنَّه أدركها وأدرك غيرها من الصَّحَابَة فيكون تابعيًّا والله أعلم اهـ نواوي. (عن النَّبِيّ ﷺ والجار والمجرور في قوله (بنحوه) متعلق بـ (ما) عمل في المتابع وهو حبيب والضمير فيه عائد إلى هشام بن عروة، والنحو هنا بمعنى المثل، بدليل الاستثناء المذكور بعده، والمعنى حَدَّثَنَا حبيب مولى عروة عن عروة بمثل ما حدث هشام عن عروة (غير أنَّه) أي إلَّا أن حبيبًا (قال) في روايته لهذا الحديث (فتُعِينَ الصانع، أو تصنع لأخرق) بإدخال أن الجنسية على الصانع، وبزيادة الفاء الرابطة جوازًا لجواب شرط محذوف على تُعِينَ، والتقدير فإن لم يتيسر لك فعل ذلك فتعين الصانع، والله أعلم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال: (١٥٦) - ش (٨٠) (٣) (حَدَّثَنَا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي، الإِمام الحافظ الكُوفيّ، ثِقَة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حَدَّثَنَا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون

стр. 1162

عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِيِّ، ــ المهملة وكسر الهاء، القُرشيّ، أبو الحسن الكُوفيّ، الحافظ قاضي الموصل، روى عن أبي إسحاق الشَّيبانِيّ سليمان بن فيروز والأعمش وأبي مالك الأَشجعيّ وهشام بن عروة والمختار بن فلفل وداود بن أبي هند وعبيد الله بن عمر وابن جريج وخلائق، ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة ومنجاب بن الحارث، وسويد بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن حُجْر وهَنَّاد بن السري وخالد بن مخلد وعِدة، وثقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان ثِقَة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثِقَة من الثامنة، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة في موضعين والصوم في موضعين والحج في أربعة مواضع والنكاح في موضعين والطلاق والهبة والجهاد في موضعين والدعاء والصيد والمعروف وآخر الكتاب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا. (عن) سليمان بن أبي سليمان واسم أبي سليمان فيروز ويقال خاقان أبي إسحاق (الشَّيبانِيّ) مولاهم الكُوفيّ، روى عن الوليد بن العيزار وزر بن حبيش وعبد الرَّحْمَن بن الأسود وعبد الله بن شداد ومحارب بن دثار وأبي بردة والشعبي ويسير بن عمرو وجبلة بن سحيم وعبد الله بن السائب وعبد العزيز بن رفيع وخلائق ويروي عنه (ع) وعلي بن مسهر وعباد بن العوام وشعبة وخالد بن عبد الله وعبد الله بن إدريس وأبو إسحاق الفزاري والسفيانان وأبو عوانة وخلائق، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثِقَة من الخامسة مات سنة (١٣٨) ثمان وثلاثين ومائة. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والجنائز في موضعين والزكاة والصوم في موضعين والحج والبيوع في موضعين والحدود والذبائح في موضعين والأيمان والأشربة والطب والأطعمة فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن الوليد بن العيزار) بفتح العين وإسكان التحتانية ثم زاي ابن حريث العبدي الكُوفيّ روى عن سعد بن إياس أبي عمرو الشَّيبانِيّ في الإيمان ويروي عنه (خ م ت س) وأبو إسحاق الشَّيبانِيّ وأبو يعفور وشعبة ومالك بن مغول وغيرهم وثقه أبو حاتم وابن معين، وقال في التقريب: ثِقَة من الخامسة ولم أر من أرخ موته (عن سعد بن إياس أبي عمرو الشَّيبانِيّ) الكُوفيّ نسبة إلى شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن

стр. 1163

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ قَال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَال: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا قَال: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَينِ قَال: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: ــ الصعب بن عليّ بن بكر بن وائل ويقال فيه البكري أدرك زمن النَّبِيّ ﷺ ولم يره، روى عن عبد الله بن مسعود وزيد بن أرقم وأبي مسعود الأَنْصَارِيّ وعلي في الإيمان والصلاة والجهاد ويروي عنه (ع) والوليد بن العيزار والحسن بن عبيد الله والحارث بن شبيل والأعمش ومنصور وسلمة بن كهيل، قال ابن معين: ثِقَة، وقال ابن سعد كان ثِقَة وله أحاديث، ووثقه العجلي، وقال في التقريب: ثِقَة مخضرم من الثَّانية مات سنة (٩٦) خمس أو ست وتسعين وهو ابن (١٢٠) مائة وعشرين سنة (عن عبد الله بن مسعود) بن الحارث الهذلي حليف بني زهرة أخي عتبة بن مسعود الكُوفيّ مات بالمدينة سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم وتقدم البسط في ترجمته، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون. (قال) ابن مسعود ﵁ (سألت رسول الله ﷺ : أي العمل) الصالح (أفضل) أي أكثر أجرًا عند الله تعالى (قال) رسول الله ﷺ أفضله (الصلاة لوقتها) أي أداء الصلوات الخمس في وقتها المحدد لها، فاللام هنا للتأقيت بمعنى عند أي فعل الصلاة عند دخول وقتها كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي عند دلوكها وزوالها أو غروبها، من دلكت الشَّمس، من باب دخل، إذا زالت أو غربت كما قال في الرواية الأخرى "الصلاة على مواقيتها" وقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق صحيح وقال "الصلاة لأول وقتها" وهو ظاهر في أن أوائل أوقات الصلوات أفضل، كما ذهب إليه الشَّافعيّ (قال) ابن مسعود (قلت) يَا رسول الله (ثم) بعد الصلاة (أي) العمل أفضل (قال) رسول الله ﷺ أفضله (بن الوالدين) أي "الإحسان إليهما، وهو القيام بحقوقهما والتزام طاعتهما، والرفق بهما والتذلل لهما ومراعاة الأدب بهما في حياتهما والترحم عليهما والاستغفار لهما بعد موتهما، وإيصال ما أمكنه من الخير والأجر لهما، ومن البر لهما الإحسان إلى صديقهما، لما جاء في الصحيح "إن من أبر البر أن يصل الرَّجل أهل ود أَبيه" (قال) عبد الله بن مسعود (قلت) يَا رسول الله (ثم) بعد بر الوالدين (أي) العمل أفضل (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1164

الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلا إِرْعَاءً عَلَيهِ. ١٥٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا محمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، ــ أفضله بعد بر الوالدين (الجهاد) والمقاتلة مع الكفار (في سبيل الله) وطاعته لإعلاء كلمته، لا لغرض آخر، قال ابن مسعود (فما تركت أستزيده) ﷺ أي ما تركت طلب الزيادة منه في تفصيل الأعمال الفاضلة (إلا إرعاء) وإبقاءَ (عليه) نشاطه، ورفقًا به، وتسهيلًا عليه، ورعاية لحرمته وهيبة منه، لئلا أُحرجه وأنتقص من حرمته، ولو زدته لزادني، قال ابن القطاع: الإرعاء الإبقاء على الإنسان، ففيه من الفقه احترام العالم والفاضل، ورعاية الأدب معه، وإن وثق بحلمه وصفحه والله أعلم اهـ. قرطبي. وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن مسعود شارك المؤلف في روايته البُخَارِيّ (٧٥٣٤) والتِّرمذيّ (١٨٩٩) والنسائي (١/ ٩٣ و ٩٤). قال النواوي: وفي هذا الحديث الحث على المحافظة على الصلاة في وقتها، ويمكن أن يؤخذ منه استحبابها في أول الوقت لكونه احتياطًا لها، ومبادرة إلى تحصيلها في وقتها، وفيه حسن المراجعة في السؤال، وفيه صبر المفتي والمعلم على من يُفتيه أو يعلمه، واحتمال كثرة مسائله وتقريراته، وفيه رفق المتعلم بالمعلم ومراعاة مصالحه، والشفقة عليه لقوله "فما تركت أستزيده إلَّا إرعاء عليه" وفيه جواز استعمال لو، لقوله "ولو استزدته لزادني" وفيه جواز إخبار الإنسان عما لم يقع، أنَّه لو كان كذا لوقع لقوله "ولو استزدته" إلخ اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال: (١٥٧) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد) بن يحيى (بن أبي عمر المكيّ) العدني أبو عبد الله، الحافظ نزيل مكة، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة، مات سنة (٢٤٣) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، قال ابن أبي عمر (حَدَّثَنَا مروان) بن معاوية بن الحارث (الفزاري) أبو عبد الله الكُوفيّ، نزيل مكة، الحافظ واسع الرواية جدًّا، ثِقَة ثبت من الثامنة، مات فجأة قبل يوم التروية بيوم سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى

стр. 1165

حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيزَارِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسعودٍ، قَال: "قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَيُّ الأعمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجنَّةِ؟ قَال: الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَينِ ــ عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (حَدَّثَنَا أبو يعفور) الأصغر، بالعين المهملة والفاء والراء، عبد الرَّحْمَن بن عبيد بن نسطاس بكسر النُّون وسكون السين المهملة المكررة بغير تنوين الثعلبي بمثلثة العامري البكالي، ويقال: البكاري الكُوفيّ ونسطاس غير مصروف للعلمية والعجمة، يُكنى أَبا صفية، روى عن الوليد بن العيزار في الأيمان، وأبي الضحى مسلم بن صبيح، وعن السائب بن يزيد النَّخَعيّ، ويروي عنه (ع) ومروان بن معاوية والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك ومحمَّد بن فضيل، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثِقَة من الخامسة. قال النواوي: وأبو يعفور هذا هو الأصغر، وقد ذكره مسلم أَيضًا في باب التطبيق في الركوع ولهم أبو يعفور الأكبر العبدي الكُوفيّ التابعي، واسمه واقد، وقيل: وقدان وقد ذكره مسلم أَيضًا في باب صلاة الوتر، وقال: اسمه واقد، ولقبه وقدان ولهم أَيضًا أبو يعفور الثالث اسمه عبد الكريم بن يعفور الجعفي البَصْرِيّ، يروي عنه قتيبة ويحيى وغيرهما، وآباء يعفور هؤلاء الثلاثة ثقات (عن الوليد بن العيزار) العبدي الكُوفيّ (عن أبي عمرو الشَّيبانِيّ) الكُوفيّ (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكُوفيّ، وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون، إلَّا محمَّد بن أبي عمر، فإنَّه مكّيّ عدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي يعفور لأبي إسحاق الشَّيبانِيّ، في رواية هذا الحديث عن الوليد بن العيزار، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وإنما كرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في أكثر الكلمات (قال) عبد الله بن مسعود (قلت: يَا نبي الله؛ أي الأعمال أقرب) أي أكثر تقريبًا لصاحبها (إلى الجنة) دار الكرامة (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا لعبد الله أقربها إلى الجنة (الصلاة) أي أداء الصلوات الخمس (على مواقيتها) أي في أوقاتها المحددة لها شرعًا، الآتي تفصيلها في كتاب الصلاة والمواقيت، جمع ميقات بمعنى الوقت، وعلى بمعنى في الظرفية، قال عبد الله بن مسعود (قلت) يَا رسول الله (وماذا) أي وما العمل الذي هو أقرب إلى الجنة بعد الصلاة (يَا نبي الله) والواو هنا بمعنى ثم بدليل الرواية السابقة (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له، أقربها إلى الجنة بعد الصلاة (بر الوالدين) أي الإحسان إليهما وإن

стр. 1166

قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَال: الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". ١٥٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيزَارِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيبَانِيَّ قَال: حَدَّثَني صَاحِبُ هذِهِ الدَّارِ (وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) ــ عليا، وطاعتهما في غير معصية الله تعالى، قال ابن مسعود (قلت: وماذا) أي ثم أي العمل أقرب إلى الجنة بعد بر الوالدين (يَا نبي الله قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له: أقرب العمل إلى الجنة بعد بر الوالدين (الجهاد) أي جهاد أعداء الله وقتالهم (في سبيل الله) تعالى، وطاعته لإعلاء كلمته ودينه، لا للغنيمة، ولا للوطنية والحمية، كما هو قتال أهل عصرنا، يَا لها مصيبة أي مصيبة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال: (١٥٨) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان (العنبري) أبو عمرو البَصْرِيّ، ثِقَة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأنه روى عن أَبيه في الإيمان وغيره، قال عبيد الله (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ بن نصر العنبري، أبوالمثنَّى البَصْرِيّ، قاضي البصرة، قال القطَّان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، قال في التقريب: ثِقَة متقن من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب، قال معاذ بن معاذ (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البَصْرِيّ، وهو أول من تكلم في رجال الحديث، ثِقَة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا، قريب إلى مائة موضع (عن الوليد بن العيزار) العبدي الكُوفيّ (أنَّه) أي أن الوليد بن العيزار (سمع أَبا عمرو) سعد بن إياس (الشَّيبانِيّ) الكُوفيّ حالة كون أبي عمرو قد (قال: حَدَّثني صاحب هذه الدار) (و) الحال أن أَبا عمرو قد (أشار إلى دار عبد الله) بن مسعود الهذلي الكُوفيّ، وفي بعض النسخ زيادة ابن مسعود، وداره كانت بالكوفة، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة كوفيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان

стр. 1167

قَال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَال: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: ثُمّ بِرُّ الْوَالِدَينِ قُلْتُ: ثُمّ أَيٌّ؟ قَال: ثُمَّ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله. قَال: حَدثني بِهِنَّ، وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي". ١٥٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ــ متابعة شعبة لأبي يعفور في رواية هذا الحديث، عن الوليد بن العيزار، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الراوية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، فلا اعتراض على المؤلف في تكرار الحديث متنًا وسندًا لأنه لغرض. (قال) عبد الله بن مسعود (سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال) الصالحة (أحب إلى الله) أي أكثر حبًّا ورضا عند الله تعالى وأكثر ثوابًا (قال) رسول الله ﷺ أحبها عند الله تعالى (الصلاة على وقتها) أي أداؤها في الوقت المحدد لها شرعًا، قال عبد الله بن مسعود (قلت) يَا رسول الله (ثم) بعد الصلاة (أيـ) ـها أحب عند الله تعالى (قال) رسول الله ﷺ (ثم) بعد الصلاة أحبها عند الله تعالى (بر الوالدين) أي الإحسان إليهما وخدمتهما بما استطاع قال عبد الله بن مسعود (قلت) يَا رسول الله (ثم) بعد بر الوالدين (أيـ) ـها أحب عند الله تعالى (قال) رسول الله ﷺ (ثم) بعد بر الوالدين أحبها عند الله تعالى (الجهاد) والمقاتلة للكفار (في سبيل الله) وطاعته طلبًا لمرضاته (قال) عبد الله بن مسعود (حَدَّثني) رسول الله ﷺ (بهن) أي بهذه الأعمال الفاضلة (ولو استزدته) أي ولو طلبت منه ﷺ الزيادة على هذه الأعمال التي بينها لي بسؤالي عنها (لزادني) عليها في البيان، ولكني تركته إرعاءً عليه وهيبة منه، وتحرزًا من كثرة السؤال عليه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا، في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال: (١٥٩) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن بشار) بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي، أبو إسحاق أو أبو بكر البَصْرِيّ، المعروف ببندار، ثِقَة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا.

стр. 1168

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهذا الإِسْنَادِ، مِثلَهُ. وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الله، وَمَا سَمَّاهُ لَنَا. ١٦٠ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ــ قال ابن بشار (حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهُذلي مولاهم، أبو عبد الله البَصْرِيّ المعروف بغندر، ثِقَة من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا قال ابن جعفر (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البَصْرِيّ، وقوله (بهذا الإسناد) جار ومجرور متعلق بقوله حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شعبة، من الإسناد السابق, لأنه شيخ المتابع، وقوله (مثله) مفعول ثانٍ لقوله حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر، والضمير في مثله عائد إلى معاذ بن معاذ المذكور في السند السابق؛ لأنه المتابع، والمعنى حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر عن شعبة عن الوليد عن الشَّيبانِيّ عن عبد الله بن مسعود، مثل ما حدث معاذ بن معاذ عن شعبة، وهذا السند أَيضًا من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة كوفيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة محمَّد بن جعفر لمعاذ بن معاذ في رواية هذا الحديث عن شعبة، وفائدتها بيان كثرة طرقه أَيضًا، ولم يكرر متن الحديث هنا؛ لأنه مثل حديث معاذ بن معاذ لفظًا ومعنىً، إلَّا ما استثنى بقوله (و) لكنه (زاد) محمَّد بن جعفر على معاذ بن معاذ بعد قوله (وأشار إلى دار عبد الله) لفظة (وما سماه لنا) أي قال الوليد بن العيزار، وأشار لنا الشَّيبانِيّ إلى دار عبد الله بن مسعود، والحال أن الشَّيبانِيّ ما سماه لنا، أي ما ذكر اسم عبد الله بن مسعود لنا فالزيادة لفظة (وما سماه لنا) وفي بعض النسخ إسقاط قوله (وأشار إلى دار عبد الله) من رواية معاذ بن معاذ، كما يدل عليه جعله بين هلالين، وعلى هذه النسخة فالزيادة جملة قوله "وأشار إلى دار عبد الله وما سماه لنا" برمته. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال: (١٦٠) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان) بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم أبو الحسن الكُوفيّ، ثِقَة حافظ شهير، من العاشرة، مات سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال عثمان بن أبي شيبة (حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبِّيّ،

стр. 1169

عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "أَفْضَلُ الأعمَالِ (أَو الْعَمَلِ) الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَينِ" ــ أبو عبد الله الكُوفيّ، ثِقَة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة النَّخَعيّ أبي عروة الكُوفيّ، روى عن أبي عمرو الشَّيبانِيّ سعد بن إياس وإبراهيم بن سويد وسعد بن عبيدة وإبراهيم بن يزيد النَّخَعيّ وزبير بن الحارث وإبراهيم بن يزيد التَّيميّ وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وجرير بن عبد الحميد وعبد الله بن إدريس وعبد الواحد بن زياد وشعبة والثوري وزائدة وغيرهم، قال في التقريب: ثِقَة فاضل من السادسة، مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والأدب والدعاء والصوم في موضعين والحج فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها سبعة أبواب تقريبًا (عن أبي عمرو الشَّيبانِيّ) سعد بن إياس الكُوفيّ (عن عبد الله) بن مسعود الكُوفيّ الهذلي، وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الحسن بن عبيد الله للوليد بن العيزار في رواية هذا الحديث عن الشَّيبانِيّ، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، وفي الاختصار (عن النَّبِيّ ﷺ قال: أفضل الأعمال) وأكثرها أجرًا عند الله تعالى (أو) قال الراوي أفضل (العمل) بالإفراد، والشك من بعض الرواة (الصلاة لوقتها) خبر المبتدأ أي أداء الصلاة المكتوبة وفعلها في وقتها المحدد لها (وبر الوالدين) أي الإحسان إليهما وإن عليًّا ولو كانا مشركين، ما لم يكونا حربيين أو مرتدين. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث أبي هريرة وذكره للاستدلال، وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أبي ذر وذكره للاستشهاد، وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عبد الله بن مسعود، وذكره للاستشهاد أَيضًا، وذكر فيه أربع متابعات، والله أعلم. ***

стр. 1170

٤٣ - (٢) بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ، وَقُبْحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ١٦١ - (٨١) (٤) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. وَقَال عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أبي وَائِلٍ، ــ ٤٣ - (٢) بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ، وَقُبْحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ أي هذا باب معقود في بيان كون الإشراك بالله تعالى أقبح الذنوب، وأشدها عقوبة وأمها وأساسها، كما أن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال الصالحة وأكثرها أجرًا، وأساسها ومبناها فالنسبة بينهما نسبة التضاد والتباين، فناسب إدخال هذه الترجمة في ترجمة كتاب الإيمان, فلا اعتراض على المؤلف بذكرها هنا؛ لأن بينهما نسبة التباين والتضاد، وفي بيان كون بعضها أقبح وأشد عقوبة من بعض، كما أن بعض الأعمال الصالحة أفضل وأكثر أجرًا من بعض. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة فقال: (١٦١) - س (٨١) (٤) (حَدَّثَنَا عثمان) بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم أبو الحسن الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة، مات سنة (٢٣٩) (و) حدثنا أَيضًا (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، وقال في التقريب: ثِقَة حافظ مجتهد، قرين أَحْمد بن حنبل من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال إسحاق: أخبرنا جرير، وقال عثمان: حَدَّثَنَا جرير) لبيان اختلاف كيفية سماعهما لأن بين أخبرنا وحدثنا فرقًا في اصطلاح الإِمام مسلم، وتورعًا من الكذب على أحدهما لو اقتصر على إحدى الصيغتين، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، أي روى لنا جرير بن عبد الحميد الكُوفيّ، أبو عبد الله الضَّبِّيّ، ثِقَة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي، أبي عتاب بمثلثة بعدها باء موحدة، الكُوفيّ، ثِقَة ثبت، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا. (عن أبي وائل) شَقِيق بن سلمة الأسدي الكُوفيّ، أحد سادة التابعين، ثِقَة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (١٠٠)، وتقدم البسط في

стр. 1171

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبدِ اللهِ قَال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَال: أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قَال: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذلِكَ ــ ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب (عن عمرو بن شرحبيل) بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء المهملة الهمداني، أبي ميسرة الكُوفيّ، أحد الفضلاء، روى عن عبد الله بن مسعود في الإيمان وعمر وعلي، ويروي عنه (خ م د ت س) وأبو وائل والقاسم بن مخيمرة، وقال في التقريب: ثِقَة مخضرم، مات سنة (٦٣) ثلاث وستين (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكُوفيّ، وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون إلَّا إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي (قال) عبد الله بن مسعود (سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم) أي أشد عقوبة (عند الله) قال الأبي: لا يقال السؤال عن أفضل الأعمال لما تقدم من التزامه، والحرص عليه، وأما أعظم الذنوب فترك السؤال عنه أفضل وأرجح، ليقع الكف عن الجميع، ويشهد لذلك حديث "إن الله أخفى ثلاثًا في ثلاث". (قلت) السؤال عنه ليكون التحرز منه أكثر (قال) رسول الله ﷺ أعظمها عقوبة عند الله تعالى (أن تجعل لله) شريكًا، وتعتقد أن له تعالى (ندًا) أي مثلًا (وهو) أي والحال أن الله (خلقك) وحده، وليس له شريك في خلقك وإيجادك، قال المازري: الند: المثل، وجمعه أنداد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال الأبي: بل هو أخص منه لأنه المثل المناوئ من ند إذا نفر وخالف (فإن قلت) يلزم أن يكون غير المناوئ غير منهي عنه, لأنه لا يلزم من النهي عن الأخص، النهي عن الأعم والمثل منهي عن اتخاذه، خالف أم لم يخالف. (قلت) هو كقوله تعالى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وفي قوله ﷺ "وهو خلقك" تقبيح للجعل وبيان للفرق. قال القرطبي: معناه أن اتخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر وأعظم العظائم اهـ. (قال) ابن مسعود (قلت له) ﷺ (إن ذلك) المذكور من جعل ندٍ له

стр. 1172

لَعَظِيمٌ. قَال: قُلْتُ: ثُمّ أَيٌّ؟ قَال: ثُمّ أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أن يَطعَمَ مَعَكَ ــ تعالى، وهو خلقك وحده (لعظيم) أي لأمر عظيم، وذنب كبير حقًّا، لا شك فيه, لأن فيه جحد نعمة الخلق والإيجاد (قال) عبد الله (قلت) له ﷺ (ثم) بعد ذلك الجعل المذكور (أيٌّ) أي أيُّ الذنب أعظم عند الله تعالى، وأشد عقوبة، والتنوين في أيٌّ عوض عن المضاف إليه المحذوف, لأنها معربة بالضمة الظاهرة، وثم هنا للترتيب في الإخبار والذكر، ولا يصح كونها للترتيب الزماني، إذ لا يتصور فيه، ولا للترتيب الرتبي لأن شرطه كون المعطوف أعظم كقوله: "يرى غمرات الموت ثم يزورها" وهو هنا بالعكس فهي هنا للترتيب في الإخبار فقط. (قال) رسول الله ﷺ (ثم) أعظم الذنب بعد الإشراك (أن تقتل ولدك مخافة) أي كراهة (أن يطعم) ويأكل (معك) مالك فيدخل عليك الفقر، وهو بمعنى قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي فقر، وفي الأخرى ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فالأولى نهي للأغنياء أن يقتلوا خوف الفقر الآتي، والثانية للفقراء أن يقتلوا تخفيفًا للعيال، والحديث جامع لمعنى الآيتين، والعرب إنما كانت تفعله في البنات، لتخفيف المؤونة، ولفرط الغيرة لما يعرض من فضيحة النساء، ويتحملون ذلك في الذكر لما يرجون فيه من حماية الجانب وتكثير العشيرة، بخلاف البنات، قال السهيلي: وما ذكر أنَّهم يفعلونه خشية الإملاق أصح، وهو الموءودة المذكورة في قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ وذكر الولد قيد في كون القتل أقبح لا في كونه كبيرة, لأنه ضد ما جبلت عليه الآباء من الرقة، فلا يقع إلَّا من جافي الطبع، لا سيما وقد قيل إنهم كانوا يدفنونه حيًّا. قال القرطبي قوله (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) هذا من أعظم الذنوب لأنه قتل نفس محرمة شرعًا، محبوبة طبعًا، مرحومة عادة، فإذا قتلها أبوها كان ذلك دليلًا على غلبة الجهل والبخل، وغلظ الطبع والقسوة، وأنه قد انتهى من ذلك كله إلى الغاية القصوى، وهذا نحو قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي فقر، وهذا خطاب لمن كان فقره حاصلًا في الحال، فيخفف عنه بقتل ولده، مؤنته من طعامه ولوازمه، وهذه الآية بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ سورة الإسراء، آية (٣١) فإنَّه خطاب لمن كان واجدًا لما ينفق عليه في الحال، غير أنَّه كان يقتله مخافة الفقر في ثاني حالٍ وكان بعض جفاة الأعراب وجهالهم ربما يفعلون ذلك، وقد قيل إن الأولاد في هاتين الآيتين هم البنات كانوا يدفنونهن أحياء أنفة وكبرًا ومخافة

стр. 1173

قَال: قُلْتُ: ثُمّ أَيٌّ؟ قَال: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ" ــ العيلة والمعرة وهي الموءودة التي ذكر الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ و ٩] والحاصل أن أهل الجاهلية كانوا يصنعون كل ذلك فنهى الله تعالى عن ذلك وعظم الإثم فيه والمعاقبة عليه وأخبر النَّبِيّ ﷺ أن ذلك من أعظم الكبائر. (قال) ابن مسعود (قلت) له ﷺ (ثم) بعد قتل الولد (أي) ذنب أعظم (قال) رسول الله ﷺ (ثم) أعظم الذنب بعد قتل الولد (أن تزاني حليلة جارك) أي أن تزني بمن يحل له وطؤها من حرة أو أمة فالمفاعلة ليست على بابها أو هي على بابها والمراد بزناها موافقتها له عليه ورضاها به، وذكر الحليلة خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له إذ لا فرق في قبح الزنا بالجارة بين كونها متزوجة أو عزبة وأما لفظ الجار فلم يخرج مخرج الغالب بل مخرج شدة قبح الزنا بها لأنه زنا وإبطال لحق الجار وفي حديث المقداد "لأن يزني أحد بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره" ولأن التمكن منه أقرب. اهـ سنوسي. وقال القاضي: خمس حليلة الجار, لأن الغالب أن الرَّجل إنما يزاني من قرب مكانه، وأمكن لقاؤه، ونبه بالحليلة على عظم حق الجار، وأنه يجب أن يغار على حليلة جاره من الفاحشة، مثل ما يغار على حليلة نفسه، وخص الثلاثة بالذكر، لاعتياد العرب لها في الجاهلية. وعبارة القرطبي بالحاء المهملة، هي التي يحل وطؤها بالنكاح أو بالتسري، سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل لكونها تحل معه، والجار: المجاور في المسكن، والداخل في جوار العهد (وتزاني) تحاول الزنا يقال: المرأة تزاني مزاناة وزنى، والزنا وإن كان من أكبر الكبائر والفواحش، لكنه بحليلة الجار أفحش وأقبح، لما ينضم إليه من خيانة وهتك ما عظم الله ورسوله، من حرمته وشدة قبح ذلك شرعًا وعادةً، فلقد كانت الجاهلية يستمدحون بصون حرام الجار، ويغضون دونهم الأبصار، كما قال عنترة: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتَّى يواري جارتي مأواها ومن معنى ما ذكر أن الزنا بالجارة أيسر، ما روي أن ابنة لبعض الكبراء زنت بعبدها أو عبد أبيها فقيل لها: أبالعبد وأنت في نسبك، وأنت كذا وكذا، فقالت: "قرب

стр. 1174

١٦٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عُثمَانُ بْنُ أبي شَيبَةَ وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَال: قَال عَبدُ الله: "قَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَال: ــ الوساد وطول السناد أفضى بي إلى الفساد" وتعني بالسناد طول الحديث، وقرب المكان. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ، رواه في التفسير، وفي التوحيد وفي الأدب، وفي الديات، وفي غيرها، وأبو داود، رواه في الطلاق، والتِّرمذيّ في التفسير والنَّسائيّ في الكبرى, في التفسير، وفي المحاربة اهـ من التحفة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال: (١٦٢) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكُوفيّ، ثِقَة من (١٠) مات سنة (٢٣٩) (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، ثِقَة من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) (جميعًا) أي كلاهما (عن جرير) بن عبد الحميد الكُوفيّ الضَّبِّيّ، ثِقَة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) (عن الأَعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكُوفيّ، ثِقَة من الخامسة، مات سنة (١٤٨) (عن أبي وائل) شَقِيق بن سلمة الأسدي الكُوفيّ ثِقَة مخضرم، مات وله (١٠٠) سنة في خلافة عمر بن عبد العزيز (عن عمرو بن شرحبيل) الهمداني الكُوفيّ، ثِقَة مخضرم، مات سنة (٦٣) (قال) عمرو (قال عبد الله) بن مسعود الهذلي الكُوفيّ، وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون أَيضًا، إلَّا إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأَعمش لمنصور بن المعتمر في رواية هذا الحديث عن أبي وائل، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولَى، في بعض الكلمات، ولأن ابن مسعود أضاف السؤال في الرواية الأولى إلى نفسه، وفي هذه الرواية إلى رجل مبهم، ولا يضر جهالته لأنه صحابي. (قال رجل) لم أر من ذكر اسمه، وجهالته لا تضر في السند, لأنه صحابي، والصحابة كلهم عدول، كما مر آنفًا، أي سأل رجل رسول الله ﷺ عن أكبر الذنوب فقال (يَا رسول الله؛ أي الذنب أكبر) أي أشد عقوبة (عند الله) تعالى (قال)

стр. 1175

أَنْ تَدْعُوَ لله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: أن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ". فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ ــ رسول الله ﷺ أكبر الذنوب وأشدها عقوبة (أن تدعو) وتجعل في دعوتك وعبادتك (لله) (ندًا) أي مثلًا وشريكًا في العبادة والدعاء (وهو) أي والحال أن الله (خلقك) وأوجدك من العدم وحده لا شريك له في إيجادك (قال) الرَّجل السائل (ثم) بعد الإشراك (أي) أي أيُّ الذنب أكبر (قال) رسول الله ﷺ أكبرها (أن تقتل ولدك) الذي هو أحب النَّاس إليك (مخافة) أي خشية (أن يطعم) بفتح الياء، أي أن يأكل (معك) مالك فيُدخل عليك الفقر (قال) الرَّجل السائل (ثم) بعد قتل الولد (أيٌّ) أي أيُّ الذنب أكبر (قال) رسول الله ﷺ أكبرها وأشدها عقوبة (أن تزاني) أي أن تزني بـ (حليلة جارك) أي زوجته برضاها وذلك يتضمن الزنا، وإفسادها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحًا، وأعظم جرمًا, لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه مع تمكنه منها، على وجه لا يتمكن غيره منه، كان في غاية من القبح. (فأنزل الله) (عز) أي اتصف بالكمالات (وجل) أي تنزه عن النقائص (تصديقها) أي تصديق فتوى الرسول ﷺ أي آية مصدقة لفتوى الرسول شاهدة لها قوله (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾) ولا يعبدون (﴿مَعَ اللَّهِ﴾) (﴿إِلَهًا آخَرَ﴾) أي معبودًا آخر غير الله ، والموصول في محل الرفع معطوف على الموصول في قوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ على كونه صفة لعباد الرَّحْمَن الواقع مبتدأ خبره قوله ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ إلخ، أي عباد الرَّحْمَن الذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) قَتْلَها لإيمانها أو أمانها لكونها معصومة حينئذ (﴿إلا بِالْحَقِّ﴾) أي إلَّا مُحِقِّين في قتلها كان قتلوها لقصاص أو حدٍّ ﴿وَ﴾ الذين (﴿لَا يَزْنُونَ﴾) أي لا يطئون فرجًا محرمًا (﴿وَمَنْ

стр. 1176

يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ــ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) المذكور من الإشراك والقتل والزنا (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾) أي عقوبة على ذلك وجملة الشرط معترضة بين المبتدأ والخبر المذكورين آنفًا. قال القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النَّبِيّ ﷺ وليس كذلك, لأن التِّرْمِذِيّ قد روى هذا الحديث، وقال فيه: وتلا النَّبِيّ ﷺ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، بدل فأنزل الله وظاهره أنَّه ﷺ قرأ بعد ذكره الحديث ما قد كان أنزل منها، على أن الآية تضمنت ما ذكره في حديثه. قال النواوي: أما أحكام هذا الحديث ففيه أن أكبر المعاصي الشِّرك، وهذا ظاهرٌ لا خفاء فيه، وأن القتل بغير حق يليه وكذلك قال أصحابنا أكبر الكبائر بعد الشِّرك القتل وكذا نص عليه الشَّافعيّ ﵁ في كتاب الشهادات من مختصر المزني وأما ما سواهما من الزنا واللواط وعقوق الوالدين والسحر وقذف المحصنات والفرار يوم الزحف وأكل الربا وغير ذلك من الكبائر فلها تفاصيل وأحكام تعرف بها مراتبها ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها وعلى هذا يقال في كل واحدة منها هي من أكبر الكبائر وإن جاء في موضع أنها أكبر الكبائر كان المراد من أكبر الكبائر كما مر في أفضل الأعمال والله أعلم اهـ. ***

стр. 1177

٤٤ - (٣) - بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا ــ ٤٤ - (٣) (بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا) أي هذا باب معقود في بيان بعض الكبائر وهي ضد الصغائر، وبيان أكبرها أي أشدها عقوبة وذكر هذا الباب وما بعده من الأبواب المتعلقة بالمعاصي في كتاب الإيمان استطرادي، والنسبة بينهما نسبة التضاد كما مر في الباب قبل هذا، واعلم أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر، فالكبائر: جمع كبيرة، قال ابن الصلاح: الكبيرة ما عظم من الذنوب بحيث يصح أن يقال عليه كبير عظيم، ولذلك أمارات ترتيب الحد والتوعد بالنار والاقتران بلعنة أو غضب أو بتسمية فاعلها فاسقًا وما عدا ذلك فهو صغيرة، قال عز الدين: ويعرف الفرق بينهما بأن تعرض مفسدة الذنب فإن نقصت عن مفسدة أقل الكبائر المنصوص عليها فهي صغيرة وإن ساوتها أو كانت أعظم فهي كبيرة فالشرك كبيرة بالنص، وتلطيخ الكعبة بالقذر وإلقاء المصحف فيه مساو لذلك، والزنا والقتل كبيرتان أَيضًا بالنص وحبس امرأة لمن يزني بها أو يقتلها لم ينص عليه ولكنه أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم المنصوص عليه، والفرار يوم الزحف كبيرة بالنص، والدلالة للكفار على عورات المسلمين، مع العلم بأنهم يسبون أموالهم، لم ينص عليه، ولكنه أعظم من الفرار، وكذلك لو كذب على مسلم كذبة يعلم أنَّه يقتل بها بخلاف كذبة يؤخذ بها منه ثمرة فهذه صغيرة اهـ. قال القاضي عياض: وألحق العلماء بالكبائر الإصرار على الصغائر، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار" يعني أن الكبيرة يمحوها الاستغفار، والصغيرة كبيرة مع الإصرار، قال النواوي: واختلف في حد الإصرار، فقال عز الدين: هو تكرار الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة المبالاة إشعار الكبيرة بذلك، أو فعل صغائر من أنواع مختلفة بحيث يشعر ذلك. قال النواوي: (واعلم) أنَّه لا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى ولكن بعضها أعظم من بعض وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة وإلى ما لا يكفره ذلك كما ثبت في الحديث الصحيح "ما لم يغش كبيرة" فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شك في حسن هذا, ولا يخرجها هذا

стр. 1178

١٦٣ - (٨٢) (٥) حدثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد بْنِ بُكَيرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، ــ عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى فإنَّها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها لكونها أقل قبحًا، ولكونها متيسرة التكفير والله أعلم. انتهى. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة فقال: (١٦٣) - س (٨٢) (٥) (حَدَّثني عمرو بن محمَّد بن بكير بن محمَّد النَّاقد) أبو عثمان البغدادي ثِقَة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب، قال عمرو بن محمَّد (حَدَّثَنَا إسماعيل) بن إبراهيم بن مِقسم الأسدي القُرشيّ مولاهم أبو بشر البَصْرِيّ المعروف بـ (ابن عليّة) اسم أمه، ثِقَة حافظ من الثامنة مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا (عن سعيد) بن إياس (الجُريري) بضم الجيم مصغرًا وبمهملتين من بني قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل أبي مسعود البَصْرِيّ روى عن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة وأبي نضرة وأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير وعبد الله بن شَقِيق وعبد الله بن بريدة وأبي الطفيل وأبي عثمان النهدي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسماعيل بن عليّة وبشر بن منصور ويزيد بن زريع وعبد الوارث وسالم بن نوح وعبد الله بن المبارك وعبد الأعلى بن عبد الأعلى والثوري وخلائق. قال العجلي: بصري ثِقَة، وقال ابن سعد: كان ثِقَة إلَّا أنَّه اختلط في آخر عمره، وقال في التقريب: ثِقَة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين مات سنة (١٤٤) أربع وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في خمسة مواضع والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في موضعين وصفة النَّبِيّ ﷺ والأطعمة والرحمة والدعاء والطب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة أبواب. (حدثنا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة) نفيع مصغرًا ابن الحارث الثَّقَفيّ وهو أول مولود ولد في الإِسلام بالبصرة أبو بحر البَصْرِيّ ويقال له أبو حاتم روى عن أَبيه وعلي، ويروي عنه (ع) وسعيد الجريري وخالد الحذاء وإسحاق بن سويد ومحمَّد بن سيرين ويحيى بن أبي إسحاق وغيرهم، قال العجلي: تابعي بصري ثِقَة، وقال في التقريب: ثِقَة، من الثَّانية، مات سنة (٩٦) ست وتسعين.

стр. 1179

عَنْ أَبِيهِ، قَال: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ (ثَلَاثًا) الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ــ روى عنه المؤلف في الإيمان والصوم والبيوع والديات والأحكام والفضائل والمدح وآخر الكتاب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا. (عن أَبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بفتحتين ابن عمرو الثَّقَفيّ البَصْرِيّ، سمي بذلك لأنه نزل عليها من حصن الطائف إلى النَّبِيّ ﷺ فكناه النَّبِيّ ﷺ بها, له مائة واثنان وثلاثون حديثًا يروي عنه أولاده عبد الرَّحْمَن في الإيمان وعبيد الله ومسلم وعبد العزيز وكبشة وأبو عثمان النهدي وربعي بن حراش والحسن وابن سيرين وغيرهم، وقال في التقريب: أسلم بالطائف وهو ابن ثمان عشرة سنة ثم نزل البصرة ومات بها سنة (٥٢) إحدى أو اثنتين وخمسين. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلَّا عمرًا فإنَّه بغدادي (قال) أبو بكرة (كنا) معاشر الصَّحَابَة (عند رسول الله ﷺ فقال) رسول الله ﷺ (ألا) حرف استفتاح وتنبيه (أنبئكم) أيها الأصحاب وأخبركم (بأكبر الكبائر) وأشدها عقوبة، وقوله (ثلاثًا) مفعول مطلق لِقال أي قال قولًا ثلاثًا أو مفعول به، أي قال ثلاث مرات، وجعله بين هلالين إشارة إلى أنَّه مدرج من كلام الراوي أدرجه لبيان عدد مرات قوله ﷺ أحدهما (الإشراك باللهِ) في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، قولًا كان أو فعلًا أو اعتقادًا جليًّا كان أو خفيًّا، قال القاضي عياض: معنى أكبر أشد عقوبة ولا خفاء بأن الشِّرك أكبرها، واختلفت الطرق فيما يلي الشِّرك، ففي هذا الطريق العقوق، وفي المتقدم القتل، وفي الآتي أكبر الكبائر شهادة الزور، ولا يدل ما جعل تاليه في طريق أنَّه لا أكبر منه بعد الشِّرك لمعارضة ما في الآخر. ووجه الجمع بينها، أنَّه إنما اختلف جوابه في ذلك, لأن جوابه كان بحسب ما الحاجة إلى بيانه حينئذ أمَسُّ، إما لكثرة ارتكابه أو خوف مواقعته، كما تقدم في تسمية أفضل الأعمال وجمع الطحاوي بأن قال: يُضم ما جعل ثاني الشِّرك في طريق إلى ما جُعل ثانيًا في الأخرى، ويجعلان في درجة واحدة من الإثم، وكذلك فيما جعل ثالثًا، وجمع بعضهم بأن قال القتل والزنا مقدمان على العقوق والغموس، فالطريق الذي جُعل العقوق فيها ثانيًا إنما هو لعدم حفظ الراوي، وإليه مال بعض من لقيناه، وليس بسديد, لأن

стр. 1180

وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ. وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَكِئًا ــ تحميل الراوي ما لم يرو وتغليطه فيما روى بابٌ لو فُتح دخل على الشريعة منه خَطْبٌ. (و) الثاني (عقوق الوالدين) وإن عليا، أي عصيانهما وقطع البر الواجب عنهما، وأصل العق الشق والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود عقيقة؛ لأنه يُشق حلقومها، قاله الهروي وغيره اهـ مفهم. وقال عز الدين: لم أقف فيه على ضابط أعتمده، فإنَّه لا تجب طاعتهما في كل شيء، وقد حرم على الولد أن يغزو إلَّا بإذنهما, لأنهما يتأذيان بما يصيبه من جرح أو قتل، وقال ابن الصلاح: العقوق هو فعل ما يتأذيان به تأذيًا غير هين مع كونه ليس من الواجبات، وقيل هو مخالفتهما فيما ليس بمعصية، وطاعتهما عند هذا القائل واجبة، فيما ليس بمعصية، وقد أوجب كثير طاعتهما في الشبهات، وإجازة بعضهم سفره للتجارة بغير إذنهما ليس بخلاف لما ذكرناه, لأنه كلام مطلق، وما ذكرناه تفسير له اهـ أبي. (و) الثالث (شهادة الزور) أي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت أكبر الكبائر لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال وتحليل ما حرم الله سبحانه، وتحريم ما حلل الله سبحانه، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشِّرك، قال الأبي: ليست شهادة الزور كذلك وإنما هي أن يشهد بما لم يعلم عمدًا، وإن طابقت الواقع، كمن شهد أن زيدًا قتل عمرًا، وهو لا يعلم أنَّه قتله، وقد كان قتله، فإن كان لشبهة فليست زورًا لقوله في كتاب الاستحقاق: وإن شهدوا بموته ثم قَدِمَ حيًّا، فإن ذكروا عذرًا كرؤيتهم إياه صريعًا في القتلى، وقد طعن فظنوا أنَّه مات فليست بزور، وإلا فهي زور، وظاهر كلام الباجي أن غير العامد شاهد زور, لأنه قال: ومن ثبت أنَّه شهد بزور، فإن كان نسيانًا أو غفلة فلا شيء عليه، وإن كثر منه رُدت شهادته، ولم يُحكم بفسقه. قال النووي: القتل أعظم منها، وظاهر الحديث حتَّى لو أتلف بها اليسير، وقال عز الدين إنما ذلك إذا أتلف بها خطيرًا، وقد يضبط بنصاب السرقة، فإن نقص عنه احتمل أن يكون كبيرة سدًا للباب، كما جُعل شرب نقطة من الخمر كبيرة اهـ. (أو) قال أبو بكرة أو من دونه (قول الزور) بدل قوله (شهادة الزور) والشك من بعض الرواة (وكان رسول الله ﷺ حين قال ألا أنبئكم وما بعده (متكئًا)

стр. 1181

فَجَلَسَ، فَمَا زَال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيتَهُ سَكَتَ". ١٦٤ - (٨٣) (٦) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (وَهُوَ: ابْنُ الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، ــ أي معتمدًا على نحو وسادة (فـ) ـلما بلغ قوله وشهادة الزور (جلس) وترك الاتكاء اهتمامًا بشأنها (فما زال) ﷺ (يكررها) أي يكرر شهادة الزور تعظيمًا لأمرها (حتَّى قلنا) معاشر الحاضرين، أي حتَّى قال بعضنا لبعض (ليته) ﷺ (سكت) أي صمت وانكف عن تكرارها، وإنما تمنوا سكوته شفقة على رسول الله ﷺ ، وكراهة لما يزعجه ويغضبه. وهذا الحديث أعني حديث أبي بكرة، شارك المؤلف في روايته أَحْمد والبخاري والتِّرمذيّ، رواه أَحْمد (٥/ ٣٦ و ٣٨) والبخاري (٢٦٥٤) والتِّرمذيّ (٢٣٠٢). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي بكرة، بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما فقال: (١٦٤) - ش (٨٣) (٦) (وحدثني يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثيّ) أبو زكريا البَصْرِيّ، وثقه النَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة، مات بالبصرة سنة (٢٤٨) ثمانٍ وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا، قال يحيى (حَدَّثَنَا خالد) بن الحارث بن سُليم بن عبيد الهُجيمي، أبو عثمان البَصْرِيّ، ثِقَة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٦) ست وثمانين ومائة، وولد له ستة عشر ابنًا، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا، وأتى بقوله (وهو ابن الحارث) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل زادها من عند نفسه، إيضاحًا للراوي؛ وتورعًا من الكذب على شيخه، كما مر مرارًا، قال خالد (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البَصْرِيّ، ثِقَة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا، قال شعبة (أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس بن مالك الأَنْصَارِيّ، أبو معاذ البَصْرِيّ، روى عن جده أنس في الإيمان والاستئذان، والمعروف والقدر في أربعة أبواب، ويروي عنه (ع) وشعبة والحمادان وهُشيم، وثقه ابن معين وأبو داود والنَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة من الرابعة (عن أنس) بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه

стр. 1182

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، في الْكَبَائِرِ قَال: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ". ١٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّد بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ــ وسلم، وتقدم البسط في ترجمته، وهذا السند من خماسياته، ومن ألطف لطائفه، أن رجاله كلهم بصريون إلَّا أن شعبة واسطيّ بصري، فلا يقدح هذا في كونهم بصريين، وهذا من الطرق المستحسنة كالسند الآتي، وقوله: حَدَّثَنَا خالد (وهو ابن الحارث) قال النووي: قد قدمنا بيان فائدة قوله (وهو ابن الحارث) وهو إنما سمع في الرواية خالد، ولخالد مشاركون فأراد تمييزه، ولا يجوز له أن يقول: حَدَّثَنَا خالد بن الحارث, لأنه يصير كاذبًا على المروي عنه، فإنَّه لم يقل إلَّا خالد، فعدل إلى لفظة: وهو ابن الحارث، لتحصل الفائدة بالتمييز، والسلامة من الكذب اهـ. (عن النَّبِيّ ﷺ في) بيان (الكبائر) جمع كبيرة، وهي ما ورد فيها حد مقدر، أو وعيد شديد، كما مر بيان الخلاف فيها (قال) النَّبِيّ ﷺ الكبائر هي (الشِّرك بالله) ، وهو اسم مصدر من أشرك الرباعي (وعقوق الوالدين) أي منع حقوقهما، من الإحسان والبر (وقتل النفس) المحرم قتلها. بإيمان أو أمان. بغير حق (وقول الزور) أي شهادته، بلا شك في هذا الحديث في قول الزور، وزاد في حديث أنس رضي الله تعالى عنه قتل النفس، على ما ذكره في حديث أبي بكرة، لأن الزيادة بحسب ما تدعو الحاجة إلى بيانه في ذلك الوقت، فلا معارضة بين الحديثين، وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ في مواضع، والتِّرمذيّ في مواضع، والنَّسائيّ في مواضع اهـ تحفة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال: (١٦٥) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمَّد بن الوليد بن عبد الحميد) القُرشيّ البُسري -بضم الموحدة وسكون المهملة- من ولدِ بُسر بن أرطأة العامري، أبو عبد الله البَصْرِيّ الملقب بحمدان، روى عن محمَّد بن جعفر في الإيمان والوضوء والزكاة والجهاد وغيرها ووكيع ومروان بن معاوية وعبد الوهَّاب الثَّقَفيّ وابن مهدي والقطان، ويروي عنه (خ م س ق) وابن أبي عاصم وابن ناجية وابن خزيمة وخلق، وثقه النَّسائيّ

стр. 1183

حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَال: "ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبَائِرَ (أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ) فَقَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ وَقَال: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَال: قَوْلُ الزُّورِ (أَوْ قَال شَهَادَةُ الزُّورِ)، قَال شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ــ والقزويني، وقال في التقريب: ثِقَة، من العاشرة، مات سنة (٢٥٠) خمسين ومائتين. قال محمَّد بن الوليد (حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البَصْرِيّ، ربيب شعبة، المعروف بغندر ثِقَة إلَّا أن فيه غفلة من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته، وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا. قال محمَّد بن جعفر (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج العتكي البَصْرِيّ، من السابعة (قال) شعبة (حَدَّثني عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس الأَنْصَارِيّ أبو معاذ البَصْرِيّ، ثِقَة من الرابعة (قال) عبيد الله (سمعت) جدي (أنس بن مالك) الأَنْصَارِيّ خادم رسول الله ﷺ أَبا حمزة البَصْرِيّ، وهذا السند أَيضًا من خماسياته رجاله كلهم بصريون، وهو من ألطف الأسانيد كما أشرنا إليه آنفًا وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة محمَّد بن جعفر لخالد بن الحارث في رواية هذا الحديث عن شعبة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات وفي ترتيبها وفي إدخال الشك فيه. (قال) أنس بن مالك (ذكر رسول الله ﷺ الكبائر) (أو) قال أنس (سئل) رسول الله ﷺ (عن الكبائر) والشك من عبيد الله أو ممن دونه (فقال) رسول الله ﷺ في الإخبار عنها أو في جواب السائل: الكبائر هي (الشِّرك بالله) علوًا كبيرًا، أي: الإشراكُ به شيئًا من المخلوق في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله (و) الثاني (قتل النفس) المحرم قتلها بغير حق مسلمًا كان أو ذميًا مباشرة أو تسببًا (و) الثالث (عقوق الوالدين) وإن عليا، أي منعهما حقوقهما (وقال) رسول الله ﷺ (ألا أنبئكم) وأخبركم (بأكبر الكبائر) أي بأشدها عقوبة (قال) النَّبِيّ ﷺ أكبر الكبائر هو (قول الزور) أي قول الكذب والعمل به، شهادة أو حكمًا به (أو قال) عبيد الله (شهادة الزور) أي الشهادة بالكذب قال محمَّد بن جعفر (قال) لنا (شعبة وأكبر ظني) أي أرجح علمي (أنَّه) أي أن الذي قال لي

стр. 1184

ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ" ــ عبيد الله بن أبي بكر (شهادة الزور) أي لفظة شهادة الزور، لا قول الزور، فقدم في هذه الرواية قتل النفس على عقوق الوالدين، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنان: الأول حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه فذكره للاستدلال به على الترجمة، والثاني حديث أنس رضي الله تعالى عنه ذكره استشهادًا، وذكر فيه متابعة واحدة. ***

стр. 1185

٤٥ - (٤) بَابُ: بَيَانِ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَالأمْرِ بِاجْتِنَابِهَا الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ١٦٦ - (٨٤) (٧) حدّثني هَارُونُ بْنُ سعيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهبٍ، قال: حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، ــ ٤٥ - (٤) بَابُ: بَيَانِ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَالأمْرِ بِاجْتِنَابِهَا الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ أي هذا بابٌ معقود في بيان الكبائر السبع الموبقات، أي المهلكات لمرتكبها، هلاكًا أبديًّا وفي بيان الأمر بالاجتناب والابتعاد عنها، الذي هو شعبة من شعب الإيمان, وهذا الحديث لم يترجم له أحد من الشراح، مع أنَّه ليس داخلًا في الترجمة السابقة, لأنه ليس فيه بيان أكبر الكبائر، بل هو موضوع في عدِّ الموبقات، وإن كانت داخلة في عموم الكبائر، فالأولى أن يترجم له ترجمة خاصة، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الترجمة فقال: (١٦٦) - س (٨٤) (٧) (حَدَّثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التَّمِيمِيّ السعدي مولاهم أبو جعفر (الأيلي) -بفتح الهمزة وسكون التحتانية- نزيل مصر، روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، وابن عيينة وأبي ضمرة أنس بن عياض وطائفة، ويروي عنه (م د س ق) وأبو حاتم ومحمَّد بن وضاح، وبقي بن مخلد، وعاصم بن رازح وجماعة، وثقه النَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة فاضل من العاشرة، مات سنة (٢٥٣) وله ثلاث وثمانون سنة (٨٣) قال هارون (حَدَّثَنَا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القُرشيّ مولاهم، أبو محمَّد المصري، ثِقَة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة (١٩٧) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (حَدَّثني سليمان بن بلال) التَّيميّ مولاهم، أبو أَيُّوب، أو أبو محمَّد المدنِيُّ، ثِقَة من الثامنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن ثور) بلفظ الحيوان المعروف (بن زيد) الديلي -بكسر المهملة بعدها تحتانية- مولاهم مولى بني الذيل بن بكر المدنِي، روى عن سالم أبي الغيث والزهري، وعكرمة ويروي عنه (ع) وسليمان بن بلال ومالك والدراوردي، وثقه ابن معين من الخامسة، مات سنة (١٣٥) خمس وثلاثين ومائة، وليس في مسلم من اسمه ثور إلَّا هذا، روى عنه المؤلف في

стр. 1186

عَنْ أَبِي الْغَيثِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ ــ خمسة أبواب: الإيمان والفضائل وصفة الحشر والفتن والزهد (عن أبي الغيث) سالم مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القُرشيّ العدوي المدنِيُّ، روى عن أبي هريرة في الإيمان والفضائل، ويروي عنه (ع) وثور بن زيد وصفوان بن سُليم، وثقه ابن معين والنَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة من الثالثة، ولم أرَ من أرخ موته (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، وواحد مصري، وواحد أيلي. (أن رسول الله ﷺ قال: اجتنبوا) وابتعدوا واحذروا الكبائر (السبع الموبقات) أي المهلكات لمرتكبها الذي لم يتب عنها، في العذاب الأخروي، وقوله اجتنبوا أبلغ من اتركوا في المعنى، والموبقات جمع موبقة اسم فاعل من أوبق الرباعي، والوابقة اسم فاعل من وبق يبق وبوقًا، إذا هلك، والموبق مفعل منه كالموعد، مفعل من الوعد، ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] , وفيه لغة ثانية وَبِق بكسر الباء، يَوْبَق بالفتح وبقًا، وفيه لغة ثالثة وَبِق يَبِق بالكسر فيهما، وأوبقه أهلكه. وسُميت هذه الكبائر موبقات لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من العذاب، ولا شك في أن الكبائر أكثر من هذه السبع، بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وفي غيره، ولذلك قال ابن عباس حين سُئل عن الكبائر؟ فقال هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وفي رواية عنه هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع. وعلى هذا فاقتصاره ﷺ على هذه السبع في هذا الحديث يُحمل على أنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أعلم بغيرها، أو على أن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إلى بيانها في ذلك الوقت، أو على أنها هي التي سُئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خص عددًا من الكبائر، والله أعلم اهـ من المفهم. قال الأبي: ولهذا لا يحتج بهذه السبع لإلغاء مفهوم العدد, لأن السبع إنما ذُكرت لإحدى الاحتمالات المذكورة آنفًا (قيل يَا رسول الله، وما هن؟ ) أي وما تلك السبع

стр. 1187

قَال: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ الله إلا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، ــ (قال) أحدها (الشِّرك) أي الإشراك (باللهِ) عنه علوًا كبيرًا (و) الثاني (السحر) أي عمله وسيأتي الكلام على حقيقته وعلمه إن شاء الله تعالى، قال النواوي: والجمهور على أن تعلمه وتعليمه كبيرة، وأجاز بعض أصحابنا تعلمه ليعرفه، ويرد على مدعيه، ويفرق بينه وبين الكرامة والمعجزة، وحمل الحديث على فعله (و) الثالث (قتل النفس التي حرم الله) قتلها بإيمان أو أمان (إلا بالحق) الذي وجب عليها كالحد والقصاص (و) الرابع (أكل مال اليتيم) أي الانتفاع به، وخص الأكل لأنه معظم أوجه الانتفاع بالمال، قال الأبي: كان الأكل منه كبيرة لعدم الناظر له، ولما يؤدي إليه من ضياعه، واليتيم في الأناسي: من فقد أباه وفي البهائم من فقد أمه، قال ابن عطية: بشرط الصغر فيهما، من اليتم وهو الانفراد لانفراده عن والده، والحديث نص في منع الأكل منه حتَّى الولي، وقال به قوم، وأجاز الأكثر للولي أن يأكل بالمعروف، لقوله تعالى ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وأجاب المانع بأنه أمر للولي أن يأكل من مال نفسه بالمعروف، ولا يُبذر خوف أن يحتاج فيمد يده إلى مال اليتيم، أو أنَّه أمر الولي أن يُقتر على اليتيم خوف أن يحتاج، أو أنَّه الأكل على طريق السلف، كما قال عمر ﵁ "أنزلت نفسي في مال الله منزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت" والمذهب أنَّه إن خدم المال وقام به أكل بقدر الحاجة غنيًّا كان أو فقيرًا، وقال ابن رشد: وأجاز بعض العلماء للفقير خاصة أن يكتسي بقدر الحاجة، وإن لم يخدم المال، وإنما يتفقده ويتشرف عليه، فإن كان فقيرًا أكل ما لا ثمن له كاللبن والفاكهة، واختلف في الغني فقيل كالفقير، وقيل لا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وأما خلط الولي طعام اليتيم بطعامه ليأكل معه، ففي العتبية: إن نال اليتيم من ذلك أكثر من حظه فلا بأس به وإلا لم يعجبني اهـ. (و) الخامس (أكل الربا) يعني كسبه والعمل به اقتناه أو صرفه في أكل أو غيره، وإنما خص الأكل لأنه معظم ما يكسب له المال، والربا حقيقة وعادة إنما يستعمل في ربا الفضل والنساء وفيهما جاء التشديد في الآي، والأحاديث وهما المراد في الحديث، وإطلاقه على كل حرام مجاز، فلا يُحمل الحديث عليه، إذ لا يصدق على كل حرام أنَّه كبيرة، وأما ربا الفضل فكأن يقرضه عشرة بشرط أن يرد عشرين، وربا النساء فكأن يؤخر

стр. 1188

وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ" ــ عشرة مؤجلة إلى سنة، إلى سنتين بشرط أن يقضيها بعشرين مثلًا كما هو مبسوط في محله. (و) السادس (التولي يوم الزحف) أي الإدبار والهرب يوم القتال، ووقت المقاتلة عن ضعف المسلمين، لا عن ما زاد عن الضعف، والزحف القتال وأصله المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، والبعير إذا أعيى فجر فرسنه -أي طرف خفه- وقد سُمي الجيش بالزحف لأنه يزحف فيه للازدحام، والتولي عن القتال إنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة، وإذا كان العدو ضِعفي المسلمين، أو أقل منهما، على ما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى، وقال ابن العربي: يوم الزحف هو ساعة القتال، وقال ابن منير: والزحف هو الإدراب في أرض العدو، أي الدخول فيها، فالتولي بعده وقبل القتال كبيرة عليه لا على الأول. (و) السابع (قذف المحصنات) وكذلك قذف المحصنين، فهو كقوله "من أعتق شِركًا له في عبد" والمحصنات بكسر الصاد وفتحها قراءتان سبعيتان، والمراد بالمحصنات هنا العفائف، فالإحصان هنا العفة عن الفواحش، وقد بُني الإحصان في الشرع على خمسة أمور: العفة والإِسلام والنكاح والتزويج. أي الوطء -والحرية أي رمي المحصنات بالزنا (الغافلات) عما رمين به من الفاحشة أي هن بريئات من ذلك لا خبر عندهن منه (المومنات) بالله لا الكافرات ولو كتابية. قال النواوي: وأما عده ﷺ التولي يوم الزحف من الكبائر فدليل صريح لمذهب العلماء كافة في كونه كبيرة، إلَّا ما حكي عن الحسن البَصْرِيّ رحمه الله تعالى أنَّه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية الكريمة في ذلك، إنما وردت في أهل بدر خاصة، والصواب ما قاله الجماهير: أنَّه عام باق، والله أعلم. وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة شارك المؤلف في روايته البُخَارِيّ (٢٧٦٦) وأبو داود (٢٨٧٤) والنَّسائيّ (٦/ ٢٥٧). ***

стр. 1189

٤٦ - (٥) بَابٌ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ ١٦٧ - (٨٥) (٨) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ــ ٤٦ - (٥) بَابٌ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ أي هذا باب معقود في بيان أن شتم الرَّجل والديه، أي تسببه في شتمهما من الكبائر، وهذا نوع من العقوق, لأنه يحصل منه ما يتأذى به الوالدان تأذيًا ليس بالهين، وإنما فصلناه عما قبله بالترجمة, لأنه ليس من الكبائر الصريحة, لأنه من باب التسبب إليها، وتحريمه من باب قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق، ونحو ذلك. (١٦٧) - س (٨٥) (٨) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثَّقَفيّ، أبو رجاء البغلاني ثِقَة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، عن تسعين (٩٠) سنة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب، قال قتيبة (حدثنا الليث) بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي مولاهم، أبو الحارث المصري، ثِقَة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا. (عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثيّ مولاهم، أبي عبد الله المدنِيُّ، ثِقَة مكثر من الخامسة، مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرَّحْمَن بن عوف الزُّهْرِيّ، أبي إسحاق أو أبي إبراهيم المدنِيُّ، قاضي المدينة، روى عن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عوف، ونافع بن جبير، ومحمَّد بن عمرو بن الحسن بن عليّ، وحفص بن عاصم، وأبي سلمة بن عبد الرَّحْمَن، والأعرج، وعامر بن سعد، والقاسم بن محمَّد، وعبد الله بن جعفر وغيرهم، ويروي عنه (ع) ويزيد بن الهاد، ويحيى الأَنْصَارِيّ وشعبة وابنه إبراهيم بن سعد، وأبو عوانة، والثوري وعبد الله بن جعفر المَخْرَميّ، ومسعر وزكرياء بن أبي زائدة، وابن عيينة، وقال في التقريب: وكان ثِقَة فاضلًا عابدًا من الخامسة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (٧٢)، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع، والفضائل في خمسة

стр. 1190

عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرّجُلِ وَالِدَيهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ قَال: نَعَمْ. يَسُبُّ أَبَا الرّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ" ــ مواضع، وصفة الجنة والوصايا والأحكام، وفي الجهاد في موضعين والأطعمة في موضعين والأمثال في موضعين، والفتن وذكر الأنبياء، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا (عن حميد بن عبد الرَّحْمَن) بن عوف الزُّهْرِيّ، أبي إبراهيم المدنِيُّ ثِقَة من الثَّانية، مات سنة (١٠٥) خمس ومائة على الصحيح، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن سهم السهمي القُرشيّ، أبي محمَّد المكيّ، الصحابي الجليل، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكّيّ، وواحد مصري، وواحد بغلاني. (أن رسول الله ﷺ قال من الكبائر) أي من أكبر الكبائر (شتم الرَّجل) وكذا المرأة أي سبه (والديه) وإن عليًّا، أي تسببه إلى شتم والديه، وإنما قلنا من أكبر الكبائر, لأن شتم المسلم الذي ليس بأب ولا أم كبيرة، فشتم الآباء والأمهات أكبر منه (قالوا) أي قال الأصحاب الحاضرون عنده ﷺ (يَا رسول الله وهل يشتم الرَّجل والديه) وهذا استفهام إنكار، واستبعادِ لوقوعِ ذلك من أحد من النَّاس، وهو دليل على ما كانوا عليه من المبالغة في بر الوالدين، ومن الملازمة لمكارم الأخلاق والآداب، وإلا فهو بعدهم كثير (قال) رسول الله ﷺ (نعم) حرف جواب في الإثبات قائم مقام الجواب، ولكن اجتمع هنا مع الجواب (يسب) أي يشتم هذا الولد (أَبا الرَّجل) الآخر، كأن يقول له: يَا ابن الكلب، يَا ابن الحمار (فيسب) ذلك الرَّجل الآخر (أباه) أي أَبا هذا الولد السابّ كأن يقول له: وأنت ابن الكلب وابن الحمار (ويسب) هذا الولد (أمه) أي أم الرَّجل الآخر (فيسب) ذلك الآخر (أمه) أي أم هذا الولد، وفي هذا دليل على أن سبب الشيء قد ينزله الشرع منزلة الشيء في المنع، فيكون حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرًا، ويمنع بيع ثياب الخز ممن يلبسها

стр. 1191

١٦٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ حَاتِمٍ، ــ وهي لا تحل له، وهو أحد القولين للمالكية وفيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾. والذريعة هي: الامتناع مما ليس ممنوعًا في نفسه مخافة الوقوع في محظور على ما بيناه في الأصول. اهـ مفهم. قال القاضي: جعل هذا من الكبائر لأنه سبب لشتمهما وشتمهما من العقوق، وقد تقدم أن عقوقهم من أكبر الكبائر ففيه أن فعل السبب كفعل المسبب. وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن عمرو بن العاص شارك المؤلف في روايته أَحْمد والبخاري وأبو داود والتِّرمذيّ رواه أَحْمد (٢/ ٢١٤)، والبخاري (٥٩٧٣)، وأبو داود (٥١٤١)، والتِّرمذيّ (١٩٠٣). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن عمروٍ رضي الله تعالى عنهما فقال: (١٦٨) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم، الحافظ الكُوفيّ، ثِقَة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (ومحمَّد بن المثنَّى) بن عبيد العنزي، أبو موسى البَصْرِيّ ثِقَة ثبت، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) محمَّد (بن بشار) العبدي أبو بكر البَصْرِيّ، ثِقَة، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وقوله (جميعًا) حال من الثلاثة أي حالة كون كل من الثلاثة مجتمعين في الرواية (عن محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم المدنِيُّ البَصْرِيّ أبي عبد الله، المعروف بغندر، ثِقَة، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابا تقريبًا (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبي بسطام البَصْرِيّ، ثِقَة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون المروزي ثم القطيعي بفتح القاف أو البغدادي أبو عبد الله المؤدب، صدوق، من العاشرة، مات

стр. 1192

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهذا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ ــ سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذا التحويل، بيان اختلاف صيغتي شيخيه واختلاف مشايخهما، قال محمَّد بن حاتم (حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد) بن فروخ التَّمِيمِيّ، أبو سعيد القطَّان البَصْرِيّ، ثِقَة متقن حافظ، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، قال يحيى (حَدَّثَنَا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثَّوريّ، أبو عبد الله الكُوفيّ، ثِقَة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من السابعة، مات سنة (١٦١) روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا. (كلاهما) أي كل من شعبة وسفيان (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرَّحْمَن بن عوف الزُّهْرِيّ، أبي إبراهيم المدنِيُّ، وقوله (بهذا الإسناد) جار ومجرور متعلق بحدثنا شعبة، وحدثنا سفيان، على سبيل التنازع، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المُتابَع، وقوله (مثله) مفعول ثانٍ لحدثنا شعبة وحدثنا سفيان على سبيل التنازع، والمعنى حَدَّثَنَا شعبة وحدثنا سفيان كلاهما عن سعد بن إبراهيم، بهذا الإسناد أي عن حميد بن عبد الرَّحْمَن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مثل ما حدث ابن الهاد عن سعد بن إبراهيم، وغرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة شعبة وسفيان لابن الهادِ، في رواية هذا الحديث عن سعد بن إبراهيم، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذان السندان من سداسياته، الأول منهما رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان مدنيان، وواحد مكّيّ، أو ثلاثة منهم بصريان وكوفي، والثاني منهما رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكّيّ، وواحد بصري وواحد كُوفِيّ وواحد بغدادي أو مروزي، والله أعلم. ***

стр. 1193

٤٧ - (٦) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ ١٦٩ - (٨٦) (٩) وحدّثنا محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حمَّادٍ، قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ حمّادٍ، ــ ٤٧ - (٦) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ أي هذا باب معقود في بيان أنَّه لا يدخل الجنة أصلًا من في قلبه كبر، أي ترفع عن الحق، واحتقار للنَّاس إن استحل ذلك أو لا يدخلها أولًا، حتَّى يُجازى عليه أو يدركه العفو إن لم يستحله، وهكذا ترجم عن الحديث الآتي القرطبي، وهو الأوفق لمنطوق الحديث، وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما: "باب لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر" وهذا أوفق أَيضًا، وترجم النواوي والقاضي، وأكثر المتون بقولهم: "باب تحريم الكبر وبيانه" وهذا لا يوافق منطوق الحديث. (١٦٩) - (٨٦) (٩) (وحدثنا محمَّد بن المثنَّى) العنزي البَصْرِيّ (ومحمَّد بن بشار) العبدي البَصْرِيّ (وإبراهيم بن دينار) البغدادي، أبو إسحاق التمار، روى عن يحيى بن حماد، وحجاج بن محمَّد وأبي قطن عمرو بن الهيثم وأبي عاصم، وروح بن عبادة، وعبيد الله بن موسى، وإسماعيل بن عليّة، وسفيان بن عيينة، ويروي عنه (م) وأبو زرعة ووثقه، وموسى بن هارون، وأبو يعلى، ثِقَة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والحج والأيمان والأشربة والبيوع في موضعين والعتق في سبعة أبواب، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وقوله (جميعًا) حال من الثلاثة، أي حالة كونهم مجتمعين في الرواية (عن يحيى بن حماد) بن أبي زياد الشَّيبانِيّ مولاهم، أبي بكر البَصْرِيّ، ختن أبي عوانة وراويته، روى عن شعبة وأبي عوانة وعبد العزيز بن المختار، وحماد بن سلمة، وهمام بن يحيى وغيرهم، ويروي عنه (خ م ت س ق) ومحمَّد بن المثنَّى، وبُندار وإبراهيم بن دينار وإسحاق الكوسج، وإسحاق الحنظلي وغيرهم، وقال ابن سعد: كان ثِقَة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثِقَة عابد من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٥) خمس عشرة ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والحوض في موضعين والأطعمة والبيوع في موضعين في أربعة أبواب. وأتى بجملة قوله (قال ابن المثنَّى حَدَّثني يحيى بن حماد) تورعًا من الكذب على

стр. 1194

أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغلِبَ، عَنْ فُضَيلٍ الْفُقَيمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، عَنْ ــ ابن المثنَّى, لأنه صرح بالسماع، ولم يرو بالعنعنة، قال يحيى بن حماد (أخبرنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البَصْرِيّ، ثِقَة من السابعة (عن أَبان بن تغلب) بفتح المثناة الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام، القارئ أبي سعيد الكُوفيّ، أحد الأئمة، روى عن فضيل بن عمرو الفقيمي، والأعمش في الإيمان, والحكم بن عتيبة في الصلاة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وشعبة وإدريس الأودي، وسفيان بن عيينة وآخرون، وثقه أَحْمد ويحيى وأبو حاتم، وقال في التقريب: مسلم فيه للتشيع، من السابعة، مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في بابين فقط الإيمان والصلاة (عن فضيل) بن عمرو (الفقيمي) بضم الفاء وفتح القاف مصغرًا، أبي النضر الكُوفيّ، روى عن إبراهيم النَّخَعيّ في الإيمان, وعائشة بنت طلحة في القدر، والشعبي في آخر الزهد، وغيرهم، ويروي عنه (م ت س ق) وأبان بن تغلب والعلاء بن المسيّب وعبيد المكتب، وثقه ابن معين، وقال العجلي كُوفِيّ ثِقَة، وقال في التقريب: ثِقَة من السادسة، مات سنة (١١٠) عشر ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة: الإيمان والقدر والزهد (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود أبي عمران (النَّخَعيّ) الفقيه الكُوفيّ، يرسل كثيرًا، وقيل: ابن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، روى عن علقمة بن قيس، وهمام بن الحارث، وعبيدة السلماني وعبد الرَّحْمَن بن يزيد، والأسود بن يزيد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومسروق وعباس بن ربيعة، ورأى عائشة وخلائق، ويروي عنه (ع) وفُضيل الفقيمي والأعمش والمغيرة ومنصور، وأبو معشر زياد بن كُليب، وواصل الأحدب، والحكم بن عتيبة، وعبد الله بن عون، والحسن بن عبيد الله، وخلائق، وكان لا يتكلم إلَّا إذا سُئل، وكان عَجبًا في الورع والخير، متوقيًا للشهرة رأسًا في العلم، وقال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير أثنى عليه العجلي والأعمش والشعبي، وقال في التقريب: ثِقَة إلَّا أنَّه يرسل كثيرًا، من الثَّانية، مات سنة (٩٦) ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها بعد موت الحجاج بأربعة أشهر، وكان مولده سنة خمسين (٥٠) روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع، والصوم والزكاة في موضعين، والحج في ثلاثة مواضع، والنكاح والديات والأيمان وانشقاق القمر والتفسير، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن

стр. 1195

عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَةٍ مِنْ كِبْرٍ ــ علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي البكري، أبي شبل الكوفي، روى عن عبد الله بن مسعود، وعائشة، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي الدرداء، وعثمان بن عفان، وعلي، وحذيفة، وطائفة، ويروي عنه (ع) وإبراهيم النخعي، والشعبي، وإبراهيم بن سويد، وعبد الرحمن بن يزيد، وسلمة بن كهيل. قال إبراهيم: كان يقرأ في خمس، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، قال ابن سعد: مات سنة (٦٢) اثنتين وستين، وقال أبو نعيم: سنة (٦١) إحدى وستين، قيل عن تسعين سنة (٩٠) ولم يولد له قط، وكان راهب أهل الكوفة عبادةً وفضلًا وعلمًا وفهمًا، وكان من أشبههم بعبد الله بن مسعود زهدًا وسمتًا وهديًا، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع، والحج في أربعة أبواب (عن عبد الله بن مسعود) بن غافل الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي أحد السابقين الأولين إلى الإسلام مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وتقدم البسط في ترجمته، وهذا السند من ثمانياته رجاله ثلاثة منهم بصريون، وخمسة كوفيون، إلا إبراهيم بن دينار فإنه بغدادي (عن النبي ﷺ قال لا يدخل الجنة) أصلًا، أو حتى يُجازى، إن لم يُدركه العفو (من كان في قلبه) وصدره (مثقال ذرة) أي وزن نملة صغيرة (من كبر) أي تكبر عن الحق، أو ترفع على الناس، أي لا يدخلها أصلًا، إن استحله لكفره به أو لا يدخلها ابتداءً حتى يُجازى عليه، إن لم يدركه العفو، إن لم يستحله، لأنه عاصٍ بكبيرة. قال القرطبي: الكبر وكذا الكبرياء هو لغة العظمة، يقال فيه: كَبُرَ الشيء بضم الباء أي عَظُم فهو كبير وكبار، فإذا أفرط قيل كبار بالتشديد، وعلى هذا فيكون الكبر والعظمة لمسمى واحد، وقد جاء في الحديث ما يُشعر بالفرق بينهما، وذلك أن الله تعالى قال: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قصمته" رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقد فرق بينهما بأن عبَّر عن أحدهما بالإزار وعن الآخر بالرداء، وهما مختلفان، ويدل على ذلك أيضًا قوله: "فمن نازعني واحدًا منهما" إذ لو كانا واحدًا لقال: فمن نازعنيه، فالصحيح إذن الفرق،
следующие страницы →