Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
١٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
ــ
معمر في السند الأول، ومتابعة الأوزاعي في السند الثاني، ومتابعة ابن جريج في السند الثالث لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، واعترض الدارقطني على مسلم بأن في رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي اضطرابًا، يوجب ضعف الحديث، فكيف أدخلها في جامعه؟ فالجواب: أنه ذكرها متابعة، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يحتمل فيها ما فيه نوع ضعف، لعدم الاعتماد عليها، بل هي لمجرد الاستئناس أفاده النواوي.
قال النووي: قوله (أما الأوزاعي وابن جريج في حديثهما) هكذا هو في أكثر الأصول، بفاء واحدة، وفي كثير منها (ففي حديثهما) بفائين، وهذا هو الأصل والجيد، والأول أيضًا جائز، فإن الفاء في جواب أما يلزم إثباتها، إلا إذا كان الجواب بالقول، فإنه يجوز حذفها؛ إذا حُذف القول، وهذا من ذلك، فتقدير الكلام أما الأوزاعي وابن جريج فقالا في حديثهما كذا، ومثل هذا في القرآن الكريم؛ وكلام العرب كثير، كقوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي فيقال لهم أكفرتم، وقوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ والله أعلم اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث المقداد رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٨٠) - متا (. . .) (. . .) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) روى عن ابن وهب في مواضع، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد الأموي، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري، أبي بكر المدني، من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في (٢٣) بابًا تقريبًا.
стр. 1227
قَال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِي، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ؛ أَنَّ عُبَيدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ؛ أَن الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو بْنَ الأسوَدِ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أنَّهُ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أرَأَيتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ
ــ
(قال) ابن شهاب (حدثني عطاء بن بزيد الليثي) من أنفسهم (ثم الجندعي) نسبة إلى جندع بطن من ليث كما سيأتي، أبو يزيد المدني، ثقة من الثالثة (أن عبيد الله بن عدي بن الخيار) القرشي المدني (أخبره) أي أخبر لعطاء بن يزيد (أن المقداد بن عمرو) والده الذي أولده بالنصب، صفة أولى للمقداد، أي أن المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة، وكان حليفًا لبني زهرة، لمحالفته الأسود بن عبد يغوث الزهري، لأن الأسود حالفه أيضًا مع تبنيه إياه (ابن الأسود) بإثبات ألف ابن، لأنه ليس هنا واقعًا بين علمين متناسلين، وبنصب نونه لأنه صفة ثانية للمقداد، وكان الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة قد تبناه في الجاهلية، فنسب إليه، وصار به أشهر وأعرف، ولو قُرئ ابن الأسود بجر ابن لفسد المعنى، وصار عمرو بن الأسود، وذلك غلط صريح، وقوله (الكندي) بالنصب صفة ثالثة للمقداد، وهذا نسبة إلى كندة النسب الحقيقي له، مع ما سيأتي فيه من الاعتراض (وكان) المقداد (حليفًا لبني زهرة) لأن الأسود بن عبد يغوث الزهري حالفه مع تبنيه إياه، كما مر آنفًا (وكان) المقداد (ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ أنه) أي أن المقداد بن الأسود (قال يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (إن لقيت) وقابلت (رجلًا من الكفار ثم ذكر) يونس بن يزيد عن ابن شهاب (بمثل حديث الليث) بن سعد الذي رواه عن ابن شهاب السابق أول الباب، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يونس بن يزيد لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذا السند من سباعياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، وفي هذا السند لطيفة تقدم نظائرها، وهو أن فيه ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، ابن شهاب وعطاء وعبيد الله بن عدي بن الخيار.
تتمة: قوله (أن المقداد بن عمرو ابن الأسود الكندي) الزهري.
قلت: ولهذا الاسم نظائر منها: عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم، وعبد الله بن أبي ابن سلول وعبد الله بن مالك ابن بحينة، ومحمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن
стр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إبراهيم ابن علية، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، ومحمد بن يزيد ابن ماجه، فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنًا لمن بعده، فيتعين أن يُكتب ابن بالألف، وأن يعرب بإعراب الابن المذكور أولًا، قام مكتوم زوجة عمرو، وسلول زوجة أبي، وبحينة زوجة مالك وأم عبد الله، والحنفية زوجة علي ﵁، وعُلية زوجة إبراهيم، وراهويه هو إبراهيم والد إسحاق، وماجه -بالهاء- لقب يزيد، كراهويه لقب لإبراهيم، فهما نظيران، في كونهما لقبين لما قبلهما، هذا إذا قرأنا ماجه بالهاء فهو لقب ليزيد، فمعناه الحاذق الفطن، وأما إذا قرأناه بالتاء المربوطة، فهو اسم لأم محمد فيكون نظير إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، ويكون معنى ماجه بالتاء المباركة.
ومرادهم بهذا كله تعريف الشخص بوصفه، ليكمل تعريفه، فقد يكون الإنسان عارفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فيجمعون بينهما ليتم التعريف لكل أحد، وقدَّم هنا نسبته إلى عمرو على نسبته إلى الأسود؛ لكون عمرو هو الأصل الوالد، وهذا من المستحسنات النفيسة.
وكان المقداد ﵁ من أول من أسلم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة منهم المقداد، وهاجر إلى الحبشة، يكنى أبا الأسود، وقيل: أبا عمرو، وقيل أبا معبد، وأما قولهم: في نسبه الكندي ففيه إشكال؛ من حيث إن أهل النسب قالوا: إنه بهراني نسبة إلى بهراء بن إلحاف بالحاء المهملة والفاء، ابن قضاعة لا خلاف بينهم في هذا، وممن نقل الإجماع عليه القاضي وغيره رحمهم الله تعالى.
وجوابه أن أحمد بن صالح المصري كاتب الليث قال: إن والد المقداد حالف كندة فنسب إليها، وروينا عن ابن شماسة عن سفيان عن صُهابة -بضم الصاد المهملة وتخفيف الهاء وبالباء الموحدة- المُهري قال: كنت صاحب المقداد ابن الأسود في الجاهلية، وكان رجلًا من بهراء فأصاب فيهم دمًا فهرب إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب فيهم دمًا فهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث، فعلى هذا تصح نسبته إلى بهراء؛ لكونه الأصل، وكذلك إلى قضاعة وتصح نسبته إلى كندة لحلفه، أو لحلف أبيه، وتصح إلى زهرة لحلفه مع الأسود.
стр. 1229
١٨١ - (٩١) (١٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ.
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، كِلاهُمَا
ــ
وقوله (عطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي) بضم الجيم وإسكان النون وبعدها دالٌ ثم عين مهملتان، وتفتح الدال وتُضم لغتان، نسبة إلى جندع بطن من ليث، فلهذا قال الليثي ثم الجندعي، فبدأ بالعام وهو ليث، ثم الخاص وهو جندع، ولو عكس هذا فقيل الجندعي ثم الليثي لكان خطأ، من حيث إنه لا فائدة في قوله الليثي بعد الجندعي، ولأنه أيضًا يقتضي أن ليثًا بطنًا من جندع وهو خطأ.
وأما قوله (إن المقداد بن عمرو ابن الأسود إلى قوله أنه قال يا رسول الله) فأعاد أنه لطول الكلام، ولو لم يذكرها لكان صحيحًا، بل هو الأصل، ولكن لما طال الكلام جاز، أو حسن ذكرها ونظيره في كلام العرب كثير، وقد جاء مثله في القرآن العزيز والأحاديث الشريفة، ومما جاء في القرآن قوله جلّ وعزّ حكاية عن الكفار ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ فأعاد أنكم للطول، ومثله قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فأعاد فلما جاءهم اهـ نواوي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث المقداد ابن الأسود بحديث أسامة رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٨١) - ش (٩١) (١٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان -بتحتانية- الأزدي الكوفي، صدوق من الثامنة، مات سنة (٢٢٤) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) (و) حدثنا (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في خمسة عشر بابًا تقريبًا، كلاهما رويا (عن أبي معاوية) محمد بن خازم التميمي مولاهم الكوفي، ثقة من التاسعة، وأتى بحاء التحويل لاختلاف صيغة مشايخه، لأن أبا بكر قال حدثنا، وأما أبو كريب وإسحاق فقالا: عن أبي معاوية، ولاختلاف مشايخهم (كلاهما) أي كل من
стр. 1230
عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي ظِبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ. وَهذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ.
قَال: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ،
ــ
أبي خالد وأبي معاوية رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة من الخامسة، مات سنة (١٤٨) (عن أبي ظبيان) الكوفي -بفتح الظاء المعجمة وكسرها وسكون الموحدة- فأهل اللغة يفتحون الظاء، ويلحِّنون من يكسرها، وأهل الحديث يكسرونها، اسمه حُصين -مصغرًا- بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي -بفتح الجيم وسكون النون ثم موحدة- نسبة إلى جنب قبيلة من "قبائل اليمن، روى عن أسامة بن زيد في الإيمان، وجرير بن عبد الله في المناقب، وحذيفة وسلمان وعلي وطائفة، ويروي عنه (ع) والأعمش وحُصين بن عبد الرحمن وابنه قابوس، وسماك وعطاء، وقال في التقريب: ثقة من الثانية، مات سنة (٩٠) تسعين، وقيل: سنة خمس أو ست وتسعين، روى عنه المؤلف في بابين (عن أسامة بن زيد) بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى القرشي الهاشمي مولاهم المعروف بالكلبي، يقال إنه من كلب اليمن، حب رسول الله ﷺ ومولاه، وأمه أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حاضنة النبي ﷺ أبي زيد المدني، ويقال: أبو محمد، قُبض رسول الله ﷺ وهو ابن عشرين سنة، وله مائة وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد كل منهما بحديثين، يروي عنه (ع)، وأبو ظبيان، وأبو عثمان النهدي، وكريب، وعطاء مولى سِباع، وعروة بن الزبير، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وأبو وائل، وكان قد نزل وادي القرى، ومات بالمدينة سنة (٥٤) أربع وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال الواقدي: توفي آخر خلافة معاوية ﵁.
وهذان السندان من خماسياته، والسند الأول رجاله كلهم كوفيون إلا أسامة فإنه مدني، والسند الثاني أيضًا كوفيون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي (وهذا) الحديث الآتي (حديث) أي لفظ حديث (ابن أبي شيبة) وروايته، وأما أبو كريب وإسحاق فرويا معناه لا لفظه، وإنما أتى بهذه الجملة تورعًا من الكذب على بعض مشايخه (قال) أسامة بن زيد (بعثنا) أي أرسلنا (رسول الله ﷺ في سرية) أي مع سرية، وقطعة جيش، قال في القاموس: والسرية من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة اهـ
стр. 1231
فَصَبَّحْنَا الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَينَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا. فَقَال: لا إِلهَ إِلا اللهُ. فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذلِكَ. فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَقَال: لا إِلهَ إِلا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ. قَال: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالهَا أَمْ لَا
ــ
(فصبحنا) أي أتينا صباحًا (الحُرُقات) بضم الحاء لا غير، وبضم الراء وفتحها، والحرقات بصيغة جمع المؤنث السالم، اسم موضع (من) بلاد (جهينة) قال القرطبي: هو موضع معروف من بلاد جهينة، يُسمى بجمع المؤنث السالم كعرفات وأذرعات أي أتينا أهلها صباحًا، أي أول النهار، وقابلناهم وهزمناهم (فأدركت) أنا أي لحقت أنا (رجلًا) منهم بعد ما هرب (فـ) ـلما أدركته (قال) ذلك الرجل كلمة إلا إله إلا الله) مع عديلتها محمد رسول الله، قال الأبي: ذكر الزمخشري وغيره: أن الرجل هو مرداس بن نهيك من أهل فدك، أسلم ولم يُسلم قومه، فلما أدركوه في سرية كان أميرها غالب بن فضالة، فرَّ قومه وبقي مرداس لتثبته في إسلامه، فلما رأى الخيل لجأ إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقت به الخيل، نزل وكبر وتشهد الشهادتين، وقال السلام عليكم، فقتله أسامة، واستاق غنمه، فوجد عليه رسول الله ﷺ وجدًا شديدًا، وقال أقتلتموه، قال أسامة: استغفر لي، فقال: كيف تصنع بلا إله إلا الله، فقال أسامة: استغفر لي، وقال: أعتق اهـ.
قال أسامة (فطعنته) أي طعنت ذلك الرجل برمحي، وقتلته لظني أن الإسلام خوف السيف لا ينفع، كما لا ينفع عند الاحتضار، قال أسامة (فوقع) أي حصل (في نفسي) أي في قلبي هَمٌّ وندمٌ (من) قتل (ذلك) الرجل (فذكرته) أي فذكرت قتل ذلك الرجل (للنبي ﷺ مع بيان كيفية قتله (فقال رسول الله ﷺ أقال) ذلك المقتول (لا إله إلا الله وقتلته) بعدما قالها (قال) أسامة (قلت يا رسول الله إنما قالها) أي إنما قال ذلك الرجل كلمة الشهادة (خوفًا من السلاح) والقتل، فليس إسلامه عن صدق وعزمِ، بل قالها وقاية لنفسه وتحصنًا لها، ولهذا التأويل سقط عنه القصاص (قال) رسول الله ﷺ لأسامة (١) تركته قتيلًا مرميًا (فلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها) أي أقال قلب ذلك الرجل كلمة الشهادة صدقًا (أم لا) أي، أم لم يقلها صدقًا، بل تحصنًا وخوفًا من السلاح، أو المعنى حتى تعلم أقالها خوفًا من السلاح، أم
стр. 1232
فَمَا زَال يُكَرِّرُهَا عَلَي حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ"
ــ
لم يقلها خوفًا منه، وقال النواوي: الفاعل في قالها هو القلب، ومعناه أنك إنما كُلفت من العمل بما ظهر باللسان، وأما ما في القلب فلست بقادر على معرفته، أي أفلا شققت عن قلبه، لتنظر هل قالها القلب واعتقدها، وكانت فيه أم لم تكن فيه.
قال القرطبي: أي قالها بقلبه، وتكلم بها مع نفسه، ففيه دليل لأهل السنة على أن حديث النفس كلام وقول، كما قال شاعرهم:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعل اللسان على الفؤاد دليلا
فهو ردٌّ على من أنكر ذلك من المعتزلة، وأهل البدع، وفيه دليل على ترتيب الأحكام على الأسباب الظاهرة الجلية، دون الباطنة الخفية اهـ.
لأن الباطن لا يُعرف ولا يوصل إليه، وأن من أسلم في هذه الحالة يُقبل منه، ويَحرُم قتله، قال الأبي: كان الشيخ يقول: إلا أن يكون القتل قد وجب عليه، كما لو تعرض لجناب الرسول ﷺ بما يُوجب قتله فلما قرب للقتل أسلم، فلا يقبل منه في رفع ما وجب عليه من القتل، كما لا تسقط توبة المحارب ما وجب عليه من القصاص.
قال أسامة (فما زال) وانفك رسول الله ﷺ (يكررها) أي يكرر كلمة أفلا شققت (عليَّ) وعبارة القرطبي قوله (فما زال يكررها) أي يكرر كلمة الإنكار، وظاهر هذه الرواية، أن الذي كرر عليه إنما هو قوله: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، وفي الرواية الأخرى أن الذي كرر عليه إنما هو قوله: كيف تصنع بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة، ووجه الجمع بينهما أن يكون النبي ﷺ كرر الكلمتين معًا، غير أن بعض الرواة ذكر إحدى الكلمتين، وذكر البعض الآخر منهم الكلمة الأخرى، وتكرار تلك الكلمة عليه إنكار شديد، وزجر أكيد، وإعراض عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله "إنما قالها خوفًا من السلاح" اهـ.
أي فما زال رسول الله ﷺ يكرر تلك الكلمة على (حتى تمنيت) ووددت وأحببت (أني أسلمت يومئذ) أي يوم إذ كرر عليَّ تلك الكلمة، ليكون إسلامي في ذلك اليوم جابًا وقاطعًا عني إثم قتل ذلك الرجل، لأن الإسلام يجب ويقطع عن صاحبه ما وقع عنه قبله من المعاصي، ويُسقط عنه المؤاخذة بها.
стр. 1233
قَال فَقَال سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللهِ لَا أقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ
ــ
قال القرطبي: وإنما تمنى أسامة أن يتأخر إسلامه إلى يوم المعاتبة، ليسلم من تلك الجناية السابقة، وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام والعمل الصالح قبل ذلك، في جنب ما ارتكبه من تلك الجناية لما حصل في نفسه من شدة إنكار النبي ﷺ لذلك وعظمه، فإن قيل إذا استحال أن يكون قتل أسامة لذلك الرجل عمدًا لما ذكرتم، وثبت أنه خطأ، فلم لم تلزمه الكفارة والعاقلة والدية، فالجواب: أن ذلك مسكوت عنه، وغير منقول شيء منه في الحديث، ولا في شيء من طرقه، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ حكم بلزوم ذلك أسامة وعاقلته، ولم ينقل، وفيه بعد، إذ لو وقع شيء من ذلك لنقل في طريق من الطرق، مع أن العادة تقتضي التحدث بذلك والإشاعة ويَحتمِل أن يُقال إن ذلك كان قبل نزول حكم الكفارة والدية والله أعلم اهـ. قرطبي.
وقد أجاب بعض أصحابنا عن عدم إلزام الدية بأجوبة نذكرها على ضعفها: أحدها أنها لم تلزمه، ولا عاقلته لأنه كان مأذونًا له في أصل القتال، فلا يكون مأخوذًا بما وقع منه من إتلاف نفس أو مالٍ، كما تسقط الدية في خطأ الإمام، وعمن أُذن له في شيء، فأتلفه غلطًا كالأجير والخاتن والطبيب، وثانيها إنما لم يلزمه ذلك لأن المقتول كان من العدو، وكان فيهم ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته، فلا تجب فيه دية، كما قال الله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يحكم فيه بسوى الكفارة، وثالثها أن أسامة اعترف بالقتل، ولم تقم بذلك بينة، ولا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا، ولم يكن لأسامة مالٌ فيكون فيه الدية، ذكره القرطبي أيضًا، وقال: وهذه الأوجه لا تسلم من الاعتراض، وتتبع ذلك يُخرج الكلام عن المقصود اهـ منه.
وقال ابن رشد: قتل أسامة ليس من العمد الذي فيه الإثم، ولا من الخطأ الذي فيه الدية والكفارة، وإنما هو عن اجتهاد تبين خطؤه، ففيه لأسامة أجر واحد، وإنما عاتبه النبي ﷺ لتركه الاحتياط، ولئلا يقع منه القتل مرة ثانية، فيمن قالها صدقًا، ولذا حلف أسامة ألا يقاتل مسلمًا، ولذا تخلف عن نصرة عليّ رضي الله تعالى عنهما اهـ سنوسي.
(قال) أبو ظبيان (فقال سعد) بن أبي وقاص (وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله)
стр. 1234
ذُو الْبُطَينِ يَعْنِي أُسَامَةَ. قَال: قَال رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ فَقَال سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ.
وَأَنْتَ وَأَصحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ.
١٨٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ،
ــ
أي حتى يقتل مسلمًا (ذو البطين) -تصغير بطن- لقب أسامة بن زيد، لأنه كان له بطن عظيم، كما فسره بعض الراوة بقوله (يعني) سعد بذي البطين (أسامة) بن زيد، وهذا اقتداء من سعد بن أبي وقاص بأسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، والمراد أنه لا يقتل مسلمًا، كما أن أسامة كذلك لما سبق أنه حلف أن لا يقاتل مسلمًا، لما اتفق له في هذه القضية، فهو من الوقف على الممتنع وقوعه، لا أن مقصوده التقليد، وأن أسامة إن قاتل، قاتل معه (قال) أبو ظبيان (قال رجل) من الحاضرين عند سعد، ولم أرَ من ذكر اسمه، وفي بعض النسخ "فقال" اعتراضًا على سعد في كلامه هذا (ألم يقل الله) في كتابه العزيز (﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾) أي قاتلوا أيها المسلمون المشركين (﴿حَتَّى لَا تَكُونَ﴾) ولا توجد (﴿فِتْنَةٌ﴾) أي شرك (و) حتى (﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾) والعمل (﴿كُلُّهُ﴾) أي جميعه خالصًا (﴿لِلَّهِ﴾) (فقال سعد) في جواب ذلك الرجل (قد قاتلنا) وجاهدنا مع رسول الله ﷺ (حتى لا تكون) ولا توجد (فتنة) ولا شرك، ودخل الناس في دين الله تعالى أفواجًا (وأنت) أيها الرجل (وأصحابك) من المتكالبين على الخلافة والرئاسة (تريدون) وتقصدون الآن (أن تقاتلوا) أي أن توقعوا المقاتلة والمعاداة بين المسلمين (حتى تكون) وتوجد (فتنة) ومخالفة وافتراق كلمة بينهم والله أعلم.
وهذا الحديث أعني حديث أسامة بن زيد شارك المؤلف في روايته البخاري (٤٢٦٩) وأبو داود (٢٦٤٣).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٨٢) - متا (. . .) (. . .) (حدثنا يعقوب) بن إبراهيم بن كثير العبدي، مولى عبد القيس (الدورقي) أبو يوسف البغدادي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) وله (٩٦) سنة، وقد تقدم البسط في ترجمته روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا، قال يعقوب (حدثنا هُشيم) بن بشير -بوزن عظيم- بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية
стр. 1235
أَخْبَرَنَا حُصَينٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظبْيَانَ، قَال: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيدِ بْنِ حَارِثَةَ يُحَدِّثُ، قَال: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَينَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ،
ــ
الواسطي، نزيل بغداد، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة (١٨٣) وقد قارب (٨٠) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابًا تقريبًا، قال هُشيم (أخبرنا حُصين) -مصغرًا- ابن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، روى عن أبي ظبيان، حُصين بن جندب، وعياض الأشعري، وسعيد بن جبير والشعبي، وأبي وائل، وحبيب بن أبي ثابت، وسالم بن أبي الجعد، وأبي سفيان، وكثير بن مرة وخلائق، ويروي عنه (ع) وهُشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير، وشعبة، وعبد الله بن إدريس، وخالد بن عبد الله، وأبو عوانة، وأبو الأحوص، والثوري، وعبثر بن القاسم، وعباد بن العوام، وجماعة، وقال في التقريب: ثقة تغير حفظه في الآخر، من الخامسة، مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة، وله (٩٣) ثلاث وتسعون سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء، والصلاة في أربع مواضع، والصوم والحج، والدلائل والفضائل في موضعين، والجهاد في موضعين، وحق المملوك، والدعاء، لجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها عشرة.
قال حُصين (حدثنا أبو ظبيان) حُصين بن جندب الجنبي الكوفي، ثقة من الثانية، مات سنة (٩٠) تسعين (قال) أبو ظبيان (سمعت أسامة بن زيد بن حارثة) المدني حالة كونه (يُحدث) ويروي أحاديث للناس عن رسول الله ﷺ ، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم بغداديان، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة حُصين بن عبد الرحمن للأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي ظبيان وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في الرواية الآتية من المخالفة للرواية الأولى (قال) أسامة بن زيد (بعثنا) أي أرسلنا (رسول الله ﷺ إلى الحرقة) -بضم الحاء المهملة وفتح الراء وضمهما أيضًا- بصيغة الإفراد هنا، وهي المذكورة في ديات صحيح البخاري، وهي موضع (من) بلاد (جهينة) قبيلة مشهورة، كانت من قضاعة لأنه جُهينة بن سُود -بضم السين- بن أسلُم -بضم اللام- ابن إلحاف بن قضاعة بن معد بن عدنان، وعدنان من ذرية إسماعيل ﵇ (فصبحنا الفوم) أي قوم جهينة، أي أتيانهم صباحًا وأغرنا عليهم (فهزمناهم) أي فرقناهم وشتتناهم هزيمة،
стр. 1236
وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَال: لَا إِلهَ إلا اللهُ. فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَال: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال لِي: يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَال لا إِلهَ إِلا اللهُ؟ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِثَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا. قَال: فَقَال: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَال لا إِلهَ إِلا اللهُ؟
ــ
قال أسامة (ولحقت) أي تبعت (أنا ورجل من الأنصار) لم أرَ من ذكر اسمه (رجلًا منهم) أي رجلًا من قوم جهينة (فلما غشيناه) أي فلما غشينا ذلك الرجل وأدركناه (قال) ذلك الرجل الكافر (لا إله إلا الله) محمد رسول الله، لأنها كناية عن الشهادتين، لأنهما اللتان تمنعان من القتل، ولا يبعد أن تكون كلمة التوحيد وحدها مانعة من القتل، لا سيما من مشرك (فكف عنه) أي انكف وامتنع (الأنصاري) عن قتله لما سمع منه كلمة الشهادة (و) أما أنا فقد (طعنت) الرجل (برمحي) وحربتي (حتى) عقرته و (قتلته) أي قتلت ذلك الرجل (قال) أسامة (فلما قدمنا) المدينة ورجعنا إليها (بلغ ذلك) أي وصل خبر قتلي لذلك الرجل (النبي ﷺ فـ) ـدعاني و (قال لي: يا أسامة أقتلته) -بهمزة الاستفهام التوبيخي التعجبي- أي أقتلت ذلك الرجل (بعد ما قال) أي بعد قوله (لا إله إلا الله) محمد رسول الله (قال) أسامة (قلت) له ﷺ (يا رسول الله إنما كان) ذلك الرجل (متعوذًا) أي معتصمًا مني بكلمة لا إله إلا الله لا مؤمنًا بها (قال) أسامة (فقال) لي رسول الله ﷺ مرة ثانية (أقتلته) يا أسامة (بعد ما قال لا إله إلا الله) أي بعد قوله كلمة الشهادة.
قال النواوي: وأما قول أسامة في الرواية الأولى (فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ وفي هذه الرواية (فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ فقال يا أسامة أقتلته) إلخ، وفي الرواية الآتية (فجاء البشير إلى النبي ﷺ فأخبره خبر الرجل فدعاه) يعني أسامة فسأله فيمكن الجمع بينها بأن أسامة وقع في نفسه من ذلك شيء بعد قتله ونوى أن يسأل عنه فجاء البشير فأخبر به قبل مقدم أسامة وبلغ النبي ﷺ بعد قدومهم فسأل أسامة فذكره وليس في قوله فذكرته ما يدل على أنه قاله ابتداءً قبل تقدم علم النبي ﷺ به والله أعلم انتهى.
стр. 1237
قَال: فَمَا زَال يُكَرِّرُهَا عَلَى حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ".
١٨٣ - (٩٢) (١٥) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قال: سَمِعْتُ أَبِي
ــ
(قال) أسامة (فما زال) وبرح النبي ﷺ (يكررها) أي يكرر كلمة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله، أي فما زال مكررًا إياها (علي حتى تمنيت) ووددت (أني لم كن أسلمت) وآمنت (قبل ذلك اليوم) الذي عاتبني فيه رسول الله ﷺ أو وقع فيه قتلي إياه ليكون إسلامي بعده جابًا عني ما وقع مني من تلك الجريمة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث المقداد بحديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنهما فقال:
(١٨٣) - ش (٩٢) (١٥) (حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش) -بكسر الخاء المعجمة- الخراساني أبو جعفر البغدادي، وثقه الخطيب، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٢) وله (٦٠) سنة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا، وتقدم البسط في ترجمته، قال أحمد بن الحسن (حدثنا عمرو بن عاصم) بن عبيد الله بن الوازع القيسي -بقاف- الكلابي، أبو عثمان البصري، روى عن المعتمر بن سليمان في الإيمان، وهمام في الصلاة والفضائل والتوبة، وسليمان بن المغيرة في الفضائل، وشعبة وجرير بن حازم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد بن الحسن بن خراش، وزهير بن حرب، والحسن الحلواني، وابن بشار، وابن المثنى وغيرهم، قال النسائي: لا بأس به، وقال في التقريب: صدوق في حفظه شيء من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٣) ثلاث عشرة ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والفضائل في موضعين والتوبة في أربعة أبواب تقريبًا، قال عمرو (حدثنا معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي، مولى بني مُرة، أبو محمد البصري، أحد الأئمة الأعلام ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٨٧) سبع وثمانين ومائة، وليس معتمر عندهم إلا هذا الثقة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا (قال) معتمر (سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي مولاهم، أبا المعتمر البصري، ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٤٣) عن (٩٩) سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا.
стр. 1238
يُحَدِّثُ؛ أَن خَالِدًا الأَثْبَجَ، ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ: أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ
ــ
أي سمعت أبي سليمان حالة كونه (يحدث) ويروي لنا (أن خالدًا الأثبج) -بفتح الهمزة بعدها شاء مثلثة ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم جيم- لقب لخالد، قال أهل اللغة: الأثبج: هو عريض الثبج -بفتح الثاء والباء- وقيل: ناتئ الثبج، والثبج ما بين الكاهل والظهر، والكاهل مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق اهـ مصباح وقوله (ابن أخي صفوان بن محرز) صفة ثانية لخالدا، وهو خالد بن عبد الله بن محرز المازني البصري، روى عن عمه صفوان بن محرز في الإيمان، والحسن، ويروي عنه (م س)، وسليمان التيمي، وعوف الأعرابي، وإبراهيم بن طهمان، قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من السابعة، وجملة قوله (حدث عن صفوان بن محرز) خبر قوله (أن خالدًا) وهو صفوان بن محرز -بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء آخره زاي ابن زياد المازني، الباهلي البصري، روى عن جندب بن عبد الله في الإيمان، وأبي موسى، وابن عمر في النجوى، وابن عباس، وأبي مسعود، ويروي عنه (خ م ت س ق) وابن أخيه خالد الأثبج وعاصم الأحول، وقتادة، وثابت، ومحمد بن واسع، قال ابن سعد: كان له فضل وورع، وكان ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال في التقريب: ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٧٤) أربع وسبعين ومائة، روى عنه المؤلف في بابين الإيمان والنجوى.
(أنه) أي أن صفوان بن محرز (حدث) خالدًا (أن جندب) -بضم الجيم وبضم الدال وفتحها (بن عبد الله) بن سفيان (البجلي) ثم العلقي -بفتحتين- نسبة إلى علقة بن عبقر بن أنمار، بطن من بجيلة، أبا عبد الله الكوفي ثم البصري، وربما نُسب إلى جده سفيان له ثلاثة وأربعون حديثًا (٤٣) اتفقا على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة، روى عن النبي ﷺ ، وعن حذيفة في الفتن، ويروي عنه (ع) وصفوان بن محرز في الإيمان، في قتل أسامة رجلًا قال: لا إله إلا الله، والحسن بن أبي الحسن في الصلاة، وعبد الله بن الحارث النجراني في الصلاة، وأنس بن سيرين في الصلاة، والأسود بن قيس، وأبو مجلز لاحق بن حميد، وعبد الملك بن عمير، وأبو عمران الجوني، ومحمد بن سيربن، وسلمة بن كهيل، وقال في التقريب: له صحبة، ومات بعد الستين (٦٠).
стр. 1239
بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيرِ، فَقَال: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيهِمْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ وَعَلَيهِ بُرْنُسْ أَصْفَرُ. فَقَال: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ. فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيهِ حَسَرَ الْبُرْنُس عَنْ رَأْسِهِ فَقَال: إِنِّي أَتَيتُكُمْ
ــ
وجملة قوله (بعث) أي أرسل، خبر أن، أي أن جندبًا بعث (إلى عسعس) بعينين مفتوحتين وسينين أولاهما ساكنة مهملات (بن سلامة) -بسين مفتوحة ولام مخففة- التميمي، أبي صفرة البصري، قال ابن عبد البر في الاستيعاب: هو بصري، روى عن النبي ﷺ ، يقولون: إن حديثه مرسل، وإنه لم يسمع من النبي ﷺ وكذا قال البخاري في تاريخه: حديثه مرسل، وكذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره في التابعين، وهو من الأسماء المفردة، لا يُعرف له نظير والله أعلم اهـ نووي.
(زمن فتنة ابن الزبير) ظرف متعلق ببعث، أي بعث جندب في زمن الفتنة الواقعة بين حجاج بن يوسف الثقفي المبير، وبين عبد الله بن الزبير، حين نزل الحجاج مكة لقتال ابن الزبير، إلى عسعس بن سلامة (فقال) جندب لسفيره إلى عسعس، قل أيها السفير لعسعس (اجمع لي نفرًا) أي طائفة (من إخوانك) وأصحابك في مجلس واحد (حتى أحدثهم) أي لكي أذكرهم وأعظهم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ في شؤون الفتنة، لئلا يقعوا في هذه الفتنة الحادثة (فبعث) عسعس (رسولًا) أي سفيرًا من عنده (إليهم) أي إلى نفر من أصحابه، ليجتمعوا في مجلس واحد انتظارًا لمجيء جندب بن عبد الله ليعظهم (فلما اجتمعوا) أي فلما اجتمع أولئك النفر من قوم عسعس (جاء جندب) بن عبد الله إلى مجلسهم (وعليه) أي وعلى جندب (برنس) بضم الباء وسكون الراء (أصفر) صفة برنس أي والحال أن على جندب برنسًا أصفر، والبرنس كل ثوب رأسه ملتصق به دراعة كانت أو جبة أو غيرهما اهـ نووي.
(فقال) جندب للقوم المجتمعين استئلافًا لهم (تحدثوا بما كنتم تحدثون به) أولًا، أي دوموا في محادثتكم ولا تقطعوها لأجلي، فتحدثوا من أولهم إلى آخرهم (حتى دار الحديث) على جميع أهل الحلقة، ووصلت النوبة إليه (فلما دار الحديث) عليهم ووصلت النوبة (إليه) أي إلى جندب (حسر البرنس) وكشفه (عن رأسه) تهيؤًا وتأدبًا لحديث الرسول ﷺ (فقال) جندب لأهل الحلقة (إني أتيتكم) وجئتكم،
стр. 1240
وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ. "إِن رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ. قَال: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ اسَامَةُ بْنُ زَيدٍ. فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيهِ السَّيفَ
ــ
ولا في قوله (ولا أريد) زائدة لتأكيد الكلام بصورة النفي نظير قوله تعالى: ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أي جئتكم أيها الجماعة والحال أني أريد وأقصد (أن أخبركم) وأحدثكم حديثًا سمعته (عن نبيكم) محمد ﷺ
قال النواوي قوله (ولا أريد أن أخبركم) هكذا وقع في جميع الأصول وفيه إشكال من حيث إنه قال في أول الحديث بعث إلى عسعس فقال: اجمع نفرًا من إخوانك حتى أحدثهم، ثم يقول بعده أتيتكم ولا أريد أن أخبركم فيحتمل هذا الكلام وجهين: أحدهما أن تكون لا زائدة كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ وقوله ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، والثاني أن يكون على ظاهره والمعنى أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم ﷺ بل أردت أن أعظكم وأحدثكم بكلام من عند نفسي لكني الآن أزيدكم على ما كنت نويته فأخبركم عن نبيكم ﷺ وأقول لكم (أن رسول الله ﷺ بعث) وأرسل (بعثًا) أي جيشًا (من المسلمين إلى قوم من المشركين) من جهينة (وإنهم) أي وإن جموع المشركين والمسلمين (التقو) أي تقابلوا وتقاتلوا (فكان رجل من المشركين إذا شاء) وأراد (أن يقصد إلى) قتل (رجل من المسلمين) ويغتاله (قصد) ذلك المشرك (له) أي لذلك المسلم واغتاله (فقتله) أي قتل ذلك المشرك المسلم غيلة (وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته) أي غفلة ذلك المشرك الفتاك للمسلمين.
(قال) جندب بن عبد الله (وكنا) معاشر المسلمين (نحدث) بضم النون وفتح الدال المشددة مضارع مبني للمجهول مسند لجماعة المتكلمين من حدث الرباعي (أنه) أي أن ذلك الرجل المسلم (أسامة بن زيد) بن حارثة (فلما رفع) ذلك المسلم (عليه) أي على ذلك المشرك (السيف) أي سيفه ليقتله، هكذا في بعض الأصول المعتمدة رفع بالفاء وفي بعضها رجع بالجيم وكلاهما صحيح، والسيف منصوب على الروايتين فرفع لتعديه، ورجع بمعناه، فإن رجع يستعمل لازمًا ومتعديًا، والمراد هنا المتعدي، ومنه قول الله عز
стр. 1241
قَال: لا إِلهَ إِلا اللهُ، فَقَتَلَهُ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ. فَسَأَلَهُ، فَقَال: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلانًا وَفُلانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا. وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيهِ، فَلَمَا رَأَى السَّيفَ قَال: لا إِلهَ إِلا اللهُ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَقَتَلْتَهُ؟
ــ
وجل ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ وقوله تعالى ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ والله أعلم اهـ نووي.
(قال) ذلك المشرك الفتاك (لا إله إلا الله) محمد رسول الله (فقتله) أي فقتل ذلك المسلمُ المشركَ القائلَ كلمة التوحيد ظنًّا منه أنه إنما قالها تحصنًا وتعوذًا منه، وهزمَ المسلمون المشركينَ، فأرسلوا خبر انتصارهم على المشركين، قبل رجوعهم إلى رسول الله ﷺ (فجاء البشير) أي حامل خبر البشارة (إلى النبي ﷺ فسأله) أي فسأل ذلك البشير النبي ﷺ عن خبرهم مع المشركين (فأخبره) أي فأخبر ذلك البشير النبيَّ ﷺ خبر ما جرى بينهم وبين المشركين، وانتصارهم عليهم قبل قدومهم (حتى أخبره) ﷺ ذلك البشير (خبر الرجل) المسلم (كيف صنع) وفعل بالمشرك، من قتلِه بعد ما قال لا إله إلا الله، فقَدِم جيش المسلمين المدينة (فدعاه) أي فدعا رسول الله ﷺ ذلك الرجل المسلم القاتل للمشرك (فسأله) أي فسأل النبيُّ ﷺ ذلك المسلم عن كيفية قتله، وحاله حين قتله، فأخبر ذلك المسلم للنبي ﷺ عن كيفية قتله، وحاله حين قتله (فقال) النبي ﷺ للرجل المسلم (لم قتلته) أي لم قتلت ذلك المشرك بعد ما قال لا إله إلا الله (قال) الرجل المسلم (يا رسول الله) قتلته لأنه (أوجع) وأوقع (في المسلمين) وجعًا وألمًا وضربًا كثيرًا (و) قتلًا ذريعًا حتى إنه (قتل فلانًا وفلانًا) من المسلمين (وسمى) ذلك الرجل المسلم (له) ﷺ (نفرًا) من المسلمين، أي ذكر له ﷺ أسماءَ نفرٍ من المسلمين المقتولين على يد ذلك المشرك وعددهم (وإني حملت) ووثبت (عليه) أي على ذلك المشرك، وشددت عليه (فلما رأى) وأبصر ذلك المشرك (السيف) مني واقعًا عليه (قال) ذلك المشرك (لا إله إلا الله) معتصمًا مني بكلمة التوحيد (قال رسول الله ﷺ للرجل المسلم القاتل توبيخًا وعتابًا له على قتله (أقتلته) أي أقتلت ذلك المشرك بعد ما قال لا إله
стр. 1242
قَال: نَعَمْ قَال: فَكَيفَ تَصْنَعُ بِلا إِلهَ إِلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي. قَال: وَكَيفَ تَصنَعُ بِلا إِلهَ إِلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَال: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: كَيفَ تَصْنَعُ بِلا إِلهَ إِلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "
ــ
إلا الله (قال) الرجل المسلم (نعم) أي أجل قتلته يا رسول الله بعد ما قال لا إله إلا الله (قال) رسول الله ﷺ للرجل المسلم القاتل (فكيف تصنع) وتخاصم (بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) تخاصمك لذلك الرجل القائل لها (قال) الرجل المسلم القاتل (يا رسول الله استغفر لي) أي اطلب لي من الله تعالى مغفرة خطيئتي هذه (قال) رسول الله ﷺ مرة ثانية لذلك المسلم (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) تخاصمك لذلك المقتول القائل لها (قال) الراوي جندب بن عبد الله البجلي (فجعل) النبي ﷺ وجعل هنا من أخوات صار، أي فصار النبي ﷺ (لا يزيده) أي لا يزيد لذلك المسلم القاتل في جوابه حين قال له: استغفر لي يا رسول الله (على أن يقول) ﷺ (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) تخاصمك لقائلها الذي قتلته.
قال النواوي: وأما ما فعله جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه من جمع النفر ووعظهم، ففيه أنه ينبغي للعالم والرجل العظيم المُطاع وذي الشهرة أن يُسكِّن الناس عند الفتن، ويعظهم ويوضح لهم الدلائل.
وأما كونه ﷺ لم يوجب على أسامة قصاصًا ولا دية ولا كفارة، فقد يُستدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة واجبة، والقصاص ساقط للشبهة، فإنه ظنه كافرًا، وظن أن إظهاره كلمة التوحيد في هذا الحال، لا يجعله مسلمًا، وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء، ويجاب عن عدم ذكره الكفارة بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما الدية على قول من أوجبها فيَحتمِل أن أسامة كان في ذلك الوقت مُعسرًا بها فأخرت إلى يساره اهـ منه.
وهذا الحديث أعني حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
стр. 1243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: حديث المقداد بن الأسود، ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعتين.
والثاني: حديث أسامة بن زيد، وذكره للاستشهاد، وذكر فيه متابعة واحدة.
والثالث: حديث جندب بن عبد الله وذكره للاستشهاد أيضًا والله أعلم.
***
стр. 1244
٥١ - (١٠) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ تبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ
١٨٤ - (٩٣) (١٦) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيرِ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيدِ اللهِ،
ــ
٥١ - (١٠) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ تبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ
أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان من تبرأ منه النبي ﷺ وتخلص منه بقوله: ليس منا من فعل كذا، فإنه إن استحل ذلك فهو كافر، وإن لم يستحله فهو عاصٍ، لا يخرج عن الملة.
(١٨٤) - س (٩٣) (١٦) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد النساني، أبو خيثمة الحرشي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا (ومحمد بن المثنى) العنزي، أبو موسى البصري، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي كل من زهير ومحمد بن المثنى (حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد البصري التميمي، ثقة متقن من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٨) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو القطان) إشارة إلى أن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه، بل مما زاده من عند نفسه، إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخه.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لاختلاف مشايخ مشايخه قال أبو بكر (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس، من كبار التاسعة، مات سنة (٢٠١) إحدى ومائتين، وله (٨٠) سنة (و) عبد الله (بن نمير) - مصغرًا- الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة ثبت من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وأتى في التأكيد بقوله (كلهم) دون قوله جميعًا، إشعارًا إلى تيقنه بأن الذي روى له عن عبيد الله هؤلاء الثلاثة فقط، أي روى كل من يحيى بن سعيد، وأبي أسامة، وابن نمير (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمري، أبي عثمان المدني،
стр. 1245
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ حَمَلَ عَلَينَا
ــ
أحد الفقهاء السبعة، والعلماء الأثبات، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزُّهْريّ عن عروة عنها، ثقة ثبت من الخامسة، مات سنة (١٤٧) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابا (عن نافع) مولى ابن عمر العدوي مولاهم، أبي عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبي عبد الرحمن المكي، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن النبي ﷺ وهذان السندان من خماسياته، الأول منهما رجاله اثنان منهم بصريان، واثنان مدنيان، وواحد مكي، أو اثنان نسائي وبصري.
والثاني: منهما اثنان منهم كوفيان، واثنان مدنيان، وواحد مكي.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدَّثنا يحيى بن يحيى) التميمي الحنظلي، أَبو زكرياء النيسابوري، ثقة ثبت إمام، من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (واللفظ له) أي ولفظ الحديث ليحيى، تورعًا من الكذب على غيره، لأن غيره إنما رووا معنى الحديث الآتي لا لفظه (قال) يحيى بن يحيى (قرأت على مالك) بن أَنس القرشي التيمي، أبي عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، ثقة حجة إمام فقيه، من السابعة، مات سنة (١٧٩) ودفن بالبقيع، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وقد تقدم لك أن قوله: قرأت على مالك، بمعنى أخبرني مالك، حالة كون مالك راويًا (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄، وهذا السند من رباعياته، رجاله اثنان منهم مدنيان، وواحد نيسابوري، وواحد مكي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة مالك لعبيد الله بن عمر في رواية هذا الحديث عن نافع، وقدم سنده على سند مالك، مع كون العلوفيه، لأنه مقدم على مالك في الرواية عن نافع، كما مر آنفًا، وأتى بحاء التحويل لبيان أن اللفظ له، ولبيان علو سنده.
(أن النبي ﷺ قال من حمل) ورفع وشهر (علينا) أي لأجل قتالنا
стр. 1246
السِّلاحَ فَلَيسَ مِنَّا"
ــ
وحَرْبنا معاشر المسلمين (السلاح) أي سلاح القتل والحرب كالسيف والرمح والقوس (فليس) ذلك الحاملُ (منا) معاشر المسلمين، أي من أهل ديننا، إن استحل ذلك فهو كافر، وإلا فالمعنى فليس هو على هدينا وعملنا، فهو عاصٍ مذنبٌ، ليس بكافر، قال الأبي: وكان هذا جوابًا لأن هديه أخص من مطلق اتباعه، فلا يلزم من كونه ليس على هديه، أن لا يكون من أمته، إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ويعني بحمل السلاح، حملها لا بحق، وإن لم يقاتل، كالمحارب يحملها ولم يقاتل، فلا يتناول حملها لنصرة من تجب نصرته من المسلمين، قال النووي: كان ابن عيينة يكره تأويل هذا الحديث، لأن ترك التأويل أزجر وأرح اهـ.
قال القرطبي: أي من حمل علينا مقاتلًا، كما في الرواية الآخرى "من سل علينا السيف فليس منا" ويعني بذلك النبي ﷺ نفسه وغيره من المسلمين، ولا شك في كفر من حارب النبي ﷺ وعلى هذا فيكون قوله ﵊ (فليس منا) أي ليس بمسلم بل هو كافر وأما من حارب غيره من المسلمين؛ متعمدًا مُستحلًّا من غير تأويل؛ فهو أيضًا كافر كالأول وأما من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة، إن لم يكن متأولًا تأويلًا مسوغًا.
وقد تقدم أن مذهب أهل الحق لا يكفر أحدٌ من المسلمين بارتكاب كبيرة، ما عدا الشرك، وعلى هذا فيُحمل قوله ﵊ (ليس منا) في حق مثل هذا، على معنى ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا، إذ سنة المسلمين وشريعتهم التواصل والتراحم، لا التقاطع والتقاتل، ويجري هذا مجرى قوله ﷺ "من غشنا فليس منا" ونظائره، وتكون فائدته الردع والزجر عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبيله: لستُ منك ولست مني، كما قال الشاعر:
إذا حاولت في أسدٍ فجورًا ... فإني لستُ منك ولست مني
وفي المازري "في أمرٍ" بدل في أسد.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عمر شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٣ و ١٦ و ٥٣ و ١٤٢ و ١٥٠) والبخاري (٧٠٧٠) والنَّسائي (٧/ ١١٧ - ١١٨) وابن ماجة (٢٥٧٦).
стр. 1247
١٨٥ - (٩٤) (١٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُصعَبٌ (وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ) حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهم فقال:
(١٨٥) - ش (٩٤) (١٧) (حدَّثنا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) (و) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني، أَبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤)، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، (قالا) أي قال أَبو بكر وابن نمير (حدَّثنا مصعب) بن المقدام الخثعم بخاء معجمة مفتوحة، وثاء مثلثة ساكنة قبل عين مهملة - مولاهم، أَبو عبد الله الكوفي، روى عن عكرمة بن عمار في الإيمان، وزائدة في الصلاة، وإسرائيل في الجهاد، والثوري في الصلة، ومسْعر وغيرهم، ويروي عنه ابن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق و (م ت س) ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد، وجماعة، وثقه ابن معين والدارقطني، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من التاسعة، مات سنة (٢٠٣) ثلاث ومائتين، روى عنه المؤلف في أربعة أَبواب تقريبًا، وأتى بهوفي قوله (وهو ابن المقدام) إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخه (عن عكرمة بن عمار) العِجلي الحنفي أبي عمار اليمامي، أصله من البصرة، أحد الأئمة الأعلام، وثقه ابن معين والعجلي، وقال في التقريب: صدوق من الخامسة، يغلط وكان مجاب الدعوة، مات سنة (١٥٩) روى عنه المؤلف في تسعة مواضع تقريبًا (عن إياس بن سلمة) بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قُشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمي أبو سلمة أو أَبو بكر المدني، روى عن أبيه في الإيمان والصلاة والنكاح وغيرها، ويروي عنه (ع) وموسى بن عبيدة وعكرمة بن عمار ويعلي بن الحارث وأَبو العميس وابن أبي ذئب وعدة، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات سنة (١١٩) تسع عشرة ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة وليس في مسلم إياس إلَّا هذا الثقة (عن أبيه) سلمة بن عمرو بن الأكوع الصحابي الجليل الأسلمي أبي مسلم المدني بايع تحت الشجرة أول الناس وأوسطهم وأخرهم على الموت وكان شجاعًا راميًا يسابق الفرسان على قدميه له سبعة وسبعون حديثًا (٧٧) يروي عنه (ع) وابنه إياس في
стр. 1248
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ سَلَّ عَلَينَا السَّيفَ فَلَيسَ مِنَّا".
١٨٦ - (٩٥) (١٨) حدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدٍ،
ــ
الإيمان ويزيد بن أبي عبيد مولاه في الصلاة وهو آخر من حدث عنه والحسن بن محمد في النكاح وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وقال الزُّهْريّ في آخر حديث في الجهاد ثم سالت ابنًا لسلمة فحدثني عن أبيه مات سنة (٧٤) أربع وسبعين عن (٨٠) ثمانين سنة.
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد يمامي (عن النبي ﷺ قال من سل) وأخرج من غمده (علينا) أي لأجل قتالنا ومحاربتنا (السيف فليس) ذلك السال (منا) أي من أهل ملتنا وديننا فهو كافر إن استحل ذلك أو ليس على عملنا وهدينا الكامل وسيرتنا الفاضلة إن لم يستحل ذلك.
وهذا الحديث أعني حديث سلمة بن الأكوع شارك المؤلف في روايته أحمد فقط ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم فقال:
(١٨٦) - ش (٩٥) (١٨) (حَدَّثَنَا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة من العاشرة (وعبد الله بن براد) بفتح الموحدة والراء المشددة، ابن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى (الأشعري) أبو عامر الكوفي، روى عن أبي أسامة في الإيمان وغيره وعبد الله بن إدريس في الجهاد وابن فضيل، ويروي عنه (م) ومطين والحسن بن سفيان، قال أحمد: ليس به بأس، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة، مات بالكوفة سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين (وأَبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في عشرة أَبواب تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا أَبو أسامة) حمَّاد بن أسامة الكوفي الهاشمي مولاهم ثقة ثبت لا يكاد يخطئ ولكن ربما دلس من كبار التاسعة مات سنة (٢٠١) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن بريد) بن
стр. 1249
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ حَمَلَ عَلَينَا السِّلاحَ فَلَيسَ مِنَا"
ــ
عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، أبي بردة الصغير الكوفي، روى عن جده أبي بردة في مواضع والحسن وعطاء ويروي عنه (ع) ويحيى بن سعيد الأموي في الإيمان وأَبو أسامة وأَبو معاوية وعبد الله بن إدريس وابن المبارك وعلي بن مسهر وعدة، وثقه العجلي وابن معين والنَّسائي وابن عدي، وقال في التقريب: ثقة يخطئ قليلًا من السادسة (عن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، اسمه عامر بن عبد الله بن قيس، كان على قضاء الكوفة فعزله الحجاج، وجعل أخاه مكانه، روى عن أبيه في الإيمان والصلاة وغيرهما، وعن عائشة في اللباس، وعلي بن أبي طالب في اللباس والدعاء، والأغر المزني في الدعاء، ويروي عنه (ع) وبريد بن عبد الله بن أبي بردة والقاسم بن مخيمرة والشعبي وغيلان بن جرير وحميد بن هلال وابنه سعيد بن أبي بردة وأَبو إسحاق الشيباني وأَبو إسحاق الهمداني وخلق، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في موضعين وفي اللباس في موضعين وفي الدعاء في موضعين فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها أربعة تقريبًا (عن) أبيه (أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم الصحابي الجليل الكوفي روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، قال النووي: وفيه لطيفة وهي أن رجاله كلهم كوفيون (عن النبي ﷺ قال من حمل علينا) أي لأجل قتالنا ومحاربتنا (السلاح) أي آلة الحرب والقتال (فليس منا) أي من أهل ملتنا، فهو كافر إن استحل ذلك الحمل وإلَّا فهو عاص صاحب كبيرة يطالب بالتوبة ومعنى الحديث ليس على سيرتنا الكاملة وعملنا الفاضل من التواصل والتوادد والتراحم لأنه عمل التقاطع والتباغض.
وهذا الحديث أعني حديث أبي موسى الأشعري شارك المؤلف في روايته (خ ت ق) رواه البخاري في الفتن عن أبي كريب، ورواه التِّرمِذي في الحدود عن أبي كريب وأبي السائب، وابن ماجة في الحدود عن محمود بن غيلان وأبي كريب ويوسف بن موسى القطان اهـ تحفة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم فقال:
стр. 1250
١٨٧ - (٩٦) (١٩) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ الْقَارِيُّ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ،
ــ
(١٨٧) - ش (٩٦) (١٩) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد) الثقفي مولاهم، أَبو رجاء البغلاني، اسمه يحيى، وقيل: على، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) عن (٩٠) سنة، روى عنه المؤلف في سبعة أَبواب تقريبًا، قال قتيبة (حَدَّثَنَا يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاريُّ - بتشديد التحتانية - نسبة إلى حي من العرب القرشي، حليف بني زُهرة المدني ثم الإسكندراني، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨١) إحدى وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة أَبواب تقريبًا، وأتى بقوله (وهو) في قوله (وهو ابن عبد الرحمن القاري) إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخه (خ) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا أَبو الأحوص محمد بن حيَّان) بالتحتانية البغوي البغدادي، روى عن ابن أبي حازم في الإيمان في صحيح مسلم في هذا الباب فقط، ومسلم بن خالد، وهُشيم وابن عُلية، وطائفة، ويروي عنه (م) فرد حديث، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن مَنيع، وموسى بن هارون وطائفة، قال ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثبتًا وذكره ابن حبان في الثقات، وقال صالح بن محمد: صدوق، وقال في التقريب: من العاشرة مات في ذي الحجة سنة (٢٢٧) سبع وعشرين ومائتين، ولم يرو عنه المؤلف إلَّا في هذا الباب فقط قال أبو الأحوص (حَدَّثَنَا) عبد العزيز (ابن أبي حازم) سلمة بن دينار المخزومي مولاهم، أَبو تمام المدني، روى عن سهيل في الإيمان، وأبيه أبي حازم في الصلاة في موضعين والصوم وغيرهما، وهشام بن عروة في حق الجار، والعلاء، وابن الهادٍ، ويروي عنه (ع) وأَبو الأحوص محمد بن حيان البغوي، وقتيبة، ويعقوب الدورقي في الصلاة، ويحيى بن يحيى والقعنبي، وعلي بن حجر، وعمرو الناقد وغيرهم، قال أحمد: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، وقال ابن معين: ثقة صدوق، ليس به بأس، وقال النَّسائي: ثقة، وقال مرة لا بأس به وقال في التقريب: صدوق فقيه من الثامنة، مات وهو ساجد في الحرم النبوي سنة (١٨٤) أربع وثمانين ومائة، وله (٨٢) ثنتان وثمانون سنة.
وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه كلاهما) أي كل من يعقوب، وابن أبي حازم رويا (عن سهيل بن أبي صالح) ذكوان السمان، أبي يزيد المدني، مولى
стр. 1251
عَنْ أَبِيهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ حَمَلَ عَلَينَا السِّلاحَ فَلَيسَ مِنَّا. ومَنْ غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا".
١٨٨ - (٩٧) (٢٠) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ
ــ
جويرية بنت أحمد الغطفانية، وثقه ابن عيينة، والعجلي، وقال في التقريب: صدوق من السادسة، مات في خلافة المنصور، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وله في (خ) فرد حديث عن النعمان بن أبي عياش (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان الزيات المدني، مولى جويرية بنت الحارث، امرأة من قيس، ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا.
(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذان السندان من خماسياته، رجال الأول: كلهم مدنيون إلَّا قتيبة فإنه بغلاني، وكذا رجال الثاني مدنيون إلَّا أبا الأحوص فإنه بغدادي.
(أن رسول الله ﷺ قال من حمل) وشهر (علينا) أي لأجل محاربتنا معاشر المسلمين (السلاح) أي آلات الحرب (فليس منا) أي من أهل ديننا، أو ليس عمله من عملنا على التفصيل المار (ومن غشنا) أي من خدعنا، أي فعل بنا الغش، أي فعل بالمسلمين الغش، وكذا أهل الذمة والمعاهد والمستأمن، والغش بالفتح ضد النصح، وبالكسر اسم منه، يقال: غَشَّه إذا لم يمحضه النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمره كغششته اهـ من القاموس.
(فليس منا) أي من أهل ديننا وملتنا، إن استحل ذلك، أو على هدينا وعملنا، إن لم يستحل ذلك، على التفصيل المار، وهذا الحديث أعني حديث سُهيل عن أبيه شارك المؤلف في روايته ابن ماجة رواه في الحدود اهـ ت.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن عمر بحديث عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم فقال:
(١٨٨) - (٩٧) (٢٠) (وحدثني يحيى بن أيوب) العابد المقابري، أَبو زكرياء البغدادي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) وله (٧٧) روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا.
стр. 1252
وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا. فَقَال: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَال:
ــ
(قتيبة) بن سعد بن جميل الثقفي، أَبو رجاء البغلاني، ثقة من العاشرة، (و) علي (بن حُجر) -بضم المهملة وسكون الجيم- ابن إياس السعدي، أَبو الحسن المروزي، نزيل بغداد ثم مرو، وثقه النَّسائي، وقال في التقريب: ثقة حافظ من صغار التاسعة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأكد بقوله (جميعًا) دون كلهم، إشارة إلى عدم انحصار من روى له عن إسماعيل في الثلاثة المذكورة، أي حالة كون كل من الثلاثة مجتمعين في الرواية لي (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم، أبي إبراهيم، أو أبي إسحاق المدني، أخي محمد وكثير ويحيى، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٠) مائة وثمانين، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا.
(قال ابن أيوب) في روايته عنه (حَدَّثَنَا إسماعيل) بصيغة السماع، دون قتيبة وعلي بن حجر، فإنهما رويا عنه بصيغة العنعنة، وأتى بهذه الجملة تورعًا من الكذب على ابن أيوب (قال) إسماعيل (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحُرقي مولاهم، أَبو شِبل -بكسر المعجمة وسكون الموحدة- المدني، أحد الأئمة الأعلام، صدوق ربما وَهم، من الخامسة، مات سنة (١٣٣) في خلافة المنصور، روى عنه المؤلف في أربعة أَبواب (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحُرقي المدني، ثقة من الثالثة، روى عنه المؤلف في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم مدنيون إلَّا مشايخ المؤلف فإنهم بغداديون.
(أن رسول الله ﷺ مر على صُبرة) -بضم الصاد وسكون الموحدة- أي كومة مجموعة من (طعام فأدخل) رسول الله ﷺ (يده فيها) أي في داخل تلك الصبرة، ليُجرب باطنها هل هو كظاهرها أم لا (فنالت) أي فأصابت (أصابعه) ﷺ (بللًا) أي رطوبة في داخل الصبرة (فقال) رسول الله ﷺ لصاحب الطَّعام (ما هذا) البلل الداخلي (يا صاحب الطَّعام) ومالكه (قال) صاحبه
стр. 1253
أَصَابَتْهُ المَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَي يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي"
ــ
(أصابته) أي أصابت هذا الطَّعام (السماء) أي المطر (يا رسول الله قال) له رسول الله ﷺ (أ) دسيته وأخفيته في الداخل (فلا جعلته) أي أفلا جعلت هذا البلل ظاهرًا (فوق الطَّعام) وأعلاه (كي يراه) أي لكي يرى ويُبصر هذا البلل (الناس) الذين أرادوا شراءه، فلا يغتروا بظاهره (من غش) الناس، ودس لهم الشر وأراد بهم الضرر، ولم ينصح لهم (فليس) ذلك الغاش (مني) أي من أهل ملتي وديني، إن استحل ذلك، أو ليس على سيرتي وهدي إن لم يستحل، على وفق ما تقدم من نظائره.
قوله (مر على صبرة) قال الأبي: الأظهر في مروره ﷺ أنَّه يقصد إما لتفقد أمور المسلمين أو ليشتري ما يحتاج إليه، فعلى الأول يتأكد طلب مثله من الأئمة، أو يقيمون لذلك، وعلى الثاني ففيه رُجحان دخول أهل الفضل السوق لما يحتاجون إليه، لأنه ﷺ إنما يفعل الراجح، إلَّا أن يقال إنما فعله ليدل على الجواز، فيكون دليلًا على الجواز.
قال ابن رشد: ولا خلاف في عدم كراهته، وقال مالك: وكان من شأن الناس الخروج إلى الأسواق، والجلوس بها، كان ابن عمر ربما أتى السوق وجلس فيه، حتَّى قال يحيى بن سعيد: ما أخذت كثيرًا من حديث ابن المسيب وسالم إلَّا في السوق حيث يجلسون منه.
قال السنوسي: يترجح أو يجب في زماننا ترك الجلوس في الأسواق والطرقات لكثرة مناكرها، وعدم القدرة على تغييرها، والله تعالى أعلم.
و"الصبرة" الطَّعام المصبور، من الصبر وهو الحبس لأنها حُبست للبيع، وعبارة المفهم وصُبرة الطَّعام هي الجملة المصبورة أي المحبوسة للبيع، والصبر هو الحبس.
وقال النواوي: والصبرة -بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة- الكومة المجموعة من الطَّعام، سُميت صُبرة لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل للسحاب فوق السحاب صبير.
قوله: (أصابته السماء) والسماء هنا هو المطر، سُمي بذلك لنزوله من السماء، وأصل السماء كل ما علاك فأظلك.
стр. 1254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الأبي: قوله (أفلا جعلته فوق الطَّعام) يدل على أنَّه صبرها لبيعها جملة دون كيل، أو كل قفيز بكذا، لأنه هو الذي يتأتى فيه الغش، ومن هذا النمط بيع التين والعنب سللًا، ويجعل الجيد في الأعلى، وهو مما ينبغي التقدم فيه، وللمشتري الرجوع على البائع، إذا قوي الخلاف بين الأعلى والأسفل، لأنه من الغش، وإن لم يقو فلا رجوع له، إذ ليس من الغش لأنه من الغرر اليسير، الذي لا تخلو منه البياعات، فصار كالمدخول عليه، وأما ما يتفق في المقاطع من جعل طاقة التقليب أحسن فليس من الغش، لأن المشتري لا يقتصر على تقليبها، نعم هو غش إن كان المشتري ممن يجهل ذلك كالبدوي.
ولم يأت في الحديث أنَّه أدبه، ولا أخرجه من السوق، فلعله ممن لم يتكرر منه ذلك فيكفي في أدبه القول.
وتحصيل القول في ذلك أن المغشوش إن تعذر تخليص الغش منه كالخبز الناقص، واللبن بالماء والثوب الخفيف النسج، والجلد الدنيء الدبغ، فما كان من ذلك بيده يريده لنفسه تُرك له، وإن كان ليبيعه، ولم يقصد به الغش كمن اشتراه ليبيعه، أو كان من صنعته، وغلبته الصنعة أو ذكر وجهًا يُعذر به، بيع عليه بعد البيان ممن يستعمله لنفسه، أو يُوضع عند أمين ليُباع على ذلك، وإن قصد به الغش، فقال ابن عتاب: يؤدب ويخرج من السوق، ليرتاح المسلمون منه، وقال أيضًا هو وابن القطان: يُحرق الثياب والجلد، واختلفا في الخبز الناقص، فقال ابن عتاب يتصدق به بعد الكسر، لاستحلالهم أموال الناس، وقال ابن القطان: لا يتصدق به، إذ لا يحل مال مسلم إلَّا بإذنه، واختار ابن المناصف: أن يُحسب ما غش به من نقص كيل أو وزن، أو غير ذلك من نوع الغش، ويتصدق به عن أربابه، لأنه لغير معين، ويؤدب بقدر اجتهاد الحاكم كالغاصب، ويشهد لابن عتاب قول مالك في سماع ابن القاسم: ويتصدق باللبن المغشوش، ويشهد لابن القطان قوله في غير هذا السماع: لا يُحِل ذنب من الذنوب مال مسلم اهـ أبي.
قوله: (من غش فليس مني) والغش ضد النصيحة، وهو بكسر الغين المعجمة، يقال: غَشه يَغِشه غشًّا وأصله من اللبن المغشوش، أي المخلوط بالماء تدليسًا اهـ مفهم. وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه حديث الصبرة شارك
стр. 1255
١٨٩ - (٩٨) (٢١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ،
ــ
المؤلف في روايته أَبو داود (٣٤٥٢) والتِّرمِذي (١٣١٥) وابن ماجة (٢٢٢٤).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث ابن عمر بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم فقال:
(١٨٩) - ش (٩٨) (٢١) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي الحنظلي مولاهم، أَبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام، من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا.
قال يحيى (أخبرنا أَبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي السعدي، مولى أسعد بن زيد مناة الكوفي، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) وله (٨٢) سنة، روى المؤلف عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) (حَدَّثَنَا أَبو معاوية ووكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أَبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة، مات في آخر سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا وأتى بحاء التحويل لبيان اختلاف صيغتي شيخيه يحيى، وأبي بكر.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا) محمد (بن) عبد الله بن (نمير) الهمداني الخارفي، أَبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرة أَبواب تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لمخالفة شيخه شيخ الأولين، قال ابن نمير (حدثني أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، أَبو هشام الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وقوله (جميعًا) تأكيد لأبي معاوية ووكيع وابن نمير، أي حالة كونهم مجتمعين في الرواية (عن الأعمَش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة ثبت مدلس، من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي الكوفي، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، مات
стр. 1256
عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ"
ــ
سنة (١٠٠) مائة، روى عنه المؤلف في خمسة أَبواب (عن مسروق) بن الأجدع، وهو لقب عبد الرحمن بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مرة بن سليمان بن معمر بن الحارث الهمداني، أبي عائشة الكوفي، سُمي مسروقًا لأنه سرقه إنسان في صغره ثم وجد، ثقة فقيه مخضرم عابد، من الثانية، مات سنة (٦٣) ثلاث وستين، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (عن عبد الله) بن مسعود الهُذلي الكوفي الصحابي الجليل، صاحب النعلين، وهذه الأسانيد الثلاثة من سداسياته، ومن لطائفها أن رجالها كلهم كوفيون إلَّا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري (قال) عبد الله بن مسعود (قال رسول الله صلى إله عليه وسلم ليس منا) أي من أهل ملتنا وديننا، لخروجه عن الملة إن استحل ذلك، أو ليس عمله من عملنا، أو على هدينا وسيرتنا إن لم يستحل ذلك، كنظائره السابقة (من ضرب الخدود) أي من لطمها، أو ضرب الصدور عند المصيبة، جمع خد وهو ما ارتفع من الوجنتين بين العذار والأنف، وضربه: لطمه ببسط الكفين، وأوفي قوله (أو شق الجيوب) مانعة خلو لا مانعة جمع، والجيوب جمع جيب، وهو فتح القميص المستطيل على الصدر، وشقها تقطيعها وهو كناية عن تقطيع الثياب الملبوسة عند المصيبة، سواء كان على الجيب أم لا (أو دعا) ونادى (بدعوى الجاهلية) أي بنداء أهل الجاهلية، قال القاضي: هي النياحة، وندبة الميت والدعاء بالويل وشبهه، نحو واكهفاه، واجبلاه، واسنداه، فإنه حرام نسبت إلى الجهل لكثرة جهلهم بالله تعالى وبرسوله ﷺ ، والمراد بالجاهلية، ما كان قبل الإسلام من الجاهلية اهـ.
وعبارة الأبي: و"دعوى الجاهلية" رفع الصوت عند المصيبة بنياحة أو غيرها، وفي المفهم: و"دعوى الجاهلية، هنا هي النياحة، وندبة الميت، والدعاء بالويل، والنعي وإطراء الميت بما لم يكن فيه، كما كانت الجاهلية تفعل، ويَحتمِل أن يُراد بها نداؤهم عند الهياج والققال: يا بني فلان، مستنصرًا بهم في الظلم والفساد، وقد جاء النهي عنها في حديث آخر فقال: "دعوها فإنها منتنة" رواه أحمد (٣/ ٣٣٨) والبخاري (٤٩٠٧) ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وأمر بالانتماء إلى الإسلام فقال: "ادعوا بدعوة المسلمين التي سماكم الله بها" والأولى أليق بهذا الحديث، لأنه قرنه بضرب الخدود وشق الجيوب.
стр. 1257
هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى. وَأَمَّا ابْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ فَقَالا: "وَشَقَّ وَدَعَا" بِغَيرِ أَلِفٍ.
١٩٠ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ،
ــ
وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن مسعود رواه أحمد (١/ ٤٣٢ و ٤٤٢ و ٤٦٥) والبخاري (١٢٩٤ و ١٢٩٨) والتِّرمِذي (٩٩٩) والنَّسائي (٤/ ٢٠) وابن ماجة (١٥٨٤).
وقوله (هذا) المذكور هنا بكلمة أو العاطفة لفظ (حديث يحيى) بن يحيى التميمي وروايته أتى به تورعًا من الكذب على غيره، ولذلك قال (وأما ابن نمير وأَبو بكر فـ) ـقد (قالا) بالف التثنية (وشق ودعا) با لواو العاطفة (بغير) زيادة (ألف) قبل الواو، والله أعلم ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٩٠) - متا (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، أكبر منه بثلاث سنين، العبسي مولاهم، أَبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ شهير، له أوهام، من العاشرة، مات سنة (٢٣٩) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال عثمان (حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد بن قرط -بضم أوله وسكون ثانيه آخره طاء مهملة- الضبي، أَبو عبد الله الكوفي، ثقة صحيح الكتاب، كان في آخر عمره يهم من حفظه، من الثامنة، مات سنة (١٨٨) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي، أَبو يعقوب المروزي، ثقة مأمون فقيه مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا.
(وعلي بن خشرم) -بمعجمتين أولاهما مفتوحة وثانيتهما ساكنة بزنة جعفر- بن عبد الرحمن بن عطار بن هلال بن ماهان المروزي، أَبو الحسن الحافظ، روى عن عيسى بن يونس والدراوردي، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وَهْب، وأنس بن عياض، ووكيع، وحجاج بن محمد وغيرهم، ويروي عنه (م ت س) وابن خزيمة، والفربري وأممٌ، وقال في التقريب: ثقة من صغار العاشرة، مات سنة (٢٥٧) سبع وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين، والصوم والحج والفرائض والجهاد والرحمة، فجملة الأَبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية، وفائدة
стр. 1258
قَالا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ ... بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالا: "وَشَقَّ وَدَعَا".
١٩١ - (٩٩) (٢٢) حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ
ــ
هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من إسحاق وعلي (حَدَّثَنَا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، أَبو عمرو الكوفي، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة (١٩١) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وقوله (جميعًا) حال من جرير وعيسى، أي حالة كونهما مجتمعين في الرواية (عن الأعمَش) سليمان بن مهران الكاهلي، أبي محمد الكوفي، وقوله (بهذا الإسناد) جار ومجرور متعلق بما عمل في المتابع، والإشارة راجعة إلى ما بعد الأعمش، والتقدير روى كل من جرير وعيسى بن يونس عن الأعمش عن عبد الله بن فرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ، وغرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة جرير وعيسى لأبي معاوية ووكيع وعبد الله بن نمير في رواية هذا الحديث عن الأعمَش (وقالا) أي قال جرير وعيسى (وشق ودعا) بالواو العاطفة، كما قال ابن نمير وأَبو بكر، لا كما قال يحيى بن يحيى من أو العاطفة ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث ابن عمر بحديث أبي موسى رضي الله تعالى عنهم فقال:
(١٩١) - ض (٩٩) (٢٢) (حَدَّثَنَا الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي (القنطري) -بفتح أوله وسكون ثانيه- نسبة إلى قنطرة، موضع ببغداد، وفي السنوسي: القنطري منسوب إلى قنطرة بردان -بفتح الباء والراء- جسر ببغداد اهـ.
أبو صالح السمسار، روى عن يحيى بن حمزة، وشعيب بن إسحاق، وهقْل بن زياد، وعيسى بن يونس، وابن المبارك، ومعاذ بن معاذ وغيرهم، ويروي عنه (م س ق) وأَبو زرعة، وأَبو يعلى وغيرهم، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان، والصلاة، والزكاة، وصفة الحشر، والأدب، والزهد، وشرف النبي ﷺ ، فجملة الأَبواب التي روى عنه المؤلف فيها سبعة تقريبًا.
قال الحكم (حَدَّثَنَا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي، أَبو عبد الرحمن الشامي،
стр. 1259
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيمَرَةَ حَدَّثَهُ قَال: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى. قَال: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ
ــ
قاضي دمشق، روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والأوزاعي، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وجماعة، ويروي عنه (ع) والحكم بن موسى وأَبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، ومنصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن المبارك، ومروان بن محمد، وجماعة، وثقه ابن معين ودُحيم، ورماه بالقدر، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والحج والبيوع، والجهاد في موضعين، وصفة الحشر، والضحايا في ستة أَبواب تقريبًا (عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأسدي أبي عتبة الدمشقي الداراني، روى عن القاسم بن مخيمرة، وعُمير بن هانئ، وبسر بن عبيد الله، وزريق بن حيان، مولى بني فزارة، ومسلم بن عامر، ويحيى بن جابر الطائي، وخلق، ويروي عنه (ع)، ويحيى بن حمزة، وابن المبارك، وابنه عبد الله بن عبد الرحمن، وخلق، وقال في التقريب: ثقة من السابعة، مات سنة (١٥٣) ثلاث وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والجنائز والأحكام والجهاد في ثلاثة مواضع، وصفة الحشر والفتن في ستة أَبواب تقريبًا (أن القاسم بن مخيمرة) -بضم أوله وفتح المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم ميم مفتوحة الهمداني بسكون الميم أبا عروة الكوفي نزيل دمشق أحد الائمة الأعلام روى عن أبي بردة بن أبي موسى في الإيمان، وشريح بن هانئ في الوضوء، وعن أبي سعيد وعلقمة بن قيس وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر والحكم بن عتيبة، وقال في التقريب: ثقة فاضل من الثالثة مات سنة (١٠٥) مائة، وجملة قوله (حدثه) خبر أن، وضمير المفعول عائد إلى عبد الرحمن أي حدث القاسم لعبد الرحمن و (قال) له القاسم (حدثني أَبو بردة) الكبير عامر (بن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي ثقة من الثانية، روى عن أبيه في الإيمان والصلاة وغيرهما، روى عنه المؤلف في أربعة أَبواب تقريبًا.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان شاميان وواحد بغدادي (قال) أَبو بردة (وجع) بفتح الواو وكسر الجيم من باب فرح، أي مرض (أَبو موسى) الأشعري والدي الكوفي (وجعًا) أي مرضًا شديدًا (ذ) (فـ) شرف على الموت حتَّى (غشي)
стр. 1260
عَلَيهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ. فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيهَا شَيئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَال: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . "فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ"
ــ
وأغمي (عليه) لشدة مرضه، وفي بعض النسخ غشي عليه بلا فاء (ورأسه) أي والحال أن رأس أبي موسى (في حجر) ومقدم بدن (امرأة من أهله) وأزواجه، والحجر بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم فيهما لغتان مقدم البدن من الفخذ والصدر (فـ) ـأقبلت و (صاحت) أي ناحت ورفعت صوتها بالبكاء (امرأة) أخرى (من أهله) وأزواجه أيضًا وهي أم عبد الله بنت أبي دومة لها صحبة وحديث كما سيأتي قريبًا، وإنَّما قلنا امرأة أخرى جريًا على القاعدة المشهورة عندهم المذكورة في عقود الجمان لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي بقوله:
ثم من القواعد المشتهرة ... إذا أتت نكرة مكررة
تغايرت وإن يعرَّف ثان ... توافقا كذا المعرفان
(فلم يستطع) أَبو موسى ﵁ أي لم يقدر لشدة مرضه وغشيانه (أن يرد) وينكر (عليها) أي على أم عبد الله ما أتت به من المنكر الذي هو الصياح والنياحة (شيئًا) من الرد والإنكار لا قولًا ولا إشارة وهو منصوب على المفعولية المطلقة ليرد ثم أفاق من إغمائه وغشيانه (فلما أفاق) وصحا من إغمائه (قال) أَبو موسى معرضًا لها (أنا بريء) أي متبرئ (مما) أي من الشيء الذي (برئ منه رسول الله ﷺ من منكرات الشرع (فإن رسول الله ﷺ أي وإنَّما قلت ذلك لأن رسول الله ﷺ (برئ) أي تبرأ (من الصالقة) بالصاد والسين لغتان، أي من النائحة التي ترفع صوتها بالبكاء والندب عند المصائب (والحالقة) أي ومن التي تحلق شعرها في المصائب (والشاقة) أي ومن التي تشق جيبها وثوبها عند المصيبة، كما قال في الحديث الآخر "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب".
والمعنى أنا بريء من تصويب فعلهن أو مما يستوجبن علي ذلك من العقوبة أو مما لزمني من بيان حكمه اهـ أبي. وأصل البراءة الانفصال عن الشيء والبينونة منه، ومنه البراءة من العيوب والدين وبارأ الرجل امرأته أي فارقها، ويحتمل أن يريد به أنَّه متبرئ
стр. 1261
١٩٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيسٍ
ــ
من تصويب فعلهن هذا أو من العهدة اللازمة له في التبليغ، وهذا الحديث أعني حديث أبي موسى الأشعري شارك المؤلف في روايته البخاري (١٢٩٦) وأَبو داود (٣١٣٠) والنَّسائي (٤/ ٢٠) وابن ماجة (١٥٨٦).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٩٢) - متا (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا عبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر، أَبو محمد الحافظ، وقيل اسمه عبد الحميد وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا (وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أَبو يعقوب التميمي المروزي ثم النيسابوري، ثقة ثبت من الحادية عشرة مات سنة (٢٥١) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من عبد واسحاق (أخبرنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي القرشي العمري أَبو عون الكوفي، روى عن أبي العميس في الإيمان والصلاة والحج والفضائل والتفسير وهشام بن سعد وهشام بن عروة في الوصايا وسفيان الثَّوري في الجهاد ويحيى الأنصاري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعبد بن حميد واسحاق بن منصور وابن أبي شيبة والحسن بن علي الحلواني وهارون بن عبد الله وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: صدوق من التاسعة مات سنة (٢٥٧) ست أو سبع ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أَبواب تقريبًا، قال جعفر بن عون (أخبرنا أَبو عميس) بضم العين المهملة وفتح الميم وإسكان الياء وبالسين المهملة عتبة بضم أوله وسكون ثانيه، ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي، روى عن أبي صخرة جامع بن شداد في الإيمان وعون بن أبي جحيفة في الصلاة وعلي بن الأرقم وقيس بن مسلم في الصوم والحج وإياس بن سلمة بن الأكوع في النكاح وابن أبي مليكة في الفضائل وعبد المجيد بن سهيل في التفسير وغيرهم، ويروي عنه (ع) وجعفر بن عون وأَبو نعيم الفضل بن دكين وأَبو أسامة وأَبو معاوية وطائفة، وئقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من
стр. 1262
قَال: سَمِعْتُ أَبَا صَخرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ. قَالا: ثُمَّ أَفَاقَ. قَال: أَلَمْ تَعْلَمِي (وَكَانَ يُحَدِّثُهَا) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ
ــ
السابعة، روى عنه المؤلف في سبعة أَبواب تقريبًا، وذكره الحاكم في أفراد الكنى أنَّه لا يشاركه في كنيته أحد.
(قال) أَبو عميس (سمعت أبا صخرة) بالهاء في آخره كذا وقع هنا وهو المشهور في كنيته ويقال فيها أيضًا أَبو صخر بحذف الهاء، جامع بن شداد المحاربي الكوفي، روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأبي بردة بن أبي موسى في الإيمان وحمران في الوضوء وصفوان بن محرز وجماعة، ويروي عنه (ع) وأَبو العميس ومسعر وشعبة في الوضوء والأعمش وشريك وغيرهم، قال ابن المديني: له نحو عشرين حديثًا، قال أَبو حاتم: ثقة، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة مات سنة (١٢٨) ثمان وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في بابين حالة كون أبي صخرة (يذكر) ويروي (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن جابر الدمشقي (وأبي بردة) عامر (بن أبر موسى) الأشعري (قالا) أي قال كل من عبد الرحمن وأبي بردة (أغمي) وغشي (على أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي (وأقبلت امرأته) أي جاءت زوجته (أم عبد الله) بنت أبي دومة الصحابية حالة كونها (تصيح) وتنوح عليه وترفع صوتها بالبكاء (برنة) وترجيع في صوتها وقلقلة، والرنة بفتح الراء وتشديد النون، قال صاحب اللسان: هي ترجيع الصوت بالبكاء، ويقال: أرنت فهي مرنة، ولا يقال رنت، وقال الجوهري: يقال أرنت ورنت، قال: والرنة والرنين والأرنان بمعنى نقلها الأبي (قالا) أي قال عبد الرحمن بن يزيد وأَبو بردة (ثم) بعد صياحها (أفاق) أَبو موسى وصحا من إغمائه و (قال) لها (ألم تعلمي) وتعرفي يا أم عبد الله، وجملة قوله (وكان) أَبو موسى قبل ذلك (يحدثها) أي يحدث أم عبد الله هذا الحديث الآتي عن رسول الله ﷺ جملة معترضة بين علم ومفعوليها، وجملة أن في قوله (أن رسول الله ﷺ قال) سادة مسد مفعولي علم، أي ألم تعلمي يا أم عبد الله بروايتي لك من قبل أن رسول الله ﷺ قال (أنا بريء) أي متبرئ (ممن) أي من فعل من (حلق) شعر رأسه عند المصيبة أي من تصويب
стр. 1263
وَسَلَقَ وَخَرَقَ".
١٩٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ حُصَينٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ،
ــ
فعله أو مما يستوجبه من العقوبة أو مما لزمني من بيان حكمه والتبليغ إليه (وسلق) أي رفع صوته بالبكاء عند المصيبة ويقال بالسين وبالصاد ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ (وخرق) أي شق الثياب عند المصيبة تفجعًا على الميت والاستفهام في قوله ألم تعلمي للتقرير المضمن للإنكار أي أتبكي وتصيحي ولم تعلمي، وهذا السند من سداسياته رجاله خمسة منهم كوفيون وواحد كسي أو نيسابوري إلَّا عبد الرحمن بن يزيد فإنه دمشقي وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي صخرة للقاسم بن مخيمرة في رواية هذا الحديث عن أبي بردة بن أبي موسى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٩٣) - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا (عبد الله بن مطيع) بن راشد البكري أَبو محمد النيسابوري نزيل بغداد، روى عن هُشَيم في الإيمان وآخر الكتاب في التفسير وإسماعيل بن جعفر، ويروي عنه (م) والبغوي وأحمد بن الحسين الصوفي الصغير، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين، قال عبد الله (حَدَّثَنَا هُشَيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أَبو معاوية الواسطي نزيل بغداد، روى عن حصين بن عبد الرحمن في الإيمان والوضوء والصلاة وغيرها وداود بن أبي هند والأعمش وأبي بشر جعفر، ويروي عنه (ع) وعبد الله بن مطيع وخلق، ثقة ثبت كثير التدليس من السابعة مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي، وقال في التقريب ثقة تغير حفظه في الآخر من الخامسة مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة وله (٩٣) سنة، روى عنه المؤلف في عشرة أَبواب تقريبًا (عن عياض) بن عمرو (الأشعري) الكوفي، مختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي موسى، وعن امرأة أبي موسى، ويروي عنه (م ق) وحُصين بن عبد الرحمن، والشعبي، وسماك بن حرب، وقال في التقريب: وجزم أَبو حاتم بأن حديثه مرسل، وأنه تابعي، رأى أبا
стр. 1264
عَنِ امْرَأةِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِيه حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي هِنْدٍ) حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ صفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ،
ــ
عبيدة بن الجراح، فيكون مخضرمًا، وقال ابن حبان: له صحبة (عن امرأة أبي موسى) الأشعري أم عبد الله (عن أبي موسى عن النبي ﷺ بمثل حديث أبي بردة عن أبي موسى، وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد نيسابوري، وواحد واسطي، وغرضه بسوقه بيان متابعة امرأة أبي موسى لأبي بردة في رواية هذا الحديث عن أبي موسى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه والله أعلم.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنيه) أي حدثني حديث أبي موسى الأشعري (حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي، أَبو محمد البغدادي، المعروف بـ (ـابن الشاعر) ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥٩) تسع وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، قال حجاج (حَدَّثَنَا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، أَبو سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة، مات سنة (٢٥٧) سبع ومائتين، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(قال) عبد الصمد (حدثني أبي) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم، أَبو عبيدة البصري، ثقة ثبت، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا، قال عبد الوارث (حَدَّثَنَا داود) بن أبي هند القشيري مولاهم، أَبو محمد البصري، وقيل: أَبو بكر، وكان أبوه من خراسان، واسم أبي هند: دينار، وكان داود من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، ثقة متقن، كان يهم بأخره، من الخامسة، مات سنة (١٤٠) أربعين ومائة، وقيل قبلها، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن أبي هند) إشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل مما زادها من عند نفسه، إيضاحًا للراوي، قال داود (حَدَّثَنَا عاصم) بن سليمان الأحول التميمي مولاهم، أَبو عبد الرحمن البصري، ثقة من الحفاظ، من الرابعة، لم يتكلم فيه إلَّا القطان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن صفوان بن محرز) -بضم الميم واسكان الحاء المهملة وكسر
стр. 1265
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ،
ــ
الراء آخره زاي- بن زياد المازني، الباهلي البصري، ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٧٤) أربع وسبعين ومائة، روى عن جندب بن عبد الله، وأبي موسى في الإيمان، وابن عمر في النجوى (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي (عن النبي ﷺ بهذا الحديث، وهذا السند من سباعياته، رجاله خمسة منهم بصريون، وواحد كوفي، وواحد بغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة صفوان بن محرز لأبي بردة في رواية هذا الحديث عن أبي موسى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي، أَبو علي الخلال (الحلواني) المكي الحافظ، ثقة له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا.
قال الحسن (حَدَّثَنَا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، أَبو سهل البصري، صدوق من التاسعة، مات سنة (٢٥٧) قال عبد الصمد (أخبرنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أَبو بسطام البصري ثقة متقن حافظ، من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا (عن عبد الملك بن عُمير) بن سُويد بن جارية الفرس بفتح الفاء والراء وبالسين المهملة -نسبة إلى فرس، له سابق، اللخمي أبي عمر الكوفي، ويقال: أَبو عمرو القبطي، روى عن ربعي بن حراش، وعلقمة بن وائل، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن الحارث، وأبي بردة بن أبي موسى، وجابر بن سمرة، وقزعة، ومحمد بن المنتشر، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وخلائق، ويروي عنه (م ت س ق) وشعبة، وأَبو عوانة، وجرير بن عبد الحميد، والسفيانان، وزائدة، وهشيم، وزكرياء بن أبي زائدة وحماد بن سلمة، وخلائق، وقال في التقريب: ثقة فقيه تغير حفظه، وربما دلس، وقال ابن المديني: له نحو مائتي حديث، وقال أحمد: مضطرب الحديث جدًّا، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها، من الثالثة، مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة، ولد لثلاثٍ بقين من خلافة عثمان ﵁، وكان له يوم مات مائة سنة وثلاث سنين (١٠٣).
следующие страницы →