Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.
стр. 11866
أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ. فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ. فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيهِ. وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا. فَجَعَلَ يَحثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ. فَقَال لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا رَأَيتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ".
٧٣٣٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُبَيدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ
ــ
روى عنه في (٤) أبواب (أن رجلًا) من المسلمين (جعل) أي شرع (يمدح عثمان) بن عفان ﵁ (فعمد) أي قصد (المقداد) بن الأسود إلى ذلك الرجل لرميه بالتراب (فجثا) المقداد (على ركبتيه وكمان) المقداد (رجلًا ضخمًا) أي سمينًا عظيم الجسم ولعل الراوي ذكر ذلك لبيان أنه مع كونه جسيمًا تكبد مشقة الجثو على ركبتيه اهتمامًا بما زعمه من الامتثال بأمر النبي ﷺ (فجعل) المقداد (يحثو) أي يحفن ويرمي (في وجهه) أي في وجه الرجل (الحصباء) أي الرمال (فقال له) أي للمقداد (عثمان) بن عفان (ما شأنك؟ ) وشغلك يا مقداد ترمي الرجل بالحصباء (فقال) المقداد لعثمان (إن رسول الله ﷺ قال إذا رأيتم) أيها المؤمنون (المدّاحين) جمع مدّاح جمع سلامة مبالغة مادح أي جنسهم (فاحثو) هم؛ أي فارموا (في وجوههم التراب) وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة همام لأبي معمر.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث المقداد ﵁ فقال:
٧٣٣٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (عن سفيان) الثوري (عن منصور ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن) الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (عن سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم عن همام عن المقداد عن النبي ﷺ ) غرضه بيان متابعة سفيان لشعبة، وساق سفيان (بمثله) أي بمثل حديث شعبة.
стр. 11867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تتمة] قال القرطبي: (وقول همام إن رجلًا جعل يمدح عثمان فجعل المقداد يحثو في وجهه الحصباء) كأن هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق عليه أنه مدّاح ولذلك عمل المقداد بظاهر هذا الحديث فحثا في وجهه التراب، ولعل هذا الرجل كان ممن اتخذ المدح عادة وحرفة فصدق عليه وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح مرة أو مرتين أو شيئًا أو شيئين، وقد بين الصحابي أن مراد النبي ﷺ من هذا الحديث حمله على ظاهره فعاقب المدّاح برمي التراب في وجهه، وهو أقعد بالحال وأعلم بالمقال، وقد أوّله غير ذلك الصحابي بتأويلات لأن ذلك الغير رأى أن ظاهر هذا الحديث وهو الرمي بالحصى جفاء والنبي ﷺ لا يأمر بالجفاء فقال إن معنى هذا الحديث خيبوهم ولا تعطوهم شيئًا لأن من أعطي التراب لم يُعط شيئًا كما قد جاء في الحديث الآخر "إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا" رواه أحمد [١/ ٢٨٩] أي خيبه ولا تعطه شيئًا، وقيل إن معناه أعطه ولا تبخل عليه، فإن مآل كل ما يُعطى إلى التراب كما قال أبو فراس الحمداني:
إذا صح منك الود فالكل هيّن ... وكل الذي فوق التراب تراب
وقيل معناه التنبيه للممدوح على أن يتذكر أن المبدأ والمنتهى التراب فليعرضه على نفسه لئلا يعجب بالمدح وعلى المدّاح لئلا يفرط ويطري بالمدح وأشبه المحامل بعد المحمل الظاهر الوجه الأول وما بعده ليس عليه معول اهـ من المفهم.
والحاصل أن في هذا الحديث ست تأويلات:
الأول: أنه محمول على حقيقته فينبغي أن يحثى التراب على وجه المادح حقيقة وهو الذي استعمله المقداد ﵁ راوي الحديث.
والثاني: أن حثي التراب كناية عن تخييبه والمراد من المدّاحين من يتملق لأخذ المال والصلة وتخييبه أن لا يُعطى أو من يريد الفتنة بإلقاء العُجب في نفس الممدوح فتخييبه أن لا يعجب الإنسان بنفسه.
والثالث: أن المراد أن يقول الممدوح للمادح بفيك التراب والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله.
والرابع: أن يأخذ الممدوح ترابًا فيبذره بين يديه ليتذكر أصله وأن مصيره إليه فلا
стр. 11868
٧٣٣١ - (٢٩٨٩) (١٤٩) حدَّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا صَخْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ جُوَيرِيَةَ)، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ. فَجَذَبَنِي رَجُلانِ. أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ. فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ مِنْهُمَا. فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ"
ــ
يطغى بالمدح الذي سمعه وعلى هذا فقوله في وجوه المدّاحين معناه بين أيديهم وفي مواجهتهم.
والخامس: أن المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب لأن كل ما فوق التراب تراب وبهذا جزم البيضاوي، وقال: شبه الإعطاء بالحثي على سبيل الترشيح والمبالغة في الاستهانة والتقليل كذا في الفتح.
والسادس: معنى الحديث أنه ينبغي للممدوح أن يقوم عن مجلس المادح ويثير -من أثار الرباعي بالمثلثة- بقيامه التراب عليه ذكره الأبي، وقال: إنه أبعد التأويلات.
ويبدو أن أولى التأويلات هو الثاني كما ذكره القرطبي آنفًا، والمقصود الحث على منعه من المدح وعدم تشجيعه على ذلك وهو الذي اختاره أكثر السلف اهـ من التكملة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء السادس من الترجمة وهو مناولة الأكبر أولًا بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٣٣١ - (٢٩٨٩) (١٤٩) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر (الجهضمي) البصري أبو عمر الأزدي، ثقة ثبت، من (١٠) روى عنه في (١٧) بابا (حدثني أبي) علي بن نصر بن علي الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثني صخر يعني ابن جويرية) مصغرًا التميمي مولاهم البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (حدّثه أن رسول الله ﷺ قال) وهذا السند من خماسياته (أراني) بفتح الهمزة أي أرى نفسي (في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان أحدهما كبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر) أي ادفعه إلى الأكبر (فدفعته إلى الأكبر) منهما، قيل لعل تأويل دفعه ﷺ للأكبر منهما هو منعه أصحابه مما فحش من الكلام وحثهم على السواك لأن
стр. 11869
٧٣٣٢ - (٢٩٩٠) (١٥٠) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي. فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا قَالتْ لِعُرْوَةَ: أَلا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا وَمَقَالتِهِ آنِفًا؟
ــ
السواك في المنام تطهير الفم من الغيبة ونحوها اهـ مبارق. والرجلان هما جبريل وميكائيل، والقائل كبّر هو جبريل ﵉.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٤٦].
وهذا الحديث تقدم تخريجه وشرحه في كتاب الرؤيا باب رؤيا النبي ﷺ رقم [٥٨٨٦] فراجعه إن شئت.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء السابع من الترجمة وهو التثبت في الحديث بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٣٣٢ - (٢٩٩٠) (١٥٠) (حدثنا هارون بن معروف) المروزي ثم البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا به) أي بهذا الحديث الآتي فقط (سفيان بن عيينة عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (قال) عروة (كان أبو هريرة يحدّث) لنا الحديث في المسجد النبوي جنب حجرة عاشة رضي الله تعالى عنها (ويقول) مخاطبًا لها في بداية كل حديث (اسمعي) لي حديثي لتردني عن الخطأ فيه (يا ربة) هذه (الحجرة) يعني حجرة عائشة: أي اسمعي حديثي يا صاحبة هذه الحجرة (اسمعي يا ربة الحجرة) ويا مالكتها كرره للتأكيد يعني بها عائشة ولم ينادها باسمها ولا بيا أم المؤمنين بل بكناية يشركها فيها غيرها من النساء إكرامًا للحرم اهـ أبي، ومراده بذلك تقوية الحديث بإقرارها ذلك وسكوتها عليه ولم تنكر عليه شيئًا من ذلك سوى الإكثار من الرواية في المجلس الواحد لخوفها أن يحصل بسببه سهو ونحوه اهـ نووي؛ أي كان أبو هريرة يحدّث ويقول ذلك الكلام (وعائشة) أي والحال أن عائشة (تصلي) أي تشتغل بالصلاة (فلما قضت) عائشة (صلاتها) وفرغت منها (قالت لعروة) بن الزبير وهو مع أبي هريرة (ألا تسمع) يا عروة (إلى هذا) الرجل تعني أبا هريرة (ومقالته) التي قالها لي (آنفًا) أي في الزمن القريب تعني قوله: اسمعي يا ربة الحجرة مستعجلًا في حديثه، وكيف أسمع له وأنا في الصلاة كأنها أنكرت أن يناديها أبو هريرة وهي تصلي ولعل العذر لأبي هريرة أنه لم
стр. 11870
إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ.
٧٣٣٣ - (٢٩٩١) (١٥١) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَكتُبُوا عَنِّي. وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ
ــ
يعرف أنها في الصلاة لكونها محتجبة في بيتها (إنما كان النبي ﷺ يحدّث حديثًا) مرتلًا غير مستعجل مكررًا ثلاث مرات ليُفهم غير متوان بحيث (لو عدّه العاد) وحسبه بعدد معلوم (لأحصاه) أي لحصره وضبطه في عدد معلوم تعني أن النبي ﷺ لا يكثر من الحديث في مجلس واحد وإنما كان يحدّث بأحاديث معدودة قليل عددها ليفهمها الناس ويحفظوها فلم تنكر عليه عائشة نفس التحديث بل إنما أنكرت عليه الإكثار منه في مجلس واحد لما مر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في المناقب باب صفة النبي ﷺ [٣٥٦٧ و ٣٥٦٨]، وأبو داود في العلم باب في سرد الحديث [٣٦٥٤ و ٣٦٥٥]، والترمذي في المناقب باب في كلام النبي ﷺ [٣٦٣٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثامن من الترجمة وهو النهي عن كتابة العلم بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٧٣٣٣ - (٢٩٩١) (١٥١) (حدثنا هدّاب بن خالد) بن الأسود بن هدبة (الأزدي) البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٣) بابا (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال لا تكتبوا عني) الحديث (ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) أي فليمسحه لئلا يلتبس الحديث بالقرآن، قال القرطبي: كان هذا النهي متقدمًا وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لما أمن من ذلك أُبيحت الكتابة كما أباحها النبي ﷺ لأبي شاه في حجة الوداع حين قال: "اكتبوا لأبي شاه" فرأى علماؤنا حديث أبي شاه هذا ناسخًا لذلك النهي.
стр. 11871
وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -قَال هَمامٌ أَحْسِبُهُ قَال: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
٧٣٣٤ - (٢٩٩٢) (١٥٢) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ
ــ
(قلت) ولا يبعد أن يكون النبي ﷺ إنما نهاهم عن كتب غير القرآن لئلا يتكلوا على كتابة الأحاديث ولا يحفظوها فقد يضيع المكتوب فلا يوجد في وقت الحاجة ولذلك قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط، قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب الحديث؟ قال: لا اهـ من المفهم. وهذا النهي ظاهر في البيئة التي نزل فيها القرآن الكريم حيث لم يكن مكتوبًا بصورة كتاب مدون، وإنما كان يكتب على العظام وجريد النخل والحجارة ونحوها فلو كتبت الأحاديث معها لوقع التباس القرآن بغيره فنهى عن ذلك في أول الأمر حيث يُخشى الالتباس، أما في حالة الأمن منه فقد أجاز رسول الله ﷺ الكتابة بنفسه لعدة من الصحابة مثل علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة ورافع بن خديج وأبي شاه وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم وقد كُتبت أحاديث كثيرة في عهد رسول الله ﷺ كما ثبت في روايات كثيرة تجدها مجموعة في كتاب تقييد العلم للخطيب رحمه الله تعالى.
(وحدّثوا عني) الحديث لغيركم (ولا حرج) ولا ذنب ولا لوم عليكم في نقل الحديث عني (ومن كذب عليّ) أي ومن نسب إليّ قولًا لم أقله ولا فعلًا لم أفعله (قال همام) بالسند السابق (أحسبه) أي أحسب زيد بن أسلم (قال) عند روايته لنا لفظة (متعمدًا) أي كذب عليّ متعمدًا (فليتبوأ) أي فليتخذ (مقعده) أي مقره ومنزله (من النار) أي من نار جهنم مخلدًا فيها إن استحل الكذب عليه ﷺ لأنه كفر بذلك أو غير مخلد بقدر كذبه إن لم يستحل كما بسطنا الكلام عليه في أول الكتاب.
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات لكنه شاركه أحمد في مسنده [١/ ٩٨]، والدارمي في سننه في العلم [٤٥٦]، والحاكم في المستدرك [١/ ١٢٧]، وابن حبان في صحيحه [١/ ١٤٢]، والبغوي [١/ ٢٩٤].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء التاسع من الترجمة وهو قصة أصحاب الأخدود بحديث صهيب بن سنان ﵁ فقال:
٧٣٣٤ - (٢٩٩٢) (١٥٢) (حدثنا هداب بن خالد) بن الأسود بن هدبة الأزدي
стр. 11872
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ صُهَيبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "كانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ. وَكانَ لَهُ سَاحِرٌ. فَلَمَّا كَبِرَ قَال لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كبِرْتُ. فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَبَعَثَ إِلَيهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ. فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ، إِذَا سَلَكَ، رَاهِبٌ. فَقَعَدَ إِلَيهِ وَسَمِعَ كَلامَهُ. فَأَعْجَبَهُ. فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيهِ
ــ
البصري، ويقال له هدبة، ثقة، من (٩) (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، من (٤) (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) يسار الأنصاري الأوسي الكوفي، ثقة، من (٢) (عن صهيب) بن سنان الرومي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال كان ملك فيمن كان قبلكم) من الأمم، ولم أقف على اسم هذا الملك وعلى تعيين مكانه غير أن الظاهر أنه كان في زمن الفترة بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام والظاهر على ما يفهم من كتب التفاسير أن ذو نواس اسمه زرعة بن حسان ملك حمير وما حولها وكان يسمى أيضًا يوسف بن شرحبيل في الفترة قبل أن يُولد النبي ﷺ بسبعين سنة، وكانت له غدائر من شعر أي ذوائب تنوس أي تضطرب فسُمي ذا نواس وأن مكانه نجران بتقديم النون وتأخير الجيم موضع باليمن فُتح سنة عشر من الهجرة سُمي بنجران بن زيدان بن سأ (وكان له) أي لذلك الملك (ساحر) يسحر له أي يعمل السحر له وكان اسم الساحر دولعان اهـ تنبيه المعلم (فلما كبر) وأسن ذلك الساحر (قال للملك) أي لذي نواس (إني قد كبرت) أي قد كبر سني فأخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه (فابعث إليّ غلامًا) أي ولدًا مراهقًا فهمًا أو قال فطنًا لقنًا فـ (أعلمه) لكم علمي (السحر فبعث) الملك (إليه) أي إلى الساحر (غلامًا) موصوفًا بالصفات السابقة (يعلّمه) لهم السحر قيل اسمه عبد الله بن الثامر كما سيأتي (فكان في طريقه) أي على طريق الغلام (إذا سلك) وذهب إلى الساحر لتعلّم السحر (راهب) اسم كان مؤخر أي متعبدًا يتعبد ربه على دين عيسى في صومعة له، اسم الراهب فيميؤن، وقيل قيشمون (فقعد) الغلام (إليه) أي عنده أي عند الراهب (وسمع) الغلام (كلامه) أي كلام الراهب من عقائد التوحيد (فأعجبه) أي أعجب الغلام كلام الراهب فأحبه (فكان) الغلام (إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه) أي عنده ليسمع
стр. 11873
فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ. فَشَكَا ذلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ. فَقَال: "إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي. وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَينَمَا هُوَ كَذلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ
ــ
كلامه (فإذا أتى) الغلام (الساحر ضربه) الساحر لتأخره (فشكا) الغلام (ذلك) أي ضرب الساحر له (إلى الراهب) أي أخبره على سبيل الشكوى إليه (فقال) الراهب للغلام (إذا خشيت) وخفت (الساحر) أي ضربه (فقل) له (حبسني أهلي) أي أخزني أهلي عن الحضور إليك في أول الدوام (وإذا خشيت أهلك) أي ضربهم (فقل) لهم (حبسني الساحر) أخرّني الساحر لشغل الدراسة عنكم.
قال القاضي عياض: في هذا الحديث جواز الكذب للضرورة لا سيما في الله تعالى والدفع عن الإيمان ومع من أراد أن يصد عنه، قال القرطبي: وجه الاستدلال به كونه ﷺ ذكره في معرض الثناء على الراهب والغلام واستحسان فعلهما إذ لو كان غير جائز لبينه ﷺ والبيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، وقال الأبي ويحتمل أن يكون ذلك تورية لا كذبًا لأن الغلام لا يصل إلى أهله إلا بعد المُكث عند الساحر والراهب، والتورية في قوله حبسني أهلي أبين وأوضح لأنه الأهل حقيقة إنما هم المرشدون له إلى السعادة فأراد بهذا اللفظ يعني لفظ الأهل الراهب وكذلك قوله لأهله حبسني الساحر يُمكن تأويله على التورية بأنه لا يصل إلى أهله إلا بعد المُكث عند الساحر والراهب جميعًا فيصدق قوله حبسني الساحر لأنه كان أحد الحابسين له اهـ من الأبي بزيادة.
(فبينما هو) أي ذلك الغلام كائن (كذلك) أي مترددًا بين أهله وبين الساحر والراهب مع كذبه بالأهل والساحر أو المعنى فبينما هو كائن كذلك أي ملازمًا للراهب مترددًا إليه، والراهب واحد رهبان النصارى وهو من اعتزل من الناس إلى دير طلبًا للعبادة، والصومعة على زنة جوهرة بيت للنصارى ينقطع فيه رهبانهم اهـ من التحفة (إذ) فجائية رابطة لجواب بينما أي فبينما أوقات تردده إلى الساحر ومروره على الراهب فاجأه أن (أتى) ومر (على دابة عظيمة) أي فاجأه إتيانه ومروره على دابة عظيمة أي شديدة الافتراس على الناس (قد حبست الناس) ومنعتهم عن المرور في الطريق أي تعرضت في الطريق فمنعت الناس من المرور ووقع في رواية الترمذي قول بعض الرواة أن الدابة
стр. 11874
فَقَال: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَال: "اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ. حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ. فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا. وَمَضَى النَّاسُ. فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَال لَهُ الرَّاهِبُ: أَي بُنَيَّ، أَنْتَ، الْيَوْمَ، أَفْضَلُ مِنِّي. قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى. وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى. فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلُّ عَلَيَّ. وَكَانَ الْغُلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَيُدَاوي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ. فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ. فَقَال: مَا ههُنَا لَكَ أَجْمَعُ، إِنْ أَنْتَ شَفَيتَنِي
ــ
كانت أسدًا (فقال) الغلام في نفسه (اليوم) أي في هذا اليوم الحاضر (أعلم) بصيغة المضارع المسند إلى المتكلم (آلساحر) بزيادة همزة الاستفهام أي فقال اليوم أعلم جواب استفهام هل الساحر (أفضل) أي أنفع اتباعًا واقتداء به (أم الراهب أفضل) اقتداء به، قال الأبي: فليس هذا شكًّا منه وإنما هو استثبات واطمئنان منه (فأخذ) الغلام (حجرًا) من الأحجار (فقال) لربه (اللهم إن كان أمر الراهب) ودينه (أحب إليك) أي عندك (من أمر الساحر) ودينه (فاقتل) عنا (هذه الدابة) الضارية المانعة للناس عن المرور في الطريق (حتى يمضي الناس) ويمرون في طريقهم (فرماها) أي فرمى الغلام تلك الدابة (فقتلها) بحجره (ومضى الناس) أي مروا في طريقهم (فأتى) الغلام (الراهب فأخبره) أي أخبر الراهب بما قال وفعل بالدابة (فقال له) أي للغلام (الراهب أي بني) أي يا ولدي صغره تصغير شفقة (أنت اليوم) أي في هذا الوقت الحاضر (أفضل مني) أي أعظم درجة ومنزلة مني عند الله تعالى (قد بلغ) وحصل لك (من أمرك) ومنزلتك عند الله (ما أرى) وأعلم من المنزلة الرفيعة والكرامة العظيمة (و) لكن (إنك) يا بني (ستبتلى) وتختبر عند الملك (فإن ابتليت) واختبرت (فلا تدل) الناس (عليّ) فإنهم يقتلونني، وانتشر أمر الغلام في الناس (وكان الغلام يبرئ) ويشفي (الأكمه) أي من وُلد أعمى بدعائه (والأبرص) من برصه (ويداوي الناس) أي يعالجهم (من سائر الأدواء) أي من جميع الأمراض (فسمعـ) ـه أي فسمع علاج الغلام من كل الأدواء (جليس) أي صاحب (لـ) هذا (الملك) وقد كان) هذا الجليس (قد عمي) وفقد بصره (فأتاه) أي فأتى الغلام هذا الجليس الأعمى (بهدايا كثيرة) ليعالجه (فقال) الجليس للغلام (ما ها هنا لك أجمع) أي كل ما ها هنا لي من الأموال أجمعه كائن لك أيها الغلام (أن أنت شفيتني) ورددت لي بصري. وقوله (أجمع) بالرفع
стр. 11875
فَقَال: إِنِّي لَا أَشفِي أَحَدًا. إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ. فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ بِاللهِ. فَشَفَاهُ اللهُ. فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيهِ كَمَا كَانَ يَجلِسُ. فَقَال لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيكَ بَصَرَكَ؟ قَال: رَبِّي. قَال: وَلَكَ رَبُّ غَيرِي؟ قَال: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلام. فَجِيءَ بِالْغُلام. فَقَال لَهُ الْمَلِكُ: أَي بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ. فَقَال: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا. إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ. فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ. فَقِيلَ لَهُ:
ــ
على أنه تأكيد لما الموصولة الواقعة مبتدأ خبره لك فالمعنى إن أنت شفيتني فإن هذا المال الذي هو موجود ها هنا أجمعه لك في مقابلة شفائي يعني به الهدايا الكثيرة التي أتى بها اهـ (فقال) الغلام (إني لا أشفي أحدًا) من الناس من مرضه ولا أرد بصرك (إنما يشفي الله) أي فإنما الشفاء ورد البصر من الله تعالى لا من أحد من الناس (فإن أنت آمنت) وصدقت (بالله) أي بوحدانية الله تعالى وأقررت بربوبيته (دعوت الله) تعالى لك بالشفاء (فشفاك) بقدرته ورد بصرك إليك (فآمن) الأعمى (بالله) تعالى فدعا له الغلام (فشفاه الله) تعالى ببركة الإيمان بالله تعالى (فأتى) الجليس (الملك فجلس إليه) أي عند الملك كعادته أي (كما كان يجلس) عنده وهو أعمى (فقال له الملك من رد بصرك) وشفاك (قال) الجليس شفاني (ربي) الذي خلقني ورباني (قال) الملك له أ (ولك رب غيري؟ قال) الجليس: نعم لي رب غيرك لأن (ربي وربك الله) أي المعبود الحق. وفي هذا دليل على أن الملك كان يدّعي الألوهية ففيه رد على من زعم أن هذا الملك كان يهوديًّا (فأخذه) أي فأخذ الملك جليسه الأعمى (فلم يزل) الملك (يعذبه حتى دل) الجليس الملك (على الغلام) فأرسل الملك إلى الغلام (فجيء بالغلام) بين يدي الملك (فقال له) أي للغلام (الملك أي بني) صغره تصغير إهانة وتحقير (قد بلغ) وحصل (من سحرك) الذي أمرتك بتعلمه (ما تبرئ) به (الأكمه والأبرص وتفعل) به كذا وكذا (وتفعل) به كذا وكذا من دعوة الناس إلى الإيمان (فقال) الغلام للملك (إني لا أشفي أحدًا) من الناس (إنما يشفيـ) ـهم (الله) تعالى ببركة الإيمان به (فأخذه) أي فأخذ الملك الغلام (فلم يزل) الملك (يعذبه) أي يعذب الغلام بأنواع التعذيب (حتى دل) الغلام الملك (على الراهب) فأرسل الملك إلى الراهب (فجيء بالراهب) إلى الملك (فقيل له)
стр. 11876
ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ. فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ. فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ. فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلامِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَال: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا. فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ. فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلّا فَاطْرَحُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ
ــ
أي للراهب (ارجع عن دينك) الذي هو التوحيد (فأبى) الراهب وامتنع عن الرجوع عن دينه (فإن قلت) كيف يجوز للغلام في شرعنا ما فعل بالراهب من دلالته عليه للقتل (قلت) إن الغلام غير مكلف لأنه لم يبلغ الحلم ولو سُلِّم أنه مكلف فيُعذر له عن ذلك بأنه لم يعلم أن الراهب يُقتل فلا يلزم من دلالته عليه قتله اهـ من المفهم (فدعا) الملك (بالمئشار) هو مهموز في رواية الأكثرين ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياءً، ورُوي المنشار بالنون وهما لغتان سبق بيانهما وهي آلة يُقطع بها الخشب ويُنشر، قال في التحفة (والمئشار) بكسر الميم آلة ذات أسنان يُنشر بها الخشب ونحوه، قوله (على مفرق أحدهما) والمفرق كمقعد ومجلس وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر اهـ منه (فوضع) الملك (المئشار) أي أمر بوضعه (في مفرق رأسه) أي في وسط رأس الراهب وهو موضع فرق الشعر (فشقه) نصفين طولًا (حتى وقع) وسقط (شقاه) أي جانباه من الجانبين (ثم جيء بجليس الملك فقيل له) أي للجليس (ارجع عن دينك) الذي هو دين التوحيد (فأبى) الجليس وامتنع من الرجوع عن دينه (فوضع) الملك (المئشار) أي أمر بوضعه (في مفرق رأسه فشقه) أي فشق الملك جليسه (به) أي بالمئشار (حتى وقع شقاه) على الأرض (ثم جيء بالغلام فقيل ارجع عن دينك فأبى) أي امتنع من الرجوع عنه (فدفعه) أي فدفع الملك الغلام (إلى نفر) أي إلى جماعة (من أصحابه) أي من خواصه وأعوانه (فقال) الملك لهم (اذهبوا به) أي بهذا الغلام (إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم) أي وصلتم به (ذروته) أي ذروة الجبل وأعلاه، وذروة كل شيء بتثليث الذال أعلاه (فإن رجع) أي الغلام (عن دينه) أي عن دين التوحيد إلى دين الشرك فاتركوه (وإلا) أي وإن لم يرجع عن دينه (فاطرحوه) أي فارموه من أعلى الجبل ليموت مترديًا فأخذ أولئك النفر الغلام من الملك (فذهبوا به) إلى الجبل (فصعدوا به الجبل) وطلبوا
стр. 11877
فَقَال: اللَّهُمَّ اكفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا. وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ. فَقَال لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَال: كَفَانِيهِمُ اللهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَال: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَن دِينِهِ وَإِلّا فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ. فَقَال: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ
ــ
منه الرجوع عن دينه فتضرع إلى الله تعالى (فقال) في تضرعه (اللهم اكفنيهم) أي يا آلهي كن كافيًا لي ودافعًا عني شرّهم (بما شئت) من مكرك وحفظك (فرجف بهم الجبل) أي اضطرب وتحرك بهم حركة شديدة، قال الأبي: أي تحرك بهم الجبل وزلزل زلزلة شديدة، ومنه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قال القاضي: وهو عند الصدفي بالزاي والحاء المهملة والصواب الأول وإن كان الزحف بمعنى الحركة يقال زحف القوم إلى عدوهم أي نهضوا اهـ منه (فسقطوا) من الجبل وهلكوا (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك) الذين ذهبوا معك فـ (قال) الغلام للملك (كفانيهم الله) أي كفاني شرهم ودافعه عني بحفظه وحوله (فدفعه) الملك (إلى نفر) آخرين (من أصحابه، فقال) لهم الملك (اذهبوا به) إلى جهة البحر (فاحملوه) أي فاحملوا هذا الغلام (في قرقور) وسفينة، والقرقور بضم القافين بينهما راء ساكنة، وذكر بعض العلماء أن القرقور سفينة كبيرة، وذكر بعضهم أنها سفينة صغيرة، والراجح في سياق الحديث أنها الصغيرة لأنها هي التي تستعمل في مثل هذه المواقع لا الكبيرة، وقال ابن دريد وصاحب العين: القرقور ضرب من السفن والمناسب للحال والحديث أنه الصغير لأنه هو الذي يستعمل في مثل هذا الحمل، وفي حديث قصة موسى ﵇ فلما رأوا التابوت في اليم ركبوا القراقير حتى أتوا به، والكبير إنما يُستعمل في عظام الأمور، ولعل الملك قصد الكبير ليتوسطوا به البحر ويبعدوه اهـ من الأبي، وقال القرطبي: القرقور ضرب من السفن عربي معروف والمعروف عند الناس فيه استعماله فيما صغر منها وخف للتصرف فيه اهـ مفهم (فتوسطوا به البحر) أي فادخلوا به وسط البحر (فإن رجع عن دينه) فاتركوه وارجعوا به (وإلا) أي وإن لم يرجع عن دينه (فاقذفوه) أي فارموه في البحر، وفي رواية الترمذي "فانطلق به إلى البحر فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه" (فذهبوا به) إلى البحر (فقال) الغلام (اللهم اكفنيهم بما شئت) من مكرك وحولك وقوتك (فانكفأت) أي فانقلبت (بهم) أي بأولئك النفر (السفينة) في البحر، يقال كفأه كمنعه وأكفأه إذا قلبه وكبه
стр. 11878
فَغَرِقُوا. وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ. فَقَال لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَال: كَفَانِيهِمُ اللهُ. فَقَال لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَال: وَمَا هُوَ؟ قَال: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ. ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي. ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلامِ. ثُمَّ ارْمِنِي. فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ. ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ. ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَال: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلامِ. ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ. فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغهِ فِي مَوْضِعِ السِّهْمِ. فَمَاتَ
ــ
فانكفأ اهـ (فغرقوا) فماتوا في البحر (وجاء) الغلام حالة كونه (يمشي) على رجليه بعد نجاته بالسباحة أو بما شاء الله تعالى (إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك) الذين أرسلناهم معك (فقال) الغلام (كفانيهم الله) تعالى شرهم (فقال) الغلام (للملك إنك) أيها الملك (لست بقاتلي) أي بقادر على قتلي (حتى تفعل ما آمرك به) في قتلي (قال) الملك (وما هو) أي وما الأمر الذي تأمرني به (قال) الغلام للملك (تجمع الناس في صعيد واحد) أي في أرض بارزة واسعة (وتصلبني) أي تعلقني (على جذع) من جذوع النخل أي على خشب من الأخشاب (ثم خذ سهمًا) أي نبلًا (من كنانتي) أي من كيس سهامي (ثم ضع السهم في كبد القوس) أي في مقبضها عند الرمي (ثم قل باسم الله رب الغلام) أقتل هذا الغلام (ثم ارمني) بالسهم (فإنك إن فعلت ذلك) الفعل الذي أمرتك به (قتلتني) أي تقدر على قتلي وإلا فلا تقدر على قتلي (فجمع) الملك (الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته) أي من كيس سهام الغلام (ثم وضع السهم في كبد القوس) أي في مقبضه (ثم قال) الملك (باسم الله رب الغلام) أرميه (ثم رماه فوقع السهم في صدغه) أي في صدغ الغلام، والصدغ الموضع المنخفض بين اللحاظ، والأذن فوق العذار (فوضع) الغلام (يده في صدغه في موضع السهم فمات) الغلام، قال القاضي: سعيه أي تسببه في قتل نفسه إنما هو ليشهر أمر الإيمان في الناس ويروا برهانه كما وقع قال القرطبي ويجاب أيضًا بأنه غير بالغ أو علم أنه لا بد أن يقتل اهـ من الأبي، وعبارة التكملة: قوله (فمات) فإن قيل كيف أمر الغلام ذلك الملك بقتل نفسه وهو
стр. 11879
فَقَال النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ. آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ. آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ. فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ، وَاللهِ، نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالأُخدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ. وَقَال: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا. أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ
ــ
حرام؟ فالجواب أنه قد علم أنه لا بد أن يُقتل وإنما نجاته الآن بطريق الكرامة لإحقاق الحق فأمره بما يتضح به الحق على جميع الناس فيؤمنوا فيكون سببًا لهدايتهم وهذا كالمجاهد يقحم نفسه في معركة القتال لإعلاء كلمة الله تعالى اهـ منه.
(فقال الناس) المجتمعون في الصعيد (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام) بالتكرار ثلاثًا للتأكيد (فأتي الملك فقيل له) بالبناء للمجهول في الفعلين أي أتاه آت فقال له (أرأيت ما كنت تحذر) منه من إيمان الناس أي أخبرني عما كنت تحذر وتخاف منه من الإيمان بالله فإنه (قد والله نزل بك حذرك) أي قد وقع ما كنت تحذر وتخاف منه، فإنه (قد آمن الناس) كلهم، وفي رواية الترمذي "ثم مات، فقال أناس: لقد علم هذا الغلام علمًا ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام، قال: فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة -أي الأعمى والراهب والغلام- فهذا العالم كلهم قد خالفوك، قال: فخدّ أخدودًا" الحديث (فأمر) الملك (بـ) شق (الأخدود) بضم الهمزة وسكون المعجمة الشق العظيم يُجمع على أخاديد (في أفواه السكك) أي على أبواب الطرق ومداخلها (فخُدّت) الأخدود وشقت وحُفرت على أفواهها بضم الخاء المعجمة على صيغة المبني للمجهول والسكك بكسر السين المهملة جمع سكة وهي الطريق وأفواهها أبوابها ومداخلها، وإنما شق الأخدود على مداخل الطريق لئلا يتمكن الناس من الهروب (وأضرم النيران) أي أوقدها وأشعلها (وقال) ذلك الملك (من لم يرجع عن دينه) دين التوحيد (فأحموه) أي فأحرقوه (فيها) أي في هذه النيران التي اضرمت في الأخدود، قوله (فأحموه فيها) بفتح الهمزة من الإحياء أي ارموه فيها من قولهم أُحميت الحديدة وغيرها إذا أدخلتها النار لتحمى أي لتصير حارة، قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "فاحموه" بهمزة قطع بعدها حاء ساكنة، ونقل القاضي اتفاق النسخ على هذا، ووقع في بعض نسخ بلادنا (فأقحموه) بالقاف وهذا ظاهر ومعناه اطرحوه فيها كرهًا اهـ وبهذا اللفظ رواه النسائي (أو قيل له) أي لمن لا يرجع عن دينه (اقتحم) أي ادخل هذه النار فيدخل
стр. 11880
فَفَعَلُوا. حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا. فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا. فَقَال لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّهِ، اصْبِرِي. فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ"
ــ
إن لم يرجع (نفعلوا) أي ففعل أصحاب الملك ما أمرهم به الملك من قذف من لم يرجع عن دينه في تلك النار (حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها) فأمروها بدخول النار (فتقاعست) تلك المرأة لأجل ولدها أي توقفت وامتنعت عن دخولها ولزمت موضعها وكرهت الدخول في النار أي تباطأت وتأخرت عن (أن تقع) وتسقط (فيها) أي في النار (فقال لها الغلام) أي صبيها (يا أمه) بكسر الميم على حذف ياء المتكلم اجتزاء عنها بالكسرة وبهاء السكت وبفتح الميم مع هاء السكت على قلب ياء المتكلم ألفًا وحذفها اجتزاء عنها بالفتحة، وعلى كلا التقديرين حركت هاء السكت لالتقاء الساكنين أي يا أمي (اصبري) على هذه النار فادخليها (فإنك على الحق) الذي هو التوحيد، قيل إن هذا الغلام الذي كلم الأم أحد الستة الذين تكلموا في المهد كما في شرح الأبي وكونه في المهد ليس صريحًا في رواية المؤلف ولكن وقع عند النسائي في السنن الكبرى "فجاءت امرأة بابن لها ترضعه" وهو صريح في كون الصبي رضيعًا ولم أر من ذكر اسم هذا الغلام. وفي رواية الترمذي في آخر هذا الحديث زيادة وهي قال: "فأما الغلام فإنه دُفن، قال: فيذكر أنه أُخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قُتل" قال صاحب التحفة: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حُدّث أن رجلًا من أهل نجران كان زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن الثامر تحت مقبرة دُفن فيها قاعدًا واضعًا يده على ضربة في رأسه ممسكًا عليها بيده فإذا أخذت يده عنها انبعث دمًا وإذا أُرسلت يده رُدّت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربي الله، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره، فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله، وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا اهـ من التحفة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في تفسير سورة البروج [٣٣٤٠]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٥١٠]، وأحمد [٦/ ١٧]، وابن حبان [٢/ ١١٦ و ١١٧].
وهذا الحديث إنما ذكره النبي ﷺ لأصحابه ليصبروا على ما يلقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه
стр. 11881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الحق وتمسكه به وبذله نفسه في حق إظهار دعوته ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظيم صبره، وكذلك الراهب صبر عى التمسك حتى نُشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا عن دينهم وهذا كله فوق ما كان يفعل بمن آمن من أصحاب النبي ﷺ فإنه لم يكن فيهم من فُعل به شيء من ذلك لكفاية الله تعالى لهم ولأنه تعالى أراد إعزاز دينه وإظهار كلمته، على أني أقول: إن محمدًا ﷺ أقوى الأنبياء في الله تعالى، وأصحابه أقوى أصحاب الأنبياء في الله تعالى فقد امتحن كثير منهم بالقتل وبالصلب وبالتعذيب الشديد ولم يلتفت إلى شيء من ذلك وتكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقي أصحابه من الحروب والمحن والأسر والحرق وغير ذلك فلقد بذلوا في الله نفوسهم وأموالهم وفارقوا ديارهم وأولادهم حتى أظهروا دين الله تعالى ووفّوا بما عاهدوا عليه الله فجازاهم الله تعالى أفضل الجزاء ووفّاهم من أجر من دخل في الإسلام بسببهم أفضل الإجزاء والله أعلم اهـ من المفهم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أحد عشر: الأول حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث صهيب الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة، والخامس حديث أبي بكرة ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والسادس حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستشهاد به، والسابع حديث المقداد بن الأسود ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثامن حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء السادس من الترجمة، والتاسع حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء السابع من الترجمة، والعاشر حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الثامن من الترجمة، والحادي عشر حديث صهيب الثاني ذكره للاستدلال على الجزء التاسع من الترجمة والله أعلم.
***
стр. 11882
٧٧٥ - (١٩) باب في حديث أبي اليسر وحديث جابر الطويل رضي الله تعالى عنهما وحديث الهجرة ويقال له حديث الرحل بالحاء
٧٣٣٥ - (٢٩٩٣) (١٥٣) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، (وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ)، وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ. قَالا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، أَبِي حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَال: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي
ــ
٧٧٥ - (١٩) باب في حديث أبي اليسر وحديث جابر الطويل رضي الله تعالى عنهما وحديث الهجرة ويقال له حديث الرحل بالحاء
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الجزء الأول من الترجمة وهو حديث جابر مع قصة أبي اليسر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٣٣٥ - (٢٩٩٣) (١٥٣) (حدثنا هارون بن معروف) المروزي البغدادي، ثقة، من (١٠) (ومحمد بن عبّاد) بن الزبرقان المكي نزيل بغداد، صدوق، من (١٠) (وتقاربا في لفظ الحديث والسياق) أي واللفظ المسوق أي المذكور فيما سيأتي (لهارون) وأما محمد بن عبّاد فروى معناه (قالا) أي قال كل من هارون ومحمد بن عبّاد (حدثنا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم أبو إسماعيل المدني، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابًا (نحن يعقوب بن مجاهد) القرشي المخزومي مولاهم (أبي حزرة) بفتح المهملتين بينهما زاي ساكنة مشهور بكنيته المدني، صدوق، من (٦) ويقال أبو حزرة، لقبه وكنيته أبو يوسف، روى عنه في (٢) الصلاة وآخر الكتاب (عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاري المدني، روى عن أبيه في الجهاد، وأبي اليسر صاحب رسول الله ﷺ في آخر الكتاب، وجابر بن عبد الله في آخر الكتاب، ويروي عنه (خ م د س ق) ويعقوب بن مجاهد أبو حزرة وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن عجلان ويزيد بن الهاد، وثقه أبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة (قال) عبادة بن الوليد (خرجت أنا وأبي) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري أبو عبادة المدني، يقال إنه وُلد في آخر زمن النبي ﷺ ، وتُوفي في ولاية عبد الملك بالشام، روى عن أبيه في الجهاد، ويروي عنه (خ م ت س ق) وابنه عبادة، ثقة، من كبار (٢) مات بعد السبعين (٧٠) أي
стр. 11883
نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا. فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ. مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ. وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ. وَعَلَى غُلامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ
ــ
خرجت أنا وأبي من منزلنا حالة كوننا (نطلب العلم) أي تعلُّم العلم، والحديث (في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا) ويُقتلوا في حروب الفتن الواقعة بين المسلمين (فكان أول من لقينا) ورأينا من الأنصار بعد الخروج من منزلنا (أبا اليسر) خبر كان بفتح الياء والسين كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو بن غزية بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي بفتح السين واللام، صحابي عقبي بدري جليل، له أحاديث، انفرد له (م) بحديث في آخر الكتاب، وكان رجلًا قصيرًا ذا بطن، وكان النبي ﷺ دعا له وقال: "اللهم أمتعنا به" روى عنه عبادة بن الوليد بن الصامت آخر الكتاب، ويروي عنه (م عم) وابنه عمار، قال أبو حاتم: مات، سنة (٥٥) خمس وخمسين، وهو آخر من مات بالمدينة من البدريين ﵁، وقد زاد على المائة (١٠٠) (صاحب رسول الله ﷺ ) ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ أي لقينا أبا اليسر (ومعه) أي مع أبي اليسر (غلام) أي عبد (له) أي لقيناه، والحال أنه معه عبد له (معه) أي مع غلامه (ضمامة) وملزمة (من صحف) أي من أوراق، والضمامة بكسر الضاد المعجمة الرزمة ومجموعة الشيء لأنها يضم بعضها إلى بعض، وقد وقع في بعض النسخ إضمامة بزيادة الهمزة المكسورة في أولها وهو المشهور في اللغة بهذا المعنى، والحاصل أنه كان عنده مجموعة من الصحف المدبسة المربوطة بالإبرة، وقال في النهاية: أن الضمامة لغة في الإضمامة والمشهور في اللغة إضمامة بالألف (وعلى أبي اليسر بردة) والبردة على وزن غرفة شملة مخططة، وقيل كساء مربع فيه صغر يلبسه الأعراب يُجمع على بُرد (ومعافري) بفتح الميم نوع من الثياب يُصنع بقرية في اليمن تسمى معافر، وذكر القاضي عياض أن أصل هذه التسمية أنها لقبيل من اليمن سموا بذلك وأراهم نزلوها أو أصل ما سُموا به جبل ببلادهم يقال له معافر، وقال ابن سرّاج: ويقال في القبيل معافر بضم الميم وأنكره يعقوب اهـ من الأبي (وعلى غلامه بردة ومعافري) مماثلتان لما يلبسه والمقصود من هذا الكلام التنبيه على أن أبا اليسر ﵁ كان يلبس ما يلبسه غلامه وإن كان من الممكن أن يلبس معافريين ويلبس غلامه
стр. 11884
فَقَال لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعَةً مِنْ غَضَبٍ. قَال: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلانِ بْنِ فُلانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ. فَأَتَيتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ. فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لَا. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ. فَقُلْتُ لَهُ: أَينَ أَبُوكَ؟ قَال: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي
ــ
بردين أو على العكس ليصير لكل واحد منهما حلة متوافقة ولكنه فعل ذلك عملًا بقوله ﷺ "ألبسوهم مما تلبسون" كما سيأتي في كلامه، قال عبادة بن الوليد (فقال له) أي لأبي اليسر (أبي) أي والدي وليد بن عبادة (يا عم إني أرى) وأبصر (في وجهك سفعة) أي تغيرًا وعلامة (من غضب) فما شأنك والسفعة بفتح السين وضمها أيضًا في أصل اللغة السواد، قال ابن منظور في اللسان [٦/ ٢٧١] ومنه حديث أبي اليسر (أرى في وجهك سفعة من غضب) أي تغيرًا إلى السواد، فما سببها (قال) أبو اليسر للوليد (أجل) أي نعم لي غضب تغير بسببه وجهي، وذلك أنه (كان لي على فلان بن فلان الحرامي) أي المنسوب إلى بني حرام بفتح الحاء والراء بطن من الأنصار، ورواه الطبري وغيره (الحزامي) بالزاي المعجمة مع كسر الحاء ورواه ابن ماهان (الجذامي) بجيم مضمومة ودال معجمة اسمه الحارث بن يزيد الجهني (مال) أي دين (فأتيت أهله) أي زوجته (فسلمت) عليهم (فقلت) لهم أ (ثم هو) أي أههنا فلان بتقدير همزة الاستفهام أي أهو ثمه أي في هذا المكان، وثم هنا مستعارة للإشارة إلى المكان القريب وإن كانت في أصلها للبعيد (قالوا) أي قال أهله لي (لا) أي ليس ها هنا (فخرج عليّ) من بيته (ابن له) أي لفلان (جفر) أي صغير، قال النووي: الجفر بضم الجيم وسكون الفاء هو الذي قارب البلوغ، وقيل هو الذي قوي على الأكل، وقيل ابن خمس سنين وهو في أصل اللغة ولد المعز الذي بلغ أربعة أشهر، وجفر جنباه وفصل عن أمه وأخذ في الرعي، والمؤنث منه جفرة اهـ من اللسان [٦/ ٣٠٤] (فقلت له) أي لابنه (أين أبوك) فـ (قال) لي (سمع صوتك فدخل أريكة أمي) أي حجلتها وستارتها، قال ثعلب: الأريكة هو السرير الذي في الحجلة والحجلة ستارة العروس ولا يُسمى السرير أريكة إلا إذا كان في الحجلة، وقال الزجّاج: الأرائك الفرش في الحجال، وقيل الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو في بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة اهـ من اللسان، والحاصل أنه اختفى تحت أريكة أمه وسريرها لئلا تقع مواجهته لأبي اليسر ﵁، قال أبو اليسر
стр. 11885
فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ. فَقَدْ عَلِمْتُ أَينَ أَنْتَ. فَخَرَجَ. فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اختَبَأْتَ مِنِّي؟ قَال: أَنَا، وَاللهِ، أُحَدِّثُكَ. ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ. خَشِيتُ، وَاللهِ، أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ. وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ. وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَكُنْتُ، وَاللهِ، مُعْسِرًا. قَال: قُلْتُ: آللهِ. قَال: اللهِ. قُلْتُ: آللهِ. قَال: اللهِ. قُلْتُ: آللهِ. قَال: اللهِ. قَال: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ. فَقَال:
ــ
(فقلت) له (اخرج إليّ فقد علمت أين أنت) أي في أي مكان أنت، قال أبو اليسر (فخرج) إليّ من أريكتها (فقلت) له (ما حملك) وبعثك (على أن اختبأت) واختفيت (مني) فـ (قال) لي (أنا والله أحدّثك) وأخبرك خبرًا صادقًا في بيان سبب اختفائي عنك (ثم) بعد بيان سبب اختفائي عنك (لا أكذبك) أي لا أخبرك الكذب في شأن قضاء دينك بالوعد لك في قضائه، وأنا لا أقدر على قضائه (خشيت والله أن أحدّثك) وأخبرك في شأن دينك بالوعد لك في قضائه (فكذبك) أي فأخبرك الكذب في قضائه (وأن أعدك) في قضائه (فأخلفك) أي فأخلف وعدك في قضائه، وهذه الجملة مفسرة لما قبلها (و) الحال أنك (كنت صاحب رسول الله ﷺ ) يعني أنني أصدقك الآن في بيان سبب اختفائي عنك وهو أني خشيت إن واجهتك أن أكذب في وعدي لك وأنت صاحب رسول الله ﷺ وأرفع من أن يكذب في مواجهتك أحد (وكنت) أنا (والله معسرًا) عن قضاء دينك (قال) أبو اليسر (قلت) لمديني (الله) أي أقسمت لك بالله هل كنت معسرًا عن قضاء ديني (قال) المدين (الله) أي والله كنت معسرًا عن قضاء دينك (قلت) له ثانيًا (والله) هل كنت معسرًا (قال) ثانيًا و (الله) كنت معسرًا (قلت) له ثالثًا (آلله) هل كنت معسرًا (قال) ثالثًا و (الله) كنت معسرًا، كرر القسم من الجهتين لمبالغة التأكيد، قوله (قلت آلله) بمد همزة الاستفهام الداخلة على همزة الوصل في الجلالة، ولفظ الجلالة مجرور بحرف قسم محذوف فكأنه قال أقسمت لك بالله هل كنت معسرًا عن قضاء ديني، وقوله (قال الله) بلا مد همزة لأنه جواب لسؤال استفهام الدائن فلا تصلح فيه همزة الاستفهام، ولفظ الجلالة مجرور بحرف قسم محذوف فكأنه قال أقسمت لك بالله كنت معسرًا عن قضاء دينك (قال) وليد بن عبادة (فأتى) أبو اليسر (بصحيفته) أي بضمامته ودفتره التي كتب فيها ديونه وآجالها (فمحاها) أي فمحى صحيفته أي محى دين هذا المدين الذي ادعى الإعسار (بيده) عن تلك الصحيفة (فقال) أبو اليسر
стр. 11886
إِنْ وَجَدْتَ قَضاءً فَاقْضِنِي. وَإِلّا، أَنْتَ فِي حِلٍّ. فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ (وَوَضَعَ إِصْبَعَيهِ عَلَى عَينَيهِ) وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، وَوَعَاهُ قَلبِي هَذَا (وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ)
ــ
للمدين (إن وجدت قضاء) أي ما تقضي به ديني (فاقضني) أي فاقض لي ديني بلا مطالبة مني لك (وإلا) أي وإن لم تجد ما تقضي به ديني فـ (أنت في حل) وإذن وبراءة من ديني، قوله (فمحاها بيده) كأنه كان قد كتب في صحيفته أن له دينًا على فلان فمحا هذه الكتابة لئلا يبقى الدين مسجلًا وإنما فعل ذلك لأنه عزم على أن لا يطالبه بالدين بعد ذلك إلا أن يجد سعة فيؤديه بنفسه.
ثم قال أبو اليسر (فأشهد) مضارع بمعنى الماضي (بصر) بفتح الصاد وضم الراء فاعل شهد وإضافته إلى (عيني) من إضافة المصدر إلى فاعله (هاتين) بدل من عيني، وقوله (ووضع إصبعيه) السبابتين (على عينيه) جملة حالية من فاعل قال المحذوف ومفعول أشهد قوله (رسول الله ﷺ ) بالنصب لأنه مفعول أشهد، وقوله (وسمع أذني هاتين) بصيغة المصدر معطوف على قوله بصر عيني على كونه فاعل شهد بمعنى سمع؛ والمعنى قال أبو اليسر فأشهد أي شهد ورأى بصر أي نظر عيني هاتين رسول الله ﷺ (وهو يقول من انظر معسرًا) .. الخ أي قال ذلك، والحال أنه قد وضع إصبعيه على عينيه، وقال أبو اليسر أيضًا: وشهد سمع أذنيّ هاتين أي سمع سمع أذنيّ هاتين مقالة رسول الله ﷺ وهو يقول .. الخ، أي قال أبو اليسر ذلك والحال أنه قد أمسك أذنيه بيديه، وجملة قوله (ووعاه) أي وحفظ (قلبي هذا) ما سمع أذنيّ من رسول الله ﷺ واسم الإشارة بدل من قلبي جملة معترضة بين الفعل وهو أشهد ومفعوله وهو رسول الله، وجملة قوله (وأشار إلى مناط) أي إلى موضع (قلبه) وهو تحت الصدر حال من فاعل، قال المقدر أي قال أبو اليسر: ووعى قلبي هذا ما سمعت أذناي والحال أنه قد أشار إلى مناط قلبه وموضعه.
وهذا المعنى على رواية الأكثرين وهي (بصر عيني هاتين) بفتح الصاد وضم الراء وكذلك (سمع أذني هاتين) بسكون الميم وضم العين مع فتح السين على كونهما مصدرين مضافين إلى فاعلهما وهو محاورة من محاورات العرب، قال سيبويه: العرب تقول سمع أذني زيدًا ورأى عيني يقول ذلك ويفعل ذلك وأنشدوا:
ورأى عيني الفتى أخاكا ... يُعطي الجزيل فعليك ذاكا
стр. 11887
رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ،
ــ
وهما مصدران استعيرا لمعنى الفعل لزيادة التأكيد ومفعولهما (رسول الله ﷺ ) ولذلك نصب، وقبله جملة معترضة وهي (ووعاه قلبي) يعني وعى قلبي ما رأيته وسمعته منه والفصل بين الفاعل والمفعول بمثل هذه الجملة المعترضة فصل بغير أجنبي فإنه يفيد التأكيد. وقوله (أشهد) قبل هذا الكلام في معنى القسم، وأقول والأرجح الأوضح الأوفق للقاعدة النحوية في إعراب هذا الحديث لفظ (فأشهد) جملة قسمية بمعنى فأقسم (بصر عيني) مصدر مضاف إلى فاعله مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف وجوبًا، والجملة الحالية وهي قوله (وهو يقول) ساد مسد الخبر وهذه الحال قد تكون اسمًا مفردًا كما في قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وقد تكون جملة فعلية كما في البيت المذكور، وقد تكون جملة اسمية مع الواو كما في حديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وكما هنا والمعنى فأشهد أي أقسم بصر عيني هاتين ورؤيتهما رسول الله ﷺ حاصل وهو يقول (من أنظر معسرًا) .. إلخ وسمع أذنيّ هاتين رسول الله ﷺ حاصل وهو يقول (من أنظر معسرًا) ... إلخ وقس عليه إعراب الحديث الآتي. وفي رواية العُذري (بصر) بضم الصاد وفتح الراء على صيغة الماضي، و (عيناي) بالرفع على أنه فاعل، وكذلك (وسمع) بكسر الميم فعلًا ماضيًا (أذناي) بالرفع فاعل، وجملة (ووعاه قلبي) معترضة بين الفعل والمفعول وهو قوله بعد (رسول الله ﷺ ) والمعنى على هذه الرواية قال أبو اليسر: فأشهد على أنه بصرت عيناي هاتان وسمعت أذناي هاتان رسول الله ﷺ وهو يقول .. الخ وقد وعاه قلبي ما رأيته وسمعته منه ﷺ ، قال القاضي: وللعذري (وأشار إلى نياط قلبه) بالنون المكسورة، ولغيره (مناط قلبه) بالميم المفتوحة، قال صاحب العين: نياط القلب ومناطه حرف معلق به أي بالقلب اهـ، قال الأبي: الأصل في الترتيب تقديم الفعل ثم يليه الفاعل ثم يلي الفاعل المفعول، وقد يعرض ما يوجب الخروج عن هذا الأصل على ما هو مذكور في محله وليس في هذا الحديث إلا الفصل بين الفاعل والمفعول بما ليس بأجنبي بل بما يفيد توكيدًا وذاك خفيف اهـ منه.
أي سمعت رسول الله ﷺ (وهو يقول من أنظر معسرًا) أي أمهله مع بقاء الدين بمقدار ما كان (أو وضع عنه) أي أو نقص عنه شيئًا من الدين أو عفا عن
стр. 11888
أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ".
(٠٠) (٢٩٩٤) (١٥٤) قَال: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلامِكَ وَأَعْطَيتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيكَ حُلَّةٌ وَعَلَيهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَال: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ
ــ
كله (أظله الله في ظله) يوم لا ظل إلا ظله، والضمير في قوله (في ظله) عائد إلى الله تعالى قيل المراد به ظل الجنة وإضافته إلى الله تعالى إضافة ملك، والأقوى منه أن يقال المراد به الكرامة والحماية من مكاره الموقف كما يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته اهـ من المبارق، والمذهب الصحيح أن يقال فيه ظل الله صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ولا نؤولها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اهـ.
(فإن قلت) القاعدة أن ثواب الواجب أكثر من ثواب المندوب والأمر هنا بالعكس لأن الإنظار واجب والوضع مندوب، ومن المعلوم أن ثواب الوضع أكثر من ثواب الإنظار (قلت) أجيب بأن ثواب المندوب ها هنا إنما كان أكثر لاستلزامه الواجب لأن الوضع إنظار وزيادة وإنما يكون الأمر كما ذكرت لو لم يكن يستلزمه اهـ من الأبي.
وحديث أبي اليسر هذا أخرجه ابن ماجه في الأحكام باب إنظار المعسر [٢٤٤٤]، وأحمد [٣/ ٤٢٧].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى بالسند السابق لحديث أبي اليسر الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
(٠٠) (٢٩٩٤) (١٥٤) (قال) عبادة بن الوليد بالسند السابق (فقلت له) أي لأبي اليسر (أنا) تأكيد لضمير الفاعل في قلت لأن الفصل بين المؤكد والمؤكد بالجار مغتفر (يا عم لو أنك) لو هنا للتمني لا جواب لها أو الجواب محذوف إن كانت شرطية أي أتمنى أنك (أخذت بردة غلامك وأعطيته معافريك وأخذت معافريه وأعطيته بردتك فكانت عليك حلة) متوافقة متحدة الجنس (و) كانت (عليه حلة) متحدة، والمعنى أتمنى كون ذلك لكما أو لكان أحسن لكما، قال وليد بن عبادة (فمسح) أبو اليسر (رأسي وقال) في الدعاء لي (اللهم بارك فيه) أي في الولد النجيب.
قوله (وأخذت معافريه وأعطيته بردتك) هكذا وقع في جميع الروايات والنسخ بلفظ
стр. 11889
يَا ابْنَ أَخِي، بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا (وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ) رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ. وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ". وَكَانَ أَنْ أَعْطَيتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ــ
الواو في أول هذه الفقرة ولكنه لا يستقيم معنى فالصواب أو أخذت معافريه .. إلخ بلفظة أو وذلك لأنه يريد أن يكون على كل واحد منهما حلة متوافقة كما هو ظاهر من قوله فكانت عليه حلة وعليه حلة، وإنما يحصل ذلك إذا أخذ بردته وأعطاه معافريه حتى يكون عنده بردتان وعند غلامه معافريان أو بالعكس بأن يأخذ معافريه ويعطيه بردته حتى يصير عنده معافريان وعند غلامه بردتان، ولا يحصل ذلك المقصود بالجمع بين الأمرين بأن يأخذ بردته ويعطيه بردة نفسه ويأخذ معافريه ويعطيه معافري نفسه فإن ذلك لا يؤول إلا إلى تغيير الثياب بدون أن يجتمع عند أحد منهما حلة كاملة لأن الحلة ثوبان من جنس واحد أحدهما على الآخر وبذلك تسمى الحلة لحلول أحدهما على الآخر، وقال أبو عبيد: الحلة إزار ورداء ولا يكون حلة حتى يكونا ثوبين، وقيل لا يقال حلة إلا للثوب الجديد الذي حُلّ الآن من طيه لأن الحلة ثوب على ثوب، وسُميت حلة لحلول أحدهما على الآخر اهـ من الأبي.
ثم قال أبو اليسر في جواب ما قلت له (يا ابن أخي بصر عيني هاتين) ورؤيتهما رسول الله ﷺ حاصل وهو يقول أطعموهم .. إلخ (وسمع أذنيّ هاتين) أي سماعهما رسول الله ﷺ حاصل وهو يقول .. إلخ (و) الحال أنه قد (وعاه) أي قد حفظ (قلبي هذا) ما سمعته من رسول الله ﷺ (و) يقول ذلك وقد (أشار) بقوله هذا (إلى مناط) وموضع (قلبه) وقوله (رسول الله ﷺ ) بالنصب مفعول المصدرين اللذين هما بصر وسمع (وهو) ﷺ (يقول) إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم (أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون) قال أبو اليسر (وكان أن أعطيته) أي وكان إعطائي إياه أي لغلامي (من متاع الدنيا) وزينتها (أهون) أي أسهل (عليّ من أن يأخذ) هو أي غلامي (من حسناتي يوم القيامة).
وحمل أبو اليسر ﵁ هذا الحديث على المساواة حتى في أصناف الثياب
стр. 11890
(٠٠) (٢٩٩٥) (١٥٥) ثُمَّ مَضَينَا حَتَّى أَتَينَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلًا بِهِ. فَتَخَطَّيتُ الْقَوْمَ
ــ
ولذلك لم يرض بأن تكون عليه حلة بردة وعلى غلامه حلة معافري أو بالعكس وذلك احتياط منه ﵁ وورع، والجمهور على أن المقصود من الحديث المواساة لا المساواة ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة عند البخاري في العتق [رقم ٢٥٥٧] "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين" وحديث أبي هريرة مرفوعًا "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يُكلّف من العمل ما لا يطيق" وهو يقتضي الرد في ذلك إلى العرف فمن زاد عليه كان متطوعًا اهـ فتح الباري [٥/ ١٧٤].
قوله (وألبسوهم مما تلبسون) قال الأبي: كان بعض شيوخنا يقول المراد مما تلبسون الاتحاد بالنوع لا بالصنف فإذا لبس السيد الملف ولبس المملوك ثوبًا من نسج الحائك صدق أنه كساه مما يلبس اهـ.
وهذا الحديث من رواية أبي اليسر مما انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات وقد أخرجه البخاري في العتق [رقم ٢٥٤٥] من حديث أبي ذر ﵁ ولفظه "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس".
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الأول من أحاديث جابر ﵁ فقال:
(٠٠) (٢٩٩٥) (١٥٥) قال عبادة بن الوليد بالسند السابق (ثم) بعدما أخذنا الحديث من أبي اليسر (مضينا) أي ذهبنا من عنده (حتى أتينا جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي ﵄ (في مسجده) أي في مسجد جابر ومصلاه من المسجد النبوي (وهو) أي والحال أن جابرًا (يصلي في ثوب واحد مشتملًا) أي ملتحفًا ومتلففًا (به) أي بذلك الثوب الواحد اشتمالًا ليس باشتمال الصماء المنهي عنه وما عداه من الاشتمال كالاعتطاف والاضطباع فليس بمنهي عنه اهـ من الأبي، وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود الثياب لكن الأفضل أن يزيد على ثوب واحد عند الإمكان وإنما فعل جابر هذا للتعليم ولبيان الجواز كما بيّن ذلك في قوله الآتي، قال عبادة بن الوليد (فتخطيت) أنا (القوم) أي على رقاب القوم، قال القاضي: فعل ذلك وزاحم حرصًا على
стр. 11891
حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَينَ الْقِبْلَةِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ قَال: فَقَال بِيَدِهِ فِي صدْرِي هَكَذَا. وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كَيفَ أصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ.
أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا
ــ
القرب منه لسماع العلم (حتى جلست بينه) أي بين جابر (وبين) جهة (القبلة) له (فقلت) له (يرحمك الله) تعالى (أتصلي) يا جابر (في ثوب واحد) مشتملًا به (ورداؤك) أي والحال أن رداءك موضوع (إلى جنبك) قريبًا منك (قال) جابر في جواب سؤالي عن صلاته في ثوب واحد ومقول قال سيأتي بقوله "أردت أن يدخل عليّ الأحمق .. إلخ" وجملة قوله (فقال) جابر أي ضربني (بيده) أي بظهر كفه (في صدري هكذا) أي مقوسًا أصابعه، وفسر اسم الإشارة بقوله (وفرّق بين أصابعه وقوّسها) أي ضربني بظهر كفه في صدري حالة كونه هكذا أي مفرّقًا بين أصابعه ومقوّسًا لها أي جاعلًا لها على صورة القوس يعني أنه بعد التفريق بين الأصابع لواها وثناها إلى باطن الكف معترضة بين قال الأول ومقوله أو الفاء في قال الثاني بمعنى واو الحال وجملته حال من فاعل قال الأول بتقدير قد أي قال جابر أردت أن يدخل عليّ .. إلخ وقد قال وضرب بيده في صدري، وفي قال الثاني استعمال القول بمعنى الفعل وهو سائغ شائع في كلامهم وذكر مقول قال الأول بقوله (أردت أن يدخل عليّ) أي قال جابر في جواب سؤالي عن صلاته في ثوب واحد وقد ضربني بكفه في صدري قصدت بصلاتي في ثوب واحد وعندي ردائي أن يدخل عليّ وأنا في صلاتي (الأحمق) أي الجاهل (مثلك فيراني) ذلك الأحمق (كيف أصنع) في صلاتي فيتعلم جواز الصلاة في ثوب واحد (فيصنع) ذلك الأحمق في صلاته (مثله) أي مثل ما أنا صنعته من الصلاة في ثوب واحد مشتملًا به، والمراد بـ (الأحمق) هنا الجاهل، وحقيقة الأحمق من يعمل ما يضره مع علمه بقبحه كمن ترك الصلاة بلا عذر حتى خرج وقتها مثلًا، وفي هذا جواز إطلاق لفظ الأحمق على من استحق للتعزير والتأديب وزجر المتعلم وتنبيهه ولأن لفظ الأحمق والظالم قل من ينفك من الاتصاف بهما وهذه الألفاظ هي التي يؤدب بها المتقون والورعون من استحق التأديب اهـ نووي، قال السنوسي: وسماه الأحمق لعدم موافقة فعله الأدب، من تخطئة الناس وجلوسه بينه وبين القبلة، ثم قال جابر (أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا) يعني
стр. 11892
وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ. فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَينَا فَقَال: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ لا قَال: فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَال: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ " قَال: فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَال:
ــ
المسجد النبوي، وهذا الحديث لا علاقة له بما قبله من جواز الصلاة في الثوب الواحد وإنما ذكره مستقلًا لكون عبادة بن الوليد وأبيه أتيا إليه طالبين للحديث (وفي يده) الشريفة (عرجون ابن طاب) والعرجون بضمتين بينهما راء ساكنة عود العنقود من النخل مشتمل على شماريخ كثيرة، والشماريخ جمع شمراخ والشمراخ الحبال التي تنفرد به كل حبة من حبوب الرطب وابن طاب نوع من أنواع التمر، قال القرطبي؛ والعرجون عود الكباسة والكباسة والعذق والعثكال والعثكول كله واحد وكل غصن من أغصان الكباس فيه شمراخ والشمراخ هو الذي عليه السير من خمس إلى ثمان، وابن طاب نوع من التمر طيب، قال ابن حمزة: ابن طاب عذق بالمدينة والعذق بفتح العين النخل نفسه اهـ من الأبي (فرأى) رسول الله ﷺ (في قبلة المسجد) أي في الجهة التي يستقبلها المصلي في صلاته من المسجد (نُخامة) بضم النون وبالميم وهي ما يخرج من الصدر من الفضلة، والمخاط بالميم وبالطاء ما يخرج من الأنف، والنخاعة بضم النون وبالعين المهملة اسم مشترك بين ما يخرج من الصدر وما يخرج من الأنف اهـ من موهبة ذي الفضل للترمسي على بافضل (فحكها) أي حك تلك النخامة رسول الله ﷺ من جدار المسجد ولكنها يبست عليه (بالعرجون) أي بعود الكياسة (ثم أقبل) رسول الله ﷺ (علينا) معاشر الحاضرين في المسجد بوجهه الشريف (فقال) مخاطبًا لنا (أيكم) أيها المسلمون (يحب) لنفسه (أن يعرض الله) سبحانه (عنه) في صلاته بوجهه المقدس، وإعراض الله سبحانه عن عبده صفة ثابتة لله نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها أثرها عدم قبول عمله عنه (قال) جابر (فخشعنا) أي فزعنا لذلك أي لما قاله رسول الله ﷺ من إعراض الله عنا يقال خشع له وتخشع إذا تذلل له، قال ابن سلام: الخشوع الخوف الثابت في القلب، وقال الليث: الخشوع قريب المعنى إلى الخضوع إلا أن الخضوع يكون في البدن والبصر والصوت، قال القاضي: كذا رويناه بالخاء المعجمة عن الأكثرين، ورويناه عن القاضي الشهيد (فجشعنا) بالجيم وكسر الشين ومعناهما صحيح فمعناه بالخاء الخوف والتذلل وبالجيم الفزع (ثم قال)
стр. 11893
"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ " قُلْنَا: لَا أَيُّنَا، يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ. فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ. ولا عَنْ يَمِينِهِ. وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هكَذَا" ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَال: "أَرُونِي عَبِيرًا" فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ. فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ. فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
رسول الله ﷺ مرة ثانية (أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟ قال فخشعنا ثم قال) مرة ثالثة (أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؛ قلنا) له (لا) يحب (أينا) أي أحد منا (يا رسول الله) أن يُعرض الله عنه في صلاته، ثم (قال) رسول الله ﷺ (فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله ﵎ قبل وجهه) أي في الجهة المقابلة لوجهه يعني جهة القبلة وكون الله قبل وجه العبد صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (فلا يبصقن) أي يبزقن أي لا يرمين بصاقه من فمه (قبل وجهه) أي في الجهة المقابلة لوجهه (ولا) يبصقن (عن يمينه) تعظيمًا لجهتها لأنها مرتفعة عن الأقذار قاله القاضي لأن فيها كاتب الحسنات التي منها الصلاة (وليبصق عن يساره) لعدم شرفها لأنها جهة الأقذار ولكن يبصق (تحت رجله اليسرى) لئلا يؤذي من على يساره، والبصاق وكذا البزاق ما يجري من الفم منبعها تحت أصل اللسان (فإن عجلت به) أي غلبت عليه بصقة أو نخامة (بادرة) أي مسرعة (فلـ) يبصق في طرف ثوبه و (يقل) أي يدلك ذلك البصاق (بثوبه) دلكًا شديدًا (هكذا) أي لافًا بعضه ببعض حتى ينعدم البصاق، أو المعنى فليفعل بثوبه هكذا، وفيه استعمال القول بمعنى الفعل (ثم طوى) رسول الله ﷺ (ثوبه) أي لف طرفه (بعضه على بعض فقال) لمن عنده (أروني) أي أعطوني (عبيرًا) أي طيبًا مخلوطًا من أنواع، قال أبو عبيد: العبير عند العرب هو الزعفران وحده، وقال الأصمعي: هو أخلاط من الطيب تُجمع بالزعفران، قال ابن قتيبة: ولا أرى القول إلا ما قاله الأصمعي (فقام) من بين القوم (فتى) أي شاب (من الحي) أي من قبيل لقوم فمشى حالة كونه (يشتد) أي يسعى ويعدو عدوًا شديدًا (إلى أهله) وبيته (فجاء) ذلك الفتى من أهله (بخلوق في راحته) أي في كفه أي بطيب مخلوط من أنواع مختلفة يُجمع بالزعفران وهو العبير على تفسير الأصمعي فغلب عليه الحمرة والصفرة كانت تستعمله النماء (فأخذه) أي فأخذ (رسول الله ﷺ ) ذلك
стр. 11894
فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ.
فَقَال جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ.
(٠٠) (٢٩٩٦) (١٥٦) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ. وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ
ــ
الخلوق من الفتى (فجعله) أي فجعل رسول الله ﷺ ذلك الخلوق (على رأس العرجون) وطرف العنقود (ثم لطخ) أي مسح (به) أي بذلك الخلوق (على أثر النخامة) ومحلها إزالة لرائحتها الكريهة ومنظرها القبيح (فقال جابر فمن هناك) أي فمن ذلك اليوم (جعلتم الخلوق في مساجدكم).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الصلاة باب في كراهية البزاق في المسجد [٤٨٥]، وأحمد [٣/ ٣٩٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الثاني من أحاديث جابر الذي سمعه منه عبادة بن الوليد فرواه مجموعًا مع أحاديث أخرى بالسند السابق فقال:
(٠٠) (٢٩٩٦) (١٥٦) قال عبادة بن الوليد بالسند السابق: قال لنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط) بضم الباء وتخفيف الواو وهي رواية الأكثرين وفتح العذري الباء، وصححه عطية ابن سراج وهو جبل من جبال جهينة بناحية رضوى كما في معجم البلدان للحموي [٢/ ٥٠٣] وإن رسول الله ﷺ غزا هذه الغزوة في السنة الثانية من الهجرة في شهر ربيع الأل قبل غزوة بدر يريد قريشًا، واستعمل على المدينة السائب بن مظعون وهو أخو عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهما حتى بلغ بواط ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا راجع سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيلي [٢/ ٥٧]، وذكر الواقدي في مغازيه [١/ ١٢] أنه ﷺ خرج يعترض لعير قريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، ثم رجع ولم يلق كيدًا فيمكن أن يكون المجدي بن عمرو الجهني المذكور في هذا الحديث من جملة أصحاب العير والله سبحانه أعلم (وهو) ﷺ (يطلب المجدي بن عمرو الجهني) قال القاضي: هو لعامة الرواة بفتح الميم وسكون الجيم، وفي بعض النسخ النجدي بالنون وهو رئيس جهينة
стр. 11895
وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ. فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ. فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ. ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ. فَقَال لَهُ: شَأْ. لَعَنَكَ اللهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ هَذَا اللّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ " قَال: أَنَا. يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "انْزِلْ عَنْهُ. فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ. لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ"
ــ
(وكان الناضح) الواحد (يعقبه) أي يعتقبه ويتناوبه ويتداول على ركوبه (منا الخمسة) أي الخمسة منا أي من الأنصار ومن غيرهم (والستة) منا (والسبعة) منا، والناضح البعير الذي يستقى عليه الماء ثم استعمل في كل بعير مطلقًا، وقوله (يعقبه) بضم القاف من باب نصر فهو يعتقبه أي يتناوب الخمسة منا في ركوبه فيركب واحد عقب الآخر (فدارت) أي وصلت (عقبة رجل) أي نوبة ركوب رجل (من الأنصار على ناضح) كان له إليه، والعقبة بضم العين وسكون القاف النوبة والسيرة أي ركوب هذا نوبة وهذا أخرى حتى وصلت إلى الأخير أي دارت النوبة على الشركاء فيه حتى وصلت إلى صاحب الناضح ومالكه، قال صاحب العين: هي ركوب واحد منهم مقدار فرسخين أو ثلاثة مثلًا (فأناخه) أي فأناخ الرجل البعير فأضجعه ليركبه في نوبته (فركبه ثم بعثه) أي حثه على النهوض والقيام (فتلدّن) أي تلكأ وتباطأ وتوقف البعير (عليه) أي على الرجل (بعض التلدّن) أي بعض التوقف أي شيئًا من التأخر ولم يقم لعجزه وضعفه من السير (فقال) الرجل (له) أي للبعير (شأ) أي قم (لعنك الله) أي طردك الله من رحمته، وقوله (شأ) هكذا هو في نسخ بلادنا بالشين المعجمة، وفي بعض الروايات (سأ) بالسين المهملة وكلاهما صوت يزجر به البعير، يقال شأشأت البعير بالمعجمة وبالمهملة إذا زجرته بقولك شأ أو سأ ليقوم (فقال رسول الله ﷺ ) حين سمع لعن الرجل (من هذا اللاعن بعيره؟ قال) الرجل (أنا) اللاعن (يا رسول الله قال) رسول الله للرجل (انزل عنه) أي عن بعيرك (فلا تصحبنا) أي فلا تمش معنا (بـ) بعير (ملعون) لك، ثم قال رسول الله ﷺ أيها الناس (لا تدعوا على أنفسكم) ولا تلعنوها (ولا تدعوا على أولادكم) ولا تلعنوهم (ولا تدعوا على أموالكم) ودوابكم ولا تلعنوها (لا توافقوا) أي لا تدعوا على أي شيء كان موافقين (من الله) سبحانه (ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب) الله (لكم)
стр. 11896
(٠٠) (٢٩٩٧) (١٥٧) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا؟ "
ــ
بنصبه بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي أي لا يكن منكم موافقة لتلك الساعة فاستجابة الله لكم، وبرفعه على الاستئناف على تقدير مبتدأ أي فهو يستجيب لكم.
والحديث يدل على عدم جواز لعن البعير وغيره من سائر الدواب وعلى عدم جواز الدعاء على نفسه وأهله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الصلاة باب النهي عن أن يدعو الإنسان على نفسه وأهله وماله [١٥٣٢]، وابن حبان [٧/ ٤٩٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الثالث من أحاديث جابر التي رواها عنه عبادة بن الوليد بالسند السابق فقال:
(٠٠) (٢٩٩٧) (١٥٧) قال عبادة بن الوليد بالسند السابق: قال لنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (سرنا مع رسول الله ﷺ ) في بعض تلك الأيام أيام غزواته (حتى إذا كانت) ودخلت علينا (عشيشية) أي عشية بضم العين وفتح الشين الأولى وكسر الثانية وتخفيف الياء الثانية تصغير للعشية المصغرة على خلاف القياس لأن المصغر لا يصغر ثانيًا لأن قياس تصغيرها أن يقال عشية فأبدلوا إحدى الياءين شيئًا وأصلها قبل التصغير عشية بفتح العين المهملة وهو ما بين الزوال إلى نصف الليل ويقابلها البكرة ويقال لها الأصيل، فقوله (عشيشية) أصله عشييية بثلاث ياءآت فأبدلوا الثانية شيئًا لتوالي الأمثال فصار عشيشية (ودنونا) أي قربنا (ماءً) أي بئرًا (من مياه العرب) أي من آبارها لأن الأنهار والعيون ليست في بلادهم لشدة قربها إلى البحر (قال رسول الله ﷺ ) جواب إذا (من رجل يتقدمنا) بفتح الميم من من لأنها استفهامية، أي أي رجل يسبقنا ويمشي قدامنا (فيمدر) لنا (الحوض) أي يطينه ويصلحه لنا يقال يمدر مدرًا من باب نصر والمدر بسكون الدال تطيينك وجه الحوض بالطين الحر لئلا ينشف كما في لسان العرب [١٣/ ٥٣] (فيشرب) هو بنفسه (ويسقينا) أي يسقي لنا
стр. 11897
قَال جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟ " فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِئْرِ. فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا أَوْ سَجْلَينِ. ثُمَّ مَدَرْنَاهُ. ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ. فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَال: "أتأْذَنَانِ؟ "
ــ
دوابنا بإخراج الماء من البئر ونقله إلى الحوض (قال جابر فقمت) من بين القوم (فقلت هذا) القائم يريد نفسه (رجل) مستعد لهذا الأمر يعني التقدم (يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ ) للقوم (أي رجل) منكم يتقدم لنا (مع جابر فقام جبار بن صخر) الأنصاري ثم السلمي ﵁ فقال: أنا مع جابر يا رسول الله، يكنى أبا عبد الله ذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب في أهل العقبة، وذكره أبو الأسود عن عروة في أهل بدر وكان يخرص نخيل خيبر بعد عبد الله بن رواحة ولا يعرف له حديث في غير هذه القصة اهـ من الإصابة [١/ ٢٢١] (فانطلقنا) أي فانطلقت أنا وجبار بن صخر (إلى البئر) الذي أراده رسول الله ﷺ قال جابر (فنزعنا) أي جبذنا وأخذنا الماء من البئر فصببناه وكببناه (في الحوض سجلًا أو سجلين) أي دلوًا أو دلوين، والسجل بفتح السين وسكون الجيم الدلو المملوءة ماء، قال المازري: قال ابن السكيت: يقال نزعت الدلو جبذبتها ونزعت في السهم رميت به ونزعت من كتاب الله قرأتها محتجًا بها، وقال الهروي: السجل الدلو الملأى (ثم مدرناه) أي مدرنا الحوض وطيبناه وأصحلناه (ثم نزعنا) الماء ونزحناه (فيه) أي في الحوض أي أخذنا الماء من البئر وصببناه فيه (حتى أفهقناه) أي أفهقنا الحوض وملأناه ماء، من الفهق وهو الامتلاء يقال أفهقت الإناء ففهق وبئر مفهاق أي كبيرة كذا ذكره القاضي من الجمهور، قال: ورواه السمرقندي (أضففناه) وهو صحيح المعنى قيل معناه ملأناه حتى بلغ ضفتيه وهما جانباه أي جمعنا الماء فيه وضفة الناس جماعتهم كله بفتح الضاد اهـ من الأبي. والحاصل أنه كان هناك بئر وحوض فنزعنا أولًا دلوًا أو دلوين لتحويل التراب إلى الطين ثم طيّنا الحوض لتنظف وتستقر فيه الماء الطيب ثم نزعنا من البئر وملأنا ذلك الحوض اهـ تكملة (فكان أول طالع) وقادم (علينا) بالنصب على أنه خبر لكان مقدمًا (رسول الله ﷺ ) بالرفع اسم كان مؤخرًا (فقال) رسول الله ﷺ لنا (أتأذنان) لي أن أسقيه
стр. 11898
قُلْنَا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ. شَنَقَ لَهَا فَشَجَتْ فَبَالت. ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنهُ. ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ. وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ
ــ
راحلتي (قلنا) له (نعم) أذنا لك (يا رسول الله) أن تسقيه إياها، قال القاضي: استئذانهما لأنهما أحق بالماء لسبقهما أو، وعملهما الحوض وإن كان يعلم أنهما يرضيان به ولو أرصداه ولكنه أخذ بأفضل الأخلاق ليُقتدى به، قال النووي: هو تعليم لأمته طريق الورع في مثل هذا (فأشرع) رسول الله ﷺ (ناقته) في الحوض أي أرسل رأسها في الماء لتشرب (فشربت) منه يقال شرعت الدابة في الماء شربت منه بفمها وأشرعتها أي جعلتها تشرب، ثم بعدما شربت (شنق لها) أي ضيق عليها زمامها وكفها بزمامها وهو راكب لها، قال ابن دريد: والشنق هو أن تجذب زمامها حتى تقارب رأسها قادمة الرحل ومقدمه لترجع عن شرب الماء وتتركه لشبعها من الماء فـ (فشجت) أي ففرجت بين رجليها (فبالت) أي أخرجت البول يقال شنقها وأشنقها إذا كفها من الماء بزمامها وهو راكب عليها لقضاء وطرها من الماء، وقوله (فشجت) والفاء فيه أصلية لأنها فاء الكلمة والشين عين الكلمة والجيم مخففة لامها على وزن فتح يقال فشج البعير إذا فرج بين رجليه وباعد بينهما ليبول وفثج مضعف فشج أبلغ منه قاله الأزهري وغيره، ووقع في بعض الروايات (فشجت) بتشديد الجيم والفاء على هذه الرواية عاطفة ليست جزء كلمة ومعنى (شجت) قطعت الشرب والأول أولى، وقوله (شنق لها) و (فشجت) يقدر قبل كل واحد منهما حرف العطف أي (وشنق لها) و (فشجت) (فبالت) (ثم عدل) ومال (بها) عن موضع الحوض (فأناخها) أي أضجعها وأبركها لتستريح (ثم جاء رسول الله ﷺ ) نازلًا عنها (إلى الحوض فتوضأ منه) أي من ماء الحوض فقام وذهب، قال جابر (ثم قمت) أنا من مجلسي (فتوضأت من متوضأ رسول الله ﷺ ) أي من المكان الذي توضأ منه من الحوض تبركًا بأثر وضوءه (فذهب جبار بن صخر) إلى البراز حالة كونه يريد أن (يقضي حاجته) حاجة الإنسان (فقام رسول الله ﷺ ليصلي) سنة الوضوء بعدما ركز عنزته، قال جابر (وكانت عليّ بردة) قصير العرض
стр. 11899
ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَينَ طَرَفَيهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي. وَكَانَت لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا ثُمَّ خَالفْتُ بَينَ طَرَفَيهَا. ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيهَا. ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ جَاءَ فَقامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَخَذَ
ــ
غير واسعته وهي كساء مخطط من صوف تلبسه الأعراب فـ (ذهبت) أي قصدت (أن أخالف) وأعاكس (بين طرفيها) بجعل أحد الطرفين تحت الآخر لئلا تظهر البشرة (فلم تبلغ لي) أي لم تتسع لي للمخالفة لضيق عرضها (وكانت لها) أي لتلك البردة (ذباذب) أي أهداب وأطراف جمع ذبذب بكسر الذال سُميت بذلك لأنها تذبذب على صاحبها إذا مشى أي تتحرك وتضطرب، قال المازري: والمذبذب المضطرب الذي لا يبقى على حال واحدة، يقال تذبذب الشيء إذا اضطرب، ومنه قيل لأسافل الثوب ذباذب يعني أنه كانت عندي بردة واحدة لجميع بدني فأردت أن أغطي بها جميع بدني بأن أجعل طرفها الأيمن على نكبي الأيسر وطرفها الأيسر على منكبي الأيمن ولكني لم أستطع ذلك لصغر البردة فلم يبلغ طرفه إلى المنكب (فكان لها ذباذب) وأهداب يزيد في طولها (فنكستها) بتخفيف الكاف وتشديدها أي قلبتها فجعلت طولها عرضًا وعرضها طولًا وأعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها مثل التنكيس الذي ذكره الفقهاء في صلاة الاستسقاء في كيفيته لتقبل المخالفة بين طرفيها، قال في المصباح: نكسته نكًا من باب قتل قلبته، ومنه قيل ولد منكوس إذا خرج رجلاه قبل رأسه (ثم خالفت بين طرفيها ثم تواقصت) وأحنيت وطأطأت (عليها) بعنقي وأمسكتها بالعنق لئلا تسقط، زاد أبو داود (لا تسقط) أي إنما فعلت ذلك لئلا يسقط الرداء وذلك أن الرداء وإن بلغ إلى المنكب بفضل الذباب ولكنه مع ذلك كان بحيث لا يستقر على المنكب بنفسه فاحتاج إلى أن يمسكه فيما بين ذقنه وعنقه (شم) بعدما ترديت بالبردة (جئت) إلى مكان رسول الله ﷺ (حتى قمت) أي فقمت لأن حتى بمعنى الفاء أي فقمت (عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ) رسول الله ﷺ (بيدي) بالإفراد (فأدارني) أي فحولني عن يساره (حتى أقامني) أي فأقامني (عن يمينه ثم) بعد قضاء حاجته (جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء) إلى موضع النبي ﷺ (فقام) جبار في موضع قيامي أولًا (عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ) أي أمسك
стр. 11900
رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَينَا جَمِيعًا. فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ. ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ. فَقَال هَكَذَا، بِيَدِهِ. يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَال: "يَا جَابِرُ" قُلْتُ: لَبَّيكَ. يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَينَ طَرَفَيهِ. وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوكَ"
ــ
(رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا) بصيغة التثنية أي بيد كل واحد منا (فدفعنا) أي أخرنا ورجعنا عن مكاننا إلى ورائه (حتى أقامنا خلفه) أي وراءه أي فأقامنا خلفه، وفي الحديث تعليمهما سنة الموقف للمقتدي في صلاة الجماعة إن كان واحدًا يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره، وإن كانا اثنين قاما خلف الإمام، قال النووي: وفي الحديث دلالة على أنه لا يكره العمل اليسير في الصلاة إذا كان لحاجة فإن لم يكن لحاجة كُره، وفيه أن موقف الاثنين وراء الإمام وهو مذهب كافة العلماء، وقال ابن مسعود: يقفان بجانبيه اهـ (فجعل) أي شرع (رسول الله ﷺ يرمقني) بضم الميم أي ينظر إليّ نظرًا متتابعًا من رمقت الشيء إذا أتبعته النظر اهـ نووي، وقال في المصباح: رمقه بعينه رمقًا من باب قتل أطال النظر إليه اهـ (وأنا) أي والحال أني (لا أشعر) ولا أعلم نظره إليّ أولًا (ثم فطنت) من بابي فرح ومنع أي انتبهت وعرفت (به) أي بنظره إلي أخيرًا (فقال هكذا بيده) أي أشار بيده هكذا أي يعني شده على وسطك، وقوله (يعني) النبي ﷺ بالإشارة (شد وسطك) تفسير لاسم الإشارة، قال القاضي عياض: وفي الحديث جواز الإشارة في الصلاة لا سيما لمصلحة الصلاة وكذلك العمل اليسير لرد جابر من يساره إلى يمينه وتقدم جميع ذلك في كتاب الصلاة (فلما فرغ رسول الله ﷺ ) من صلاته (قال) لي (يا جابر، قلت: لبيك يا رسول الله) فـ (قال إذا كان) ثوبك (واسعًا فخالف) أي فالبسه مخالفًا (بين طرفيه) كهيئة الصبيان في بعض البلاد (وإذا كان) ثوبُك (ضيقًا) ينكشف عندما خالفت بين طرفيه (فأشدده) أي فاربطه (على حقوك) والحقو بفتح الحاء وكسرها مع سكون القاف معقد الإزار من الجسد وهو الخصر والمراد منه هنا ما فوق السرة وقد يُسمى الإزار حقوًا لكونه فيه، ومنه الحديث "فأعطاني حقوه" ودل الحديث على جواز الصلاة برداء واحد يتزر به الرجل بحيث يستر ما بين سرته وركبته فقط وأرشد النبي
стр. 11901
(٠٠) (٢٩٩٨) (١٥٨) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فِي كُلِّ يَوْمٍ، تَمْرَةً. فَكَانَ يَمَصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ. وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ. حَتَّى قَرِحَتْ
ــ
ﷺ إلى أنه إذا كان الرداء ضيقًا فإنه لا حاجة إلى أن يتكلف المرء إيصاله إلى المنكب بل يشدُّه فوق سرته ويصلي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الصلاة باب إذا كان الثوب ضيقًا [٦٤٣] وأحمد [٣/ ٣٣٥].
وهذا الحديث يناسب لما سبق من أن عبادة بن الوليد رأى جابرًا يصلي في رداء واحد فسأله عبادة من ذلك فقال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك، وقد ذكره أحمد في مسنده [٣/ ٣٣٥] بهذا السياق عن شرحبيل أبي سعيد "أنه دخل على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد وحوله ثياب فلما فرغ من صلاته قال: فلا غفر الله لك يا أبا عبد الله تُصلي في ثوب واحد وهذه ثيابك إلى جنبك، قال: أردت أن يدخُل عليّ الأحمق مثلك فيرى أني أصلي في ثوب واحد أوَكان لكل أصحاب رسول الله ﷺ ثوبأن قال: ثم أنشأ جابر يحدثنا فقال) قال رسول الله ﷺ : "ذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشدَّ به حقويك ثمَّ صل من غير رد له".
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الرابع من أحاديث جابر التي رواها عنه عبادة بن الوليد مجموعة فقال:
(٠٠) (٢٩٩٨) (١٥٨) قال عبادة بن الوليد بالسند السابق: قال لنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (سرنا مع رسول الله ﷺ ) في بعض غزواته (وكان قوت كل رجل منا) معاشر الأصحاب (في كل يوم تمرة) أي حبة تمر (فكان) كل واحد منا (يمصها) بفتح الميم على اللغة المشهورة وحكى ضمها أي يمص تلك الحبة (ثم يصرها) بضم الصاد أي يلفها (في ثوبه) ويربطها وأصلُ الصر الجمع والشد، والمعنى أنه كان يعطى تمرة واحدة لسائر اليوم فيمص شيئًا منها ثم يلفها في ثوبه ليأكلها في وقت آخر (وكنا نختبط) أي نضرب الشجر (بقسينا) ليتحات ورقه فنأكله، والقسي جمع قوس وهي آلة لرمي السهام (ونأكل) ذلك الورق (حتى قرحت) بكسر الراء أي
стр. 11902
أَشدَاقُنَا. فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا. فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ. فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا. فَأُعْطِيَهَا فَقَامَ فَأَخَذَهَا.
(٠٠) (٢٢٩٩) (١٥٩) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ. فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
تجرحت وورمت من خشونة الورق وحرارته (أشداقنا) أي أطراف فمنا، قال جابر (فأقسم) أي فأحلف بالله الذي لا إله غيره على أنه (أخطئها) أي حرمها ولم يُعط تلك التمرة المقسومة (رجل منا يومًا) من الأيام أي نسي القاسم بيننا إعطاء نصيبه له فضعف من فقد تلك التمرة وعجز عن القيام من الأرض (فانطلقنا) أي ذهبنا (به) إلى قاسم التمر حالة كوننا (ننعشه) بفتح العين أي نرفعه من الأرض ونقيمه من شدة الضعف، وقال القاضي: الأشبه عندي أن معناه نشد جانبه في دعواه ونشهد له (فشهدنا) له (أنه لم يعطها) أي لم يعط تلك التمرة (فأعطيها) أي فأعطي تلك التمرة (فقام فأخذها) ومصها فعادت له القوة، وقيل فيه تقديم وتأخير ومعناه فأعطيها فأخذها ومصها وقام يمشي. والحاصل أنه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم كل صباح فيعطي كل إنسان تمرة تمرة كل يوم فقسم في بعض الأيام ونسي إنسانًا فلم يعطه تمرته وظن أنه أعطاه فتنازعا في ذلك وشهدنا أنه لم يعطها فأعطيها بعد الشهادة فأكلها فقام يمشي.
وهذا الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه أحد من الأئمة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الخاص من أحاديث جابر ﵁ التي رواها عنه عبادة بن الوليد بالسند السابق فقال:
(٠٠) (٢٢٩٩) (١٥٩) قال عباد بن الوليد بالسند السابق: قال لنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (سرنا مع رسول الله ﷺ ) يومًا من أيام مغازيه (حتى نزلنا واديًا أفيح) أي أوسع خاليًا عما يستتر به من الأشجار والأحجار والبناء (فذهب رسول الله ﷺ ) حالة كونه يريد أن (يقضي حاجته) حاجة الإنسان، قال جابر (فاتبعته) بتشديد التاء الأولى من باب افتعل الخماسي أي تبعته ولحقته (بإداوة) أي بمطهرة (من ماء فنظر رسول الله ﷺ ) جهاته الأربع
стр. 11903
فَلَمْ يَرَ شَيئًا يَسْتَتِرُ بِهِ. فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَال: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ. حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى. فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَال: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذلِكَ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَينَهُمَا، لأَمَ بَينَهُمَا، (يَعْنِي جَمَعَهُمَا)، فَقَال: "الْتَئِمَا
ــ
(فلم ير شيئًا يستتر به) عن أعين الناس (فإذا شجرتان) كائنان (بشاطئ الوادي) أي بجانبه (فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال) للشجرة (انقادي) أي أطيعيني فيما أريد منك من كونك سترة (عليّ) من أعين الناس، وقوله (بإذن الله) تعالى متعلق بانقادي (فانقادت) الشجرة أي أطاعت النبي ﷺ ماشية (معه) إلى حيث أراد حالة كونها معه (كالبعير المخشوش) أي المجعول في أنفه خشاش وهو عود يُجعل في أنف البعير إذا كان صعبًا ويشد فيه حبل ليذل وينقاد وهو مع ذلك يتمانع وإذا شُدّ عليه العود ثانيًا وآلمه انقاد شيئًا، ولهذا زاد في وصف البعير بقوله (الذي يُصانع) أي يطيع (قائده) بصناعة العود في أنفه، وقوله (حتى أتى الشجرة الأخرى) غاية لقوله انقادت أي فانقادت معه حتى أتى بها منتصف ما بينها وبين الشجرة الأخرى فتركها في المنتصف فذهب إلى الشجرة الأخرى (فأخذ بغصن من أغصانها) أي من أغصان الشجرة الأخرى (فقال) للشجرة الأخرى (انقادي علي) أي أطيعيني فيما أريد منك من كونها سترة عليّ عن أعين الناس. وقوله (بإذن الله) متعلق بانقادي (فانقادت) أي فأطاعت له تلك الأخرى ذاهبة (معه) ﷺ حالة كونها كائنة (كذلك) أي كالإبل المخشوش. وقوله (حتى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم والصاد بينهما نون ساكنة غاية لقوله فانقادت أي فانقادت له حتى إذا كان ووصل بها منتصف المسافة التي كانت (مما بينهما) أي وصل منتصف المسافة التي بين الشجرتين (لأم) وضم (بينهما) أي بين الشجرتين (يعني جمعهما) أي جمع بين الشجرتين تفسير مدرج من بعض الرواة لقوله لأم، وقوله (لأم) كذا لأحمد بن عيسى مهموزًا ومقصورًا ولغيره (لاءم) بهمزة ممدودة وكلاهما صحيح أي جمع بينهما، وللعذري (فألام) رباعيًّا بغير همز وهو تغيير ليس بشيء (فقال) لهما النبي ﷺ (التئما) أي التصقا
стр. 11904
عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ" فَالْتَأَمَتَا. قَال جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ (وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعَّدَ) فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي. فَحَانَت مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا برَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا. وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا. فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ
ــ
سترتين (علي) عن أعين الناس (بإذن الله) تعالى وارادته (فالتأمتا) أي التصقتا وانضمتا عليه لتكونا سترة له.
(قال جابر) بالسند السابق (فخرجت) أي من ذلك المكان وبعدت منه حالة كوني (أُحضر) بضم الهمزة بوزن أُكرم من الرباعي المسند إلى ضمير المتكلم أي حالة كوني أجري وأعدو وأسعى سعيًا شديدًا (مخافة أن يُحسّ) بضم الياء وكسر الحاء وتشديد السين من أحس الرباعي ومنه ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ أي مخافة أن يعلم (رسول الله ﷺ بقربي) منه (فيبتعد) أي فيبعد عني لطلب سترة أخرى مضارع ابتعد الخماسي من باب افتعل (وقال محمد بن عبّاد) بن الزبرقان المكي ناسخ المؤلف أحد رواة هذا الحديث، صدوق، من العاشرة، أي قال في روايته (فيتبعد) مضارع تبعد الخماسي كلاهما بمعنى يبعد لأن الافتعال والتفعل هنا لمبالغة معنى الثلاثي، قال جابر (فجلست) بعيدًا منه ﷺ انتظارًا لمجيئه حالة كوني (أحدّث نفسي) أي أتحدّث معها تعجبًا من معجزته هذه، وقوله (مخافة أن يحس) لأنه ﷺ إن شعر بقربي منه فإنه لا يجلس لقضاء حاجته في ذلك المكان بل يذهب إلى مكان أبعد منه وذلك يشق عليه فابتعدت أنا منه لئلا يتعب هو بالمشي إلى مكان بعيد (فحانت) أي وقعت (مني لفتة) بفتح اللام وسكون الفاء، وفي بعض الروايات (فحالت) بدل قوله (فحانت) وكلاهما بمعنى واحد أي وقعت مني نظرة والتفاتة، قال القاضي (لفتة) أي نظرة وهي بفتح اللام، وعند الصدفي (فحالت) باللام وهما بمعنى فالحين والحال الوقت أي اتفقت ووقعت وكانت اهـ من الأبي (فإذا أنا) راء (برسول الله ﷺ حالة كونه (مقبلًا) إليّ بعد قضاء حاجته (وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحد منهما على ساق) أي على أصلها.
وحاصل الكلام أن النبي ﷺ كان يريد التستر لقضاء حاجته بما تيسر له ذلك بشجرة واحدة فأمر الشجرتين حتى انتقلتا إلى مكان متوسط بينهما ثم
стр. 11905
فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً. فَقَال بِرَأْسِهِ هَكَذَا، (وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا)، ثُمَّ أَقْبَلَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَال: "يَا جَابِرُ، هَلْ رَأَيتَ مَقَامِي؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "فَانْطَلِقْ إِلَيَّ الشَّجَرَتَينِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا. فَأَقْبِلْ بِهِمَا. حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يِمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ".
قَال جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ. فَانْذَلَقَ لِي
ــ
أمرهما حتى التأمتا بحيث صارتا كجسم واحد فتستر بهما وقضى حاجته ثم عادت الشجرتان إلى هيئتهما المستقلة ورجعت كل واحد منهما إلى مكانها وهذه معجزة من معجزات النبي ﷺ قال جابر ﵁ (فرأيت رسول الله ﷺ وقف) في طريقه إلي (وقفة) يسيرة وإنما وقف كذلك لما سيأتي أنه شعر أن هناك قبرين يُعذّب صاحباهما (فقال) أي أشار رسول الله ﷺ حين وقف (برأسه هكذا) أي أشار برأسه وحرّكه يمينًا وشمالًا لأن أحد القبرين كان في جانب اليمين والآخر في جهة اليسار، قال المؤلف نقلًا عن شيخه محمد بن عبّاد بن الزبرقان (وأشار أبو إسماعيل) العبدري مولاهم المدني حاتم بن إسماعيل (برأسه يمينًا وشمالًا) تفسيرًا لقول جابر فقال برأسه هكذا، وفي بعض النسخ: وأشار ابن إسماعيل، وكلاهما صحيح لأن اسمه حاتم بن إسماعيل المدني، وكنيتُه أبو إسماعيل، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا قال جابر (ثم) بعدما وقف وقفة (أقبل) إليّ النبي ﷺ (فلما انتهى) ووصل (إليّ قال) لي (يا جابر هل رأيت مقامي) وموقفي الذي وقفت فيه وقفة يسيرة، قال جابر (قلت) له ﷺ (نعم) رأيته (يا رسول الله) ثم قال لي (فانطلق) أي فاذهب (إلى الشجرتين) اللتين قضيت عندهما حاجتي (فاقطع من كل واحدة منهما غصنًا فأقبل) أي فاذهب (بهما) أي بالغصنين المقطوعين لك إلى جهة موقفي الذي وقفت فيه (حتى إذا) وصلت موقفي ذلك و (قمت مقامي فأرسل) أي فضع (غصنًا) واحدًا منهما (عن يمينك وغصنًا) آخر (عن يسارك، قال جابر فقمت) من مكاني (فأخذت حجرًا) من الأحجار لأقطع به الغصنين (فكسرته) أي فكسرت ذلك الحجر (وحسرته) أي أحددته ونحيت عنه ما يمنع حدته بحيث يمكن لي أن أقطع به الغصن (فانذلق) أي صار حادًّا يمكن (لي) القطع به ومعنى انذلق انحدّ وذلق كل شيء حده
следующие страницы →