Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.
стр. 11831
٧٣٠٣ - (٠٠) (٠٠) وَحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ الأَمِينُ، الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٧٣٠٤ - (٢٩٦٨) (١٣٥) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ)، عَنِ ابْنِ الْهَادِ،
ــ
وقوله (وأظنه قال ابن الحارث) فسره الأبي بأن سفيان إنما سماه وليد بن الحارث، ولم يقل الوليد بن حرب، ولكن الصحيح الوليد بن حرب بن أبي موسى الأشعري لأنه ليس من الرواة أحد يسمى وليد بن الحارث يروي عن سلمة بن كهيل، أما الوليد بن حرب فهو كوفي معروف من ولد أبي موسى الأشعري ﵁ كما ذكره ابن منجويه في رجال صحيح مسلم بهذا الاسم، ولكن يحتمل أن يكون مراد سعيد بن عمرو أنه يظن أن سفيان ذكر اسم جده مع اسم أبيه، فقال الوليد بن حرب بن الحارث بن أبي موسى فذكر اسم الحارث كاسم جده أبي موسى لا أنه سماه وليد بن الحارث بدل الوليد بن حرب ثم وجدت في تاريخ الإمام البخاري ما يعين هذا الاحتمال حيث قال: وقال مسلم بن إبراهيم هو الوليد بن حرب بن الحارث بن أبي موسى الأشعري، والحارث بن أبي موسى هو اسم لأبي بردة التابعي المشهور كما في التهذيب [١٢/ ١٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جندب ﵁ فقال:
٧٣٠٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (حدثنا الصدوق الأمين الوليد بن حرب) الأشعري الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن الوليد عن سلمة بن كهيل عن جندب، غرضه بيان متابعة ابن أبي عمر لسعيد بن عمر الأشعثي في الرواية عن ابن عيينة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء السادس من الترجمة وهو حفظ اللسان بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣٠٤ - (٢٩٦٨) (١٣٥) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر يعني ابن مضر) بن محمد بن حكيم مولى شرحبيل بن أبي حسنة أبو محمد المصري، من (٨) روى عنه في (٩) أبواب (عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي المدني، ثقة، من (٥) روى
стр. 11832
عنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَينَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ"
ــ
عنه في (١٢) بابًا (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (١١) بابا (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (أنه) أي أن أبا هريرة (سمع رسول الله ﷺ يقول: إن العبد ليتكلم بالكلمة) أي بالكلام المفيد فائدة تامة يحسن سكون المتكلم عليها بحيث لا ينتظر السامع كلامًا آخر لأنه هو المراد منها لأن الكلمة قول مفرد وضع لمعنى ذاتًا أو معنى كزيد وضرب فهي لا تفيد فهي هنا نظير قولهم (لا إله إلا الله) كلمة إيمان (ينزل) ويهوي (بها في) قعر (النار) وفي رواية البخاري "يزل بها" ومعناهما متقارب أي يسقط بها إلى أعماق جهنم بقدر مسافة كانت (أبعد) من (ما بين) أي من المسافة التي بين (المشرق والمغرب) ومعنى هذا الكلام إن الإنسان ليتكلم بكلمة لا يتدبرها ولا يتفكر في قبحها ولا يلقي إليها بالًا مع أنه بسببها يدخل النار، وفيه حض على التدبر والتفكر في الكلمة عند إرادة التكلم بها والله أعلم، وتلك الكلمة كالكلمة التي يتكلم بها عند والٍ جائر يرضيه بها وفيها سخط الله تعالى، وقيل هي كلمة الرفث والخنا، وككلمة التعريض بمسلم بفعل كبيرة أو بمجون، وقال ابن بطال: وهي التي يقولها عند السلطان الجائر بالبغي أو السعي على المسلم فتكون سببًا لهلاكه وإن لم يرد القائل ذلك لكنها ربما أدت إلى ذلك ويكتب على القائل إثمها.
وعبارة التحفة هنا (إن العبد) أي إن الإنسان (ليتكلم بالكلمة) أي الواحدة (لا يرى بها بأسًا) فهو (يهوي بها) أي يسقط بسبب تلك الكلمة، يقال هوى يهوي من باب رمى هويًا بالفتح سقط إلى أسفل كذا في مختار الصحاح (أبعد ما بين المشرق والمغرب) لما فيها من الأوزار التي غفل عنها، والمراد أنه يكون دائمًا في صعود وهوي.
وقال النووي: وفي هذا الحديث حث على حفظ اللسان كما قال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت لا وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه فإن ظهرت مصلحته تكلم وإلا أمسك اهـ.
стр. 11833
٧٣٠٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِن الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَينَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ"
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الرقاق باب حفظ اللسان [٦٤٧٧ و ٦٤٧٨]، والترمذي في الزهد باب فيمن تكلم بكلمة يُضحك بها الناس [٢٣١٤]، وابن ماجه في الفتن باب كف اللسان في الفتنة [٤٠١٨]، وأحمد [٢/ ٣٣٤ و ٣٧٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣٠٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه محمد بن) يحيى (بن أبي عمر المكي) العدني (حدثنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد (الدراوردي) المدني (عن يزيد) عن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي المدني (عن محمد بن إبراهيم) التيمي المدني، ثقة، من (٤) (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الدراوردي لبكر بن مضر (أن رسول الله ﷺ قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة) أي بجنس الكلمة الصادق بالواحدة وما فوقها، حالة كونه (ما يتبين) ولا يتأمل (ما فيها) من قبيح المعنى وسيئه فـ (يهوي بها) أي يسقط بسببها (في) قعر (النار) في مسافة (أبعد) من قدر (ما بين المشرق والمغرب) كالكلمة التي يترتب عليها إضرار المسلم وككلمة القذف به والإهانة له، قال في المبارق: قوله ﵇ (في النار أبعد) أبعد صفة لمصدر محذوف أي نزولًا أبعد أو صفة لنار على تقدير أن يكون اللام فيه زائدة أي في نار أبعد (ما بين) ما موصولة، والظرف صلتها أي في نار أبعد قعرًا من البعد الذي حصل بين المشرق والمغرب، وفيه حض على قلة الكلام، قال حكيم: خلق الله تعالى أذنين ولسانًا واحدًا ليكون الرجل سماعه ضعف كلامه اهـ منه. قوله (ما يتبين ما فيها) قال القاضي: معناه لا يلقي لها بالًا ولا يتدبر قبحها كالكلمة عند السلطان الجائر يرضيه بها في ظلم الناس مثلًا.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء السابع من الترجمة وهو تركُ الآمر المأمورَ به وارتكابُ الناهي المنهيَّ عنه بحديث أسامة بن زيد ﵄ فقال:
стр. 11834
٧٣٠٦ - (٢٩٦٩) (١٣٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيبٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيبٍ- (قَال يَحْيَى وإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) أَبُو مُعَاوَيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ، قَال: قِيلَ لَهُ: أَلا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَال: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟
ــ
٧٣٠٦ - (٢٩٦٩) (١٣٦) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (واللفظ لأبي كريب قال يحيى وإسحاق أخبرنا، وقال الآخرون حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التيمي الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) بن سلمة أبي وائل الأسدي الكوفي (عن أسامة بن زيد) بن حارثة الكلبي المدني حب رسول الله ﷺ ومولاه رضي الله تعالى عنهما. وهذه الأسانيد من خماسياته (قال) شقيق بن سلمة (قيل له) أي قال قائل لأسامة بن زيد ولم أر من ذكر اسم القائل (ألا) حرف عرض وهو الطلب برفق ولين أي ألا (تدخل) يا أسامة (على عثمان) بن عفان ﵁ (فتكلمه) أي فتكلم عثمان في بعض الأمور التي أنكرها الناس عليه أي ألا تطلب منه ترك مخالفتهم وموافقتهم فيها لئلا يحصل الافتراق بين المسلمين، والفاء في قوله فتكلمه عاطفة سببية، والفعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب العرض.
وذكر المهلب أنهم قالوا ذلك عندما نُسب إلى الوليد بن عقبة أنه شرب الخمر فأرادوا أن يكلمه أسامة ليقيم عليه الحد، وكان أسامة من خواصه ولكن لم يبين المهلب مستنده في ذلك، وسياق الرواية الآتية يدفعه ولفظها (ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع) وظاهره أنهم أرادوا الكلام فيما يتعلق بصنع عثمان ﵁ نفسه لا في صنع غيره، وجزم الكرماني بأن المراد أن يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتهر وشاع منه.
(فقال) أسامة للناس (أترون) بضم التاء بمعنى تظنون ويجوز بفتحها من رأى رأيًا أي أتظنون أيها الناس (أني لا أكلمه) أي لا أكلم عثمان (إلا) وأنا (أسمعكم) أي
стр. 11835
وَاللهِ، لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَينِي وَبَينَهُ. مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ. وَلَا أَقُولُ لأَحَدٍ، يَكُونُ عَلَى أَمِيرًا: إِنَّهُ خَيرُ النَّاسِ بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيُلْقَى فِي النَّارِ. فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ. فَيَدُورُ بِهَا كمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى. فَيَجْتَمِعُ إِلَيهِ أَهْلُ
ــ
أسمعكم تكليمي إياه من أسمع الرباعي أي هل تظنون أني أخبركم بكل ما أكلم به عثمان أو هل تظنون أني لا أكلمه إلا بمحضر ومسمع منكم، والاستفهام فيه للإنكار بمعنى النفي يعني ليس الأمر كما تظنون وإنما أكلمه في الخلوة، وقد حصل مني ذلك، قال القاضي عياض: أي أتظنون أني لا أكلمه إلا وأنتم تسمعون فقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أجهر لأن في الإنكار جهارًا فتح أمر لا أحب أن أكون أول من فتحه يعني الإنكار على الأمراء جهارًا لأن فيه ما يخشى عاقبته كما اتفق في الإنكار على عثمان جهارًا إذ نشأ عنه قتله واضطراب الأمر بعده، ففيه التأدب مع الأمراء وتبليغهم ما ينكر عليهم اهـ من الأبي (والله لقد كلمته) وأنكرت عليه (فيما) أي في الحالة التي (بيني وبينه) وهي حالة الخلوة معه (ما دون أن أفتتح) ولفظة ما زائدة أي كلمته من غير أن أفتح وأثير (أمرًا لا أحب أن كون أول من فتحه) وأظهره، والمراد بالأمر ها هنا الفتنة وافتتاحه إثارته وتحريكه، والمعنى أني أعظ الخليفة من غير أن أثير فتنة لا أريد أن أكون أول من أثارها فلا أجاهر بالإنكار على الخليفة في محضر من الناس، وإنما أنكر عليه سرًّا وخلوة وقد فعلت ذلك فلم يقبله مني، قال النووي: وفيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سرًّا وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن ذلك فإن لم يكن الوعظ والإنكار عليه سرًّا فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق اهـ.
ثم قال أسامة أيضًا (ولا أقول) أنا (لأحد) من الناس (يكون علي أميرًا) أي كان علي أميرًا، وجملة الكون صفة لأحد (إنه خير الناس) وأفضلهم، قال القاضي عياض: فيه ذم المداهنة والمواجهة بما يبطن خلافه بخلاف أمره سرًّا لأنه من المداراة، والمداراة محمودة لأنه ليس فيها قدح في الدين وإنما هي ملاطقة في الكلام أي لا أقول ذلك (بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق) أي فتخرج (أقتاب بطنه) أي أمعاء بطنه ومصارينه ويجرها (فيدور بها) أي يتجول ويطوف بها في النار (كما يدور الحمار بالرحى) أي بالطاحونة (فيجتمع إليه أهل
стр. 11836
النَّارِ. فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ، مَا لَكَ، أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ"
ــ
النار فيقولون) له (يا فلان ما لك) أي أي ذنب لك (ألم تكن) في الدنيا (تأمر) الناس (بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول) ذلك الرجل (بلى) أي ليس الشأن عدم أمري ونهيي بل (قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه) أي والحال أني لا أفعله (وأنهى عن المنكر و) الحال أني (آتيه) أي أفعل المنكر.
قوله (فتندلق أقتاب بطنه) والاندلاق الخروج بسرعة يقال اندلق السيف من غمده إذا خرج من غير أن يسله أحد (والأقتاب) جمع قتب بكسر القاف وسكون التاء قاله الكسائي، وقال الأصمعي: جمع قتبة بكسر القاف وسكون التاء وبه سمي الرجل قتيبة لأنه تصغيرها فالأقتاب على كلا القولين الأمعاء، وقيل هي ما استدار من البطن وهي الحوايا، وأما الأمعاء فهي الأقصاب واحدها قصب بضم القاف وسكون الصاد، ويقال اندلق الشيء من باب انفعل الخماسي ثلاثية دلق، والاندلاق خروج الشيء بسرعة من مكانه فكل شيء يبرز خارجًا فقد اندلق، ومنه اندلق السيف إذا شق جفنه فخرج بسرعة ودلقت الخيل إذا خرجت بسرعة.
(قوله كنت آمرًا بالمعروف ولا آتيه) إلخ إنما عذب على كونه لم يعمل بما علمه من الأمر والنهي، وإنما أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإن لم يمتثل هو فذلك واجب أداؤه وطاعة يستحق الثواب عليها إذ لا يشترط عند أهل السنة في الأمر بالمعروف أن يعمل الآمر بذلك المعروف ولا من شرط النهي عن المنكر عندهم أن ينكف الناهي عن ذلك المنكر بل يجب عليه أن يأمر وإن لم يمتثل وينهى وإن لم ينته اهـ سنوسي. قال الأبي (فإن قلت) أسامة إنما سألوه أن ينهى عثمان فأخبرهم أنه قد فعل لكن سرًّا ولم يداهنه فما وجه إتيانه بالحديث واستدلاله به. (قلت) الحديث كم دل بالنص على عقوبة من نهى عن المنكر وفعله فهو أيضًا يدل باللزوم على عقوبة من لم ينه فكأنه قال لم لا أنهى وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول الحديث، وقيل الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على عوام الناس.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة [٣٢٦٧] وفي الفتن باب الفتنة التي تموج كموج البحر [٧٠٩٨]، وأحمد
стр. 11837
٧٣٠٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَال: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ. فَقَال رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
٧٣٠٨ - (٢٩٧٠) (١٣٧) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. (قَال عَبْدٌ: حَدَّثَنِي. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ. قَال: قَال سَالِمٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُل أُمَّتِي مُعَافَاةٌ
ــ
[٥/ ٢٠٥ و ٢٠٩]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٨٩]، والبغوي [١٤/ ٣٥١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أسامة ﵁ فقال:
٧٣٠٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن الأعمش عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قال) أبو وائل (كنا عند أسامة بن زيد) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة جرير لأبي معاوية (فقال رجل) من الحاضرين لم أر من ذكر اسمه (ما يمنعك) يا أسامة (أن تدخل على عثمان) بن عفان ﵁ وأنت من بطانته (فتكلمه) أي فتعظه (فيما يصنع) ويفعل من ترك إقامة الحد على الوليد بن عقبة وإيثار أقاربه بالولاية (وساق) جرير (الحديث) السابق (بمثله) أي بمثل ما روى أبو معاوية عن الأعمش.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثامن من الترجمة وهو النهي عن هتك الستر عن نفسه بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣٠٨ - (٢٩٧٠) (١٣٧) (حدثني زهير بن حرب ومحمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي (وعبد بن حميد) الكسي (قال عبد) بن حميد (حدثني وقال الآخران حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا) محمد (بن) عبد الله بن مسلم بن شهاب (أخي) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري الصغير المدني، صدوق، من (٦) يروي عنه في (٥) أبواب (عن عمه) الزهري الكبير محمد بن مسلم بن شهاب (قال) ابن شهاب (قال) لنا (سالم) بن عبد الله بن عمر (سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول) وهذا السند من سداسياته (كل أمتي معافاة)
стр. 11838
إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ. وَإِنَّ مِنَ الإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلانُ، قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ"
ــ
قال النووي: كذا في معظم النسخ المعتمدة في مسلم (معافاة) بالتاء المثناة من فوق مراعاة للفظ الأمة، ووقع في رواية البخاري (معافى) بلا تاء التأنيث نظرًا إلى لفظ كل، وعلى كلا التقديرين هو اسم مفعول من المعافاة المشتقة من العافية وهي السلامة، وهي إما بمعنى عفا الله عنهم، أو بمعنى سلمهم الله وأعطاهم العافية من العذاب أي كلهم معفو لهم بالسلامة من العذاب (إلا المجاهرين) أي إلا المستهزئين بالذنوب يصبحون يخبرون بها ويتحدثون بمعاصيهم وقد سترهم الله تعالى عليها فاستثناهم الله من معافاته كذا في الأبي. وقوله (إلا المجاهرين) كذا وقع منصوبًا في أكثر الروايات عند البخاري ومسلم، ووقع في رواية النسفي للبخاري إلا المجاهرون بالرفع، وصوابه عند البصريين بالنصب لكون المستثنى منه مذكورًا وهو أمتي، وأول بعضهم رواية الرفع بأن إلا بمعنى لكن مخففة والمجاهرون مبتدأ خبره محذوف تقديره لكن المجاهرون لا يعافون، والمجاهر هو الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها لغير ضرورة ولا حاجة أو ارتكب المعصية علنًا بمحضر من الناس، ودل الحديث على كون المجاهرة بالمعصية أشد وأشنع من ارتكابها في الخلوات، قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف لأن المعاصي تذل أهلها. قال السنوسي: والمجاهرون هم الذين جاهروا وأظهروا بمعاصيهم ولم يستتروا بستر الله تعالى فيها فاستثناهم الله تعالى من معافاته لكن فضله ورحمته وسعت كل شيء اهـ سنوسي (وإن من الإجهار) والإظهار بالمعاصي (أن يعمل العبد بالليل) أي في الليل في خلوته (عملًا) سيئًا (ثم يصبح) أي يدخل في الصباح و (قد ستره ربه) ﵎ على عمله السيء (فيقول) في الصباح مستهزئًا بعمله (يا فلان قد عملت البارحة) أي في هذه الليلة القريبة إلينا (كذا وكذا) من الذنوب كقوله زنيت ببنت فلان وسرقت مال فلان (وقد بات يستره ربه) أي وقد وإن ربه ساترًا له طول ليله، وجملة بات حال من فاعل يقول. وقوله (فيببت يستره ربه) جملة مستأنفة ذكرها توطئة لما بعدها وهو قوله (ويصبح يكشف ستر الله عنه)
стр. 11839
قَال زُهَيرٌ: "وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ".
٧٣٠٩ - (٢٩٧١) (١٣٨) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ، (وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ)، عَنْ سُلَيمَانَ
ــ
أي ويكون في الصباح كاشفًا ستر الله عن نفسه بإخباره للناس سخرية وأضحوكة (قال زهير) بن حرب في روايته (وإن من الهجار) بتقديم الهاء على الجيم، وفي هذه الكلمة خمس روايات: الأولى (وإن من الإجهار) وهذه رواية الفارسي من أجهر الرباعي. والثانية (وإن من الجهار) وهي رواية ابن ماهان من جهر الثلاثي. والثالثة (وإن من المجاهرة) وهي رواية للبخاري من جاهر الرباعي، وكل من هذه الألفاظ الثلاثة صحيح لأن جهر وأجهر وجاهر بمعنى واحد. والرابعة (وإن الهجار) وهي رواية مسلم عن زهير ذكرها في آخر الحديث من الهجر بضم الهاء وسكون الجيم بمعنى الفحش والخنا أي الكلام الباطل، قال النووي: قيل إنها خلاف الصواب وليس كذلك بل هو صحيح ويكون الهجار لغة في الإهجار الذي هو الفحش والخنا والكلام الذي لا ينبغي، ويقال في هذا أهجر إذا أتى به كذا قال الجوهري وغيره اهـ منه، والصحيح هو الأول يعني من الهجر بمعنى الفحش. والخامسة (وإن من المجانة) وهي رواية للبخاري أيضًا من المجون بمعنى الهذيان والكلام الفاضي، وقد اختارها صاحب المشكاة وأنكرها ابن بطال وزعم أنه تصحيف لكن قال الحافظ في الفتح [١٠/ ٤٨٧] بل الذي يظهر رجحان هذه الرواية لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة فليس في إعادة ذكره كبير فائدة، وأما الرواية بلفظ المجانة فتفيد معنى زائدًا وهو أن الذي يجاهر بالمعصية من جملة المجان (جمع مجنون) والمجانة مذمومة شرعًا وعرفًا اهـ منه، فالجملة خمس ثلاثة في مسلم واثنتان في البخاري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب ستر المؤمن على نفسه [٦٠٦٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء التاسع من الترجمة وهو تشميت العاطس وكراهة التثاؤب بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
٧٣٠٩ - (٢٩٧١) (١٣٨) (حدثني محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا حفص وهو ابن غياث) بن طلق النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن سليمان) بن
стр. 11840
التَّيمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ. فَقَال الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَال: "إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ. وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللهَ".
٧٣١٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، (يَعْنِي الأَحْمَرَ)، عَنْ سُلَيمَانَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ
ــ
طرخان (التيمي) البصري، ثقة، من (٥) (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (قال) أنس (عطس عند النبي ﷺ رجلان) من المسلمين لم أو من ذكر اسمهما (فشمت) أي شمت النبي ﷺ (أحدهما) أي أحد الرجلين (ولم يشمت) النبي ﷺ (الآخر فقال الذي لم يشمته) النبي ﷺ لرسول الله ﷺ (عطس فلان) يعني ذلك الأحد (فشمته) بتشديد الميم لأنه من التشميت وتشديد التاء بإدغام لام الكلمة في تاء الضمير أي فشمت فلانًا (وعطست أنا فلم تشمتني) فلم شمته وتركتني فـ (قال) رسول الله ﷺ (أن هذا) الذي شمته (حمد الله) تعالى على عطاسه فاستحق التشميت والدعاء له (وإنك) عطست و (لم تحمد الله) على عطاسك فلم تستحق التشميت، إنما التشميت لمن حمد الله تعالى على عطاسه، قال الأبي: لم يذكر في الحديث أنه أرشده إلى الحمد. قال الطيبي: وعلى من سمعه أن يرشده إلى الحمد. قال مكحول: كنت إلى جانب عمر فعطس رجل من ناحية المسجد، فقال عمر: يرحمك الله إن حمدت. وقال الشعبي: إذا سمعت الرجل يعطس من وراء جدار فحمد الله فشمته. وقال إبراهيم: إذا كنت وحدك فعطست وحمدت فقل يغفر الله لي ولكم اهـ منه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٧٣١٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو خالد يعني الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق، من (٨) (عن سليمان التيمي عن أنس عن النبي ﷺ ) وهذا السند أيضًا من رباعياته، غرضه بيان متابعة أبي خالد لحفص بن غياث، وساق أبو خالد (بمثله) أي بمثل حديث حفص بن غياث.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب [٦٢٢١]، وأبو داود
стр. 11841
٧٣١١ - (٢٩٧٢) (١٣٩) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ)، قَالا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،
ــ
في الأدب [٥٠٣٩]، والترمذي في الأدب [٢٧٤٢]، وابن ماجه في الأدب [٣٧٥٧]، وأحمد [٣/ ١١٧].
وقد سبق للمؤلف في كتاب السلام برقم (٥٦٠٦) وقد بسطنا الكلام على العطاس هناك فراجعه.
قال النووي: قوله (فشمت أحدهما) إلخ يقال شمت بالشين المعجمة والمهملة لغتان مشهورتان، المعجمة أفصح، قال ثعلب: معناه بالمعجمة أبعد الله عنك الشماتة أي فرح الأعداء بمصيبتك، وبالمهملة هداك الله إلى ما هو القصد والهدى من السمت وهو الاستواء والاستقامة والهداية، والعطاس هو خروج ما اختنق في الدماغ من الأبخرة، وأول من عطس آدم ﵇ كما ذكرناه في الحدائق مع بيان سببه.
قال القاضي: قال بعض شيوخنا: وإنما أمر العاطس بالحمد لما حصل له من المنفعة بالعطاس بخروج أبخرة فاسدة مضرة من دماغه بسبب العطاس التي تصاعدت من المعدة إلى الدماغ.
وقد اختلف أهل المذاهب في حكم التشميت عند حمد العاطس فهو واجب على الكفاية عند الحنفية قاله العزيزي، وفرض كفاية عند مالك، وسنة عند الشافعي، وواجب عند الظاهرية قاله النووي. وفي العزيزي: الكافر لا يشمت بالرحمة بل يقال يهديكم الله ويصلح بالكم اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث أبي موسى ﵄ فقال:
٧٣١١ - (٢٩٧٢) (١٣٩) (حدثني زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لزهير قالا حدثنا القاسم بن مالك) المزني أبو جعفر الكوفي، صدوق فيه لين، من صغار الثامنة، له في (خ) فرد حديث، وفي (م) حديثان في الصلاة وفي العطاس (عن عاصم بن كليب) بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري، ثقة، من (٢) روى عنه في (٥)
стр. 11842
قَال: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَهُوَ فِي بَيتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي. وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا. فَلَمَّا جَاءَهَا قَالتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا. فَقَال: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ. وَعَطَسَتْ، فَحَمِدَتِ اللهَ، فَشَمَّتُّهَا. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ"
ــ
أبواب (قال) أبو بردة (دخلت على) والدي (أبي موسى) الأشعري ﵁ (وهو) أي أبو موسى (في بيت) زوجته (بنت الفضل بن عباس) ﵄، وهذه البنت اسمها أم كلثوم بنت الفضل بن عباس عم رسول الله ﷺ امرأة أبي موسى الأشعري تزوجها بعد فراق الحسن بن علي لها وولدت لأبي موسى ابنه موسى، ومات عنها فتزوجها بعده عمران بن طلحة ففارقها، وماتت بالكوفة، ودفنت بظاهرها اهـ نووي (فعطست) أنا (فلم يشمتني) والدي (وعطست) زوجته أم كلثوم (فشمتها فرجعت إلى) بيت (أمي) وهي ضرة لبنت الفضل بن عباس، ولعل اسم أمه أم عبد الله (فأخبرتها) أي أخبرت أمي بما جرى بيني وبين والدي من عدم التشميت لي مع تشميته لعطاس زوجته (فلما جاءها) أي فلما جاء والدي أبو موسى إياها في نوبتها (قالت) له أمي (عطس عندك ابني) أبو بردة (فلم تشمته وعطست) زوجتك بنت الفضل (فشمتها) فلم ميزت بينهما في التشميت فكأنها غارت لابنها (فقال) أبي في جواب أمي (إن ابنك عطس فلم يحمد الله) تعالى على نعمة العطاس (فلم أشمته) أنا فإنما التشميت لمن حمد الله بعد عطاسه. وهذا يدل على أن التشميت إنما هو بعد الحمد، ولهذا قال مالك: لا تشمته حتى تسمعه حمد وإن بعد منك، وإن رأيت من يليه شمته فشمته، واستحب له أن يرفع صوته بالحمد اهـ من الأبي (وعطست) بنت الفضل (فحمدت الله) بعد عطاسها (فشمتها) بتشديد الميم والتاء مع ضمها لأنها للمتكلم، وإنما فرقت بينهما بالتشميت لها وتركه في عطاسه لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه).
стр. 11843
٧٣١٢ - (٢٩٧٣) (١٤٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيُرٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَال لَهُ: "يَرْحَمُكَ اللهُ" ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ"
ــ
وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم من بين أصحاب الأمهات، لكنه شاركه أحمد [٤/ ٤١٢]، والبغوي [١٢/ ٣١٢].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بحديث سلمة بن الأكوع ﵄ فقال:
٧٣١٢ - (٢٩٧٣) (١٤٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا وكيع حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي اليمامي أصله من البصرة، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) (عن إياس بن سلمة) بن عمر (بن الأكوع) الأسلمي أبي سلمة المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) سلمة بن عمر بن الأكوع الأسلمي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (واللفظ له حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مقسم الليثي مولاهم البغدادي، ثقة، من (٩) (حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي (حدثني إياس بن سلمة) بن عمر (بن الأكوع أن أباه) أي أن أبا إياس (حدثه) أي حدث لإياس (أنه) أي أن أبا إياس (سمع النبي ﷺ و) قد (عطس رجل) لم أر من ذكر اسمه (عنده) ﷺ (فقال) رسول الله ﷺ (له) أي لذلك الرجل (يرحمك الله ثم عطس) ذلك الرجل مرة (أخرى فقال له) أي لذلك الرجل العاطس (رسول الله ﷺ الرجل مزكوم) أي لعل هذا الرجل مأخوذ بالزكام، قال النووي: يعني أنك لست ممن يشمت بعد هذا لأن هذا الذي بك مرض (فإن قيل) إذا وإن مريضًا فكان الأولى أن يدعى له لأنه أحق بالدعاء من غيره (فالجواب) أنه يستحب أن يدعى له بالعافية لا بدعاء العاطس (قلت) مذهب مالك من تكرر منه العطاس يشمته ثلاثًا ثم يمسك لحديث أبي داود شمت أخاك ثلاثًا فإن زاد فهو مزكوم، ووقع في الموطأ على الشك، قال: لا أدري
стр. 11844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أفي الثانية أو في الثالثة، وحديث أبي دواد هذا يرفع الشك، وأما حديث مسلم هذا فلم يذكر فيه أنه تكرر، وظاهره أنه متى عرف أن العاطس مزكوم أو تكرر فلا يشمته ولعل الراوي لم يحضر إلا بعد الثالثة أو لم يجعل باله إلا حينئذ اهـ من الأبي.
قال القاضي عياض: لا خلاف أن العاطس مأمور بالحمد، واختلف في كيفية حمده فقيل يقول الحمد لله، وقيل يزيد رب العالمين، وقيل يقول الحمد لله على كل حال، وخيره الطبري فيما شاء من ذلك، وأما التشميت فاختلف في حكمه فمشهور مذهب مالك وهو قول جماعة أنه فرض كفاية كرد السلام، وقال ابن مزين وأهل الظاهر: هو فرض عين لحديث إذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وقال عبد الوهاب وجماعة هو مستحب قالوا: وقوله حق على كل مسلم معناه في حكم الأدب وكرم الأخلاق كقولهم حق الإبل أن تحلب على المار، واختلف في كيفية التشميت فقيل يقول: يرحمك الله، وقيل يقول: الحمد لله يرحمك الله، وقيل يقول: يرحمنا الله وإياكم اهـ من الأبي.
وقال القاضي أيضًا: واختلف في صفة رد العاطس، فقيل يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل يقول: يغفر الله لنا ولكم. قال الأبي: هذا القول على التخيير حكاه ابن رشد عن مالك، واختار عبد الوهاب يهديكم الله ويصلح بالكم، قال ابن رشد: والذي أقول به أن يقول: يغفر الله لنا ولكم، إذ لا يعلم سلامة أحد من ذنب وصاحب الذنب محتاج إلى المغفرة، وإن جمع بينهما فقال: يغفر الله لنا ولكم، ويهديكم ويصلح بالكم كان أحسن إلا في الذمي فليقل يهديكم الله ولا يقول: يغفر الله لأن اليهود والنصارى لا يغفر لهما الذنوب إلا بعد الإيمان.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الأدب باب كم مرة يشمت العاطس [٥٠٣٧]، والترمذي في الأدب باب ما جاء كم يشمت العاطس [٢٧٤٣]، وابن ماجه في الأدب باب تشميت العاطس [٣٧٥٨]، وأحمد [٤/ ٤٦ و ٥٠]، وابن حبان [١/ ٤٠٣].
ثم استدل المؤلف على الجزء العاشر من الترجمة وهي كراهية التثاؤب بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 11845
٧٣١٣ - (٢٩٧٤) (١٤١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ"
ــ
٧٣١٣ - (٢٩٧٤) (١٤١) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد) الثقفي (وعلي بن حجر السعدي) المروزي (قالوا حدثنا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال التثاؤب من الشيطان) قال في المصباح: يقال تثاءب بالهمزة تثاؤبًا على وزن تقاتل تقاتلًا وتثاوب بالواو عامي، وفي المناوي: تثاءب بهمزة بعد الألف وبالواو غلط اهـ وهو التنفس الذي ينفتح منه الفم، قال بعض الشافعية: وإنما ينشأ عن امتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم، وكذلك كرهه الله تعالى وأحبه الشيطان وضحك منه، والعطاس لما وإن سببًا لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات وصفاء الروح وتقوية الحواس وإن أمره بالعكس، ولكونه من الشيطان، قيل إنه ما تثاءب نبي قط اهـ من الأبي. وفي المبارق: التثاؤب فتح الحيوان فمه لما عراه من ثقل وامتلاء طعام، وهذا يكودق سببًا للكسل عن الطاعات والحضور فيها، ولذا صار منسوبًا إلى الشيطان. قوله (من الشيطان) قال النووي: أي من كسله وتسببه، وقيل نسب إليه لأنه يرضيه، وفي البخاري "أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب" قالوا: لأن العطاس يدل على النشاط وخفة البدن والتثاؤب بخلافه اهـ (فإذا تثاءب أحدكم) أيها الناس، قال النووي: وقع ها هنا في بعض النسخ تثاءب بالمد مخففًا، وفي أكثرها تثاوب بالواو، وكذا وقع في الروايات الثلاث بعد هذه تثاوب بالواو، قال القاضي: قال ثابت: ولا يقال تثاءب بالمد مخففًا بل تثأب بتشديد الهمزة، قال ابن دريد: أصله من تثأب الرجل بالتشديد فهو متثئب إذا استرخى وكسل، قال الجوهري: يقال تثاءبت بالمد مخففًا على وزن تفاعلت ولا يقال تثاوبت بالواو اهـ منه (فليكظم) بكسر الظاء من باب ضرب أي فليمنع ويرد تثاؤبه (ما استطاع) أي مدة استطاعة ردّه أو
стр. 11846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقدر استطاعته وقدرته على كظمه ورده بوضع يده على فمه لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه وضحكه منه وأمره بالتفل ليطرح ما عسى أن يكون الشيطان ألقاه في فيه أو لما مسه من ريقه إن كان دخله، قال الأبي: وفي المدونة وكان مالك إذا تثاءب سد فاه بيده ونفث في غير الصلاة، وما أدري ما فعله في الصلاة اهـ.
قوله (التثاؤب من الشيطان) والتثاؤب مهموز يقال ثئب الرجل بالبناء للمجهول وتثاءب إذا أصابه كسل وفترة كما في القاموس، ثم استعير للفعل المخصوص الذي يفتح فيه المرء فمه لإدخاله الهواء أو لإخراجه، والاسم ثوباء، قال ابن بطال: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة للرضا والإرادة أي إن الشيطان يحب أن يرى الرجل متثائبًا لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه وليس المراد أن الشيطان فعل التثاؤب اهـ والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك وهو التوسع في المآكل والمشارب، ومعنى (إذا تثاءب أحدكم) أي إذا أراد أن يتثاءب أو كاد أن يتثاءب (فليكظم ما استطاع) أي فليأخذ في أسباب رده مثل أن يمسك شفته السفلى بثناياه أو بطريق آخر، والتجربة أن عدم الالتفات إلى التثاؤب والاشتغال بعمل ينافي الكسل يفيد في كظم التثاؤب، ومن أقوى طرق رد التثاؤب أن يستحضر هذا الحديث، وقال بعض الشافعية: ومن المجرب في دفع التثاؤب أن يضع ظهر كف يده اليسرى على الفم عند إرادة التثاؤب، ومن المجرب في دفع الضحك إذا غلبك أن تنظر إلى أظفار يدك، وقد بينوا حكمة ذلك فراجع إلى كتبهم والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في كتاب الأدب باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب [٦٢٢٣]، وأبو داود في الأدب باب ما جاء في التثاؤب [٥٠٢٨]، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة [٣٧٠] وفي الأدب باب ما جاء إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب [٢٧٤٦ و ٢٧٤٧]، وأحمد [٢/ ٤٢٨]، وابن خزيمة [٢/ ٦١]، وابن حبان [١/ ٤٠١ و ٤/ ٤٤]، والبغوي [١٢/ ٣٠٦].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري ﵄ فقال:
стр. 11847
٧٣١٤ - (٢٩٧٥) (١٤٢) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا سُهَيلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، قَال: سَمِعْتُ ابْنًا لأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يُحَدِّثُ أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ. فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدْخُلُ"
ــ
٧٣١٤ - (٢٩٧٥) (١٤٢) (حدثني أبو غسان المسمعي مالك بن عبد الواحد) البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا سهيل بن أبي صالح) السمان، صدوق، من (٦) روى عنه في (١٣) بابا (قال) سهيل (سمعت ابنًا لأبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي المدني ﵁، اسم ذلك الابن عبد الرحمن بن أبي سعيد كما صرح به عبد العزيز بن محمد عن سهيل في الرواية الآتية، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (يحدث) ذلك الابن (أبي) أبا صالح السمان (عن أبيه) أبي سعيد الخدري (قال) أبوه أبو سعيد الخدري. وهذا السند من خماسياته، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال رسول الله ﷺ إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه) أي فليغط فمه بكفه (فإن الشيطان يدخل) فمه عند انفتاحه سترًا على فعله المذموم الجالب للكسل والنوم، وفي المناوي: يضع ظهر كف يساره ندبًا اهـ، وفي الحفني: تحصل السنة بوضع الظهر أو البطن من اليمنى أو اليسرى اهـ.
قال العلماء: الأمر بكظم التثاؤب ورده ووضع اليد على الفم لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله في فمه وضحكه منه قاله النووي. قوله (فليمسك بيده على فمه) قال الحافظ: يتناول ما إذا انفتح بالتثاؤب فيغطي بالكف ونحوه، وما إذا وإن منطبقًا حفظًا له عن الانفتاح بسبب ذلك، وفي معنى وضع اليد على الفم وضع الثوب ونحوه مما يحصل ذلك المقصود، ثم ذكر أن المصلي يفعل ذلك أيضًا وإنه يستثنى عن النهي من أن يغطي الرجل فاه في الصلاة، وهذا النهي مروي عند ابن ماجه رقم [٩٥٣] في باب ما يكره في الصلاة اهـ. قوله (فإن الشيطان يدخل) أي من فمه إلى باطن بدنه مع التثاؤب يعني يتمكن على الوسوسة منه في تلك الحالة ويغلب عليه أو يدخله حقيقة ليشغله عن صلاته فيخرج منها أو يترك الشروع فيها، والأمر عام لكنه للمصلي آكد اهـ دهني. وقال الحافظ في الفتح [١٠/ ٦١٢] قوله (فإن الشيطان يدخل) يحتمل أن يراد به
стр. 11848
٧٣١٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَن أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِك بِيَدِهِ. فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدْخُلُ".
٧٣١٦ - (٠٠) (٠٠) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
الدخول حقيقة وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكرًا لله تعالى، والمتثائب في تلك الحالة غير ذاكر فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة، ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه يعني بالوسوسة، وقد ورد عند البخاري في حديث أبي هريرة [٦٢٢٦] (فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان) وذلك لأنه يفرح بما يورث الكسل ويشوه صورة الإنسان، وورد عند ابن ماجه في باب ما يكره في الصلاة في حديث أبي هريرة "فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك" وهو نهي عن إخراج الصوت عند التثاؤب شبهه بعواء الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له فإن الكلب يرفع رأسه ويفتح فاه ويعوي، والمتثائب إذا أفرط في التثاؤب شابهه اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٧٣١٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد الدراوردي المدني (عن سهيل) بن أبي صالح (عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه) أبي سعيد الخدري ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد العزيز لبشر بن المفضل (أن رسول الله ﷺ قال إذا تثاوب أحدكم فليمسك بيده) فمه ولا يفتح فمه (فإن الشيطان يدخلـ) ـه.
ثم ذكر المتابعة ثانيًا فقال:
٧٣١٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا وكيع عن سفيان) الثوري (عن سهيل بن أبي صالح عن) عبد الرحمن (بن أبي سعيد الخدري عن أبيه) أبي سعيد الخدري (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ ) وهذا
стр. 11849
"إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ. فَإِن الشيطَانَ يَدْخُلُ".
٧٣١٧ - (٠٠) (٠٠) حدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ
ــ
السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سفيان لبشر بن المفضل وعبد العزيز إلا أنه زاد لفظة "فليكظم ما استطاع" (إذا تثاوب أحدكم في الصلاة فليكظم) أي فليدفع تثاؤبه بـ (ما استطاع فإن الشيطان يدخل) فاه.
ثم ذكر المتابعة ثالثًا فقال:
٧٣١٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثناه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن سهيل عن أبيه) أبي صالح السمان (وعن) عبد الرحمن (بن أبي سعيد) الخدري كلاهما (عن أبي سعيد) الخدري (قال قال رسول الله ﷺ ) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة جرير لبشر بن المفضل وعبد العزيز، وساق جرير (بمثل حديث بشر وعبد العزيز) بن محمد.
ثم أحاديث هذا الباب مطلقة في الأمر بكظم التثاؤب سواء كان في حالة الصلاة أو في غيرها، وقد وردت بعض الأحاديث مقيدة بالصلاة كما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة بلفظ "التثاؤب في الصلاة من الشيطان فإذا تثاؤب أحدكم فليكظم ما استطاع" وكذا أخرجه النسائي فحمل بعض العلماء الشافعية المطلق على المقيد، فزعم أن النهي منحصر في حالة الصلاة، ولكن ذهب أكثرهم إلى أن أصل الأمر مطلق ولكنه يتأكد في حالة الصلاة أكثر منه في غيرها، وقال الحافظ في الفتح: ومما يؤمر به المتثائب إذا كان في الصلاة أن يمسك عن القراءة حتى يذهب عنه لئلا يغير نظم قراءته، وأسند ابن أبي شيبة نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة والتابعين المشهورين، ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم قال: ما تثاءب النبي ﷺ قط، وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: ما تثاءب نبي قط، ومسلمة أدرك بعض الصحابة، وهو صدوق، ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان وهم معصومون منه، ووقع في الشفاء لابن سبع أنه ﷺ وإن لا يتمطى لأنه من الشيطان والله أعلم.
стр. 11850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب سبعة عشر حديثًا، عشرة منها للاستدلال وسبعة للاستشهاد: الأول منها حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والرابع حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد، والخامس حديث عثمان ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والسادس حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس، والثامن حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد، والتاسع حديث جندب بن عبد الله ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والعاشر حديث أبي هريرة الخامس ذكره للاستدلال به على الجزء السادس وذكر فيه متابعة واحدة، والحادي عشر حديث أسامة بن زيد ذكره للاستدلال به على الجزء السابع من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني عشر حديث أبي هريرة السادس ذكره للاستدلال به على الجزء الثامن، والثالث عشر حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء التاسع وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع عشر حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستشهاد، والخامس عشر حديث سلمة بن الأكوع ذكره للاستشهاد، والسادس عشر حديث أبي هريرة السابع ذكره للاستدلال به على الجزء العاشر من الترجمة، والسابع عشر حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
***
стр. 11851
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٥ - كتاب في أحاديث متفرقة
٧٧٤ - (١٨) باب خلق الملائكة والجان وآدم وأن الفأر مسخ ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والمؤمن أمره كله خير والنهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وتقديم الأكبر في مناولة الشيء وغيرها والتثبت في الحديث وحكم كتابة العلم وقصة أصحاب الأخدود
٧٣١٨ - (٢٩٧٦) (١٤٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورِ،
ــ
٣٥ - كتاب في أحاديث متفرقة
٧٧٤ - (١٨) باب خلق الملائكة والجان وآدم وأن الفأر مسخ ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والمؤمن أمره كله خير والنهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وتقديم الأكبر في مناولة الشيء وغيرها والتثبت في الحديث وحكم كتابة العلم وقصة أصحاب الأخدود
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأول من الترجمة وهو خلق الملائكة والجان وآدم بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٧٣١٨ - (٢٩٧٦) (١٤٣) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (قال عبد أخبرنا وقال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ خُلقت الملائكةُ من نور) أي من جواهر مضيئة نيرة فكانت خيرًا محضًا (قلت)
стр. 11852
وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ".
٧٣١٩ - (٢٩٧٧) (١٤٤) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ. جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال:
ــ
والحديث يشهد القول بأن النور جوهر لا عرض وهو الصحيح اهـ من الأبي (وخُلق الجان) قيل المراد به إبليس، وقيل جنس الجن وقيل الجان اسم لأبي الجن كما أن آدم ﵇ أب لنوع البشر (من مارج من نار) وهو اللهب المختلط بالدخان فكانوا شرًّا محضًا والخير فيهم قليل اهـ أبي، وقيل المارج هو اللهب المختلط بسواد دخان النار اهـ تكملة، وهو الموافق لظاهر الحديث (وخُلق آم) أبوكم (مما وُصف) وذُكر (لكم) أي من العنصر الذي ذكره الله تعالى في كتابه وبينه لكم يعني من تراب، قال القرطبي: أي من تراب ثم صُيِّر طينًا ثم صُيّر فخارًا، والفخار الطين اليابس أي مما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وبقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ وبقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ وفي الحديث "إن الله لما أراد خلق آدم ﵇ أمر جبريل بقبض قبضة من جميع أجزاء تراب الأرض فأخذ من حزنها وسهلها وأحمرها وأسودها فجاء ولده كذلك".
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف من بين أصحاب الأمهات ولكنه شاركه أحمد [٦/ ١٥٣ و ١٦٨]، وابن حبان كما في الإحسان [٨/ ٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة وهو أن الفأر مسخ من بني آدم بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣١٩ - (٢٩٧٧) (١٤٤) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (ومحمد بن المثنى العنزي) البصري (ومحمد بن عبد الله الرزي) بضم المهملة وكسر الزاي المشددة نسبة إلى الرز لغة في الأرز حب مقتات معروف، نُسب إليه لبيعه، أبو جعفر البصري، نزيل بغداد، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (جميعًا عن) عبد الوهاب بن عبد المجيد (الثقفي) البصري، ثقة، من (٨) (واللفظ لابن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا خالد) بن مهران المجاشعي أبو المنازل الحذاء البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٥) بابا (عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو
стр. 11853
قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ. وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ. أَلا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ. وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ؟ ".
قَال أَبُو هُرَيرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْبًا
ــ
هريرة (قال رسول الله ﷺ فقدت) أي مُسخت (أمة) أي جماعة (من بني إسرائيل لا يدرى) ولا يُعلم (ما فعلت) تلك الأمة أي لا يعلم أحد أين ذهبت هل ماتت أو مُسخت بحيوان آخر (ولا أُراها) بضم الهمزة أي ولا أظن تلك الأمة (إلا) أنها (الفأر) وهذا اللفظ صريح أنه كان ظنًّا منه ﷺ ، ولم يقر عليه كما سيأتي بيانها له بالوحي أن الفأر غير تلك الأمة المفقودة من بني إسرائيل، قال الأبي: ظاهره أنه لم يوح إليه بأنها هي وإنما قاله ﷺ بظنه الصادق ولذلك استدل عليه بامتناع الفأر من شرب ألبان الإبل وشربها من لبن الغنم. قال (ط) لأن بني إسرائيل حُرمت عليهم لحوم الإبل وألبانها (قلت) وهو يدل على أن للممسوخ تمييزًا كما هو للقرد، ذكر الرشاطي أن قردًا اطلع على قرد مضطجع مع قردة فأتى بجماعة من القرود بيد كل واحد منها حجر فرجموا بها القرد والقردة حتى قتلوهما كرجم الزانيين اهـ من الأبي.
واستدل النبي ﷺ على ما ظنه أولًا بقوله (ألا ترونها) أي ألا ترون الفأرة (إذا وُضع لها ألبان الإبل لم تشربه) أي لم تشرب ما وُضع لها من الألبان والظاهر أن يقال لم تشربها بضمير المؤنث العائد إلى الألبان (وإذا وُضع لها ألبان الشاء شربته) أي شربت ما ذكر من ألبان الشاء وعدم شرب الفأر من ألبان الإبل جُعل علامة على كونها أمة ممسوخة من بني إسرائيل لأن بني إسرائيل كان قد حُرم عليهم لحوم الإبل وألبانها فاحتمل أن تكون الفأر تجتنب من شرب ألبانها لكونها أمة مُسخت من بني إسرائيل.
وذكر الحافظ في الفتح [٦/ ٣٥٣] أن ذلك كان ظنًّا من النبي ﷺ قبل أن يعلم بالوحي أن الممسوخ لا نسل له ولا عقب كما ورد في حديث ابن مسعود ﵁ (قال أبو هريرة) بالسند السابق (فحدّثت هذا الحديث كعبًا) بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار أدرك الجاهلية، وأسلم أيام أبي بكر كان على دين
стр. 11854
فَقَال: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَال ذلِكَ مِرَارًا. قُلْتُ: أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟
قَال إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتهِ: "لَا نَدْرِي مَا فَعَلَتْ"
ــ
يهود، فأسلم وقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص، حتى تُوفي بها سنة (٣٢) هـ في خلافة عثمان ﵁، وقد بلغ مائة وأربع سنين، وقد أخرج ابن سعد قصة إسلامه راجع لها الإصابة [٣/ ٢٩٨] وكان عالمًا بكتب بني إسرائيل وقصصهم (فقال) لي كعب (آنت) أي هل أنت (سمعته) أي سمعت هذا الحديث (من رسول الله ﷺ ؟ قلت) له (نعم) سمعته من رسول الله ﷺ (قال) لي كعب (ذلك) السؤال (مرارًا) أي مرات كثيرة يعني قوله آنت سمعته من رسول الله ﷺ فـ (قلت) له لما أكثر السؤال عليّ (أأقرأ التوراة) بهمزة الاستفهام الإنكاري. وفي الرواية الآتية (أفأنزلت عليّ التوراة) أي لا علم عندي إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ ولم أقرأ التوراة ولا غيرها ولا أُنزلت عليّ حتى أحدثكم عنها إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ فلِمَ تكرر عليّ السؤال عن ذلك؟ قال القاضي عياض: قوله (أأقرأ التوراة) هو استفهام إنكار أجاب به كعبًا حين استفهمه هل سمع ذلك من رسول الله ﷺ والمعنى لا علم عندي إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ لا أنقله من التوراة ولا من غيرها من الكتب السابقة كما يُحدّث عنها كعب.
واستدل الحافظ في الفتح على أن الصحابي إن ذكر خبرًا لا يُدرك بالقياس والعقل فهو في حكم المرفوع، وقد وقع في مسند أحمد [٢/ ٥٠٧] أن أبا هريرة ذكر أن الفأر مما مُسخ ولم ينسبه إلى رسول الله ﷺ ونسبه إليه رسول الله ﷺ بعد سؤال كعب اهـ.
(قال إسحاق) بن إبراهيم (في روايته) لفظة (لا ندري) ولا نعلم (ما) ذا (فعلت) تلك الأمة المفقودة هل مُسخت أو أُهلكت بدل رواية غيره (لا يُدري ما فعلت).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في بدء الخلق باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال [٣٣٠٥]، وأحمد [٢/ ٢٣٤ و ٥٠٧]، والبغوي [١٢/ ٢٠٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 11855
٧٣٢٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو كُرَيبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: "الْفَأْرَةُ مَسْخٌ. وَآيَةُ ذلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ بَينَ يَدَيهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ. وَيُوضَعُ بَينَ يَدَيهَا لَبَنُ الإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ"، فَقَال لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال: أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاةُ؟
٧٣٢١ - (٢٩٧٨) (١٤٥) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ،
ــ
٧٣٢٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي (عن محمد) بن سيرين (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة هشام الدستوائي لخالد الحذاء (قال) أبو هريرة (الفأرة مسخ) أي أمة ممسوخة من بني إسرائيل (وآية ذلك) أي علامة كونها ممسوخة (أنه) أي أن الشأن والحال (يُوضع بين يديها) أي قدامها (لبن الغنم فتشربه) أي فتشرب الموضوع لها من لبن الغنم (ويُوضع بين يديها) أي قدامها (لبن الإبل فلا تذوقه) أي فلا تذوق الموضوع لها من لبن الإبل ولا تشربه حتى جرعة (فقال له) أي لأبي هريرة (كعب) الأحبار (أسمعت) أي هل سمعت (هذا) الحديث الذي أخبرتني في شأن الفأرة (من رسول الله ﷺ ) أم من عندك (قال) أبو هريرة فقلت له (أفأُنزلت عليّ التوراة) فأخبرك عنها إن لم أسمع من رسول الله ﷺ إنكارًا عليه سؤاله عن ذلك.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة وهو كون المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣٢١ - (٢٩٧٨) (١٤٥) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن عقيل) بن خالد بن عقيل مكبرًا الأموي المصري (عن الزهري عن) سعيد (بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (عن النبي ﷺ قال لا يُلدغ المؤمن) .. الخ رُوي برفع الغين
стр. 11856
مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ، مَرَّتَينِ"
ــ
على الخبر على النفي، والمعنى لا يُخدع المؤمن المتيقظ الحازم (من جحر واحد) أي من جهة واحدة وفي سبب واحد (مرتين) أي مرة بعد أخرى أي لا يُخدع خداعًا ثانيًا بعدما خُدع أولًا بل يستيقظ من الخداع الأول فلا يستغفل ثانيًا، ورُوي بكسر الغين على النهي أي ليكن فطنًا كيسًا حاذقًا حازمًا لئلا يقع في مكروه مرتين، والأول أكثر وأصح وأوفق بما سيأتي من سبب الحديث، واللدغ في الأصل يكون من ذوات السموم كالحية والعقرب، واللذع يكون بالنار.
قال الحكيم: وهذا في المؤمن الكامل البالغ في إيمانه فالمؤمن المخلط يُلدغ مرات وهو لا يشعر ولا يجد لوعة اللدغة، وقد عُمل فيه السم، ولو أفاق وعلم كان يجتهد في الحذر فالمؤمن الكامل يندم من خطيئة ويأخذه القلق ويتلوّى كاللديغ، قال: فقوله لا يُلدغ من جحر مرتين تمثيل ومعناه لا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه.
قال القرطبي: ومعنى هذا المثل أن الذي لُدغ من جحر لا يعيد يده إليه أبدًا إذا كان فطنًا حذرًا ولا لما يشبهه فكذلك لكياسته وفطانته وحذره إذا وقع في شيء مما يضره في دينه ودنياه لا يعود إليه. وقال أيضًا: وهذا مثل صحيح وقول بليغ ابتكره النبي ﷺ من فوره ولم يُسمع من غيره، وذلك أن السبب الذي أصدره عنه هو أن أبا عزيز بن عمير الشاعر أخا مصعب بن عمير كان يهجو النبي ﷺ ويؤذيه ويؤذي المسلمين فأمكن الله تعالى منه يوم بدر فأُخذ أسيرًا أو جيء به إلى النبي ﷺ فسأله أن يُمنّ عليه ولا يعود لشيء مما كان يفعله، فمن النبي ﷺ عليه فأطلقه، فرجع إلى مكة وعاد إلى أشد مما كان عليه، فلما كان يوم أحد أمكن الله منه، فأُسر فأُحضر بين يدي النبي ﷺ ، فسأله أن يمن عليه، فقال له النبي ﷺ : "لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة أبدًا" فأمر بقتله فقُتل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب لا يُلدغ المؤمن [٦١٣٣]، وأبو داود في الأدب باب في الحذر من الناس [٤٨٦٢]، وابن ماجه في الفتن باب العزلة [٤٠٣٠]، وأحمد [٢/ ١١٥ و ٣٧٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 11857
٧٣٢٢ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
٧٣٢٣ - (٢٩٧٩) (١٤٦) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ
ــ
٧٣٢٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه أبو الطاهر) أحمد بن عمرو (وحرملة بن يحيى) التجيبي (قالا أخبرنا ابن وهب عن يونس) بن يزيد (ح وحدثني زهير بن حرب ومحمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي (قالا حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري المدني، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا) محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله (ابن أخي ابن شهاب) الزهري الصغير المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن عمه) محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري الكبير المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٢٣) بابا (عن ابن المسيب عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ) وهذان السندان من سداسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة يونس وابن أخي الزهري لعقيل بن خالد، وساقا (بمثله) أي بمثل حديث عقيل، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
وقيل سبب هذا الحديث ما ذكره ابن إسحاق في المغازي، وابن هشام في تهذيب سيرته: أن أبا عزة الجمحي الشاعر كان قد أُسر يوم بدر فمنّ عليه رسول الله ﷺ بغير فداء لكونه محتاجًا ذا بنات وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدًا، ثم أُسر مرة أخرى في أُحد فقال: يا رسول الله أقلني؟ فقال رسول الله ﷺ : "والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول خدعت محمدًا مرتين: اضرب عنقه يا زبير" قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت" فضرب عنقه. راجع الروض الأنف للسهيلي [٣/ ١٧٥] اهـ من التكملة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة وهو أن المؤمن أمره كله خير بحديث صهيب بن سنان الرومي ﵁ فقال:
٧٣٢٣ - (٢٩٧٩) (١٤٦) (حدثنا هداب بن خالد) بن الأسود بن هدبة (الأزدي)
стр. 11858
وَشَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. جَمِيعًا عَنْ سُلَيمَانَ بنِ الْمُغِيرَةِ (وَاللَّفْظُ لِشَيبَانَ)، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ صُهَيبٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ. إِن أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيرٌ. وَلَيسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ. إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ. فَكَانَ خَيرًا لَهُ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيرًا لَهُ"
ــ
القيسي أبو خالد البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (وشيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي، صدوق، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (جميعًا عن سليمان بن المغيرة) القيسي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (واللفظ لشيبان) قال (حدثنا سليمان) بن المغيرة (حدثنا ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٤) بابا (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) يسار الأنصاري الأوسي الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٩) أبواب (عن صهيب) بن سنان الرومي الصحابي الشهير ﵁ روى عنه في (٣) أبواب. وهذا السند من خماسياته (قال) صهيب (قال رسول الله ﷺ ) أعجب (عجبًا لأمر المؤمن) وشأنه (أن أمره) وشأنه (كله) خيره وشره (خير وليس ذاك) أي خيرية جميع الأمور (لأحد إلا للمؤمن) الكامل (إن أصابته سراء) أي نعماء (شكر) عليها (فكان) ذلك الشكر (خيرًا له) لأنه يثاب عليه (وإن أصابته ضراءٌ) أي نقمة وضررٌ (صبر) عليها (فكان) ذلك الصبر (خيرًا له) لأنه يثاب عليه.
ففي الحديث دلالة على فضيلة الشكر والصبر ولا ينبغي للمؤمن أن تخلو أوقاته عن واحد منهما. وقوله (عجبًا لأمر المؤمن) زاد حماد بن سلمة قبله عند الدارمي في سننه [٢/ ٢٢٦] "بينما رسول الله ﷺ جالس وضحك فقال: ألا تسألوني مما أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: عجبًا" .. الخ وفي إسناده روح بن سلم، قال البخاري: يتكلمون فيه، ووثقه ابن حبان. وقوله (عجبًا لأمر المؤمن) .. الخ: المؤمن هنا هو العالم بالله الراضي بأحكامه العامل على تصديق موعوده وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره أو بما يسره فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، كان كان الثاني عرت نعمة الله عليه ومنته فيها فشكرها وعمل بها فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وقوله (وليس ذلك إلا للمؤمن) أي المؤمن الموصوف بما ذكرته لأنه إن لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة ولم يحتسبها
стр. 11859
٧٣٢٤ - (٢٩٨٠) (١٤٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا، عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَال: فَقَال: "وَيحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ. قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ" مِرَارًا "إِذَا كَانَ
ــ
بل يتضجر ويتسخط فينضاف إلى مصيبته الدنيوية مصيبته في دينه وكذلك لا يعرف النعمة ولا يقوم بحقها ولا يشكرها فتنقلب النعمة نقمة والحسنة سيئة نعوذ بالله تعالى من ذلك اهـ من المفهم.
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف من بين أصحاب الأمهات رواه أحمد في [٤/ ٣٣٢].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الخاص من الترجمة وهو النهي عن الإفراط في المدح بحديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي البصري ﵁ فقال:
٧٣٢٤ - (٢٩٨٠) (١٤٧) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (حدثنا يزيد بن زريع) التيمي العيشي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن خالد) بن مهران (الحذاء) المجاشعي البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٥) بابا (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة) الثقفي البصري، ثقة، من (٢) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي البصري الصحابي المشهور ﵁ روى عنه في (٥) أبواب. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو بكرة (مدح رجل رجلًا عند النبي ﷺ ) لم أر من ذكر اسم الرجلين (قال) أبو بكرة (فقال) النبي ﷺ للمادح (ويحك) أي ألزمك الله الويح والرحمة أيها المادح (قطعت عنق صاحبك) يعني الممدوح أي أهلكته لأن مثل هذا المدح يورث في الممدوح إعجابًا بنفسه والعجب مهلكة له في دينه وربما يكون إهلاكًا له في دنياه أيضًا لأنه يحمله على التكبر والتعاظم فيصيبه بذلك ضرر، وقوله (قطعت عنق صاحبك مرارًا) أي مرات، تأكيد للأولى، وفي رواية (قطعتم ظهر الرجل) معناه أهلكتموه، وهذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك لكن هلاك هذا الممدوح في دينه وقد يكون من جهة الدنيا لما يشتبه عليه من حالة الإعجاب اهـ نووي. و (إذا كان
стр. 11860
أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لَا مَحَالةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلانًا. وَاللهُ حَسِيبُهُ. وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا. أَحْسِبُهُ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ، كَذَا وَكَذَا"
ــ
أحدكم مادحًا صاحبه) أي مريدًا مدحه (لا محالة) أي لا بد له من مدحه (فليقل أحسب) أي أظن (فلانًا) كذا وكذا (والله حسيبه) أي كافيه علمًا بحاله (ولا أزكي) وأطهر (على الله) أي عنده تعالى (أحدًا) من الناس من العيب، وقوله فليقل (أحسبه إن كان يعلم ذاك كذا وكذا) فيه تقديم وتأخير.
والمعنى أي لا أقطع على عاقبة أحد ولا على ضميره لأن ذلك مغيب عني ولكن فليقل أحسب فلانًا كذا وكذا أي عالمًا كريمًا إن كان يعلم ذاك المدح من ظاهر حاله، قال النووي: ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة والإطراء في المدح والزيادة في الأوصاف أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب وكبر ونحوهما إذا سمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشاطه لفعل الخير وازدياده منه أو دوامه عليه أو اقتداء الناس به كان مستحبًا والله أعلم، وقال القاضي عياض: وهذا النهي فيما يتغالى فيه من المدح ووصف الإنسان بما ليس فيه أوفيمن يخاف عليه الإعجاب والفساد وإلا فقد مُدح ﷺ ومُدح بحضرته فلم ينكر بل حض كعب بن زهير على بعض هذا، وأما مع القصد في المدح فلا نهي واحتج لجواز القصد في المدح بحديث "إنه لا يقبل الثناء إلا من مكافئ أو مقتصد" وبحديث "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح" (ط) الإطراء تجاوز الحد في المدح اهـ من الأبي.
قوله (لا محالة) مصدر ميمي من حال يحيل حيلة وحيلولة ومحالة أي لا حيلة له في ترك مدحه ولا غنى له عنه لتيقنه ذلك الوصف فيه بحسب ظاهر حاله. وقوله (أحسب فلانًا) من باب ضرب أي أظنه كذا وكذا (والله حسيبه) أي محاسبه على ما يظهر من حاله وعلى ما أضمره في باله، قال القاضي: وهذا أمر للمادح بأن يقول ذلك ولا يقطع بما فيه بل يمدحه بحسب ظاهره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في الأدب باب ما
стр. 11861
٧٣٢٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ. أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ. قَال: شُعْبَةُ حَدَّثَنَا، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ. فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنْ رَجُلٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "وَيحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ" مِرَارًا يَقُولُ ذلِكَ. ثُمَّ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ، لَا مَحَالةَ،
ــ
يكره من التمادح [٦٠٦١]، وأبو داود في الأدب باب في كراهية التمادح [٤٨٠٥]، وابن ماجه في الأدب باب المدح [٣٧٨٩]، وأحمد [٥/ ٤١ و ٥١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي بكرة ﵁ فقال:
٧٣٢٥ - (٠٠) (٠٠) وحدثني محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد) العتكي مولاهم أبو جعفر البصري، صدوق، من (١١) روى عنه في (١١) (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي ربيب شعبة (ح وحدثني أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (أخبرنا غندر) محمد بن جعفر (قال) غندر (شعبة) مبتدأ خبره (حدثنا عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ ) وهذا السندان من سداسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن جعفر ليزيد بن زريع (أنه) أي أن الشأن والحال (ذكر عنده) ﷺ (رجل) من المسلمين بصفة مدح (فقال رجل) آخر، ولم أر من ذكر اسم الرجلين كما مر (يا رسول الله ما) نافية (من) زائدة (رجل) مبتدأ أي لا رجل (بعد رسول الله ﷺ أفضل منه) أي أكمل من هذا الرجل المذكور (في كذا وكذا) أي في صلاحه وشجاعته مثلًا (فقال النبي ﷺ ) لذلك المادح (ويحك قطعت عنق صاحبك) حال كونه ﷺ (مرارًا يقول ذلك) أي يكرر قوله قطعت عنق صاحبك مرات كثيرة مبالغة في الزجر عن مدحه (ثم) بعدما قال رسول الله ﷺ للرجل المادح ما قال في زجره (قال رسول الله ﷺ ) لمن حضر عنده خطابًا عامًّا لهم وغيرهم (أن كان أحدكم) أيها المؤمنون (مادحًا أخاه) المسلم أي مريدًا مدحه بما فيه (لا محالة) أي لا حيلة له في ترك مدحه ولا غنى له عنه
стр. 11862
فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلانًا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذلِكَ. وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا".
٧٣٢٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيعٍ. وَلَيسَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَقَال رَجُلٌ: مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْهُ
ــ
لتيقنه وصفه بذلك الوصف في ظاهر حاله (فليقل) ذلك المادح (أحسب) أي أظن (فلانًا) يعني الممدوح كذا وكذا فيما يظهر لي من حاله (أن كان) ذلك المادح (يُرى) بضم الياء وفتحها أي يظن أو يعلم (أنه) أي أن ذلك الممدوح كائن (كذلك) أي موصوف بذلك الوصف الذي مدحه به (و) ليقل أيضًا (لا أزكي على الله أحدًا) أي لا أصف أحدًا بصفة التزكية والكمال عند الله تعالى أي لا أقطع عاقبة أحد عند الله ولا أجزم بحكم الله فيه لأن الله تعالى هو العالم بما في ضميره وسريرته والتزكية هي بمعنى تصديق كونه زكي السيرة وكاملها حقيقة.
قوله (إن كان أحدكم مادحًا أخاه) .. الخ ظاهر هذا الكلام أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحدًا ما وجد من ذلك مندوحة فإن لم يجد بدًا مدح بما يعلم من أوصافه وبما يظنه ويتحرز من الجزم والقطع بشيء من ذلك بل يتحرز بأن يقول فيما أحسب أو أظن ويزيد على ذلك ولا أزكي على الله أحدًا أي لا أقطع بأنه كذلك عند الله فإن الله تعالى هو المُطلع على السرائر العالم بعواقب الأمور اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
٧٣٢٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مقسم الليثي البغدادي، ثقة من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (ح وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة بن سوار) الفزاري مولاهم أبو عمرو المدائني، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (كلاهما) أي كل من هاشم وشبابة رويا (عن شعبة بهذا الإسناد) يعني عن خالد عن عبد الرحمن عن أبي بكرة، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعتهما ليزيد بن زريع، وساقا (نحو حديث يريد بن زريع وليس في حديثهما) أي في حديث هاشم وشبابة لفظة (فقال رجل ما من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل منه).
стр. 11863
٧٣٢٧ - (٢٩٨١) (١٤٨) حدّثني أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ بُرَيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَال: سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، ويُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ. فَقَال: "لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ، ظَهْرَ الرَّجُلِ"
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي بكرة بحديث أبي موسى الأشعري ﵄ فقال:
٧٣٢٧ - (٢٩٨١) (١٤٨) (حدثني أبو جعفر محمد بن الصباح) الدولابي مولدًا ثم البغدادي البزاز صاحب السنن، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا إسماعيل بن زكرياء) بن مرة الأسدي الكوفي الخلقاني، نسبة إلى بيع الخلقان من الثياب وغيرها، جمع خلق، صدوق، من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري أبي بردة الصغير الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (عن) جده الأصل (أبي موسى) الأشعري ﵁. وهذا السند من رباعياته (قال) أبو موسى الأشعري (سمع النبي ﷺ رجلًا يثني) ويمدح من الإثناء بمعنى الثناء (على رجل) آخر (ويطريه) أي يرفعه على قدره (في المدحة) والثناء عليه والإطراء مجاوزة الحد في المدح والمبالغة فيه، والمدحة بكسر الميم اسم من المدح أي يبالغ في مدحه بأن يصفه بما ليس فيه (فقال) معطوف على سمع أي سمع ذلك المادح رسول الله ﷺ فقال له ولمن معه والله (لقد أهلكتم) أيها المؤمنون صاحبكم الممدوح بمدحه في دينه ودنياه (أو) قال الراوي أو من دونه والله لقد (قطعتم ظهر الرجل) الممدوح وعنقه بوصفه بما ليس فيه وقد مر لك بيان معنى إهلاك الممدوح في حديث أبي بكرة.
قوله (رجلًا يثني على رجل) قال الحافظ في الفتح [١٠/ ٤٧٦] لم أقف على اسم الرجلين صريحًا، ولكن أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فذكر حديثًا قال فيه: فدخل المسجد فإذا رجل يصلي فقال لي: "من هذا؟ " فأثنيت عليه خيرًا، فقال: "اسكت لا تسمعه فتهلكه" وفي رواية له: فقلت: يا رسول الله هذا فلان وهذا وهذا، وفي أخرى له: هذا فلان وهو من أحسن أهل المدينة صلاة أو من أكثر أهل المدينة .. الحديث،
стр. 11864
٧٣٢٨ - (٢٩٨٢) (١٤٩) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَال: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ. فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيهِ التُّرَابَ، وَقَال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ
ــ
والذي أثنى عليه محجن يشبه أن يكون هو عبد الله ذا البجادين المزني فقد ذكرت في ترجمته في الصحابة ما يقرب ذلك اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الشهادات باب ما يكره من الإطناب في المدح [٢٦٦٣]، وفي الأدب باب ما يكره من التمادح [٦٠٦٠]، وأحمد [٤/ ٤١٢].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي بكرة بحديث المقداد بن عمرو ﵄ فقال:
٧٣٢٨ - (٢٩٨٢) (١٤٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى جميعًا عن) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (عن سفيان) بن سعيد الثوري (عن حبيب) بن أبي ثابت قيس أو هند بن دينار الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٥) بابا (عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم أبي الحجاج المكي المقرئ المفسر، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبي معمر) الأسدي عبد الله بن سخبرة الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٥) أبواب (قال) أبو معمر (قام رجل) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (يثني) ويمدح (على أمير من الأمراء) وهو عثمان بن عفان ﵁ كما سيأتي في الرواية اللاحقة (فجعل) أي شرع (المقداد) بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود أبوه عمرو بن ثعلبة الكندي ولكن تبناه حليفه الأسود بن عبد يغوث القرشي الصحابي المشهور ﵁ أسلم قديمًا وشهد بدرًا والمشاهد كلها. وهذا السند من سباعياته (يحثي) من باب رمى أي يحفن بكفيه (عليه) أي على ذلك الرجل المادح لعثمان (التراب، وقال) المقداد (أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثي) ونحفن (في وجوه المدّاحين) بفتح الميم وتشديد الدال (التراب) إنكارًا عليهم مدحهم الناس استطعامًا منهم.
стр. 11865
٧٣٢٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ؛
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الأدب باب ما يكره من التمادح [٤٨٠٤]، والترمذي في الزهد باب ما جاء في كراهية المدحة والمدّاحين [٢٣٩٣]، وابن ماجه في الأدب باب المدح [٣٧٨٧]، وأحمد [٦/ ٥]، والبغوي في شرح السنة [١٣/ ١٥٠].
قال الخطابي: المدّاحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيبًا له في أمثاله وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمدّاح، وقد استعمل المقداد الحديث على ظاهره في تناول عين التراب وحثيه في وجه المدّاح، وقد يتأول أيضًا على وجه آخر وهو أن يكون معناه الخيبة والحرمان أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه وأحرموه، كنى بالتراب عن الحرمان كقولهم ما في يده غير التراب وكقوله ﷺ "إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا" أخرجه أبو داود في البيوع باب في أثمان الكلب [٣٤٨٢]، وأحمد [١/ ٣٧٨] أنقله البغوي في شرح السنة [١٣/ ١٥١] ثم قال: وفي الجملة المدح والثناء على الرجل مكروه لأنه قلما يسلم المادح عن كذب بقوله في مدحه، وقلما يسلم الممدوح من عجب يدخله، ورُوي أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر فقال عمر: عقرت الرجل عقرك الله.
والحاصل أن المدح بغرض تشجيع الممدوح على أفعال الخير جائز كما ذكره الخطابي لأن ذلك ثابت عن النبي ﷺ بمناسبات كثيرة والمدح المكروه هو ما خيف فيه أن يُفتتن الممدوح بالعُجب أو ما قصد به التملق وأكل الأموال بالباطل وبما أن الفرق بينهما دقيق ربما لا يدركه المرء فالأحوط ما ذكره البغوي رحمه الله تعالى من الاجتناب عنه في كل موضع مشتبه والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث المقداد ﵁ فقال:
٧٣٢٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عثاب الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٢١) بابا (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي (عن همام بن الحارث) بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، ثقة، من (٢)
стр. 11866
أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ. فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ. فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيهِ. وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا. فَجَعَلَ يَحثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ. فَقَال لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا رَأَيتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ".
٧٣٣٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُبَيدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ
ــ
روى عنه في (٤) أبواب (أن رجلًا) من المسلمين (جعل) أي شرع (يمدح عثمان) بن عفان ﵁ (فعمد) أي قصد (المقداد) بن الأسود إلى ذلك الرجل لرميه بالتراب (فجثا) المقداد (على ركبتيه وكمان) المقداد (رجلًا ضخمًا) أي سمينًا عظيم الجسم ولعل الراوي ذكر ذلك لبيان أنه مع كونه جسيمًا تكبد مشقة الجثو على ركبتيه اهتمامًا بما زعمه من الامتثال بأمر النبي ﷺ (فجعل) المقداد (يحثو) أي يحفن ويرمي (في وجهه) أي في وجه الرجل (الحصباء) أي الرمال (فقال له) أي للمقداد (عثمان) بن عفان (ما شأنك؟ ) وشغلك يا مقداد ترمي الرجل بالحصباء (فقال) المقداد لعثمان (إن رسول الله ﷺ قال إذا رأيتم) أيها المؤمنون (المدّاحين) جمع مدّاح جمع سلامة مبالغة مادح أي جنسهم (فاحثو) هم؛ أي فارموا (في وجوههم التراب) وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة همام لأبي معمر.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث المقداد ﵁ فقال:
٧٣٣٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (عن سفيان) الثوري (عن منصور ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن) الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (عن سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم عن همام عن المقداد عن النبي ﷺ ) غرضه بيان متابعة سفيان لشعبة، وساق سفيان (بمثله) أي بمثل حديث شعبة.
стр. 11867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تتمة] قال القرطبي: (وقول همام إن رجلًا جعل يمدح عثمان فجعل المقداد يحثو في وجهه الحصباء) كأن هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق عليه أنه مدّاح ولذلك عمل المقداد بظاهر هذا الحديث فحثا في وجهه التراب، ولعل هذا الرجل كان ممن اتخذ المدح عادة وحرفة فصدق عليه وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح مرة أو مرتين أو شيئًا أو شيئين، وقد بين الصحابي أن مراد النبي ﷺ من هذا الحديث حمله على ظاهره فعاقب المدّاح برمي التراب في وجهه، وهو أقعد بالحال وأعلم بالمقال، وقد أوّله غير ذلك الصحابي بتأويلات لأن ذلك الغير رأى أن ظاهر هذا الحديث وهو الرمي بالحصى جفاء والنبي ﷺ لا يأمر بالجفاء فقال إن معنى هذا الحديث خيبوهم ولا تعطوهم شيئًا لأن من أعطي التراب لم يُعط شيئًا كما قد جاء في الحديث الآخر "إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا" رواه أحمد [١/ ٢٨٩] أي خيبه ولا تعطه شيئًا، وقيل إن معناه أعطه ولا تبخل عليه، فإن مآل كل ما يُعطى إلى التراب كما قال أبو فراس الحمداني:
إذا صح منك الود فالكل هيّن ... وكل الذي فوق التراب تراب
وقيل معناه التنبيه للممدوح على أن يتذكر أن المبدأ والمنتهى التراب فليعرضه على نفسه لئلا يعجب بالمدح وعلى المدّاح لئلا يفرط ويطري بالمدح وأشبه المحامل بعد المحمل الظاهر الوجه الأول وما بعده ليس عليه معول اهـ من المفهم.
والحاصل أن في هذا الحديث ست تأويلات:
الأول: أنه محمول على حقيقته فينبغي أن يحثى التراب على وجه المادح حقيقة وهو الذي استعمله المقداد ﵁ راوي الحديث.
والثاني: أن حثي التراب كناية عن تخييبه والمراد من المدّاحين من يتملق لأخذ المال والصلة وتخييبه أن لا يُعطى أو من يريد الفتنة بإلقاء العُجب في نفس الممدوح فتخييبه أن لا يعجب الإنسان بنفسه.
والثالث: أن المراد أن يقول الممدوح للمادح بفيك التراب والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله.
والرابع: أن يأخذ الممدوح ترابًا فيبذره بين يديه ليتذكر أصله وأن مصيره إليه فلا
стр. 11868
٧٣٣١ - (٢٩٨٩) (١٤٩) حدَّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا صَخْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ جُوَيرِيَةَ)، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ. فَجَذَبَنِي رَجُلانِ. أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ. فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ مِنْهُمَا. فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ"
ــ
يطغى بالمدح الذي سمعه وعلى هذا فقوله في وجوه المدّاحين معناه بين أيديهم وفي مواجهتهم.
والخامس: أن المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب لأن كل ما فوق التراب تراب وبهذا جزم البيضاوي، وقال: شبه الإعطاء بالحثي على سبيل الترشيح والمبالغة في الاستهانة والتقليل كذا في الفتح.
والسادس: معنى الحديث أنه ينبغي للممدوح أن يقوم عن مجلس المادح ويثير -من أثار الرباعي بالمثلثة- بقيامه التراب عليه ذكره الأبي، وقال: إنه أبعد التأويلات.
ويبدو أن أولى التأويلات هو الثاني كما ذكره القرطبي آنفًا، والمقصود الحث على منعه من المدح وعدم تشجيعه على ذلك وهو الذي اختاره أكثر السلف اهـ من التكملة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء السادس من الترجمة وهو مناولة الأكبر أولًا بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٣٣١ - (٢٩٨٩) (١٤٩) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر (الجهضمي) البصري أبو عمر الأزدي، ثقة ثبت، من (١٠) روى عنه في (١٧) بابا (حدثني أبي) علي بن نصر بن علي الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثني صخر يعني ابن جويرية) مصغرًا التميمي مولاهم البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (حدّثه أن رسول الله ﷺ قال) وهذا السند من خماسياته (أراني) بفتح الهمزة أي أرى نفسي (في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان أحدهما كبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر) أي ادفعه إلى الأكبر (فدفعته إلى الأكبر) منهما، قيل لعل تأويل دفعه ﷺ للأكبر منهما هو منعه أصحابه مما فحش من الكلام وحثهم على السواك لأن
стр. 11869
٧٣٣٢ - (٢٩٩٠) (١٥٠) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي. فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا قَالتْ لِعُرْوَةَ: أَلا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا وَمَقَالتِهِ آنِفًا؟
ــ
السواك في المنام تطهير الفم من الغيبة ونحوها اهـ مبارق. والرجلان هما جبريل وميكائيل، والقائل كبّر هو جبريل ﵉.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٤٦].
وهذا الحديث تقدم تخريجه وشرحه في كتاب الرؤيا باب رؤيا النبي ﷺ رقم [٥٨٨٦] فراجعه إن شئت.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء السابع من الترجمة وهو التثبت في الحديث بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣٣٢ - (٢٩٩٠) (١٥٠) (حدثنا هارون بن معروف) المروزي ثم البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا به) أي بهذا الحديث الآتي فقط (سفيان بن عيينة عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (قال) عروة (كان أبو هريرة يحدّث) لنا الحديث في المسجد النبوي جنب حجرة عاشة رضي الله تعالى عنها (ويقول) مخاطبًا لها في بداية كل حديث (اسمعي) لي حديثي لتردني عن الخطأ فيه (يا ربة) هذه (الحجرة) يعني حجرة عائشة: أي اسمعي حديثي يا صاحبة هذه الحجرة (اسمعي يا ربة الحجرة) ويا مالكتها كرره للتأكيد يعني بها عائشة ولم ينادها باسمها ولا بيا أم المؤمنين بل بكناية يشركها فيها غيرها من النساء إكرامًا للحرم اهـ أبي، ومراده بذلك تقوية الحديث بإقرارها ذلك وسكوتها عليه ولم تنكر عليه شيئًا من ذلك سوى الإكثار من الرواية في المجلس الواحد لخوفها أن يحصل بسببه سهو ونحوه اهـ نووي؛ أي كان أبو هريرة يحدّث ويقول ذلك الكلام (وعائشة) أي والحال أن عائشة (تصلي) أي تشتغل بالصلاة (فلما قضت) عائشة (صلاتها) وفرغت منها (قالت لعروة) بن الزبير وهو مع أبي هريرة (ألا تسمع) يا عروة (إلى هذا) الرجل تعني أبا هريرة (ومقالته) التي قالها لي (آنفًا) أي في الزمن القريب تعني قوله: اسمعي يا ربة الحجرة مستعجلًا في حديثه، وكيف أسمع له وأنا في الصلاة كأنها أنكرت أن يناديها أبو هريرة وهي تصلي ولعل العذر لأبي هريرة أنه لم
стр. 11870
إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ.
٧٣٣٣ - (٢٩٩١) (١٥١) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَكتُبُوا عَنِّي. وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ
ــ
يعرف أنها في الصلاة لكونها محتجبة في بيتها (إنما كان النبي ﷺ يحدّث حديثًا) مرتلًا غير مستعجل مكررًا ثلاث مرات ليُفهم غير متوان بحيث (لو عدّه العاد) وحسبه بعدد معلوم (لأحصاه) أي لحصره وضبطه في عدد معلوم تعني أن النبي ﷺ لا يكثر من الحديث في مجلس واحد وإنما كان يحدّث بأحاديث معدودة قليل عددها ليفهمها الناس ويحفظوها فلم تنكر عليه عائشة نفس التحديث بل إنما أنكرت عليه الإكثار منه في مجلس واحد لما مر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في المناقب باب صفة النبي ﷺ [٣٥٦٧ و ٣٥٦٨]، وأبو داود في العلم باب في سرد الحديث [٣٦٥٤ و ٣٦٥٥]، والترمذي في المناقب باب في كلام النبي ﷺ [٣٦٣٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثامن من الترجمة وهو النهي عن كتابة العلم بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٧٣٣٣ - (٢٩٩١) (١٥١) (حدثنا هدّاب بن خالد) بن الأسود بن هدبة (الأزدي) البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٣) بابا (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال لا تكتبوا عني) الحديث (ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) أي فليمسحه لئلا يلتبس الحديث بالقرآن، قال القرطبي: كان هذا النهي متقدمًا وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لما أمن من ذلك أُبيحت الكتابة كما أباحها النبي ﷺ لأبي شاه في حجة الوداع حين قال: "اكتبوا لأبي شاه" فرأى علماؤنا حديث أبي شاه هذا ناسخًا لذلك النهي.
следующие страницы →