← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

١٩٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيسٍ ــ من تصويب فعلهن هذا أو من العهدة اللازمة له في التبليغ، وهذا الحديث أعني حديث أبي موسى الأشعري شارك المؤلف في روايته البخاري (١٢٩٦) وأَبو داود (٣١٣٠) والنَّسائي (٤/ ٢٠) وابن ماجة (١٥٨٦). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فقال: (١٩٢) - متا (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا عبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر، أَبو محمد الحافظ، وقيل اسمه عبد الحميد وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا (وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أَبو يعقوب التميمي المروزي ثم النيسابوري، ثقة ثبت من الحادية عشرة مات سنة (٢٥١) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من عبد واسحاق (أخبرنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي القرشي العمري أَبو عون الكوفي، روى عن أبي العميس في الإيمان والصلاة والحج والفضائل والتفسير وهشام بن سعد وهشام بن عروة في الوصايا وسفيان الثَّوري في الجهاد ويحيى الأنصاري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعبد بن حميد واسحاق بن منصور وابن أبي شيبة والحسن بن علي الحلواني وهارون بن عبد الله وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: صدوق من التاسعة مات سنة (٢٥٧) ست أو سبع ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أَبواب تقريبًا، قال جعفر بن عون (أخبرنا أَبو عميس) بضم العين المهملة وفتح الميم وإسكان الياء وبالسين المهملة عتبة بضم أوله وسكون ثانيه، ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي، روى عن أبي صخرة جامع بن شداد في الإيمان وعون بن أبي جحيفة في الصلاة وعلي بن الأرقم وقيس بن مسلم في الصوم والحج وإياس بن سلمة بن الأكوع في النكاح وابن أبي مليكة في الفضائل وعبد المجيد بن سهيل في التفسير وغيرهم، ويروي عنه (ع) وجعفر بن عون وأَبو نعيم الفضل بن دكين وأَبو أسامة وأَبو معاوية وطائفة، وئقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من

стр. 1262

قَال: سَمِعْتُ أَبَا صَخرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ. قَالا: ثُمَّ أَفَاقَ. قَال: أَلَمْ تَعْلَمِي (وَكَانَ يُحَدِّثُهَا) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ ــ السابعة، روى عنه المؤلف في سبعة أَبواب تقريبًا، وذكره الحاكم في أفراد الكنى أنَّه لا يشاركه في كنيته أحد. (قال) أَبو عميس (سمعت أبا صخرة) بالهاء في آخره كذا وقع هنا وهو المشهور في كنيته ويقال فيها أيضًا أَبو صخر بحذف الهاء، جامع بن شداد المحاربي الكوفي، روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأبي بردة بن أبي موسى في الإيمان وحمران في الوضوء وصفوان بن محرز وجماعة، ويروي عنه (ع) وأَبو العميس ومسعر وشعبة في الوضوء والأعمش وشريك وغيرهم، قال ابن المديني: له نحو عشرين حديثًا، قال أَبو حاتم: ثقة، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة مات سنة (١٢٨) ثمان وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في بابين حالة كون أبي صخرة (يذكر) ويروي (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن جابر الدمشقي (وأبي بردة) عامر (بن أبر موسى) الأشعري (قالا) أي قال كل من عبد الرحمن وأبي بردة (أغمي) وغشي (على أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي (وأقبلت امرأته) أي جاءت زوجته (أم عبد الله) بنت أبي دومة الصحابية حالة كونها (تصيح) وتنوح عليه وترفع صوتها بالبكاء (برنة) وترجيع في صوتها وقلقلة، والرنة بفتح الراء وتشديد النون، قال صاحب اللسان: هي ترجيع الصوت بالبكاء، ويقال: أرنت فهي مرنة، ولا يقال رنت، وقال الجوهري: يقال أرنت ورنت، قال: والرنة والرنين والأرنان بمعنى نقلها الأبي (قالا) أي قال عبد الرحمن بن يزيد وأَبو بردة (ثم) بعد صياحها (أفاق) أَبو موسى وصحا من إغمائه و (قال) لها (ألم تعلمي) وتعرفي يا أم عبد الله، وجملة قوله (وكان) أَبو موسى قبل ذلك (يحدثها) أي يحدث أم عبد الله هذا الحديث الآتي عن رسول الله ﷺ جملة معترضة بين علم ومفعوليها، وجملة أن في قوله (أن رسول الله ﷺ قال) سادة مسد مفعولي علم، أي ألم تعلمي يا أم عبد الله بروايتي لك من قبل أن رسول الله ﷺ قال (أنا بريء) أي متبرئ (ممن) أي من فعل من (حلق) شعر رأسه عند المصيبة أي من تصويب

стр. 1263

وَسَلَقَ وَخَرَقَ". ١٩٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ حُصَينٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ، ــ فعله أو مما يستوجبه من العقوبة أو مما لزمني من بيان حكمه والتبليغ إليه (وسلق) أي رفع صوته بالبكاء عند المصيبة ويقال بالسين وبالصاد ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ (وخرق) أي شق الثياب عند المصيبة تفجعًا على الميت والاستفهام في قوله ألم تعلمي للتقرير المضمن للإنكار أي أتبكي وتصيحي ولم تعلمي، وهذا السند من سداسياته رجاله خمسة منهم كوفيون وواحد كسي أو نيسابوري إلَّا عبد الرحمن بن يزيد فإنه دمشقي وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي صخرة للقاسم بن مخيمرة في رواية هذا الحديث عن أبي بردة بن أبي موسى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه فقال: (١٩٣) - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا (عبد الله بن مطيع) بن راشد البكري أَبو محمد النيسابوري نزيل بغداد، روى عن هُشَيم في الإيمان وآخر الكتاب في التفسير وإسماعيل بن جعفر، ويروي عنه (م) والبغوي وأحمد بن الحسين الصوفي الصغير، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين، قال عبد الله (حَدَّثَنَا هُشَيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أَبو معاوية الواسطي نزيل بغداد، روى عن حصين بن عبد الرحمن في الإيمان والوضوء والصلاة وغيرها وداود بن أبي هند والأعمش وأبي بشر جعفر، ويروي عنه (ع) وعبد الله بن مطيع وخلق، ثقة ثبت كثير التدليس من السابعة مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي، وقال في التقريب ثقة تغير حفظه في الآخر من الخامسة مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة وله (٩٣) سنة، روى عنه المؤلف في عشرة أَبواب تقريبًا (عن عياض) بن عمرو (الأشعري) الكوفي، مختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي موسى، وعن امرأة أبي موسى، ويروي عنه (م ق) وحُصين بن عبد الرحمن، والشعبي، وسماك بن حرب، وقال في التقريب: وجزم أَبو حاتم بأن حديثه مرسل، وأنه تابعي، رأى أبا

стр. 1264

عَنِ امْرَأةِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِيه حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي هِنْدٍ) حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ صفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، ــ عبيدة بن الجراح، فيكون مخضرمًا، وقال ابن حبان: له صحبة (عن امرأة أبي موسى) الأشعري أم عبد الله (عن أبي موسى عن النبي ﷺ بمثل حديث أبي بردة عن أبي موسى، وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد نيسابوري، وواحد واسطي، وغرضه بسوقه بيان متابعة امرأة أبي موسى لأبي بردة في رواية هذا الحديث عن أبي موسى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه والله أعلم. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنيه) أي حدثني حديث أبي موسى الأشعري (حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي، أَبو محمد البغدادي، المعروف بـ (ـابن الشاعر) ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥٩) تسع وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، قال حجاج (حَدَّثَنَا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، أَبو سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة، مات سنة (٢٥٧) سبع ومائتين، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا. (قال) عبد الصمد (حدثني أبي) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم، أَبو عبيدة البصري، ثقة ثبت، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا، قال عبد الوارث (حَدَّثَنَا داود) بن أبي هند القشيري مولاهم، أَبو محمد البصري، وقيل: أَبو بكر، وكان أبوه من خراسان، واسم أبي هند: دينار، وكان داود من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، ثقة متقن، كان يهم بأخره، من الخامسة، مات سنة (١٤٠) أربعين ومائة، وقيل قبلها، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن أبي هند) إشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل مما زادها من عند نفسه، إيضاحًا للراوي، قال داود (حَدَّثَنَا عاصم) بن سليمان الأحول التميمي مولاهم، أَبو عبد الرحمن البصري، ثقة من الحفاظ، من الرابعة، لم يتكلم فيه إلَّا القطان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن صفوان بن محرز) -بضم الميم واسكان الحاء المهملة وكسر

стр. 1265

عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، ــ الراء آخره زاي- بن زياد المازني، الباهلي البصري، ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٧٤) أربع وسبعين ومائة، روى عن جندب بن عبد الله، وأبي موسى في الإيمان، وابن عمر في النجوى (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي (عن النبي ﷺ بهذا الحديث، وهذا السند من سباعياته، رجاله خمسة منهم بصريون، وواحد كوفي، وواحد بغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة صفوان بن محرز لأبي بردة في رواية هذا الحديث عن أبي موسى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي، أَبو علي الخلال (الحلواني) المكي الحافظ، ثقة له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا. قال الحسن (حَدَّثَنَا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، أَبو سهل البصري، صدوق من التاسعة، مات سنة (٢٥٧) قال عبد الصمد (أخبرنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أَبو بسطام البصري ثقة متقن حافظ، من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا (عن عبد الملك بن عُمير) بن سُويد بن جارية الفرس بفتح الفاء والراء وبالسين المهملة -نسبة إلى فرس، له سابق، اللخمي أبي عمر الكوفي، ويقال: أَبو عمرو القبطي، روى عن ربعي بن حراش، وعلقمة بن وائل، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن الحارث، وأبي بردة بن أبي موسى، وجابر بن سمرة، وقزعة، ومحمد بن المنتشر، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وخلائق، ويروي عنه (م ت س ق) وشعبة، وأَبو عوانة، وجرير بن عبد الحميد، والسفيانان، وزائدة، وهشيم، وزكرياء بن أبي زائدة وحماد بن سلمة، وخلائق، وقال في التقريب: ثقة فقيه تغير حفظه، وربما دلس، وقال ابن المديني: له نحو مائتي حديث، وقال أحمد: مضطرب الحديث جدًّا، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها، من الثالثة، مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة، ولد لثلاثٍ بقين من خلافة عثمان ﵁، وكان له يوم مات مائة سنة وثلاث سنين (١٠٣).

стр. 1266

عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ قَال: "لَيسَ مِنَّا" وَلَمْ يَقُلْ "بَرِيءٌ" ــ روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين، وفي الصلاة في ثلاثة مواضع، والجنائز والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع، والحج والبيوع والوصايا والأحكام والفضائل والأطعمة في موضعين والشعر والدلائل والفتن في موضعين، واللعان، فجملة الأَبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة عشر تقريبًا. (عن ربعي بن حراش) -بكسر الحاء المهملة - الغطفاني من قيس عيلان، من عُبَّاد أهل الكوفة وكان أعور، أو العبسي، بموحدة أبي مريم الكوفي مخضرم، روى عن أبي موسى في الإيمان، وحذيفة في الصلاة، والزكاة والبيوع والفتن، وأبي مسعود عقبة بن عمرو، في البيوع والفتن، وأبي بكرة في الفتن، وأبي ذر وعمر وعلي، فرد حديث، ويروي عنه (ع) وعبد الملك بن عمير، وأَبو مالك الأشجعي، ونُعيم بن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، قال العجلي: من خيار الناس، لم يكذب كذبة قط، وقال في التقريب: ثقة عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة (١٠٠) مائة، وقيل: إحدى ومائة، وقيل: أربع ومائة، في خلافة عمر بن عبد العزيز (عن أبي موسى) الأشعري الكوفي (عن النبي ﷺ بهذا الحديث) الذي رواه أَبو بردة عن أبي موسى، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان بصريان، وواحد مكي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ربعي بن حراش لأبي بردة في رواية هذا الحديث عن أبي موسى، وفائدتها بيان كثرة طرقه أيضًا. (غير أن في حديث) أي إلَّا أن في رواية (عياض) بن عمرو (الأشعري) عن امرأة أبي موسى عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنَّه (قال ليس منا) أي من أهل ملتنا أو من أهل هدينا وسيرتنا أو المعنى (قال) عياض في روايته (ليس منا) من حلق وسلق وخرق (ولم يقل) النبي ﷺ في رواية عياض أنا (بريء) ممن حلق وسلق وخرق، أو المعنى (ولم يقل) عياض في روايته أنا (بريء) ممن حلق، وهذا بيان لمخالفة رواية عياض لرواية غيره. وأما قوله (حدثني الحسن بن علي الحلواني) إلى آخره فقد ذكره مرفوعًا، فقال القاضي عياض قال الدَّارَقُطني: غير عبد الصمد من أصحاب شعبة إنما يرويه عن شعبة موقوفًا.

стр. 1267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال النواوي: وهذا لا يضر على المذهب الصحيح المختار، لأن الصحيح فيما رُفع تارة، ووقف تارة، أن الحكم للرفع، وقيل: للوقف، وقيل: للأضبط رواة، وقيل: للأكثر رواة، وفيما وصل تارة وأرسل تارة، أن الحكم للوصل، وقيل: للإرسال، والصحيح الأول، ومع هذا فالإمام مسلم لم يذكر هذا الإسناد معتمدًا عليه، بل إنما ذكره متابعة، فالمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث، ستة أحاديث، الأول: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال، والثاني: حديث سلمة بن الأكوع، والثالث: حديث أبي موسى، والرابع: حديث أبي هريرة وفيه متابعة واحدة، والخامس: حديث عبد الله بن مسعود وفيه متابعة واحدة، والسادس: حديث أبي موسى الأشعري وفيه متابعتان، فهذه الخمسة الأخيرة ذكرها للاستشهاد، والله أعلم. ***

стр. 1268

٥٢ - (١١) بَابُ: إِيمَانِ النَّمَّامٍ، وَغِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ ١٩٤ - (١٠٠) (٢٣) وحَدَّثَنِي شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِي، قَالا: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ ــ ٥٢ - (١١) بَابُ: إِيمَانِ النَّمَّامٍ، وَغِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان حكم إيمان النمام، هل يخرج بالنميمة عن الملة أم لا، وبيان غلظ تحريمها؛ إذا لم تخرج صاحبها عن الملة، لأنه لا يدخل الجنَّة أولًا؛ حتَّى يُعاقب عليها، والنميمة: هي نقل كلام الناس من بعضهم إلى بعض؛ على وجه الإفساد بينهم. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على التَّرجمة فقال: (١٩٤) - س (١٠٠) (٢٣) (وحدثني شيبان بن فروخ) الحبطي -بفتح المهملة والموحدة- مولاهم، أَبو محمد الأُبُلي -بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام- صدوق يهم، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٣٦) ست وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في عشرة أَبواب تقريبًا. (وعبد الله بن محمد بن أسماء) بن عبيد بن مخراق (الضبعيُّ) -بضم المعجمة وفتح الموحدة- أَبو عبد الرحمن البصري، ابن أخي جويرية بن أسماء، روى عن مهدي بن ميمون في الإيمان والوضوء، وعمه جويرية بن أسماء في مواضع، وطائفة، ويروي عنه (خ م دس) ومحمد بن يحيى، وأَبو يعلى، وثقه أَبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة جليل، من العاشرة، قال أَبو داود مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند، لأن شيبان بن فروخ صدوق. (قالا) أي: قال كل من شيبان، وعبد الله بن محمد (حَدَّثَنَا مهدي) بن ميمون الأزدي المعول بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو -نسبة إلى بطن من الأزد تُسمى مِعولة مولاهم، أَبو يحيى البصري، روى عن واصل بن حيان الأحدب الكوفي في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع، والصوم، والبيوع، والجهاد، والفضائل في موضعين، وهشام بن عروة، وابن سيرين، وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشيبان بن فروخ، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وهشام بن حسان، وعبد الرحمن بن مهدي في الوضوء والصلاة والجهاد، ووكيع، والقطان وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة

стр. 1269

(وَهُوَ ابْنُ مَيمُونٍ) حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ ــ من صغار السادسة، مات سنة (١٧٢) اثنتين وسبعين ومائة، وجملة الأَبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أَبواب تقريبًا. وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن ميمون) إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخيه وإشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته، قال مهدي بن ميمون (حَدَّثَنَا واصل) بن حيان (الأحدب) الأسدي الكوفي، روى عن أبي وائل في الإيمان والصلاة، والمعرور بن سويد في حق المملوك، وإبراهيم النخعي في الوضوء، وعبد الله بن أبي الهذيل في الفضائل، ويروي عنه (ع) ومهدي بن ميمون، وشعبة، ومسعر، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومغيرة بن مقسم وغيرهم، وثقه أبو داود، وابن معين، والنَّسائي، وابن حبان، وقال في التقريب: ثقة ثبت من السادسة، مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة، روى عنه المؤلف في خمسة أَبواب تقريبًا كما مر. (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي، أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان الكوفي، أحد سادة التابعين، مخضرم، أحد العلماء العاملين، وقال في التقريب: ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة (١٠٠) روى عنه المؤلف في تسعة أَبواب تقريبًا (عن حذيفة) بن اليمان، واسم اليمان: حُسيل -مصغرًا- ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن بن قطعة بن عبس، ويقال: حِسْل بكسر فسكون، العبسي بموحدة، أبي عبد الله الكوفي، وقيل المدائني، لأنه استوطنها، حليف الأنصار، الصحابي الجليل، من السابقين، وصح في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ أعلمه ما كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، من الفتن والحوادث، وأَبوه صحابي أيضًا، استشهد يوم أحد، له مائة حديث، اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. روى عن النبي ﷺ وعن عمر في الفتنة، ويروي عنه (ع) وأبو وائل في الإيمان، وهمام بن الحارث، وزيد بن وَهْب، وربعي بن حراش، وصلة بن زفر في الصلاة والفضائل، وأَبو الطفيل في الجهاد والنفاق، وجندب بن عبد الله في الفتن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وخلق روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والفضائل والجهاد والنفاق والفتن، في ستة أَبواب تقريبًا، مات بالمدائن سنة (٣٦) ست وثلاثين،

стр. 1270

أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنِمُّ الْحَدِيثَ. فَقَال حُذَيفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ" ــ بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلة، في أول خلافة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان بصريان، إلَّا شيبان بن فروخ فإنه أُبلي (أنَّه) أي أن حذيفة (بلغه) أي وصل إليه خبر (أن رجلًا) لم أرَ من ذكر اسمه أي أن رجلًا من المباحثين (ينم الحديث) أي يرفع كلام الناس إلى الأمير (فقال حذيفة) زجرًا له ولغيره عن النميمة (سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول لا يدخل الجنَّة) أصلًا أو أولًا (نمام) أي من ينقل قول الناس إلى غيرهم على وجه الإفساد بينهم، من نم المضاعف ينم بضم النون وكسرها، يقال نم الرجل الحديث نمًا، من بابي قتل وضرب إذا سعى به ليوقع فتنة ووحشة فالرجل نم تسمية له بالمصدر ونام مبالغة والاسم النميمة والنميم أيضًا اهـ مصباح، قال النواوي: والنميمة عرفًا نقل كلام الإنسان إلى غيره لقصد الإفساد بينهما. قال الغزالي في الإحياء: واعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كما تقول فلان يتكلم فيك بكذا قال وليست النميمة مخصوصة بهذا بل حد النميمة كشف ما يكره كشفه من قول أو فعل سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، وإنما قلنا أو فعل ليدخل فيه من أخبر بخبيئة إنسان لأنه من إفشاء السر كان رأه يخفي مالكٌ لنفسه فذكره فهو نميمة، وكل من حملت إليه نميمة وقيل له فلان يقول فيك أو يفعل فيك كذا فعليه ستة أمور، الأول أن لا يصدق القائل لأن النمام فاسق، والثاني أن ينهاه عن ذلك ويقبح عليه فعله لأن نهيه من النصيحة، والثالث أن يبغضه في الله تعالى لأنه مبغض عند الله تعالى فيجب بغض من أبغضه الله تعالى، والرابع أن لا يظن بأخيه الغاثب السوء، والخامس أن لا يحمل ولا يحكي عنه ما نقله إليه على سبيل التجسس والبحث عنه لأنه يصير نامًا أيضًا، والسادس أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته عنه فيقول فلان حكى كذا فيصير به نمامًا ويكون آتيًا ما نهى عنه هذا آخر كلام الغزالي بتصرف رحمه الله تعالى.

стр. 1271

١٩٥ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، ــ وحكمها الحرمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية فإنْ دعت حاجة إليها فلا منع منها وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانًا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله أو أخبر الإمام أو من له ولاية بأن إنسانًا يفعل كذا ويسعى بما فيه مفسدة ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته وكل هذا وما أشبهه فليس بحرام وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه مستحبًا على حسب المواطن والله أعلم اهـ نواوي. ومعنى قوله (لا يدخل الجنَّة نمام) أي لا يدخلها أصلًا إن استحل النميمة لأنه خرج عن الملة باستحلالها فليس بمؤمن فهو كافر خارج عن الملة، أو لا يدخلها ابتداءً مع الفائزين إن لم يستحلها حتَّى يعاقب عليها إن لم يتب عنها أو لم يدركه العفو من الله تعالى فهو مؤمن عاص ليس بخارج عن الملة فإيمانه باطل إن استحلها وناقص إن لم يستحلها فبهذا التأويل دل الحديث على التَّرجمة ودخل تحت ترجمة كتاب الإيمان فترجمتنا أعم وأوفق وأولى من ترجمتهم كما بيناه وهذا الحديث أعني حديث حذيفة بن اليمان مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن غيره كما في التحفة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه فقال: (١٩٥) - متا (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا علي بن حجر) بن إياس بن مقاتل بن مشمرخ (السعدي) أَبو الحسن المروزي من صغار التاسعة مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي أَبو يعقوب المروزي ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال إسحاق أخبرنا) بيانًا لاختلاف صيغتي شيخيه لأن علي بن حجر قال عن جرير بالعنعنة أي قال إسحاق أخبرنا (جرير) بن عبد الحميد بن قرط بن هلال بن قيس الضبي أَبو عبد الله الكوفي ثقة من الثامنة مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا. (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عثاب بمثلثة، الكوفي أحد الأعلام المشاهير ثقة ثبت وكان لا يدل من الخامسة مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين

стр. 1272

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثٍ، قَال: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرٍ، فَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ. فَقَال الْقَوْمُ: هذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ. قَال: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَينَا. فَقَال حُذَيفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ" ــ ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي ثقة إلَّا أنَّه يرسل كثيرًا من الخامسة مات سنة (٩٦) ست وتسعين بعد موت الحجاج بأربعة أشهر، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا. (عن همام بن الحارث) بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، روى عن حذيفة في الإيمان، وعائشة في الوضوء، وعدي بن حاتم في الصيد، والمقداد بن الأسود في المداحين آخر الكتاب وعمرو وعمار وأبي مسعود وجرير ويروي عنه (ع) وإبراهيم النخعي وسليمان بن يسار ووبرة بن عبد الرحمن، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة عابد من الثانية مات سنة (٦٥) خمس وستين، روى عنه المؤلف في أربعة أَبواب تقريبًا (قال) همام (كان رجل) من المباحثين (ينقل الحديث إلى الأمير) أي إلى أمير الكوفة أخبار الناس (فكنا) نحن (جلوسًا) أي جالسين مع حذيفة (في المسجد) أي في مسجد الكوفة أو في مسجد المدائن (فقال القوم) الجالسون عند حذيفة بعضهم لبعض (هذا) الرجل الداخل (ممن ينقل الحديث) أي ممن يسمع حديث الناس وينقله (إلى الأمير) والوالي فانتبهوا له (قال) همام بن الحارث (فجاء) ذلك الرجل ودنا إلينا (حتَّى جلس إلينا) أي عندنا (فقال حذيفة) بن اليمان بقصد إسماعه هذا الحديث وزجره عن التجسس (سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يدخل الجنَّة) أصلًا لكفره أو ابتداءً مع الناجين لارتكابه الكبيرة (قتات) أي نمام يقال قته يقته قتًا، بضم القاف من باب شد يشد لا غير، قال القاضي: هو من تقتَّت الحديث إذا تسمَّعه وجمعه لنقله إلى غيره، وهو بمعنى ما في الرواية السابقة من قوله (نمام) وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون إلَّا علي بن حجر، وإسحاق بن إبراهيم فإنهما مروزيان، قيل: وإلَّا حذيفة فإنه مدائني، لأنه استوطن المدائن، على ما ذكره النواوي، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة همام بن الحارث لأبي وائل في رواية هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وبيان اختلاف الروايتين، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى والله أعلم.

стр. 1273

١٩٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيميُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَش، ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه فقال: (١٩٦) - متا (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (حَدَّثَنَا أَبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة حافظ من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) وله (٨٢) سنة، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا. (ووكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أَبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما رويا (عن الأعمَش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ قارئ، من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قالا حَدَّثَنَا منجاب) -بكسر أوله وسكون ثانيه ثم جيم ثم موحدة- (بن الحارث) بن عبد الرحمن (التميمي) أَبو محمد الكوفي، ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والفضائل والآيات وغيرها. وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي لمنجاب بن الحارث، تورعًا من الكذب على أبي بكر، قال منجاب بن الحارث (أخبرنا) علي (بن مسهر) -بضم الميم وسكون الميم وكسر الهاء- القرشي، أَبو الحسن الكوفي، قاضي الموصل، ثقة من الثامنة، له غرائب بعدما أضر مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا. (عن) سليمان بن مهران المعروف بـ (ـالأعمش) الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي

стр. 1274

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَال: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيفَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَينَا، فَقِيلَ لِحُذَيفَةَ: إِنَّ هذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ. فَقَال حُذَيفَةُ، إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَدْخُلُ الْجَنةَ قَتَّاتٌ" ــ من الخامسة (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي (عن همام بن الحارث) النخعي الكوفي. (قال) همام بن الحارث (كنا جلوسًا مع حذيفة) بن اليمان (في المسجد) أي في مسجد الكوفة (فجاء رجل) من الجاسوس (حتَّى) دنا و (جلس إلينا) أي جنبنا وقربنا (فقيل لحذيفة) بن اليمان أي قال لحذيفة بن اليمان من يعرف ذلك الرجل الجاسوس طن هذا) الرجل الداخل علينا (يرفع إلى السلطان) وولاة الأمور (أشياء) من أخبار الناس وأحوالهم فانتبهوا له ولا تتحدثوا عنده شيئًا (فقال حذيفة إرادة أن يسمعه) أي لأجل قصد أن يسمع ذلك الرجل الداخل علينا لينزجر عن نميمته (سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يدخل الجنَّة) أصلًا أو ابتداءً (قتات) أي نمام، وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون وقيل إلَّا حذيفة، لأنه استوطن المدائن بلدة بقرب واسط، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعمَش لمنصور بن المعتمر في رواية هذا الحديث عن إبراهيم النخعي، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى، فلا اعتراض عليه في تكراره السند والمتن، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، والله أعلم. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلَّا حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه وذكر فيه متابعتين. * * * * *

стр. 1275

٥٣ - (١٢) بَابٌ: إِيمَانِ الْمُسْبِل إِزَارَهُ، وَالْمَانِّ بِصَدَقَتِهِ، وَالْمُنَفِّقِ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِ ١٩٧ - (١٠١) (٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، ــ ٥٣ - (١٢) بَابٌ: إِيمَانِ الْمُسْبِل إِزَارَهُ، وَالْمَانِّ بِصَدَقَتِهِ، وَالْمُنَفِّقِ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِ أي هذا بابٌ معقود في بيان حكم إيمان المسبل والمرخي إزاره، عن الحد المشروع، لأجل الخيلاء والكبر، وحكم إيمان المان بصدقته، أي الذي يمتن ويعدد بصدقته على المتصدق عليه وحكم إيمان المنفق والمُربح بسلعته وبضاعته المعروضة للبيع، بالحلف الكاذب، واليمين الفاجرة على أنَّه اشتراها بكذا، ولا يبيعها إلَّا بكذا، وحكم إيمان من لا يكلمه الله يوم القيامة لغضبه عليهم، فإيمان هؤلاء إن استحلوا عملهم ذلك فهو باطل، لخروجهم عن الملة؛ باستحلال عملهم، وإلا فإيمانهم صحيح، ولكن هم عصاة يعاقبون على عملهم، وترجمتنا هذه أعم وأولى من تراجمهم، وأوفق لترجمة كتاب الإيمان، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى لهذه التَّرجمة فقال: (١٩٧) - س (١٠١) (٢٤) (حَدَّثَنَا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) (ومحمد بن المثنى) العنزي أَبو موسى البصري، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) محمد (بن بشار) العبدي، أَبو إسحاق البصري، المعروف ببندار، لكونه بُندار العلم أي أوعيته، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) وله (٨٥) سنة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من أبي بكر وابن المثنى وابن بشار (حَدَّثَنَا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم، أَبو عبد الله البصري، المعروف بغُندر، من التاسعة، مات في ذي القعدة سنة (١٩٣) وكان ابن امرأة شعبة، روى عنه المؤلف في ستة أَبواب تقريبًا (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبي بسطام البصري، ثقة متقن حافظ، من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابا (٣٥) تقريبًا (عن علي بن مدرك) -بضم الميم يسكان الدال المهملة وكسر الراء على صيغة اسم الفاعل- النخعي، أبي مدرك

стр. 1276

عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ، ــ الكوفي، روى عن أبي زرعة في الإيمان، وهلال بن يساف، وإبراهيم، ويروي عنه (ع) وشعبة، والأعمش، والمسعودي، ثقة من الرابعة، مات سنة (١٢٥) عشرين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان. (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة من الثالثة، رأى عليًّا (عن خرشة) بخاء معجمة ثم راء مفتوحتين ثم شين معجمة (ابن الحُرِّ) بضم المهملة والراء المشددة، الفزاري الكوفي، أخي سلامة بنت الحر، كان يتيمًا في حجر عمر، قال أَبو داود: له صحبة، وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين، فيكون من الثانية، روى عن أبي ذر في الإيمان، وعبد الله بن سلام في الفضائل، وعن عمر، ويروي عنه (ع) وأَبو زرعة، وربعي بن حراش، والمسيب بن رافع، من الثانية، مات سنة (٧٤) أربع وسبعين (عن أبي ذر) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الغفاري المدني الصحابي المشهور أحد نجباء الصحابة تقدم إسلامه وتأخرت هجرته فلم يشهد بدرًا ومناقبه كثيرة جدًّا مات بالربذة وقبر هناك سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهم روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة وفي إسلام أبي ذر. وهذا السند من سباعياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون وثلاثة كوفيون وواحد مدني، إلَّا في سند ابن أبي شيبة فالكوفيون عليه أربعة والبصري اثنان والمدني واحد (عن النبي ﷺ قال ثلاثة) أنفار (لا يكلمهم الله) (يوم القيامة) تكليم رضًا عنهم بل يكلمهم تكليم سَخَطٍ وغضب عليهم كما جاء في صحيح البخاري "يقول الله لمانع الماء اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" رواه البخاري (٢٣٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وكما حكى الله تعالى أنَّه يقول للكافرين ﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل معناه لا يكلمهم بلا واسطة استهانة بهم، وقيل معنى ذلك الإعراض عنهم والغضب عليهم (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة ورضا بل ينظر إليهم نظر سخط وغضب، ونظر الله تعالى إلى عباده رحمته لهم وعطفه عليهم وإحسانه إليهم، وهذا النظر هو المنفي في هذا الحديث، فمعنى لا ينظر

стр. 1277

وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَال: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَال أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: الْمُسْبِلُ، ــ إليهم لا يرحمهم من إطلاق السبب وإرادة المسبب وإلَّا فالله يرى كل موجود (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من ذنوبهم لعظم جرمهم، وقيل لا يثني عليهم ومن لا يثني عليه سبحانه يعذبه (ولهم) أي لأولئك الثلاثة (عذاب أليم) أي شديد الألم الموجع، أي لهم عذاب أليم مؤبد لا ينقطع على كفرهم إن استحلوا ذلك فلا إيمان لهم، أو عذاب شديد على جرمهم مجازاة عليه إن لم يستحلوا ذلك، فإيمانهم باق صحيح، فبهذا التَّأويلِ طابق الحديث التَّرجمة، ومعنى (عذاب اليم) مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع، يقال: عَذَبْتُه عَذْبًا إذا منعته، وعَذَبَ عُذُوبًا أي امتنع، وسمي الماء عذبًا لأنه يمنع العطش فسمي العذاب عذابًا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله والله أعلم اهـ نووي. (قال) أَبو ذرٍّ (فقرأها) أي قرأ هذه الآية يعني لا يكلمهم الله إلخ (رسول الله ﷺ وكررها (ثلاث مرار) أي ثلاث مرات تأكيدًا لشأن هؤلاء الثلاثة (قال أَبو ذرٍّ) قلت للنبي ﷺ (خابوا) أي خاب هؤلاء الثلاثة وحرموا عن نيل المقاصد التي هي رضا الله تعالى وإحسانه ورحمته (وخسروا) في صفقتهم بطردهم عن رحمته تعالى واستحقاقهم لعذابه (من هم) أي من هؤلاء الثلاثة الذين لا يكلمهم الله تعالى ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم (يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ أحدهم (المسبل) أي المرخي إزاره الجار طرفه على الأرض خيلاء، أي كبرًا وعجبًا كما جاء في الحديث الآخر "لا ينظر الله إلى من يجر ثوبه بطرًا" وقد أخرجه أحمد في المسند عن ابن عمر بلفظ "لا ينظر الله إلى الذي يجر إزاره خيلاء" والخيلاء الكبر، والإزار ما يتحزم به، وكانت العرب لا تعرف السراويلات، وإنَّما تعرف الأزر، ذكر ابن عبد ربه: أن أعرابيًّا وجد سراويل، فأخرج يديه من ساقيه، وجعل يلتمس من أين يخرج رأسه فلم يجد فرمى به وقال: إنه لقميص شيطان، وخص الإزار لأنه أكثر لباس العرب، ويشهد لذلك قوله في الآخر "جر ثوبه" فعم جميع ما يلبس، فحكم الإزار والرداء

стр. 1278

وَالْمَنَّانُ، ــ والثوب في ذلك سواء، وقد روى أَبو داود من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة فمن جر منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". رواه أَبو داود (٤٠٩٤) وفي طريق أخرى قال ابن عمر ما قاله رسول الله ﷺ في الإزار "فهو في القميص" رواه أَبو داود (٤٠٩٥). قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقد بين النبي ﷺ الحد الأحسن والجائز في الإزار، الذي لا يجوز تعديه، فقال فيما رواه أَبو داود والنَّسائي من حديث أبي سعيد الخدري: "أُزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل ذلك ففي النار" رواه أَبو داود (٤٠٩٣) والنَّسائي في السنن الكبرى (٩٧١٥) والخيلاء: الكبر والعجب، ويدل هذا الحديث بمفهومه؛ على أن من جر ثوبه على غير وجه الخيلاء؛ لم يدخل في هذا الوعيد، ولما سمع أَبو بكر هذا الحديث "قال: يا رسول الله إن جانب إزاري يسترخي؟ فقال له النبي ﷺ لست منهم يا أبا بكر) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ (٦٠٦٢) إذ كان جره إياه لغير الخيلاء، بل لأنه لا يثبت على عاتقه. قال الأبي: وجر كل شيء بحسبه فجر السراويل والقميص إطالتهما لأسفل من الكعبين، وإطالة الكُمِّ، ففي العُتْبِيَّةِ رأى عمر رجلًا أطال كميه فقطعهما عليه على أطراف أصابعه. والوعيد المرتب على الجر والخيلاء إنما هو على الجر بالفعل، لا على الجر بالإمكان. فائدة: وأول من جر الثوب: قارون صاحب موسى بن عمران ﵇ اهـ تفسير الحدائق نقلًا عن روح البيان. (والمنان) فعال من المَنِّ، وهو من صيغ المبالغة، فلا يتناول الوعيد المذكور إلَّا من كثر منُّه وهو في ذلك كذلك بخلاف إبطاله الصدقة، وقد فسره في الحديث فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مَنَّهُ" أي إلَّا امتن به على المُعطى له، ولا شك في أن الامتنان بالعطاء مبطل لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمُعطى له، ولذلك قال تعالى ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].

стр. 1279

وَالْمُنَفقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ" ــ وإنما كان المن كذلك لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن البخل والعجب، والكبر ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعْظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها، والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه مُنعم بماله على المعطى له، ومتفضل عليه وإن له عليه حقًّا يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يحتقر المُعطى له؛ وإن كان في نفسه فاضلًا، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم به عليه، إذ قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يحرمه ذلك، وجعله ممن يُعطي ولم يجعله ممن يسأل، ولو نظر ببصيرته لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المُعطي من إثم المنع، وذم المانع، ومن الذنوب ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء الجميل، ولبسط هذا موضع آخر. وقيل المنان في هذا الحديث هو من المَن الذي هو القطع، كما قال الله تعالى ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]، أي غير مقطوع، فيكون معناه البخيل، بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحق، كما قد جاء في حديث آخر "البخيل المنان" رواه أحمد من حديث أبي ذر ﵁ فنعته به، لأن المن يستلزم البخل، لأن المان لا يمن إلَّا بما عظم في عينيه وشح بإخراجه، والجواد لا يستعظم فلا يمن ويدل على أنَّه يستلزمه قوله: وإن امرأً أهدى إلي صنيعة ... وذكَّرنيها مرة لبخيل وإذا كان التذكير بالنعمة يستلزم بالبخل فكيف بالمن الذي هو أخص منه، وإنما كان أخص منه، لأنه تقرير النعمة على من أسديت إليه، والمعنى الأول أظهر لقوله "لا يُعطي شيئًا إلَّا منها (والمنفق) أي المربح (سلعته) المعروضة للبيع (بالحلف الكاذب) أي باليمين الفاجرة، فهو بمعنى الرواية الأخرى "بالحلف الفاجر" ويقال: الحلف بكسر اللام وإسكانها. قال القرطبي: قوله: (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) الرواية في المُنفق بفتح النون وكسر الفاء مشددة، وهو مضاعف نفق البيع ينفق نفاقًا إذا خرج ونفد، وهو ضد كسد، غير أن نفق المُخفف لازم، فإذا شُدد عُدي إلى المفعول، ومفعوله هنا سلعته، وقد وصف الحلف وهي مؤنثة بالكاذب، وهو وصف مذكر، وكأنه ذهب بالحلف مذهب القول فذكره، أو مذهب المصدر وهو مثل قولهم أتاني كتابه فمزقتها، ذهب بالكتاب مذهب الصحيفة والله تعالى أعلم.

стр. 1280

١٩٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، ــ وممن ذكر الإسكان ابن السكيت في أول كتابه "إصلاح المنطق" اهـ نواوي. قال القاضي: وقد جمعت هذه اليمين الكذب والغرور (أي غروره إياه بيمينه) وأخذ مال الغير بغير حق والاستخفاف بحق الله تعالى، فعلى القول في حد الكبيرة: إنه ما توعد عليها تكون تلك الثلاث كبائر لترتيبه الوعيد عليها إن لم يستحلها، وإلَّا فقد أخرجته من الملة وسلبته الإيمان. وهذا الحديث أعني حديث أبي ذر شارك المؤلف في روايته أَبو داود (٤٠٨٧) و (٤٠٨٨) والتِّرمِذي (١٢١١) والنَّسائي (٧/ ٢٤٥) وابن ماجة (٢٢٠٨). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (١٩٨) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثني أَبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٥) أربعين ومائتين على الصحيح روى عنه المؤلف في ستة أَبواب، قال أَبو بكر (حَدَّثَنَا يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان التميمي أَبو سعيد البصري الأحول أحد أئمة الجرح والتعديل ثقة متقن حافظ إمام قدوة من التاسعة مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بلفظ هو في قوله (وهو القطان) إشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي قال يحيى (حَدَّثَنَا سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع الثَّوري أَبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة مات سنة (١٦١) إحدى وستين ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا. فائدة: إذا روى المؤلف عن سفيان وأطلق فالعلامة التي تعرف بها أنَّه ثوري أو ابن عيينة أنَّه إن وقع ثالث السند كما هنا فهو ثوري وإن وقع ثاني السند فهو ابن عيينة إلَّا في المقدمة فإنه يخالف فيها هذه القاعدة، قال سفيان (حَدَّثَنَا سليمان) بن مهران (الأعمَش) الكاهلي مولاهم أَبو محمد الكوفي ثقة حافظ قارئ من الخامسة مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة (عن سليمان بن مسهر) الفزاري الكوفي، روى عن خرشة بن الحر في الإيمان والفضائل ويروي عنه (م د س) والأعمش وإبراهيم النخعي، وثقه النَّسائي، له

стр. 1281

عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لا يُعْطِي شَيئًا إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرٍ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ". ١٩٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ــ عندهم حديثان، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة، ووهم من ذكره في الصحابة (عن خرشة بن الحر) الفزاري الكوفي، ثقة من كبار التابعين، من الثانية، مات سنة (٧٤) (عن أبي ذر) جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري المدني، الصحابي المشهور، وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم كوفيون، واثنان بصريان، وواحد مدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سليمان بن مسهر لأبي زرعة في رواية هذا الحديث عن خرشة بن الحر، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المُتال والمُتابَع ثقتان، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى، بنقص شيء وزيادة شيء (عن النبي ﷺ قال ثلاثة) أنفار (لا يكلمهم الله) (يوم القيامة) تكليم رضًا ورحمة، بل يكلمهم تكليم غضب وسخط كما مر البحث عنه، أحدهم (المنان الذي) يمتن ويذكر ويعدد ما أعطى على الفقير و (لا يعطي شيئًا إلَّا مَنَّهُ) أي منَ ذلك الشيء وذكره وعدده على المعطى له، ليتكبر به ويفتخر به عليه (و) ثانيهم (المنفق) أي المربح (سلعته) وبضاعته (بالحلف الكاذب) واليمين الفاجرة (و) ثالثهم (المسبل) أي المرخي (إزاره) على الأرض، والجار لها على الأرض، وقد تقدم بحث أي بحث على هذا الحديث قريبًا، فلا عود ولا إعادة والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (١٩٩) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه) أي وحدثني الحديث المذكور يعني حديث أبي ذر الغفاري (بشر بن خالد) الفرض نسبة إلى علم الفرائض - العسكري، أَبو محمد البصري، روى عن محمد بن جعفر في الإيمان وغيره، وحسين الجعفي، وعدة، ثقة يغرب من العاشرة، مات سنة (٢٥٥) قال بشر (حَدَّثَنَا محمد) بن جعفر الهذلي مولاهم، المعروف بغندر، أَبو عبد الله البصري، ثقة إلَّا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في ستة أَبواب تقريبًا.

стр. 1282

(يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) عَن شُعْبَةَ، قَال: سَمِعْتُ سُلَيمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". ٢٠٠ - (١٠٢) (٢٥) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، ــ وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن جعفر) إشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم أبي بسطام البصري، ثقة متقن إمام الأئمة، من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا. (قال) شعبة (سمعت سليمان) بن مهران الأعمَش الكاهلي، أبا محمد الكوفي، ثقة مدلس من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بمحذوف حال من سليمان، أي سمعت سليمان الأعمَش حالة كونه راويًا عن أبي ذر بهذا الإسناد، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو سليمان الأعمَش، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شعبة لسفيان الثَّوري في رواية هذا الحديث عن الأعمَش، أي حالة كون سليمان الأعمَش راويًا عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ ، وهذا السند أيضًا من سباعياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه أيضًا، وذكر هنا من الحديث ما خالف فيه شعبة لسفيان بقوله (و) لكن (قال) شعبة في روايته عن الأعمَش (ثلاثة) سوغ الابتداء بالنكرة نية إضافة مخصصة، أي ثلاثة أنفار (لا يكلمهم الله) تكليم رضا ولطف (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة واحسان (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من خبيث أعمالهم لعظم جرمهم، لأن ذنوبهم جمعت ذنوبًا كثيرة (ولهم عذاب أليم) أي شديد الألم، يصل ألمه إلى قلوبهم، فخالف شعبة لسفيان بزيادة ولا ينظر إليهم إلخ، والله أعلم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي ذر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٠٠) - ش (١٠٢) (٢٥) (وحدثنا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا.

стр. 1283

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُريرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ (قَال أَبُو مُعَاويةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" ــ قال أَبو بكر (حَدَّثَنَا وكيع) بن الجراح الرؤاسي أَبو سفيان، ثقة من كبار التاسعة، مات في آخر سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (وأَبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الضرير الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه كلاهما رويا (عن الأعمَش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي جالس أبا هريرة خمس سنين، ثقة من الثالثة، مات على رأس (١٠٠) المائة، روى عنه المؤلف في خمسة أَبواب تقريبًا. (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، الصحابي الجليل أحد المكثرين، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم كوفيون إلَّا أبا هريرة، فإنه مدني (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله) (يوم القيامة) تكليم رضًا ورحمة (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم الله من خبيث أعمالهم، وقبيح سيئاتهم بالعفو والغفران (قال أَبو معاوية) أي زاد أَبو معاوية في روايته على وكيع وقال (ولا ينظر الله إليهم) نظر رحمة وإحسان (ولهم) أي لهؤلاء الثلاثة (عذاب أليم) أي وجيع، يصل وجعه إلى قلوبهم، أحدهم (شيخ) وهو من طعن في من الكبر، بأن جاوز العمر الغالب ستين سنة (زانٍ) أي زنى ووطئ في فرج حرام بغير شبهة ولا إكراه (وملك كذاب) أي يكذب في رعيته (وعائل) أي فقير (مستكبر) أي متكبر على غيره، فالسين فيه زائدة، قال القرطبي: العائل الفقير والمعيل الكثير العيال، يقال: عال الرجل فهو عائل إذا افتقر، والعيلة الفقر، وأعال فهو معيل إذا كثر عياله. قال القاضي: ولا يقتضي الحديث أن غير الثلاثة معذور، لأنها إنما ذكرت لبيان أن العقوبة عليها أشد وكانت أشد لأن المعصية مع وجود الصارف عنها تدل على الاستخفاف بحق المعبود، والمعاندة له فالصارف للشيخ عن الزنا انكسار حدة شهوته،

стр. 1284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكمال عقله، وطول إعذار الله سبحانه إليه، والصارف للملك عن الكذب قدرته على نيل اختياره دون كذب، إذ لا يخشى أحدًا، والصارف للعائل عن الاستكبار فقره، لأن الاستكبار إنما هو بالدنيا، وليست عنده فاستكباره عناد اهـ. وقال القرطبي: وإنما غلظ العقاب على هؤلاء الثلاثة لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة، واستخفاف أمر تلك المعاصي التي اقتحموها، إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ حاجِي، ولا دعتهم إليها ضرورة كما يدعو من لم يكن مثلهم. وبيان ذلك أن الشيخ لا حاجة ولا داعية له تدعوه إلى الزنا، لضعف داعية النكاح في حقه ولكمال عقله، ولقرب أجله، إذ قد انتهى إلى طرف عمره، ومثله في ذلك الملك الكذاب، إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يمشي أغراضه بالصدق، فإن خاف من الصدق مفسدة ورَّى، وأما العائل المستكبر فاستحق ذلك لغلبة الكبر على نفسه إذ لا سبب له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالبًا إنما يكون بالمال والخدم والجاه، وهو قد عدم ذلك كله، فلا موجب له إلَّا غلبة الكبر على نفسه، وقلة مبالاته بتحريمه، وتوعيد الشرع عليه، مع أن اللائق به والمناسب لحاله الرقة والتواضع لفقره وعجزه اهـ. فلم يبق في زنا الأول، وكذب الثاني، واستكبار الثالث إلَّا ضربًا من الاستخفاف بحق الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلة الخوف من وعيده إذ لم يبق ثم حامل لهم على هذا سواه مع سبق القدر لهم بالشقاء، فهؤلاء الثلاثة إن استحلوا ذلك فقد خرجوا من الملة فلا إيمان لهم، وإلا فهم عاصون بارتكاب الكبائر فلا بد من معاقبتهم على ذلك إن لم يتوبوا، ولم يسمح الله لهم، فبهذا التأويل يطابق الحديث التَّرجمة. قال الأبي: فإن وجد من الشيوخ من لم تنكسر حدته، فلا يكون مساويًا للشاب لأن التعليل بالوصف لا يضره تخلف الحكمة في بعض الصور، كالملك المسافر يقصر وإن لم تلحقه المشقة فإن احتاج الملك إلى الكذب في مداهنة بعض المفسدين لم يلحقه الوعيد، لأنه أحد المواضع التي استثني فيها جواز الكذب، ويلحق بالثلاثة من شركهم في المعنى الموجب للوعيد كسرقة الغني فإنها ليست كسرقة المحتاج، ولا يبعد أن يكون المدح في أضداد هذه الأنواع أيضًا يتفاوت، فالعفة من الشاب أمدح منها من الشيخ، والصدق من غير الملك أمدح منه من الملك، والتواضع من الغني أمدح منه من الفقير،

стр. 1285

٢٠١ - (١٠٣) (٢٦) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ ــ ويدل على ذلك حديث: "وسبعة يظلهم الله ... " فذكر شابًّا نشأ في طاعة الله تعالى انتهى. وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة الوارد في (شيخ زانٍ وملك كذاب وعائل مستكبر) شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ٤٣٣)، والنَّسائي (٦/ ٨٦)، وابن ماجة (٢٢٠٨). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي ذر ثانيًا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٠١) - ش (١٠٣) (٢٦) (وحدثنا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي من العاشرة (وأَبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) (قالا) أي قال أَبو بكر وأَبو كريب (حَدَّثَنَا أَبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) (عن الأعمَش) سليمان بن مهران الكاهلي، أبي محمد الكوفي، ثقة من الخامسة، مات سنة (١٤٨) (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، مولى جويرية بنت الحارث، ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) روى عنه المؤلف في ثمانية أَبواب تقريبًا (عن أبي هريرة)، الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان (وهذا) الحديث الآتي لفظ (حديث أبي بكر) بن أبي شيبة، وأما أَبو كريب فروى معناه (قال) أَبو هريرة (قال رسول الله ﷺ ثلاث) أنفسٍ، وذكر اسم العدد هنا بحذف الهاء، وهو صحيح على معنى ثلاثُ أنفسٍ، وجاء الضمير في لا يكلمهم مذكرًا على المعنى، أي ثلاثة أنفارٍ (لا يكلمهم الله) (يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) أحدهم (رجلٌ) أي شخص (على فضل ماء) أي على ماء فاضل عن حاجته وكفايته، كائن ذلك الماء (بالفلاة) أي بالمفازة

стр. 1286

يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا ــ والفلاة بفتح الفاء هي المفازة والقفر التي لا أنيس بها (يمنعه) أي يمنع ذلك الماء (من ابن السبيل) أي من المسافر المار على ذلك الماء، أي يمنع ابن السبيل من شرب ذلك الماء الفاضل عن حاجته قال النواوي: ولا شك في غلظ تحريم ما فعل، وشدة قبحه، فإذا كان من يمنع فضل الماء الماشية عاصيًا، فكيف بمن يمنعه الأدمي المحترم فإن الكلام فيه فلو كان ابن السبيل غير محترم كالحربي والمرتد لم يجب بذل الماء له اهـ. قال القرطبي (قوله ورجل على فضل ماء بالفلاة) إلخ يعني بفضل الماء ما فضل عن كفاية السابق للماء وأخذ حاجته منه فمن وإن كذلك فمنع ما زاد على ذلك تعلق به هذا الوعيد، وابن السبيل: هو المسافر، والسبيل: الطَّرِيق، وسُمي المسافر بذلك لأن الطَّرِيق تبرزه وتظهره فكأنها ولدته، وقيل: سُمي بذلك لملازمته إياه، كما يقال في الغراب: ابن دأية لملازمته دأية البعير الدَّبِر لينقرها (والبعير الدَّبِرُ: هو الذي تقرحت دأيته، والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظِلفة الرحل فيعقره) والفلاة: القفر كما مر. وهذا هو الماء الذي قد نهى النبي ﷺ عن منعه بقوله: "لا يُمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" رواه البخاري، ومسلم، وأَبو داود، والتِّرمِذي، وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في رقم (١٥٦٦) وقد أجمع المسلمون على تحريم منع ذلك لأنه منع ما لا حق له فيه من مستحقه، وربما أتلفه أو أتلف ماله وبهيمته، فلو منعه هذا الماء حتَّى مات عطشًا اقتص منه عند مالك، لأنه قتله كما لو قتله بالجوع أو بالسلاح. قال الأبي: حمل الشراح هذا الماء على أنَّه غير مملوك الأصل، فهو من نوع ما قبله، فالصارف لهذا أيضًا كونه لا يملك أصله، وقد أخذ حاجته فمنعه، وقد استغنى عنه ككذب الملك مع ما فيه من تعريض مسلم للتلف اهـ. (و) ثانيهم (رجل بايع) أي ساوم (رجلًا) آخر وباع له (بسلعة) أي ببضاعة معروضة للبيع (بعد (صلاة (العصر فحلف) أي حلف وأقسم الرجل الأول وهو البائع (له) أي للرجل الثاني وهو المشتري (بالله) أي باسم الله أو بصفته ليغره على أنَّه (لأخذها) أي لأخذ تلك السلعة واشتراها (بـ) ـثمن قدره (كذا) أي ألف ريال (وكدا) أي وخمسمائة، مع

стр. 1287

فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيرِ ذلِكَ، ــ أنَّه أخذها بألف ريال فقط (فصدقه) أي فصدق المشتري البائع على أنَّه أخذها بألف وخمسمائة، فأعطاه ألفين، بزيادة خمسمائة أي ألف ريال (وهو) أي والحال أن أخذه تلك السلعة (على كير ذلك) المذكور من الذي أشار إليه بقوله: كذا وكذا، وهو ألف وخمسمائة، والمعنى أنَّه اشتراه بألف، ويزعم أنَّه اشتراها بالف وخمسمائة، ويبيعها بألفين. ومعنى الكلام أي: حلف له بعد صلاة العصر على أعين الناس فالتقييد بذلك لأنه وقت اجتماعهم وتكاثرهم، ولأنه وقت تلاقي ملائكة الليل والنهار، وفي ذلك تكثير للشهود منهم على كذب الحالف أو صدقه، فيكون أخوف، ذكره المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ في سورة المائدة اهـ من هامش بعض المتون. وقال القاضي عياض (وقوله بعد العصر) قيده بذلك لشدة الأمر فيها، وحضور ملائكة الليل والنهار عندها، وشهادتهم على مجاهرته ربه بيمينه واستخفافه عظيمَ حقه انتهى. وعبارة المفهم هنا (قوله: ورجل بايع رجلًا سلعة) رويناه سلعة بغير باء، ورويناه بالباء فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء في الرواية الآخرى "ساوم" مكان بايع، وتكون الباء بمعنى عن كما قال الشاعر: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء، وعلى إسقاطها يكون معنى بايع باع فيتعدى بنفسه، وسلعةً مفعول به وقوله (فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا) يعني أنَّه كذب فزاد في الثمن الذي به اشترى فكذب واستخف باسم الله تعالى حتَّى حلف به على الكذب، وأخذ مال غيره ظلمًا فقد جمع بين كبائر، فاستحق هذا الوعيد الشديد، وتخصيصه بما بعد العصر يدل على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم. وقال أيضًا: ويظهر لي أن يقال إنما كان ذلك لأنه عقب الصلاة الوسطى، كما يأتي النص عليه، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل، وعظيم القدر أكثر مما لغيرها كان ينبغي لمصليها أن يظهر عليه عقبها من التحفظ على دينه، والتحرز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عقب غيرها لأن الصلاة حقها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله

стр. 1288

وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلا لِدُنْيَا، فَإِنْ أعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ" ــ تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، أي تحمل على الامتناع عن ذلك مما يحدث في قلب المصلي بسببها من النور والانشراح والخوف من الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبي ﷺ بقوله: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزد من الله إلَّا بعدًا" رواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما. وإذا كان هذا في الصلوات كلها كانت الوسطى بذلك أولى، وحقها في ذلك أكثر وأوفى فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير كان إثمه أشد وقلبه أفسد والله أعلم. وهذا الذي ظهر لي، أولى مما قاله القاضي أَبو الفضل، فإنه إنما كان ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في ذلك الوقت لوجهين: أحدهما: لأن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر، لأن النبي ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ثم يجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر" رواه البخاري ومسلم والنَّسائي، فتبطل خصوصية العصر لمساواة الفجر لها في ذلك. وثانيهما: أن حضور الملائكة واجتماعهم إنما هو في حال فعل هاتين الصلاتين لا بعدهما كما قد نص عليه في الحديث حين قال: "يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر وتقول الملائكة أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون" وهذا يدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلَّا الصلوات فقط وبها يشهدون، فتدبر ما ذكرته فإنه الأنسب الأسلم، والله أعلم اهـ قرطبي. (و) ثالثهم (رجل بايع) وعاهد (إمامًا) وسلطانًا على الإمامة حالة كونه (لا يبايعه) أي لا يريد مبايعته (إلا للدنيا) أي إلَّا لأجل نيل حظوظ الدنيا منه من المال والجاه وغيرهما لا لاتفاق الكلمة (فإن أعطاه) أي فإن أعطاه الإمام (منها) أي من الدنيا (وفى) وبرَّ ونفَّدَ تلك البيعة فلا ينقضها ولا يخدعه (وإن لم يعطه) أي وإن لم يُعطِ الإمام ذلك الرجل مراده (منها) أي من الدنيا (لم يفِ) ذلك الرجل بيعة الإمام، بل ينقضه ويسعى في

стр. 1289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إبطالها، وقال القاضي: استحق ذلك لغشه الإمام والمسلمين، لأنه يظن أنَّه إنما بايعه ديانة، وهو قَصَدَ ضد ذلك، مع ما يثير من الفتن، لا سيما إن كان متبوعًا انتهى. قال القرطبي قوله: (ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلَّا لدنيا) إنما استحق هذا الوعيد الشديد لأنه لم يقم لله تعالى بما وجب عليه من البيعة الدينية، فإنها من العبادات التي تجب فيها النية والإخلاص، فإذا فعلهما لغير الله تعالى من دنيا يقصدها، أو غرض عاجلٍ يقصده بقيت عهدتها عليه لأنه منافق مراء غاش للإمام والمسلمين غير ناصح في شيء من ذلك، ومن كان هذا حاله كان مثيرًا للفتن بين المسلمين، بحيث يسفك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويهتك بلادهم، وسعى في إهلاكهم لأنه إنما يكون مع من بلَّغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك وينصره ويغضب له ويقاتل مخالفه، فينشأ من ذلك تلك المفاسد، وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه فينكث بيعته ويطلب هلكته، كما هو حال أكثر أهل هذه الأزمان، فإنهم قد عمهم الغدر والخذلان. قوله (فإن أعطاه منهما وفى) إلخ هكذا الرواية (وفى) بتخفيف الفاء و (يف) محذوف الواو والياء مخففًا، وهو الصحيح هنا رواية ومعنى، لأنه يقال وفى بعهده يفي وفاءً، والوفاء ممدود: ضد الغدر، ويقال: أوفى بمعنى وفى، وأما (وفَّى) المشدد الفاء فهو بمعنى توفية الحق وإعطائه، يقال: وفاه حقه يُوفيه توفية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]، أي قام بما كلفه من الأعمال كخصال الفطرة وغيرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وحكى الجوهري: أوفاه حقه، وعلى هذا، وعلى ما تقدم فيكون أوفى بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفية الحق والأصل أوفى: أطل على الشيء وأشرف عليه. واعلم: أن اختلاف بيان الثلاثة في أحاديث الباب أعني حديث أبي ذر وحديثي أبي هريرة محمول على اختلاف حاجة المُخاطبين بها إلى بيان تلك الثلاثة المذكورة في كل حديث من تلك الأحاديث هكذا ظهر لفهمي السقيم، ولم أرَ من ذكره، وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة الثاني شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٢٥٣) والبخاري (٢٣٥٨) وأبو داود (٣٤٧٤) و (٣٤٧٥) والنَّسائي (٧/ ٢٤٧) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة هذا رضي الله تعالى عنه فقال:

стр. 1290

٢٠٢ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإسْنَادِ ... مِثْلَهُ ــ (٢٠٢) - متا (٠٠) (٠٠) وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أَبو خيثمة النَّسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا، قال زهير (حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أَبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا سعيد بن عمرو) بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي (الأشعثي) بالشين المعجمة والعين المهملة والثاء المثلثة منسوب إلى جده الأشعث أَبو عثمان الكوفي روى عن عبثر بن القاسم في الإيمان وغيره، وسفيان بن عيينة في مواضع، ومروان بن معاوية في الصوم، وأبي ضمرة أَنس بن عياض في الصوم، وحاتم بن إسماعيل في الحج والبيوع وأبي أمامة في الأشربة، ويروي عنه (م) وأَبو زرعة ووثقه، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، روى عنه المؤلف في أربعة أَبواب تقريبًا كما بيناها، قال سعيد بن عمرو (أخبرنا عبثر) بمثلثة بوزن جعفر، ابن القاسم الزبيد -بالضم مصغرًا- أَبو زبيد بضم الزاي الكوفي روى عن الأعمَش في الإيمان، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق الشيباني، ومطرف بن طريف، وحصين بن عبد الرحمن، والعلاء بن المسيب وغيرهم، ويروي عنه (ع) وسعيد بن عمرو الأشعثي ويحيى بن يحيى وهناد بن السري، وخلف بن هشام، وأحمد بن يونس، وقتيبة وخلق، قال أَبو داود: ثقة ثقة، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين، والجنائز، والحج، والطلاق، والأشربة في موضعين، والأطعمة، والأدب، فجملة الأَبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية تقريبًا. (كلاهما) أي كل من جرير وعبثر رويا (عن الأعمَش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ مدلس، من الخامسة، مات سنة (١٤٨) والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتاج، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع من أبي صالح وأبي هريرة، وقوله (مثله) مفعول ثانٍ لما عمل في

стр. 1291

غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا سِلْعَة". ٢٠٣ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي عمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ ــ المتابع، والضمير عائد إلى أبي معاوية في السند السابق، والتقدير كلاهما رويا عن الأعمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديث أبي معاوية عن الأعمَش، وهذان السندان من خماسياته، الأول منهما رجاله: كوفيان ومدنيان ونسائي، والثاني رجاله: ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جرير وعبثر لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمَش، وفائدتها بيان كثرة طرقه، واستثنى عن المماثلة بقوله (غير أن في حديث جرير ورجل ساوم رجلًا سلعة) له معروضة للبيع بدل قوله في الرواية الأولى (ورجل بايع رجلًا) والله أعلم، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٠٣) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور بمعجمة (الناقد) أَبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ وهمَ في حديث، من العاشرة مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في عشرة أَبواب تقريبًا، قال عمرو (حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة بن ميمون الهلالي مولاهم، أَبو محمد الأعور المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، من الثامنة مات أول يوم من رجب سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة، وله (٩١) إحدى وتسعون سنة، ودفن بالحجون، قال لابن أخيه الحسن بن عمران بن عيينة بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ذلك، قال: فلم يسأل الله تعالى فرجع فتوفي في السنة الداخلة، روى عنه المؤلف في خمسة وعشرين بابًا تقريبًا. (عن عمرو) بن دينار الجمحي مولاهم، أبي محمد المكي، ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١٢٦) ستٍ وعشرين ومائة في أولها، روى عنه المؤلف في اثنين وعشرين بابًا تقريبًا (عن أبي صالح) ذكوان السمان مولى جويرية بنت الحارث القيسية، المدني، ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) (عن أبي هريرة) الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مكيان وواحد بغدادي، وغرضه بسوق هذا

стр. 1292

قَال: أُرَاهُ مَرْفُوعًا. قَال: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصرِ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ" وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الأَعْمَشِ ــ السند بيان متابعة عمرو بن دينار لسليمان الأعمَش في رواية هذا الحديث عن أبي صالح، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر من متن الحديث لما فيه من المخالفة للراوية الأولى (قال) أَبو صالح (أراه) أي أرى هذا الحديث وأظنه (مرفوعًا) أي رواه أَبو هريرة ورفعه إلى النبي ﷺ وقال (قال) النبي ﷺ (ثلاثة) أنفار (لا يكلمهم الله) يوم القيامة (ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم) أحدهم (رجل حلف) وأقسم (على يمين) أي على محلوف به من أسمائه تعالى أو صفاته، أي حلف بما يُحلف به شرعًا من أسمائه وصفاته، فعلى بمعنى الباء، واليمين بمعنى المحلوف به، ويجوز أن يقال: إن على صلة، وينصب يمين على أنَّه مصدر ملاق في المعنى لا في اللفظ كما في القرطبي (بعد صلاة العصر) خصها لأنها وقت اجتماع الشهود كما مر. (على) ادعاء (مال) امرئٍ (مسلم) أو ذمي لأن ماله محترم، وكذا اختصاصاتهما فحُكم له بيمينه مع شاهد (فاقتطعه) أي فاقتطع ذلك المال، وأخذه مع كذبه في دعواه (وباقي حديثه) أي حديث عمرو بن دينار (نحو حديث الأعمَش) أي مثله. ***

стр. 1293

٥٤ - (١٣) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي النَّارٍ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَغَيرِ ذَلِكَ ٢٠٤ - (١٠٤) (٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، ــ ٥٤ - (١٣) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي النَّارٍ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَغَيرِ ذَلِكَ أي هذا باب معقود في بيان حكم إيمان من قتل نفسه بشيء من الآلة، أو بغيره كالتردي من الجبل، فإنه إن استحل ذلك فقد خرج من الملة فهو كافر، وإلا فهو مؤمن عاصٍ فيعذب بما قتل به نفسه في النار الآخروية تغليظًا عليه، وبيان أنَّه لا يدخل الجنَّة إلَّا نفس مؤمنة وإن ارتكبت المعاصي، فلا تدخلها الكافرة لأن الله حرم الجنَّة على الكافرين، وغير ذلك المذكور مما سيأتي في الأحاديث الآتية: كإيمان من حلف بملة غير الإسلام. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على التَّرجمة فقال: (٢٠٤) - س (١٠٤) (٢٧) (حَدَّثَنَا أَبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة (وأَبو سعيد) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي (الأشج) الكوفي، روى عن وكيع في الإيمان، وحفص بن غياث في الصلاة وغيرها، ومحمد بن فضيل وأبي نعيم الفضل بن دكين في الصلاة، وأبي خالد الأحمر في الإيمان وابن إدريس وهُشيم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن أبي حاتم، وقال في التقريب: ثقة من صغار العاشرة، مات سنة (٢٥٧) سبع وخمسين ومائتين، وقال أَبو حاتم: هو إمام أهل زمانه، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من أبي بكر وأبي سعيد (حَدَّثَنَا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أَبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات في آخر سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (عن) سليمان بن مهران المعروف بـ (الأعمَش) الكاهلي، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ مدل من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة وله (٨٤) سنة روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.

стр. 1294

عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، ــ (عن أبي صالح) السمان المدني (عن أبي هريرة) الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان. فائدة: وقول الأعمَش في السند عن أبي صالح، مما يقدح في السند، لأن الأعمَش مدلس، والمدلس إذا قال عن لا يحتج به إلَّا إذا ثبت السماع من جهة أخرى، وقدمنا أن ما كان في الصحيحين عن المدلس بعن فمحمول على أنَّه ثبت السماع من جهة أخرى، وقد جاء هنا مبينًا في الطَّرِيق الآخر من رواية شعبة. (قال) أَبو هريرة (قال رسول الله ﷺ من قتل نفسه بحديدة) أي بآلة قتلء سواء كانت من حديد، أو رصاص، أو نحاس، أو ذهب، أو فضة مثلًا كسيف، أو رمح وخنجر (فحديدته) التي قتل بها نفسه في الدنيا تكون (في يده) يوم القيامة، فضيحة له على عمله حالة كونه (يتوجأ) ويطعن (بها) أي بتلك الحديدة (في بطنه) جزاءً له بجنس عمله (في نار جهنم) أي في نارٍ تُسمى بجهنم، ومعنى يتوجأ: يطعن، وهو مهموز من قولهم وجاته بالسكين أجاه أي ضربته، ووَجيءٌ هو فهو موجوء ومصدره وَجئًا مقصورًا ومهموزًا، فأما الوِجاء بكسر الواو والمد فهو رَضٌّ الأنثيين، وهو ضرب من الخصاء، حالة كونه (خالدًا) فيها أي ماكثًا في نار جهنم مكثًا طويلًا، أي مستحقًا الخلود والمكث الطويل فيها لجريمته (مخلدًا فيها) أي محكومًا عليه من جهة الله تعالى بالخلود والدوام فيها (أبدًا) أي أزمنة طويلة أو أزمنة لا نهاية لها، وقيل: مخلدًا وأبدًا بعد خالدًا من التأكيد اللفظي بمرادفه لأن صيغتهما مختلفتان. قال القرطبي: ظاهر قوله (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) التخليد الذي لا انقطاع له بوجه، وهو محمول على من كان مستحلًا لذلك، ومن كان معتقدًا لذلك كان كافرًا فلا إيمان له، وأما من قتل نفسه وهو غير مستحل، فهو عاص ليس بكافر فإيمانه صحيح فيجوز أن يعفو الله عنه كما سيأتي في الذي قطع براجمه فمات، والبراجم العُقد التي في ظهور الأصابع، ويجوز أن يراد بقوله (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) تطويل الآماد، فيكون المراد بالخلود في النار خروجه منها آخر من يخرج من أهل التوحيد، ويجري هذا

стр. 1295

وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا ــ مجرى المثل، فتقول العرب: خلد الله ملكك، وأبد أيامك، ولا أكلمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلمه بعد أزمان، ويجري هذا مجرى الإعياء في الكلام اهـ. قال القاضي: يُحمل الخلود على المستحل لخروجه عن الملة، أو يحمل الخلود على طول الإقامة لا الأبد، قال الأبي: وقد يكون هذا كناية عن كون عقوبته أشد من عقوبة قتله أجنبيًّا لأنه أوقع الذنب مع وجود الصارف، كزنا الشيخ، وكذب الملك، والصارف هنا حب الإنسان نفسه بالجبلة، ثم ينبغي تقيده بغير من قتل نفسه لظنه أن العدو يقتله، قال وفي الجهاد إذا خرق العدو سفينة للمسلمين جاز لهم طرح أنفسهم، لأنهم فروا من موت إلى موت، ولم يرَ ذلك ربيعة إلا لمن طمع بنجاة، فلا يقتل نفسه، وليصبر لأمر الله تعالى، وكان الشيخ ابن عرفة يُجوِّز لمن قطعت يده ظلمًا ترك المداواة حتى يموت، وإثمه على قاطعه، والظالم أحق أن يُحمل عليه، قال القاضي: وفي الحديث دليل لمالك ومن وافقه على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به محددًا كان أو غير محدد، اقتداءً بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه في الآخرة، وبحكم النبي ﷺ في اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين، فأمر برض رأسه بين حجرين، وبحكمه في العرنيين، ولأن العقوبات والحدود وضعت للزجر ومقابلة الفعل بالفعل والتغليظ على أهل الاعتداء والشرِّ اهـ. قال الأبي: لا يحتج به في المسألة، لأنه قياس على فعل الله تعالى، ولا يصح لأن أفعاله سبحانه غير معللة، وإنما القياس على أحكامه اهـ. وخالف أبو حنيفة مالكًا لقوله ﷺ فيما أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي: "لا قود إلا بالسيف" وذهب الطحاوي إلى أن ما احتج به مالك منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة، وصبر البهائم، وأجيب عنه بأن النهي عن المثلة والصبر إنما وقع إذا لم يكن المثلة والصبر على وجه شرعي وأما إذا كان على وجه شرعي فلا، فقطع اليد مثلة واجبة في حد السرقة، وقطع الأنف والأذن وقلع السن وكسره واجب في القصاص مع أن الكل مثلة اهـ إعلاء السنن (ومن شرب سمًا) قال القرطبي: والسم القاتل للحيوان، يقال: بضم السين وفتحها، فأما السُّم الذي هو ثقب الإبرة فالبضم لا غير اهـ.

стр. 1296

فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". ٢٠٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، ــ وقال النواوي: هو بضم السين وفتحها وكسرها ثلاث لغات، الفتح أفصحهن، وفي المطالع أفصحهن الثالثة، وجمعه سِمَام اهـ. (فقتل نفسه) في الدنيا بذلك السم (فهو) أي ذلك الشارب (يتحساه) أي يتحسى ذلك السم ويشربه في تمهل ويتجرعه (في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تردى) وتساقط بنفسه في الدنيا (من جبلٍ) وكل عالٍ (فقتل نفسه فهو) أي ذلك المتردي في الدنيا (يتردى) ويتساقط وينزل (في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) وفي القاموس ردى في البئر من باب رمى إذا سقط فيها، ومثله تَرَدَّى ورَدَّاه غيره، وأرداه أسقطه فيها اهـ بتصرف وأما جهنم فهو اسم لطبقة من نيران الآخرة، عافانا الله تعالى منها ومن كل بلاء، قال يونس: وأكثر النحويين على أنها أعجمية لا تنصرف للعجمة والعلمية، وقال آخرون: هي عربية لم تنصرف للتأنيث والعلمية، سُميت بذلك لبُعد قعرها، قال رؤبة: يقال بئر جهنام أي بعيدة القعر، وقيل: هي مشتقة من الجهومة وهي الغِلَظ، ويقال: زيد جهم الوجه أي غليظه فسُميت جهنم لغلظ أمرها والله أعلم اهـ من النواوي. ويقال في قوله (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) في الأخيرين مثل ما قيل في الأول من أن المراد بالخلود الخلود الذي لا نهاية له في المستحل، والخلود الذي بمعنى طول المكث في غيره والله تعالى أعلم. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة، أحمد (٢/ ٢٥٤، ٤٨٧، ٤٨٨) والبخاري (٥٧٧٨) وأبو داود (٣٨٧٢) والترمذي (٢٠٤٤) و (٢٠٤٥) والنسائي (٤/ ٦٧٠٦٦). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٠٥) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا

стр. 1297

حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهذَا الإِسْنَادِ مِثلَهُ ــ تقريبًا، قال زهير (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا. (ح) أي حوَّل المؤلف السند (و) قال (حدثنا سعيد بن عمرو) بن سهل الكندي (الأشعثي) أبو عثمان الكوفي، ثقة من العاشرة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا، قال سعيد بن عمرو (حدثنا عبثر) -بوزن جعفر- بن القاسم الزبيدي، أبو زبيد الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٧٩) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) أبو زكريا البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا، قال يحيى (حدثنا خالد) بن الحارث بن عبيد الهُجيمي، أبو عثمان البصري، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٦) وولد له ستة عشر ابنًا، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني) شيخي يحيى بقوله حدثنا خالدٌ خالدَ (بن الحارث) إيضاحًا للراوي، وإشعارًا بأن هذه النسبة مما زاده من عند نفسه، لا مما سمعه من شيخه، قال خالد (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البصري، ثقة متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا. وأتى بحاء التحويلات لاختلاف مشايخ مشايخه فلا يمكن الجمع بينهم، وفائدة هذه التحويلات بيان كثرة طرقه، مع بيان تصريح شعبة بسماع الأعمش عن أبي صالح، فقوي سند وكيع المعنعن عن أبي صالح بسند شعبة المصرِّح بسماع الأعمش، لأن الأعمش مدلس كما سيأتي عن النواوي، ولكن في السند الأخير نزول (كلهم) أي كل من جرير وعبثر وشعبة رووا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة من الخامسة مات سنة (١٤٨) وفي أكثر النسخ الموجودة عندنا إسقاط قوله (عن الأعمش) والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع، أعني به جريرًا في السند الأول، وعبثرًا في الثاني، وشعبة في الثالث، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو التابعي والصحابي، وقوله (مثله) مفعول ثان

стр. 1298

وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيمَانَ قَال: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ. ٢٠٦ - (١٠٥) (٢٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاويةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيُّ، ــ لما عمل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى المتابع المذكور في السند السابق وهو وكيع بن الجراح، والمعنى: روى كل من الثلاثة جرير وعبثر وشعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل ما روى وكيع عن الأعمش، وغرضه بسوق هذه الأسانيد الثلاثة، بيان متابعة جرير وعبثر وشعبة لوكيع في رواية هذا الحديث عن الأعمش، فالسند الأول منها: من خماسياته، رجاله واحد منهم نسائي، واثنان كوفيان، واثنان مدنيان، وكذا السند الثاني من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان والسند الثالث: من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد كوفي، واثنان مدنيان. (و) لكن (في رواية شعبة عن سليمان) الأعمش (قال) لنا سليمان الأعمش (سمعت ذكوان) أبا صالح السمان مصرحًا بسماع الأعمش عن أبي صالح. وعبارة النواوي هنا قوله: (كلهم بهذا الإسناد ... ) إلخ يعني: أن هؤلاء الثلاثة المذكورين وهم: جرير وعبثر وشعبة رووه عن الأعمش كما رواه وكيع عنه في الطريق الأول، إلا أن شعبة زاد هنا فائدة حسنة حيث قال (عن سليمان) وهو الأعمش (قال سمعت ذكوان) وهو أبو صالح فصرح بالسماع، وفي الرويات الباقية يقول (عن) والأعمش مدلس لا يحتج بعنعنته، إلا إذا صح سماعه الحديث الذي عنعنه من جهة أخرى، فبين مسلم أن ذلك قد صح من رواية شعبة والله أعلم انتهى، ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٠٦) - ش (١٠٥) (٢٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي مولاهم، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا قال يحيى (أخبرنا معاوية بن سلَّام) بفتح السين وتشديد اللام، قال النواوي في مقدمة شرحه (سَلَّام) كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلَّام الصحابي، ومحمد بن سلام شيخ البخاري (بن أبي سلام) الشامي (الدمشقي) أبو سلَّام

стр. 1299

عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ أَبَا قِلابَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ــ الحبشي، وكان يسكن حمص، واسم أبي سلام جدُّ معاوية ممطور بفتح الميم الأولى وسكون الثانية وضم الطاء المهملة على صيغة اسم مفعول الثلاثي، روى عن يحيى بن أبي كثير في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وعن أخيه زيد بن سلام في الوضوء والصلاة، وأبيه وجده، ونافع مولى ابن عمر والزهري، وجماعة، ويروي عنه (ع) ويحيى بن يحيى، والربيع أبو توبة، ويحيى بن حسان، ومحمد بن المبارك الصوري، ويحيى بن بشر الجريري، ويحيى بن صالح وعِدة، وقال في التقريب: ثقة من السابعة، مات سنة سبعين ومائة (١٧٠) روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين، والصوم في أربعة أبواب. (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبي نصر اليمامي، أحد الأئمة الأعلام، واسم أبي كثير صالح، وقيل: يسير، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار من أهل البصرة، وانتقل إلى اليمامة ومات بها، روى عن أبي قلابة، وعبد الله بن زيد في الإيمان والحدود، وأبي سلمة في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وزيد بن سلام في الوضوء والزكاة والجهاد، وعبد الله بن أبي قتادة في البيوع والأشربة وغيرهما، وهلال بن أبي ميمونة وأبي نضرة، وعبيد الله بن مقسم وخلائق، ويروي عنه (ع) ومعاوية بن سلام وهشام بن أبي عبد الله، وعكرمة بن عمار، والأوزاعي، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وهمام، وأيوب وعِدة، قال شعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثًا من الزهري، وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من الخامسة، مات باليمامة سنة (١٢٩) تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين، والوضوء والصلاة والجنائز والزكاة، والصوم في ثلاثة مواضع، والحج والبيوع في ستة مواضع، والجهاد والحدود والطلاق والهبة واللباس والأشربة في موضعين، والضحايا والأدب، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ستة عشر بابًا تقريبًا (أن أبا قِلابة) بكسر القاف، عبد الله بن زيد الأزدي الجرمي -بجيم- البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة (١٠٤) أربع ومائة، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (أخبره) أي أخبر ليحيى بن أبي كثير (أن ثابت بن الضحاك) بن أمية بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج

стр. 1300

أَخْبَرَهُ؛ "أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإِسْلامِ ــ الأنصاري الخزرجي أبا زيد البصري، صحابي مشهور بايع تحت الشجرة، له أربعة عشر حديثًا، اتفقا على حديث وانفرد مسلم بآخر، يروي عنه (ع) وأبو قلابة في الإيمان، وعبد الله بن معقل في البيوع، مات سنة (٦٤) أربع وستين على الصواب قاله الفلاس، وقيل: سنة خمس وأربعين (٤٥) والله أعلم. وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم بصريان، وواحد نيسابوري، وواحد شامي، وواحد يمامي (أخبره) أي أخبر لأبي قلابة (أنه) أي أن ثابتًا (بايع) وعاهد (رسول الله ﷺ بيعة الرضوان على الموت (تحت الشجرة) أي تحت شجرة الحديبية النازل تحتها رسول الله ﷺ ، وكانت سمرة، وهذه البيعة بيعة الرضوان التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ سورة الفتح، آية (١٨)، وكانت قبل فتح مكة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وكان سببها أن النبي ﷺ قصد مكة معتمرًا فلما بلغ الحديبية وهي على ثمانية أميال من مكة صدته قريش عن دخول مكة، والوصول إلى البيت، فوجه لهم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه رسولًا إليهم، فتُحُدِّث أنهم قتلوه، فتهيأ النبي ﷺ لقتالهم، فبايع أصحابه تلك البيعة على الموت أو على أن لا يفروا، كما سيأتي بسط قصتها في موضعها إن شاء الله تعالى. (و) أخبره أيضًا (أن رسول الله ﷺ قال من حلف) وأقسم (على يمين) أي على شيء محلوف عليه، واليمين هنا بمعنى المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو قوله بملة غير الإسلام ويجوز أن يقال إن على صلة وينصب يمين على أنه مصدر ملاق لعامله في المعنى لا في اللفظ كقولهم: قعدت جلوسًا، أي من حلف يمينًا وأقسم قسمًا (بملة) وطريقة ودين (غير) ملة (الإسلام) وطريقته ودينه معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لدين الإسلام اليهودية والنصرانية، متعمدًا في حلفه ويمينه بتلك الملة، عالمًا بحرمة ذلك، حالة كونه (كاذبًا) في تعظيم تلك الملة التي حلف بها مبطلًا مخطئًا في ذلك، وزاد شعبة هنا كاذبًا متعمدًا، والمراد بالحلف هنا ما يشمل التعليق كقوله: إن كان الأمر كذا وكذا فأنا يهودي أو نصراني، وفي المبارق: والمراد
следующие страницы →