← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". ٢٠٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، ــ وقال النواوي: هو بضم السين وفتحها وكسرها ثلاث لغات، الفتح أفصحهن، وفي المطالع أفصحهن الثالثة، وجمعه سِمَام اهـ. (فقتل نفسه) في الدنيا بذلك السم (فهو) أي ذلك الشارب (يتحساه) أي يتحسى ذلك السم ويشربه في تمهل ويتجرعه (في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تردى) وتساقط بنفسه في الدنيا (من جبلٍ) وكل عالٍ (فقتل نفسه فهو) أي ذلك المتردي في الدنيا (يتردى) ويتساقط وينزل (في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) وفي القاموس ردى في البئر من باب رمى إذا سقط فيها، ومثله تَرَدَّى ورَدَّاه غيره، وأرداه أسقطه فيها اهـ بتصرف وأما جهنم فهو اسم لطبقة من نيران الآخرة، عافانا الله تعالى منها ومن كل بلاء، قال يونس: وأكثر النحويين على أنها أعجمية لا تنصرف للعجمة والعلمية، وقال آخرون: هي عربية لم تنصرف للتأنيث والعلمية، سُميت بذلك لبُعد قعرها، قال رؤبة: يقال بئر جهنام أي بعيدة القعر، وقيل: هي مشتقة من الجهومة وهي الغِلَظ، ويقال: زيد جهم الوجه أي غليظه فسُميت جهنم لغلظ أمرها والله أعلم اهـ من النواوي. ويقال في قوله (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) في الأخيرين مثل ما قيل في الأول من أن المراد بالخلود الخلود الذي لا نهاية له في المستحل، والخلود الذي بمعنى طول المكث في غيره والله تعالى أعلم. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة، أحمد (٢/ ٢٥٤، ٤٨٧، ٤٨٨) والبخاري (٥٧٧٨) وأبو داود (٣٨٧٢) والترمذي (٢٠٤٤) و (٢٠٤٥) والنسائي (٤/ ٦٧٠٦٦). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٠٥) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا

стр. 1297

حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهذَا الإِسْنَادِ مِثلَهُ ــ تقريبًا، قال زهير (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا. (ح) أي حوَّل المؤلف السند (و) قال (حدثنا سعيد بن عمرو) بن سهل الكندي (الأشعثي) أبو عثمان الكوفي، ثقة من العاشرة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا، قال سعيد بن عمرو (حدثنا عبثر) -بوزن جعفر- بن القاسم الزبيدي، أبو زبيد الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٧٩) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) أبو زكريا البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا، قال يحيى (حدثنا خالد) بن الحارث بن عبيد الهُجيمي، أبو عثمان البصري، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٦) وولد له ستة عشر ابنًا، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني) شيخي يحيى بقوله حدثنا خالدٌ خالدَ (بن الحارث) إيضاحًا للراوي، وإشعارًا بأن هذه النسبة مما زاده من عند نفسه، لا مما سمعه من شيخه، قال خالد (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البصري، ثقة متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا. وأتى بحاء التحويلات لاختلاف مشايخ مشايخه فلا يمكن الجمع بينهم، وفائدة هذه التحويلات بيان كثرة طرقه، مع بيان تصريح شعبة بسماع الأعمش عن أبي صالح، فقوي سند وكيع المعنعن عن أبي صالح بسند شعبة المصرِّح بسماع الأعمش، لأن الأعمش مدلس كما سيأتي عن النواوي، ولكن في السند الأخير نزول (كلهم) أي كل من جرير وعبثر وشعبة رووا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة من الخامسة مات سنة (١٤٨) وفي أكثر النسخ الموجودة عندنا إسقاط قوله (عن الأعمش) والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع، أعني به جريرًا في السند الأول، وعبثرًا في الثاني، وشعبة في الثالث، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو التابعي والصحابي، وقوله (مثله) مفعول ثان

стр. 1298

وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيمَانَ قَال: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ. ٢٠٦ - (١٠٥) (٢٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاويةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيُّ، ــ لما عمل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى المتابع المذكور في السند السابق وهو وكيع بن الجراح، والمعنى: روى كل من الثلاثة جرير وعبثر وشعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل ما روى وكيع عن الأعمش، وغرضه بسوق هذه الأسانيد الثلاثة، بيان متابعة جرير وعبثر وشعبة لوكيع في رواية هذا الحديث عن الأعمش، فالسند الأول منها: من خماسياته، رجاله واحد منهم نسائي، واثنان كوفيان، واثنان مدنيان، وكذا السند الثاني من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان والسند الثالث: من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد كوفي، واثنان مدنيان. (و) لكن (في رواية شعبة عن سليمان) الأعمش (قال) لنا سليمان الأعمش (سمعت ذكوان) أبا صالح السمان مصرحًا بسماع الأعمش عن أبي صالح. وعبارة النواوي هنا قوله: (كلهم بهذا الإسناد ... ) إلخ يعني: أن هؤلاء الثلاثة المذكورين وهم: جرير وعبثر وشعبة رووه عن الأعمش كما رواه وكيع عنه في الطريق الأول، إلا أن شعبة زاد هنا فائدة حسنة حيث قال (عن سليمان) وهو الأعمش (قال سمعت ذكوان) وهو أبو صالح فصرح بالسماع، وفي الرويات الباقية يقول (عن) والأعمش مدلس لا يحتج بعنعنته، إلا إذا صح سماعه الحديث الذي عنعنه من جهة أخرى، فبين مسلم أن ذلك قد صح من رواية شعبة والله أعلم انتهى، ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٠٦) - ش (١٠٥) (٢٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي مولاهم، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا قال يحيى (أخبرنا معاوية بن سلَّام) بفتح السين وتشديد اللام، قال النواوي في مقدمة شرحه (سَلَّام) كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلَّام الصحابي، ومحمد بن سلام شيخ البخاري (بن أبي سلام) الشامي (الدمشقي) أبو سلَّام

стр. 1299

عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ أَبَا قِلابَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ــ الحبشي، وكان يسكن حمص، واسم أبي سلام جدُّ معاوية ممطور بفتح الميم الأولى وسكون الثانية وضم الطاء المهملة على صيغة اسم مفعول الثلاثي، روى عن يحيى بن أبي كثير في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وعن أخيه زيد بن سلام في الوضوء والصلاة، وأبيه وجده، ونافع مولى ابن عمر والزهري، وجماعة، ويروي عنه (ع) ويحيى بن يحيى، والربيع أبو توبة، ويحيى بن حسان، ومحمد بن المبارك الصوري، ويحيى بن بشر الجريري، ويحيى بن صالح وعِدة، وقال في التقريب: ثقة من السابعة، مات سنة سبعين ومائة (١٧٠) روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين، والصوم في أربعة أبواب. (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبي نصر اليمامي، أحد الأئمة الأعلام، واسم أبي كثير صالح، وقيل: يسير، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار من أهل البصرة، وانتقل إلى اليمامة ومات بها، روى عن أبي قلابة، وعبد الله بن زيد في الإيمان والحدود، وأبي سلمة في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وزيد بن سلام في الوضوء والزكاة والجهاد، وعبد الله بن أبي قتادة في البيوع والأشربة وغيرهما، وهلال بن أبي ميمونة وأبي نضرة، وعبيد الله بن مقسم وخلائق، ويروي عنه (ع) ومعاوية بن سلام وهشام بن أبي عبد الله، وعكرمة بن عمار، والأوزاعي، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وهمام، وأيوب وعِدة، قال شعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثًا من الزهري، وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من الخامسة، مات باليمامة سنة (١٢٩) تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين، والوضوء والصلاة والجنائز والزكاة، والصوم في ثلاثة مواضع، والحج والبيوع في ستة مواضع، والجهاد والحدود والطلاق والهبة واللباس والأشربة في موضعين، والضحايا والأدب، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ستة عشر بابًا تقريبًا (أن أبا قِلابة) بكسر القاف، عبد الله بن زيد الأزدي الجرمي -بجيم- البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة (١٠٤) أربع ومائة، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (أخبره) أي أخبر ليحيى بن أبي كثير (أن ثابت بن الضحاك) بن أمية بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج

стр. 1300

أَخْبَرَهُ؛ "أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإِسْلامِ ــ الأنصاري الخزرجي أبا زيد البصري، صحابي مشهور بايع تحت الشجرة، له أربعة عشر حديثًا، اتفقا على حديث وانفرد مسلم بآخر، يروي عنه (ع) وأبو قلابة في الإيمان، وعبد الله بن معقل في البيوع، مات سنة (٦٤) أربع وستين على الصواب قاله الفلاس، وقيل: سنة خمس وأربعين (٤٥) والله أعلم. وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم بصريان، وواحد نيسابوري، وواحد شامي، وواحد يمامي (أخبره) أي أخبر لأبي قلابة (أنه) أي أن ثابتًا (بايع) وعاهد (رسول الله ﷺ بيعة الرضوان على الموت (تحت الشجرة) أي تحت شجرة الحديبية النازل تحتها رسول الله ﷺ ، وكانت سمرة، وهذه البيعة بيعة الرضوان التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ سورة الفتح، آية (١٨)، وكانت قبل فتح مكة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وكان سببها أن النبي ﷺ قصد مكة معتمرًا فلما بلغ الحديبية وهي على ثمانية أميال من مكة صدته قريش عن دخول مكة، والوصول إلى البيت، فوجه لهم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه رسولًا إليهم، فتُحُدِّث أنهم قتلوه، فتهيأ النبي ﷺ لقتالهم، فبايع أصحابه تلك البيعة على الموت أو على أن لا يفروا، كما سيأتي بسط قصتها في موضعها إن شاء الله تعالى. (و) أخبره أيضًا (أن رسول الله ﷺ قال من حلف) وأقسم (على يمين) أي على شيء محلوف عليه، واليمين هنا بمعنى المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو قوله بملة غير الإسلام ويجوز أن يقال إن على صلة وينصب يمين على أنه مصدر ملاق لعامله في المعنى لا في اللفظ كقولهم: قعدت جلوسًا، أي من حلف يمينًا وأقسم قسمًا (بملة) وطريقة ودين (غير) ملة (الإسلام) وطريقته ودينه معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لدين الإسلام اليهودية والنصرانية، متعمدًا في حلفه ويمينه بتلك الملة، عالمًا بحرمة ذلك، حالة كونه (كاذبًا) في تعظيم تلك الملة التي حلف بها مبطلًا مخطئًا في ذلك، وزاد شعبة هنا كاذبًا متعمدًا، والمراد بالحلف هنا ما يشمل التعليق كقوله: إن كان الأمر كذا وكذا فأنا يهودي أو نصراني، وفي المبارق: والمراد

стр. 1301

كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قال، ــ بالحلف هنا التعليق كقوله: إن فعلت كذا وكذا فأنا يهودي أو نصراني، فأطلق الحلف هنا على التعليق لأجل البر لكونه داعيًا إلى الفعل أو الترك كاليمين، وإلا فحقيقة الحلف بالشيء هو القسم به بإدخال بعض حروفه عليه، وأطلق اليمين أيضًا على المحلوف عليه ذكرًا للكل وإرادة للبعض، فإن اليمين هو مجموع المقسم به والمقسم عليه اهـ. (فهو) أي ذلك الحالف بملة غير الإسلام (كما قال) أي على ما قال من اليهودية أو النصرانية لاعتقاده تعظيمها، وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد تعظيمها فهو آثم مرتكب كبيرة، قال الأبي: والحالف بالشيء معظم له، فإن عظم ما يُعظم صدق وإلا كذب، قال القاضي: فالحالف بملة غير الإسلام إن تعمد تعظيمها لاعتقاده حقيتها فهو كاذب كافر، وزيادة شعبة (كاذبًا) على هذا حسنةٌ، وإن لم يعتقد حقيتها بل حلف وقلبه مطمئن بالإيمان فهو كاذب في تعظيم ما لا يعظم، قال الأبي: فإن حُمِلَ الحديث على الأول لم يحتج إلى تأويل، وإن حُمل على الثاني فيتأول بنحو ما تقدم. والملة عرفًا: ما شرعه الله لعباده على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام فيتوسع فيها فتطلق على الملة الباطلة، فيقال: الكفر ملة واحدة، أي طريقة واحدة وإن اختلفت أديانها، ومن إطلاقها على ذلك هذا الحديث، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾ ولتخصيصها عرفًا بملة الحق تجد بعض المتكلمين إذا نقل مذهب أهل السنة يقول: قال المِلِّيُّون اهـ. وعبارة المُفهم قوله (كاذبًا متعمدًا) يَحتمل أن يريد به النبي ﷺ من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقة فيبقى اللفظ على ظاهره و (كاذبًا) منصوب على الحال من فاعل حلف، أي حلف في حال تعظيم تلك الملة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] لأن من عظَّم ملة غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه دائمًا في كل حال، وكل وقت لا ينتقل عن ذلك. ولا يصح أن يقال إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه، لأنه يستوي في ذمه كونه صادقًا أو كاذبًا إذا حلف بملة غير الإسلام، لأنه إنما ذمه الشرع من حيث إنه حلف

стр. 1302

وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيءٍ لا يَمْلِكُهُ" ــ بتلك الملة الباطلة معظمًا لها على نحو ما تعظم به ملة الإسلام الحق، فلا فرق بين أن يكون صادقًا أو كاذبًا في المحلوف عليه، والله تعالى أعلم. وأما إذا كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثم، مرتكب كبيرة، إذ قد نسب نفسه في قوله وحلفه إلى من يُعظم تلك الملة ويعتقدها فغلظ عليه الوعيد بأن صيره كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ المائد: ٥١]، وقال ابن المبارك: كل ما ظاهره تكفير ذي الذنب فإنما هو تغليظ، واختلف العلماء هل تجب كفارةٌ عليه أم لا؟ فذهب الجمهور أنه لا كفارةَ على من حلف بذلك، وإن كان آثمًا وهو الصحيح، كما قاله الإمام مالك لقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" رواه البخاري تعليقًا (١١/ ٥٣٧) ولم يوجب عليه أكثر من ذلك، ولو كانت الكفارة واجبة لبينها النبي ﷺ حينئذ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد ذهب بعض العراقيين إلى وجوب الكفارة عليه، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى اهـ. نعم يستحب لقائل ذلك أن يُكثر من فعل الخير كما أشار إليه ﷺ بقوله: فليقل لا إله إلا الله، لأن الحسنات يذهبن السيئات. (ومن قتل نفسه) في الدنيا (بشيء) من المُزهقات سواء كان آلة أم لا (عُذب به) أي بذلك الشيء (يوم القيامة) في نار جهنم، وهذا محل الاستشهاد لحديث أبي هريرة (وليس على رجل) وكذا المرأة (نذر) أي وفاءُ نذرٍ واقعٍ منه (في شيء لا يملكه) عتقًا كان أو طلاقًا أو صدقة. وعبارة المفهم هنا (وقوله ليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) هذا صحيح فيما إذا باشر النذرُ مِلكَ الغير، كما إذا قال: لله عليّ عتق عبد فلان أو هديُ بدنة فلان، ولم يعلق شيئًا من ذلك على ملكه له فلا خلاف بين العلماء أن ذلك لا يلزمه منه شيء، غير أنه حُكي عن ابن أبي ليلى في العتق أنه إذا كان موسرًا عتق عليه، ثم رجع ابن أبي ليلى عنه، وإنما اختلفوا فيما إذا علق العتق أو الهدي أو الصدقة على الملك مثل أن يقول: إن ملكت عبد فلان فهو حر، فلم يُلزمه الشافعي شيئًا من ذلك عمَّ أو خص تمسكًا بهذا

стр. 1303

٢٠٧ - (٠٠) (٠٠) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ (وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ) قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، ــ الحديث، وألزمه أبو حنيفة كل شيء من ذلك عمَّ أو خص، لأنه من باب العقود المأمور بالوفاء بها، وكأنه رأى أن ذلك الحديث لا يتناول المعلق على الملك، لأنه إنما يلزمه عند حصول الملك لا قبله، ووافق أبا حنيفة مالك فيما إذا خص كقوله: إن تزوجت فلانة، أو ملكت فلانًا، وهو المشهور عنه، لأنه إنما لزمه بعد أن صار في ملكه فلا حرج فيه، وتمسكا بمثل ما تمسك به أبو حنيفة، وخالفه فيما إذا عمَّ رفعًا للحرج الذي أدخله على نفسه كقوله: كل امرأة أتزوجها أو عبدٍ أملكه، ولمالك قول آخر مثل قول الشافعي اهـ بتصرف، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٠٧) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المِسمَعي) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة، نسبة إلى مِسمَع بن ربيعة البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٠) ثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا. قال أبو غسان (حدثنا معاذ) بن هشام بن أبي عبد الله واسمه سَنْبَر الدستوائي، أبو عبد الله البصري، صدوق ربما وهم من التاسعة، مات بالبصرة سنة مائتين (٢٠٠) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن هشام) إشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه (قال) معاذ (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي الرَّبَعي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت وقد رمي بالقدر من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (عن يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبي نصر البصري أو اليمامي (قال) يحيى (حدثني أبو قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري (عن ثابت بن الضحاك) بن أمية بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبي زيد البصري الصحابي المشهور، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة هشام الدستوائي لمعاوية بن سلام في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وفائدة هذه المتابعة بيان

стр. 1304

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَيسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، ــ كثرة طرقه، وكرر متن الحديث فيها لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالزيادة، وفي سوق الحديث (عن النبي ﷺ أنه (قال: ليس على رجل) أي على أي شخص مسلم (نذر) أي وفاء نذرٍ نذره (فيما لا يملكـ) ـه من المال أو العصمة مطلقًا، أي سواء عمَّم أو خصص لما في وفائه من الحرج، على الخلاف المار فيه (ولعن المؤمن) وكذا المؤمنة (كقتله) في كونه معصية كبيرة إن لم يستحله أو كفرًا مُخرجًا عن الملة إن استحله. وعبارة المفهم هنا (قوله لعن المؤمن كقتله) أي في الإثم، ووجهه أن من قال لمؤمن لعنه الله فقد تضمن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رحم بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان كذلك فقد صار بمنزلة المفقود عن المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم، إذ لم ينتفع بما انتفع به المسلمون ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم لأنه أفقد المقتول حسًّا ومعنىً واللاعن أفقده معنىً فإثمه أخف منه لكنهما قد اشتركا في مطلق الإثم فصدق عليه أنه مثله والله أعلم اهـ. قال المازري: قوله (كقتله) أي في الإثم، وقال القاضي: وقيل: في الحرمة، ووجه التشبيه أن القصد باللعن قطعه عن الرحمة، كما يقطعه القتل عن التصرف، وقيل: لأن القصد إخراجه عن المؤمنين فينقص عددهم، كما ينقص عددهم بقتله، وقيل: لأن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية، فهو كمن قتل في الدنيا اهـ، وقال الأبي: ولا فرق بين أن يقول: لعنه الله، أو في لعنة الله، وكان ابن عرفة يقول: إن اللعن في سياق التأديب لا يتناوله الحديث. قال السنوسي: يعني لأنه ليس المقصود منه حينئذ الدعاء، وإنما المراد منه إظهار الغضب والمبالغة في الزجر، فهو كقول المتكلم: تربت يمينك، وثكلتك أمك، وقاتله الله ونحوه مما لا يقصد به الدعاء وإنما يقصد به التعجب، أو توكيد الكلام ونحوه، إلا أنه ينبغي للمؤدب أن لا يُعوِّد لسانه قبيح الكلام، ويحترز من مثل ذلك جهده، فإن تأنسه به يجره إلى أن يقصد مدلوله اهـ، قال الأبي: وما يجري على ألسنة العوام من قولهم: نعله الله بتقديم النون ليس بلعن، لأنه من النعال.

стр. 1305

وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلا قِلَّةً، ــ قال السنوسي: وفيه نظر لأنه لفظ عرفي، وُضع عرفًا لما وضع له اللعن لغة، أو المقصود به عرفًا ما يقصد باللعن لغة، وإن وقع اللحن في اللفظ، والقصد له أثر في نقل الألفاظ كما هو المختار في الطلاق، إذا قال لزوجته اسقيني الماء وقصد به الطلاق اهـ. والحديث إنما هو في لعن المعين لا في اللعن في الصفة نحو لعن الله السارق فإن ذلك جائز لكثرة وروده اهـ أبي. (ومن قتل نفسه بشيء) من المزهق (في الدنيا عُذب به) أي بذلك الشيء الذي قتل به نفسه (يوم الفيامة) إظهارًا لعمله القبيح (ومن ادعى) لنفسه شيئًا من الفضائل ونسبه إليها سواء كان علمًا أو مالًا أو عملًا صالحًا أو غيرها أي ادعاه لنفسه (دعوى كاذبة) أي باطلة ليس لها أساس. قوله (كاذبة) قال النواوي: هذه هي اللغة الفصيحة يقال: دعوىً باطلٌ وباطلةٌ، وكاذبٌ وكاذبةٌ حكاهما صاحب المحكم، والتأنيث أفصح اهـ. (ليتكثر) قال النواوي: ضبطناه بالثاء المثلثة بعد الكاف، وكذا هو في معظم الأصول، وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة، وله وجه وهو بمعنى الأول أي ليصير ماله كبيرًا عظيمًا اهـ. أي ليجعل ما عنده من الفضائل (بها) أي بتلك الدعوى الكاذبة كثيرًا أو كبيرًا (لم يزده الله) أي لم يزد الله لذلك المدعي (إلا قلة) في فضائله التي يدعيها دعوى كاذبة، وعبارة المفهم هنا يعني والله أعلم أن من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه وادعاه لنفسه وليس موصوفًا به لم يحصل له من ذلك إلا نقيض مقصوده وهو النقص فإن كان المدعى مالًا لم يبارك له فيه، أو علمًا أظهر الله جهله فاحتقره الناس فقل مقداره عندهم وكذلك لو ادعى دينًا أو نسبًا أو غير ذلك فضحه الله وأظهر باطله فقل مقداره عند الناس، وذل في نفسه فحصل على نقيض قصده، وهذا نحو قوله ﷺ : "من أسر سريرة ألبسه الله تعالى رداءها" ونحو قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله ﵊: "المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور" رواه مسلم والنسائي من حديث عائشة ﵂.

стр. 1306

وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ" ــ قال القاضي: والحديث عام في كل متشبعٍ بما لم يعطه من مال أو نسب أو علم أو دين، كل هؤلاء غير مبارك له في دعواه، ومن معنى الحديث قوله ﷺ : "اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للبركة". قال الأبي: وما يستعار للتجمل به في الأعراس، ظاهر كلام القاضي أن الحديث يتناوله، والظاهر أن لا لضرورة الحاجة إليه. وفائدة هذا الحديث الزجر عن الرياء وتعاطيه ولو كان بأمور الدنيا اهـ قرطبي. وعبارة القاضي هنا: هذا عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يُعطَ من مال يحتال في التجمل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه ليس من قبيلته، أو علم يتحلى به ليس من حملته، أو دينٍ يُرائي به ليس من أهله فقد أعلم ﷺ أنه غير مبارك له في دعواه، ولا زاكٍ ما اكتسبه بها اهـ. وقوله (ومن حلف على يمين صبرٍ) أي ومن حلف على محلوف عليه يمينًا (فاجرة) كاذبة صبر وأكره عليها عند الحاكم ليقتطع بها مال امرئ مسلم شرطٌ حُذف جوابه، تقديره لقي الله وهو عليه غضبان، أو معطوف على قوله: ومن ادعى دعوى كاذبة، والتقدير أي ومن حلف على يمين صبر فهو مثلُهُ. وعبارة المفهم هنا (قوله ومن حلف على يمين صبرٍ فاجرة) كذا صحت الرواية في أصل كتاب مسلم لهذا الكلام مقتصرًا على ذكر جملةِ الشرط من غير ذكر جملة الجزاء، فيحتمل أن يسكت عنه لأنه عطفه على من التي قبلها، فكأنه قال ومن حلف يمينًا فاجرة كان كذلك، أي لم يزده الله بها إلا قلة، قاله القاضي عياض. وقال القرطبي: ويحتمل أن يكون الجزاء محذوفًا تقديره من فعل ذلك غضب الله عليه، أو عاقبه، أو نحو ذلك، كما جاء في الحديث الآخر "من حلف على يمين ليقتطع بها مال مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويمين الصبر هي التي ألزم بها الحالف عند حاكم ونحوه، وأصل الصبر هو: الحبس، كما قال عنترة: فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع أي حبست في الحرب نفسًا معتادة لذلك كريمة لا ترضى بالفرار، وقال ثعلب:

стр. 1307

٢٠٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، ــ الصبر ثلاثة أشياء: الحبس والإكراه والجراءة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. أي ما أجرأهم عليها، والرواية "في يمين صبر" بالتنوين على أن صبرًا صفة ليمين أي: ذات صبر وإكراه وحبس وجرأة، ووصفت اليمين بأنها ذات صبر لأنها تحبس الحالف لها، أو لأن الحالف يجترئ عليها وذكر الصبر وقد أجراه صفة على اليمين وهي مؤنثة لأنه قصد قصد المصدر اهـ مفهم. فوصف اليمين بالصبر يصح على كل من المعاني الثلاثة لأنها هي التي يصبر صاحبها، أي يحبس لأجلها ويكره عليها، حتى يحلفها ويجترئ على حلفها، ويستفاد من هذا الحديث: أن الإيمان كلها التي تقتطع بها الحقوق على نية الطالب فلا تنفع فيها المعاريض والتورية، وإنما هي على نية صاحب الحق المحلوف له لا نية الحالف. قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف التجيبي: وهذا مما لا يختلف فيه أنه آثم فاجر في يمينه متى اقتطع بها حق مسلم، واختلف فيما إذا حلف لغيره متبرعًا متطوعًا أو مستحلفًا أو مكرهًا فقيل: ذلك كله على نية المحلوف له، وقيل على نية الحالف، وقيل: للمتطوع نيته بخلاف المستحلف، وقيل بعكسه، وكل هذه الأقوال في مذهبنا أعني المالكية اهـ إكمال المُعْلِم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٠٨) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا. (وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥١) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (وعبد الوارث بن عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري، أبو عبيدة البصري، حفيد عبد الوارث بن سعيد، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عن أبيه في الإيمان والوضوء والصوم وغيرها، وأبي خالد الأحمر، ويروي عنه (م ت س ق) وابن خزيمة وأبو عروبة وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.

стр. 1308

كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعَبْةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ــ (كلهم) أي كل من هؤلاء الثلاثة رووا (عن عبد الصمد بن عبد الوراث) بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري، أبي سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة مات سنة (٢٠٧) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبي بسطام البصري، ثقة ثبت متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا. (عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العُبَّاد، من الخامسة، مات سنة (١٣١) روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا. (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري، من الثالثة، مات سنة (١٠٤) (عن ثابت بن الضحاك) بن أمية (الأنصاري) الخزرجي، أبي زيد البصري الصحابي المشهور، مات سنة (٦٤) وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا الإسحاقين فإنهما مروزيان، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أيوب ليحيى بن أبي كثير في رواية هذا الحديث عن أبي قلابة، وفائدتها بيان كثرة طرقه. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (عن عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبي بكر الصنعاني، ثقة حافظ من التاسعة، مات سنة (٢١١) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (عن) سفيان بن سعيد بن مسروق بن عدي (الثوري) نِسبة إلى جده ثور بن عبد مناة، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، مات سنة (١٦١) روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا (عن خالد) بن مهران المجاشعي أو القرشي أو الخزاعي مولاهم، أبي المنازل البصري (الحذاء) ثقة يرسل من الخامسة، مات سنة (١٤٢) اثنتين وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي قلابة) البصري (عن ثابت بن الضحاك) الأنصاري البصري، وهذا السند من

стр. 1309

قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَال، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ". هذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَال، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ــ سداسياته أيضًا، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد كوفي، وواحد صنعاني، وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة خالد الحذاء ليحيى بن أبي كثير في رواية هذا الحديث عن أبي قلابة. (قال) ثابت بن الضحاك (قال النبي ﷺ من حلف) على شيء فِعلًا كان أو تركًا (بملةٍ) أي بطريقة (سوى الإسلام) أي غير طريقة الإسلام، أيًّا كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية وفي بعض النسخ "بملة غير الإسلام" والمراد بالحلف هنا، وفيما مر التعليق، كقوله: إن كان الأمر كذا، أو لم يكن الأمر كذا فأنا يهودي أو نصراني، تعظيمًا لتلك الملة، وإيثارًا لها على ملة الإسلام، حالة كونه (كاذبًا) في تعظيمها لأنها لا تستحق التعظيم (متعمدًا) أي قاصدًا الحلف بها عالمًا بحرمة حلفه بها (فهو) أي ذلك الحالف (كما قال) أي يكون على ما قاله وحلف به، تعظيمًا له من اليهودية أو النصرانية خارجًا عن الملة، مرتدًا عن الإسلام، قاطعًا لإيمانه (ومن قتل نفسه بشيء) من المهلكات في الدنيا (عذبه) أي عذب ذلك القاتل (اللهُ) يوم القيامة وعاقبه (به) أي بذلك الشيء (في نار جهنم) أعاذنا الله تعالى وجميع المسلمين منها (هذا) اللفظ المذكور هنا (حديث سفيان) الثوري، أي لفظ رواية سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة (وأما) حديث (شعبة) بن الحجاج عن أيوب عن أبي قلابة (فحديثه) أي فلفظ روايته (أن رسول الله ﷺ قال من حلف بملة سوى الإسلام) أي غير ملة الإسلام، أيًّا كانت من ملل الكفر (كاذبًا) في تعظيمها، ولم يذكر شعبة هنا متعمدًا، كما ذكره سفيان (فهو كما قال) أي على ما قال من الدين، قاطع لإيمانه بذلك الحلف (ومن ذبح نفسه) في الدنيا (بشيء) من آلات الذبح كالسكين والخنجرة والسيف أو القتل كالبنادق والمسدسات والقذائف (ذُبح) بالبناء للمجهول (به) أي بذلك الشيء (يوم القيامة) في نار جهنم، أعاذنا الله تعالى منها، وهذا الحديث أعني حديث ثابت بن الضحاك شارك المؤلف رحمه الله تعالى في روايته أحمد (٤/ ٣٣، ٣٤) والبخاري

стр. 1310

٢٠٩ - (١٠٦) (٢٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، ــ (٦٦٥٢) وأبو داود (٣٢٥٧) والترمذي (٢٦٣٨) والنسائي (٧/ ٥، ٦) وابن ماجه (٢٠٩٨)، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة وهو قوله: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة بحديث أبي هريرة الآتي رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٠٩) - س (١٠٦) (٢٩) (وحدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد القشيري النيسابوري ثقة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا. (وعبد بن حميد) بن نصر الكِسّي، أبو محمد، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا وأكد بقوله (جميعًا) دون كلاهما، إشارة إلى عدم انحصار من روى عن عبد الرزاق في هذين الشيخين، أي حالة كونهما مجتمعين في الرواية لي (عن عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبي بكر الصنعاني، من التاسعة، وأتى بجملة قوله (قال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق) بصيغة السماع، تورعًا من الكذب عليه، لأنه لو لم يأت بها لأوهم أنه روى عن عبد الرزاق بصيغة العنعنة كابن حميد قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن شهاب القرشي (الزهري) أبي بكر المدني، ثقة حافظ متفق على جلالته وإتقانه من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا (عن) سعيد (بن المسيب) ابن حَزْن القرشي المخزومي، أبي محمد المدني، ثقة ثبت فقيه، أوسع التابعين علمًا، من كبار الثانية، مات سنة (٩٤) أربع وتسعين، وقد ناهز الثمانين، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا. (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد بصري، وواحد صنعاني، وواحد إما نيسابوري أو كسي.

стр. 1311

قَال: "شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حُنَينًا، فَقَال لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلامِ: هذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَال قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِلَى النَّارِ. فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ ــ (قال) أبو هريرة (شهدنا) أي حضرنا (مع رسول الله ﷺ حنينًا) قال القاضي: كذا لعبد الرزاق، وعند الزبيدي خيبر، وهو الصواب (فقال) رسول الله ﷺ (رجل) ممن حضر معنا (ممن يُدعى) ويُسمى (بـ) ـاسم (الإسلام) وينسب إليه في ظاهر حاله (هذا) الرجل الحاضر معنا (من أهل النار) أي ممن سبق عليه في علم الله الشقاء، وكونه من أهل النار، وإن كان في ظاهر حاله من أهل السعادة والجنة، واسم ذلك الرجل قزمان (فلما حضرنا) معاشر المسلمين (القتال) أي معركة القتال مع المشركين (قاتل) ذلك (الرجل) الذي قال النبي ﷺ فيه ذلك، أي جاهد الكفار وقاتلهم (قتالًا شديدًا) حتى قتل منهم كثيرًا (فأصابته) أي أصابت ذلك الرجل في حال قتاله مع الكفار (جراحة) شديدة وقروح كثيرة (فقيل) لرسول الله ﷺ (يا رسول الله الرجل) مبتدأ أي إن الرجل (الذي قلت له) أي قلت في شأنه وفي سببه، قال الفراء وابن الشجري وغيرهما من أهل العربية: اللام قد تأتي بمعنى في، ومنه قوله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي فيه. وقوله (آنفًا) أي قريبًا، قال النووي: وفيه لغتان: المد وهو أفصح، والقصر، منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بقلت، أي قلت في شأنه ما قلت، في الآنف أي في الزمن القريب وفي القاموس يقال: قال فلان آنفًا كصاحب وكتفٍ، وقُرئ بهما أي مذ ساعة، أي في أول وقتٍ يقرب منا اهـ أي قلت فيه آنفًا (إنه من أهل النار) والجملة مقول قلت، وخبر المبتدأ قوله (فإنه) أي فإن ذلك الرجل (قاتل) الكفار (اليوم) معنا (قتالًا شديدًا) أوقع القتل الذريع فيهم (وقد مات) الآن شهيدًا (فقال النبي ﷺ كلا فإن مصيره (إلى النار) خالدًا فيها وسؤالهم لرسول الله ﷺ سؤال تعجب لا استثبات إذ المعلوم الصدق لا يستثبت فيه، وتعجبهم من كونه من أهل النار مع ما ظهر منه من نصر الدين (فكاد) أي قرب (بعض المسلمين أن يرتاب) أي أن يشك في

стр. 1312

فَبَينَمَا هُمْ عَلَى ذلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنهُ لَمْ يَمُتْ، وَلكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذلِكَ فَقَال: اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ ــ قول النبي ﷺ أنه من أهل النار مع ما ظهر منه من نصر الدين، أي قارب الشك ولم يقع منه شك وقوله (أن يرتاب) قال النووي: كذا هو في الأصول أن يرتاب فأثبت أن مع كاد وهو جائز ولكنه قليل، وهي لمقاربة الفعل، وقال الواحدي: نفيها إيجاب وإيجابها نفي، فكاد يقوم معناه قارب القيام ولم يقم، وما كاد يقوم قام بعد بطء (فبينما هم) أي المسلمون (على ذلك) الارتياب أي على مقاربته (إذ قيل) وإذ بسكون الذال هنا فجائية واقعة في جواب بينما، أي فاجأهم قول بعضهم لبعض (إنه) أي ذلك الرجل الذي قاتل قتالًا شديدًا وجُرح جرحًا شديدًا حيٌّ (لم يمت) الآن (ولكن به) أي بذلك الرجل (جراحًا شديدًا) أشرف بها على الموت، والجِراح بكسر الجيم جمع جراحة بكسرها أيضًا كما في القاموس، وذكر شديدًا مع كونه صفة لجمع مفرده مؤنث نظرًا إلى كونها بمعنى الآثار، لأنها آثار في الجسم، ولأن فعيلًا يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، نظير قوله تعالى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (فلما كان) ذلك الرجل (من الليل) أي في جوف الليل اشتد به الألم و (لم يصبر على) ألم (الجراح فقتل نفسه) وأزهق روحه بذباب سيفه كما سيأتي مبينًا في حديث سهل (فأخبر النبي ﷺ أي أخبره ﷺ بعض من رأى ذلك الرجل (بذلك) أي بخبر قتل الرجل نفسه (فقال) النبي ﷺ (الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله) قال الأبي: وتكبيره ﷺ لا لزيادة إيمانه بل تعجيب للمخاطبين عند ظهور المطابقة لما قاله، لا سيما مع قوله فكاد بعض المسلمين يرتاب. قال القرطبي: وقوله ﷺ "الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" عند وقوع ما أخبر به من الغيب، دليل على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحدٍّ قولي وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: أن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم يكن كذلك فالخارق كرامة لا معجزة، والذي ينبغي أن يقال إن ذلك لا يُشترط، بدليل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي ﷺ استدلوا بذلك على صدقه، وثبوت رسالته، كما قد اتفق لعمر ﵁ حين دعا رسول الله على قليل الأزواد فكثرت،

стр. 1313

ثُمَّ أَمَرَ بلالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" ــ فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، رواه أبو يعلى، وكقول أسامة: أشهد أنك رسول الله، وبدليل الاتفاق على نبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى في كفه، وحنين الجذع من أظهر معجزاته، ولم يصدر عنه مع شيء من ذلك تحديًا بالقول عند وقوع تلك الخوارق ومع ذلك فهي معجزات، والذي ينبغي أن يقال إن اقتران القول لا يلزم، بل يكفي من ذلك قولٌ كليٌّ يتقدم الخوارق، كقول الرسول ﷺ الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كل ما يظهر على يده منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه وإن لم يقترن بها واحدًا واحدًا قولٌ، ويمكن أن يقال إن قرينة حاله تدل على دوام التحدي، فيتنزل ذلك منزلة اقتران القول والله أعلم انتهى. (ثم أمر) رسول الله ﷺ (بلالًا) بن رباح مؤذنه أن ينادي في الناس (فنادى) بلال (في الناس إنه) أي أن الشأن والحال (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة) أي مؤمنة (وإن الله) (يويد) أي يعضد ويقوي وينصر (هذا الدين) الإسلامي (بالرجل الفاجر) أي الكافر المنافق كقزمان المذكور. قوله (ثم أمر بلالًا) قال القرطبي: وأمره بلالًا بالنداء إعلام بأن الإسلام دون تصديق وإن نفع في الدنيا لم ينفع في الآخرة إلا مع التصديق والإخلاص، وتنبيه على وجوب الإخلاص في الجهاد وأعمال البر، وتحذير من الرياء والنفاق. قوله (فنادى في الناس أنه) يجوز في همزة إن كسرها على تضمين النداء بمعنى القول، وفتحها على عدم التضمين، وقد قرئ في السبع قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بفتح الهمزة وكسرها اهـ نووي. وقوله (إلا نفس مسلمة) أي مؤمنة، لأن الإسلام العريَّ عن الإيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة، ولا يدخله الجنة، وذلك بخلاف الإيمان فإن مجرده يُدخل صاحبه الجنة، وإن عُوقب بترك الأعمال، فدل هذا على أن هذا الرجل كان مرائيًا منافقًا، ومما يدل على ذلك وصفه ﷺ إياه بالفاجر، وهو الكافر كما في قوله تعالى ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" شارك المؤلف في روايته البخاري فقط، رواه البخاري في القدر، وفي

стр. 1314

٢١٠ - (١٠٧) (٣٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ؛ ــ الجهاد، وغرضه بسوقه الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة. ثم استشهد له المؤلف رحمه الله تعالى بحديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه فقال: (٢١٠) - س (١٠٧) (٣٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليٌّ، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) عن (٩٠) تسعين سنة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدثنا يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاريُّ -بتشديد الياء- نسبة إلى قارة -بتخفيف الراء- قبيلة معروفة من ثقيف، القرشي حليف بني زهرة، المدني ثم الإسكندراني، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨١) إحدى وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن عبد الرحمن القاري) نسبة إلى قارة (حي من) أحياء (العرب) معروفٌ إشعارًا بأن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه، بل مما زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي. (عن أبي حازم) سلمة بن دينار المخزومي، مولى الأسود بن سفيان، ويقال مولى لبني أشجع من بني ليث الأعرج التمار المدني القاص، من عُباد أهل المدينة وزُهادهم، روى عن سهل بن سعد وعبد الله بن أبي قتادة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي صالح السمان، والنعمان بن أبي عياش، وابن المسيب، وخلق، ويروي عنه (ع) ويعقوب بن عبد الرحمن وابنه عبد العزيز، ومالك بن أنس، والسفيانان، والحمادان، وسليمان بن بلال، وزائدة، وابن المنكدر وجماعة، وثقه ابن خزيمة وقال: لم يكن في زمانه مثله، وابن معين وأبو حاتم والنسائي، والعجلي، وقال في التقريب: ثقة عابد من الخامسة، مات في خلافة المنصور سنة (١٣٣) ثلاث وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والصوم في ثلاثة مواضع، والنكاح في موضعين، والطلاق واللباس والجهاد في موضعين، ودلائل النبوة، وصفة الجنة، واللعان والقدر والزهد، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا (عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) أبي العباس المدني، له ولأبيه صحبة،

стр. 1315

أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَال الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ رَجُلٌ لا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً ــ وكان اسمه حزن فسماه رسول الله ﷺ سهلًا، مشهور له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد (خ) بأحد عشر حديثًا ويروي عنه (ع) وأبو حازم في الإيمان والصلاة وغيرهما، والزهري في اللعان، وأبو سهيل الأصبحي، سكن المدينة، وكان آخر من مات بها من أصحابه ﷺ ورضوان الله تعالى عليهم. مات سنة (٩١) إحدى وتسعين، وله (١٠٠) مائة سنة، وهذا السند من رباعياته، رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بغلاني. (أن رسول الله ﷺ التقى) وتقابل (هو) ﷺ (والمشركون) معطوف على الضمير المستتر في التقى لتأكيده بضمير رفع منفصل (فاقتتلوا) أي فاقتتل المسلمون والمشركون قتالًا شديدًا (فلما مال) ورجع (رسول الله ﷺ والمسلمون (إلى) مركز (عسكره) ﷺ (ومال) أي رجع (الآخرون) أي المشركون الأعداء (إلى) مركز (عسكرهم وفي أصحاب رسول الله ﷺ في حال اقتتالهم مع الأعداء (رجل لا يدع) ولا يترك (لهم) أي للمشركين وهو صفة قدمت على موصوفها لقوله (شاذة) أي لا يدع نفسًا شاذة لهم، أي خارجة من جملتهم، والشاذ والشاذة الخارج والخارجة عن الجماعة، قال القاضي عياض: أنثت الكلمة على معنى النفس والنسمة، أو شبه الخارج عن الجماعة بشاذة الغنم، ومعناه أنه لا يدع أحدًا، على طريق المبالغة، قال ابن الأعرابي: يقال فلان لا يدع شاذة ولا فاذة، إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحدٌ إلا قتله، وفي النسخة التي عليها شرح الأبي والسنوسي "شاذة ولا فاذة". وفي الأبي: الشاذ الخارج عن الجماعة، والفاذ المنفرد، وأنث الكلمتين على معنى النسمة أو على التشبيه بشاذة الغنم وفاذتها، قال القرطبي: بل هو مبالغة كعلامة ونسابة، وقال القاضي: هو كناية عن شجاعته، أي لا ينجو منه فارٌّ، وفيه جواز التغالي في الكلام، والتعبير بالعموم عن الكثرة مبالغة كقوله: لا يضع عصاه عن عاتقه اهـ الأبي.

стр. 1316

إِلا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلانٌ ــ وعبارة المفهم هنا قوله (لا يدع لهم شاذة ولا فاذة) الشاذ الخارج عن الجماعة، والفاذ المنفرد وأنث الكلمتين على جهة المبالغة كما قالوا علامة ونسابة، وفيه من الفقه ما يدل على جواز الإغياء -هو بلوغ الغاية في الأمر- في الكلام والمبالغة فيه؛ إذا احتيج إليه، ولم يكن ذلك تعمقًا ولا تشدقًا اهـ. (إلا اتبعها) أي إلّا اتبع تلك الشاذة ولحقها حالة كونه (يضربها بسيفه) فيقتله (فقالوا) أي قال المسلمون بعضهم لبعض (ما أجزأ) ولا دفع (منا) الأعداء (اليوم) أي في هذا اليوم (أحد) من المسلمين (كما أجزأ) أي مثل ما أجزأ ودفع منا (فلان) يريدون ذلك الرجل الذي لا يدع شاذة ولا فاذة، قيل: هو قزمان كما في القرطبي، وقال النواوي: وهذا الرجل الذي لا يدع شاذة ولا فاذة اسمه قزمان قاله الخطيب البغدادي، قال: وكان من المنافقين، وقال الأبي: إن صح نفاقه فمن خارج لا من الحديث، والسياق يدل على أنه ليس الرجل الأول، وفي المفهم (قوله ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلانٌ) كذا صحت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه ما أغنى ولا كفى، وفي الصحاح أجزأني الشيء كفاني، وجزى عني هذا الأمر أي قضى، ومنه قوله تعالى ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي لا تقضي، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك" رواه أحمد (٤/ ٣٠٢) قال: وبنو تميم يقولون: أجزأتْ عنك شاة بالهمز، وقال أبو عبيد جزأت بالشيء وأجزأت أي اكتفيت به وأنشد: فإن اللؤم في الأقوام عارٌ ... وإن المرء يُجزأ بالكراع وقال النواوي: قوله (ما أجزأ منا اليوم أحدٌ) إلخ أجزأ مهموز معناه ما أغنى وكفى أحد غناءه وكفايته اهـ. وقال القاضي: بالهمز أي ما كفى كفايته، وما أغنى غناءه، وقال الخليل: والعرب تقول جزأت الإبل بالرطب عن الماء، أي اكتفت به عنه، وهو بدون همز بمعنى القضاء، يقال: جزى عني أي قضى ومنه قولهم: جزاه الله خيرًا، أي قضاه، ويكون أيضًا بمعنى الكفاية، قال الخليل يقال: جزيت عن كذا اكتفيت عنه، وجزيته كافيته. قال الأبي: (فإن قلتَ) قولهم ما أجزأ أحدٌ شهادةٌ له فيعارض حديث أنتم

стр. 1317

فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا. قَال: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، ــ شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم عليه خيرًا فهو من أهل الجنة (قلتُ) حديث أنتم خرج مخرج الغالب، وقد يتفق في بعض أن لا يكون كذلك، كهذا الرجل، قال السنوسي لا يحتاج إلى ذلك لأن حديث أنتم شهداء الله إنما ورد فيما يُعرف به حال الإنسان في الآخرة، فتكون هذه الشهادة بعد الموت، إذ المعتبر من الأعمال نفسها فلا تدل على حاله في الآخرة لعدم تحقق البقاء على الحالين إلى الموت، والمعتبر من العمل كما سبق خاتمته نسأله سبحانه حسن الخاتمة بفضله (فقال رسول الله ﷺ ردًّا عليهم لما قالوه وظنوه كلا (أما) أي انتبهوا واسمعوا ما أقول لكم (إنه) أي إن ذلك الرجل الذي أثنيتم عليه (من أهل النار) خالدًا مخلدًا فيها لأنه منافقٌ مُراءٍ لا موحد مخلص، وفي رواية زيادة "فأعظم الناس ذلك" أي عظموه وكبُر عليهم، وإنما أعظموه لأنهم نظروا إلى صورة حاله، ولم يعرفوا الباطن والمآل فأعلم العليم الخبير البشير النذير بمُغيب الأمر وعاقبته، وكان ذلك من أدلة صدق الرسول ﷺ ، وصحة رسالته، ففيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال جل وعلا (فقال رجل من القوم) أي من المسلمين الذين سمعوا مقالة الرسول ﷺ في ذلك الرجل (أنا صاحبه) وملازمه حيثما كان (أبدًا) أي في جميع الأزمنة المستقبلة، حتى أعرف حاله. قال النواوي (أنا صاحبه) كذا في الأصول، ومعناه أنا أصحبه في خفية وألازمه لأنظر وأعلم السبب الذي به يصير من أهل النار، فإن فعله في الظاهر جميل، وقد أخبر النبي ﷺ أنه من أهل النار، فلا بد له من سبب عجيب في سوء خاتمته لصدق خبره ﷺ . قال القرطبي: وفعل ذلك الرجل ملازمته ليزداد يقينًا، ولذلك كرر الشهادة. (قال) سهل بن سعد الراوي (فخرج) ذلك الرجل الذي أراد ملازمته للبحث عن حاله (معه) أي مع ذلك الرجل الذي قال النبي ﷺ فيه إنه من أهل النار، ولازمه ليلًا ونهارًا (كلما وقف) ذلك الرجل الذي قال فيه النبي ﷺ إنه من أهل النار (وقف) ذلك الملازم (معه) أي مع ذلك الذي قال فيه إنه من أهل

стр. 1318

وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ. قَال: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَينَ ثَدْيَيهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ ، عِنْدَ ذلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ــ النار (وإذا أسرع) ذلك الذي هو من أهل النار في مشيه (أسرع) ذلك الملازم (معه) أي مع ذلك الذي قيل فيه إنه من أهل النار (قال) سهل بن سعد الراوي (فجُرح) بضم الجيم (الرجل) الذي كان من أهل النار (جرحًا شديدًا) أشرف به على الموت فتألم ألمًا شديدًا (فـ) ـجزع و (استعجل) أي طلب (الموت) وأراد عجلته (فوضع نصل سيفه) أي مقبضه الذي يُركب فيه الخشب (بالأرض) أي على الأرض، وفي القاموس: ونصل السيف حديدته كلها ما لم يكن له مقبض، وأنشدوا: ......................... ... كالسيف سُلَّ نصله من غمده ويقال عليها مِنصلٌ، والمراد بالنصل في هذا الحديث طرف النصل الأسفل الذي يُسمى القبيعة والرئاسي، ويتصل بالمقبض والخشب الذي يركب عليه (و) وضع (ذُبابه) بضم الذال وتخفيف الباء الموحدة المكررة، أي طرفه الأعلى المحدد المهلل، قال القرطبي: ونصل السيف حديدته، وهو هنا طرفه الأسفل المسمى قبيعة، الذي يلي المقبض، وذبابه طرفه الأعلى الرقيق المحدد المهلل، وغرباه حداه يعني جانبيه اللذين يُضرب بهما، وصدره من مقبضه إلى مضربه، ومضربه موضع الضرب منه وهو ما دون الذباب بشبرٍ، أي وضع مقبضه على الأرض وطرفه الأعلى (بين ثدييه) مثنى ثدي بفتح الثاء المثلثة وسكون الدال، ويجمع على أثدٍ نظير أيدٍ، وعلى ثُديٍّ بضم المثلثة وكسرها، والأفصح فيه التذكير، وتأنيثه لغةٌ، وقال الجوهري: ويستعمل في الذكر والأنثى، وخصه ابن فارس بالأنثى، ويقال لذلك المحل من الذكر ثَنْدوة بفتح المثلثة دون همز، وثُندؤة بضمها مع الهمز، وعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثدي للرجل (ثم تحامل) أي تثاقل (عليه) أي على ذباب سيفه فنفذ السيف في صدره (فقتل نفسه) أي أزهق روحه بذلك التحامل. (فقال رسول الله ﷺ عند) سماع (ذلك) الفعل الذي فعله بنفسه، من الرجل الملازم له أما (إن الرجل) أي الإنسان (ليعمل عمل أهل الجنة) من الأعمال الصالحة والطاعات الكثيرة، والجار والمجرور في قوله (فيما يبدو) ويظهر (للناس)

стр. 1319

وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". ٢١١ - (١٠٨) (٣١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيرِيُّ ــ المعاصرين له متعلق بيعمل (وهو) أي والحال أن ذلك الرجل المتعمق في العبادة مكتوب في علمه تعالى أنه (من أهل النار) الذين سبقت عليهم الشقاوة (وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار) من الشرك والمعاصي (فيما يبدو) ويظهر (للناس وهو) أي والحال أن ذلك الرجل المُلازم للشرك والمعاصي مكتوب عند الله تعالى أنه (من) السعداء (أهل الجنة) لسبق القلم بسعادته. قال القرطبي: وقوله (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس) دليل على أن ذلك الرجل لم يكن مخلصًا في جهاده، وقد صرح الرجل بذلك فيما يروى عنه أنه قال: "إنما قاتلت عن أحساب قومي" فتناول هذا الخبر أهل الرياء. فأما حديث أبي هريرة الذي قال فيه: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار فيدخلها" رواه مسلم (٢٦٥١) فإنما يتناول من كان مخلصًا في أعماله قائمًا بها على شروطها لكن سبقت عليه سابقة القدر فبدل به عند خاتمته، كما يأتي البسط فيه في كتاب القدر إن شاء الله تعالى انتهى. وهذا الحديث أعني حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ١٣٥) والبخاري (٤٢٠٢). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ثانيًا بحديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه فقال: (٢١١) - ش (١٠٨) (٣١) (حدثني محمد بن رافع) بن أبي زيد القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري ثقة عابد من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب، قال محمد بن رافع (حدثنا) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي (الزبيري) مولاهم -وليس من ولد الزبير بن العوام- أبو أحمد الكوفي، روى عن شيبان بن عبد الرحمن، وقيس بن سليم العنبري، وحمزة الزيات، والثوري، وسعيد بن حسان، وعمار بن زريق، ومالك بن مِغْوَلٍ، وإسرائيل وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن رافع، وحجاج بن الشاعر، ونصر بن علي، وزهير بن حرب، وعمرو

стр. 1320

(وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيرِ) حَدَّثَنَا شَيبَانُ قَال: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، ــ الناقد وابن أبي شيبة، وعبيد الله القواريري، ومحمد بن عمرو بن جبلة، قال العجلي: كوفي ثقة يتشيع، وقال بندار: ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو زرعة وابن خِراش: صدوق، وقال في التقريب: ثقة ثبت إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة (٢٠٣) ثلاثٍ ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والجنائز والزكاة والحج والنكاح والطلاق والفرائض في موضعين، والمعروف والنفاق، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها عشرة أبواب تقريبًا، وأتى بهو في قوله (وهو محمد بن عبد الله بن الزبير) إشعارًا بأن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه، بل مما زاده من عند نفسه، قال الزبيري (حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي نسبة إلى نحو بن شمس بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، أبو معاوية البصري ثم الكوفي ثم البغدادي، ثقة من السابعة، مات سنة (١٦٤) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (قال) شيبان (سمعت الحسن) بن أبي الحسن الأنصاري، أبا سعيد البصري، واسم أبي الحسن يسار، مولى زيد بن ثابت أخو سعيد وعمار، وأمهم خيرة مولاة أم سلمة، روى عن جندب بن عبد الله، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وأبي رافع الصائغ نفيع، وسعد بن هشام، وعبد الرحمن بن سمرة، وحطان بن عبد الله الرقاشي، وخلق، ويروي عنه (ع) وشيبان وجرير بن حازم، وأبو الأشهب، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، وسليمان التيمي، وأيوب، وخالد الحذاء، وعبد الله بن عون، وخلائق، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، وهو رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة (١١٠) عشر ومائة، قيل: ولد سنة (٢١) إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين، والصلاة والأيمان والجهاد في أربعة مواضع، والحدود والدلائل والأشربة والفتن في ثلاثة مواضع، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا، حالة كون الحسن البصري (يقول إن رجلًا ممن كان قبلكم) من الأمم السابقة (خرجت) أي طلعت ونبتت (به) أي بذلك الرجل (قرحة) أي بثرة وخراج والقرحة -بفتح القاف وإسكان الراء- واحدة القروح: وهي حبيبات تخرج في بدن الإنسان، قال الأبي: وهذا الرجل وإن كان فيمن قبلنا

стр. 1321

فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَإِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَال رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ". ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلى الْمَسْجِدِ فَقَال: إِي وَاللهِ، لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، ــ فالمقصود بذكره التحذير عن أن يقع أحد في مثله، فآذته تلك القرحة وآلمته (فلما آذته) وآلمته ألمًا شديدًا (انتزع) وأخرج (سهمًا) أي نشابًا (من كنانته) أي من جعبة سهامه وكيسها، والكنانة بكسر الكاف هي جعبة النشاب، والجعبة بفتح الجيم وسكون العين كيس من أديم توضع فيه السهام، سميت كنانة لأنها تكن السهام أي تسترها (فنكأها) بهمز آخره، أي نكأ تلك القرحة، أي قشرها وخرقها، وفتحها لإخراج ما فيها من الصديد والقيح، والقشر بالفتح إزالة القشر بالكسر، فخرج من تلك القرحة بعد قشرها الدم والماء لا القيح والصديد (فلم يرقأ) بهمز آخره، أي لم ينقطع عنه (الدم) بل سال منه كثيرًا (حتى مات) بسبب قشرها وسيلان الدم منه، يقال: رقأ الدم والدمع يرقأ رقوءًا، مثل ركع يركع ركوعًا إذا سكب وانقطع (قال ربكم) وخالقكم، وفي نسخة الأبي (فقال) بزيادة الفاء التعقيبية، أي قال ربكم في شأن ذلك الرجل على لسان نبي ذلك الزمان: أيتها الأمة إني (قد حرمت) ومنعت (عليه) أي على ذلك الرجل الذي قشر قرحته فمات (الجنة) أي دخولها أصلًا إن كان مستحلًا قتل نفسه، أو حتى يُعاقب ويُجازى على قتل نفسه إن لم يكن مستحلًا ذلك، قال القاضي: وتحريم الجنة عليه يدل على أنه فعله مستحلًا، أو يعني أنه لا يدخلها ابتداءً حتى يُجازى ويُعاقب، أو حتى يُحبس على الأعراف ويُطال حبسه إن لم يكن مستحلًا، قال النواوي: أو يكون من شرع أهل ذلك العصر التكفير بالذنوب الكبائر، ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالًا للموت أو لغير مصلحة، فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حرامًا، والله أعلم انتهى. (ثم) بعد ما حدَّث لنا الحسن هذا الحديث لما سألناه عمن حدثه عن رسول الله ﷺ (مد) الحسن وبسط (يده) اليمنى (إلى المسجد) الذي كان في البصرة قريبًا منهم، تأكيدًا لسماعه عن رسول الله ﷺ لا عن القصاص، قال الأبي: ومدُّ يده تأكيدٌ لثبوت السماع (فقال) الحسن (أي) أي نعم حدثته عن رسول الله ﷺ لا عن القصاص (والله) أي أقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لقد حدثني) وروى لي (بهذا الحديث) الذي حدثته لكم (جندب) بن عبد الله بن

стр. 1322

عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فِي هَذَا الْمَسْجِدِ. ٢١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، ــ سفيان البجلي ثم العلقي -بفتحتين- نسبة إلى علقة بن عبقر بن أنمار بطن من بَجيلة، أبو عبد الله البصري، كان أولًا بالكوفة ثم صار إلى البصرة، ثم خرج منها، وحديثه عند أهل البلدتين جميعًا، الصحابي المشهور، وليس في مسلم جندب أي من ذكر باسم جندب إلا هذا الصحابي الجليل (عن رسول الله ﷺ في هذا المسجد) القريب منا يعني مسجد البصرة، لأن الحسن من أهل البصرة. وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد كوفي وواحد نيسابوري، وهذا الحديث أعني حديث جندب بن عبد الله شارك المؤلف في روايته البخاري فقط، رواه البخاري تعليقًا في كتاب الجنائز، وفي باب ذكر بني إسرائيل "أحاديث الأنبياء". ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه فقال: (٢١٢) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن أبي بكر) بن علي بن عطاء بن مقدم الثقفي مولاهم (المقدمي) بضم أوله وفتح ثانيه وبالدال المشددة المفتوحة نسبة إلى جده مُقدم، أبو عبد الله البصري، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب قال محمد بن أبي بكر (حدثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو العباس البصري، روى عن أبيه في الإيمان والصلاة والحج وغيرها، وشعبة في الوضوء والجنائز والنكاح وغيرها، وهشام بن حسان في الطب، وابن عون، وعكرمة بن عمار وطائفة، ويروي عنه (ع) ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن المثنى، وإسحاق الحنظلي، ومحمد بن رافع، وزهير بن حرب، والحسن بن علي الحلواني وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من التاسعة، مات سنة ستٍّ ومائتين (٢٠٦) قال وهب (حدثنا أبي) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، أحد الأئمة الأعلام رأى جنازة أبي الطفيل، روى عن الحسن، ويونس بن يزيد، وأبي فزارة، والنعمان بن راشد، وقتادة، ويعلي بن حكيم،

стр. 1323

قال: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ الله الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ . قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ". فَذَكَرَ نَحْوَهُ ــ وأيوب، وحرملة بن عمران، وابن سيرين، والأعمش، وطاوس، وخلائق، ويروي عنه (ع) وابنه وهب بن جرير، وشيبان بن فروخ، ويحيى بن آدم، وابن وهب، وبهز بن أسدٍ، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وخلق، وقال في التقريب: ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة (١٧٠) سبعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والجنائز والحج في موضعين، والنكاح في موضعين، والإمارة والجهاد في ثلاثة مواضع، والفضائل والعتق، وصفة النبي ﷺ ، والبيوع في موضعين، والأشربة في موضعين، والنذور والحيوان، والأطعمة واللباس، وذكر الجان، والرياء، ودلائل النبوة، والبِر، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة عشر بابًا تقريبًا (قال) جرير بن حازم (سمعت الحسن) البصري الأنصاري مولاهم، حالة كونه (يقول حدثنا جندب بن عبد الله البجلي) العلقي البصري (في هذا المسجد) القريب منا، يعني مسجد البصرة، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جرير لشيبان في رواية هذا الحديث عن الحسن، قال الحسن البصري (فما نسينا) ذلك الحديث الذي حدَّثَنَاه جندب عن رسول الله ﷺ وما غاب عن ذهننا، وما عزب عن ظهر قلبنا (و) مع ذلك (ما نخشى) ولا نخاف ولا يخطر ببالنا (أن يكون جندب) بن عبد الله (كذب على رسول الله ﷺ وقوله (فما نسينا وما نخشى) نوع من تأكيد الكلام وتقويته في النفس، والإعلام بتحقيقه، ونفي تطرق الخلل إليه (قال) جندب (قال رسول الله ﷺ خرج) ونبت (بـ) ـجسد (رجل فيمن كان قبلكم) من الأمم (خراج) بضم الخاء المعجمة، أي قرحة (فذكر) جرير (نحوه) أي نحو حديث شيبان عن الحسن، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، مع بيان محل المخالفة بين الروايتين، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث خمسة: الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.

стр. 1324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: حديث ثابت بن الضحاك ذكره للاستشهاد لحديث أبي هريرة، وذكر فيه متابعتين. والثالث: حديث أبي هريرة أيضًا، ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة. والرابع: حديث سهل بن سعد الساعدي، ذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة المذكور قبله. والخامس: حديث جندب بن عبد الله، ذكره أيضًا للاستشهاد به لحديث أبي هريرة وذكر فيه متابعة واحدة. ***

стр. 1325

٥٥ - (١٤) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ٢١٣ - (١٠٩) (٣٢) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، أَبُو زُمَيلٍ، ــ ٥٥ - (١٤) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان حكم إيمان من غل وأخذ من الغنيمة خُفية قبل قسمتها، وبيان أنه لا يدخل الجنة أصلًا أو ابتداءً إلا المؤمنون الكاملون في الإيمان، أو المسيئون، وعدلت إلى هذه الترجمة عن تراجم غيري لتوافق ترجمة كتاب الإيمان والله أعلم. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: (٢١٣) - س (١٠٩) (٣٢) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم، أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا، قال زهير (حدثنا هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مقسم الليثي مولاهم، أبو النضر البغدادي، ويلقب بقيصر، ثقة ثبت من التاسعة، مات سنة (٢٠٧) سبع ومائتين وله (٧٣) ثلاث وسبعون سنة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا قال هاشم بن القاسم (حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي، أبو عمار اليمامي، أصله من البصرة، أحد الأئمة الأعلام، قال ابن معين: ثقة، ووثقه أحمد، وقال ابن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة ثبتًا، وقال العجلي: ثقة، وقال في التقريب: صدوق من الخامسة يغلط، وكان مجاب الدعوة، مات سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا. (قال) عكرمة (حدثني سِماك) بكسر أوله وتخفيف الميم، بن الوليد (الحنفي) أي المنسوب إلى بني حنيفة (أبو زُميل) بضم الزاي مصغرًا اليمامي، نزيل الكوفة، روى عن ابن عباس في الإيمان والطلاق والجهاد والفضائل، ويروي عنه (م عم) وعكرمة بن

стр. 1326

قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ. قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَال: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، فُلانٌ شَهِيدٌ. حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلانٌ شَهِيدٌ ــ عمار، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ليس به بأس من الثالثة، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة (قال) سماك الحنفي (حدثني عبد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي ﷺ ، حبر الأمة، وترجمان القرآن، الصحابي الجليل، له ألف حديث وستمائة وستون حديثًا، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة، مات بالطائف سنة (٦٨) ثمانٍ وستين، (قال) ابن عباس (حدثني عمر بن الخطاب) بن نُفيل بن عبد العزى، أبو حفص المدني، أحد فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سُمي أمير المؤمنين، جمُّ المناقب، له خمسمائةٍ وتسعة وثلاثون حديثًا، أسلم بعد أربعين رجلًا، استشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) ثلاثٍ وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا، ودفن في الحجرة النبوية، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، كما مر البسط في ترجمته أوائل الكتاب، وهذا السند من سداسياته رجاله واحد منهم نسائي، وواحد بغدادي، واثنان يماميان، وواحد طائفي، وواحد مدني، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي. (قال) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (لما كان يوم) وقعة (خيبر) بالخاء المعجمة آخره راء هكذا وقع في مسلم وهو الصواب، وذكر القاضي: أن أكثر رواة الموطأ رووه هكذا وأنه الصواب ورواه بعضهم حُنينًا بالحاء المهملة والنون وهو خطأ والله أعلم، وخيبر موضع في الحجاز على أميال من المدينة، وحنين موضع بالحجاز على أميال من مكة (أقبل) وجاء (نفر) أي جماعة والنفر من ثلاثة إلى عشرة (من صحابة النبي ﷺ أي جاؤوا من موضع الوقعة إلى رسول الله ﷺ (فقالوا) لرسول الله ﷺ (فلان) منا (شهيد) أي قتل شهيدًا في المعركة (وفلان) أيضًا (شهيد) أي وجد قتيلًا في المعركة، وعددوا رجالًا من الشهداء (حتى) ذكروا و (مروا) في تعدادهم الشهداء (على رجل) من القتلى (فقالوا فلان) أيضًا (شهيد) أي قتل شهيدًا، وفسره في الحديث الآتي بأنه عبد رسول الله صلى الله عليه

стр. 1327

فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : كَلَّا. إِنِّي رَأَيتُهُ فِي النَّارِ، فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ ــ وسلم قاله الأبي، وقال القرطبي: وهذا الرجل هو المسمى "مِدْعَمًا" بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين وكان عبدًا للنبي ﷺ فبينا هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ أصابه سهم، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال لهم النبي ﷺ هذا الكلام اهـ. (فقال رسول الله ﷺ : كلا) أي ارتدعوا وانزجروا عما قلتم من أن فلانًا شهيدٌ فله الجنة، وكلا حرف ردع وزجر وردٍ لقولهم في هذا الرجل إنه شهيد محكوم له بالجنة من أول وهلة، بل هو في النار بسبب غلوله (إني رأيته) من رأى الثلاثي المبني للفاعل أي أبصرته (في النار) أي في نار جهنم، وفي رواية "إني أريته" من أرى الرباعي المبني للمفعول، قال القرطبي ظاهره أنها رؤية عيان ومشاهدة، لا رؤية منام فهو حجة لأهل السنة على قولهم إن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، وفيه دليل على أن بعض من يعذب في النار يدخلها ويعذب فيها قبل يوم القيامة، ولا حجة فيه للمكفرة بالذنوب لأنا نقول: إن طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم ثم يخرجون منها بتوحيدهم، أو بالشفاعة لهم كما سيأتي في أحاديث الشفاعة الصحيحة، ويجوز أن يكون هذا الغال منهم. وهذا موضع الترجمة من الحديث، لأن دخوله النار إما لكفره إن استحل الغلول، أو للتطهير إن لم يستحله (في بردة) أي بسبب بردة أو لأجلها (غلها) أي أخذ تلك البردة من الغنيمة خفية قبل قسمتها، وأو في قوله (أو عباءة) للشك من الراوي، أي أو قال النبي ﷺ بسبب عباءة غلها من الغنيمة، والغُلول بضم الغين: الخيانة في المغنم خاصة، وقيل الخيانة في كل شيء يقال منه غَلَّ بفتح الغين يغُل بضمها في المضارع، قال ابن قتيبة وغيره الغلول مأخوذ من الغلل، وهو الماء الجاري بين الأشجار، فكان الغال سُمي بذلك لأنه يدخل الغلول في أثناء رحله، فأما الغِل بكسر الغين فهو الحقد والشحناء، قال الأبي: فمن غل الثلاثي حديث "من بعثناه على عمل فغل شيئًا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه" ومن أغل الرباعي حديث "لا إغلال ولا إسلال" فالإغلال: الخيانة، والإسلال: السرقة يقال: (رجل مُغل مُسل) أي خائن سارق.

стр. 1328

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ، قَال: فَخَرَجْتُ فَنَادَيتُ: ألا إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ". ٢١٤ - (١١٠) (٣٣) حدثني أَبُو الطَّاهِرِ، قال: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، ــ والبردة كساء أسود صغير مربع يلبسه الأعراب قاله الجوهري، وقال غيره: هي الشملة المخططة، وهي كساء يؤتزر به، والعباءة ممدود الكساء المعروف، ويقال فيه عباية. (ثم) بعد ما قال في الرجل ذلك (قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب (اذهب) يا عمر إلى مجتمع الناس (فناد في الناس أنه) أي أن الشأن والحال بفتح همزة أن على تقدير الجار، أي نادِ بأنه، وبكسرها على أن النداء بمعنى القول، أي قل في الناس إنه نظير قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بفتح الهمزة، وقُرئ بالكسر: أي اذهب يا عمر فناد في الناس أنه (لا يدخل الجنة) أصلًا (إلا المؤمنون) أي الموحدون (قال) عمر (فخرجت) من عنده ﷺ (فناديت) في الناس بقولي (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم تبليغًا من الرسول ﷺ (إنه) أي إن الشأن والحال (لا يدخل الجنة) ابتداءً أو بعد المجازاة (إلا المؤمنون) المخلصون أو المسيئون، وسياق الحديث يدل على أن ذلك الرجل لا إيمان له لاستحلاله الغلول، أو لأنه كان منافقًا مرائيًا، وهذا الحديث أعني حديث ابن عباس عن عمر شارك المؤلف في روايته أحمد (١/ ٣٠) والترمذي (١٥٧٤). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمر بن الخطاب بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢١٤) - ش (١١٠) (٣٣) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح المصري القرشي مولاهم، مولى بني أمية، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٥) روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، (قال) أبو الطاهر (أخبرني) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه أحد الأئمة، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن مالك بن أنس) بن مالك

стр. 1329

عَنْ ثَوْرٍ بْنِ زَيدٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ) عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيثِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: "خَرَجْنَا مَعَ النبِيِّ ﷺ إِلَى خَيبَرَ. فَفَتَحَ الله ــ الأصبحي، أبي عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، ثقة ثبت حافظ فقيه، من السابعة مات سنة (١٧٩) وله (٩٠) سنة روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن ثور بن زيد الديلي) بكسر الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، وهو من رهط أبي الأسود الديلي، المدني، ثقة من السادسة، مات سنة (١٣٥) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا (عن سالم أبي الغيث مولى) عبد الله (بن مطيع) بن الأسود القرشي العدوي المدني، روى عن أبي هريرة في الإيمان والفضائل، ويروي عنه (ع) وثور بن زيد، وصفوان بن سليم، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان مصريان. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) وله (٩٠) سنة، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا، وأتى بقوله (وهذا) الآتي (حديثه) أي لفظ حديث قتيبة تورعًا من الكذب على أبي الطاهر لأنه إنما روى معنى الحديث الآتي لا لفظه، قال قتيبة بن سعيد (حدثنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق من الثامنة، مات سنة (١٨٩) قرنه (خ) بآخر، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن محمد) إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته لا مما سمعه من شيخه، وفائدة هذا التحويل بيان متابعة عبد العزيز لمالك في رواية هذا الحديث عن ثور، وفائدتها بيان كثرة طرقه، لأن عبد العزيز لا يصلح لتقوية مالك، لأنه صدوق، ومالك من أوثق الناس (عن ثور) بن زيد الديلي المدني (عن أبي الغيث) سالم مولى عبد الله بن مطيع المدني (عن أبي هريرة) المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بغلاني وبغلان قرية ببلخ. (قال) أبو هريرة (خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر ففتح الله) سبحانه

стр. 1330

عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ الله ﷺ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامَ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيبِ ــ وتعالى خيبر (علينا) معاشر المسلمين ونصرنا على أعدائنا اليهود (فلم نغنم) منها ولم نأخذ (ذهبًا ولا ورقًا) أي فضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، ذكره الزمخشري في تفسير سورة الكهف، بل (غنمنا) منهم (المتاع) أي متاع البيت من المواعين (والطعام) أي الثمار والحبوب (والثياب) أي القماش والملبوس (ثم) بعد ما أخذنا هذه الغنائم منهم وجمعناها (انطلقنا) أي ذهبنا من قرية خيبر (إلى الوادي) أي إلى وادي خيبر ونزلنا فيه (ومع رسول الله ﷺ عبدٌ له) اسمه مدعم بكسر الميم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين، كذا جاء مصرحًا به في الموطأ في هذا الحديث بعينه، وقال القاضي عياض: إنه غير مدعم، قال: وورد في حديث مثل هذا اسمه كركرة، ذكره البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله ﷺ هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها، قال الحافظ في الإصابة: كركرة مولى لرسول الله ﷺ كان نوبيًا أهداه له هوذة بن علي الحنفي اليمامي، فأعتقه، وقال ابن منده: له صحبة ولا تعرف له رواية، وقال الواقدي: كان يمسك دابة النبي ﷺ وهو مملوك، وضبط النواوي (كركرة) بفتح الكاف الأولى وكسرها، وأما الثانية فمكسورة فيهما. (وهبه) أي وهب ذلك العبد (له) أي لرسول الله ﷺ (رجل من) قبيلة (جذام) بضم الجيم (يُدعى) أي يسمى ذلك الرجل الجذامي (رفاعة بن زيد) حالة كونه (من) شعب (بني الضبيب) بضم الضاد مصغرًا، وفي القاموس وجُذام كغراب قبيلة بجبال حِسْمى من معد بن عدنان، ويصرف على تأويل الحي، قال القاضي: وفي هذا قبول النبي ﷺ الهدية من المشركين كما قبلها من المقوقس، وأكيدر دومة، وفروة بن نفاثة، وردها على بعضهم وقال: لا نقبل رفد مشرك، وكرهها في حديث ابن اللتبية وقال: "هدايا الأمراء غلول" واختلف في الأمير اليوم فقيل: لا يقبلها من مسلم ولا كافر، وقبولها كان خاصًّا به ﷺ وقيل: لا يقبلها ممن في عمله، ويقبلها من المشركين، إلا أن يكون في قبولها توهين لأمر المسلمين وصدهم عن الظهور على العدو، فتكون

стр. 1331

فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ الله ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ. فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُول اللهِ! قَال رَسُولُ الله ﷺ : كَلَّا. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ ــ رشوة، وسيأتي بقية الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. (فلما نزلنا) معاشر المسلمين (الوادي) أي وادي خيبر واسترحنا فيه (قام عبد رسول الله ﷺ وهو مدعم المذكور أولًا حالة كونه (يحل) ويفك (رحله) وقتبه من ناقته ﷺ والرحل هو مركب الرجل على البعير المسمى بالقتب (فرُمي) ذلك العبد (بسهم) غرب (فكان فيه) أي في ذلك السهم وبسببه (حتفه) أي موته، والحتف بفتح الحاء وسكون التاء الموت يُجمع على حُتوف، يقال: مات حتف أنفه أي من غير قتل ولا ضرب ولا سبب (فقلنا) معاشر المسلمين (هنيئًا) أي بشارةً له وفرحًا وفوزًا، فهو منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا لجريانه مجرى المثل، أو لقيامه مقام عامله تقديره هنؤ هنيئًا أي طاب طيبًا وفاز فوزًا، يقال هنئ الطعام هنيئًا إذا ساغ بسهولة، والهنيء والمهنأ ما أتاك بلا مشقة (له) أي لذلك العبد، فالجار والمجرور خبر مقدم، والمبتدأ قوله (الشهادة) أي الموت في سبيل الله تعالى، والجملة الاسمية معللة لجملة هنيئًا، أي هنؤ هنيئًا، وطاب طيبًا، لأن له الشهادة والموت في سبيل الله تعالى (يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ ردًّا علينا لما قلنا فيه (كلا) أي ارتدعوا وانزجروا عن كلامكم هذا (والذي) أي أقسمت بالإله الذي (نفس محمد) وروحه (بيده) يتصرف فيها كيف يشاء (إن الشملة) والفوطة: وهي كساء مخطط صغير يؤتز به (لَتلتهب) وتتقد وتشتعل (عليه) أي على هذا العبد (نارًا) يوم القيامة، والجملة الفعلية خبر إن، وقوله (أخذها) أي أخذ تلك الشملة (من الغنائم) التي أخذناها (يوم خيبر) من الكفار قبل قسمتها صلة لموصول محذوف تقديره أي إن الشملة التي أخذها من الغنائم يوم خيبر قبل قسمتها لتلتهب عليه نارًا، وقوله (لم تصبها) ولم تشملها (المقاسم) معطوف على أخذها بعاطف مقدر، والمقاسم جمع مقسم بمعنى القسمة، وتمييز الحصص، أي أن الشملة التي أخذها يوم خيبر ولم تصبها المقاسم لتلتهب عليه نارًا، ونارًا تمييز محول عن فاعل تلتهب، أي لتلتهب نارها عليه، وحال منه على تأويلها بمشتق.

стр. 1332

قَال: فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِراكٍ أَوْ شِرَاكَينِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيبَرَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ" ــ (قال) أبو هريرة (ففزع) أي فجع (الناس) الحاضرون من قول الرسول ﷺ في ذلك العبد (فجاء رجل) ممن سمع كلام الرسول ﷺ (بشراك) واحد، والشراك: هو السير المعروف الذي يكون في النعل على ظهر القدم (أو) قال أبو هريرة بـ (ـشراكين) بالتثنية، والشك من أبي الغيث، أو ممن دونه (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله أصبت) هذا الشراك أو هذين الشراكين، من الغنيمة قبل قسمتها (يوم خيبر) فاقبله مني، ففيه حذف مفعول أصبت، لعلمه من السياق. (فقال رسول الله ﷺ للرجل لك (شراك من نار) يوم القيامة على أخذك هذا الشواك من الغنيمة (أو) قال له الرسول ﷺ لك يوم القيامة (شراكان من نار) عقوبة لك على أخذ هذين الشراكين، قال القاضي عياض: قوله (إن الشملة لتلتهب عليه نارًا) وفي الآخر (شراك أو شراكان من نار) تنبيه على المعاقبة عليهما، ويحتمل أنهما صارتا عليهما نارًا حقيقة، فتكون المعاقبة بهما أنفسهما فيعذبان بهما وهما من نار، ويحتمل أنهما سبب تعذيبهما بالنار، وفي هذا الحديث دليل لإحدى الروايتين عن مالك رحمه الله تعالى في منع أخذ المحتاج إليه من غير الطعام من الغنيمة، إلا أن يقال إنه أخذه لغير حاجة، بدليل أنها أخرجت من الرحل، ولو أخذت لحاجة لاستعملت فيها ولم تستتر، أو أنه أخذها للحاجة ولم يردها إلى الغنيمة بعد قضاء حاجته، والحديث يدل على أن القليل والكثير من الغلول سواء، وأنه لا يحرق متاع الغال إذا لم يذكر ذلك. قال النواوي: وأما أحكام الحديثين أعني حديث عمر، وحديث أبي هريرة فمنها: غلظ تحريم الغلول، ومنها أنه لا فرق بين قليله وكثيره حتى الشراك، ومنها أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غل إذا قتل، ومنها أنه لا يدخل الجنة أحد ممن مات على الكفر وهذا بإجماع المسلمين، ومنها جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة لقوله ﷺ والذي نفس محمد بيده، ومنها أن من غل شيئًا من الغنيمة يجب عليه رده، وأنه إذا رده يقبل منه، ولا يحرق متاعه سواء رده أو لم يرده فإنه ﷺ لم يحرِّق متاع صاحب الشملة، وصاحب الشراك، ولو كان واجبًا لفعله، ولو فعله لنقل.

стр. 1333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما حديث: "من غل فأحرقوا متاعه واضربوه" وفي رواية "فاضربوا عنقها فضعيف بيَّن ابن عبد البر وغيره ضعفه، قال الطحاوي رحمه الله تعالى: ولو كان صحيحًا لكان منسوخًا، ويكون هذا حين كانت العقوبات في الأموال والله أعلم. وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة شارك المؤلف في روايته البخاري وأبو داود والنسائي، رواه البخاري في الإيمان والنذور والمغازي وأبو داود في الجهاد والنسائي في كتاب السير "في الكبرى" قال المزي: قال أبو الحسن الدارقطني: قال موسى بن هارون: وَهِمَ ثور بن زيد في هذا الحديث لأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي ﷺ يعني إلى خيبر، وإنما قدم المدينة بعد خروج النبي ﷺ إلى خيبر، وأدرك النبي ﷺ وقد فتح الله عليه خيبر، قال أبو مسعود الدمشقي: وإنما أراد البخاري ومسلم من نفس هذا الحديث قصة مدعم في غلول الشملة التي لم تصبها المقاسم، وأن النبي ﷺ قال: إنها لتشتعل عليه نارًا، وقد روى الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحوها فقلت: أسهم لي، ورواه أيضًا عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص عن جده عن أبي هريرة، ولا يشك أحد من أهل العلم أن أبا هريرة قد شهد قسم النبي ﷺ غنائم خيبر، هو وجعفر بن أبي طالب وجماعة من مهاجرة الحبشة الذين قدموا في السفينة، فإن كان ثور وهم في قوله خرجنا، فإن القصة المرادة من نفس الحديث صحيحة اهـ من تحفة الأشراف. قال الحافظ ابن حجر: وذكر الحافظ أبو عبد الله بن منده: أن محمد بن إسحاق رواه عن ثور بلفظ أزال الإشكال، وهو عن أبي هريرة قال: "انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القُرى عشية فنزل وغلام يحط رحله ... " الحديث فلعل الوهم الذي في قوله خرجنا إلى خيبر من غير ثور بن زيد، قلت: ولعل المراد بقوله خرجنا إلى خيبر "خرجنا من خيبر" اهـ النكت الظراف. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث عمر، ذكره للاستدلال، والثاني حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد رضي الله تعالى عنهما. ***

стр. 1334

٥٦ - (١٥) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ ٢١٥ - (١١١) (٣٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيمَانَ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بن حَرْبٍ، ــ ٥٦ - (١٥) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الحديث الدال على أن المؤمن القاتل لنفسه لا يكفر ولا يخرج عن الملة بارتكابه قتل نفسه الذي هو من أكبر الكبائر، إن لم يستحل قتل نفسه وإلا فقد كفر كما هو معلوم من التفاصيل السابقة في الأحاديث المارة في الأبواب السابقة، ثم استدل المؤلف على الترجمة فقال: (٢١٥) - س (١١١) (٣٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) (واسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، قرين أحمد بن حنبل، من العاشرة فات سنة (٢٣٨) وأكد بقوله (جميعًا) دون كلاهما إشارة إلى عدم انحصار من روى له عن سليمان في هذين الشيخين، أي حالة كونهما مجتمعين في الرواية لي (عن سليمان) بن حرب الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة، نسبة إلى واشح بطن من الأزد، أبي أيوب البصري، قاضي مكة روى عن حماد بن زيد في الإيمان والنكاح والجهاد وغيرها، وحماد بن سلمة، وجرير بن حازم وطبقتهم، ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وإسحاق، وحجاج بن الشاعر، وهارون بن عبد الله، ويحيى القطان، ومحمد بن جعفر وغيرهم، قال أبو حاتم: هو إمامٌ حضرت مجلسه ببغداد فحزروا من فيه أربعين ألف رجل، وقال في التقريب: ثقة ثبت من التاسعة، مات بالبصرة في ربيع الأول سنة (٢٢٤) أربع وعشرين ومائتين وله (٨٠) ثمانون سنة، وكان مولده سنة أربعين ومائة في صفر، روى عنه المؤلف في الإيمان والجهاد والنكاح وغيرها، وأتى بجملة قوله (قال أبو بكر حدثنا سليمان بن حرب) تورعًا من الكذب على أبي بكر، لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن أبا بكر روى عن سليمان بالعنعنة كإسحاق، مع أنه روى عنه بصيغة السماع، وأيضًا ذكر أبو بكر باسم أبي سليمان.

стр. 1335

حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ حَجَّاج الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ، "أَنَّ الطُّفَيلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ ــ قال سليمان بن حرب (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزرق الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه من كبار الثامنة، مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون (٨١) سنة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا. (عن حجاج) بن أبي عثمان (الصواف) الخياط، أبي الصلت بفتح وسكون الكندي مولاهم البصري، واسم أبي عثمان ميسرة أو سالم، روى عن أبي الزبير في الإيمان والصلاة وكفارة المرض والهبة، ويحيى بن أبي كثير في الصلاة وغيرها، وأبي رجاء مولى أبي قلابة في الحدود، ويروي عنه (ع) وحماد بن زيد، وابن أبي عدي في الصلاة، وإسماعيل بن علية، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن بشر، ويزيد بن زريع وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة حافظ من السادسة، مات سنة (١٤٣) ثلاث وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع، وكفارة المرض والهبة والحدود، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها خمسة أبواب تقريبًا. (عن أبي الزبير) المكي، محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، ثقة يدلس، وقال في التقريب: صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب (عن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ثم السلمي بفتحتين أبي عبد الرحمن المدني، صحابي بن صحابي، مات في المدينة سنة (٧٨) ثمان وسبعين عن (٩٤) أربع وتسعين سنة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا. وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان مدنيان، وواحد كوفي أو مروزي (أن الطفيل بن عمرو) بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهر بن غنم بن دوس (الدوسي) من دوس، أسلم وصدق النبي ﷺ وآمن به بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه من أرض دوس، فلم يزل مقيمًا بها داعيًا إلى الله تعالى حتى هاجر رسول الله ﷺ ، ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر بمن تبعه من قومه وفيهم أبو هريرة، فلم يزل مقيمًا مع رسول الله ﷺ حتى قبض ﷺ ثم كان مع المسلمين حتى قتل باليمامة شهيدًا، وروى إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قال: قتل الطفيل بن عمرو الدوسي عام
следующие страницы →