فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ الله ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ. فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُول اللهِ! قَال رَسُولُ الله ﷺ : كَلَّا. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ
ــ
رشوة، وسيأتي بقية الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
(فلما نزلنا) معاشر المسلمين (الوادي) أي وادي خيبر واسترحنا فيه (قام عبد رسول الله ﷺ وهو مدعم المذكور أولًا حالة كونه (يحل) ويفك (رحله) وقتبه من ناقته ﷺ والرحل هو مركب الرجل على البعير المسمى بالقتب (فرُمي) ذلك العبد (بسهم) غرب (فكان فيه) أي في ذلك السهم وبسببه (حتفه) أي موته، والحتف بفتح الحاء وسكون التاء الموت يُجمع على حُتوف، يقال: مات حتف أنفه أي من غير قتل ولا ضرب ولا سبب (فقلنا) معاشر المسلمين (هنيئًا) أي بشارةً له وفرحًا وفوزًا، فهو منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا لجريانه مجرى المثل، أو لقيامه مقام عامله تقديره هنؤ هنيئًا أي طاب طيبًا وفاز فوزًا، يقال هنئ الطعام هنيئًا إذا ساغ بسهولة، والهنيء والمهنأ ما أتاك بلا مشقة (له) أي لذلك العبد، فالجار والمجرور خبر مقدم، والمبتدأ قوله (الشهادة) أي الموت في سبيل الله تعالى، والجملة الاسمية معللة لجملة هنيئًا، أي هنؤ هنيئًا، وطاب طيبًا، لأن له الشهادة والموت في سبيل الله تعالى (يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ ردًّا علينا لما قلنا فيه (كلا) أي ارتدعوا وانزجروا عن كلامكم هذا (والذي) أي أقسمت بالإله الذي (نفس محمد) وروحه (بيده) يتصرف فيها كيف يشاء (إن الشملة) والفوطة: وهي كساء مخطط صغير يؤتز به (لَتلتهب) وتتقد وتشتعل (عليه) أي على هذا العبد (نارًا) يوم القيامة، والجملة الفعلية خبر إن، وقوله (أخذها) أي أخذ تلك الشملة (من الغنائم) التي أخذناها (يوم خيبر) من الكفار قبل قسمتها صلة لموصول محذوف تقديره أي إن الشملة التي أخذها من الغنائم يوم خيبر قبل قسمتها لتلتهب عليه نارًا، وقوله (لم تصبها) ولم تشملها (المقاسم) معطوف على أخذها بعاطف مقدر، والمقاسم جمع مقسم بمعنى القسمة، وتمييز الحصص، أي أن الشملة التي أخذها يوم خيبر ولم تصبها المقاسم لتلتهب عليه نارًا، ونارًا تمييز محول عن فاعل تلتهب، أي لتلتهب نارها عليه، وحال منه على تأويلها بمشتق.
стр. 1332
قَال: فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِراكٍ أَوْ شِرَاكَينِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيبَرَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ"
ــ
(قال) أبو هريرة (ففزع) أي فجع (الناس) الحاضرون من قول الرسول ﷺ في ذلك العبد (فجاء رجل) ممن سمع كلام الرسول ﷺ (بشراك) واحد، والشراك: هو السير المعروف الذي يكون في النعل على ظهر القدم (أو) قال أبو هريرة بـ (ـشراكين) بالتثنية، والشك من أبي الغيث، أو ممن دونه (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله أصبت) هذا الشراك أو هذين الشراكين، من الغنيمة قبل قسمتها (يوم خيبر) فاقبله مني، ففيه حذف مفعول أصبت، لعلمه من السياق.
(فقال رسول الله ﷺ للرجل لك (شراك من نار) يوم القيامة على أخذك هذا الشواك من الغنيمة (أو) قال له الرسول ﷺ لك يوم القيامة (شراكان من نار) عقوبة لك على أخذ هذين الشراكين، قال القاضي عياض: قوله (إن الشملة لتلتهب عليه نارًا) وفي الآخر (شراك أو شراكان من نار) تنبيه على المعاقبة عليهما، ويحتمل أنهما صارتا عليهما نارًا حقيقة، فتكون المعاقبة بهما أنفسهما فيعذبان بهما وهما من نار، ويحتمل أنهما سبب تعذيبهما بالنار، وفي هذا الحديث دليل لإحدى الروايتين عن مالك رحمه الله تعالى في منع أخذ المحتاج إليه من غير الطعام من الغنيمة، إلا أن يقال إنه أخذه لغير حاجة، بدليل أنها أخرجت من الرحل، ولو أخذت لحاجة لاستعملت فيها ولم تستتر، أو أنه أخذها للحاجة ولم يردها إلى الغنيمة بعد قضاء حاجته، والحديث يدل على أن القليل والكثير من الغلول سواء، وأنه لا يحرق متاع الغال إذا لم يذكر ذلك.
قال النواوي: وأما أحكام الحديثين أعني حديث عمر، وحديث أبي هريرة فمنها: غلظ تحريم الغلول، ومنها أنه لا فرق بين قليله وكثيره حتى الشراك، ومنها أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غل إذا قتل، ومنها أنه لا يدخل الجنة أحد ممن مات على الكفر وهذا بإجماع المسلمين، ومنها جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة لقوله ﷺ والذي نفس محمد بيده، ومنها أن من غل شيئًا من الغنيمة يجب عليه رده، وأنه إذا رده يقبل منه، ولا يحرق متاعه سواء رده أو لم يرده فإنه ﷺ لم يحرِّق متاع صاحب الشملة، وصاحب الشراك، ولو كان واجبًا لفعله، ولو فعله لنقل.
стр. 1333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما حديث: "من غل فأحرقوا متاعه واضربوه" وفي رواية "فاضربوا عنقها فضعيف بيَّن ابن عبد البر وغيره ضعفه، قال الطحاوي رحمه الله تعالى: ولو كان صحيحًا لكان منسوخًا، ويكون هذا حين كانت العقوبات في الأموال والله أعلم.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة شارك المؤلف في روايته البخاري وأبو داود والنسائي، رواه البخاري في الإيمان والنذور والمغازي وأبو داود في الجهاد والنسائي في كتاب السير "في الكبرى" قال المزي: قال أبو الحسن الدارقطني: قال موسى بن هارون: وَهِمَ ثور بن زيد في هذا الحديث لأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي ﷺ يعني إلى خيبر، وإنما قدم المدينة بعد خروج النبي ﷺ إلى خيبر، وأدرك النبي ﷺ وقد فتح الله عليه خيبر، قال أبو مسعود الدمشقي: وإنما أراد البخاري ومسلم من نفس هذا الحديث قصة مدعم في غلول الشملة التي لم تصبها المقاسم، وأن النبي ﷺ قال: إنها لتشتعل عليه نارًا، وقد روى الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحوها فقلت: أسهم لي، ورواه أيضًا عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص عن جده عن أبي هريرة، ولا يشك أحد من أهل العلم أن أبا هريرة قد شهد قسم النبي ﷺ غنائم خيبر، هو وجعفر بن أبي طالب وجماعة من مهاجرة الحبشة الذين قدموا في السفينة، فإن كان ثور وهم في قوله خرجنا، فإن القصة المرادة من نفس الحديث صحيحة اهـ من تحفة الأشراف.
قال الحافظ ابن حجر: وذكر الحافظ أبو عبد الله بن منده: أن محمد بن إسحاق رواه عن ثور بلفظ أزال الإشكال، وهو عن أبي هريرة قال: "انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القُرى عشية فنزل وغلام يحط رحله ... " الحديث فلعل الوهم الذي في قوله خرجنا إلى خيبر من غير ثور بن زيد، قلت: ولعل المراد بقوله خرجنا إلى خيبر "خرجنا من خيبر" اهـ النكت الظراف.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث عمر، ذكره للاستدلال، والثاني حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد رضي الله تعالى عنهما.
***
стр. 1334
٥٦ - (١٥) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ
٢١٥ - (١١١)(٣٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيمَانَ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بن حَرْبٍ،
ــ
٥٦ - (١٥) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الحديث الدال على أن المؤمن القاتل لنفسه لا يكفر ولا يخرج عن الملة بارتكابه قتل نفسه الذي هو من أكبر الكبائر، إن لم يستحل قتل نفسه وإلا فقد كفر كما هو معلوم من التفاصيل السابقة في الأحاديث المارة في الأبواب السابقة، ثم استدل المؤلف على الترجمة فقال:
(٢١٥) - س (١١١)(٣٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) (واسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، قرين أحمد بن حنبل، من العاشرة فات سنة (٢٣٨) وأكد بقوله (جميعًا) دون كلاهما إشارة إلى عدم انحصار من روى له عن سليمان في هذين الشيخين، أي حالة كونهما مجتمعين في الرواية لي (عن سليمان) بن حرب الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة، نسبة إلى واشح بطن من الأزد، أبي أيوب البصري، قاضي مكة روى عن حماد بن زيد في الإيمان والنكاح والجهاد وغيرها، وحماد بن سلمة، وجرير بن حازم وطبقتهم، ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وإسحاق، وحجاج بن الشاعر، وهارون بن عبد الله، ويحيى القطان، ومحمد بن جعفر وغيرهم، قال أبو حاتم: هو إمامٌ حضرت مجلسه ببغداد فحزروا من فيه أربعين ألف رجل، وقال في التقريب: ثقة ثبت من التاسعة، مات بالبصرة في ربيع الأول سنة (٢٢٤) أربع وعشرين ومائتين وله (٨٠) ثمانون سنة، وكان مولده سنة أربعين ومائة في صفر، روى عنه المؤلف في الإيمان والجهاد والنكاح وغيرها، وأتى بجملة قوله (قال أبو بكر حدثنا سليمان بن حرب) تورعًا من الكذب على أبي بكر، لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن أبا بكر روى عن سليمان بالعنعنة كإسحاق، مع أنه روى عنه بصيغة السماع، وأيضًا ذكر أبو بكر باسم أبي سليمان.
стр. 1335
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ حَجَّاج الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ، "أَنَّ الطُّفَيلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ
ــ
قال سليمان بن حرب (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزرق الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه من كبار الثامنة، مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون (٨١) سنة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(عن حجاج) بن أبي عثمان (الصواف) الخياط، أبي الصلت بفتح وسكون الكندي مولاهم البصري، واسم أبي عثمان ميسرة أو سالم، روى عن أبي الزبير في الإيمان والصلاة وكفارة المرض والهبة، ويحيى بن أبي كثير في الصلاة وغيرها، وأبي رجاء مولى أبي قلابة في الحدود، ويروي عنه (ع) وحماد بن زيد، وابن أبي عدي في الصلاة، وإسماعيل بن علية، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن بشر، ويزيد بن زريع وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة حافظ من السادسة، مات سنة (١٤٣) ثلاث وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع، وكفارة المرض والهبة والحدود، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها خمسة أبواب تقريبًا.
(عن أبي الزبير) المكي، محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، ثقة يدلس، وقال في التقريب: صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب (عن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ثم السلمي بفتحتين أبي عبد الرحمن المدني، صحابي بن صحابي، مات في المدينة سنة (٧٨) ثمان وسبعين عن (٩٤) أربع وتسعين سنة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا.
وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان مدنيان، وواحد كوفي أو مروزي (أن الطفيل بن عمرو) بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهر بن غنم بن دوس (الدوسي) من دوس، أسلم وصدق النبي ﷺ وآمن به بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه من أرض دوس، فلم يزل مقيمًا بها داعيًا إلى الله تعالى حتى هاجر رسول الله ﷺ ، ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر بمن تبعه من قومه وفيهم أبو هريرة، فلم يزل مقيمًا مع رسول الله ﷺ حتى قبض ﷺ ثم كان مع المسلمين حتى قتل باليمامة شهيدًا، وروى إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قال: قتل الطفيل بن عمرو الدوسي عام
стр. 1336
أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ (قَال: حِصْنٌ كَانَ لِدَوسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) فَأَبى ذلِكَ النَّبِيّ ﷺ ، لِلَّذِي ذَخَرَ الله لِلأَنْصارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيهِ الطُّفَيلُ بْنُ عَمْروٍ،
ــ
اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب، وذكر المدائني عن أبي معشر أنه استشهد يوم اليمامة اهـ استيعاب.
(أتى النبي ﷺ وجاءه وهو ﷺ بمكة قبل الهجرة، وذلك أن الطفيل بن عمرو لما قدم مكة ذكر له ناس من قريش أمر النبي ﷺ وسألوه أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده من شعره، فتلا النبي ﷺ الإخلاص والمعوذتين، فأسلم في الحال وعاد إلى قومه، فدعا أبويه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، ودعا قومه فأجابه أبو هريرة وحده، ثم أتى النبي ﷺ (فقال: يا رسول الله هل لك) رغبة في أن تكون (في حصن) أي في قصر (حصين) أي شديد الحِصن والحفظ لمن فيه عن أعدائه (و) في أن تكون في (منعة) أي في عزة وقوة وامتناع من أعدائك (قال) الراوي أعني جابرًا هو أي الحصن الذي دعا طفيل النبي ﷺ إليه (حصن) أي قصر وقلعة (كان لدوس في الجاهلية) أي قبل الإسلام (فأبى) وامتنع (ذلك) أي المهاجرة إلى ذلك الحصن والمنعة (النبي ﷺ على الطفيل (للذي) أي لأجل أداء النصيب الذي (ذخر الله) وادخره وكتبه في سابق علمه (للأنصار) من مهاجرة النبي ﷺ إليهم، وقوله (هل لك في حصن) الحصن واحد الحصون وهي القصور والقلاع لكي يتحصن ويتحفظ فيها عن أعدائه (وحصين) على وزن فعيل للمبالغة أي شديد الحصن والحفظ لمن فيه عن أعدائه (ومنعة) بفتح النون وإسكانها ذكرهما ابن السكيت والجوهري وغيرهما، والفتح أفصح وهي العز والامتناع عمن يريده من أعدائه، وقيل المنعة بالتحريك جمع مانع كظالم وظلمة، وكافر وكفرة، أي وأن تكون في جماعة يمنعونك ويحفظونك ممن يقصدك بمكروه وضرار، ويقال فلان في منعة أي في عز وعشيرة يمنعونه.
(فلما هاجر) وانتقل (النبي ﷺ من مكة (إلى المدينة هاجر) وارتحل (إليه) ﷺ (الطفيل بن عمرو) من أرضه بلاد دوس إلى المدينة
стр. 1337
وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ،
ــ
(وهاجر معه) أي مع الطفيل بن عمرو (رجل من قومه) أي من قوم الطفيل لم أر من ذكر اسم هذا الرجل (فاجتووا المدينة) أي كرهت طبائعهم هواء المدينة ولم يوافقها، وقوله (فاجتووا المدينة) هو بضم الواو الثانية ضمير جمع، وهو ضمير يعود على الطفيل والرجل المذكور ومن معهما، ومعناه كرهوا المقام بها لضجرٍ ونوع من سقم، قال أبو عبيد والجوهري وغيرهما: اجتويت البلد إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمة، ويقال: اجتوى المدينة إذا كرهها، واجتويت البلدة إذا كرهتها وإن كانت موافقة لك في بدنك قال الخطابي: أصل الاجتواء استيبال المكان "ومعنى استوبل الأرض لم توافقه في بدنه وإن كان محبًا لها" كراهية المقام فيه لمضرة لحقته، وأصله من الجوى وهو داء يصيب الجوف.
قوله (فاجتووا) هكذا الراوية في أكثر نسخ الشراح والمتون "وهاجر معه رجل فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه" إلخ بضمير الجمع في اجتووا والإفراد في غيره، وفي رواية "وهاجر معه رجال من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص" إلخ، وهاتان الروايتان فيهما تخليط بين الجمع والإفراد وهما غير صواب، والصواب رواية عبد (١) الغافر من رواة مسلم "وهاجر معه رجل من قومه فاجتوى المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له" إلخ بتوحيد رجل وعطف ما بعده على ما قبله بالإفراد على نسق واحد، كذا ذكره القرطبي في المفهم. أي فاجتوى الرجل الذي هاجر معه هواء المدينة وكرهه (فمرض) ذلك الرجل ووعك بحمى يثرب (فجزع) الرجل من ألم مرضه، وفقد الصبر عليه (فأخذ مشاقص له) بفتح الميم والشين المعجمة وبالقاف المكسورة والصاد المهملة على زنة مفاعل وهي جمع مشقص بكسر الميم وسكون الشين وفتح القاف وهو السهم العريض، وقال الداودي: هو السكين، ولا يصح، وقال الخليل وابن فارس وغيرهما: هو سهم فيه نصل عريض، وقال آخرون: سهم طويل ليس بالعريض، وقال الجوهري: المشقص ما طال وعرض، وهذا هو الظاهر هنا لقوله قطع بها براجمه ولا يحصل ذلك إلا بالعريض اهـ نووي.
стр. 1338
فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطُّفَيلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيهِ. فَقَال لَهُ: مَا صَنَعِ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَال: غَفَر لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ . فَقَال: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيكَ؟ قَال: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيلُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهمَّ وَلِيَدَيهِ فَاغْفِرْ"
ــ
والمراد أخذ مجموع مشاقصه التي في الجعبة وأخذ واحدًا منها فهو من إطلاق الجمع وإرادة المفرد (فقطع بها) أي بتلك المشاقص (براجمه) أي عقد أصابعه ومفاصلها، والبراجم بفتح الباء الموحدة وبالجيم المكسورة، وكذا الرواجب هي مفاصل الأصابع كلها واحدتها برجمة، وقال أبو مالك الأعرابي في كتاب "خلق الإنسان" الرواجب رؤوس العظام في ظهر الكف، والبراجم هي المفاصل التي تحتها (فشخبت) بالشين والخاء المعجمتين المفتوحتين في الماضي، وضم الخاء في المضارع، وقد تفتح فيه أيضًا، أي سالت (يداه) أي يدا ذلك الرجل أي سال دمهما، وقيل سال بشدة، قال ابن دريد: كل شيء سال فهو شخب بضم الشين وفتحها، وهو ما خرج من الضرع من اللبن، وكأنه الدفعة منه، ومنه المثل "شخبٌ في الأرض وشخبٌ في الإناء" وكأنه سُمي بذلك من صوت وقعته في الإناء، ويقال للذي يصيب مرة ويُخطئ في أخرى تشبيهًا له بالحالب الذي يفعل ذلك (حتى مات) ذلك الرجل بسبب قطع براجمه (فرآه) أي فرأى ذلك الرجل بعد موته (الطفيل بن عمرو في منامه) أي في حالة نومه (فرآه) أي فرأى الطفيل ذلك الرجل في نومه (وهيئته حسنة) أي والحال أن هيئة ذلك الرجل وصفته حسنة جميلة (ورآه) أيضًا حالة كونه (مغطيًا) وساترًا (يديه) بشيء عن الناس (فقال له) الطفيل في ذلك المنام (ما صنع) وفعل (بك ربك) أيها الرجل، هل سخط عليك أم رضي عنك (فقال) الرجل (كفر لي) ربي جميع ذنوبي (بـ) ـسبب (هجرتي) وانتقالي من أرضي (إلى) مُهاجر (نبيه) ﷺ (فقال) الطفيل للرجل، وفيه التفات لأن مقتضى الظاهر أن يقال فقلت له (ما لي) أي أيُّ شيء ثبت لي حالة كوني (أراك مغطيًا يديك) أي ساترًا كفيك عن الناس (قال) الرجل للطفيل مجيبًا لسؤاله (قيل لي) من جهة الله (لن نصلح منك) أي من جسدك (ما أفسدتـ) ـه وقطعته من البراجم (فقصها) أي فقص هذه الرؤيا وأخبرها (الطفيل) بن عمرو (على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ اللهم وليديه فاغفر) فيه تقديم وتأخير أي اللهم فاغفر له وأصلح
стр. 1339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليديه فالفاء زائدة لتحسين الخط، والواو عاطفة لمحذوف على اغفر، ويحتمل أن تكون الحرفان زائدتين، والجار والمجرور متعلق باغفر، والمعنى اللهم اغفر ذنب جناية قطعه ليديه.
وفي المفهم (قوله غفر لي بهجرتي إلى نبيه) دليل على أن الكبائر قد تغفر بفعل القواعد وفيه نظر سيأتي في الطهارة إن شاء الله تعالى، وقوله (لن نصلح منك ما أفسدت) دليل على أن المغفرة قد لا تتناول محل الجناية فيحصل منه توزيع العقاب على المعاقب، ولذلك قال النبي ﷺ "اللهم وليديه فاغفر" والظاهر أن هذا الرجل أدركته بركة دعوة النبي ﷺ فغفر له وليديه، وكمل له ما بقي من المغفرة عليه، وعلى هذا فيكون قوله "لن نصلح منك ما أفسدت" ممتدًا إلى غاية دعاء النبي ﷺ له فكأنه قيل له لن نصلح منك ما أفسدته ما لم يدع لك النبي ﷺ .
وهذا الحديث يقتضي أن قاتل نفسه ليس بكافر، وأنه لا يخلد في النار إن لم يستحل، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له، لأنه إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب فإنه ممن شاء الله أن يعذبه اهـ منه.
قال القاضي: وفي هذا الحديث حجة لنا في جواز العفو، وعلى المعتزلة في قولهم: بتخليد العاصي، وعلى الخوارج في تكفيرهم بالذنوب، وعلى المرجئة في قولهم لا يضر مع الإيمان شيء.
قال الأبي: لا يقال كيف يحتج به لجواز المغفرة، وهو قد عوقب في يده، لأن عدم العفو عند القائل به موجب لدخول النار، وهذا لم يدخلها اهـ.
قال النواوي: وهذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة، أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، وشرحٌ للأحاديث التي قبله، المُوهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من
стр. 1340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصحاب الكبائر في النار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي فإن هذا عوقب في يديه والله أعلم اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث جابر بن عبد الله شارك المؤلف في روايته أحمد فقط (٣/ ٣٧١) وانفرد به عن أصحاب الأمهات، ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث جابر هذا.
***
стр. 1341
٥٧ - (١٦) بَابٌ مَا يُقْبَضُ عِنْدَهُ رُوحُ كُلِّ مُومِنٍ وَيَبْقَى بَعْدَهُ عَلَى الأَرْضِ شِرَارُ النَّاسِ
٢١٦ - (١١٢)(٣٥) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْويُّ. قَالا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيمٍ،
ــ
٥٧ - (١٦) بَابٌ مَا يُقْبَضُ عِنْدَهُ رُوحُ كُلِّ مُومِنٍ وَيَبْقَى بَعْدَهُ عَلَى الأَرْضِ شِرَارُ النَّاسِ
أي هذا باب معقودٌ في بيان ما يقبض عنده روح كل مؤمن، ويبقى بعده على الأرض شرار الناس من الريح اللينة.
(٢١٦) - س (١١٢)(٣٥) (حدثنا أحمد بن عبدة) بسكون الباء بن موسى (الضبي) نسبة إلى ضَبَّة بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء المفتوحة بن أدِّ بن طابخة، أبو عبد الله البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا (حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي، نسبة إلى دراورد قرية بخراسان، أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق من الثامنة، مات سنة (١٨٩) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (أبو علقمة) الكبير عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي فروة المدني القرشي الأموي، مولى آل عثمان بن عفان (الفروي) بفتح الفاء وإسكان الراء نسبة إلى أحد أجداده، روى عن صفوان بن سليم في الإيمان، ويزيد بن خُصيفة في الصلاة، وعامر بن عبد الله بن الزبير، ويروي عنه (م د س) وأحمد بن عبدة الضبي، ويحيى بن يحيى، وإسحاق الحنظلي، والقعنبي، وسعيد بن منصور، وثقه النسائي، وقال ابن المديني: هو ثقة ما أعلم أني رأيت بالمدينة أتقن منه، وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث، وقال في التقريب: صدوق من الثامنة، مات سنة (١٩٠) تسعين ومائة، وله (١٠٠) مائة سنة، روى عنه المؤلف في بابين الإيمان والصلاة، وأما أبو علقمة الفروي الصغير فاسمه عبد الله بن هارون بن موسى بن أبي علقمة الفروي الكبير، قال ابن عدي: له مناكير وأورد له حديثين باطلين بإسناد الصحيح ليس له في الأمهات شيء، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن عبد العزيز بن محمد صدوق وأبا علقمة ثقة فقوي به عبد العزيز (قالا) أي قال كل من عبد العزيز وأبي علقمة (حدثنا صفوان بن سُليم) بالتصغير القرشي
стр. 1342
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ،
ــ
الزهري مولاهم، أبو عبد الله المدني، ثقة عابد رُمي بالقدر من السابعة، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة وصفة الجنة ثلاثة أبواب (عن عبد الله بن سلمان) الأغر المدني، أبي عبد الله الجهني مولى جهينة، روى عن أبيه في الإيمان، ويروي عنه (م) وصفوان بن سليم، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من السادسة، روى له مسلم حديثًا واحدًا في الإيمان "إن الله يبعث ريحًا من اليمن" (عن أبيه) سلمان الأغر، أبي عبد الله المدني الجهني مولاهم، أصله من أصبهان، روى عن أبي هريرة في الإيمان والصلاة والحج في موضعين، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وأبي الدرداء، وعمار وأبي أيوب، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الله في الإيمان، وبكير بن الأشج في الصلاة، وأبو بكر بن حزم، والزهري في الصلاة، وعمران بن أبي أنس، وقال في التقريب: ثقة من كبار الثالثة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر المدني الدوسي، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا أحمد بن عبدة فإنه بصري (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ إن الله) (يبعث) أي يرسل ويهيج (ريحًا من) قبل (اليمن) إقليم معروف، قال النواوي: قال هنا من اليمن، وفي حديث عبد الله بن عمر الآتي في كتاب الفتن من مسلم قال: من الشام فبين الحديثين معارضة، فيجمع بينهما باحتمال أنهما ريحان تهب إحداهما من اليمن، والأخرى من الشام، أو ريح واحدة مبدؤها من قبل اليمن، ثم تمر بالشام لتهب منه على من يليه والله أعلم، وقوله (ألين من الحرير) صفة لـ (ريحًا)، وذكَّره لأن الريح يُذكر ويؤنث، أي ريحًا أشد ليونة في مرورها على الإنسان من الحرير في ملامسته لجسد الإنسان، يعني لا تضره بل يلتذ بها، ويجد راحة منها، قال النواوي: لينت رفقًا بهم وإكرامًا لهم.
قال الأبي: هذا أخذه من السياق وإلا فليس التسهيل دليلًا على التكرمة، ولا التصعيب دليلًا على الشقاء فكم شق على سعيد، وسهل على شقي، فعن زيد بن أسلم عن أبيه: "إذا بقي على المؤمن شيء من درجاته لم يبلغه من عمله شدد الله سبحانه عليه الموت ليبلغ بكرمه درجته في الآخرة، وإذا كان للكافر معروف لم يُجز به في الدنيا
стр. 1343
فَلَا تَدَعُ أَحدًا فِي قَلْبِهِ (قَال أَبُو عَلْقَمَةَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ. وَقَال عَبْدُ الْعَزِيزِ: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) مِنْ إِيمَانٍ إِلا قَبَضَتْهُ"
ــ
سهل الله عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه ليصير إلى النار".
وعن عائشة ﵂ لا أغبط أحدًا سهل عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ وكان يدخل يده في قدح، ويمسح بها وجهه ويقول: "اللهم سهل علي الموت إن للموت لسكرات"، فقالت: فاطمة حينئذ: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال: "لا كرب لأبيك بعد اليوم"، ونزع معاذ نزعًا لم ينزعه أحد، فكان كلما أفاق قال رب اخنق خنقك فوعزتك لتعلم أن قلبي يحبك، وفي الخبر: موت الفجاءة راحة المؤمن وأخذة الفاجر.
(فلا تدع) تلك الريح، أي لا تترك (أحدًا) من الناس (في قلبه قال أبو علقمة) الفروي في روايته (مثقال حبة) أي وزن حبة من خردل، والحبة واحدة الحبوب (وقال عبد العزيز) بن محمد في روايته (مثقال ذرة) أي وزن ذرة، والذرة نملة صغيرة تزن سبعون منها جناح بعوضة، أي قال أبو علقمة مثقال حبة (من إيمان) وقال عبد العزيز: مثقال ذرة من إيمان، والغرض بيان اختلاف روايتهما تورعًا من الكذب على أحدهما لو أتى براوية واحدةٍ، والمقصود منهما بيان كونه أقل قليل (إلا قبضته) أي إلا قبضت روحه، أو إلا قبضت ذلك الإيمان، وقبضه بقبض أهله، زاد في كتاب الفتن من حديث عبد الله بن عمرو "حتى لو أن أحدهم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع" وهو من معنى حديث "لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله" وحديث "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق" وكلها تعارض بحديث "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة" ويُجمع بينه وبينها بأن هذا الحديث على حذف مضاف تقديره إلى قرب قيام الساعة، وتبقى تلك على ظاهرها، قال النواوي: وأما قوله مثقال حبة، أو مثقال ذرة من إيمان ففيه بيان للمذهب الصحيح أن الإيمان يزيد وينقص اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة مما انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات.
***
стр. 1344
٥٨ - (١٧) بَابٌ: مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإيمَانِ وَالْحَضِّ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ عَنْهَا
٢١٧ - (١١٣)(٣٦) حدّثني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وقُتَيبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسَمْاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. قَال: أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ
ــ
٥٨ - (١٧) بَابٌ: مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإيمَانِ وَالْحَضِّ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ عَنْهَا
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الحديث الذي يدل على سرعة سلب الإيمان من قلب الرجل من حيث لا يحتسب، وعلى المبادرة بالأعمال الصالحة عند تظاهر الفتن الشاغلة عنها، وعلى التحذير من الإقبال على الدنيا وعلى مطامعها، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة فقال:
(٢١٧) - س (١١٣)(٣٦) (حدثني يحيى بن أيوب) المقابري بفتح الميم والقاف، أبو زكريا البغدادي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب (و) حدثنا أيضًا (قتيبة) بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني، اسمه يحيى، وقيل علي، وقتيبة لقبه، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (علي بن حجر) بضم المهملة وسكون الجيم بن إياس السعدي، أبو الحسن المرزوي، ثقة حافظ من صغار التاسعة، مات سنة (٢٤٤) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا، وأكد بقوله (جميعًا) دون كلهم إشارة إلى عدم انحصار من روى له عن إسماعيل في هؤلاء الثلاثة، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، أي حالة كون كل من الثلاثة مجتمعين في الرواية لي (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم، أبي إسحاق المدني، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بجملة قوله (قال ابن أيوب حدثنا إسماعيل) تورعًا من الكذب على ابن أيوب لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن ابن أيوب روى عن إسماعيل بالعنعنة كغيره، فرفع ذلك الوهم بهذه الجملة (قال) إسماعيل بن جعفر (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولى حرقة، أبو شبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة المدني وثقه أحمد، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة (١٣٣) روى عنه
стр. 1345
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ الْمُظْلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا ويصْبحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا"
ــ
المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولاهم، أبي العلاء المدني، ثقةٌ من الثالثة، روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، وواحد منهم إما بغدادي أو بغلاني أو مروزي والله أعلم.
(أن رسول الله ﷺ قال بادروا) أي أسرعوا (بـ) ـفعل (الأعمال) الصالحة، وسابقوا إليها (فتنًا) أي قبل هجوم فتن ومحن مانعة لكم عنها، سالبة لشرطها المصحح لها، الذي هو الإيمان، متراكمة عليكم (كـ) ـتراكم (قطع) ظلمات (الليل المظلم) غير المقمر، المانعة من رؤية الأشياء المحسوسة بحاسة البصر، من أثر تلك الفتن أنه (يصبح الرجل) وكذا المرأة، أي يكون الرجل في الصباح (مومنًا) عاملًا للأعمال الصالحة (ويُمسي) أي ويكون ذلك الرجل الذي أصبح مؤمنًا في مساء ذلك اليوم (كافرًا) أي مسلوب الإيمان، مُعرضًا عن الأعمال الصالحة، لسرعة انقلاب حاله من الصلاح إلى الفساد بسبب تراكم تلك المحن، وغلبتها على قلبه، المفسدة له بما أثرت فيه من القسوة، وأوفي قوله (أو) قال الرسول ﷺ أو أبو هريرة، أو من دونه (يُمسي) الرجل (مومنًا) أي يكون في المساء مؤمنًا عاملًا بالأعمال الصالحة (ويصبح) ذلك الرجل المؤمن في المساء، أي يكون في الصباح (كافرًا) أي مسلوب القلب عن الإيمان، كثير الخطأ والعصيان، راكبًا مراكب الهوى والطغيان، الشك من الراوي، إما من أبي هريرة فيما قال الرسول ﷺ من الكلمتين، أو ممن دونه، وجملة قوله (يبيع دينه) حال من اسم يُمسي أو يصبح، أي يمسي كافرًا حالة كونه يستبدل دينه (بعرض) زائل وحُطام فانٍ، ومتاع يسير (من) زخارف (الدنيا) الدنية والجيفة الخسيسة عند أهل الله سبحانه، والعرض هنا بفتح العين والراء بمعنى المتاع العارض السريع الزوال، وأما هو بسكونها فهو ضد الطول، وأما بسكونها مع كسر العين فهو موضع المدح والذم من الإنسان والنسب.
وعبارة المفهم هنا (وقوله بادروا بالأعمال فتنًا) أي سابقوا بالأعمال الصالحة قبل
стр. 1346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هجوم المحن المانعة منها السالبة لشرطها المصحح لها الإيمان، كما قال يصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ولا إحالة ولا بعد في حمل هذا الحديث على ظاهره لأن المحن والشدائد إذا توالت على القلوب أفسدتها بغلبتها عليها وبما تؤثر فيها من القسوة والغفلة التي هي الشقاء، ومفاد هذا الحديث الحض على اغتنام الفرصة، والاجتهاد في أعمال الخير والبر عند التمكن منها قبل هجوم الموانع، وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٠٦) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه "اغتنم خمسًا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك" وفي معناه أيضًا "حجوا قبل أن يمنع البَرُّ جانبه" وحديث "كان إذا خطب وذكر الساعة رفع صوته واحمرت وجنتاه كأنه منذر جش يقول: صبحكم مساكم" وحديث "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة".
قال النواوي: معنى هذا الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة، المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف ﷺ نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يمسي مؤمنًا ثم يصبح كافرًا أو عكسه شك الراوي، وهذا لعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب والله أعلم اهـ.
قال القرطبي وقوله (يبيع دينه بعرض من الدنيا) عَرَضُ الدنيا بفتح العين والراء هو طمعها وما يعرض منها، ويدخل فيه جميع المال قاله الهروي، فأما العَرْض بإسكان الراء مع فتح العين فهو خلاف الطول، ويقال على أمور كثيرة، والعِرض بكسر العين وسكون الراء هو نسب الرجل وجسمه وذاته، ومقصود هذا الحديث الأمر بالتمسك بالدين والتشدد فيه عند الفتن، والتحذير من الفتن، ومن الإقبال على الدنيا وعلى مطامعها اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة هذا شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٤ ٣٠ و ٥٢٣) والترمذي (٢١٩٦).
***
стр. 1347
٥٩ (١٨) - بَابٌ: مَخَافَةُ الْمُؤمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ مِنَ الإِيمَان
٢١٨ - (١١٤)(٣٧) حدثنا أبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنهُ قَال: "لَمَّا نَزَلَت هذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ــ
٥٩ (١٨) - بَابٌ: مَخَافَةُ الْمُؤمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ مِنَ الإِيمَان
أي هذا بابٌ معقود في بيان الحديث الدال على أن مخافة المؤمن من حبوط عمله الصالح الذي منه الإيمان، شعبة من شعب الإيمان فيثاب عليها فيكون من أهل الجنة.
(٢١٨) - (١١٤)(٣٧) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي، ثقةٌ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال ابن أبي شيبة (حدثنا الحسن بن موسى) البغدادي أبو علي الأشيب بمعجمة ثم تحتانية من أبناء خراسان، روى عن حماد بن سلمة، وشيبان بن عبد الرحمن، وزهير بن معاوية، وحريز بن عثمان وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وحجاج بن الشاعر، وزهير بن حرب، وأحمد بن حنبل وخلق، وقال في التقريب: ثقةٌ من التاسعة، مات سنة (٢١٠) تسعٍ أو عشرٍ ومائتين، له في (خ) فرد حديث، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين، والصوم والحج والأدب والوصايا والحوض والرحمة والفضائل وذكر النفاق، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها عشرة تقريبًا، قال الحسن (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم، أبو سلمة البصري، أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة، مات سنة (١٦٧) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن ثابت) بن أسلم بن موسى (البناني) بضم الموحدة وبنونين مخففتين مولاهم، نسبة إلى بُنانة من بني سعد بن لؤي بن غالب، أبو محمد البصري، ثقةٌ عابد من الرابعة، مات سنة (١٢٣) بضع وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري الخزرجي النجاري، خادم رسول الله ﷺ أبي حمزة البصري.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد بغدادي، وواحد كوفي (أنه) أي أن أنسًا (قال: لما نزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾)
стр. 1348
لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. جَلَسَ ثَابتُ بْنُ قَيسٍ فِي بَيتِهِ وَقَال: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاحْتبَسَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ . فَسَأَلَ النبِي ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ فَقَال: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَشْتَكَى؟ قَال سَعْدٌ: إِنَّهُ
ــ
بالله وبرسوله (﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾) [الحجرات: ٢] ﷺ ( ... إلى آخر الآية جلس ثابت بن قيس) بن شماس بمعجمة وميم مشددة مفتوحتين، وآخره سين مهملة الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي ﷺ بالجنة، شهد يوم اليمامة، واستشهد بها، أي جلس (في بيته) وترك الخروج إلى المسجد للصلاة (وقال) ثابت لمن سأله عن السبب في عدم خروجه (أنا من أهل النار) لأني أسأت الأدب مع رسول الله ﷺ ، وكان جهير الصوت، فلذلك اشتد خوفه أكثر من غيره، حتى أمنه النبي ﷺ وسكن روعه (واحتبس) أي جلس في بيته وانقطع (عن) الخروج إلى (النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ) بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبا عمرو سيد الأوس، شهد بدرًا واستشهد من سهم أصابه يوم الخندق، ومناقبه كثيرة، أي سأل النبي ﷺ سعد بن معاذ عن حال ثابت بن قيس، هل هو مريض أم لا؟ ولم ترك الحضور في المسجد، لكون سعدٍ جِيرَانَهُ (فقال) النبي ﷺ لسعد بن معاذ في سؤاله عن ثابت (يا أبا عمرو) كنية سعد بن معاذ كما مر آنفًا (ما شأن ثابت) بن قيس وحاله (أشتكى) أي هل اشتكى ومرض فترك الخروج إلى المسجد لعذر المرض أم هو صحيح، فالهمزة للاستفهام الاستخباري، واشتكى فعل ماض على وزن افتعل من الشكوى الذي هو المرض، وهمزة الوصل ساقطة نظير قوله تعالى ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.
قال الأبي: لم يحتبس ولا خشي أنه من أهل النار لرفع صوته فيما تقدم لعدم النهي حينئذ، ولكن لكونه جهير الصوت، وأنه إذا حضر لا بد أن يتكلم، وقد نزلت الآية فخاف واحتاط وإن كان لما سبق فإنما ذلك لغلبة الخوف، وليست الشهادة له بالجنة بالتي تبيح له رفع الصوت ولكن فيها الدلالة على حفظه مما يخاف، وتيسيره لعمل أهل الجنة اهـ.
(قال سعد) بن معاذ لرسول الله ﷺ (إنه) أي إن ثابت بن قيس
стр. 1349
لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَال: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هذِهِ الآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النارِ؛ فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"
ــ
(لجاري) أي منزله ملاصق لمنزلي (وما علمت له بشكوى) أي ما عرفت بشكوى ولا مرض حاصل له ولا سمعته، ولو كان مريضًا لسمعت مرضه (قال) أنس بن مالك راوي الحديث (فأتاه) أي فأتى ثابت بن قيس سعد بن معاذ وجاءه (فذكر) سعد (له) أي لثابت (قول رسول الله ﷺ وسؤاله عنه (فقال ثابت) لسعد بن معاذ (أُنزلت هذه الآية) يعني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ بالنهي عن رفع الأصوات عند رسول الله ﷺ (ولقد علمتم) فيما بينكم (أني من أرفعكم صوتًا) أي من أكثركم رفعًا للصوت (على رسول الله ﷺ أي عند رسول الله ﷺ (فأنا من أهل النار) لحبوط عملي برفع الصوت عند الرسول ﷺ (فذكر ذلك) الذي قاله ثابت بن قيس (سعد) بن معاذ اللنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ لسعد كلا كلا (بل هو) أي ثابت بن قيس (من أهل الجنة) فشهد له رسول الله ﷺ بالجنة.
وثابت هذا هو: ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، كان من نجباء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كان جهير الصوت خطيبًا بليغًا وهو الذي خطب بين يدي رسول الله ﷺ عند مقدمه المدينة فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا فما لنا؟ فقال له رسول الله ﷺ : "الجنة" فقالوا رضينا. أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٤) وصححه ووافقه الذهبي.
وهذا الحديث أعني حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه مما انفرد به الإمام مسلم عن غيره.
تنبيه: وفي ذكر سعد بن معاذ في هذا السند وعدم ذكره في الأسانيد الآتية نظرٌ، قال الحافظ ابن كثير: والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا
стр. 1350
٢١٩ - (٠٠)(٠٠) (وحدَّثنا قَطَنُ بْنُ نُسَيرٍ،
ــ
لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة والله أعلم، فرواية حماد على ذلك مُعللة.
قيل نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس فقد أخرج مالك والحاكم عن ابن شهاب عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله إني أخشى أن أكون قد هلكت، ينهانا الله أن نحب أن نحمد بما لا نفعل، وأجدني أحب الحمد، وينهانا الله عن الخيلاء وإني امرؤ أحب الجمال، وينهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا رجل رفيع الصوت، فقال: "يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة" أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق ووافقه الذهبي.
وقيل نزلت بسبب أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقد أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه.
وعن عبد الله بن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك الآية اهـ من كتب التفسير.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢١٩) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثنا قطن) بفتحتين (بن نُسَيْر) بنون وسين مهملة
стр. 1351
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ... بِنَحْو حَدِيثِ حَمَّادٍ. وَلَيسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ
ــ
مصغرًا، الغبري بضم المعجمة وفتح الموحدة الخفيفة نسبة إلى الغُبر بطن من يشكر، أبو عباد البصري المعروف بالذَّرَّاع، روى عن جعفر بن سليمان في الإيمان وبشير بن منصور، وعمرو بن النعمان، ويروي عنه (م د س) وأبو يعلى والبغوي، روى عنه المؤلف ثلاثة أحاديث قرنه في أحدها بيحيى بن يحيى، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق يُخطئ من العاشرة (حدثنا جعفر بن سليمان) الحَرَشيُّ الضُّبعيُّ بضم المعجمة وفتح الموحدة نسبة إلى ضبيعة نزل فيهم، أبو سليمان البصري الزاهد، روى عن ثابت البُناني والجعد بن عثمان وأبي عمران الجوني، ويزيد الرشك، وسعيد الجريري، ويروي عنه (م عم) وقطن بن نُسير، ويحيى بن يحيى وقتيبة، ومحمد بن عبيد بن حساب، وسفيان، وابن المبارك، وابن مهدي، ومُسدد وطائفة وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: صدوق زاهد لكنه كان يتشيع من الثامنة، مات سنة (١٧٨) ثمان وسبعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين، والوضوء والجهاد في موضعين، والمناقب، والمرء مع من أحب، والقدر والرحمة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا.
(عن ثابت البُناني) بن أسلم البناني البصري (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري، وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جعفر بن سليمان لحماد بن سلمة في رواية هذا الحديث عن ثابت البناني، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه (قال) أنس كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار) أي واعظهم (فلما نزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، والجار والمجرور في قوله (بنحو حديث حماد) بن سلمة متعلق بقوله حدثنا جعفر بن سليمان جريًا على القاعدة المطردة في كلامه، من أن الجار والمجرور في بمثله وبنحوه وبمعناه متعلق بما عمل في المتابع، أي حدثنا جعفر بن سليمان بنحو حديث حماد بن سلمة (و) لكن (ليس في حديثه) أي في حديث جعفر بن سليمان (ذكر سعد بن معاذ) ففي كلامه هنا وفيما سيأتي إشارة إلى أن رواية حماد معللة، والصحيح رواية غيره كما ذكرنا آنفًا في التنبيه.
стр. 1352
٢٢٠ - (٠٠)(٠٠) (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ،
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٠) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثنيه) أي وحدثني الحديث المذكور يعني حديث أنس بن مالك في ثابت بن قيس بن شماس (أحمد بن صعيد بن صخر) بن سليمان بن سعيد بن قيس بن عبد الله (الدارمي) نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم، أبو جعفر المروزي، روى عن حبان بن هلال في الإيمان والصلاة والصوم وغيرها، وزكريا بن عدي في الوضوء، وعبيد الله بن عبد المجيد في الصلاة، وأحمد بن إسحاق الحضرمي في الحج، وأبي النعمان محمد بن الفضل في النكاح واللباس، وسليمان بن حرب في الجهاد، ويروي عنه (خ م د ت ق) وابن خزيمة وأبو عوانة، وقال أحمد بن حنبل: ما قدم علينا خراساني أفقه منه، وقال في التقريب: ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات بنيسابور سنة (٢٥٣) ثلاث وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين، والصوم والحج والنكاح واللباس والجهاد، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا.
(حدثنا حَبَّان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة بن هلال الباهلي أو الكناني، أبو حبيب البصري، روى عن سليمان بن المغيرة في الإيمان، وأبان بن يزيد في الوضوء والجنائز والصوم والبيوع وغيرها، ووهيب في مواضع، وحماد بن سلمة في مواضع، وأبي عوانة في الجهاد، وهمام بن يحيى في صفة النبي ﷺ والفضائل وغيرها، ويروي عنه (ع) وأحمد بن سعيد الدارمي، وإسحاق بن منصور، وأحمد بن خراش، وزهير بن حرب، وعبد بن حميد، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وخلق، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة مأمونًا، امتنع من التحديث أولًا أي تأخر، وقال في التقريب: ثقة ثبت من التاسعة، مات سنة (٢١٦) ست عشرة ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والجنائز والصوم والبيوع والجهاد وصفة النبي ﷺ والفضائل وغيرها، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية تقريبًا.
(حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم، أبو سعيد البصري، قال ابن معين:
стр. 1353
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي الْحَدِيثِ.
٢٢١ - (٠٠)(٠٠) وحدّثنا هُرَيمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الاسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ، قَال:
ــ
ثقة ثقة، وقال أحمد: ثبت ثبت، وقال في التقريب: ثقة من السابعة، مات سنة (١٦٥) روى عنه المؤلِّف في تسعة أبواب تقريبًا (عن ثابت عن أنس قال) أنس (لما نزلت ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ﷺ (ولم يذكر) سليمان بن المغيرة (سعد بن معاذ في الحديث) وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم بصريون إلا أحمد بن سعيد فإنه مروزي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سليمان بن المغيرة لحماد بن سلمة في رواية هذا الحديث عن ثابت البناني وفائدة المتابعة بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢١) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثنا هُريم) مصغرًا (بن عبد الأعلى) بن الفرات (الأسدي) أبو حمزة البصري، روى عن المعتمر بن سليمان في الإيمان والجهاد والحوض، وخالد بن الحارث في الفتن، ويزيد بن زريع، وعباس بن إسماعيل وغيرهم، ويروي عنه (م) وبقي بن مخلد، وعبد الله بن أحمد، وأبو يعلى الموصلي، وعبدان وآخرون، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا، قال هُريم (حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري، وكان يلقب بالطفيل، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٨٧) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (قال) المعتمر (سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي، أبا المعتمر البصري، أحد سادات التابعين علمًا وعملًا، ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٤٣) ثلاث وأربعين ومائة عن (٩٩) تسع وتسعين سنة، روى عنه المؤلِّف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، حالة كون أبي سليمان (يذكر) ويروي (عن ثابت) البناني البصري (عن أنس) بن مالك البصري، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم بصريون، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي (قال) أنس
стр. 1354
لَمَّا نَزَلَت هذِهِ الآيَةُ ... وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَينَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
ــ
(لما نزلت هذه الآية) يعني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (واقتص) أي ذكر سليمان بن طرخان (الحديث) السابق الذي رواه حماد بن سلمة بتمامه وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سليمان بن طرخان لحماد بن سلمة في رواية هذا الحديث عن ثابت بن أسلم (ولم يذكر) سليمان (سعد بن معاذ) في روايته (وزاد) سليمان على غيره قال أنس بن مالك (فكنا) معاشر الصحابة (نراه) أي نظنه أي نظن ثابت بن قيس وقوله (يمشي بين أظهرنا) أي بين وسطنا، أو لفظ ظهر مُقحَم أي بيننا (رجل من أهل الجنة) فيه تقديم وتأخير، والتقدير وكنا نحن نظن ثابت بن قيس أنه رجل من أهل الجنة يمشي بيننا في الدنيا، بسبب شهادة النبي ﷺ له بالجنة، قال النواوي: هو هكذا في بعض الأصول رجلًا بالنصب، وفي بعضها (رجلٌ) بالرفع وهو الأكثر، وكلاهما صحيح الأول على البدل من الهاء في نراه، والثاني على الاستئناف.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
***
стр. 1355
٦٠ - (١٩) - بَابُ: إِسْلامِ مَنْ أَخْلَصَ فِي إِسْلامِهِ، وَمَنْ لَمْ يُخْلِصْ فِيهِ
٢٢٢ - (١١٥)(٣٨) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: قَال أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ
ــ
٦٠ - (١٩) - بَابُ: إِسْلامِ مَنْ أَخْلَصَ فِي إِسْلامِهِ، وَمَنْ لَمْ يُخْلِصْ فِيهِ
أي هذا باب معقود في بيان حكم إسلام من أخلص في إسلامه وأحسن، وحكم إسلام من لم يُخلصه من النفاق، وحكمهما: أن الأول يَجُبُّ ما قبله، والثاني لا يجب، ثم استدل على الترجمة بالحديث الآتي:
(٢٢٢) - س (١١٥)(٣٨) (حدثنا عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ شهير له أوهام، من العاشرة، مات سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومائتين، وهو أكبر من أخيه أبي بكر بن أبي شيبة بثلاث سنين، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال عثمان (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط بن هلال بن قيس الضبي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي، أبي عثَّاب بمثلثة بعدها موحدة الكوفي، ثقة ثبت وكان لا يدلس، من الخامسة مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أحد سادة التابعين، وأحد العلماء العاملين، ثقةٌ مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة (١٠٠).
(عن عبد الله) بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم الهُذلي، أبي عبد الرحمن الكوفي، صاحب النعلين، توفي بالمدينة سنة اثتين وثلاثين (٣٢) وصلى عليه الزبير بن العوام، ودفن بالبقيع، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) عبد الله بن مسعود (قال أناس) من أصحاب رسول الله ﷺ الرسول الله ﷺ : يا رسول الله؛ أنواخذ) الهمزة للاستفهام
стр. 1356
بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ قَال: "أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ"
ــ
الاستخباري، أي هل نُطالب ونعاقب (بما عملنا) وارتكبنا من الذنوب والمعاصي (في) زمن (الجاهلية) أي في زمن جهلنا بالله وبرسوله ﷺ يعني قبل الإسلام، كالقتل والزنا والشرك، قال الأبي: والأظهر أن السائل حديث عهد بالإسلام، لأن جب الإسلام ما قبله كان من معالم الدين التي لا تجهل، فـ (ـقال) رسول الله ﷺ (أما من أحسن) وأخلص (منكم في الإسلام) والمراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام ظاهرًا وباطنًا، بأن لم يكن إسلامه ظاهريًّا ولا إيمانه لسانيًّا، والمعنى من أخلص منكم إسلامه عن النفاق (فلا يؤاخذ) أي لا يطالب ولا يعاقب (بها) أي بما عمل في الجاهلية من المعاصي، لأن الإسلام الصحيح يجب ما قبله ويهدمه (ومن أساء) في إسلامه وإيمانه ولم يخلصهما لله تعالى، بأن كان إسلامه ظاهريًّا، وإيمانه لسانيًّا، بأن أظهر الإسلام وقلبه مطمئنٌّ على كفره (أُخِذ) أي طُولب وعُوقب (بعمله في الجاهلية و) في (الإسلام) أي عُوقب على ما ارتكبه من المعاصي قبل الإسلام، وما ارتكبه بعد الإسلام، أي عُوقب بما ارتكبه قبل إظهاره صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها، لأنه لم يزل مستمرًا على كفره، فلا ينفعه إسلامه الظاهري.
قال النواوي: والمراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا فهذا يُغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز والحديث الصحيح "الإسلام يهدم ما قبله" وبإجماع المسلمين، والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه بل يكون منقادًا في الظاهر، مظهرًا للشهادتين غير معتقدٍ للإسلام بقلبه فهذا منافق باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها لأنه مستمر على كفره، وهذا المعنى معروف في استعمال الشرع يقولون: حَسُنَ إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك والله أعلم.
وعبارة المفهم هنا (قوله أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها) إلخ يعني بالإحسان هنا تصحيح الدخول في دين الإسلام والإخلاص فيه والدوام على ذلك من غير تبديل ولا ارتداد، والإساءة المذكورة في هذا الحديث في مقابلة هذا الإحسان هي
стр. 1357
٢٢٣ - (٠٠)(٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ،
ــ
الكفر والنفاق، ولا يصح أن يراد بالإساءة هنا ارتكاب سيئة ومعصية لأنه يلزم عليه أن لا يهدم الإسلام ما قبله من الآثام إلا لمن عُصم من جميع السيئات إلى الموت وهو باطل قطعًا فتعين ما قلناه.
والمؤاخذة هنا هي العقاب على ما فعله من السيئات في الجاهلية، وفي حال الإسلام وهو المعبر عنه في الرواية الأخرى بقوله (أخذ بالأول والآخر) وإنما كان كذلك لأن إسلامه لما لم يكن صحيحًا ولا خالصًا لله تعالى لم يهدم شيئًا مما سبق، ثم انضاف إلى ذلك إثم نفاقه وسيئاته التي عملها في حال الإسلام فاستحق العقوبة عليها، ومن هنا استحق المنافقون أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار كما قال الله تعالى، ويستفاد منه أن الكفار مخاطبون بالفروع انتهى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٣) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) بضم النون مصغرًا الهمداني بسكون الميم، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا.
قال محمد (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) وله (٨٤) سنة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (ووكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابا، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، من العاشرة مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي لأبي بكر بن أبي شيبة تورعًا من الكذب على محمد بن عبد الله بن نمير لأنه لو لم يأت به لأوهم أن محمد بن عبد الله بن نمير روى لفظ الحديث، ولهذا أتى أيضًا بحاء التحويل، قال أبو بكر (حدثنا وكيع عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي مولاهم، أبي محمد
стр. 1358
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَال: "مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُؤَاخَذ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ"
٢٢٤ - (٠٠)(٠٠) (حدَّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
ــ
الكوفي، ثقةٌ ثبت مدلس قارئ من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود الكوفي، أبي عبد الرحمن الهذلي، وهذا السند من خماسياته رجاله أيضًا كلهم كوفيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة الأعمش لمنصور في رواية هذا الحديث عن أبي وائل، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سياق الحديث.
(قال) عبد الله (قلنا) معاشر الصحابة وفيه بيان ما أبهمه في الرواية الأولى (يا رسول الله أنؤاخذ) أي هل نطالب (بما عملنا) وارتكبنا (في) زمن (الجاهلية) من الشرك وسائر المعاصي (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا لسؤالنا (من أحسن) وأخلص لله تعالى (في الإسلام) ولم ينافق بأن كان إسلامه بقلبه ولسانه وجوارحه (لم يؤاخذ) ولم يطالب (بما عمل) منها (في الجاهلية)، لأن الإسلام الخالص يجب ما قبله (ومن أساء في الإسلام) ولم يخلص في إسلامه بان كان إسلامه ظاهريًّا لا قلبيًّا (أُخذ) وطُولب وعُوقب (بـ) ـما عمل في الزمان (الأول) أي في الجاهلية (و) بما عمل في الزمان (الآخر) أي بعد الإسلام الصوري الظاهري لأن إسلامه الصوري لا يجب ما قبله، ولا ما فيه لأنه كافر منافق.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٤) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثنا منجاب) بكسر أوله وسكون ثانيه ثم جيم ثم موحدة (بن الحارث) بن عبد الرحمن (التميمي) أبو محمد الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣١) روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا، قال منجاب (أخبرنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي، أبو الحسن الكوفي قاضي
стр. 1359
عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ مِثلَهُ
ــ
الموصل، ثقة من الثامنة، له غرائب بعدما أضر، مات سنة (١٨٩) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن) سليمان (الأعمش) والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله أخبرنا علي بن مسهر، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع وكذا قوله (مثله) مفعول ثانٍ لأخبرنا والضمير عائد إلى المتابع الذي هو وكيع، والمعنى أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش بهذا الإسناد، يعني عن أبي وائل عن عبد الله مثل ما حدث وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، وهذا السند أيضًا من خماسياته، ورجاله كلهم كوفيون كسابقيه، وغرضه بسوقه بيان متابعة علي بن مسهر لوكيع في رواية الحديث عن الأعمش، ولم يكرر متن الحديث هنا لأنه مثل حديث وكيع لفظًا ومعنىً، كما أشار إليه بقوله مثله، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه والله أعلم.
***
стр. 1360
٦١ - (٢٠) بَابٌ: الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ
٢٢٥ - (١١٦)(٣٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ وإسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ
ــ
٦١ - (٢٠) بَابٌ: الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ
أي هذا باب معقود في بيان الحديث الذي يدل على أن الإسلام الشرعي وهو الإسلام ظاهرًا وباطنًا، فهو بمعنى التصديق القلبي والانقياد الظاهري يهدم أي يزيل ويرفع ما قبله، أي المؤاخذة بما قبله من أعمال الجاهلية من الشرك والمعاصي كبائرها وصغائرها، أي يسقطه ويمحو أثره ففي قوله يهدم استعارة تصريحية تبعية حيث شبه إسقاط الإسلام أثر أعمال الجاهلية بهدم الجدار وإذهابه عن محله واشتق منه يهدم بمعنى يسقط على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية (وكذا) أي ومثل الإسلام في الهدم المذكور (الهجرة) والانتقال من مكة إلى المدينة لطلب رضا الله تعالى ورسوله ﷺ (والحج) المبرور كما سيأتي البسط فيهما وفصلناهما بكذا إشارة إلى أن ذكرهما هنا استطرادي وإن ذكرا في الحديث لأن ترجمة الكتاب للإيمان.
(٢٢٥) - س (١١٦)(٣٩) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس (العنزي) بفتح العين والنون أبو موسى البصري ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (أبو معن) بفتح الميم وسكون العين زيد بن يزيد الثقفي (الرقاشي) بفتح الراء المهملة والقاف المخففة وشين معجمة نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة اهـ من تقريب التهذيب، البصري روى عن أبي عاصم في الإيمان والأطعمة، وخالد بن الحارث في الحج، ووهب بن جرير في النكاح والفضائل، وأبي عامر العقدي في دلائل النبوة، وعمر بن يونس في الفضائل وغيرها، ومعتمر بن سليمان، وغندر، ويروي عنه (م) والحسين بن إسحاق التستري، وقال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب التميمي المروزي ثم النيسابوري، ثقة ثبت من الحادية عشرة، روى عنه المؤلف في سبعة عشرة بابًا تقريبًا. (كلهم) أي كل من الثلاثة (عن أبي عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقةٌ ثبت من التاسعة، مات سنة (٢١٢) روى عنه المؤلف في
стр. 1361
-وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ) قَال: أَخْبَرَنَا حَيوَةُ بْنُ شُرَيحٍ، قال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيب، عَنِ ابْنِ شَمَاسَةً الْمَهْرِيِّ،
ــ
اثني عشرة بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لابن المثنى) تورعًا من الكذب على غيره، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، قال ابن المثنى (حدثنا الضحاك) بصيغة السماع لا بالعنعنة، وأتى بالعناية في قوله (يعني) ابن المثنى بالضحاك (أبا عاصم) النبيل إشعارًا بأن هذه الكنية إنما زادها من عند نفسه أيضًا إيضاحًا للضحاك لا مما سمعه من شيخه ابن المثنى (قال) أبو عاصم النبيل (أخبرنا حيوة) بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح الواو (بن شريح) بضم الشين مصغرًا بن صفوان التجيبي بضم أوله نسبة إلى تجيب بن ثومان بن سليم أبو زرعة المصري الزاهد، وقيل الحضرمي الكندي، روى عن يزيد بن أبي حبيب، وأبي يونس سليم، وأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، وكعب بن علقمة، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، والبراء، وأبي صخر وخلق، ويروي عنه (ع) وأبو عاصم، وابن وهب، وعبد الله بن يزيد، وابن المبارك، والليث وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه زاهد من السابعة مات سنة (١٥٨) وليس في مسلم من اسمه حيوة إلا هذا الثقة، روى عنه المؤلِّف في الإيمان والصلاة في موضعين، والجنائز والضحايا في موضعين، والنكاح في موضعين، والجهاد في موضعين، والصيد، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أبواب تقريبًا (قال) حيوة بن شريح (حدثني يزيد بن أبي حبيب) وأبو حبيب اسمه سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي، أبو رجاء المصري عالمها، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة مات سنة (١٢٨) ثمان وعشرين ومائة، وقد قارب الثمانين (٨٠) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (عن) عبد الرحمن (بن شُماسة) بضم الشين المعجمة وتخفيف الميم بعدها سين مهملة، وفي القاموس شماسة كثمامة اسم اهـ.
وقال القرطبي رويناه بفتح الشين وضمها (المهري) بفتح الميم وسكون الهاء نسبة إلى مهرة اسم قبيلة، أبي عمرو المصري، روى عن عمرو بن العاص في الإيمان، وعقبة بن عامر في النكاح والجهاد، وأبي الخير مرثد بن عبد الله في النذور، وعائشة في الجهاد، وعبد الله بن عمر قوله في الجهاد، وأبي ذر الغفاري في الفضائل، وأبي بصرة في الفضائل، ويروي عنه (م عم) ويزيد بن أبي حبيب، وكعب بن علقمة، وحرملة بن عمران، والحارث بن يعقوب، وثقه العجلي وابن حبان، وقال في التقريب: ثقة من
стр. 1362
قَال: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوْ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ. فَبَكَى طَويلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ. فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا ابَتَاهُ امَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة أو بعدها، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا كما بيناه.
(قال) ابن شماسة (حضرنا عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بضم أوله مصغرًا السهمي، الصحابي المشهور، أبا محمد القرشي المكي له تسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد (خ) بطرف حديث و (م) بحديثين، أسلم عند النجاشي، وقدم مهاجرًا في صفر سنة ثمان، ولاه النبي ﷺ جيش السلاسل، عِداده في أهل مكة، وكان من دهاة قريش، مات بمصر -وكان واليًا عليها- ليلة الفطر سنة إحدى أو اثنتين وستين في ولاية يزيد بن معاوية وصلى عليه ابنه عبد الله بن عمرو، ثم صلى بالناس صلاة العيد، روى عنه عبد الرحمن بن شماسة المهري في الإيمان، وقيس بن أبي حازم، وأبو قيس مولاه في الصوم والأحكام، وأبو عثمان النهدي، وهذا السند من سداسياته، ورجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان بصريان، وواحد مكي إلا إسحاق بن منصور فإنه مروزي أي حضرنا عنده (وهو) أي والحال أن عمرًا (في سياقة الموت) أي في سكرة الموت وحضور مقدماته (فبكى) عمرو بكاءً (طويلًا و) الحال أنه (حول وجهه) وأعرض به عنا (إلى) جهة (الجدار) أي جدار البيت (فجعل ابنه) عبد الله بن عمرو أي شرع (يقول) له (يا أبتاه) أي يا أبي، منادى مضاف إلى ياء المتكلم والهاء للسكت وإعرابه يا حرف نداء، أبتا منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا قبلها تاء مزيدة للتفخيم منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة المناسبة بالتاء لاستدعائها فتح ما قبلها، وتاء التأنيث حرف زائدٌ للتفخيم مبني على الفتح، وحركوها بالفتح لمناسبة الألف لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، أبَ مضاف وياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف في محل الجر مضاف إليه مبني على السكون لشبهها بالحرف شبهًا وضعيًا والهاء حرف زائد للسكت مبني على السكون، وجملة النداء جزء مقول لا محل لها من الإعراب، وإن أردت الخوض في إعراب المنادى المضاف إلى ياء المتكلم فراجع رسالتنا هداية أولي العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف، والهمزة في قوله (أما بشرك رسول الله ﷺ للاستفهام التقريري الذي هو بمعنى نفي النفي، وما نافية، لا استفتاحية كما زعمه بعضهم لأن
стр. 1363
بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟ قَال: فَقَال: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاثٍ،
ــ
حرف الاستفتاح لا يدخل على الأفعال (بكذا) وكذا كناية عن البشارات وقوله (أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا) توكيد لفظي لما قبله، والمعنى قد بشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا من البشارات فلا تبكِ يا أبتي فإنه فرط لكم.
قال القاضي: وفي هذا ترجية المحتضر في رحمة الله تعالى بذكر أحاديث الرجاء وصالح عمله ليموت وقد غلب عليه الرجاء.
قال الأبي: استحبه وفعله كثيرٌ، ومنه أنه قال المعتمر لابنه: يا بني حدثني بالرخص لعلي ألقى الله تعالى وأنا أحسن الظن به، ومثله عن ابن حنبل، وسليمان التيمي، وغلب الخوف على اخرين فلم يطمئنوا، قيل للداراني وقد احتضر: أبشر فإنك تقدم على رب غفور رحيم قال: أفلا تقولون احذر فإنك تقدم على ربٍ يجازي على الصغيرة ويؤاخذ بالكبيرة، والأول أرجح فإن الرجاء يجلب محبة الله تعالى التي هي غاية السعادة "ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" ولذا قال ﷺ "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى" وفي حديث آخر "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء".
(قال) ابن شماسة (فـ) ـلما فرغ ولده من كلامه (قال) عمرو بن العاص (إن أفضل ما نعد) بضم النون من أعد الرباعي لا من عدَّ الثلاثي أي إن أفضل ما ندخره عند الله تعالى، وأكثره أجرًا (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) أي أفضل ما نتخذه عدة للقاء الله تعالى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وتصديق رسوله ﷺ والنطق بذلك، وقد تقدم أن الإيمان أفضل الأعمال كلها، ويتأكد أمر النطق بالشهادتين عند الموت ليكون ذلك خاتمة أمره وآخر كلامه و (إني قد كنت) في حياتي (على أطباق ثلاث) أي على أحوال ثلاث ومنازل ثلاث، جمع طبق، والطبق الحال ومنه قوله تعالى ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩] أي حالًا بعد حال، وذكر اسم العدد مع كون المعدود مذكرًا نظرا إلى كون الطبق بمعنى المنزلة، وفي بعض الرواية (على أطباق ثلاثة) بالتاء نظرًا إلى لفظ الطبق.
стр. 1364
لَقَدْ رَأَيتُنِي وَمَا أَحَدْ أَشَذَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِني، وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي "أَتَيتُ النبِي ﷺ فَقُلتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ. قَال: فَقَبَضْتُ يَدِي. قال: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ قَال: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَال: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟
ــ
الأولى منها أنه (لقد رأيتُني) أي والله لقد رأيت نفسي (و) الحال أنه (ما أحد) من الناس (أشد بغضًا) ومقتًا الرسول الله ﷺ مني ولا) أحد (أحب إليَّ أن كون قد استمكنت) أي تمكنت (منه) أي من قتله (فقتلته) أي قتلت رسول الله ﷺ لشدة بغضي إياه (فلو مت) أنا (على تلك الحال) والضلالة الكنت من أهل النار) وأهل العذاب المخلدين فيها أبدًا، فهذه هي الحالة الأولى من الأطباق الثلاث، والثانية ما ذكره بقوله (فلما جعل الله) (الإسلام) والإيمان (في قلبي) وألقاه في روعي (أتيت النبي ﷺ وجئته (فقلت) له ﷺ (ابسط يمينك) ومُدها إلي (فلأبايعك) بجزم الفعل على أن اللام لام الأمر وإسكانها لوقوعها بعد الفاء، والفاء لازمة على أن اللام للأمر واقعة في جواب شرط مقدر تضمنه الأمر الذي هو (ابسط)، لأن أمر المتكلم نفسه إنما يكون باللام، ومنه حديث "قوموا فلأصل لكم" والتقدير هنا إن بسطت إلي يمينك أبايعك، كما يكون أمر الغائب باللام نحو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ويصح أن تكون اللام لام كي، وتكون تعليلية، وينصب أبايعك بان مضمرة بعد اللام جوازًا، والتقدير ابسط يمينك إليَّ لكي أبايعك على الإسلام، وتقدم بيان معنى المبايعة في حديث جابر ﵁ (فبسط) أي مد رسول الله ﷺ (يمينه) إليَّ ليبايعني على الإسلام (قال) عمرو بن العاص (فـ) ـلما بسط يمينه إلي (قبضت) أي: أمسكت (يدي) عن بسطها إليه فـ (ـقال) لي رسول الله ﷺ (ما لك) أي أيُّ شيء ثبت لك، أي أيُّ مانع منعك من بسط يدك إلي (يا عمرو) بعد ما بسطتُ يدي إليك (قال) عمرو (قلت) له ﷺ (أردت) وقصدت (أن أشترط) عليك شيئًا من الشروط قبل المبايعة (قال) لي رسول الله ﷺ (تشترط بماذا) أي بأي شيء تريد أن تشترطه عليَّ يا عمرو.
قال النواوي: ضبطناه (بماذا) بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة للتوكيد كما في
стр. 1365
قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ "
ــ
نظائرها ويجوز أن تكون دخلت على معنى تشترط وهو تحتاط، أي تحتاط بماذا اهـ. قال الأبي: قلت زيادتها في خبر ما وليس وفاعل كفى ومفعوله وأفعل به ضرورة عند البصريين، فالتضمين أقرب، وإن كان فيه خلاف بين الأندلسيين، وعلى أنها زائدة فما مفعوله وصح ذلك لأن الاستفهام إذا قصد به الاستثبات صح أن يعمل فيه ما قبله اهـ.
قال عمرو (قلت) له ﷺ أريد أن أشترط على ربي (أن يغفر لي) بالبناء للمفعول، أي أن يغفر لي ربي جميع ما وقع مني من الشرك والمعاصي صغائرها وكبائرها فـ (ـقال) لي رسول الله ﷺ (أما علمت) يا عمرو أي ألم تعلم يا عمرو (أن الإسلام) والإيمان (يهدم) ويسقط عن صاحبه (ما كان قبله) أي قبل الإسلام، أي يُسقط عنه جميع ما كان عليه من الحقوق مطلقًا، وجميع ما ارتكبه من الذنوب صغائرها وكبائرها (و) أما علمت (أن الهجرة) إلى الله تعالى وإلى رسوله لطلب رضاهما (تهدم) أي تذهب وتزيل وتمحو وتسقط (ما كان قبلها) من الذنوب والمعاصي مطلقًا (وأن الحج) المبرور (يهدم) أي يمحو ويزيل ويسقط (ما كان قبله) أي قبل الحج من الذنوب مطلقًا، وهذا موضع الترجمة من الحديث.
قال القرطبي: وفي الهدم هنا استعارة وتوسع، لأن المراد به الإذهاب والإزالة لأن الجدار إذا انهدم فقد زال وضعه، وذهب وجوده، وقد عبر عنه في الرواية الأخرى بالجبِّ فقال: "يَجُبُّ" أي يقطع ومنه المجبوب وهو المقطوع ذكره، ومعنى العبارتين واحد، ومقصودها أن هذه الأعمال الثلاثة تسقط الذنوب التي تقدمتها كلها صغيرها وكبيرها فإن ألفاظها عامة خرجت على سؤال خاص، فإن عمرًا إنما سأل أن يغفر له ذنوبه السابقة بالإسلام فأجيب على ذلك، فالذنوب داخلة في تلك الألفاظ العامة قطعًا، وهي بحكم عمومها صالحة لتناول الحقوق الشرعية والحقوق الآدمية، وقد ثبت ذلك في حق الكافر الحربي إذا أسلم فإنه لا يطالب بشيء من تلك الحقوق، ولو قتل وأخذ الأموال لم يقتص منه بالإجماع، ولو خرجت الأموال من تحت يده لم يطالب بشيء منها، ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم عبيد أو عروض فمذهب مالك أنه لا يجب عليه رد شيء من ذلك تمسكًا بعموم هذا الحديث، وبأن للكفار شبه ملك فيما حازوه من
стр. 1366
وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أمْلأَ عَينَيَّ مِنْهُ إِجْلالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أنْ أَصِفَهُ مَا أطَقْتُ، لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَينَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ
ــ
أموال المسلمين وغيرهم، لأن الله تعالى قد نسب لهم أموالًا وأولادًا فقال تعالى ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].
وذهب الشافعي إلى أن ذلك لا يحل لهم، وأنه يجب عليهم ردها إلى من كان يملكها من المسلمين، وأنهم كالغُصَّاب، وهذا يُبعده أنهم لو استهلكوا ذلك في حالة كفرهم ثم أسلموا لم يضمنوا بالإجماع على ما حكاه أبو محمد عبد الوهاب بن محمد الفامي الشافعي، فأما أسرى المسلمين الأحرار فيجب عليهم رفع أيديهم عنهم، لأن الحر لا يُملك، فهذا حكم الحربي، وأما من أسلم من أهل الذمة فلا يُسقط الإسلام عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ من مال أو دم أو غيرهما، لأن أحكام الإسلام جارية عليهم واستيفاء الفروع في كتب الفقه، وأما الهجرة والحج فلا خلاف في أنهما لا يُسقطان إلا الذنوب والآثام السابقة، وهل يُسقطان الكبائر أو الصغائر فقط موضع نظر يأتي في الطهارة إن شاء الله تعالى، قال الأبي: (قلت) الأظهر هدمهما ذلك، وإلا لم يكن لذكرهما مزية، لأن الوضوء يهدم الصغائر، ويشهد لذلك قوله ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" وحديث "من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
(وما كان) أي ثم ما كان (أحد) من الناس (أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا) أحد (أجل) أي أعظم قدرًا وأهيب (في عيني منه) ﷺ (وما كنت أطيق) وأقدر (أن أملأ عيني) بتشديد الياء لأنه من التثنية (منه) أي من نظره ﷺ في حال حياته (اجلالًا) وهيبة وتعظيمًا (له) ﷺ قال القاضي: وفي هذا إشارة إلى ما كانوا عليه من تعظيمه ﷺ كما أُمروا به في قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوُهُ﴾ الآية (ولو سئلت) الآن بعد وفاته ﷺ وطُلب مني (أن أصفه) ﷺ أي أن أذكر أوصافه لأحد (ما أطقت) ولا قدرت على ذلك، وذلك (لأني لم أكن أملأ عيني منه) بتشديد الياء أيضًا لأنه من التثنية، أي من نظره ﷺ في حال حياته هيبة منه (ولو) كنت (مِتُّ على تلك الحال) التي هي توقيره ﷺ وتعظيمه ومحبته (لرجوت) من الله
стр. 1367
أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيَها. فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنَّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا
ــ
تعالى (أن أكون من أهل الجنة) بسبب توقيره ﷺ وهذه هي الحالة الثانية من الأحوال الثلاثة، وذكر الثالثة بقوله (ثم) بعد وفاته ﷺ (ولينا أشياء) أي أمورًا كثيرة من أمور الدين وأُمِّرنا عليها كولاية القضاء، وإمارة الجيش، وإمامة الصلاة مثلًا، وجملة قوله (ما أدري) ولا أعلم (ما حالي) وشأني (فيها) أي في تلك الأشياء أأصبت فيها أم أخطأت، وهل أثاب عليها أم أعاقب.
(فـ) ـالآن حضر أجلي، وأوصي إليكم، وأقول لكم (إذا أنا متُّ) وجهزت وحملت إلى المقابر (فلا تصحبني) أي فلا تصحب جنازتي ولا تتبعني إلى محل الدفن (نائحة) ونادبة أي رافعة الصوت بالبكاء علي ومعددة الشمائل (ولا) تصحبني (نارٌ) لما فيها من الفأل القبيح؛ بكون آخر ما يصحبه في الدنيا النار، قال القرطبي: إنما أوصى باجتناب هذين الأمرين لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقال القاضي: وصى فيهما امتثالًا للنهي عن ذلك، والنهي في النياحة على التحريم، وفي النار على الكراهة، وعلله ابن حبيب بخوف التفاؤل بالمصير إلى النار، وقيل: إنه من فعل الجاهلية؛ كانوا يفعلونه تغاليًا؛ وشُرعت مخالفتهم، وأوصت أسماء بنت أبي بكر أن لا تُتْبَع جنازتها بنارٍ (فإذا دفنتموني) ووضعتموني في اللحد، أي إذا فرغتم من دفني ووضعي في اللحد ونصب اللبن علي (فشنوا) أي صبوا وأهيلوا (عليَّ) أي على حفيرة قبري (التراب) أي تراب قبري (شنًا) أي صبًا لينًا برفق، قال النواوي: (سُنّوا علي التراب سنًّا) ضبطناه بالسين المهملة، وضبطناه (شنوا عليَّ التراب شنًا) بالشين المعجمة، وكذا قال القاضي: أنه بالمعجمة وبالمهملة بمعنى واحد وهو الصب، وقيل بالمهملة الصب في سهولة، وبالمعجمة الصب على التفريق اهـ، وهذه سنة في صب التراب على الميت في القبر قاله القاضي عياض، وقد كره مالك في العتبية (١) الترصيص أي البناء على القبر بالحجارة والطوب.
قال الأبي: سن التراب في القبر صبه فيه دون الحد يمنع من وصوله إلى الكفن فإن
стр. 1368
ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْل قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي
ــ
عنى بكونه سنة السنة عرفًا، فلم يرد فيه إلا وصية عمرو هذه وغايتها أنه مذهب صحابي، وقد يريد بالسنِّ أن يصب التراب فوق اللحد لا أن يعقد القبر كله بناء، ويؤيده ما ذكر عن العتبية من كراهية الترصيص: وهو إحكام البناء وطلاؤه، إلا أن يريد بالترصيص رفع البناء فوق القبر وهو بعيد اهـ. وفي العتبية: ولا أكره بناء اللحد باللبن، قال ابن رشد: قال ابن حبيب: أفضل اللحد اللبن ثم الألواح ثم القراميد (أي الآجر) ثم القصب ثم السنُّ (ثم) بعدما شننتم التراب عليَّ (أقيموا) أي امكثوا (حول قبري) أي جانبه (قدر ما) أي قدر زمنٍ (تنحر) وتذكى فيه (جزور) أي إبل، والجَزور بفتح الجيم التي تنحر من الإبل، والجزرة بفتحها وفتح الزاي من غير الإبل، وفي كتاب العين: الجزرة من الضأن والمعز خاصة، وهي مأخوذة من الجزر بفتح الجيم وسكون الزاي، وهو القطع، أي قدر زمنٍ تذكى وتنحر فيه إبلٌ (ويقسم) أي يُجزأ فيه الحمها) لو أريد ذلك، وقوله (حتى أستأنس) علةٌ لقوله أقيموا أي امكثوا والبثوا ودوموا حول قبري لكي أستأنس (بكم) أي بحضوركم حول قبري (وأنظر ماذا أراجع به) أي وحتى انظر الجواب الذي أراجع وأجيب به (رسل ربي) أي سؤال رسل ربي عن ربي ونبيِّي وديني وإمامي، والمراد بالجمع ما فوق الواحد؛ وهما منكر ونكير، وقيل الجمع على بابه لأن معهما غيرهما من الفتان والمفتن كما قيل، وإنما طلب الاستئناس بهم؛ لأنه أثبت له في المراجعة، وأخذ بعضهم منه القراءة على القبر لأنه إذا استأنس بهم فبالقرآن أولى، وفي هذا الحديث حجة على ثبوت سؤال القبر وفتنته، لأنه لا يقوله إلا بتوقيف، وعلى أن الميت يحيا في القبر للسؤال فيسمع ويعلم، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. للاختلاف في معنى الآية، واحتمال تأويلها فقد قيل إنك لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقر الكفر اهـ ابن كثير، ولصحة الآثار في فتنة القبر، أو أن المراد بالآية في غير هذا الوقت.
وهذا الحديث أعني حديث عمرو بن العاص ﵁ انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن غيره والله أعلم.
قال النواوي: أما أحكام هذا الحديث ففيه عظم موقع الإسلام والهجرة والحج، وأن كل واحد منها يهدم ما كان قبله من المعاصي، وفيه استحباب تنبيه المحتضر على
стр. 1369
٢٢٦ - (١١٧)(٤٠) حدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ
ــ
إحسان ظنه بالله ، وذكر آيات الرجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أعده الله تعالى للمسلمين، وذكر حسن أعماله عنده؛ ليحسن ظنه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب مستحب بالاتفاق، وموضع الدلالة له من هذا الحديث قول ابن عمرو لأبيه: أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا، وفيه ما كانت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من توقير رسول الله ﷺ وإجلاله وفي قوله (فلا تصحبني نائحة ولا نار) امتثال لنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقد كره العلماء ذلك فأما النياحة فحرام، وأما إتباع الميت بالنار فمكروه للحديث، ثم قيل سبب الكراهة كونه من شعار الجاهلية كما مر عن القرطبي.
وقوله (ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور) إلخ فيه فوائد منها: إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق، ومنها استحباب المكث عند القبر بعد الدفن لحظة نحو ما ذكر، وفيه أن الميت يسمع حينئذ مَنْ حول القبر، وقد يستدل به لجواز قسمة اللحم المشترك ونحوه من الأشياء الرطبة كالعنب، وفي هذا خلاف لأصحابنا معروف، قالوا: إن قلنا بأحد القولين إن القسمة تمييز حق ليست ببيع جاز، وإن قلنا بيع فوجهان أصحهما لا يجوز للجهل بتماثله في حال الكمال فيؤدي إلى الربا، والثاني يجوز لتساويهما في الحال.
فإذا قلنا لا يجوز فطريقها أن يُجعل اللحم وشبهه قسمين ثم يبيع أحدهما صاحبه نصيبه من أحد القسمين بدرهم مثلًا ثم يبيع الآخر نصيبه من القسم الآخر لصاحبه بذلك الدرهم الذي له عليه فيحصل لكل واحد منهما قسم بكماله، ولها طرق غير هذا لا حاجة إلى الإطالة بها هنا والله أعلم اهـ من المنهاج.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمرو بن العاص بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم فقال:
(٢٢٦) - ش (١١٧)(٤٠) (حدثني محمد بن حاتم بن ميمون) السمين، أبو عبد الله البغدادي وثقه ابن عدي والدارقطني وابن حبان، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (إبراهيم بن دينار) البغدادي أبو إسحاق التمار ثقة ثبت من
стр. 1370
(وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ) قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ
ــ
العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لإبراهيم) بن دينار تورعًا من الكذب على محمد بن حاتم، لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن محمد بن حاتم روى هذا اللفظ الآتي (قالا) أي قال محمد بن حاتم وإبراهيم بن دينار (حدثنا حجاج) بن محمد الأعور الهاشمي، مولى سليمان بن مجالد مولى أبي جعفر الهاشمي المصيصي، أبو محمد، أصله ترمذي، سكن المصيصة، روى عن ابن جريج في الإيمان والصلاة والزكاة وغيرها، وشعبة، وابن أبي ذئب، وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن حاتم وإبراهيم بن دينار والوليد بن شجاع، وهارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر، وزهير بن حرب في الزكاة، وعلي بن خشرم، ويحيى بن يحيى، وسريج بن يونس، وخلق، قال أبو داود: بلغني أن يحيى كتب عنه نحوًا من خمسين ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة (٢٠٦) ست ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة في موضعين وغيرها، وأتى بقوله (وهو ابن محمد) إشعارًا بأن هذه النسبة ليست مما سمعه من الشيخ بل زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم، أبي الوليد، أو أبي خالد المكي ثقة فقيه مشهور مدلس مُرسل من السادسة، مات سنة خمسين ومائة (١٥٠) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(قال) ابن جريج (أخبرني يعلى بن مسلم) بن هرمز البصري ثم المكي، روى عن سعيد بن جبير في الإيمان، والجهاد، وأبي الشعثاء، وعكرمة ومجاهد، وطلق بن حبيب، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن جريج، ومحمد بن المنكدر، وشعبة، وسفيان بن حسين وغيرهم وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وقال في التقريب: ثقة من السادسة.
(أنه) أي أن يعلى (سمع سعيد بن جببر) بن هشام الأسدي مولاهم، مولى بني والبة بن الحارث من بني أسد، أبا عبد الله الكوفي، روى عن ابن عباس في الإيمان والصلاة، والصوم وغيرها، وابن عمر في الصلاة والحج واللعان وغيرها، وعبد الله بن