Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
١٦٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ حَاتِمٍ،
ــ
وهي لا تحل له، وهو أحد القولين للمالكية وفيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾.
والذريعة هي: الامتناع مما ليس ممنوعًا في نفسه مخافة الوقوع في محظور على ما بيناه في الأصول. اهـ مفهم.
قال القاضي: جعل هذا من الكبائر لأنه سبب لشتمهما وشتمهما من العقوق، وقد تقدم أن عقوقهم من أكبر الكبائر ففيه أن فعل السبب كفعل المسبب.
وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن عمرو بن العاص شارك المؤلف في روايته أَحْمد والبخاري وأبو داود والتِّرمذيّ رواه أَحْمد (٢/ ٢١٤)، والبخاري (٥٩٧٣)، وأبو داود (٥١٤١)، والتِّرمذيّ (١٩٠٣).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن عمروٍ رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٦٨) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم، الحافظ الكُوفيّ، ثِقَة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (ومحمَّد بن المثنَّى) بن عبيد العنزي، أبو موسى البَصْرِيّ ثِقَة ثبت، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) محمَّد (بن بشار) العبدي أبو بكر البَصْرِيّ، ثِقَة، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وقوله (جميعًا) حال من الثلاثة أي حالة كون كل من الثلاثة مجتمعين في الرواية (عن محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم المدنِيُّ البَصْرِيّ أبي عبد الله، المعروف بغندر، ثِقَة، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابا تقريبًا (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبي بسطام البَصْرِيّ، ثِقَة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون المروزي ثم القطيعي بفتح القاف أو البغدادي أبو عبد الله المؤدب، صدوق، من العاشرة، مات
стр. 1192
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهذا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذا التحويل، بيان اختلاف صيغتي شيخيه واختلاف مشايخهما، قال محمَّد بن حاتم (حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد) بن فروخ التَّمِيمِيّ، أبو سعيد القطَّان البَصْرِيّ، ثِقَة متقن حافظ، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، قال يحيى (حَدَّثَنَا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثَّوريّ، أبو عبد الله الكُوفيّ، ثِقَة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من السابعة، مات سنة (١٦١) روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا.
(كلاهما) أي كل من شعبة وسفيان (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرَّحْمَن بن عوف الزُّهْرِيّ، أبي إبراهيم المدنِيُّ، وقوله (بهذا الإسناد) جار ومجرور متعلق بحدثنا شعبة، وحدثنا سفيان، على سبيل التنازع، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المُتابَع، وقوله (مثله) مفعول ثانٍ لحدثنا شعبة وحدثنا سفيان على سبيل التنازع، والمعنى حَدَّثَنَا شعبة وحدثنا سفيان كلاهما عن سعد بن إبراهيم، بهذا الإسناد أي عن حميد بن عبد الرَّحْمَن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مثل ما حدث ابن الهاد عن سعد بن إبراهيم، وغرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة شعبة وسفيان لابن الهادِ، في رواية هذا الحديث عن سعد بن إبراهيم، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذان السندان من سداسياته، الأول منهما رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان مدنيان، وواحد مكّيّ، أو ثلاثة منهم بصريان وكوفي، والثاني منهما رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكّيّ، وواحد بصري وواحد كُوفِيّ وواحد بغدادي أو مروزي، والله أعلم.
***
стр. 1193
٤٧ - (٦) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ
١٦٩ - (٨٦) (٩) وحدّثنا محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حمَّادٍ، قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ حمّادٍ،
ــ
٤٧ - (٦) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ
أي هذا باب معقود في بيان أنَّه لا يدخل الجنة أصلًا من في قلبه كبر، أي ترفع عن الحق، واحتقار للنَّاس إن استحل ذلك أو لا يدخلها أولًا، حتَّى يُجازى عليه أو يدركه العفو إن لم يستحله، وهكذا ترجم عن الحديث الآتي القرطبي، وهو الأوفق لمنطوق الحديث، وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما: "باب لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر" وهذا أوفق أَيضًا، وترجم النواوي والقاضي، وأكثر المتون بقولهم: "باب تحريم الكبر وبيانه" وهذا لا يوافق منطوق الحديث.
(١٦٩) - (٨٦) (٩) (وحدثنا محمَّد بن المثنَّى) العنزي البَصْرِيّ (ومحمَّد بن بشار) العبدي البَصْرِيّ (وإبراهيم بن دينار) البغدادي، أبو إسحاق التمار، روى عن يحيى بن حماد، وحجاج بن محمَّد وأبي قطن عمرو بن الهيثم وأبي عاصم، وروح بن عبادة، وعبيد الله بن موسى، وإسماعيل بن عليّة، وسفيان بن عيينة، ويروي عنه (م) وأبو زرعة ووثقه، وموسى بن هارون، وأبو يعلى، ثِقَة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والحج والأيمان والأشربة والبيوع في موضعين والعتق في سبعة أبواب، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وقوله (جميعًا) حال من الثلاثة، أي حالة كونهم مجتمعين في الرواية (عن يحيى بن حماد) بن أبي زياد الشَّيبانِيّ مولاهم، أبي بكر البَصْرِيّ، ختن أبي عوانة وراويته، روى عن شعبة وأبي عوانة وعبد العزيز بن المختار، وحماد بن سلمة، وهمام بن يحيى وغيرهم، ويروي عنه (خ م ت س ق) ومحمَّد بن المثنَّى، وبُندار وإبراهيم بن دينار وإسحاق الكوسج، وإسحاق الحنظلي وغيرهم، وقال ابن سعد: كان ثِقَة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثِقَة عابد من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٥) خمس عشرة ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والحوض في موضعين والأطعمة والبيوع في موضعين في أربعة أبواب.
وأتى بجملة قوله (قال ابن المثنَّى حَدَّثني يحيى بن حماد) تورعًا من الكذب على
стр. 1194
أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغلِبَ، عَنْ فُضَيلٍ الْفُقَيمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، عَنْ
ــ
ابن المثنَّى, لأنه صرح بالسماع، ولم يرو بالعنعنة، قال يحيى بن حماد (أخبرنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البَصْرِيّ، ثِقَة من السابعة (عن أَبان بن تغلب) بفتح المثناة الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام، القارئ أبي سعيد الكُوفيّ، أحد الأئمة، روى عن فضيل بن عمرو الفقيمي، والأعمش في الإيمان, والحكم بن عتيبة في الصلاة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وشعبة وإدريس الأودي، وسفيان بن عيينة وآخرون، وثقه أَحْمد ويحيى وأبو حاتم، وقال في التقريب: مسلم فيه للتشيع، من السابعة، مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في بابين فقط الإيمان والصلاة (عن فضيل) بن عمرو (الفقيمي) بضم الفاء وفتح القاف مصغرًا، أبي النضر الكُوفيّ، روى عن إبراهيم النَّخَعيّ في الإيمان, وعائشة بنت طلحة في القدر، والشعبي في آخر الزهد، وغيرهم، ويروي عنه (م ت س ق) وأبان بن تغلب والعلاء بن المسيّب وعبيد المكتب، وثقه ابن معين، وقال العجلي كُوفِيّ ثِقَة، وقال في التقريب: ثِقَة من السادسة، مات سنة (١١٠) عشر ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة: الإيمان والقدر والزهد (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود أبي عمران (النَّخَعيّ) الفقيه الكُوفيّ، يرسل كثيرًا، وقيل: ابن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، روى عن علقمة بن قيس، وهمام بن الحارث، وعبيدة السلماني وعبد الرَّحْمَن بن يزيد، والأسود بن يزيد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومسروق وعباس بن ربيعة، ورأى عائشة وخلائق، ويروي عنه (ع) وفُضيل الفقيمي والأعمش والمغيرة ومنصور، وأبو معشر زياد بن كُليب، وواصل الأحدب، والحكم بن عتيبة، وعبد الله بن عون، والحسن بن عبيد الله، وخلائق، وكان لا يتكلم إلَّا إذا سُئل، وكان عَجبًا في الورع والخير، متوقيًا للشهرة رأسًا في العلم، وقال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير أثنى عليه العجلي والأعمش والشعبي، وقال في التقريب: ثِقَة إلَّا أنَّه يرسل كثيرًا، من الثَّانية، مات سنة (٩٦) ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها بعد موت الحجاج بأربعة أشهر، وكان مولده سنة خمسين (٥٠) روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع، والصوم والزكاة في موضعين، والحج في ثلاثة مواضع، والنكاح والديات والأيمان وانشقاق القمر والتفسير، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن
стр. 1195
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَةٍ مِنْ كِبْرٍ
ــ
علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي البكري، أبي شبل الكوفي، روى عن عبد الله بن مسعود، وعائشة، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي الدرداء، وعثمان بن عفان، وعلي، وحذيفة، وطائفة، ويروي عنه (ع) وإبراهيم النخعي، والشعبي، وإبراهيم بن سويد، وعبد الرحمن بن يزيد، وسلمة بن كهيل. قال إبراهيم: كان يقرأ في خمس، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، قال ابن سعد: مات سنة (٦٢) اثنتين وستين، وقال أبو نعيم: سنة (٦١) إحدى وستين، قيل عن تسعين سنة (٩٠) ولم يولد له قط، وكان راهب أهل الكوفة عبادةً وفضلًا وعلمًا وفهمًا، وكان من أشبههم بعبد الله بن مسعود زهدًا وسمتًا وهديًا، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع، والحج في أربعة أبواب (عن عبد الله بن مسعود) بن غافل الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي أحد السابقين الأولين إلى الإسلام مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وتقدم البسط في ترجمته، وهذا السند من ثمانياته رجاله ثلاثة منهم بصريون، وخمسة كوفيون، إلا إبراهيم بن دينار فإنه بغدادي (عن النبي ﷺ قال لا يدخل الجنة) أصلًا، أو حتى يُجازى، إن لم يُدركه العفو (من كان في قلبه) وصدره (مثقال ذرة) أي وزن نملة صغيرة (من كبر) أي تكبر عن الحق، أو ترفع على الناس، أي لا يدخلها أصلًا، إن استحله لكفره به أو لا يدخلها ابتداءً حتى يُجازى عليه، إن لم يدركه العفو، إن لم يستحله، لأنه عاصٍ بكبيرة.
قال القرطبي: الكبر وكذا الكبرياء هو لغة العظمة، يقال فيه: كَبُرَ الشيء بضم الباء أي عَظُم فهو كبير وكبار، فإذا أفرط قيل كبار بالتشديد، وعلى هذا فيكون الكبر والعظمة لمسمى واحد، وقد جاء في الحديث ما يُشعر بالفرق بينهما، وذلك أن الله تعالى قال: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قصمته" رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقد فرق بينهما بأن عبَّر عن أحدهما بالإزار وعن الآخر بالرداء، وهما مختلفان، ويدل على ذلك أيضًا قوله: "فمن نازعني واحدًا منهما" إذ لو كانا واحدًا لقال: فمن نازعنيه، فالصحيح إذن الفرق،
стр. 1196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووجهه أن جهة الكبرياء يستدعي متكبَّرًا عليه، ولذلك لما فسر الكبر قال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" وهو احتقارهم، فذكر المتكبَّر عليه وهو الحق أو الخلق، والعظمة لا تقتضي ذلك، فالمتكبر يُلاحظ ترفع نفسه على غيره بسبب مزية كمالها فيما يراه، والمُعظم يُلاحظ كمال نفسه من غير ترفع لها على غيره، وهذا التعظيم هو المعبر عنه بالعجب في حقنا إذا انضاف إليه نسيان منة الله تعالى علينا، فيما خصنا به من ذلك الكمال، وإذا تقرر هذا فالكبرياء والعظمة من أوصاف كمال الله ، واجبان له إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها بحيث لا يجوز عليه العدم، ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له بخلاف كمالنا، فإنه مستفاد من الله تعالى ويجوز عليه العدم، وطروء النقيض والنقص، وإذا كان هذا فالتكبر والتعاظم خَرَقٌ منا، ومستحيل في حقنا، ولذلك حرمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر، لأن من لاحظ كمال نفسه، ناسيًا منة الله تعالى فيما خصه به، كان جاهلًا بنفسه وبربه، مغترًا بما لا أصل له، وهي صفة إبليس الحاملة له على قوله ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، وصفة فرعون الحاملة له على قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] ولا أقبح مما صار إليه فلا جرم كان فرعون وإبليس أشد أهل النار عذابًا، نعوذ بالله من الكبر والكفر، وأما من لاحظ من نفسه كمالًا، وكان ذاكرًا فيه منة الله تعالى عليه به، وأن ذلك من تفضله تعالى ولطفه، فليس من الكبر المذموم في شيء، ولا من التعاظم المذموم، بل هو اعتراف بالنعمة، وشكر على المنة، والتحقيق في هذا أن الخلق كلهم قوالب وأشباح، تجري عليهم أحكام القدرة فمن خصه الله تعالى بكمال، فذاك الكمال يرجع للمكمل الجاعل، لا للقالب القابل، ومع ذلك فقد كمَّل الله الكمال بالجزاء والثناء عليه، كما قد نقّص النقص بالذم والعقوبة عليه، فهو المعطي والمثني، والمُبلي والمعافي، كيف لا وقد قال العلي الأعلى "أنا الله خالق الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وقدرته عليه، والويل لمن خلقته للشر وقدرته عليه"، فلا حيلة تعمل مع قهر ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ولما تقرر أن الكبر يستدعي متكبَّرًا عليه والمتكبر عليه، إن كان هو الله تعالى أو رسوله ﷺ أر الحق الذي جاءت به رسله، فذلك الكبر كفر، وإن كان
стр. 1197
قَال رَجُلٌ: إِن الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَال: إِن اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَق وَغَمْطُ النَّاسِ"
ــ
غير ذلك، فذلك الكبر معصية وكبيرة، يخاف على المتلبس بها المصر عليها، أن تفضي به إلى الكفر، فلا يدخل الجنة أبدًا، فإن سلم من ذلك، ونفذ عليه الوعيد، عوقب بالإذلال والصغار، أو بما شاء الله من عذاب النار، حتى لا يبقى في قلبه من ذلك الكبر مثقال ذرة، وخلص ممن خبث كبره، حتى يصير كالذرة، فحينئذ يتداركه الله تعالى برحمته، ويخلصه بإيمانه وبركته، وقد نص على هذا المعنى النبي ﷺ في المحبوسين على الصراط، لما قال "حتى إذا هذبوا ونقوا أُذن لهم في دخول الجنة" رواه أحمد والبخاري انتهى.
(قال رجل) من الحاضرين، قال القاضي: هو مالك بن مرارة الرهاوي، قال النواوي: "مُرارة" بضم الميم، والرهاوي بفتح الراء، ونسبه بعضهم إلى رُها بضمها حيٌّ من مذحج، وذكر الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك ابن بشكوال في اسم الرجل السائل، أقوالًا كثيرة: قيل هو عبد الله بن عمرو بن العاص، ذكره معمر في جامعه، وقيل: خريم بن فاتك، وقيل: معاذ بن جبل، هذا ما ذكره ابن بشكوال (إن الرجل) منا (يحب أن يكون ثوبه) ولباسه (حسنًا) أي جميلًا نظيفًا فاخرًا (و) أن يكون (نعله) وخفه (حسنة) أي فاخرة جميلة، قال الأبي: هذه المحبة وإن كانت بالطبع، فهي بعد ورود هذا الحديث شريعة، فيستحب العمل بجيمع ما تضمنه، لأن ما يحبه الشرع مطلوب، وتوهم الرجل بأن ذلك من الكبر، فأجيب بأنه ليس منه (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا للرجل السائل، ليس الكبر المذموم كما زعمت من التجمل في اللباس والنعال، فإن ذلك محبوب عند الله تعالى فـ (إن الله) (جميل) أي منزه عن كل النقائص (يحب) ويرضى لعباده (الجمال) أي التجمل والتزين في اللباس والثياب في صلواتهم وفي مساجدهم، إنما (الكبر) المذموم عند الله تعالى الذي يمنع صاحبه من دخول الجنة أصلًا، أو ابتداءًا هو (بطر الحق) أي دفعه وإنكاره، وعدم قبوله، ترفعًا عنه وتجبرًا، والحق كل معروف في الشرع (وغمط الناس) أي إهانة الناس واحتقارهم، وعدم المبالاة بهم، يقال في الفعل منه غمطه يغمطه، من باب ضرب، وغمطه من باب علم.
قوله (إن الله جميل يحب الجمال) الجمال لغة هو الحسن، يقال: جَمُل الرجل
стр. 1198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يجمل بالضم فيهما جمالًا فهو جميل، والمرأة جميلة، ويقال فيها جملاء، قاله الكسائي.
قال القرطبي: وهذا الحديث يدل على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في معناه فقيل: معناه معنى الجليل قاله القشيري، وقيل: معناه ذو النور والبهجة، أي مالكهما قاله الخطابي، وقيل جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم، فهو يحب التجمل منكم، في قلة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفي، وقال: الجميل المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال، الآمر بالتجمل له بنظافة الثياب والأبدان والنزاهة عن الرذائل والطغيان اهـ.
قال القاضي: لا يُسمى الله تعالى إلا بما تواتر وانعقد عليه الإجماع، واختلف هل يُسمى بما ورد من طريق الآحاد واحتج المانع بأن التسمية ترجع إلى اعتقاد ما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه، والمطلوب في ذلك القطع، والآحاد لا تفيده، واحتج المُجيز بأن الدعاء بالاسم والذكر به عمل، والعمل يكفي في طريقه الظن، والصواب الجواز لما احتج به المجيز، ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال الأبي: الذكر بالاسم والدعاء به فرع اعتقاد معناه، والمطلوب فيه القطع فالصواب المنع اهـ.
قال القاضي: واختلف في تسميته تعالى، ووصفه بصفة كمال لم يرد فيها إذن ولا منع فأجيز ومنع، قال الأبي: قال المقترح القول بالمنع مدخول لأن المنع حكم شرعي، والفرض أنه لم يرد فيه شيء، قلت: والجواز أيضًا حكم شرعي فالصواب الوقف، وهو مذهب الإمام واتفقوا أنه لا يجوز القياس في أسمائه تعالى.
قال القاضي: وصحت التسمية بـ (جميل) في هذا الحديث، ووردت أيضًا في حديث تعيين الأسماء من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.
قلت: حديث إنها تسعة وتسعون دون تعيين، اتفق عليه الصحيحان، وحديث تعيينها ذكره الترمذي، وقال فيه إنه حسن، ولم يذكر فيه جميلًا، واختلف في معناه كما مر آنفًا نقلًا عن القرطبي، قال المازري: هو من أسماء التنزيه، لأن الجميل منا هو الحسن الصورة، وحسنها يستلزم السلامة من النقص، ويحتمل أنه بمعنى مُجمِّل أي مُحسِّن.
стр. 1199
١٧٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ وَسُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ
ــ
وقوله (بطر الحق) أي إبطاله وإنكاره، من قولهم ذهب دمه بطرًا أي باطلًا، وقال الزجاج: هو التكبر عن الحق فلا يقبله، وقال الأصمعي: البطر الحيرة أي يتحير عند الحق فلا يراه حقًّا وغمط الناس احتقارهم واستصغارهم، لما يرى من رفعته عليهم، وهو بالغين المعجمة والطاء المهملة، ويُروى "غمص" بالصاد المهملة في كتاب الترمذي، ومعناهما واحد، يقال: غمط الناس وغمصهم إذا احتقرهم، وقال القاضي: رواية الصاد لم تقع في الصحيحين، وهي في الترمذي وأبي داود.
والمثقال: مفعال من الثقل، ومثقال الشيء وزنه، يقال هذا على مثقال هذا أي على وزنه وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن مسعود، شارك المؤلف في روايته أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، رواه أحمد (١/ ٣٩٩ و ٤٥١) وأبو داود (٤٠٩١) والترمذي (١٩٩٩) وابن ماجه (٥٩).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٧٠) - متا (. . .) (. . .) (حدثنا مِنْجَاب) بكسر أوله وسكون ثانيه ثم جيم ثم موحدة (بن الحارث) بن عبد الرحمن (التميمي) أبو محمد الكوفي، روى عن علي بن مسهر في الإيمان والفضائل والآيات وغيرها، وعن القاسم بن معن، وبشر بن عمارة، وحاتم بن إسماعيل، وأبي الأحوص، وشريك، وابن المبارك، وجماعة، ويروي عنه (م) وأبو حاتم، والذهلي، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين، وليس عندهم من اسمه منجاب إلا هذا.
(وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الأنباري، نسبة إلى الأنبار بلدة على الفرات أبو محمد صدوق مدلس من قدماء العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، وله مائة سنة (١٠٠)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، لأن الثاني لا يصلح لتأكيد الأول (كلاهما) أي كل من منجاب وسويد رويا (عن علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر
стр. 1200
قَال مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا ابْن مُسْهِرٍ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ،
ــ
الهاء، القرشي أبي الحسن الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
وأتى بجملة قوله (قال منجاب أخبرنا ابن مسهر) تورعًا من الكذب على منجاب لأنه صرح بالسماع، ولم يرو بالعنعنة، ولم يذكر اسم شيخه بل نسبه (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ قارئ ورع مدلس، من الخامسة، مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة عن (٨٤) سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي، أبي عمران الكوفي ثقة من الثانية، مات سنة (٩٦) (عن علقمة) بن قيس النخعي، أبي شبل الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي، أبي عبد الرحمن الكوفي.
وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون إلا سويد بن سعيد، فإنه هروي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعمش لفضيل الفقيمي في رواية هذا الحديث عن إبراهيم النخعي، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في أكثر الكلمات وترتيبها.
(قال) عبد الله بن مسعود (قال رسول الله ﷺ : لا يدخل النار) أي لا يخلد في النار (أحد في قلبه مثقال حبة) أي وزن حبة (خردل) حب معروف من الأبازير (من ايمان) تمييز لمثقال مجرور بمن البيانية.
والمراد بالإيمان في هذا الحديث، التصديق القلبي المذكور في حديث جبريل ﵇، ويستفاد منه أن التصديق القلبي على مراتب، ويزيد وينقص على ما سيأتي في حديث الشفاعة إن شاء الله تعالى.
وهذه النار المذكورة هنا هي النار المعدة للكفار التي لا يخرج منها من دخلها، لأنه قد جاء في أحاديث الشفاعة الآتية: أن خلقًا كثيرًا ممن في قلبه ذرات كثيرة من الإيمان، يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة من أرحم الراحمين، على ما يأتي، والجمع بين ما هنا من نفي دخول النار، وما هناك من إثبات دخولها أن النار
стр. 1201
وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ".
١٧١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ،
ــ
دركات كما قال تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وأهلها في العذاب على مراتب ودركات كما قال تعالى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وأن نار من يعذب من الموحدين أخفها عذابًا، وأقربها خروجًا، فمن أدخل النار من الموحدين، لم يدخل نار الكفار، بل نارًا أخرى يموتون فيها ثم يخرجون منها، كما جاء في الأحاديث الصحيحة الآتية بعد هذا إن شاء الله تعالى اهـ من المفهم.
(ولا يدخل الجنة أحد في قلبه) واعتقاده (مثقال حبة خردل من كبرياء) تمييز ذات لمثقال مجرور بمن البيانية، وقد تقدم لك أن الكبر والكبرياء بمعنى واحد، وهو الترفع عن قبول الحق، واحتقار الناس، كما مر في الحديث، أي لا يدخل الجنة أصلًا إن استحل ذلك، أو ابتداءً إن لم يستحل، ولم يدركه العفو كما مر، والمراد بذكر المثقال التمثيل بأقل درجات الإيمان، وهو مجرد التصديق، وأقل درجات الكبر بأقل مثاقيل الوزن والله أعلم.
وفي القاموس: والخردل حب شجر مُسخِّن ملطف جاذب قالع للبلغم ملين هاضم نافع طِلاؤه للنقرس والنسا والبرص، ودخانه يطرد الحيات، وماؤه يسكن وجع الآذان تقطيرًا، ومسحوقه على الضرس الوجِع غاية، والخردل الفارسيُّ نبات بمصر يُعرف بحشيشة السلطان اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٧١) - متا (. . .) (. . .) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، المعروف ببندار، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال ابن بشار (حدثنا) سليمان بن داود بن الجارود (أبو داود) الطيالسي القرشي مولاهم، مولى الزبير بن العوام البصري، أصله فارسيّ وأمه مولاة لهذيل أحد الأعلام الحفاظ، روى عن شعبة، وهشام بن أبي عبد الله، وحبيب بن يزيد، ومعروف بن خربوذ، وسليمان بن معاذ، وأبي عوانة، وحرب بن شداد، وأبان بن يزيد، وغيرهم، ويروي عنه (م عم) ومحمد بن بشار، ومحمد بن
стр. 1202
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"
ــ
المثنى، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن منصور، وأحمد بن عثمان النوفلي، وهارون بن عبد الله، وأحمد بن عبدة، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وحجاج بن الشاعر وغيرهم، وروي أنه حدث من حفظه أربعين ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة حافظ، غلط في أحاديث، من التاسعة، مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين، والزكاة، والصوم، والحج في موضعين، والطلاق، والحدود، والمناقب، والجهاد، والصيد والفضائل، والغيرة، والفتن، والزهد، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو داود (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البصري، ثقة من السابعة (عن أبان بن تغلب) القارئ أبي سعيد الكوفي، ثقة من السابعة (عن فضيل) بن عمرو الفقيمي، أبي النضر الكوفي، ثقة من السادسة (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة من الثالثة (عن علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت من الثانية (عن عبد الله) بن مسعود الكوفي، وهذا السند من ثمانياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وخمسة كوفيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي داود ليحيى بن حماد في رواية هذا الحديث عن شعبة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالنقص عنها، ولو ذكر هذه المتابعة بعد السند الأول لكان أوضح وأنسب والله أعلم.
(عن النبي ﷺ قال لا يدخل الجنة) أصلًا أو ابتداءً (من كان في قلبه مثقال ذرة) أي وزن نملة صغيرة (من كبر) أي من تكبر وترفع عن قبول الحق، وقد تقدم ما فيه من الكلام آنفًا فراجعه، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث ابن مسعود، وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
стр. 1203
٤٨ - (٧) بَابُ: مَنْ مَاتَ مُؤمِنًا لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعَالى شَيئًا. . دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا. . دَخَلَ النَّارَ، وَبَيَان الْمُوجِبَتَينِ
١٧٢ - (٨٧) (١٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. (قَال وَكِيعٌ:
ــ
٤٨ - (٧) بَابُ: مَنْ مَاتَ مُؤمِنًا لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعَالى شَيئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا دَخَلَ النَّارَ، وَبَيَان الْمُوجِبَتَينِ
أي هذا باب معقود في بيان أن من مات موحدًا مؤمنًا بالله تعالى، وبما جاءت به رسله، حالة كونه لا يشرك بالله، في ألوهيته وربوبيته وعبادته شيئًا من المخلوق، جمادًا أو حيوانًا حيًّا أو ميتًا، ملكًا أو مرسلًا دخل الجنة أولًا مع الفائزين، إن لم يرتكب الكبائر أو تاب عنها، أو أدركه العفو أو بعد المجازاة، إن لم يكن كذلك، وبيان أن من مات مشركًا دخل النار، وإن أكثر من الصالحات، وبيان أن موجبة الجنة الإيمان، وأن موجبة النار الإشراك.
(١٧٢) - س (٨٧) (١٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) بضم النون مُصغرًا الهمداني بسكون الميم، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي من خارف همدان، أبو هشام الكوفي، ثقة حافظ من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) تسع وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابا تقريبًا (ووكيع) بن الجراح بن مليح، بوزن فصيح الرؤاسي، بضم الراء أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ من الخامسة، مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابا تقريبًا (عن شقيق) بن سلمة الأسدي، أبي وائل الكوفي مخضرم، أحد سادة التابعين، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة (١٠٠) سنة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم كوفيون، وأتى المؤلف ﵀ بقوله (قال وكيع:
стр. 1204
قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَال ابْنُ نُمَيرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ
ــ
قال رسول الله ﷺ المحتمل للإرسال وبقوله (وقال ابن نمير: سمعت رسول الله ﷺ الدال على الاتصال لكثرة احتياطه وشدة إتقانه وحفظه، فبين أن أحد الراويين وهو: ابن نمير قال: سمعت رسول الله ﷺ ، ولا إشكال في اتصاله، وقال الآخر وهو وكيع: قال رسول الله ﷺ ، فقال الأكثر: هو متصل، وقيل: مرسل، ثم الأكثر أن مرسل الصحابي حجة، بخلاف مرسل غيره، وهذا الحديث مرسل ومتصل، وفي الاحتجاج بهذا النوع خلاف، والصحيح صحته تغليبًا للاتصال، وقيل: الحكم للإرسال، وقيل: للأكثر رواة، وقيل: للأحفظ منهم اهـ سنوسي.
وقد ترك القاضي والمازري الكلام عن حديث وكيع الحديث الأول في الباب، إما لخلو النسخة الأم منه أو للإرسال الواقع فيه، فإنه وإن كان الأكثر على أن مرسل الصحابي حجة، بخلاف مرسل غيره، فإن في الاحتجاج بهذا النوع خلافًا اهـ إكمال المعلم.
قال النووي: هذا وما أشبهه من الدقائق التي ينبه عليها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، دلائل قاطعة على شدة تحريه، وإتقانه وضبطه وعرفانه، وغزارة علمه وحذقه، وبراعته في الغوص على المعاني، ودقائق علم الإسناد، وغير ذلك، والدقيقة في هذا أن ابن نمير، قال رواية عن ابن مسعود سمعت رسول الله ﷺ ، وهذا متصل لا شك فيه، وقال وكيع رواية عنه قال رسول الله ﷺ ، وهذا مما اختلف العلماء فيه، هل يُحمل على الاتصال، أم على الانقطاع.
فالجمهور أنه يُحمل على الاتصال كسمعتُ، وذهبت طائفة إلى أنه لا يُحمل على الاتصال إلا بدليل عليه، فإذا قيل بهذا المذهب كان مرسل صحابي، وفي الاحتجاج به خلاف، فالجماهير قالوا يُحتج به، وإن لم يُحتج بمرسل غيرهم، وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه لا يُحتج به، فعلى هذا يكون الحديث قد رُوي متصلًا ومرسلًا، وفي الاحتجاج بما رُوي مرسلًا ومتصلًا خلاف معروف، قيل: الحكم للمرسل، وقيل: للأحفظ رواية، وقيل: للأكثر، والصحيح أنه
стр. 1205
يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ". وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ
ــ
تُقدَّمُ رواية الوصل، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وذكر اللفظين، لهذه الفائدة، ولئلا يكون راويًا بالمعنى، فقد أجمعوا على أن الرواية باللفظ أولى، والله أعلم اهـ.
حالة كون الرسول ﷺ (يقول من مات) حالة كونه (يشرك بالله شيئًا) من المخلوق أو شيئًا من الإشراك جليًّا أو خفيًّا (دخل النار) الأخروية، دخولًا مؤبدًا خالدًا مخلدًا فيها، إن كان شركًا جليًّا، أو دخولًا مؤقتًا إن كان خفيًّا، قال ابن مسعود (وقلت أنا) بمفهوم المخالفة والضمير المنفصل مؤكد للضمير المتصل (ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) قال القاضي عياض: يريد أنه لم يسمعه، وإنما قاله لأنه دليل القرآن، ومفهوم قوله "من مات مشركًا دخل النار" وأخذ بعضهم منه القول بدليل الخطاب، وهو أَخْذُ من لم يعرف دليل الخطاب، فإن دليل الخطاب إنما يفيد أنه لا يدخل النار، وابن مسعود لم يقل إنه يدخل الجنة من دليل الخطاب، بل من جهة أنه ليس ثم إلا جنة أو نار، فإذا انتفت إحداهما وجبت الأخرى.
قال الأبي: يُريد أن دليل الخطاب المسمى بمفهوم المخالفة، هو إثبات نقيض الحكم المنطوق للمسكوت عنه، والمسكوت من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، ونقض الحكم المذكور الثابت له أن لا يدخل النار، وهو أعم من دخول الجنة، فابن مسعود لم يقل إنه يدخل الجنة بالمفهوم بل بواسطة ما ذكر، والمفهوم لا يتوقف على واسطة نحو في الغنم السائمة الزكاة، فمفهومه أن المعلوفة لا زكاة يها دون وقف على شيء، قال النووي: والأحسن أنه سمعه من النبي ﷺ لثبوته في حديث جابر، لكنه نسيه حين التحديث، فنسبه إلى ما ذكر اهـ.
وعبارة المفهم هنا: وأما قول ابن مسعود (وقلت أنا ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) يعني بذلك أنه لم يسمع هذا اللفظ من النبي ﷺ نصًّا، وإنما استنبطه استنباطًا من الشريعة، فإما من دليل خطاب قوله ﷺ "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" أو من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة والنار، أو من غير ذلك، وبالجملة فهذا الذي لم يسمعه ابن مسعود من النبي ﷺ هو
стр. 1206
١٧٣ - (٨٨) (١١) وحدّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ،
ــ
حق في نفسه، وقد رواه جابر في الحديث بعد هذا من قول النبي ﷺ ، قال النووي: وأما حكمه على من مات يشرك بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخول الجنة، فقد أجمع عليه المسلمون، فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان، وسائر الكفرة ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حُكم بكفره بجحده ما يُكفر بجحده، وغير ذلك.
وأما دخول من مات غير مشرك الجنة، فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولًا، وإن كان صاحب كبيرة، مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عُفي عنه دخل أولًا، وإلا عُذب ثم أُخرج من النار، وخُلد في الجنة. والله تعالى أعلم. انتهى.
وهذا الحديث أعني حديث ابن مسعود شارك المؤلف في روايته البخاري، فإنه رواه في الجنائز، وفي التفسير، وفي الإيمان والنذور، والنسائي فإنه رواه في التفسير في الكبرى في مواضع والله أعلم.
وإنما اختار المؤلف في الاستدلال حديث ابن مسعود على حديث جابر الآتي، مع ما فيه من الاختلاف في الوصل والإرسال، لأنه أصح من حديث جابر، لأنه من المتفق عليه، وحديث جابر انفرد به مسلم عن البخاري، وغيره من أصحاب الأمهات، فلم يشاركه إلا أحمد.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٧٣) - ش (٨٨) (١١) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحهدة مولاهم، الحافظ الكوفي، ثقة صاحب تصانيف من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (وأبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، لأن الراويين ثقتان (قالا) أي قال كلٌّ من أبي بكر وأبي كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن
стр. 1207
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَال: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَال: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ"
ــ
خازم بمعجمتين التميمي السعدي، مولى أسعد بن زيد مناة، الضرير الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي مولاهم، الإسكاف المكي، نزيل واسط، صدوق من الرابعة، وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا (عن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي بفتحتين، أبي عبد الله المدني، مات بالمدينة سنة (٧٩) وله (٩٤) سنة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مكي، وواحد مدني.
(قال) جابر (أتى النبي ﷺ رجل) لم أر من ذكر اسمه (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله ما الموجبتان؟ ) أي موجبة الجنة، وموجبة النار، أي ما الخصلة الموجبة للجنة، والخصلة الموجبة للنار، وقال القرطبي: قوله (ما الموجبتان) هو سؤال من سمعهما ولم يدرِ ما هما؟ فأجابه النبي ﷺ بأنهما الإيمان والشرك، وسُميا بذلك لأن الله تعالى أوجب عليهما ما ذكره من الخلود في الجنة أو في النار اهـ.
(فقال) رسول الله ﷺ مجيبًا له (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) ابتداءً، أو بعد المجازاة، أي من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم من الشرع، المجمع عليه من أهل السنة، أن من مات على ذلك فلا بد له من دخول الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة (ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار) دخولًا مؤبدًا خالدًا فيها مخلدًا، أي ومن المعلوم من الأدلة الشرعية أن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله تعالى رحمة، ويُخلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آباد، وهذا معلوم من الدين مجمع عليه بين المسلمين.
стр. 1208
١٧٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو أَيُّوبَ الْغَيلانِيُّ، سُلَيمَانُ بْنُ عُبَيدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ أبِي الزُّبَيرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
ــ
وهذا الحديث أعني حديث جابر انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات وشاركه أحمد فرواه (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٧٤) - متا (. . .) (. . .) (وحدثني أبو أيوب الغيلاني سليمان بن عبيد الله) بن عمرو بن جابر المازني الغيلاني البصري، روى عن أبي عامر العقدي في الإيمان، والحج، والدعاء، وبهز بن أسد في الحج، ويروي عنه (م س) وجعفر بن أحمد بن سنان، ووثقه النسائي، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٦) ست وأربعين ومائتين.
(وحجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي، أبو محمد البغدادي المعروف بـ (ـابن الشاعر) الحافظ الرحال ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥٩) تسع وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن الغيلاني صدوق فقواه بالحجاج (قالا) أي قال كل من أبي أيوب وحجاج بن الشاعر (حدثنا عبد الملك بن عمرو) بن قيس أبو عامر العقدي، القيسي البصري، نسب إلى العقد، لأنه مولى الحارث بن عباد من بني قيس بن ثعلبة، من بكر بن وائل، ثقة من التاسعة، مات سنة (٢٠٤) أربع أو خمس ومائتين، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا، قال عبد الملك (حدثنا قرة) بن خالد السدوسي أبو خالد البصري، ثقة ضابط من السادسة، مات سنة (١٥٥) خمس وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابا تقريبًا.
(عن أبي الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس القرشي مولاهم، مولى حكيم بن حزام المكي، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (حدثنا جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو عبد الله المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد مكي، وواحد مدني، إلا حجاج بن الشاعر فإنه بغدادي، وغرضه بسوق هذا
стр. 1209
قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ".
قَال أَبُو أَيُّوبَ: قَال أَبُو الزَّبَيرِ: عَنْ جَابِرٍ.
١٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ،
ــ
السند بيان متابعة أبي الزبير لأبي سفيان في رواية هذا الحديث عن جابر، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (قال) جابر (سمعت رسول الله ﷺ يقول من لقي الله) ولقاء الله كناية عن الموت، أي من مات حالة كونه (لا يشرك به) (شيئًا) من المخلوق (دخل الجنة) ابتداءً، أو بعد المجازاة (ومن لقيه) أي من مات حالة كونه (يشرك به) (دخل النار) دخولًا مؤبدًا.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى (قال) لنا (أبو أيوب) الغيلاني (قال) لنا (أبو الزبير) المكي، حينما حدث لنا هذا الحديث لفظة (عن جابر) بالعنعنة، وأما الذي قال: حدثنا جابر بن عبد الله فهو حجاج بن الشاعر، وأتى بهذه الجملة تورعًا من الكذب على أبي أيوب، لأنه لم يقل حدثنا جابر، ولو لم يأتِ بها لأوهم أنه قال: حدثنا جابر بصيغة السماع والله أعلم.
قال النواوي: وأما قوله "قال أبو أيوب قال أبو الزبير عن جابر" فمراده أن أبا أيوب وحجاجًا اختلفا في عبارة أبي الزبير عن جابر، فقال أبو أيوب: عن جابر، وقال حجاج: حدثنا جابر، فأما حدثنا فصريحة في الاتصال، وأما عن فمختلفٌ فيها، فالجمهور على أنها للاتصال كحدثنا، ومن العلماء من قال: هي للانقطاع، ويأتي فيها ما قدمناه، إلا أن هذا على هذا المذهب يكون مرسل تابعي انتهى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٧٥) - متا (. . .) (. . .) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي، أبو يعقوب المروزي ثم النيسابوري، ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥١) إحدى وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، قال
стр. 1210
أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ (وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ) قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَال، بِمِثْلِهِ
ــ
إسحاق (أخبرنا معاذ) بن هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر الدستوائي أبو عبد الله البصري، نزيل اليمن، صدوق ربما وهم، من التاسعة، مات سنة مائتين (٢٠٠) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا، وأتى المؤلف بقوله (وهو ابن هشام) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي (قال) معاذ (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي الربعي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس القرشي مولاهم (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم بصريان، وواحد مروزي، وواحد مكي، وواحد مدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة هشام الدستوائي لقرة بن خالد في رواية هذا الحديث عن أبي الزبير، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن نبي الله ﷺ قال) من لقي الله لا يشرك به شيئًا. . . الحديث، وقوله (بمثله) جار ومجرور متعلق بقوله حدثني، لأنه العامل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى قرة بن خالد، وزاد الباء هنا في قوله بمثله تأكيدًا للمماثلة، لأن العرب لا تزيد شيئًا بلا فائدة، والمعنى حدثني أبي هشام، وساق بمثل حديث قرة عن أبي الزبير والله أعلم.
стр. 1211
٤٩ - (٨) بَابُ: ارْتِكَابِ الْمُؤْمِنِ الْكَبَائِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِيمَانِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ
١٧٦ - (٨٩) (١٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ،
ــ
٤٩ - (٨) بَابُ: ارْتِكَابِ الْمُؤْمِنِ الْكَبَائِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِيمَانِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان أن ارتكاب المؤمن، وفعله الكبائر وإكثاره منها، لا يخرجه عن الملة، ولا عن زمرة أهل الإيمان ولا يمنعه ارتكابها دخول الجنة أولًا، إن أدركه عفو الله تعالى وإلا فبعد المجازاة عليها، ولم يترجم لهذا الحديث أحد من الشراح إلا القرطبي في مختصره، والأولى وضع ترجمة مستقلة له، كما وضعناها، لأن في منطوقه حكمًا لا يدخل تحت الترجمة السابقة والله أعلم.
وقد استدل المؤلف عليها فقال رحمه الله تعالى:
(١٧٦) - س (٨٩) (١٢) (وحدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي، أبو موسى البصري، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) محمد (بن بشار) بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، المعروف ببندار، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر) إشارة إلى أن محمد بن المثنى صرح بصيغة الاتصال، وأما ابن بشار فروى بصيغة العنعنة، أي حدثنا محمد بن جعفر الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البصري، المعروف بغندر، ثقة إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا، قال ابن جعفر (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام البصري، إمام الأئمة، وهو أول من تكلم في رجال الحديث، ثقة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في (٣٠) بابًا تقريبًا (عن واصل) بن حيان (الأحدب) الأسدي، الإمام الكوفي بياع السابري، وهو ثوب رقيق جيد، نسبة إلى سابور، وهي كورة في بلاد فارس اهـ م ج.
روى عن المعرور بن سويد في الإيمان وحق المملوك، وأبي وائل في الصلاة،
стр. 1212
عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيدٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئا دَخَلَ الْجَنَّةَ
ــ
وإبراهيم النخعي في الوضوء، وعبد الله بن أبي الهُذيل في الفضائل وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبة ومهدي بن ميمون، ومسعر، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومغيرة بن مقسم، وأبو إسحاق الشيباني، وجرير بن حازم، وجماعة، وثقه أبو داود، وقال في التقريب: ثقة ثبت من السادسة، مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب (عن المعرور) بمهملات بوزن مكحول (بن سويد) مصغرًا، الأسدي أبي أمية الكوفي، روى عن أبي ذر في الإيمان والزكاة وحق المملوك والدعاء، وعبد الله بن مسعود في القدر، وعمر وخُريم بن فاتك، وأم سلمة، ويروي عنه (ع) وواصل الأحدب، والأعمش، والمغيرة بن عبد الله اليشكري، وعاصم بن بهدلة وغيرهم، وثقه أبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة من الثانية، وعاش (١٢٠) مائة وعشرين سنة، وهو أسود الرأس واللحية، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب (قال) المعرور (سمعت أبا ذر) جندب بن جنادة الغفاري المدني، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان كوفيان وواحد مدني.
قال النووي: وأما المعرور فهو بفتح الميم وإسكان العين المهملة، وبراء مهملة مكررة، ومن طرف أحواله، أن الأعمش قال: رأيت المعرور وهو ابن مائة وعشرين سنة؛ أسود الرأس واللحية، وأما أبو ذر، فتقدم أن اسمه جُندب بن جنادة على المشهور، وقيل غيره اهـ.
أي قال المعرور: سمعت أبا ذر حالة كونه (يحدث عن النبي ﷺ أنه) ﷺ (قال أتاني) أي جاءني (جبريل) الأمين (﵇ فبشرني أنه) أي أن الشأن والحال (من مات من أمتك) أمة الإجابة، حالة كونه (لا يشرك بالله) (شيئًا) من المخلوق في ألوهيته وربوبيته، أي بشرني بأن من مات من أمتك غير مشرك بالله تعالى شيئًا (دخل الجنة) أولًا، إن لم يرتكب الكبائر، أو أدركه العفو، وإلا فبعد المجازاة والعقوبة عليها.
قال القرطبي: قوله ﵊ "أتاني جبريل فبشرني" الحديث يدل على
стр. 1213
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَال: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"
ــ
شدة اهتمامه ﷺ بأمر أمته، وتعلق قلبه بما يُنجيهم، وخوفه عليهم، ولذلك سكن جبريل قلبه بهذه البشرى، وهذا نحو من حديث عمرو بن العاص الذي قال فيه: إن النبي ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇ ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع النبي ﷺ يديه وبكى وقال: "ربِّ أمتي أمتي" فنزل عليه جبريل فقال له مخبرًا عن الله تعالى: "إن الله سيرضيك في أمتك ولا يسوؤك" رواه مسلم برقم (٢٠٢)، وهذا منه ﷺ مقتضى ما جبله الله تعالى عليه من الخلق الكريم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم اهـ.
وقوله (لا يشرك بالله شيئًا) معناه بحكم أصل الوضع، لا يتخذ معه شريكًا في الألوهية ولا في الخلق كما قدمناه، لكن هذا القول قد صار بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعي ألا ترى أن من وحد الله تعالى ولم يؤمن بالنبي ﷺ لم ينفعه إيمانه بالله تعالى ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعي اهـ منه.
قال أبو ذر (قلت) له ﷺ أيدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق قال) ﷺ لأبي ذر نعم يدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق) وارتكب الكبائر كلها، لأن عنده حجة الجنة الذي هو الإيمان.
قال النواوي: وهذا حجة لأهل السنة، أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وخُتم لهم بالخلود في الجنة اهـ.
وقال القاضي: قوله (وإن زنى وإن سرق) هذا على ما تقدم من أن الذنوب لا توجب التخليد في النار، وأن كل من مات على الإيمان يدخل الجنة حتمًا، لكن من له ذنوب في مشيئة الله تعالى، من معاقبته عليها أو عفوه، ثم لا بد له من دخول الجنة اهـ.
وقال الأبي: قوله "وإن زنى وإن سرق" قال ابن مالك لا بد هنا من تقدير أداة الاستفهام، أي أَوَ إن زنى وسرق يدخل الجنة؟ وقدره غيره أيدخل الجنة وإن زنى وسرق وتكون الجملة حالًا، وترك ذكر الجواب تنبيهًا لمعنى الإنكار اهـ.
стр. 1214
١٧٧ - (٠٠) (٠٠) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي حُسَين الْمُعَلِّمُ،
ــ
وقال أيضًا: وفيه أن الكبائر لا تُحبط الأعمال، لأن القائل بالإحباط يحيل دخول الجنة لمن هذه صفته اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث أبي ذر شارك المؤلف في روايته أحمد والبخاري وأبو داود، رواه أحمد (٥/ ٦١) والبخاري (٢٣٨٨) وأبو داود (٢٦٤٦).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٧٧) - متا (. . .) (. . .) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما معجمة مولاهم، أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا (وأحمد) بن الحسن (بن خراش) بكسر المعجمة وفتح الراء، نُسب إلى جده لشهرته به الخراساني، أبو جعفر البغدادي، روى عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وعمرو بن عاصم وعمر بن عبد الوهاب الرياحي، وأبي عامر العقدي، وشبابة بن سوار، وأبي معمر، وحبان بن هلال، ومسلم بن إبراهيم وغيرهم، ويروي عنه (م ت) وعبد الله بن أحمد والسراج وجماعة، وثقه الخطيب، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين، وله ستون (٦٠) سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والوضوء والحج والنكاح والاستثذان، والجهاد في موضعين، والبر والصلة والطب فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
(قالا) أي قال كل من زهير وأحمد بن خراش (حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم، أبو سهل البصري، صدوق ثبت من التاسعة، مات سنة (٢٠٧) سبع ومائتين، روى المؤلف عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال عبد الصمد (حدثنا أبي) عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري، أبو عبيدة البصري، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب.
(قال) عبد الوارث (حدثني حسين) بن ذكوان (المعلم) المُكْتِبُ العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو بعدها معجمة مكسورة، الإمام البصري، ثقة ربما وهم من
стр. 1215
عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ؛ أَنْ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ حَدَّثَهُ؛ أَن أَبَا الأسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ؛ "أَن أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَال: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيتُهُ
ــ
السادسة، مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (عن) عبد الله (ابن بريدة) بن الحُصيب الأسلمي، أبي سهل البصري، أخي سليمان، كانا توأمين ولد عبد الله قبل سليمان، ثقة من الثالثة، مات سنة (١١٥) خمس عشرة ومائة، وله (١٠٠) مائة سنة، قال ابن معين والعجلي وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق كوفي نزل البصرة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب (أن يحيى بن يعمر) بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة وبضم الميم أيضًا، القيسي الجندلي بفتح الجيم أبا سليمان البصري، ثقة فصيح وكان يرسل، من الثالثة، مات قبل المائة بخراسان، وقيل: بعدها، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب (حدثه) أي حدث لعبد الله بن بريدة (أن أبا الأسود) ظالم بن عمرو على المشهور، وقيل: اسمه عمرو بن ظالم، وقيل: عثمان بن عمرو، وقيل: عمرو بن سفيان، وقيل: عويمر بن ظُوَيلم، وهو أول من تكلم في النحو، وولي قضاء البصرة لعلي بن أبي طالب ﵁ (الديلي) البصري -بكسر الدال وإسكان الياء- نسبة إلى بني الدِّيل، بطن من كنانة، هكذا يقول المحدثون، وأما أهل العربية فيقولون فيه (الدُّؤلي) بضم الدال بعدها همزة مفتوحة بعدها لام مكسورة - على وزان الجهني، وأطال النواوي الكلام فيه فراجعه، وأما نحن فاختصرنا الكلام فيه، لأنه ليس مهمًا هنا، ثقة فاضل مخضرم، مات سنة (٦٩) تسع وستين، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا، (حدثه) أي حدث ليحيى بن يعمر (أن أبا ذر) جندب بن جنادة الغفاري المدني، الصحابي الجليل الزاهد (حدثه) أي حدث لأبي الأسود الديلي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي الأسود للمعرور بن سويد في رواية هذا الحديث عن أبي ذر، وكرر متن الحديث، لما في هذه الرواية من المخالفة للراوية الأولى، وهذا السند من ثمانياته، رجاله ستة منهم بصريون، وواحد مدني، وواحد إما نسائي أو بغدادي، ومن لطائفه أن ثلاثةً من رجاله تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم ابن بريدة ويحيى بن يعمر وأبو الأسود الديلي (قال) أبو ذر في تحديثه لأبي الأسود، وجملة القول بدل من جملة حدثه (أتيت النبي ﷺ وجئته (وهو نائم) أي والحال أن النبي ﷺ نائم راقد (عليه) ﷺ (ثوب أبيض) أي ذو بياض، وذِكْرُ مثل هذا الكلام إشعار بتيقن الواقعة، والتثبت فيها (ثم أتيته)
стр. 1216
فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيتُهُ وَقَدِ اسْتَيقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيهِ. فَقَال: مَا مِنْ عَبْدٍ قَال: لا إِلهَ إِلا اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَال: وَإِنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ قُلْتُ: وَإنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَال: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ثَلاثًا. ثُمَّ قَال فِي الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ. قَال، فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ"
ــ
ﷺ مرة ثانية (فإذا هو) ﷺ (نائم) أيضًا وإذا فجائية، أي ثم أتيته ثانيًا ففاجأني نومه (ثم أتينه) ثالثة (وقد استيقظ) أي والحال أنه قد تيقظ وانتبه من نومه (فجلست إليه) أي فدخلت عليه، وجلست عنده (فقال) رسول الله ﷺ (ما من عبد) من عباد الله، وكذا الأمة لأن النساء شقائق الرجال (قال) ذلك العبد (لا إله إلا الله) مع عديلتها محمد رسول الله، معتقدًا معناه، جازمًا به (ثم مات على ذلك) التوحيد (إلا دخل) ذلك العبد (الجنة) أولًا، إن لم يكن له ذنب، أو غفر له، أو بعد المجازاة والعقوبة إن كان له، ولم يدركه العفو، قال أبو ذر (قلت) له ﷺ أيدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق) وارتكب غيرهما من الكبائر (قال) رسول الله ﷺ نعم يدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق) وارتكب الكبائر، قال أبو ذر (قلت) له ﷺ ثانيًا أيدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق قال) ﷺ ثانيًا نعم يدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق) وارتكب الكبائر، قال أبو ذر كررت السؤال له ثلاث مرات، وقال لي ذلك الجواب (ثلاثًا) أي قال لي يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق ثلاث مرات (ثم قال) لي رسول الله ﷺ (في) المرة (الرابعة) يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق (على رغم) وذل (أنف أبي ذر) لوقوعه مخالفًا لما يريد ويظن، وقيل معناه: على كراهةٍ منه، وإنما قال أبو ذر ذلك للنبي ﷺ لاستبعاده العفو عن الزاني السارق، المنتهك لحرمات الله تعالى واستعظامه، وتصور أبي ذر بصورة الكاره الممانع، وإن لم يكن ممانعًا، وكان ذلك من أبي ذر لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها.
(قال) أبو الأسود حاكيًا عن حال أبي ذر أو قال أبو ذر على سبيل التجريد (فخرج أبو ذر) من عنده ﷺ (وهو) أي والحال أن أبا ذر (يقول) يدخل الجنة (وإن رغم) وذل ولصق بالتراب (أنف أبي ذر) وكره واستبعد دخوله، حكاية لما قاله النبي ﷺ له.
стр. 1217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله (عليه ثوب أبيض) قيل ذكره لتحقيق الرواية، لأن تحققها أثبت للسامع، والاستثناء في قوله (إلا دخل الجنة) مُفرغ، أي ليس لمن مات مؤمنًا حال سوى دخول الجنة وتكرير أبي ذر قوله (وإن زنى وإن سرق) استبعادٌ وتعجبٌ من دخول الجنة مع اتصافه بما ذكر من الزنا والسرقة، وإنما استبعده لحديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" المتفق عليه.
وقوله (على رغم أنف أبي ذر) الرَّغم مصدر في رائه ثلاث حركات: الفتح والضم والكسر، وروي في الحديث بفتح الراء، وهو مصدر رَغم بفتح الغين، من باب فتح، وكسرها من باب فَهِم، مأخوذ من الرَّغام -بفتح الراء- وهو التراب، يقال: أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب، ورَغِم أنفي لله أي خضع وذل فكأنه لصق بالتراب، قال الأبي: وهذا معنى اللفظ لغة، ثم استعمل مجازًا مرسلًا في الذل، فأرغم الله أنفه معناه: أذله الله، من إطلاق السبب الذي هو الإلصاق بالتراب على المسبب الذي هو الذل، والمعنى: أي وإن خالف دخوله الجنة سؤال أبي ذر واعتقاده واستعظامه الغفران للمذنبين، وترداده السؤال عن ذلك، فأشبه من أُرغم بما لا يريد ولا يظن ذلًا وقهرًا، أو مجازًا بالاستعارة، فحذف المشبه، وأقيم المشبه به مقامه، ثم اشتق منه رَغم على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وقيل إنه مأخوذ من المراغمة، وهي المغاضبة والاضطراب والتحير، ومنه قوله تعالى ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، أي مهربًا واضطرابًا فالمعنى على الأول وإن ذل أنف أبي ذر، وعلى الثاني وإن اضطرب وغضب وتحير.
قال القاضي: وكل هذا على وجه المجاز والإغياء "النهاية" في الكلام، وإلا فأبو ذر لا يكره أن يرحم الله عباده.
وإنما واجه النبي ﷺ أبا ذر بهذه الكلمات، لما فهم عنه من استبعاده دخول من زنى ومن سرق الجنة، وكان وقع له هذا الاستبعاد بسبب ظاهر من قوله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، ومما هو في معناه فردَّ النبيُّ ﷺ هذا الوهم وأنكره، وكان هذا الحديث نصًّا صريحًا في الرد على المكفرة بالكبائر كما مر، وخروج أبي ذر قائلًا "وإن رغم أنف أبي ذر" رجوع منه عما كان وقع له من ذلك الاستبعاد، وانقياد للحق لما تبين له اهـ قرطبي وأبي بتصرف وزيادة.
стр. 1218
٥٠ - (٩) بَابُ: الاكْتِفَاءِ بِظَاهِرِ الإِسْلام، وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَن قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
١٧٨ - (٩٠) (١٣) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ
ــ
٥٠ - (٩) بَابُ: الاكْتِفَاءِ بِظَاهِرِ الإِسْلام، وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَن قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
أي بابُ وجوب الاكتفاء والاجتزاء بالإسلام الظاهر من الإنسان بنطق الشهادتين في عصمة دمه وماله، وجريان أحكام الإسلام عليه، وترك البحث عما في قلبه من الاعتقاد، هل هو جازم أم لا، وبيان تحريم قتل الإنسان بعد أن أقر بالشهادتين، ولو في حالة الخوف، حكمًا عليه بظاهر إقراره، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذه الترجمة فقال:
(١٧٨) - س (٩٠) (١٣) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدثنا ليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، أبو الحارث المصري، ثقة من السابعة، مات في شعبان سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة، روى عنه المؤلف في خمسة عشر بابًا تقريبًا.
فائدة: ليث بن سعد: هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية، مولده بقرية فشندة، وهي الآن قلقشندة، من أعمال القليوبية، سنة ثلاث وتسعين، سمع عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب الزهري، وهشام بن عروة، وخلقًا كثيرًا، وروى عنه خلقٌ كثيرٌ منهم ابن المبارك وابن لهيعة، قال ابن وهب: كل ما كان في كتب مالك، وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد، وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: الليث أتبع للأثر من مالك، مات سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة اهـ الطبقات الكبرى ٧/ ٥١٧، تاريخ بغداد ١٣/ ٢٧، سِير ٨/ ١٣٦٠.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم أبو عبد الله المصري، ثقة ثبت من العاشرة، مات بمصر سنة (٢٤٢) روى عن
стр. 1219
(وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ) أَخْبَرَنَا اللَّيثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ؛
ــ
الليث بن سعد في الإيمان وغيره، وأتى بحاء التحويل لبيان اختلاف سماع شيخيه، لأن قتيبة قال حدثنا ليث، وابن رمح قال أخبرنا الليث، وقوله (واللفظ) أي لفظ حديثهما (متقارب) أي حديثهما منشابه في بعض الألفاظ، وبعض المعاني، هو بمعنى قوله في بعض المواضع حدثنا فلان بنحو حديث فلان، قال ابن رمح (أخبرنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني، ثقة حافظ متقن، من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا (عن عطاء بن يزيد الليثي) من أنفسهم أبي يزيد المدني، ثقة من الثالثة، مات سنة (١٠٧) خمس أو سبع ومائة، وقد جاوز الثمانين (٨٠) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا (عن عبيد الله بن عدي بن الخيار) بكسر المعجمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني، ولد في حياة النبي ﷺ وقُتل أبوه ببدر، وكان هو في الفتح مميزًا، فعُدَّ في الصحابة لذلك، وعده العجلي وغيره في ثقات التابعين، روى عن المقداد بن الأسود في الإيمان، وعمر وعثمان وعلي، ويروي عنه (خ م د س) وعطاء بن يزيد الليثي، وجعفر بن أمية الضمري مات في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك سنة تسعين (٩٠) ومات الوليد سنة اثنتين وتسعين (٩٢) (عن المقداد) بن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي المدني، وكان في حجر الأسود بن عبد يغوث الكندي، فتبناه الأسود فنسب إليه، وقيل له المقداد (بن الأسود) وكان عمرو أبو المقداد حليف كندة، فلذلك قيل له الكندي، وكان المقداد يُعد في أهل الحجاز، يُكنى أبا الأسود، وكان له صحبة من النبي ﷺ له اثنان وأربعون حديثًا، روى عنه عبيد الله بن عدي بن الخيار في الإيمان، وعلي بن أبي طالب في الوضوء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى في الأطعمة، وسُليم بن عامر في صفة الحشر، وأنس بن مالك، وابن عباس، وهمام بن الحارث وسليمان بن يسار، و (ع) وغيرهم، مات بالجُرُف سنة (٣٣) ثلاث وثلاثين، وحُمل على رقاب الرجال إلى المدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وكان له يوم مات نحو من سبعين (٧٠) سنة، وكان فارس رسول الله ﷺ يوم بدر، وليس عندهم من اسمه المقداد إلا هذا الصحابي الجليل.
стр. 1220
أَنَّهُ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَال: أَسْلَمْتُ لِلهِ، أَفَأقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالهَا؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقْتُلْهُ قَال: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَال ذلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَاقْتُلُهُ؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَال"
ــ
وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان مصريان، أو مصري وبغلاني، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي وهو عبيد الله بن عدي عن صحابي وهو المقداد بن الأسود، وسيأتي بسط الكلام في المقداد إن شاء الله تعالى قريبًا.
(أنه) أي أن المقداد بن الأسود (أخبره) أي أخبر لعبيد الله بن عدي (أنه) أي أن المقداد (قال يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (إن لقيت) وقابلت (رجلًا من الكفار) الأعداء (فقاتلني) أي فقاتل معي (فضرب إحدى يدي) أي إحدى اليدين لي (فقطعها ثم لاذ) واعتصم وتحصن (مني بشجرة) واحتجب مني بها (فقال أسلمت لله) أي استسلمت نفسي لله تعالى، وآمنت به، وانقدت لأوامره وشرائعه وقبلتها (١) أضربه بسيفي (فأقتله يا رسول الله بعد أن قالها) أي بعد أن قال كلمة الإسلام، وأقر بالشهادتين لعدم صحة إسلامه، أم أتركه لصحة إسلامه، وعصمة دمه بكلمة الإسلام (قال رسول الله ﷺ في جواب سؤالي (لا تقتله) ولا تزعجه، لكونه معصوم الدم بكلمة الإسلام (قال) المقداد (فقلت يا رسول الله إنه) أي إن ذلك الرجل الكافر (قد قطع يدي) وأبانها مني (ثم قال ذلك) الكلام، أي قال كلمة أسلمت لله (بعد أن قطعها) أي بعد أن قطع يدي (أ) أضربه بالسيف (فأقتله) أم أتركه لكونه معصوم الدم بكلمة أسلمت لله (قال رسول الله ﷺ لا) تقربه ولا (تقتله فإن) أبيت و (قتلته فإنه) أي فإن ذلك الرجل الذي قال كلمة الإسلام ثم قتلته (بمنزلتك قبل أن تقتله) في عصمة الدم، إذ قد نطق بما يوجب عصمته من كلمتي الإسلام (وإنك) يا مقداد (بمنزلته) أي بمنزلة ذلك الرجل (قبل أن يقول كلمته التي قالـ) ـها التي هي كلمة الإسلام، في كونك غير معصوم الدم معرضًا للقصاص، وقيل: أنت بمنزلته في استحقاق مُطلق الإثم، وإن اختلف بسببه هو في المقداد إثم مقصرٍ في الاجتهاد، وفي الرجل إثم كافر كما سيأتي بسط الخلاف فيه.
стр. 1221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله (أرأيت إن جاء رجل من الكفار فقاتلني) فيه دليل على جواز السؤال عن أحكام النوازل قبل وقوعها، وقد روي عن بعض السلف كراهية الكلام في النوازل قبل وقوعها، وهذا إنما يُحمل على ما إذا كانت المسائل مما لا تقع، أو تقع نادرًا، فأما ما يتكرر من ذلك ويكثر وقوعه، فيجب بيان أحكامها على من كانت له أهلية ذلك، إذا خيف الثغور "خلو الزمان" عن المجتهدين والعلماء في الحال، أو في الاستقبال، كما قد اتفق عليه أئمة المسلمين من السلف، لما توقعوا ذلك فرعوا الفروع ودونوها، وأجابوا عما سُئلوا عنه من ذلك، حرصًا على إظهار الدين وتقريبًا على من تعذرت عليه شروط الاجتهاد من اللاحقين اهـ قرطبي.
قال الأبي: قال ابن المنير: كان الإمام مالك لا يُجيب في مسألة حتى يسأل، فإن قيل نزلت أجاب، وإلا أمسك عن الجواب، ويقول: بلغني أن المسألة إذا نزلت أُعين عليها المتكلم، وإلا خُذل المتكلف، ولذا كان أصل مذهبه إنما هي أجوبة لا مسائل مرتبة، ومن ثم صعب مذهبه.
قلت: وزاده صعوبة ما اتسع فيه أهل مذهبه من التفريعات والفروض، حتى إنهم فرضوا ما يستحيل وقوعه عادةً، فقالوا: ولو وطئ الخنثى نفسه فوُلد له هل يرث بالأبوة أو بالأمومة، وأنه لو تزايد له ولد من ظهره، وآخر من بطنه لم يتوارثا لأنهما لم يجتمعا في ظهرٍ ولا بطنٍ، وفرضوا مسألة الستة حملاء، واجتماع عيد وكسوف، مع أنه يستحيل عادة، واعتذر عن ذلك بعضهم بأنهم فرضوا ما يقتضيه الفقيه بتقدير الوقوع، ورده المازري: بأن تقدير الخوارق ليس من شأن الفقهاء اهـ أبي.
قال السنوسي: ولو اشتغل الإنسان بما يخصه من واجب ونحوه، ويتعلم أمراض قلبه وأدويتها، وإتقان عقائده، والتفقه في معنى القرآن والحديث، لكان أزكى لعمله، وأضوأ لقلبه، لكن النفوس الردية وإخوتها من شياطين الإنس والجن لم تترك العقل أن ينفذ لوجه مصلحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اشغلنا بك عما سواك، واقطع عنا كل قاطع يقطعنا عنك يا أرحم الراحمين انتهى.
وقوله (لاذ مني بشجرة) أي استتر، يقال: لاذ يلوذ لواذًا، إذا استتر، والملاذ ما يستتر به
وقوله (أسلمت لله) أي دخلت في دين الإسلام، وتدينت به، وفيه دليل على أن كل
стр. 1222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من صدر منه أمر ما يدل على الدخول في دين الإسلام، من قول أو فعل حُكم له بذلك الإسلام وأن ذلك ليس مقصورًا على النطق بكلمتي الشهادة، وقد حكم النبي ﷺ بإسلام بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد؛ وهم يقولون صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" رافعًا يديه إلى السماء، ثم وَدَاهم، رواه أحمد والبخاري والنسائي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
والتعبير بأسلمت في هذه الراوية، يحتمل أنه من راوي قول المقداد، لقول المقداد في الطريق الثاني فقال لا إله إلا الله فيكون نقلًا بالمعنى، ويحتمل أنه من تعبير المقداد فيحتج به للدخول في الإسلام، بكل ما يدل على الدخول فيه من قول أو فعل، مما يتنزل منزلة النطق بالشهادتين. قوله (أفأقتله) سأل لظنه أن الإسلام خوف السيف لا ينفع، فأخبره ﷺ أن الحكم على الظاهر، ولعل المقداد لم يكن سمع حديث "أُمرت أن أقاتل الناس" اهـ أبي.
قوله (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) قال بعضهم معناه: قتلت مؤمنًا مثلك، لأن الكلمة عَصَمت دمه، وأنت بمنزلته إذ لعله كان يُخفي إيمانه من قوم كفار، وأُخرج كرهًا، وقطعَ يدك متأولًا جواز ذلك في الدفع عن نفسه، كما كنت أنت بمكة تُخفي إيمانك، وأخرج أهل مكة من معهم من المسلمين كرهًا، وتأولت جواز قتله بعد أن قال كلمته.
ويشهد لهذا التأويل ما في البخاري من زيادة "وقال النبي ﷺ للمقداد إذ كان يُخفي إيمانه بين قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتله، كذلك كنت أنت بمكة تُخفي إيمانك بين قوم كفار.
قوله (وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) ظاهره في الكفر، وليس ذلك بصحيح، لأنه إنما قتله متأولًا أنه باق على كفره، فلا يكون قتله كبيرة، وإذا لم يكن قتله كبيرة لم يصح لأحد، وإن كان مكفرًا بالكبائر، أن يقول هذا كفر بوجه، فدل ذلك على أنه متأول، وقد اختلف في تأويله، فقال أبو الحسن بن القصار: هو مثله، في كونه غير معصوم الدم، معرضًا للقصاص.
стр. 1223
١٧٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ،
ــ
قال القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا ليس بشيء، لانتفاء سبب القصاص، وهو العمد العدوان، وذلك منتف هنا قطعًا، لأن المقداد تأول ما تأوله أسامة بن زيد، أنه قال ذلك خوفًا من السلاح، ألا ترى قول المقداد إنه قد قطع يدي ثم لاذ مني بشجرة، فلما أهويت لأقتله قال لا إله إلا الله، غير أن هذا التأويل لم يُسقط عنهما التوبيخ والذم، ولا توقع المطالبة بذلك في الآخرة، ألا ترى قوله ﷺ لأسامة: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة" وكرر ذلك عليه، ولم يستغفر له مع سؤال أسامة ذلك من النبي ﷺ وإنما لم يسقط عنه التوبيخ والتأثيم، وإن كان متأولًا لأنه أخطأ في تأويله، وعلى هذا يمكن أن يُحمل قوله "إنك بمنزلته قبل أن تقتله" على أنه بمنزلته في استحقاق الذم والتأثيم، ويكون هذا هو التأويل الثاني فيه، غير أن الاستحقاق فيها مختلف، فإن استحقاق المقداد لذلك، استحقاق مؤمن مقصر في الاجتهاد، والآخر استحقاقه استحقاق كافر، وإنما وقع التشبيه بينهما في مجرد الاستحقاق فقط والله أعلم.
التأويل الثالث: أنه بمنزلته في إخفاء الإيمان، أي لعله كان ممن يُخفي إيمانه بين الكفار، فأخرج مكرهًا، كما كنت أنت بمكة إذ كنت تُخفي إيمانك، ويعتضد هذا التأويل بما زاده البخاري في هذا الحديث، من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال للمقداد "إذا كان مؤمنٌ يُخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته كذلك كنت تُخفي إيمانك بمكة".
وهذا الحديث أعني حديث المقداد بن الأسود شارك المؤلف في روايته أحمد والبخاري وأبو داود، رواه أحمد (٦/ ٤ - ٦) والبخاري (٤٠١٩) وأبو داود (٢٦٤٤).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث المقداد رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٧٩) - متا (. . .) (. . .) (حدثنا (سحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي ثقة حافظ مجتهد، من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا.
(وعبد بن حميد) بن نصر الكَسِّيُّ، نسبة إلى مدينة فيما وراء النهر، أبو محمد، ثقة
стр. 1224
قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصَارِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمِ، عَنِ الأَوْزَعيِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
ــ
حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كلٌّ من إسحاق وعبد (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ من التاسعة، مات سنة (٢١١) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب (قال) عبد الرزاق (أخبرنا معمر) -بسكون ثانيه- بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا إسحاق بن موسى) بن عبيد الله بن موسى بن عبد الله (الأنصاري) الأوسي، الخطمي أبو موسى المدني، ثم الكوفي، روى عن الوليد بن مسلم في الإيمان والجهاد، ومعن بن عيسى في الوضوء وغيره، وأنس بن عياض في ذكر الجن والقدر، وابن عيينة، وابن وهب وغيرهم، ويروي عنه (م ت س ق) وابنه موسى، وابن خزيمة، وكان أبو حاتم يُطنب القول فيه، وفي صدقه وإتقانه، ووثقه النسائي والخطيب وقال في التقريب: ثقة متقن من العاشرة، مات بأرض حمص راجعًا من الحج سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب الإيمان والوضوء وذكر الجن وفي القدر، قال إسحاق (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم، أبو العباس الدمشقي ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة مات سنة (١٩٥) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (عن) عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد (الأوزاعي) أبي عمرو الشامي، ثقة مأمون فاضل فقيه، من السابعة، مات في الحمام سنة (١٥٧) روى عنه المؤلف في اثني عشر يابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن رافع) القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا.
قال محمد بن رافع (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، قال عبد الرزاق
стр. 1225
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا الأوزَاعيُّ وَابْنُ جُرَيجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا قَال: أَسْلَمْتُ لِلهِ. كَمَا قَال اللَّيثُ فِي حَدِيثِهِ. وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا أَهْوَيتُ لأَقْتُلَهُ قَال: لا إِلهَ إِلا اللهُ
ــ
(أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم، أبو الوليد المكي، الفقيه المشهور، ثقة فقيه، وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة (١٥٠) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه التحويلات بيان كثرة طرقه، وبيان اختلاف مشايخ مشايخه، وقوله (جميعًا) تأكيدٌ لكل من معمر في السند الأول، والأوزاعي في السند الثاني وابن جريج في السند الأخير، أي حالة كون كل من الثلاثة مجتمعين في الرواية (عن الزهري) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبي بكر المدني، حافظ متقن من رؤساء الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا، والجار والمجور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابعين الثلاثة، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع الذي هو ليث بن سعد، وشيخه ابن شهاب، وما بعده عطاء الليثي، وعبيد الله والمقداد، أي حدثنا معمر والأوزاعي وابن جريج جميعًا عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن عدي عن المقداد بن الأسود، مثل ما حدث ليث بن سعد عن ابن شهاب، إلا ما استثنى بقوله (أما الأوزاعي وابن جريج ففي حديثهما) أي في روايتهما لهذا الحديث لفظة (قال) ذلك الرجل الكافر (أسلمت لله).
(كما قال الليث في حديثه) أي حالة كون مقولهما مثلما قال الليث في روايته (وأما معمر ففي حديثه) أي في روايته لفظة (فلما أهويت) وبسطت ومددت يدي إليه (لأقتله قال) ذلك الكافر (لا إله إلا الله) يدل ما قال في الرواية الأولى أسلمت، أي فلما ملت لقتله، قال الجوهري: أهوى إليه بيده ليأخذه، وقال الأصمعي أهويت بالشيء إذا أومأت إليه، ويقال أهويت له بالسيف، فأما هوى فمعناه سقط إلى أسفل، ويقال انْهوى بمعناه فهو منهوٍ. وهذه الأسانيد الثلاثة من سباعياته، الأول منها رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بصري، وواحد صنعاني، وواحد مروزي أو كسِّي، والثاني منها أربعة منهم مدنيون، واثنان شاميان، وواحد كوفي، والثالث منها أربعة منهم مدنيون، وواحد مكي، وواحد صنعاني وواحد نيسابوري وغرض المؤلف بسوق هذه الأسانيد الثلاثة بيان متابعة
стр. 1226
١٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
ــ
معمر في السند الأول، ومتابعة الأوزاعي في السند الثاني، ومتابعة ابن جريج في السند الثالث لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، واعترض الدارقطني على مسلم بأن في رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي اضطرابًا، يوجب ضعف الحديث، فكيف أدخلها في جامعه؟ فالجواب: أنه ذكرها متابعة، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يحتمل فيها ما فيه نوع ضعف، لعدم الاعتماد عليها، بل هي لمجرد الاستئناس أفاده النواوي.
قال النووي: قوله (أما الأوزاعي وابن جريج في حديثهما) هكذا هو في أكثر الأصول، بفاء واحدة، وفي كثير منها (ففي حديثهما) بفائين، وهذا هو الأصل والجيد، والأول أيضًا جائز، فإن الفاء في جواب أما يلزم إثباتها، إلا إذا كان الجواب بالقول، فإنه يجوز حذفها؛ إذا حُذف القول، وهذا من ذلك، فتقدير الكلام أما الأوزاعي وابن جريج فقالا في حديثهما كذا، ومثل هذا في القرآن الكريم؛ وكلام العرب كثير، كقوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي فيقال لهم أكفرتم، وقوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ والله أعلم اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث المقداد رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٨٠) - متا (. . .) (. . .) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) روى عن ابن وهب في مواضع، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد الأموي، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري، أبي بكر المدني، من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في (٢٣) بابًا تقريبًا.
стр. 1227
قَال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِي، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ؛ أَنَّ عُبَيدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ؛ أَن الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو بْنَ الأسوَدِ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أنَّهُ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أرَأَيتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ
ــ
(قال) ابن شهاب (حدثني عطاء بن بزيد الليثي) من أنفسهم (ثم الجندعي) نسبة إلى جندع بطن من ليث كما سيأتي، أبو يزيد المدني، ثقة من الثالثة (أن عبيد الله بن عدي بن الخيار) القرشي المدني (أخبره) أي أخبر لعطاء بن يزيد (أن المقداد بن عمرو) والده الذي أولده بالنصب، صفة أولى للمقداد، أي أن المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة، وكان حليفًا لبني زهرة، لمحالفته الأسود بن عبد يغوث الزهري، لأن الأسود حالفه أيضًا مع تبنيه إياه (ابن الأسود) بإثبات ألف ابن، لأنه ليس هنا واقعًا بين علمين متناسلين، وبنصب نونه لأنه صفة ثانية للمقداد، وكان الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة قد تبناه في الجاهلية، فنسب إليه، وصار به أشهر وأعرف، ولو قُرئ ابن الأسود بجر ابن لفسد المعنى، وصار عمرو بن الأسود، وذلك غلط صريح، وقوله (الكندي) بالنصب صفة ثالثة للمقداد، وهذا نسبة إلى كندة النسب الحقيقي له، مع ما سيأتي فيه من الاعتراض (وكان) المقداد (حليفًا لبني زهرة) لأن الأسود بن عبد يغوث الزهري حالفه مع تبنيه إياه، كما مر آنفًا (وكان) المقداد (ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ أنه) أي أن المقداد بن الأسود (قال يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (إن لقيت) وقابلت (رجلًا من الكفار ثم ذكر) يونس بن يزيد عن ابن شهاب (بمثل حديث الليث) بن سعد الذي رواه عن ابن شهاب السابق أول الباب، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يونس بن يزيد لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذا السند من سباعياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، وفي هذا السند لطيفة تقدم نظائرها، وهو أن فيه ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، ابن شهاب وعطاء وعبيد الله بن عدي بن الخيار.
تتمة: قوله (أن المقداد بن عمرو ابن الأسود الكندي) الزهري.
قلت: ولهذا الاسم نظائر منها: عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم، وعبد الله بن أبي ابن سلول وعبد الله بن مالك ابن بحينة، ومحمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن
стр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إبراهيم ابن علية، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، ومحمد بن يزيد ابن ماجه، فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنًا لمن بعده، فيتعين أن يُكتب ابن بالألف، وأن يعرب بإعراب الابن المذكور أولًا، قام مكتوم زوجة عمرو، وسلول زوجة أبي، وبحينة زوجة مالك وأم عبد الله، والحنفية زوجة علي ﵁، وعُلية زوجة إبراهيم، وراهويه هو إبراهيم والد إسحاق، وماجه -بالهاء- لقب يزيد، كراهويه لقب لإبراهيم، فهما نظيران، في كونهما لقبين لما قبلهما، هذا إذا قرأنا ماجه بالهاء فهو لقب ليزيد، فمعناه الحاذق الفطن، وأما إذا قرأناه بالتاء المربوطة، فهو اسم لأم محمد فيكون نظير إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، ويكون معنى ماجه بالتاء المباركة.
ومرادهم بهذا كله تعريف الشخص بوصفه، ليكمل تعريفه، فقد يكون الإنسان عارفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فيجمعون بينهما ليتم التعريف لكل أحد، وقدَّم هنا نسبته إلى عمرو على نسبته إلى الأسود؛ لكون عمرو هو الأصل الوالد، وهذا من المستحسنات النفيسة.
وكان المقداد ﵁ من أول من أسلم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة منهم المقداد، وهاجر إلى الحبشة، يكنى أبا الأسود، وقيل: أبا عمرو، وقيل أبا معبد، وأما قولهم: في نسبه الكندي ففيه إشكال؛ من حيث إن أهل النسب قالوا: إنه بهراني نسبة إلى بهراء بن إلحاف بالحاء المهملة والفاء، ابن قضاعة لا خلاف بينهم في هذا، وممن نقل الإجماع عليه القاضي وغيره رحمهم الله تعالى.
وجوابه أن أحمد بن صالح المصري كاتب الليث قال: إن والد المقداد حالف كندة فنسب إليها، وروينا عن ابن شماسة عن سفيان عن صُهابة -بضم الصاد المهملة وتخفيف الهاء وبالباء الموحدة- المُهري قال: كنت صاحب المقداد ابن الأسود في الجاهلية، وكان رجلًا من بهراء فأصاب فيهم دمًا فهرب إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب فيهم دمًا فهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث، فعلى هذا تصح نسبته إلى بهراء؛ لكونه الأصل، وكذلك إلى قضاعة وتصح نسبته إلى كندة لحلفه، أو لحلف أبيه، وتصح إلى زهرة لحلفه مع الأسود.
стр. 1229
١٨١ - (٩١) (١٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ.
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، كِلاهُمَا
ــ
وقوله (عطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي) بضم الجيم وإسكان النون وبعدها دالٌ ثم عين مهملتان، وتفتح الدال وتُضم لغتان، نسبة إلى جندع بطن من ليث، فلهذا قال الليثي ثم الجندعي، فبدأ بالعام وهو ليث، ثم الخاص وهو جندع، ولو عكس هذا فقيل الجندعي ثم الليثي لكان خطأ، من حيث إنه لا فائدة في قوله الليثي بعد الجندعي، ولأنه أيضًا يقتضي أن ليثًا بطنًا من جندع وهو خطأ.
وأما قوله (إن المقداد بن عمرو ابن الأسود إلى قوله أنه قال يا رسول الله) فأعاد أنه لطول الكلام، ولو لم يذكرها لكان صحيحًا، بل هو الأصل، ولكن لما طال الكلام جاز، أو حسن ذكرها ونظيره في كلام العرب كثير، وقد جاء مثله في القرآن العزيز والأحاديث الشريفة، ومما جاء في القرآن قوله جلّ وعزّ حكاية عن الكفار ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ فأعاد أنكم للطول، ومثله قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فأعاد فلما جاءهم اهـ نواوي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث المقداد ابن الأسود بحديث أسامة رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٨١) - ش (٩١) (١٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان -بتحتانية- الأزدي الكوفي، صدوق من الثامنة، مات سنة (٢٢٤) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) (و) حدثنا (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في خمسة عشر بابًا تقريبًا، كلاهما رويا (عن أبي معاوية) محمد بن خازم التميمي مولاهم الكوفي، ثقة من التاسعة، وأتى بحاء التحويل لاختلاف صيغة مشايخه، لأن أبا بكر قال حدثنا، وأما أبو كريب وإسحاق فقالا: عن أبي معاوية، ولاختلاف مشايخهم (كلاهما) أي كل من
стр. 1230
عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي ظِبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ. وَهذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ.
قَال: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ،
ــ
أبي خالد وأبي معاوية رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة من الخامسة، مات سنة (١٤٨) (عن أبي ظبيان) الكوفي -بفتح الظاء المعجمة وكسرها وسكون الموحدة- فأهل اللغة يفتحون الظاء، ويلحِّنون من يكسرها، وأهل الحديث يكسرونها، اسمه حُصين -مصغرًا- بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي -بفتح الجيم وسكون النون ثم موحدة- نسبة إلى جنب قبيلة من "قبائل اليمن، روى عن أسامة بن زيد في الإيمان، وجرير بن عبد الله في المناقب، وحذيفة وسلمان وعلي وطائفة، ويروي عنه (ع) والأعمش وحُصين بن عبد الرحمن وابنه قابوس، وسماك وعطاء، وقال في التقريب: ثقة من الثانية، مات سنة (٩٠) تسعين، وقيل: سنة خمس أو ست وتسعين، روى عنه المؤلف في بابين (عن أسامة بن زيد) بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى القرشي الهاشمي مولاهم المعروف بالكلبي، يقال إنه من كلب اليمن، حب رسول الله ﷺ ومولاه، وأمه أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حاضنة النبي ﷺ أبي زيد المدني، ويقال: أبو محمد، قُبض رسول الله ﷺ وهو ابن عشرين سنة، وله مائة وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد كل منهما بحديثين، يروي عنه (ع)، وأبو ظبيان، وأبو عثمان النهدي، وكريب، وعطاء مولى سِباع، وعروة بن الزبير، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وأبو وائل، وكان قد نزل وادي القرى، ومات بالمدينة سنة (٥٤) أربع وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال الواقدي: توفي آخر خلافة معاوية ﵁.
وهذان السندان من خماسياته، والسند الأول رجاله كلهم كوفيون إلا أسامة فإنه مدني، والسند الثاني أيضًا كوفيون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي (وهذا) الحديث الآتي (حديث) أي لفظ حديث (ابن أبي شيبة) وروايته، وأما أبو كريب وإسحاق فرويا معناه لا لفظه، وإنما أتى بهذه الجملة تورعًا من الكذب على بعض مشايخه (قال) أسامة بن زيد (بعثنا) أي أرسلنا (رسول الله ﷺ في سرية) أي مع سرية، وقطعة جيش، قال في القاموس: والسرية من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة اهـ
следующие страницы →