← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

(٠٠) (٢٩٩٨) (١٥٨) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فِي كُلِّ يَوْمٍ، تَمْرَةً. فَكَانَ يَمَصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ. وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ. حَتَّى قَرِحَتْ ــ ﷺ إلى أنه إذا كان الرداء ضيقًا فإنه لا حاجة إلى أن يتكلف المرء إيصاله إلى المنكب بل يشدُّه فوق سرته ويصلي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الصلاة باب إذا كان الثوب ضيقًا [٦٤٣] وأحمد [٣/ ٣٣٥]. وهذا الحديث يناسب لما سبق من أن عبادة بن الوليد رأى جابرًا يصلي في رداء واحد فسأله عبادة من ذلك فقال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك، وقد ذكره أحمد في مسنده [٣/ ٣٣٥] بهذا السياق عن شرحبيل أبي سعيد "أنه دخل على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد وحوله ثياب فلما فرغ من صلاته قال: فلا غفر الله لك يا أبا عبد الله تُصلي في ثوب واحد وهذه ثيابك إلى جنبك، قال: أردت أن يدخُل عليّ الأحمق مثلك فيرى أني أصلي في ثوب واحد أوَكان لكل أصحاب رسول الله ﷺ ثوبأن قال: ثم أنشأ جابر يحدثنا فقال) قال رسول الله ﷺ : "ذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشدَّ به حقويك ثمَّ صل من غير رد له". ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الرابع من أحاديث جابر التي رواها عنه عبادة بن الوليد مجموعة فقال: (٠٠) (٢٩٩٨) (١٥٨) قال عبادة بن الوليد بالسند السابق: قال لنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (سرنا مع رسول الله ﷺ ) في بعض غزواته (وكان قوت كل رجل منا) معاشر الأصحاب (في كل يوم تمرة) أي حبة تمر (فكان) كل واحد منا (يمصها) بفتح الميم على اللغة المشهورة وحكى ضمها أي يمص تلك الحبة (ثم يصرها) بضم الصاد أي يلفها (في ثوبه) ويربطها وأصلُ الصر الجمع والشد، والمعنى أنه كان يعطى تمرة واحدة لسائر اليوم فيمص شيئًا منها ثم يلفها في ثوبه ليأكلها في وقت آخر (وكنا نختبط) أي نضرب الشجر (بقسينا) ليتحات ورقه فنأكله، والقسي جمع قوس وهي آلة لرمي السهام (ونأكل) ذلك الورق (حتى قرحت) بكسر الراء أي

стр. 11902

أَشدَاقُنَا. فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا. فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ. فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا. فَأُعْطِيَهَا فَقَامَ فَأَخَذَهَا. (٠٠) (٢٢٩٩) (١٥٩) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ. فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ تجرحت وورمت من خشونة الورق وحرارته (أشداقنا) أي أطراف فمنا، قال جابر (فأقسم) أي فأحلف بالله الذي لا إله غيره على أنه (أخطئها) أي حرمها ولم يُعط تلك التمرة المقسومة (رجل منا يومًا) من الأيام أي نسي القاسم بيننا إعطاء نصيبه له فضعف من فقد تلك التمرة وعجز عن القيام من الأرض (فانطلقنا) أي ذهبنا (به) إلى قاسم التمر حالة كوننا (ننعشه) بفتح العين أي نرفعه من الأرض ونقيمه من شدة الضعف، وقال القاضي: الأشبه عندي أن معناه نشد جانبه في دعواه ونشهد له (فشهدنا) له (أنه لم يعطها) أي لم يعط تلك التمرة (فأعطيها) أي فأعطي تلك التمرة (فقام فأخذها) ومصها فعادت له القوة، وقيل فيه تقديم وتأخير ومعناه فأعطيها فأخذها ومصها وقام يمشي. والحاصل أنه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم كل صباح فيعطي كل إنسان تمرة تمرة كل يوم فقسم في بعض الأيام ونسي إنسانًا فلم يعطه تمرته وظن أنه أعطاه فتنازعا في ذلك وشهدنا أنه لم يعطها فأعطيها بعد الشهادة فأكلها فقام يمشي. وهذا الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه أحد من الأئمة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الخاص من أحاديث جابر ﵁ التي رواها عنه عبادة بن الوليد بالسند السابق فقال: (٠٠) (٢٢٩٩) (١٥٩) قال عباد بن الوليد بالسند السابق: قال لنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (سرنا مع رسول الله ﷺ ) يومًا من أيام مغازيه (حتى نزلنا واديًا أفيح) أي أوسع خاليًا عما يستتر به من الأشجار والأحجار والبناء (فذهب رسول الله ﷺ ) حالة كونه يريد أن (يقضي حاجته) حاجة الإنسان، قال جابر (فاتبعته) بتشديد التاء الأولى من باب افتعل الخماسي أي تبعته ولحقته (بإداوة) أي بمطهرة (من ماء فنظر رسول الله ﷺ ) جهاته الأربع

стр. 11903

فَلَمْ يَرَ شَيئًا يَسْتَتِرُ بِهِ. فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَال: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ. حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى. فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَال: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذلِكَ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَينَهُمَا، لأَمَ بَينَهُمَا، (يَعْنِي جَمَعَهُمَا)، فَقَال: "الْتَئِمَا ــ (فلم ير شيئًا يستتر به) عن أعين الناس (فإذا شجرتان) كائنان (بشاطئ الوادي) أي بجانبه (فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال) للشجرة (انقادي) أي أطيعيني فيما أريد منك من كونك سترة (عليّ) من أعين الناس، وقوله (بإذن الله) تعالى متعلق بانقادي (فانقادت) الشجرة أي أطاعت النبي ﷺ ماشية (معه) إلى حيث أراد حالة كونها معه (كالبعير المخشوش) أي المجعول في أنفه خشاش وهو عود يُجعل في أنف البعير إذا كان صعبًا ويشد فيه حبل ليذل وينقاد وهو مع ذلك يتمانع وإذا شُدّ عليه العود ثانيًا وآلمه انقاد شيئًا، ولهذا زاد في وصف البعير بقوله (الذي يُصانع) أي يطيع (قائده) بصناعة العود في أنفه، وقوله (حتى أتى الشجرة الأخرى) غاية لقوله انقادت أي فانقادت معه حتى أتى بها منتصف ما بينها وبين الشجرة الأخرى فتركها في المنتصف فذهب إلى الشجرة الأخرى (فأخذ بغصن من أغصانها) أي من أغصان الشجرة الأخرى (فقال) للشجرة الأخرى (انقادي علي) أي أطيعيني فيما أريد منك من كونها سترة عليّ عن أعين الناس. وقوله (بإذن الله) متعلق بانقادي (فانقادت) أي فأطاعت له تلك الأخرى ذاهبة (معه) ﷺ حالة كونها كائنة (كذلك) أي كالإبل المخشوش. وقوله (حتى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم والصاد بينهما نون ساكنة غاية لقوله فانقادت أي فانقادت له حتى إذا كان ووصل بها منتصف المسافة التي كانت (مما بينهما) أي وصل منتصف المسافة التي بين الشجرتين (لأم) وضم (بينهما) أي بين الشجرتين (يعني جمعهما) أي جمع بين الشجرتين تفسير مدرج من بعض الرواة لقوله لأم، وقوله (لأم) كذا لأحمد بن عيسى مهموزًا ومقصورًا ولغيره (لاءم) بهمزة ممدودة وكلاهما صحيح أي جمع بينهما، وللعذري (فألام) رباعيًّا بغير همز وهو تغيير ليس بشيء (فقال) لهما النبي ﷺ (التئما) أي التصقا

стр. 11904

عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ" فَالْتَأَمَتَا. قَال جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ (وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعَّدَ) فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي. فَحَانَت مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا برَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا. وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا. فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ ــ سترتين (علي) عن أعين الناس (بإذن الله) تعالى وارادته (فالتأمتا) أي التصقتا وانضمتا عليه لتكونا سترة له. (قال جابر) بالسند السابق (فخرجت) أي من ذلك المكان وبعدت منه حالة كوني (أُحضر) بضم الهمزة بوزن أُكرم من الرباعي المسند إلى ضمير المتكلم أي حالة كوني أجري وأعدو وأسعى سعيًا شديدًا (مخافة أن يُحسّ) بضم الياء وكسر الحاء وتشديد السين من أحس الرباعي ومنه ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ أي مخافة أن يعلم (رسول الله ﷺ بقربي) منه (فيبتعد) أي فيبعد عني لطلب سترة أخرى مضارع ابتعد الخماسي من باب افتعل (وقال محمد بن عبّاد) بن الزبرقان المكي ناسخ المؤلف أحد رواة هذا الحديث، صدوق، من العاشرة، أي قال في روايته (فيتبعد) مضارع تبعد الخماسي كلاهما بمعنى يبعد لأن الافتعال والتفعل هنا لمبالغة معنى الثلاثي، قال جابر (فجلست) بعيدًا منه ﷺ انتظارًا لمجيئه حالة كوني (أحدّث نفسي) أي أتحدّث معها تعجبًا من معجزته هذه، وقوله (مخافة أن يحس) لأنه ﷺ إن شعر بقربي منه فإنه لا يجلس لقضاء حاجته في ذلك المكان بل يذهب إلى مكان أبعد منه وذلك يشق عليه فابتعدت أنا منه لئلا يتعب هو بالمشي إلى مكان بعيد (فحانت) أي وقعت (مني لفتة) بفتح اللام وسكون الفاء، وفي بعض الروايات (فحالت) بدل قوله (فحانت) وكلاهما بمعنى واحد أي وقعت مني نظرة والتفاتة، قال القاضي (لفتة) أي نظرة وهي بفتح اللام، وعند الصدفي (فحالت) باللام وهما بمعنى فالحين والحال الوقت أي اتفقت ووقعت وكانت اهـ من الأبي (فإذا أنا) راء (برسول الله ﷺ حالة كونه (مقبلًا) إليّ بعد قضاء حاجته (وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحد منهما على ساق) أي على أصلها. وحاصل الكلام أن النبي ﷺ كان يريد التستر لقضاء حاجته بما تيسر له ذلك بشجرة واحدة فأمر الشجرتين حتى انتقلتا إلى مكان متوسط بينهما ثم

стр. 11905

فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً. فَقَال بِرَأْسِهِ هَكَذَا، (وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا)، ثُمَّ أَقْبَلَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَال: "يَا جَابِرُ، هَلْ رَأَيتَ مَقَامِي؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "فَانْطَلِقْ إِلَيَّ الشَّجَرَتَينِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا. فَأَقْبِلْ بِهِمَا. حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يِمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ". قَال جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ. فَانْذَلَقَ لِي ــ أمرهما حتى التأمتا بحيث صارتا كجسم واحد فتستر بهما وقضى حاجته ثم عادت الشجرتان إلى هيئتهما المستقلة ورجعت كل واحد منهما إلى مكانها وهذه معجزة من معجزات النبي ﷺ قال جابر ﵁ (فرأيت رسول الله ﷺ وقف) في طريقه إلي (وقفة) يسيرة وإنما وقف كذلك لما سيأتي أنه شعر أن هناك قبرين يُعذّب صاحباهما (فقال) أي أشار رسول الله ﷺ حين وقف (برأسه هكذا) أي أشار برأسه وحرّكه يمينًا وشمالًا لأن أحد القبرين كان في جانب اليمين والآخر في جهة اليسار، قال المؤلف نقلًا عن شيخه محمد بن عبّاد بن الزبرقان (وأشار أبو إسماعيل) العبدري مولاهم المدني حاتم بن إسماعيل (برأسه يمينًا وشمالًا) تفسيرًا لقول جابر فقال برأسه هكذا، وفي بعض النسخ: وأشار ابن إسماعيل، وكلاهما صحيح لأن اسمه حاتم بن إسماعيل المدني، وكنيتُه أبو إسماعيل، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا قال جابر (ثم) بعدما وقف وقفة (أقبل) إليّ النبي ﷺ (فلما انتهى) ووصل (إليّ قال) لي (يا جابر هل رأيت مقامي) وموقفي الذي وقفت فيه وقفة يسيرة، قال جابر (قلت) له ﷺ (نعم) رأيته (يا رسول الله) ثم قال لي (فانطلق) أي فاذهب (إلى الشجرتين) اللتين قضيت عندهما حاجتي (فاقطع من كل واحدة منهما غصنًا فأقبل) أي فاذهب (بهما) أي بالغصنين المقطوعين لك إلى جهة موقفي الذي وقفت فيه (حتى إذا) وصلت موقفي ذلك و (قمت مقامي فأرسل) أي فضع (غصنًا) واحدًا منهما (عن يمينك وغصنًا) آخر (عن يسارك، قال جابر فقمت) من مكاني (فأخذت حجرًا) من الأحجار لأقطع به الغصنين (فكسرته) أي فكسرت ذلك الحجر (وحسرته) أي أحددته ونحيت عنه ما يمنع حدته بحيث يمكن لي أن أقطع به الغصن (فانذلق) أي صار حادًّا يمكن (لي) القطع به ومعنى انذلق انحدّ وذلق كل شيء حده

стр. 11906

فَأَتَيتُ الشَّجَرَتَينِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا. ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . أَرْسَلْتُ غُصنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي. ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَال: "إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَينِ يُعَذَّبَانِ. فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَينِ" ــ وسنان مذلق أي محدود اهـ، وقوله (وحسرته) هو بالحاء والسين المهملتين مع تخفيف السين أي حددته وأزلت عنه ما يمنع حدته حتى أمكن قطع الأغصان به وهو معنى قوله (فانذلق) بالذال المعجمة أي صار حادًّا اهـ سنوسي، وأصل الحسر كشطك الشيء عن الشيء ونحته، ومنه حاسر الرأس وهو الذي ليس على رأسه قلنسوة أو عمامة كأنه كشطها عن رأسه، قال جابر (فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنًا ثم أقبلت) إلى موقف النبي ﷺ حالة كوني (أجرّهما) أي أجرّ الغصنين على الأرض (حتى) إذا (قمت مقام رسول الله ﷺ ) وموقفه (أرسلت) أي وضعت (غصنًا) واحدًا (عن يميني وغصنًا) واحدًا (عن يساري ثم لحقته) ﷺ (فقلت) له (قد فعلت) ما أمرتني به (يا رسول الله فعم) عن حرف جر (م) اسم استفهام في محل الجر بعن مبني على سكون ظاهر على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة الجار والمجرور خبر مقدم وجوبًا لكونه مما يلزم الصدارة (ذاك) مبتدأ مؤخر وجوبًا والمعنى فلأي سبب ولأي شيء ذلك الفعل الذي أمرتني به من وضع كل غصن في موضع فـ (قال) النبي ﷺ سبب ذلك (إني مررت بقبرين يُعذّبان) أي يُعذب صاحباهما (فأحببت بشفاعتي أن يُرفّه) بضم الياء وتشديد الفاء ونصب الهاء لأنه لام الكلمة على صيغة المبني للمجهول أي رجوت أن يخفف (عنهما) ما كانا فيه من العذاب بسبب شفاعتي (ما دام الغصنان رطبين) أي مدة دوام رطوبة الغصنين بسبب استغفارهما، ومعنى يرفه يخفف ويبعد ومنه ترفه عن كذا أي تنزه وتبعد اهـ سنوسي. وهذه القصة غير القصة المعروفة التي تقدمت قبيل كتاب الحيض رواها ابن عباس ﵁ مر على قبرين فقال: "أما إنهما يعذبان وما يعذّبان من كبير ... " الحديث ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا لأن قصة حديث جابر هذه في بواط وقصة حديث ابن عباس تلك في المدينة، وقد ذكر الحافظ في الفتح [١/ ٣١٩] وجوه المغايرة بين حديث جابر هذا وحديث ابن عباس ذاك

стр. 11907

(٠٠) (٢٣٠٠) (١٦٠) قَال: فَأتَينَا الْعَسْكَرَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا جَابِرُ نَادِ بِوَضُوءٍ" فَقُلْتُ: أَلا وَضُوءَ؟ أَلا وَضُوءَ؟ أَلا وَضُوءَ؟ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطرَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَاءَ، فِي أَشْجَابٍ لَهُ، عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ. قَال: فَقَال لِيَ: "انْطَلِقْ إِلَى فُلانِ بْنِ فُلانٍ ــ ﵃، وأما حكم وضع الجريدة أو الغصن على القبر فقد تقدم الكلام عليه قبيل كتاب الحيض، وقوله ﷺ "بشفاعتي" في هذا الحديث ظاهر في أن التخفيف في العذاب إنما كان بشفاعة النبي ﷺ وأن ذلك من خصائصه والحكم ليس بعام والله أعلم اهـ من التكملة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث السادس من أحاديث جابر ﵁ التي رواها عنه عبادة بن الوليد بالسند السابق فقال: (٠٠) (٢٣٠٠) (١٦٠) (قال) جابر (فأتينا العسكر) أي فلحقنا الجيش الذين تقدموا علينا (فقال) لي (رسول الله ﷺ يا جابر ناد) في العسكر (بـ) السؤال عن (وضوء) هل فيهم وضوء أم لا؟ والوضوء بفتح الواو الماء الذي يُتوضأ به يعني اسأل الناس هل عند أحدهم ماء للوضوء، قال جابر (فقلت) في ندائي فيهم (ألا وضوء ألا وضوء ألا وضوء) فيكم ثلاث مرات للتأكيد أي هل لا وضوء موجود عندكم (قال) جابر فسكتوا عني فلم يردوا جوابًا بالسؤال فـ (قلت يا رسول الله ما وجدت في الركب) والقافلة (من قطرة) ماء (وكان رجل من الأنصار) لم أر من ذكر اسمه (يُبرد لرسول إله ﷺ الماء في أشجاب له) جمع شجب كأحمال وحمل وهو السقاء الذي قد أُخلق وبلي وصار شنًّا يابسًا من الشجب الذي هو الهلاك أي في أسقية له معلقة (على حمارة) وأعواد (من جريد) النخل والحمارة بكسر الحاء وتخفيف الميم والراء أعواد تعلق عليها أسقية الماء والجريد غصن النخل والمعنى أن رجلًا من الأنصار كان يضع الماء في شن يابس ويعلقه على أعواد من الجريد ليبرّد الماء فيشربه رسول الله ﷺ فظن رسول الله ﷺ أنه يوجد منه بعض الماء (قال) جابر (فقال لي) رسول الله ﷺ (انطلق) أي اذهب يا جابر (إلى فلان بن فلان

стр. 11908

الأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيءٍ؟ " قَال: فَانْطَلَقْتُ إِلَيهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلاءِ شَجْبٍ مِنْهَا. لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَال: "اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهِ" فَأَتَيتُهُ بِهِ. فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ. وَيَغْمِزُهُ ــ الأنصاري فانظر هل في أشجابه) وأسقيته (من شيء) أي شيء من الماء (قال) جابر (فانطلقت إليه فنظرت فيها) أي في أشجابه (فلم أجد فيها إلا قطرة) أي إلا بقية قليلة باقية (في عزلاء شجب) أي في فم قربة كائنة (منها) أي من تلك الأشجاب والقرب، والعزلاء بفتح العين وسكون الزاي فم القربة يعني كان هناك قطرة أي قليل من الماء باق في فم قربة من القرب التي كانت عنده (لو أني أفرغه) أي أصب ذلك القليل وحركته من محله (لشربه) أي لشرب ذلك القليل (يابسه) أي يابس الشجب وناشف القربة ومعنى هذا الكلام أنّ الماء الباقي في القربة قليل جدًّا فلقلته مع شدة يبس باقي الشجب وهو السقاء لو أفرغته وحركته من محله بالصب لاشتفه اليابس من الشجب ولم ينزل منه شيء اهـ نووي، يعني أن الماء من القلة بحيث لو سكبته في إناء ليبست القطرة قبل أن تبلغ الإناء لأن الشن اليابس يجذبه ويشربه، قال جابر (فأتيت رسول الله ﷺ ) ورجعت إليه من عند الأنصاري صاحب الأشجاب (فقلت) له ﷺ (يا رسول الله إني لم أجد فيها) أي في تلك الأشجاب (إلا قطرة) باقية (في عزلاء شجب) أي في فم قربة (منها) أي من تلك الأشجاب (لو أني أفرغه) أي أفرغ ذلك القليل وسكبته في إناء آخر (لشربه) أي لشرب ذلك القليل الباقي من الماء (يابسه) أي يابس الشجب وجافه قبل نزوله في إناء آخر فـ (قال) لي رسول الله ﷺ (اذهب) إلى الأنصاري (فأتني به) أي بذلك الشجب الذي فيه قطرة من ماء (فأتيته) ﷺ (به) أي بذلك الشجب (فأخذه) أي فأخذ رسول الله ﷺ ذلك الشجب الذي أتيت به (بيده) الشريفة (فجعل) أي شرع ﷺ (يتكلم بشيء) من الكلام على ذلك الشجب (لا أدري) ولا أعلم أنا جواب استفهام (ما هو) أي ما ذلك الكلام الذي تكلم على الشجب هل هو دعاء أم لا (ويغمزه) من باب ضرب معطوف على يتكلم أي فجعل يتكلم على الشجب ويغمزه أي يعصره ويمرخه ويحرّكه

стр. 11909

بِيَدَيهِ. ثُمَّ أَعْطَانِيهِ فَقَال: "يَا جَابِرُ، نَادِ بِجفْنَةٍ" فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ. فَوَضَعتُهَا بَينَ يَدَيهِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا. فَبَسَطَهَا وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ. ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ. وَقَال: "خُذْ. يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ. وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ" فَصَبَبْتُ عَلَيهِ وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللهِ. فَرَأَيتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَينِ أَصَابعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلأَتْ فَقَال: "يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ" ــ (بيديه) الشريفتين وكأنه ﷺ دعا عليه بكلمات لم يسمعها جابر ﵁ وفي بعض النسخ بيده، والمراد أنه ﷺ جعل يغمز الشجب بيديه ليعصره ويُخرج ما فيه (ثم أعطانيه) أي أعطاني ذلك الشجب (فقال يا جابر ناد بـ) صاحب (جفنة) الركب ليحضر بها إليّ قال فناديتها (فقلت) في ندائي (يا جفنة الركب) أي يا صاحب جفنة الركب فحُذف المضاف للعلم بأنه المراد وأن الجفنة لا تنادى، والمعنى يا صاحب جفنة الركب التي تشبعهم أحضرها يعني من كان عنده جفنة بهذه الصفة فليحضرها، والجفنة وعاء وطست تسع ما يُشبع عشرة إنسان اهـ دهني، قال جابر (فأُتيت بها) بالبناء للمجهول أي أتاني آت بها أي بتلك الجفنة حالة كونها (تُحمل) بالبناء للمجهول يعني يحملها الناس، وفيه إشارة إلى كبرها وثقلها، قال جابر (فوضعتها) أي فوضعت تلك الجفنة (بين يديه) أي قدامه ﷺ وقربه (فقال) أي وضع (رسول الله ﷺ بيده) الشريفة (في الجفنة) أي في أعالي الجفنة وفمها (هكذا) أي مبسوطة أصابعها لا مقبوضة، وفسر الإشارة بقوله (فبسطها) أي فبسط أصابعها (وفرّق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة) أي وضع يده الشريفة في أسفل الجفنة وقعرها (وقال) لي رسول الله ﷺ (خذ) هذا الشجب الذي فيه قطرة ماء (يا جابر فصب) منه (عليَّ) ماء (وقل) عند صبه أصبك (باسم الله) قال جابر (فصببت عليه) ﷺ (وقلت باسم الله فرأيت الماء يفور) ويخرج (من بين أصابع رسول الله ﷺ ثم فارت) ونبعت (الجفنة) الماء (ودارت) الجفنة الماء أي دار الماء وطاف في جوانبها (حتى امتلأت) الجفنة ماء (فقال) رسول الله ﷺ (يا جابر ناد) في الناس بقولك (من كان له حاجة بماء) فليأتنا ليأخذه

стр. 11910

قَال فأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا. قَال: فَقُلْت: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلأَى. (٠٠) (٢٣٠١) (١٦١) وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجُوعَ. فَقَال: "عَسَى اللهُ أَنْ يُطعِمَكُمْ" فَأَتَينَا سِيفَ الْبَحْرِ ــ (قال) جابر (فأتى الناس) كلهم (فاستقوا) الماء وأخذوه في أوانيهم (حتى رووا) وشبعوا منه (قال) جابر (فقلت) في الناس وناديتهم ثانيًا (هل بقي أحد) منكم (له حاجة) إلى الماء فسكتوا (فرفع رسول الله ﷺ يده) الشريفة المباركة (من الجفنة وهي) أي والحال أن الجفنة (ملأى) أي مملوءة ماء، قال القاضي: هذه من باهر معجزاته ﷺ وقد روينا عنه هذه في مواطن متفقة المعنى وكذلك في معجزاته ﷺ ما تقدم من أمر الشجرتين وكذلك اكتفاؤهم بالتمرة ببركته ﷺ وكذلك الدابة التي ألقاها البحر وتقدمت في كتاب الجهاد في غزوة أبي عبيدة، ويظهر أنها قضية أخرى غير القضية الآتية، لأن هذه حضرها رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن هذه الآتية تلك السابقة وأوردها جابر بعد ذكره ما شاهده مع رسول الله ﷺ وعطف هذه القضية عليها اهـ من الأبي. وهذا الحديث مما انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث السابع من أحاديث جابر التي رواها عنه عبادة بن الوليد مجموعة بالسند السابق فقال: (٠٠) (٢٣٠١) (١٦١) قال جابر بن عبد الله ﵄ (وشكا الناس إلى رسول الله ﷺ الجوع) أي أخبروه شدة الجوع بهم على سبيل الشكوى (فقال) لهم رسول الله ﷺ (عسى الله) أي حقق الله (أن يطعمكم) أي أن يرزقكم طعامًا يزيل عنكم ألم الجوع، قال جابر (فأتينا) معاشر الصحابة في سفرنا تلك (سيف البحر) بكسر السين وسكون الياء أي ساحل البحر وشاطئه، وتسمى هذه السرية سرية سيف البحر، وتسمى سرية الخبط أيضًا لأن الصحابة اضطروا فيها إلى أكل الخبط وهي ورق الشنجر وقد مضت قصة هذه السرية مبسوطة في كتاب الصيد والذبائح باب إباحة ميتة البحر، وذكرنا هناك أنها وقعت سنة ست من الهجرة أو قبلها وكان أميرهم أبو عبيدة بن الجراح، وكذلك وقع في روايات البخاري في المغازي [رقم ٤٣٦٠] وما

стр. 11911

فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً. فَأَلْقَى دَابَّةً. فَأَوْرَينَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ. فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوينَا، وأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا. قَال جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلانٌ وَفُلانٌ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً، فِي حِجَاجِ عَينِهَا. مَا يَرَانَا أَحَدٌ. حَتَّى خَرَجْنَا. فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ. ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ ــ بعدها (فزخر البحر) أي علا موجه وكثر ماؤه وامتدّ على الساحل (زخرة) أي هاج موجه وارتفع هيجة واحدة وحركة واحدة (فألقى) البحر (دابة) من دوابه إلى الساحل، وتقدم في كتاب الصيد أنه كان حوتًا عظيمًا يقُال له العنبر (فأورينا) أي أوقدنا (على شقها) أي على جانبها (النار) لنطبخه (فأطبخنا) ذلك الشق في القدور (واشتوينا) أي شويناه على الحديد المحماة (وأكلنا) منها (حتى شبعنا) منها (قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان) وعد جابر الداخلين معه (حتى عد خمسة) أنفار أي دخلنا (في حجاج عينها) أي عين تلك الدابة، وحجاج عينها بفتح الحاء وكسرها عظمها المستدير بها والحال أنه (ما يرانا) فيها (أحد) من الناس لبعد قعرها (حتى خرجنا) منها (فأخدنا ضلعًا من أضلاعه) أي من أضلاع ذلك الحيوان، والضلع عظام الجنب (فقوسناه) أي ركزناه على صورة القوس (ثم دعونا بأعظم رجل في الركب) وأطولهم (وأعظم جمل في الركب) بالجيم للعذري، ولغيره بالحاء المهملة، وهو الصواب وأشبه بسياق الحديث اهـ أبي (وأعظم كفل في الركب) بكسر الكاف وسكون الفاء، قال الجمهور: المراد بالكفل ها هنا هو الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط فيحفظ الكفل الراكب من السقوط، ويقال منه تكفلت البعير وأكفلته إذا أدرت ذلك الكساء حول سنامه ثم ركبته وهذا الكساء كفل، ورواه السمرقندي والصدفي بفتح الكاف والفاء معناه العجز، والصحيح الأول (فدخل) ذلك الرجل الأعظم الذي معه أعظمُ جمل الركب وأعظم كفل (تحته) أي تحت ذلك الضلع ومر تحته، والحال أنه (ما يطأطئ) ويخفض (رأسه) أي لم يحتج هذا الراكب إلى أن يخفض رأسه لعظم الضلع المقوس. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في المغازي [٤٣٦٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث الجزء الثاني من الترجمة وهو حديث الهجرة فقال:

стр. 11912

٧٣٣٦ - (٢٣٠٢) (١٦٢) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ. فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا. فَقَال لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي. فَقَال لِي أَبِي: احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ. فَقَال لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيفَ صَنَعْتُمَا لَيلَةَ سَرَيتَ مَع رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه ــ ٧٣٣٦ - (٢٣٠٢) (١٦٢) (حدثني سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري نزيل مكة، ثقة، من (١١) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا الحسن) بن محمد (بن أعين) مولى بني مروان أبو عليّ الحراني، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا زهير) بن معاوية بن حديج الجعفي الكوفي، ثقة، من (٧) (حدثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة، من (٣) (قال) أبو إسحاق (سمعت البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي أبا عمارة الكوفي ﵁ (يقول) وهذا السند من خماسياته (جاء أبو بكر الصديق إلى أبي) عازب بن الحارث (في منزله) أي في منزل أبي (فاشترى منه) أي من أبي (رحلًا) بفتح الراء وسكون الحاء وهو للناقة كالسرج للفرس (فقال) أبو بكر (لـ) والدي (عازب) بن الحارث (ابعث معي ابنك) البراء حالة كونه (يحمله) أي يحمل هذا الرحل (معي إلى منزلي) قال البراء (فقال لي أبي احمله) أي احمل هذا الرحل مع أبي بكر إلى منزله، قال البراء (فحملته) له إلى منزله (وخرج أبي معه) أي مع أبي بكر حالة كون أبي (ينتقد) أي يأخذ (منه) أي من أبي بكر (ثمنه) أي ثمن الرحل ويستوفيه منه، قال ابن سعد: قالوا وكان عازب قد أسلم ولم يُسمع له بذكر في المغازي، وقد سمعنا بحديثه في الرحل الذي اشتراه منه أبو بكر الصديق كذا في الإصابة [٢/ ٢٣٥] وأما ابنه البراء ﵁ فقد ثبت أنه شهد أحدًا وما بعدها ولم يشهد بدرًا لصغره وناصر عليًّا ﵁ في الجمل وصفين، وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين، وشهد غزوة تستر مع أبي موسى، ونزل الكوفة، ومات في إمارة مصعب سنة (٧٢ هـ) روى عن النبي ﷺ جمع الإصابة [١/ ١٤٧] قال البراء (فقال له) أي لأبي بكر (أبي) أي والدي عازب بن الحارث (يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما ليلة سريت) يقال سرى وأسرى لغتان بمعنى (مع رسول الله - صلى الله عليه

стр. 11913

وسلم -. قَال: نَعَمْ. أَسْرَينَا لَيلَتَنَا كُلَّهَا. حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ. وَخَلا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ. حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخرَةٌ طَويلَةٌ لَهَا ظِلٌّ. لَمْ تَأْتِ عَلَيهِ الشَّمسُ بَعْدُ. فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا. فَأَتَيتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيتُ بِيَدِي مَكَانًا، يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ظِلِّهَا. ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيهِ فَرْوَةً ــ وسلم - قال) أبو بكر (نعم) أخبرك يا أخي (أسرينا) أي سرينا (ليلتنا كلها) ليلة خرجنا من الغار (حتى قام) وحصل ظل (قائم) أي واقف وقت (الظهيرة) أي وقت انتصاف النهار وهو ظل وقت استواء الشمس أي بلوغها وسط السماء، قال النووي (قائم الظهيرة) نصف النهار وهو حال استواء الشمس سُمي قائمًا لأن الظل لا يظهر حينئذ فكأنه واقف قائم، وقال القاضي عياض: الظهيرة الهاجرة وهي ساعة الزوال ومنه سُميت صلاة الظهر، قال يعقوب: الظهيرة نصف النهار وهي أن تكون الشمس بحيال رأسك وتركد حتى كأنها لا تبرح وهو معنى قوله ﵁: "قام قائم الظهيرة" أي كأنه وقف ولم يبرح وهي كناية إما عن وقوف الشمس أو وقوف الظل عن الزيادة حتى يتبين زوال الشمس اهـ من الأبي. والسرى وكذا الإسراء سير الليل أي أسرينا ومشينا ليلتنا ليلة إذ خرجنا من الغار (حتى) إذا (قام قائم الظهيرة) وإذا الشرطية مقدرة هنا (وخلا الطريق) عن المارة واشتد علينا السير وعجزنا عنه معطوف على قام (فلا يمر فيه أحد) من الناس لشدة الحر، وقوله (حتى رُفعت لنا) جواب إذا المقدرة وحتى هنا زائدة كما هي ساقطة في نسخ شرح الأبي وشرح السنوسي أي ظهرت لأبصارنا (صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه) أي على ذلك الظل أي لم تصل إلى ذلك الظل (الشمس) أي ضوءها (بعد) أي الآن أي وقت نزولنا قربها يعني كان لها ظل أول النهار من غدوة إلى الزوال وهذا الظل ليس بفيء وهو أبرد وأطيب هواء، والفيء ظل ما بعد الزوال ورجوعه من المشرق إلى المغرب فيما كانت الشمس أصابت أرضه اهـ من الأبي. وقوله (فنزلنا عندها) أي قربها، معطوف على رُفعت لنا أي رُفعت لنا صخرة فنزلنا قربها (فأتيت) أنا وحدي تحت (الصخرة فسويت) أي صلحت (بيدي مكانًا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها) بتسوية الرمل وإزالة ما ارتفع منه، والجار والمجرور في ظلها صفة ثانية لمكانًا (ثم بسطت) له (عليه) أي على ذلك المكان المسوّى (فروة) كانت عندنا، والفروة الجلد المدبوغ بلا إزالة شعر خفيف

стр. 11914

ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ. يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ. وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ. فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمِ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَال: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَال: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَال: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً. فَقُلتُ لَهُ: ــ لين في الأرميا (ماسي) (ثم قلت) له ﷺ (نم يا رسول الله) في هذا المكان الذي سوّيت لك لتستريح من تعب السير. وقوله (نم) بتفح النون أمر من نام ينام من باب خاف، وبضمها أمر من نام ينوم كقال يقول (وأنا أنفض لك) أي أبحث وأفتش عنك (ما) يأتي (حولك) أي جانبك وقربك من العدو والطلب لئلا يفجعك في نومك أي نم على الراحة وأنا حارس لك متجسس عنك العدو ومنه النفيضة وهي الجماعة تتقدم العسكر تنفض أمامه كالطليعة (فنام) رسول الله ﷺ (وخرجت) أنا من عنده من الظل أي ذهبت من عنده حالة كوني (أنفض) وأبحث (ما حوله) من العدو والطلب لنا (فإذا أنا) راء (براعي غنم مقبل) أي ذاهب (بغنمه إلى الصخرة) الطويلة (يريد منها) أي يقصد منها الاستظلال (الذي أردنا) هـ منها (فلقيته) أي فاستقبلت ذلك الراعي (فقلت) له (لمن أنت) مملوك (يا غلام فقال) أنا مملوك (لرجل من أهل المدينة) يعني مكة والمراد بالمدينة هنا معناها اللغوي يعني معنى البلدة فالمراد بالبلدة مكة لأن المدينة المنورة كانت تُسمى يومئذ يثرب ولأنه لم تجر العادة من الرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة، ووقع في رواية إسرائيل في البخاري في مناقب أبي بكر [٣٦٥٢] "فقال لرجل من قريش سماه فعرفته" ولم يكن قريش يسكنون المدينة حينئذ، قال أبو بكر (قلت) للراعي (أفي غنمك لبن) بفتح اللام والباء يعني اللبن المعروف أي ذات لبن، وروي بضم اللام وسكون الباء أي شياه ذوات ألبان اهـ أبي (قال) الراعي (نعم) فيها ذات لبن، قال أبو بكر (قلت) له (أفتحلب) اللبن الي، قال) الراعي (نعم) أحلب لك، قال الحافظ في الفتح [٦/ ٦٢٣] الظاهر أن مراده من الاستفهام في قوله (أفتحلب لي) أمعك إذن في الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة، وبهذا التقرير يندفع الإشكال الماضي في اللقطة وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم؟ ويحتمل أن يكون أبو بكر لما عرفه عرف رضاه بذلك بصداقته له أو إذنه العام لذلك اهـ، قال أبو بكر (فأخذ) الراعي (شاة) من غنمه وأمسكها ليحلب لي (فقلت له)

стр. 11915

انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى (قَال: فَرَأَيتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ) فَحَلَبَ لِي، فِي قَعْبٍ مَعَهُ، كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ. قَال: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَال: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ . وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ. فَوَافَقْتُهُ اسْتَيقَظَ. فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذا اللَّبَنِ. قَال: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ــ أي للراعي (انفض) من باب نصر أي انفض (الضرع) واضربه وامسحه وصفّه (من الشعر والتراب والقذى) أي القُمامة والأوساخ قبل الحلب لئلا تسقط هذه الأشياء في اللبن المحلوب (قال) أبو إسحاق (فرأيت البراء) بن عازب حين حدث لنا هذا الحديث (يضرب بيده على الأخرى) أي يمسح بها الأخرى حالة كونه يريد أن (ينفض) ويمسح بها اليد الأخرى عن الأوساخ حكاية ووصفًا لنا كيفية نفض الراعي ضرع الغنم، قال أبو بكر (فحلب لي) الراعي (في قعب) كان (معه) أي مع الراعي وهو قدح من خشب معروف أي حلب لي في القدح (كثبة) أي قليلًا (من لبن) والكثبة بضم الكاف وسكون المثلثة قدر الحلبة قاله ابن السكيت وهي القدر الذي يخرج من ضرع الماشية في مرة واحدة أي في حلبة واحدة، وقال ابن الأعرابي: هي القليل من اللبن (قال) أبو بكر (ومعي إداوة) أي مطهرة، وفي المنجد إناء صغير من جلد (أرتوي) أي إداوة أرتوى واستقي وآخذ (فيها) الماء (للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ) فيها (قال) أبو بكر (فأتيت النبي ﷺ ) ورجعت إليه تحت الصخرة (و) كنت في العادة (كرهت أن أوقظه من نومه) حتى يستيقظ بنفسه لأنه ربما يأتيه الوحي في نومه (فـ) وصلت إليه وقد (وافقته استيقظ فصببت على اللبن) شيئًا (من الماء حتى برد أسفله) أي أسفل اللبن وبرد بفتح الراء من باب نصر على المشهور، وقال الجوهري: بضم الراء من باب كرم، قال أبو بكر (فقلت) له ﷺ (يا رسول الله اشرب من هذا اللبن، قال) أبو بكر (فشرب) رسول الله ﷺ من اللبن شربًا يزيل جوعته (حتى رضيت) وفرحت بشربه، قال النووي: فإن قيل كيف شربوا اللبن من الغلام وليس هو ملكه، فجوابه من أوجه: أحدها أنه محمول على عادة العرب أنهم يأذنون للرعاة إذا مرّ بهم ضيف أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه، والثاني أن اللبن كان لصديق لهم،

стр. 11916

ثُمَّ قَال: "أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَال: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالتِ الشَّمْسُ. وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ. قَال: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُتِينَا. فَقَال: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا" فَدَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا. أُرَى فَقَال: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ. فَادْعُوا لِي. فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ ــ والثالث أنه مال لحربي لا أمان له، الرابع لعلمهم أنهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود اهـ منه (ثم) بعدما شرب اللبن (قال) رسول الله ﷺ (ألم يأن) أي ألم يقرب آن أي وقت (للرحيل) أي لارتحالنا من هذا المنزل ولسيرنا إلى مقصدنا (قال) أبو بكر (قلت) له (بلى) آن وقرب الرحيل يا رسول الله (قال) أبو بكر (فارتحلنا) من ذلك المنزل (بعدما زالت الشمس) ومالت عن كبد السماء إلى جهة المغرب (واتَّبعنا) أي لحقنا بعدما ارتحلنا (سراقة بن مالك) بن جعشم المدلجي (قال) أبو بكر (ونحن) أي والحال أني أنا والنبي ﷺ ومن معنا (في جلد من الأرض) بالجيم واللام المفتوحتين أي في أرض صلبة، ورُوي جدد بوزن جلد بالدال بدل اللام أي في أرض مستوية، قال ابن سرّاج: جدد الأرض الخشن منها، وقال ابن دريد وغيره: هو المستوي وإنما ذكر ذلك لبيان أن مثل هذه الأرض لا تسوخ فيها قوائم الدابة عادة ولكنه كان معجزة للنبي ﷺ إذ لو كانت الأرض دهسة لم يستغرب ذلك الرسوخ، قال أبو بكر (فقلت يا رسول الله أُتينا) بضم الهمزة على صيغة المجهول أي أتانا طالبنا (فقال) رسول الله ﷺ (لا تحزن إن الله معنا) بالحفظ والنصر، قال أبو بكر (فدعا عليه) أي على سراقة (رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه) أي غاصت قوائمها (إلى بطنها) في تلك الأرض الجلد يقال رطمه يرطمه من باب نصر إذا أدخله في أمر لا يخرج منه وارتطم في الطين وقع فيه فتخبط فيه كذا في اللسان [٥/ ٢٣٨] قال الراوي أو من دونه (أُرى) بضم الهمزة أي أظن أن أبا بكر قال (فقال) سراقة (إني قد علمت أنكما) خطاب للنبي ﷺ ولأبي بكر ﵁ (قد دعوتما عليّ فادعوا لي) بخروج فرسي من الأرض (فالله) شاهد (لكما) عليّ على (أن أرد عنكما الطلب) أي من يطلبكما جمع طالب، قال محمد الدهني في تعليقه على مسلم: معناه فالله ينفعكم بردي عنكما الطلب والله أعلم، ويحتمل أن يكون

стр. 11917

فَدَعَا اللهَ. فَنَجَى. فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَال: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا ههُنَا. فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَال: وَوَفَى لَنَا ــ التقدير فالله شاهدي لكما على أن أرد عنكما الطلب والحاصل أنه أقسم بالله أنه إن نجا عن هذه المصيبة فإنه لا يدل أحدًا على مكان رسول الله ﷺ بل يرد عنه من يطلبه (فدعا الله) له رسول الله ﷺ بنجاة فرسه (فنجى) سراقة مما أصابه من المصيبة في فرسه (فرجع) سراقة إلى الطلب وكان (لا يلقى أحدًا) من الطلب (إلا قال) لهم (قد كفيتكم) أي أغنيتكم عن الطلب في (ما ها هنا) أي في هذه الجهة فإني بحثت عنهما في هذا المكان فلا حاجة لكم إلى أن تبحثوا عنهما فيه مرة أخرى وذلك وفاء بوعده أنه يرد عنهما الطلب، قال أبو بكر (فـ) لما رجع (لا يلقى أحدًا) من الطلب (إلا رده، قال) أبو بكر الصديق ﵁ (ووفى) بفتح الفاء المخففة أي ووفى (لنا) سراقة ما وعد لنا من رد الطلب عنا. وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات ولكن شاركه أحمد في مسنده [١/ ٢]، وابن حبان في صحيحه [٩/ ١٠]، والبيهقي في دلائل النبوة [٢/ ٤٨٣]، وأبو نعيم في الدلائل [٢/ ٣٢٥]. وقد تقدم للمؤلف بعض أطراف هذا الحديث في كتاب الأشربة باب شرب اللبن وغيره. "تتمة" سبب اتباع سراقة له ﷺ على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة قال: لما خرج رسول الله ﷺ مهاجرًا جعلت قريش لمن يرده مائة ناقة، قال سراقة: فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا وقال: لقد رأيت ثلاثة مروا عليّ آنفًا وما أظنه إلا محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فأومأت إليه أن اسكت، وقلت: إنما هم بنو فلان يتبعون ضآلة ثم قمت ودخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقُدّم إليّ وخرجت من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي فاستسهمت فخرج لي السهم الذي أكره ولا: يضر، ثم لبست لأمتي وخرجت رجاء أن أرده وآخذ المائة ناقة، فكان من أمره ما ذُكر في الحديث، وقال غير ابن إسحاق: وكان سراقة شاعرًا مجيدًا فقال يخاطب أبا جهل بن هشام بعد انصرافه عن رسول الله ﷺ . أبا حكم والله لو كنت شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

стр. 11918

٧٣٣٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ. كِلاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَال: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلاثةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ ــ علمت ولم تشكك بأن محمدًا ... رسول من الله فمن ذا يقاومه عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه بأمر يقود الناس فيه بأسرهم ... فإن جميع الناس طُرًّا تسالمه قال صاحب الإكتفاء: وسراقة هذا قد أظهر الله فيه آية أخرى من الآيات الدالة على أن الله سبحانه أطلعه من الغيب في حياته ما ظهر فيه صدقه بعد وفاته، ففي حديث عن سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال لسراقة: "كيف بك إذا ألبست سواري كسرى" فلما أتى عمر ﵁ بهما وبمنطقة كسرى وتاجه دعا سراقة وألبسه السوارين وكان كثير شعر الساعدين وقال له: ارفع يديك وقل الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى الذي كان يقول أنا رب الناس وألبسهما سراقة أعرابيًّا من بني مدلج، ورفع بها عمر رضوان الله عليه صوته اهـ من الأبي، وقد أخرج البخاري حديث سراقة هذا بسياق أتم من سياق ابن إسحاق راجعه في المناقب رقم [٦/ ٣٩٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث البراء ﵁ فقال: ٧٣٣٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا النضر بن شميل) المازني البصري ثم الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (كلاهما) أي كل من عثمان والنضر رويا (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن) جده (أبي إسحاق) السبيعي (عن البراء) بن عازب الأنصاري الكوفي. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بيان متابعة إسرائيل لزهير بن معاوية (قال) البراء (اشترى أبو بكر من أبي) عازب بن الحارث (رحلًا بثلاثة عشر درهمًا وساق) إسرائيل (الحديث) السابق

стр. 11919

بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَال فِي حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ. وَوَثَبَ عَنْهُ. وَقَال: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَن هَذَا عَمَلُكَ. فَادْعُ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ. وَلَكَ عَلَيَّ لأعُمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي. وَهَذِهِ كِنَانَتِي. فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا. فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَال: "لَا حَاجَةَ لِي في إِبِلِكَ" ــ (بمعنى حديث زهير) بن معاوية (عن أبي إسحاق و) لكن (قال) إسرائيل (في حديثه) وروايته (من رواية عثمان بن عمر فلما دنا) وقُرب سراقة إلينا (دعا عليه رسول الله ﷺ فساخ) هو بمعنى ارتطمت أي غاص قوائم (فرسه في الأرض إلى بطنه ووثب) سراقة (عنه) بسرعة (وقال) سراقة (يا محمد قد علمت) أنا (أن هذا) الذي أصاب فرسي (عملك) أي دعاؤك (فادع الله) لي (أن يخلّصني) وينجيني (مما أنا فيه) من مصيبة فرسي (ولك عليّ لأعمّين) أي لأخفين أمركم (على من ورائي) ممن يطلبكم وألبسه عليهم حتى لا يتبعكم أحدًا منهم. قوله (ولك عليّ) جملة أراد بها القسم، وقوله (لأعمّين) جوابه أي ولك قسم عليّ على أن أعمّين أمرك على من ورائي وهو بضم الهمزة وفتح العين وكسر الميم المشددة من باب التفعيل يقال عمّى الرجل صيّره أعمى ولبّس الأمر عليه وكذلك أعماه، ويحتمل أن يكون (لأُعمين) بضم الهمزة وسكون العين وكسر الميم المخففة من الإعماء يعني أُضل عنكما من يأتي ورائي في طلبكم وأجعلهم عميًا عنكم (وهذه) الجعبة (كنانتي) أي كيس سهامي (فخذ سهمًا منها) أي من كنانتي لتكون علامة لك على إذني لك في أخذ ما شئت من إبلي (فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا فـ) إذا وصلت إليها فـ (خذ منها) أي من إبلي (حاجتك) أي قدر ما تحتاج إليه في سفرك فـ (قال) له رسول الله ﷺ (لا حاجة لي في إبلك) ووقع في حديث سراقة عند البخاري في المناقب "ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا "وفيه كمال استغناء رسول الله ﷺ عن متاع الدنيا مع حاجته إليه في السفر".

стр. 11920

فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيلًا. فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَال: "أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ، أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ" فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنَّسَاءُ فَوقَ الْبُيُوتِ. وَتَفَرَّق الْغِلْمَانُ وَالْخَدمُ فِي الطُّرُقِ، يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللهِ. يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ ــ قال أبو بكر (فقدمنا المدينة ليلًا فتنازعوا) أي فتنازع الأنصار واختلفوا (أيهم ينزل) أي على أي منهم ينزل (عليه رسول الله ﷺ فقال) رسول الله ﷺ (أنزل) أنا (علي بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك) أي بنزولي عندهم (فصعد الرجال والنساء فوق البيوت) وسطوحها (وتفرق الغلمان والخدم في الطرق) والزقاق، حالة كونهم (ينادون يا محمد يا رسول الله يا محمد يا رسول الله) قال القاضي: وفي هذا إظهار ما وضع الله تعالى لنبيه ﷺ من المحبة في القلوب وخص الله سبحانه به الأنصار ﵃ من التكرمة والخير في إعزازهم رسوله ﷺ ونصرته اهـ من الأبي. قوله (فتنازعوا على أيهم ينزل) قال الأبي: ليس في السير أنهم تنازعوا وإنما فيها أنه لما سمعت الأنصار أنهم خرجوا من مكة فكانوا يتوقعون دخوله فيخرجون إذا صلوا الصبح إلى ظاهر الحرة ينتظرونه فما يبرحون منها حتى تغلبهم الشمس على الظلال فيدخلون بيوتهم وبقوا على ذلك أيامًا، فقدم رسول الله ﷺ يومًا حين دخلوا البيوت، وكان أول من رآه يهودي وكان قد رأى ما يصنعون من انتظاره فنادى بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجوا فوجدوه في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرهم لم يكن رآه وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ فقام أبو بكر ﵁ فأظله بردائه فعرفوه عند ذلك فنزل رسول الله ﷺ بقباء في بني عمرو بن عوف فأقام فيهم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم رحل فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلى عندهم ثم أتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعُدد والمنعة فقال: "خلوا سبيلها، فإنها مأمورة" لناقته، فانطلقت حتى أتت دار بني بياضة، فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم مثل ذلك، فخلوا سبيلها، حتى وافت دار بني الحارث بن الخزرج فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم مثل

стр. 11921

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، فخلوا سبيلها، حتى مرت بدار عدي بن النجار وهم أخواله ﷺ دنيا أم جده عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية فاعترضوه وقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعُدد، قال: "خلوا سبيلها" حتى أتت دار بني مالك بن النجار فلما بركت ورسول الله ﷺ لم ينزل وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها ثم التفتت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرّانها فنزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب رحله، فوضعه في بيته، ونزل ﷺ عنده حتى بنى المسجد وانتقل عنه فإن عني بقوله فتنازعوا هذا التعرض فقد سمعت حديثه وإلا فلا نزاع. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب عشرة أحاديث، اثنان منها لأبي اليسر، وسبعة لجابر بن عبد الله وواحد لبراء بن عازب، وفيه متابعة واحدة ذكره في الهجرة ﵃ أجمعين والله سبحانه أعلم. ***

стр. 11922

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٦ - كتاب التفسير ــ ٣٦ - كتاب التفسير والتفسير لغة مصدر فسر بتشديد السين يُفسر من باب فعل المضعف تفسيرًا إذا كشف المراد وبينه، وأصله من الفسر وهو البيان يقال فسرت الشيء أفسره بالكسر فسرًا من باب ضرب فالتفسير لغة الكشف والبيان، واصطلاحًا علم يعرف به معاني كلام الله تعالى بحسب الطاقة البشرية وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم النحو واللغة والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ اهـ قسط وط، والتأويل صرف الكلام إلى ما يؤول إليه من المعنى من آل إلى كذا إذا رجع إليه، وقد حدّه الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ معضود بدليل خارج عنه، فالتفسير بيان اللفظ كقوله: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه، والتأويل بيان المعنى كقولهم لا شك فيه عند المؤمنين أو لأنه حق في نفسه فلا تقبل ذاته الشك، وإنما الشك وصف الشاك ونحو ذلك اهـ مفهم. وإنما قلل الإمام مسلم رحمه الله تعالى الأحاديث الواردة في التفسير لأن الأحاديث المرفوعة التي هي في صميم موضوع التفسير والتي تستجمع الشروط التي التزم بها قليلة عنده ولكن قد أخرج أحاديث كثيرة في الأبواب الأخرى التي لها علاقة بالتفسير، وإنما أكثر البخاري الأحاديث الواردة في التفسير في صحيحه لأنه يورد الأحاديث بأدنى مناسبة ولا يرى بالتكرار بأسًا ولأنه أدخل كثيرًا في تفسير غريب القرآن. ***

стр. 11923

أبواب متفرقة في تفسير آيات مختلفة ٧٧٦ - (٢٠) باب في تفسير قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ٧٣٣٨ - (٢٣٠٣) (١٦٣) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قِيلَ لِبَني إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ــ أبواب متفرقة في تفسير آيات مختلفة ٧٧٦ - (٢٠) باب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ٧٣٣٨ - (٢٣٠٣) (١٦٣) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (حدثنا معمر) الأزدي البصري (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني الصنعاني، ثقة، من (٤) (قال) همام (هذا ما حدَّثنا) به (أبو هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن رسول الله ﷺ فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (وقال رسول الله ﷺ قيل لبني إسرائيل) على لسان موسى ﵇ عندما طلبوا لغذائهم غير المنّ والسلوى حين سئموا منهما مما تنبت الأرض من قثائها وفومها مثلًا فأُمروا أن يدخلوا قرية بيت المقدس متواضعين لله تائبين من ذنوبهم فيجدون فيها ما يشتهون (ادخلوا الباب) أي بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب، والمراد الباب الثاني من بيت المقدس ويعرف الآن بباب حطة أو باب القبة التي كان يتعبد فيها موسى وهارون ويصليان مع بني إسرائيل إليها (سجدًا) أي ركعًا منحنين ناكسي رؤوسكم بالتواضع على أن يكون معناه الحقيقي أو ساجدين شكرًا لله تعالى على خلاصكم وإخراجكم من التيه على أن يكون المراد به معناه الشرعي (وقولوا) بألسنتكم مسألتنا يا ربنا (حطة) أي حط ذنوبنا عنا وغفرانها لنا بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا من الله أن يحط عنا ذنوبنا، أو بالنصب على المصدرية لفعل محذوف أي حُطّ عنا ذنوبنا

стр. 11924

نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فَبَدَّلُوا. فَدَخَلُوا الْبَاب يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ. وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ" ــ حطة وذلك أنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول القرية (يغفر لكم خطاياكم) مجزوم بالطلب السابق وهو بالياء المضمومة مبنيًّا للمجهول على قراءة نافع وذلك الفعل لأن الخطايا مؤنث مجازي أو لوقوع الفعل أي يغفر الله لكم خطاياكم جمع خطيئة (فبدّلوا) الفعل الذي أُمروا به وهو الدخول سجدًا فعلًا غير الذي أُمروا به وهو الدخول زحفًا كما قال: (فدخلوا الباب يزحفون) أي ينجرون (على أستاههم) أي على أدبارهم وألياتهم فعل المقعد الذي يمشيء على أليته وبدّلوا القول الذي أُمروا به وهو قولهم حطة غير القول الذي أُمروا به (وقالوا حبة في شعرة). والمعنى أنهم غيروا تلك الكلمة التي أُمروا بها وقالوا قولًا غير الذي قيل لهم فقالوا حنطة بدل حطة كما في رواية غير مسلم وكذلك بدّلوا الفعل الذي أُمروا به من دخولهم سجدًا فدخلوا زاحفين على أدبارهم قائلين حنطة على شعيرة استخفافًا بأمر الله تعالى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في تفسير سورة البقرة باب ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [٤٤٧٩]، والترمذي في تفسير سورة البقرة [٢٩٥٦]، وأحمد [٢/ ٣١٨] ورُوي عن ابن عباس أن الباب الذي أُمروا بدخوله كان صغيرًا ضيقًا لا يتمكن الإنسان من الدخول فيه إلا بأن يكون راكعًا فكأنهم أعظموا أنفسهم من أن يدخلوا بهذه الهيئة المتواضعة فاختاروا هذه الهيئة التي فيها سخرية وتكبر. ***

стр. 11925

٧٧٧ - (٢١) باب تتابع الوحي قرب وفاته ﷺ ٧٣٣٩ - (٢٣٠٤) (١٦٤) حدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيرٍ النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. (قَال عَبْدٌ: حَدَّثَنِي. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ - وَهُوَ ابْنُ كَيسَانَ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: أَخبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ اللهَ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ. حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ ٧٧٧ - (٢١) باب تتابع الوحي قرب وفاته ﷺ ٧٣٣٩ - (٢٣٠٤) (١٦٤) (حدثنا عمرو بن محمد بن بكير) بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة، من (١٠) (والحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي (الحلواني) المكي، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (قال عبد حدثني وقال الآخران حدثنا يعقوب يعنون ابن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد، ثقة، من (٨) (عن صالح وهو ابن كيسان) الغفاري، ثقة، من (٤) (عن ابن شهاب قال أخبرني أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن الله تابع الوحي) أي أكثر الوحي وإنزال القرآن (على رسول الله ﷺ قبل وفاته) بسنة أو بسنتين (حتى توفي وأكثر ما كان الوحي) أي وأكثر أكوان الوحي (يوم توفي رسول الله ﷺ أي زمن إذ قرب وفاة رسول الله ﷺ . قوله (تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته) قال الحافظ في الفتح [٩/ ٨] أي أكثر إنزاله قرب وفاته ﷺ والسر في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر سؤالهم عن الأحكام فكثر النزول بسبب ذلك، ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك من رواية الدراوردي عن الإمامي عن الزهري سألت أنس بن مالك: هل فتر الوحي عن النبي ﷺ قبل أن يموت؟ قال: أكثر ما كان وأجمه "أورده ابن يونس في تاريخ مصر في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم اهـ. قوله (وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله ﷺ قال الأبي:

стр. 11926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم أر من تكلم على هذا لعله وقع له الإشكال بلفظ يوم توفي فإنه لم يرو أنه ﷺ نزل عليه الوحي كثيرًا يوم وفاته، والظاهر أن المراد بيوم وفاته آخر أيام حياته إذ قرب وفاته وليس خصوص ذلك اليوم الواحد ويؤيد ما قلنا لفظ البخاري "تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي ثم توفي رسول الله ﷺ بعد". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في فضائل القرآن باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل [٤٩٨٢]، وأحمد [٣/ ٢٣٦]. وهذا الباب استطرادي لم يذكر المؤلف فيه إلا حديثًا واحدًا. ***

стр. 11927

٧٧٨ - (٢٢) باب بيان تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٧٣٤٠ - (٢٣٠٥) (١٦٥) حدّثني أَبُو خَيثَمَة، زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، (وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ أَن الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً. لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لاتَّخَذْنَا ذلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. فَقَال عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ حَيثُ أُنْزِلَتْ. وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ. وَأَينَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيثُ أُنْزِلَتْ. أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ ــ ٧٧٨ - (٢٢) باب بيان تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٧٣٤٠ - (٢٣٠٥) (١٦٥) (حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن وهو ابن مهدي حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن قيس بن مسلم) الجدلي بفتح الجيم أبي أبي عمرو الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (عن طارق بن شهاب) بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، قال أبو داود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه صحابي أو ثقة، روى عنه في (٤) أبواب (أن اليهود قالوا لعمر) بن الخطاب ﵁، وقد وقع في رواية قبيصة بن ذؤيب عند مسدد والطبري والطبراني في الأوسط أن القائل هو كعب الأحبار، ولعله كان معه رجال آخرون من اليهود وقت هذا السؤال ذكره الحافظ في الفتح [١/ ١٠٥] (إنكم) أيها المسلمون (تقرؤون آية) في كتابكم (لو أُنزلت) تلك الآية (فينا) أي في كتابنا التوراة (لاتخذنا) وجعلنا (ذلك اليوم) الذي أُنزلت فيه (عيدًا) أي يوم فرح وسرور (فقال عمر) ﵁ (إني لأعلم حيث أنزلت وأي يوم أنزلت وأين رسول الله ﷺ حيث) أي حين فحيث بمعنى حين كما في الرواية (أنزلت بعرفة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة) وقول عمر ﵁ (إني لأعلم حيث أُنزلت) .. إلخ ويتضح مطابقة هذا الجواب للسؤال برواية قبيصة المذكورة ولفظها "نزلت يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد" وكذا وقع عند الترمذي من

стр. 11928

قَال سُفْيَانُ: أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ أَمْ لَا. يَعْنِي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. ٧٣٤١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، ــ حديث ابن عباس (أن يهوديًّا سأله عن ذلك فقال: نزلت يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة) قال الحافظ: فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا وهو يوم الجمعة واتخذوا يوم عرفة عيدًا لأنه ليلة العيد. قوله (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) أي لعظّمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين (فقال عمر إني لأعلم) .. الخ فإن قيل كيف طابق الجواب للسؤال لأنهم قالوا لاتخذناه عيدًا، وأجاب عمر ﵁ بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل جعلناه عيدًا، والجواب أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة وإلا فرواية إسحاق قد نصت على المراد، ولفظه: نزلت يوم الجمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولفظ الطبري والطبراني وهما لنا عيدان وكذا عند الترمذي عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يهوديًّا سأله عن ذلك فقال: (نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة) فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا لأنه ليلة العيد وهذا كما جاء في الحديث (شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة) وسُمي رمضان عيدًا لأنه يعقبه العيد قاله الحافظ اهـ من التحفة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في تفسير سورة المائدة باب ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [٤٦٠٦]، والترمذي في تفسير سورة المائدة [٣٠٤٣]، والنسائي في الإيمان باب زيادة الإيمان [٥٠١٢]، وأحمد [١/ ٢٨ و ٣٩]. قال عبد الرحمن بن مهدي (قال) لنا (سفيان) الثوري (أشك) أنا أ (كان) ذلك اليوم الذي ذكر الله سبحانه (يوم جمعة أم لا) كان يوم جمعة أي أم لم يكن يوم جمعة (يعني) سفيان بقوله (كان يوم جمعة) ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٧٣٤١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) محمد بن العلاء

стр. 11929

(وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)، قَال: حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَال: قَالتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَينَا، مَعْشَرَ يَهُودَ، نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ اليومَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَال: فَقَال عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ. وَالسَّاعَةَ. وَأَينَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ. نَزَلَتْ لَيلَةَ جَمْعٍ. وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ ــ (واللفظ لأبي بكر قال حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقة ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) بابًا (عن أبيه) إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبي عبد الله الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٣) أبواب، وليس في مسلم من اسمه إدريس إلا هذا ثقة (عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال قالت اليهود لعمر) بن الخطاب ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة إدريس بن يزيد لسفيان الثوري (لو) نزلت (علينا معشر اليهود نزلت هذه الآية) فالكلام من باب الاشتغال يعنون قوله تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) أي أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ بإكماله، وقيل بدخول مكة آمنين (ورضيت) أي اخترت (﴿لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾) حال أي اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده، قال الطبري: أي أعلمتكم برضاي له دينًا وإلا فهو سبحانه لم يزل راضيًا بذلك إذ لو حمل على ظاهره لم يكن للتقييد باليوم فائدة، ويحتمل أن يريد رضيته لكم دينًا باقيًا لا نسخ فيه اهـ (نعلم اليوم الذي أُنزلت فيه) معطوف بعاطف مقدر على فعل الشرط للو والمضارع بمعنى الماضي، والتقدير لو أنا نزلت علينا هذه الآية وعلمنا اليوم الذي أُنزلت فيه (لاتخذنا ذلك اليوم) الذي نزلت فيه (عيدًا) لنا (قال) طارق بن شهاب (فقال عمر) ﵁ لليهود (فقد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والساعة) التي أنزلت فيه (و) علمت (أين رسول الله ﷺ حين نزلت) لأنها (نزلت ليلة جمع ونحن مع رسول الله ﷺ واقفون (بعرفات). وقوله (ليلة جمع) هكذا الرواية (ليلة جمع) في بعض النسخ، وفي نسخة ابن ماهان (ليلة جمعة) وكلاهما صحيح فمن روى ليلة جمع فهي ليلة المزدلفة وهو المراد بقوله

стр. 11930

٧٣٤٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيسٍ، عَنْ قَيسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ. قَال: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ. فَقَال: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَها. لَوْ عَلَينَا نَزَلَتْ، مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَال: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فَقَال عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ. وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ. نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ. فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ــ ونحن بعرفات في يوم جمعة لأن ليلة جمع هي عشية يوم عرفات ويكون المراد بقوله ليلة جمعة يوم جمعة ومراد عمر ﵁ أنا قد اتخذنا ذلك اليوم عيدا من وجهين فإنه يوم عرفة ويوم جمعة وكل واحد منها عيد لأهل الإسلام اهـ نووي. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في أثر عمر ﵁ فقال: ٧٣٤٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عبد بن حميد أخبرنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (أخبرنا أبو عميس) عتبة بن مسعود بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال) طارق (جاء رجل من اليهود) وهو كعب الأحبار (إلى عمر) بن الخطاب ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أبي عميس لإدريس بن يزيد (فقال) ذلك الرجل (يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤنها لو) نزلت (علينا نزلت معشر اليهود لاتخدنا ذلك اليوم عيدًا قال) عمر للرجل (وأي آية) هي (قال) الرجل هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (فقال عمر) للرجل (إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه) وهو يوم عرفة (و) أعلم (المكان الذي نزلت فيه) وهو أرض عرفة لأنها (نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة). ***

стр. 11931

٧٧٩ - (٢٣) باب تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية ٧٣٤٣ - (٢٣٠٦) (١٦٦) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، (قَال أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَال حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا) ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] قَالت: ــ ٧٧٩ - (٢٣) باب تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية ٧٣٤٣ - (٢٣٠٦) (١٦٦) (حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح) الأموي المصري (وحرملة بن يحيى) بن عبد الله (التجيبي) المصري (قال أبو الطاهر حدثنا وقال حرملة أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (عن) تفسير (قول الله) تعالى (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) يا أولياء اليتامى وعلمتم من أنفسكم (﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾) أي أن لا تعدلوا (﴿فِي الْيَتَامَى﴾) إذا نكحتموهن (﴿فَانْكِحُوا﴾) أي فاتركوهن وتزوجوا (﴿مَا طَابَ﴾) وحل (﴿لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾) الأجنبيات أي فتزوجوا من استطابتها وأحبتها أنفسكم ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات أو فانكحوا ما حل لكم من النساء لأنه منهن ما حرم الله عليكم كالآتي في آية التحريم، وقوله ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] بدل من ما في قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ إلَيكُمْ﴾ والواو فيه بمعنى أو التي للتخيير أي فانكحوا اثنين اثنين من النساء الأجنبيات أو ثلاثة ثلاثة منها أو أربعًا أربعًا منها ولا تزيدوا على أربع أي فيجوز لكل أحد أن يختار لنفسه قسمًا واحدًا من هذه الأقسام بحسب حاله يسارًا أو إعسارًا فإن قدر على نكاح اثنتين فاثنتان وإن قدر على ثلاث فثلاث وإن قدر على أربع فأربع لا أنه يضم عددًا منها إلى عدد آخر، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن يزيد على أربع نسوة وأن الزيادة على أربع من خصائص النبي ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد من الأمة (قالت) عائشة

стр. 11932

يَا بْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا. تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ. فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا. فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا. فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيرُهُ. فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ. ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ. وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ، سِوَاهُنَّ. قَال عُرْوَةُ: قَالتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فِيهِنَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ ــ (يا بن أختي) أسماء هذه (هي اليتيمة) التي مات أبوها و (تكون في حجر وليها) القائم بأمورها (تشاركه في ماله فيعجبه) أي فيرغبه في نكاحها (مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط) أي من غير أن يعدل ويوفي لها حقها (في صداقها) وقوله (فيعطيها مثل ما يعطيها غيره) معطوف على معمول قوله (بغير) يعني يريد أن يتزوجها من غير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره أي ممن يرغب في نكاحها، ويدل على ذلك قوله (فنهوا) بضم النون والهاء من (أن ينكحوهن) وفي رواية البخاري (فنهوا عن أن ينكحوهن) بزيادة عن الجارة قبل أن المصدرية (إلا أن يقسطوا) بضم الياء من الإقساط أي إلا أن يقسطوا ويعدلوا ويوفوا (لهن) حقها من الصداق (ويبلغوا بهن) وفي رواية البخاري لهن أي ويكملوا لهن (أعلى سنتهن) أي طريقتهن (من الصداق) وعادتهن في ذلك (وأمروا) وفي رواية البخاري فأمروا أي فأمر الأولياء (أن ينكحوا) ويتزوجوا (ما طاب) وحل (لهم من النساء سواهن) أي سوى اليتامى من النساء الأجنبيات، وقد تقرر أن (ما) لا تستعمل في ذوي العقول واستعملها لهن هنا نظرًا إلى معنى الصفة كأنه قيل فانكحوا النوع الطيب من النساء أي الحلال أو المشتهى، والثاني أرجح لاقتضاء المقام له ولأن الأمر بالنكاح لا يكون إلا في الحلال فوجب الحمل على شيء آخر أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ اهـ قسط. (قال عروة) بن الزبير بالسند السابق (قالت عائشة ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ أي طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد) نزول (هذه الآية) وهي قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (فيهن) أي في يتامى النساء (فأنزل الله معطوف على استفتوا أي أنزل في وسط هذه السورة (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾) أي يستخبرك ويسألك يا محمد جماعة من الصحابة ما أشكل

стр. 11933

فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قَالتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالى؛ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ، الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَال اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ــ عليهم (﴿فِي﴾) شؤون (﴿النِّسَاءِ﴾) وحقوقهن ويطلبونك ببيان ما غمض وخفي عليهم من أحكامهن من جهة حقوقهن المالية والزوجية كالعدل في المعاشرة وحين الفرقة والنشوز، والاستفتاء طلب الفتوى وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشرعية وكشفه وتبيينه، قال المفسرون: والذي استفتوه فيه هو ميراث النساء والصغار وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد فلما نزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ [النساء: ١١] قالوا: يا رسول الله كيف ترث المرأة والصغير؟ وكيف نعطي المال من لا يركب فرسًا ولا يحمل سلاحًا ولا يقاتل عدوًا؟ فأجابهم بهذه الآية، فقال (﴿قُلِ﴾) لهم يا محمد في جواب استفتائهم (﴿اللَّهُ﴾) (﴿يُفْتِيكُمْ﴾) أي يبين لكم ما أشكل عليكم (﴿فِيهِنَّ﴾) أي في حقوقهن وشؤونهن من الميراث والمعاشرة وغير ذلك بما يوحيه إليك من الأحكام المبينة في الأحاديث، وبما سيأتي من الآيات الكريمة المتعلقة بشؤون النساء يبين لكم أيضًا (﴿وَمَا يُتْلَى﴾) ويقرأ (﴿عَلَيكُمْ﴾) أيها المؤمنون (﴿فِي الْكِتَابِ﴾) [النساء: ١٢٧] أي في القرآن مما نزل في أول هذه السورة (﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾) أي في بيان حقوق اليتامى من النساء (﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾) أي اللاتي لا تعطونهن ما وجب لهن من الميراث أو الصداق وذلك لأنهم يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار فإنهم لا يعطونهن ما كُتب لهن من الإرث إذا كان في أيديهم لولايتهم عليهن (﴿وَتَرْغَبُونَ﴾) أي تطمعون في (﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) وتزوّجوهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقتهن أو ترغبون وتعرضون عن أن تنكحوهن وتتزوّجوهن لدمامتهن وتمسكونهن رغبة في مالهن فلا تنكحوهن بأنفسكم ولا تنكحوهن لغيركم حتى يبقى مالهن في أيديكم (قالت) عائشة (والذي ذكر الله تعالى أنه يُتلى عليكم في الكتاب) في يتامى النساء والموصول مبتدأ خبره (الآية الأولى التي قال الله تعالى فيها) أي في ذكرها أول السورة (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]،

стр. 11934

قَالتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ. فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ. مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ ــ (قالت عائشة وقول الله) (في الآية الأخرى) أي في الآية الأخيرة (﴿وَتَرْغَبُونَ﴾) عن (﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) يعني (رغبة أحدكم) وإعراضه (عن) تزوج (اليتيمة التي تكون في حجره) وولايته أي إعراضه عنها (حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا) عن (أن ينكحوا ما رغبوا) أي من رغبوا (في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط) والعدل في صداقهن (من أجل رغبتهم عنهن) أي عن زواجها حين كانت قليلة المال والجمال فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الدميمة على السواء في العدل. وحاصل كلام عائشة رضي الله تعالى عنها أن من ولي يتيمة من أبناء أعمامها كأن يظلمها في الجاهلية من ناحيتين فإن كانت اليتيمة ذات مال وجمال رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها فكان ينكحها بأقل من مهر المثل فأمره الله أن لا يتزوجها في هذه الحالة بل يتزوج غيرها من أحل الله له بما شاء من المهر لئلا يبخس اليتيمة حقها في المهر وهذا هو المراد من قوله سبحانه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية. وأما إذا كانت اليتيمة قليلة الجمال ولها مال فلا يتزوجها الولي لعدم رغبته في جمالها ولا يزوّجها أحدًا غيره خشية أن يذهب الزوج بمالها فيمسكها عنده غير متزوجة ولا يخفى ما في ذلك من الظلم عليها فنهاه الله تعالى من هذا الظلم وأمره بأحد الأمرين إما أن يتزوجها بنفسه على مهر مثلها وإما أن ينكحها غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع كثيرة منها في تفسير سورة النساء باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [٤٥٧٣]، وأبو داود في النكاح باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء [٢٠٦٨]، والنسائي في النكاح باب القسط في الأصدقة [٣٣٤٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

стр. 11935

٧٣٤٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغبَتِهِمْ عَنْهُنَّ، إِذَا كُنَّ قَلِيلاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ. ٧٣٤٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]. قَالت: أُنْزِلَت فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَليُّهَا وَوَارِثُهَا. وَلَهَا مَالٌ. وَلَيسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا ــ ٧٣٤٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا الحسن بن علي الحلواني) الهذلي المكي، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) الكسي، ثقة، من (١١) (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد (عن صالح) بن كيسان الغفاري (عن ابن شهاب أخبرني عروة أنه سأل عائشة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة صالح ليونس أي سألها (عن) سبب نزول (قول الله) وعن تفسيره يعني قوله (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ وساق) صالح بن كيسان (الحديث بمثل حديث يونس عن الزهري و) لكن (زاد) صالح (في آخره) أي في آخر الحديث نُهوا عن نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال (من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال) أي زاد لفظة إذا كن قليلات المال والجمال. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة ﵂ فقال: ٧٣٤٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه عن عائشة) ﵂. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة هشام للزهري أي روى عنها (في) سبب نزول (قوله) تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أي سألها عنه فـ (قالت أنزلت) هذه الآية (في الرجل تكون له اليتيمة) وهي التي مات أبوها (وهو وليها) في النكاح (ووارثها) إذا ماتت كبنت عمه أو بنت ابن عمه (ولها مال وليس لها أحد) من الأولياء (يخاصمـ) ـه ويدافعه (دونها) أي عنها

стр. 11936

فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا. فَيَضُرُّبِهَا ويسِيءُ صُحْبَتَهَا. فَقَال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ. وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا. ٧٣٤٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] ــ (فلا ينكحها) بضم الياء من الإنكاح بمعنى التزويج أي لا يزوّجها ذلك الولي لغيره (لمالها) أي لأجل الرغبة في مالها (فيضر بها) أي فيضر ذلك الولي بها يقال ضره وأضر به فالثلاثي بحذف الباء والرباعي بإثباتها فكلاهما بمعنى واحد أي يضر بها بعد تزوجه بنفسه بأن لا يعطيها مهر مثلها (ويسيء صحبتها) أي معاشرتها إذا تزوجها بعدم الإنفاق وترك المبيت عندها (فقال) الله سبحانه في ذلك الولي (إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب) وحل (لكم من النساء) الأجنبيات (يقول) تعالى ويريد بذلك أي بقوله ما طاب لكم أي (ما أحللت لكم) غير المحرمات السابقة (ودع) أي واترك أيها الولي (هذه) اليتيمة (التي تضر بها) أي تريد إضرارها إذا تزوجتها ولا توفي لها حقها وتبادر إلى إسراف مالها، قال القرطبي: وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة أو اثتين أو ثلاثًا أو أربعًا كمن خاف فدل ذلك على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف وأن حكمها أعم من ذلك اهـ مفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في هذا الحديث فقال: ٧٣٤٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن هشام) بن عروة (عن أبيه عن عائشة) ﵂. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبدة بن سليمان لأبي أسامة أي روى عنها عروة (في) بيان سبب نزول (قوله) تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ﴾ وفرض (﴿لَهُنَّ﴾) من المهور أو الميراث لأنهم يورثون الرجال دون النساء كما مر آنفًا (﴿وَتَرْغَبُونَ﴾) أي

стр. 11937

قَالت: أُنْزِلَتْ فِيِ الْيَتِيمَةِ. تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ. فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. ويكْرَهُ أَنْ يُزَوَّجَهَا غَيرَهُ. فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيرَهُ. ٧٣٤٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] الآيَةَ. قَالتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ. لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ. حَتَّى فِي الْعَذْقِ. فَيَرْغَبُ، يَعْنِي، أَنْ يَنْكِحَهَا. وَيَكْرَهُ أَنْ ــ تطمعون في (﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) [النساء: ١٢٧] وتزوّجوهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن أو ترغبون وتعرضون عن أن تنكحوهن لدمامتهن وتمسكوهن رغبة في مالهن فلا تنكحوهن ولا تنكحوهن غيركم حتى يبقى مالهن في أيديكم وقد كان الرجل منهم يضم اليتيمة ومالها إلى نفسه فإن كانت جميلة تزوّجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها (قالت) عائشة (أنزلت) هذه الآية (في اليتيمة تكون عند الرجل فتشركه) من باب سمع أي تشاركه (في ماله فيرغب عنها) أي يعرض عن (أن يتزوجها) لدمامتها، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور على كونه بدل اشتمال من الضمير المجرور بعن (وبكره أن يزوّجها غيره فيشركه) بفتح الراء أي فيشاركه ذلك الغير (في ماله) أي في مالها الذي في يده (فيعضلها) من بابين ضرب ونصر أي فيمنعها من الزواج (فلا يتزوجها) بنفسه (ولا يزوّجها غيره). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عائشة ﵂ فقال: ٧٣٤٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب حدثنا أسامة أخبرنا هشام عن أبيه عن عائشة) ﵂. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي أسامة لعبدة بن سليمان أي روى عنها (في) سبب نزول (قوله) تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية، قالت) عائشة هذه المقصودة في هذه الآية (هي اليتيمة التي) مات أبوها (تكون عند الرجل) الذي كان وليًّا لها كابن عمها (لعلها) أي لعل تلك اليتيمة يشفق منها (أن تكون قد شركته في ماله حتى في العذق) بفتح العين وسكون الذال حتى في النخل (فيرغب) أي يعرض (يعني) عن (أن ينكحها) ويزوّجها لقلة جمالها (ويكره أن

стр. 11938

يُنْكِحَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ. فَيَعْضِلُهَا ــ ينكحها) ويزوّجها (رجلًا) غيره (فيشركه في ماله فيعضلها) بكسر الضاد وضمها يقال عضل الرجل المرأة إذا منعها من التزوج ظلمًا (قوله فيشركه في ماله) لأن اليتيمة إذا تزوجت غير وليها انقطع حق الولي من مالها وصار الزوج أحق بها فكأنه اقتطع نصيبًا من مال الولي وإلا فلا شركة له في مال الولي حقيقة أو المراد أن اليتيمة كانت شريكة في ماله حقيقة فيقوم زوجها على نصيبها فكأنه شارك الولي في ماله. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث عائشة وذكر فيه أربع متابعات. ***

стр. 11939

٧٨٠ - (٢٤) باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٧٣٤٨ - (٢٣٠٧) (١٦٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيهِ ويصْلِحُهُ. إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأكُلَ مِنْهُ ــ ٧٨٠ - (٢٤) باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٧٣٤٨ - (٢٣٠٧) (١٦٧) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (في قوله ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت) عائشة إن هذه الآية (أُنزلت في والي مال اليتيم الذي يقوم عليه) أي على مال اليتيم بالحفظ عن الضياع (ويصلحه) بالاستثمار والاسترباح (إذا كان) ذلك الولي (محتاجًا) فقيرًا ليس له مال يكفيه فله (أن يأكل منه) أي من مال اليتيم في مقابلة قيامه عليه بالحفظ والاستثمار بقدر حاجته بحيث لا يتجاوز أجرة المثل ولا يرد ما أكل منه إذا أيسر على الصحيح عند الشافعية، وقيل يأخذ منه بالقرض لما رُوي عن ابن عباس وغيره نظيره، وعن ابن عباس يأكل من ماله بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم وقيل لا يأكل وإن كان فقيرًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ وأُجيب بأنه عام والخاص مقدم عليه اهـ قسط. قال القرطبي: والصحيح من هذه الأقوال أن مال اليتيم إن كان كثيرًا يحتاج إلى كثير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فُرض له فيه أجرة عمله، وإن كان قليلًا مما لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئًا غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والتمر غير مُضرّ به ولا مستكثر له بل ما جرت به العادة بالمسامحة فيه، وما ذكرته من الأجرة ونيل القليل من التمر واللبن كل واحد منهما معروف فصلح حمل الآية على ذلك والله أعلم اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في تفسير سورة النساء باب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٤٥٧٥].

стр. 11940

٧٣٤٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ، أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا، بِقَدْرِ مَالِهِ، بِالْمَعْرُوفِ. ٧٣٥٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٧٣٤٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي أسامة لعبدة بن سليمان، روى عنها (في) بيان سبب نزول (قوله تعالى ومن كان) من الأولياء (غنيًّا) عن مال اليتيم (فليستعفف) عنه ولا يأكل منه شيئًا (ومن كان) منهم (فقيرًا فليأكل بالمعروف قالت) عائشة إن هذه الآية (أُنزلت في ولي) مال (اليتيم) له (أن يصيب) ويأكل (من ماله) أي من مال اليتيم (إذا كان محتاجًا) إليه (بقدر) ما كان يأكل من (ماله) أي من مال نفسه لو كان له مال قليل في حالة الفقر فليأكل منه (بالمعروف) في أكله من مال نفسه فلا يتجاوز ذلك القدر في الأكل من مال اليتيم والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال: ٧٣٥٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو كريب حدثنا) عبد الله (بن نمير حدثنا هشام بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة (مثله) أي مثل ما حدّث عبدة بن سليمان، غرضه بيان متابعة ابن نمير لعبدة وأبي أسامة. وهذه المسألة أعني مسألة أكل الولي المحتاج من مال اليتيم خلافية فيها خمسة أقوال: الأول يجوز لولي اليتيم أن يأخذ من ماله قدر عمالته وهو قول عائشة وعكرمة والحسن وهو رواية عن ابن عباس، والثاني لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم إلا عند الحاجة فيصير كالنفقة التي يحتاج إليها وهو مروي عن الحسن وإبراهيم وعطاء ومكحول، والثالث لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم على كونه أجرة أو نفقة وإنما يجوز أن يأخذ منه مالًا على سبيل القرض ثم يقضيه عند اليسار وهو مروي عن عمر
следующие страницы →