وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أمْلأَ عَينَيَّ مِنْهُ إِجْلالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أنْ أَصِفَهُ مَا أطَقْتُ، لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَينَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ
ــ
أموال المسلمين وغيرهم، لأن الله تعالى قد نسب لهم أموالًا وأولادًا فقال تعالى ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].
وذهب الشافعي إلى أن ذلك لا يحل لهم، وأنه يجب عليهم ردها إلى من كان يملكها من المسلمين، وأنهم كالغُصَّاب، وهذا يُبعده أنهم لو استهلكوا ذلك في حالة كفرهم ثم أسلموا لم يضمنوا بالإجماع على ما حكاه أبو محمد عبد الوهاب بن محمد الفامي الشافعي، فأما أسرى المسلمين الأحرار فيجب عليهم رفع أيديهم عنهم، لأن الحر لا يُملك، فهذا حكم الحربي، وأما من أسلم من أهل الذمة فلا يُسقط الإسلام عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ من مال أو دم أو غيرهما، لأن أحكام الإسلام جارية عليهم واستيفاء الفروع في كتب الفقه، وأما الهجرة والحج فلا خلاف في أنهما لا يُسقطان إلا الذنوب والآثام السابقة، وهل يُسقطان الكبائر أو الصغائر فقط موضع نظر يأتي في الطهارة إن شاء الله تعالى، قال الأبي: (قلت) الأظهر هدمهما ذلك، وإلا لم يكن لذكرهما مزية، لأن الوضوء يهدم الصغائر، ويشهد لذلك قوله ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" وحديث "من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
(وما كان) أي ثم ما كان (أحد) من الناس (أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا) أحد (أجل) أي أعظم قدرًا وأهيب (في عيني منه) ﷺ (وما كنت أطيق) وأقدر (أن أملأ عيني) بتشديد الياء لأنه من التثنية (منه) أي من نظره ﷺ في حال حياته (اجلالًا) وهيبة وتعظيمًا (له) ﷺ قال القاضي: وفي هذا إشارة إلى ما كانوا عليه من تعظيمه ﷺ كما أُمروا به في قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوُهُ﴾ الآية (ولو سئلت) الآن بعد وفاته ﷺ وطُلب مني (أن أصفه) ﷺ أي أن أذكر أوصافه لأحد (ما أطقت) ولا قدرت على ذلك، وذلك (لأني لم أكن أملأ عيني منه) بتشديد الياء أيضًا لأنه من التثنية، أي من نظره ﷺ في حال حياته هيبة منه (ولو) كنت (مِتُّ على تلك الحال) التي هي توقيره ﷺ وتعظيمه ومحبته (لرجوت) من الله
стр. 1367
أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيَها. فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنَّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا
ــ
تعالى (أن أكون من أهل الجنة) بسبب توقيره ﷺ وهذه هي الحالة الثانية من الأحوال الثلاثة، وذكر الثالثة بقوله (ثم) بعد وفاته ﷺ (ولينا أشياء) أي أمورًا كثيرة من أمور الدين وأُمِّرنا عليها كولاية القضاء، وإمارة الجيش، وإمامة الصلاة مثلًا، وجملة قوله (ما أدري) ولا أعلم (ما حالي) وشأني (فيها) أي في تلك الأشياء أأصبت فيها أم أخطأت، وهل أثاب عليها أم أعاقب.
(فـ) ـالآن حضر أجلي، وأوصي إليكم، وأقول لكم (إذا أنا متُّ) وجهزت وحملت إلى المقابر (فلا تصحبني) أي فلا تصحب جنازتي ولا تتبعني إلى محل الدفن (نائحة) ونادبة أي رافعة الصوت بالبكاء علي ومعددة الشمائل (ولا) تصحبني (نارٌ) لما فيها من الفأل القبيح؛ بكون آخر ما يصحبه في الدنيا النار، قال القرطبي: إنما أوصى باجتناب هذين الأمرين لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقال القاضي: وصى فيهما امتثالًا للنهي عن ذلك، والنهي في النياحة على التحريم، وفي النار على الكراهة، وعلله ابن حبيب بخوف التفاؤل بالمصير إلى النار، وقيل: إنه من فعل الجاهلية؛ كانوا يفعلونه تغاليًا؛ وشُرعت مخالفتهم، وأوصت أسماء بنت أبي بكر أن لا تُتْبَع جنازتها بنارٍ (فإذا دفنتموني) ووضعتموني في اللحد، أي إذا فرغتم من دفني ووضعي في اللحد ونصب اللبن علي (فشنوا) أي صبوا وأهيلوا (عليَّ) أي على حفيرة قبري (التراب) أي تراب قبري (شنًا) أي صبًا لينًا برفق، قال النواوي: (سُنّوا علي التراب سنًّا) ضبطناه بالسين المهملة، وضبطناه (شنوا عليَّ التراب شنًا) بالشين المعجمة، وكذا قال القاضي: أنه بالمعجمة وبالمهملة بمعنى واحد وهو الصب، وقيل بالمهملة الصب في سهولة، وبالمعجمة الصب على التفريق اهـ، وهذه سنة في صب التراب على الميت في القبر قاله القاضي عياض، وقد كره مالك في العتبية (١) الترصيص أي البناء على القبر بالحجارة والطوب.
قال الأبي: سن التراب في القبر صبه فيه دون الحد يمنع من وصوله إلى الكفن فإن
стр. 1368
ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْل قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي
ــ
عنى بكونه سنة السنة عرفًا، فلم يرد فيه إلا وصية عمرو هذه وغايتها أنه مذهب صحابي، وقد يريد بالسنِّ أن يصب التراب فوق اللحد لا أن يعقد القبر كله بناء، ويؤيده ما ذكر عن العتبية من كراهية الترصيص: وهو إحكام البناء وطلاؤه، إلا أن يريد بالترصيص رفع البناء فوق القبر وهو بعيد اهـ. وفي العتبية: ولا أكره بناء اللحد باللبن، قال ابن رشد: قال ابن حبيب: أفضل اللحد اللبن ثم الألواح ثم القراميد (أي الآجر) ثم القصب ثم السنُّ (ثم) بعدما شننتم التراب عليَّ (أقيموا) أي امكثوا (حول قبري) أي جانبه (قدر ما) أي قدر زمنٍ (تنحر) وتذكى فيه (جزور) أي إبل، والجَزور بفتح الجيم التي تنحر من الإبل، والجزرة بفتحها وفتح الزاي من غير الإبل، وفي كتاب العين: الجزرة من الضأن والمعز خاصة، وهي مأخوذة من الجزر بفتح الجيم وسكون الزاي، وهو القطع، أي قدر زمنٍ تذكى وتنحر فيه إبلٌ (ويقسم) أي يُجزأ فيه الحمها) لو أريد ذلك، وقوله (حتى أستأنس) علةٌ لقوله أقيموا أي امكثوا والبثوا ودوموا حول قبري لكي أستأنس (بكم) أي بحضوركم حول قبري (وأنظر ماذا أراجع به) أي وحتى انظر الجواب الذي أراجع وأجيب به (رسل ربي) أي سؤال رسل ربي عن ربي ونبيِّي وديني وإمامي، والمراد بالجمع ما فوق الواحد؛ وهما منكر ونكير، وقيل الجمع على بابه لأن معهما غيرهما من الفتان والمفتن كما قيل، وإنما طلب الاستئناس بهم؛ لأنه أثبت له في المراجعة، وأخذ بعضهم منه القراءة على القبر لأنه إذا استأنس بهم فبالقرآن أولى، وفي هذا الحديث حجة على ثبوت سؤال القبر وفتنته، لأنه لا يقوله إلا بتوقيف، وعلى أن الميت يحيا في القبر للسؤال فيسمع ويعلم، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. للاختلاف في معنى الآية، واحتمال تأويلها فقد قيل إنك لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقر الكفر اهـ ابن كثير، ولصحة الآثار في فتنة القبر، أو أن المراد بالآية في غير هذا الوقت.
وهذا الحديث أعني حديث عمرو بن العاص ﵁ انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن غيره والله أعلم.
قال النواوي: أما أحكام هذا الحديث ففيه عظم موقع الإسلام والهجرة والحج، وأن كل واحد منها يهدم ما كان قبله من المعاصي، وفيه استحباب تنبيه المحتضر على
стр. 1369
٢٢٦ - (١١٧)(٤٠) حدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ
ــ
إحسان ظنه بالله ، وذكر آيات الرجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أعده الله تعالى للمسلمين، وذكر حسن أعماله عنده؛ ليحسن ظنه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب مستحب بالاتفاق، وموضع الدلالة له من هذا الحديث قول ابن عمرو لأبيه: أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا، وفيه ما كانت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من توقير رسول الله ﷺ وإجلاله وفي قوله (فلا تصحبني نائحة ولا نار) امتثال لنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقد كره العلماء ذلك فأما النياحة فحرام، وأما إتباع الميت بالنار فمكروه للحديث، ثم قيل سبب الكراهة كونه من شعار الجاهلية كما مر عن القرطبي.
وقوله (ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور) إلخ فيه فوائد منها: إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق، ومنها استحباب المكث عند القبر بعد الدفن لحظة نحو ما ذكر، وفيه أن الميت يسمع حينئذ مَنْ حول القبر، وقد يستدل به لجواز قسمة اللحم المشترك ونحوه من الأشياء الرطبة كالعنب، وفي هذا خلاف لأصحابنا معروف، قالوا: إن قلنا بأحد القولين إن القسمة تمييز حق ليست ببيع جاز، وإن قلنا بيع فوجهان أصحهما لا يجوز للجهل بتماثله في حال الكمال فيؤدي إلى الربا، والثاني يجوز لتساويهما في الحال.
فإذا قلنا لا يجوز فطريقها أن يُجعل اللحم وشبهه قسمين ثم يبيع أحدهما صاحبه نصيبه من أحد القسمين بدرهم مثلًا ثم يبيع الآخر نصيبه من القسم الآخر لصاحبه بذلك الدرهم الذي له عليه فيحصل لكل واحد منهما قسم بكماله، ولها طرق غير هذا لا حاجة إلى الإطالة بها هنا والله أعلم اهـ من المنهاج.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمرو بن العاص بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم فقال:
(٢٢٦) - ش (١١٧)(٤٠) (حدثني محمد بن حاتم بن ميمون) السمين، أبو عبد الله البغدادي وثقه ابن عدي والدارقطني وابن حبان، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (إبراهيم بن دينار) البغدادي أبو إسحاق التمار ثقة ثبت من
стр. 1370
(وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ) قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ
ــ
العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لإبراهيم) بن دينار تورعًا من الكذب على محمد بن حاتم، لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن محمد بن حاتم روى هذا اللفظ الآتي (قالا) أي قال محمد بن حاتم وإبراهيم بن دينار (حدثنا حجاج) بن محمد الأعور الهاشمي، مولى سليمان بن مجالد مولى أبي جعفر الهاشمي المصيصي، أبو محمد، أصله ترمذي، سكن المصيصة، روى عن ابن جريج في الإيمان والصلاة والزكاة وغيرها، وشعبة، وابن أبي ذئب، وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن حاتم وإبراهيم بن دينار والوليد بن شجاع، وهارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر، وزهير بن حرب في الزكاة، وعلي بن خشرم، ويحيى بن يحيى، وسريج بن يونس، وخلق، قال أبو داود: بلغني أن يحيى كتب عنه نحوًا من خمسين ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة (٢٠٦) ست ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة في موضعين وغيرها، وأتى بقوله (وهو ابن محمد) إشعارًا بأن هذه النسبة ليست مما سمعه من الشيخ بل زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم، أبي الوليد، أو أبي خالد المكي ثقة فقيه مشهور مدلس مُرسل من السادسة، مات سنة خمسين ومائة (١٥٠) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(قال) ابن جريج (أخبرني يعلى بن مسلم) بن هرمز البصري ثم المكي، روى عن سعيد بن جبير في الإيمان، والجهاد، وأبي الشعثاء، وعكرمة ومجاهد، وطلق بن حبيب، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن جريج، ومحمد بن المنكدر، وشعبة، وسفيان بن حسين وغيرهم وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وقال في التقريب: ثقة من السادسة.
(أنه) أي أن يعلى (سمع سعيد بن جببر) بن هشام الأسدي مولاهم، مولى بني والبة بن الحارث من بني أسد، أبا عبد الله الكوفي، روى عن ابن عباس في الإيمان والصلاة، والصوم وغيرها، وابن عمر في الصلاة والحج واللعان وغيرها، وعبد الله بن
стр. 1371
يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ . فَقَالُوا: إِن الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ. وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا
ــ
مغفل في الذبائح، وأبي عبد الرحمن السلمي في الكفارة، ويروي عنه (ع) ويعلي بن مسلم، وآدم بن سليمان، وعمرو بن مرة، وأبو الزبير في الصلاة والحج، وموسى بن أبي عائشة، والحكم، والأعمش وأيوب، وعمرو بن دينار وخلائق.
وكان فقيهًا عابدًا ورعًا فاضلًا قتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين (٩٥) كهلًا وهو ابن تسع وأربعين سنة (٤٩) فما أمهل بعده، وقال في التقريب: ثقةٌ ثبت فقيه عابد من الثالثة روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا.
حالة كون سعيد بن جبير (يحدث عن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، أبي العباس، ابن عم رسول الله ﷺ المكي ثم المدني ثم الطائفي، مات بالطائف وقبر بها سنة (٦٨) ثمان وستين، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا.
وهذا السند من سداسياته، رجاله اثنان منهم مكيان، وواحد بغدادي، وواحد مصيصي، وواحد كوفي، وواحد طائفي (أن ناسًا من أهل الشرك) والكفر والمعاصي (فتلوا) أنفُسَ الناس بغير حق (فكثروا) من القتل (وزنوا) أي وطئوا فروجًا محرمة (فأكثروا) من الزنا (ثم أتوا) وجاءوا (محمدًا ﷺ فقالوا) لرسول الله ﷺ (إن) الدين (الذي تقولـ) ـه وتعتقده (وتدعو الناس إليه) الذي هو دين الإسلام (لـ) ـدين (حسن) أي حق لا باطل، مرغوب فيه لا عنه، وكلمة لوفي قوله (ولو تخبرنا) يا محمد (أن لما عملنا) هـ وفعلناه في حياتنا وأكثرنا منه (كفارة) وسترًا وعفوًا عند الله تعالى، إما شرطية حذت جوابها تقديره لأسلمنا وآمنا به، وهو أولى، لأن حذف الجواب كثير في القرآن، وفي كلام العرب كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ أو للتمني بمعنى ليت، فلا تحتاج إلى جواب (فنزل) قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾) أي لا يعبدون (﴿مَعَ اللَّهِ﴾) (﴿إِلَهًا آخَرَ﴾) أي معبودًا آخر (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) قتلها (﴿إلا بِالْحَقِّ﴾) كالحد والقصاص والمحاربة (﴿وَلَا
стр. 1372
يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]
ــ
يَزْنُونَ﴾) أي لا يطئون فروجًا محرمة (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) المذكور من الشرك والقتل والزنا (﴿يَلْقَ﴾) أي يجد عند الله (﴿أَثَامًا﴾) أي عقوبة على ما اقترفه من ذلك ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ ورجع عن ذلك المذكور ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ من الإيمان والطاعات ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧١] وهذا الاستثناء محل الاستشهاد من الآية.
قال النواوي رحمه الله تعالى: غرض الإمام بذكر حديث ابن عباس الاستشهاد لحديث عمرو بن العاص على أن جَبَّ الإسلام لما قبله جاء به القرآن كما جاءت به السنة.
قال الأبي: لم يتكلم على هذا الحديث الشارحون بأكثر من هذا ويظهر من الحديث أنهم كانوا كفارًا وهو نَصٌّ في غير مسلم، قال ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى ﴿مُهَانًا﴾ قال ناسٌ من المشركين كيف لنا بالدخول في الإسلام، وقد فعلنا جميع هذا فنزل قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ وهذا نص في أنهم كفار واستحسانهم لا يثبت به إسلامهم نعم يدل على قربهم منه، ولم يكونوا عالمين بأن الإسلام يجب ما قبله ولذا سألوا.
واختلف في الاستثناء المذكور فقيل يرجع إلى الجميع فانتزع من الآية صحة توبة القاتل، وقيل يرجع إلى الشرك والزنا فلا تنتزع، وقال ابن عباس: إنما يرجع إلى الشرك، ومستند كل قائل قرائن، وفي هذا الأصل في أصول الفقه خلاف وهي مسألة الاستثناء المتعقب جملًا معطوفة بالواو هل يرجع إلى الجميع أو إلى الأخيرة وقيل بالوقف، وهذا الخلاف إنما هو عند عدم القرائن اهـ.
قوله (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) وذا إشارة إلى واحد في أصل وضعها غير أن الواحد تارة يكون واحدًا بالنص عليه، وتارة يكون بتأويل، وإن كانت أمور متعددة في اللفظ كما في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ في البقرة، فإنه ذكر قبل ذا أمورًا وأعاد الإشارة إليها من حيث إنها مذكورة أو مقولة فكأنه قال: ومن يفعل المذكور أو المقول، وفي هذه الآية حجة لمن قال إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وهو الصحيح من مذهب مالك على ما ذكر في الأصول اهـ مفهم.
стр. 1373
وَنَزَلَ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]
ــ
وقوله: (ونزل) معطوف على قوله أولًا فنزل أي ونزل أيضًا (﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾) وفرّطوا (﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾) ولا تيأسوا (﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾) ونيل غفرانه.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عباس شارك المؤلف في روايته البخاري (٤٨١٠) وأبو داود (٤٢٧٣) والنسائي (٧/ ٨٦)، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان، الأول: حديث عمرو بن العاص ذكره للاستدلال، والثاني: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد، والله أعلم.
(تتمة) في فضائل عمرو بن العاص ووفاته رضي الله تعالى عنه.
قال البياسي: كان عمرو بن العاص داهية العرب رأيًا وعقلًا ولسانًا، كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا خاطب رجلًا ولم يفهم يقول: سبحان من خلقك وخلق عمرو بن العاص، وولي مصر عشر سنين وثلاثة أشهر، أربعة لعمر، وأربعة لعثمان، وسنتين وثلاثة أشهر لمعاوية ﵃ وتوفي سنة ثلاث وأربعين وهو ابن تسعين سنة، وقيل غير ذلك، وترك من الناضِّ ثلاثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الوَرِق ألفي ألف دينار، وغلةَ ألفي ألف دينار، وضيعته المعروفةَ بالرَّهْطِ وقيمتها عشرة آلاف ألف درهم، ولما حضرته الوفاة نظر إلى ماله فقال: ليتك بعرًا، وليتني مت في غزوة ذات السلاسل، لقد دخلت في أمور ما أدري ما حجتي فيها عند الله، أصلحت لمعاوية دنياه؛ وأفسدت آخرتي؛ عَمي عني رشدي حتى حضر أجلي؛ لكأني به حوى مالي وأساء خلافتي في أهلي، ثم قال لابنه: ائتني بجامعة فشد بها يدي إلى عنقي ففعل؛ ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنك أمرتني فعصيت ونهيتني فتجاوزت، ولست عزيزًا فانتصر، ولا بريئًا فأعتذر، ولكني أشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك، ثم وضع أصبعه في فمه كالمفكر المتندم حتى مات، وقال له ابنه عبد الله: يا أبت كنت تقول ليتني أحضر رجلًا عاقلًا قد نزل به الموت يحدثني بما يجد، وقد نزل بك فحدثني بما تجد، قال: يا بني لكاني في ضغث (١) ولكأنِّي أتنفس من سَمِّ الخياط، ولَكأَني غصنُ شوكٍ جُرَّ من قدمي إلى هامتي اهـ من الأبي.
قال القرطبي: (وفي حديث عمرو بن العاص فوائد).
стр. 1374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منها: تبشير المحتضر وتذكيره باعماله الصالحة ليقوى رجاؤه، ويحسن بالله تعالى ظنه، ومنها أن الميت ترد عليه روحه ويسمع حِسَّ من هو على قبره وكلامهم، وأن الملائكة تسأله في ذلك الوقت، وهذا كله إنما قاله عمرو عن النبي ﷺ لأن مثله لا يدرك إلا من جهة النبي ﷺ وعلى هذا فينبغي أن يرشد الميت في قبره حين وضعه فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك، فيقال له: قل الله ربي والإسلام ديني ومحمد رسولي؛ فإنه عن ذلك يسأل كما جاءت به الأحاديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك فيقال: قل هو محمد رسول الله تعالى، وذلك عند هيل التراب ولا يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٣٣]، ولا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢] لأن النبي ﷺ قد نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابًا، رواه أحمد والبخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وقد قال في الميت: "إنه يسمع قرع نعالهم" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أنس بن مالك، وإن هذا يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، وسيأتي استيفاء هذا المعنى في الجنائز إن شاء الله تعالى.
(قلت) وهذا الذي قاله القرطبي رحمه الله تعالى من تلقين الميت في قبره بدعة ليس لها أصل لم يرد عن النبي ﷺ فيها شيء، ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة، ولا واحد من السلف الصالح اهـ.
وفي هذا الحديث أيضًا بيان ما كانت الصحابة عليه من شدة محبتهم لرسول الله ﷺ وتعظيمه وتوقيره، وفيه الخوف من تغير الحال والتقصير في الأعمال في حال الموت لكن ينبغي أن يكون الرجاء هو الأغلب في تلك الحال، حتى يُحسن ظنه بالله تعالى؛ فليقاه على ما أمر به رسول الله تعالى ﷺ حيث قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله " رواه مسلم وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
стр. 1375
٦٢ - (٢١) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ
٢٢٧ - (١١٨)(٤١) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ،
ــ
٦٢ - (٢١) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان أنه إذا أسلم الكافر؛ وأخلص إسلامه من الشرك والنفاق؛ بأن كان إسلامه بجوارحه وبلسانه وبقلبه أحرز وجمع ثواب ما عمل قبل إسلامه، أعني في حالة كفره وجهله من أعمال الخير، كالصدقة والصلة والعتق، ببركة إسلامه أي يثاب عليه ببركة إخلاص إسلامه، بالقياس أي كما أن الإسلام الصحيح يجب ما قبله من السيئات يحرز ما قبله من الحسنات، واستدلالًا بظاهر حديث الباب كما في النواوي، وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ إذا أسلم الكافر فحَسُنَ إسلامه كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله ، قال النواوي: ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك ورواه عنه من سبع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، قال النواوي: قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء لا اعتراض لأحد عليه اهـ.
(٢٢٥) - س (١١٨)(٤١) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي، أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) روى عن ابن وهب في مواضع كثيرة، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، الفقيه أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظ عابد، من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد الأموي مولاهم، ثقةٌ إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ من كبار السابعة، مات بمصر سنة (١٥٩) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) القرشي الزهري، أبي بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، ثقة متقن حافظ،
стр. 1376
قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَال لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرأَيتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
ــ
متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات في رمضان في ناحية من الشام سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا (قال) ابن شهاب (أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الأعلام المشاهير، والفقهاء المعدودين، ثقة فقيه مشهور وكان رجلًا صالحًا لم يدخل في شيء من الفتن، من الثانية، مات سنة (٩٤) أربع وتسعين، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا.
(أن حكيم) بفتح الحاء المهملة مكبرًا (بن حزام) بكسر المهملة بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن أخي خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها، القرشي الأسدي، أبا خالد الحجازي المدني أسلم يوم الفتح، وأعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين مائة من الإبل، ولد في جوف الكعبة، دخلت أمه الكعبة فولدته، قيل كان مولده قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان عالمًا بالأنساب، قال البخاري: عاش في الجاهلية ستين سنة (٦٠) وفي الإسلام ستين سنة (٦٥) فيكون المراد بالإسلام من حين ظهوره وانتشاره اهـ نووي، وقال الذهبي: لم يعش في الإسلام إلا بضعًا وأربعين سنة اهـ سير أعلام النبلاء، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين (٥٤) على الصحيح، وكان له بالمدينة دار عند بلاط الفاكهة عند زقاق الصواغين، روى عن عروة بن الزبير في الإيمان والزكاة، وسعيد بن المسيب في الزكاة، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل في البيوع، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا وله أربعون (٤٠) حديثًا اتفقا على أربعة.
وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي، أي قال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام الصحابي الجليل (أخبره) أي أخبر لعروة بن الزبير (أنه) أي أن حكيم بن حزام (قال لرسول الله ﷺ أرأيت أمورًا) أي أخبرني يا رسول الله عن أمورٍ وأعمالٍ صالحة كنت أتحنث بها) أي أطلب بها البر والإحسان إلى الناس، وأقصد بها التقرب إلى الله تعالى كما في النهاية (في الجاهلية) أي في زمن
стр. 1377
هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيءٍ؟ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيرٍ". وَالتَّحنُّثُ: التَّعَبُّدُ
ــ
الجاهلية، قبل إسلامي وإيماني، أي أطلب بتلك الأمور الإحسان إلى الناس، والثواب عند الله تعالى، أي فعلتها في الجاهلية (هل لي فيها) أي في فعل تلك الأمور (من شيء) أي شيء من الأجر والثواب (فقال له) أي لحكيم بن حزام (رسول الله ﷺ أسلمت) يا حكيم حالة كونك مثابًا (على ما أسلفت) وقدمت في الجاهلية (من) عمل (خير) من صدقة، وصلة رحم مثلًا ببركة إسلامك، قال ابن بطال وغيره من المحققين: إن الحديث على ظاهره، لا تأويل فيه، وأن معناه إذا أسلم الكافر وحسن إسلامه، ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر وقوله (والتحنث التعبد) أي عبادة الله تعالى بشيء من القربات، كلام مدرج في آخر الحديث أدرجه وزاده الزهري تفسيرًا لمعنى التحنث المذكور في الحديث.
قال المازري (قوله أسلمت على ما أسلفت) يقتضي أن من أسلم وقد فعل الخير في الجاهلية أنه يثاب على ذلك الخير والقواعد ترده، لأن شرط الثواب نية التقرب، ولا تصح من الكافر لجهله بالمتقرب إليه، كالناظر في دليل الإيمان فإنه لا يثاب لجهله بالمتقرب إليه، وإن كان مطيعًا بالنظر فيؤول الحديث بأن يكون معناه أسلمت وقد تعودت فعل الخير في الجاهلية، وسيدوم لك ذلك في الإسلام، لأنك تعودته، أو أسلمت وقد اكتسبت به ثناة جميلًا في الجاهلية وهو باق عليك في الإسلام، أو يعني أنه يزاد في تضعيف حسناته التي اكتسبها في الإسلام بسبب ما فعل من خير في الجاهلية، وقد قالوا في الكافر يفعل الخير أنه يخفف عنه بسبب ذلك وإذا صح التخفيف صحت الزيادة، قال القاضي: وقيل: إن على بمعنى الباء السببية، أي أسلمت ببركة ما أسلفت، وقال الحربي: المعنى ما سلف لك من خير فهو لك، كما يقال أسلمت على ألف درهم، أي على أن أحرزها وأعطاها، قال القرطبي: وهذا الذي قاله الحربي هو أشبهها وأولاها، وهو الذي أشرنا إليه في الترجمة، وقال الأبي: يحمل الحديث على ظاهره من إثابة الكافر، قال النواوي: وإليه ذهب ابن بطال، واحتج بحديث أخرجه الدارقطني من سبع طرق؛ ثبتت كلها عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أسلم الكافر وحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة أسلفها، ومحا عنه كل سيئة عملها" كما سبق في أول هذه الترجمة، قالا لأبي: والحديث نص في القضية، وهو تفسير لما
стр. 1378
٢٢٧ - (٠٠)(٠٠) وحدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبدُ بنُ حُمَيدٍ (قَال الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا. وَقَال عَبْدٌ: حَدَّثَنِي)
ــ
في الأم وتصح نية التقرب من الكافر، وما عللوا به من الجهل إن عنوا به أنه يجهله مطلقًا مُنع لأنه لا ينكر الصانع، وإن عللوا به أنه يجهله من وجه فهو استدلال بمحل النزاع لأن محل النزاع الجاهل بالله من وجه هل يصح منه نية التقرب أم لا، ثم الذي يقضي بصحة النية اتفاقهم على التخفيف، لأنه لولا صحة النية لم يصح التخفيف، وقول الفقهاء: (لا يعتد بعمل الكافر) معناه في أحكام الدنيا، ولا يمنع أن يثاب الناظر في دليل الإيمان إذا اهتدى للحق، أو يفرق بأن الناظر لم ينو التقرب، والكافر نواه، وأيضًا فالقياس يقتضيه فإن الإسلام إذا جب السيئات صحح الحسنات، وإثابة الكافر بتخفيف العذاب لا تمتنع، وإنما الممتنع إثابته بالخروج من النار اهـ أبي.
(قلت) قد يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إنه إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختلف أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى إذا أجنب الكافر واغتسل في حال كفره ثم أسلم هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم إذا أسلم وصلى بها والله أعلم اهـ نووي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٧) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثنا حسن) بن علي بن محمد الهذلي (الحلواني) أبو علي المكي، ثقة من الحادية عشرة، مات بمكة سنة (٢٤٢) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر، أبو محمد، الحافظ صاحب المسند والتفاسير، ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال الحلواني حدثنا وقال عبد حدثني) تورعًا من الكذب على أحد شيخيه لو اقتصر على إحدى الكلمتين، إما حدثنا أو حدثني لاختلاف كيفية سماعهما، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه، أي قال كل
стр. 1379
يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَال لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَي رَسُولَ اللهِ، أَرَأيتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي
ــ
منهما حدثنا (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري، أبو يوسف المدني، ثقة فاضل من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين (٢٠٨) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن إبراهيم بن سعد) إشعارًا بأن هذه النسبة إنما هي من زيادته، لا مما سمعه من شيخه، قال يعقوب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، ثقة حجة، من الثامنة، مات سنة (١٨٣) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(عن صالح) بن كيسان المدني، أبي محمد أو أبي الحارث الغفاري مولاهم، ثقة ثبت فقيه، من الرابعة مات سنة (١٤٠) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) القرشي الزهري، أبي بكر المدني، ثقة ثبت حافظ متقن متفق على جلالته، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) ابن شهاب (أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه من الثانية (أن حكيم بن حزام أخبره) أي أخبر لعروة بن الزبير، وهذا السند من سباعياته، رجاله كلهم مدنيون إلا الحلواني فإنه مكي، أو عبد بن حميد فإنه كسي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة صالح بن كيسان ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول، لأن يونس بن يزيد في روايته عن الزهري خطأ قليل، ومن لطائف هذا السند أنه اجتمع فيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، لأن فيه صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عروة، وقد قدمنا أمثال ذلك في بعض الأسانيد، وكرر متن الحديث هنا لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالزيادة، وسوق بعض الكلمات.
(أنه) أي أن حكيم بن حزام (قال لرسول الله ﷺ أي رسول الله) أي يا رسول الله (أرأيت أمورًا) أي أخبرني عن أمورِ وأعمال كنت أتحنث) أي أتعبد وأتقرب (بها) إلى الله تعالى، وأحسن بها إلى الناس (في الجاهلية) أي في زمن
стр. 1380
الْجَاهِلِيَّةِ؛ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ. أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيرٍ".
٢٢٨ - (٠٠)(٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
ــ
جهلي بالله تعالى حالة كون تلك الأمور (من صدقة) أي من بذل مالٍ للمحتاج بلا عوض؛ تقربًا إلى الله تعالى (أو عتاقة) أي فك رقبة من الرق لوجه الله تعالى (أو صلة رحم) أي إعطاء مالٍ أو إحسان إلى ذي رحم وقرابة لغرض صلته، وتجنبًا من قطيعته (أفيها) بهمزة الاستفهام الاستخباري، أي هل في تلك الأمور التي فعلتها قبل إسلامي (أجر) لي وثواب عليها يا رسول الله (فقال رسول الله ﷺ أسلمت) على أن لك أجرًا (على ما أسلفت) وقدمت في الجاهلية (من) أعمال (خير) وبر فكما أن الإسلام يجب ما قبله من السيئات، يصحح ما قبله من الحسنات وقوله (أتحنث) قال الإمام المازري يقال: تحنث الرجل إذا فعل فعلًا خرج به عن الحنث، والحنث: الذنب، وكذلك تأثم إذا ألقى عن نفسه الإثم، ومثله تحرج وتحوب إذا فعل فعلًا خرج به عن الحرج والحوب، وفلان يتهجد إذا كان يخرج من الهجود، ويتنجس إذا فعل فعلًا يخرج به من النجاسة، وامرأة قذور إذا كانت تتجنب الأقذار، ودابة ريض إذا لم ترض، هذا كله عن الثعالبي، إلا تأثم فإنه عن الهروي، وأنشد غيرهما:
تجنبت إتيان الحبيب تأثمًا ... ألا إن هجران الحبيب هو الإثم
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢) متا) (٠٠)(٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن راهويه المروزي، أبو يعقوب الحنظلي، ثقة ثبت قرين أحمد بن حنبل، من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر أبو محمد الكسي، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من إسحاق وعبد بن حميد (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع من التاسعة، مات سنة (٢١١)
стр. 1381
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا
ــ
روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا، قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة البصري، أحد الأعلام، ثقة ثبت فاضل من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم القرشي (الزهري) أبي بكر المدني، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله: أخبرنا معمر، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع، أي أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد، يعني عن عروة عن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله أشياء كنت أفعلها في الجاهلية الحديث الآتي، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد بصري، وواحد صنعاني، وواحد مروزي أو كسي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معمر لصالح بن كيسان، أو ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، أو تقوية السند الأول أعني ليونس.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي أيضًا قال إسحاق (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير، الكوفي التميمي السعدي مولى أسعد بن زيد مناة، يقال: عمِيَ وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
قال أبو معاوية (حدثنا هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر المدني، ويقال: أبو عبد الله ثقة حجة فقيه، ربما دلس من الخامسة، مات سنة (١٤٥) وله (٨٧) سنة، وتكلم فيه مالك وغيره، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني (عن حكيم بن حزام) الأسدي المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد كوفي، وواحد مروزي، وغرضه بهذا التحويل بيان متابعة هشام بن عروة للزهري في رواية هذا الحديث عن عروة بن الزبير، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى.
(قال) حكيم بن حزام (قلت يا رسول الله) أرأيت (أشياء) وأمورًا (كنت أفعلها)
стр. 1382
فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (قَال هِشَامٌ: يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا) فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفتَ لَكَ مِنَ الْخَيرِ" قُلْتُ: فَوَاللهِ، لا أَدَعُ شَيئًا صنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلا فَعَلْتُ فِي الإِسْلامِ مِثْلَهُ.
٢٢٩ - (٠٠)(٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
ــ
وأتبرر بها (في الجاهلية) قبل إسلامي، وأتى بجملة قوله (قال هشام) في روايته (يعني) حكيم بن حزام بقوله كنت أفعلها (أتبرر بها) أي أطلب بتلك الأشياء البر والتقرب إلى الله تعالى، والإحسان إلى الناس، إشارة إلى ما أدرجه هشام في وسط الحديث في تفسير التحنث، كما بين ما أدرجه الزهري في تفسيره في آخر الحديث بقوله (والتحنث التعبد) في الرواية الأولى كما مر هناك، لأن الإدراج عندهم ثلاثة أقسام: إدراج في أول الحديث، أو في وسطه أو في آخره كما بيناه بما لا مزيد عليه في الباكورة البيقونية (فقال رسول الله ﷺ لحكيم بن حزام (أسلمت) وآمنت يا حكيم (على) أن جميع (ما أسلفت) وقدمت في الجاهلية من أعمال الشر يُجَبُّ عنك ويمحى، وعلى أن يكتب ويحسب (لك) جميع ما قدمته فيها (من الخير) والبر، قال حكيم (قلت) لنفسي (فوالله) أي فأقسمت بالله الذي لا إله غيره (لا أدع) ولا أترك (شيئًا) من الخير قد كنت (صنعته في الجاهلية) وفعلته فيها (إلا فعلت) وصنعت (في الإسلام مثله) أي مثل ذلك الذي فعلته في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة وغير ذلك.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٩) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي، قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه، وقال نفطويه اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفًا، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا عبد الله بن نمير) بالنون مصغرًا، الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) تسع وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، أبي
стр. 1383
عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرِ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ... فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِ
ــ
المنذر المدني (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني (أن حكيم بن حزام) الأسدي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة عبد الله بن نمير لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن هشام، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للروايات السابقة.
(أعتق) أي فك عن الرق وحرر (في) زمن (الجاهلية مائة رقبة) أي مائة نسمة ونفس تقربًا إلى الله تعالى (وحمل) المحتاجين والفقراء وأركبهم (على مائة بعير) وجمل، والمعنى تصدق بها عليهم (ثم) أسلم و (أعتق في) زمن (الإسلام) أي بعد إسلامه (مائة رقبة) ونسمة، ليعاود عمله في الجاهلية (وحمل على مائة بعير) أي تصدق بها على الفقراء والمحتاجين، أو حمل الغزاة في سبيل الله تعالى على مائة بعير شكرًا على إنعام الله سبحانه إياه بنعمة الإسلام (ثم) بعد ما فعل هذا الخير العظيم (أتى) وجاء حكيم (النبي ﷺ فأخبره ﷺ بما فعل في الجاهلية والإسلام، فقال له النبي ﷺ : أسلمت على ما أسلفت لك من الخير وقوله (فذكر) عبد الله بن نمير (نحو حديثه) أي نحو حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة، معطوف على قوله حدثنا عبد الله بن نمير، وفي أكثر المتون والشراح (نحو حديثهم) بضمير الجمع، فهو تحريف من النساخ، والصواب ما قلنا بإفراد الضمير، ولا تقل أيها الطالب هذا ما وجدنا عليه آبآءنا، وأنصف ولا تتعسف، وإن أردت التيقن فانظر عبارة المفهم هنا، فنص عبارته "فذكر نحوه" بالإفراد، والله أعلم.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث حكيم بن حزام، أحمد (٣/ ٤٠٢ و ٤٣٤) والبخاري (٢٥٣٨).
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث حكيم بن حزام، وذكر فيه ثلاث متابعات.
***
стр. 1384
٦٣ - (٢٢) بَابُ: إِطْلاقِ الظُّلْمِ عَلَى الشِّرْكِ، وَإِخْلاصِ الإِيمَان مِنْهُ
٢٣٠ - (١١٩)(٤٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَبُو مُعَاويةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ،
ــ
٦٣ - (٢٢) بَابُ: إِطْلاقِ الظُّلْمِ عَلَى الشِّرْكِ، وَإِخْلاصِ الإِيمَان مِنْهُ
أي هذا باب معقود في بيان إطلاق اسم الظلم الذي هو عام في أصله على خصوص الشرك والكفر، وبيان فضيلة إخلاص الإيمان منه، أي من الشرك، والظلم في أصله: وضع الشيء في غير موضعه، فالشرك من أعظم الظلم، إذ المشرك يعتقد الإلهية لغير مستحقها، ويطلق على المعاصي ظلم لأنها وضعت موضع ما يجب من الطاعة لله تعالى، وقد يأتي الظلم ويراد به النقص كما في قوله تعالى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي ما نقصونا بكفرهم شيئًا، ولكن نقصوا أنفسهم حظها من الخير.
(٢٣٠) - س (١١٩)(٤٢) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) قال أبو بكر (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة (١٩٢) اثنتين وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم الكوفي من التاسعة، مات سنة (١٩٥) (ووكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلهم رووا (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقةٌ حافظ مدلس من الخامسة، مات سنة (١١٩) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبي عمران الكوفي الفقيه، يرسل كثيرًا، ثقةٌ من الخامسة مات سنة (٩٦) ست وتسعين (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي، أبي شبل الكوفي، مخضرم أحد الأعلام، ثقة ثبت عابد فقيه من الثانية، مات سنة (٦٢) اثنتين وستين، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي، أبي عبد الرحمن الكوفي له ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثًا اتفقا
стр. 1385
قَال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ. إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَال لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
ــ
على (٦٤) وانفرد (خ) بـ (٢١) و (م) بـ (٣٥) وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون، قال النواوي: هذا إسنادٌ رجاله كوفيون كلهم، وحفاظ متقنون في نهاية الجلالة، وفيهم ثلاثة أئمة أجلة فقهاء تابعيون، روى بعضهم عن بعض، سليمان الأعمش وإبراهيم النخعي، وعلقمة بن قيس، وقل اجتماع مثل هذا الذي اجتمع في هذا الإسناد والله أعلم اهـ.
(قال) عبد الله بن مسعود (لما نزلت) هذه الآية قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) بالله ورسوله (﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾) أي لم يخلطوا (﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾) أي بشرك، سورة الأنعام، الآية (٨٢) تمامها ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (شق) جوابٌ لما أي ثقل (ذلك) الذي نزل في هذه الآية (على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا أينا) أي أيٌّ منا إلا يظلم نفسه) بتفويت حظوظها الأخروية، والتقصير فيها، ولا يوجد منا أحد لم يذنب، فالأمن والاهتداء المذكور في آخر الآية، لا يوجد لنا لأنهم حملوا الظلم على عمومه، والمتبادر إلى الأفهام منه، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وهو مخالفة الشرع بارتكاب المعاصي ولو صغيرة (فقال رسول الله ﷺ لهم (ليس هو) أي الظلم المذكور في هذه الآية (كما تظنون) أي على ما تظنونه من عمومه لكل مخالفة ومعصية (إنما هو) أي الظلم المذكور في هذه الآية (كما قال لقمان) أي مثل الظلم الذي قال لقمان الحكيم في شأنه (لابنه) وهو يعظه فيما حكاه الله عنه بقوله (﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾) تعالى قلبًا وقالبًا غيره (﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾) بالله تعالى (﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) أي لظلم أكبر وأعظم لا ظلم أعظم منه لأن المشرك جعل الإلهية لغير الله تعالى، قوله (ولم يلبسوا) أي لم يخلطوا، يقال: لبست الأمر بغيره بفتح الباء في الماضي وكسرها في المضارع لبسًا إذا خلطته، ولبست الثوب بكسر الباء في الماضي وفتحها في المستقبل لبسًا ولباسًا (والظلم) في اللغة وضع الشيء في غير محله تقول ظلمت الأرض والطريق والسقاء، إذا حفرت في غير محل الحفر كالموضع الصلب، أو
стр. 1386
٢٣١ - (٠٠)(٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَّاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ،
ــ
مشيت على غير الجادة، أو سقيت من السقاء قبل إخراج زبده، وهو في الشرع كذلك فالكافر ظالم لأنه وضع العبادة في غير محلها وكذلك العاصي لأنه وضع المعصية موضع الطاعة اهـ، إكمال المعلم.
قال المازري: قوله (شق عليهم) لأنهم عمموا الظلم في نوعيه ظلم الكفر وظلم المخالفة حتى خصصه ﷺ بقصره على ظلم الكفر فأخذ منه أنهم كانوا يقولون بالعموم، وفيه أيضًا تأخير البيان إلى وقت الحاجة اهـ المعلم. قال القاضي: لم يشق عليهم من هذا الوجه، بل من جهة حملهم الظلم على ما غلب استعماله فيه، وهو ظلم المخالفة حتى فسر لهم بأن المراد ظلم الكفر وليس فيه أيضًا تأخير البيان، لأن الآية ليس فيها تكليف بعمل، وإنما فيها التكليف باعتقاد صدق الخبر، وذلك يلزم باول وروده فأين الحاجة التي يؤخر البيان إليها اهـ، إكمال المعلم.
قال القرطبي، وفي هذا الحديث ما يدل على أن النكرة في سياق النفي تعم لأن الصحابة فهمت من ذلك العموم، كل ظلم وأقرهم النبي ﷺ على ذلك الفهم وبين لهم أن المراد بذلك ظلم مخصوص، وفي الآية دليل على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص به.
فائدة: قال النواوي: واختلف العلماء في لقمان الحكيم هل هو نبي أم لا؟ قال أبو إسحاق الثعلبي: اتفق العلماء على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيًّا وتفرد بهذا القول، وأما ابن لقمان الذي قال له: لا تشرك بالله فقيل: اسمه أنعم ويقال مشكم والله أعلم اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث عبد الله بن مسعود، أحمد (١/ ٤٤٤) والبخاري (٣٢) و (٤٧٧٦) والترمذي (٣٠٦٩).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٣١) - (٠٠)(٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة من العاشرة (و) حدثنا (علي بن خشرم) بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وفتح الراء على وزن جعفر، بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال أبو الحسن المروزي ثقة من
стр. 1387
قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى (وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ). ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو كُرَيبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
ــ
صغار العاشرة، مات سنة (٢٥٧) سبع وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، لأن المتقارنين ثقتان (قالا) أي قال كل من إسحاق وعلي (أخبرنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، بفتح المهملة وكسر الموحدة، أخو إسرائيل أبو عمرو الكوفي، أحد الأعلام ثقة مأمون من الثامنة، مات سنة (١٩١) إحدى وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر، بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (وهو ابن يونس) إشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخه، كما مر مرارًا فلا تغفل عنه.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا منجاب) بكسر الميم وإسكان النون وبالجيم آخره باء موحدة (بن الحارث) بن عبد الرحمن (التميمي) أبو محمد الكوفي ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا، قال منجاب (أخبرنا) علي (بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي أبو الحسن الكوفي ثقة من الثامنة، له غرائب بعد ما أضر مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وأوصى أن تدفن معه كتبه فدفنت، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا، قال أبو كريب (أخبرنا) عبد الله (بن إدريس) بن يزيد الأودي، أبو محمد الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٩٢) وأتى بحاء التحويلات لاختلاف مشايخ مشايخه، وفائدتها بيان كثرة طرقه (كلهم) أي كل من عيسى بن يونس، وعلي بن مسهر وابن إدريس رووا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع وهم الثلاثة المذكورة، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع من إبراهيم وعلقمة وعبد الله، أي روى عيسى بن يونس، وعلي بن مسهر، وابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
стр. 1388
قَال أَبُو كُرَيبٍ: قَال ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلًا أَبِي، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الأعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ
ــ
وهذه الأسانيد الثلاثة كلها من سداسياته، الأول منها: رجاله كلهم كوفيون إلا إسحاق وابن خشرم فإنهما مروزيان، والثاني: رجاله كلهم كوفيون أيضًا، وكذا الثالث: رجاله كلهم كوفيون، وهذه من ألطف الأسانيد، وغرضه بسوقها بيان متابعة ابن يونس وابن مسهر لابن إدريس وأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
ولكن (قال أبو كريب قال) لنا عبد الله (بن إدريس حدثنيه) أي حدثني هذا الحديث يعني حديث عبد الله بن مسعود (أولًا أبي) إدريس بن يزيد الأودي الكوفي (عن أبان بن تغلب) والمختار عند المحققين صرف أبان، لأن نونه وألفه أصليتان، وتغلب بكسر اللام غير مصروف للعلمية ووزن الفعل القارئ أبي سعيد الكوفي ثقةٌ من السابعة مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان، والصلاة (عن الأعمش) ففيه نزول درجتين (ثم) بعدما سمعته من الأعمش بواسطتين (سمعته) أي سمعت هذا الحديث (منه) أي من الأعمش بلا واسطة فحصل له علو بدرجتين، قال النواوي: وهذا منه تنبيه على علو إسناده هنا، فإنه نقص عنه رجلان وسمعه عن الأعمش وقد تقدم مثل هذا في باب النصح من الدين اهـ.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وذكر فيه متابعة واحدة.
стр. 1389
٦٤ - (٢٣) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾
٢٣٢ - (١٢٠)(٤٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيشِيُّ (وَاللَّفْظُ لأُمَيَّةَ) قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ)
ــ
٦٤ - (٢٣) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾
أي هذا باب معقود في بيان شكاية أصحاب رسول الله ﷺ من المؤاخذة على خطرات النفس حين نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وبيان نزول قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ بعد شكايتهم من ذلك.
(٢٣٢) - س (١٢٠)(٤٣) (حدثني محمد بن منهال الضرير) أبو عبد الله، أو أبو جعفر التميمي المجاشعي البصري، روى عن يزيد بن زريع في الإيمان وغيره، وأبي عوانة، وجعفر بن سليمان، وخلق، ويروي عنه (خ م د س) وأبو يعلى، ويوسف بن يعقوب القاضي، والدارمي، وأبو بكر الأثرم، وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين (و) حدثنا أيضًا (أمية بن بسطام) بن المنتشر (العيشي) بتحتانية ثم معجمة، أبو بكر البصري، صدوق من العاشرة، مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء وغيرهما، وأتى بجملة قوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأمية) بن بسطام، لا لمحمد بن منهال تورعًا من الكذب على محمد بن منهال، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال محمد بن منهال وأمية بن بسطام (حدثنا يزيد بن زريع) بزاي ثم راء مصغرًا التميمي العيشي بتحتانية أبو معاوية البصري، أحد الأئمة الأعلام، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٢) اثنتين وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال يزيد (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث، بكسر المعجمة البصري، ثقة حافظ من السادسة، مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا، وأتى بجملة قوله (وهو ابن القاسم) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من
стр. 1390
عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾
ــ
شيخه (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، أبي شبل المدني، صدوق ربما وهم من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، أبي العلاء المدني، ثقة من الثالثة، روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره، ويروي عنه (م عم) وابنه العلاء، ومحمد بن إبراهيم النخعي (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة مدنيون (قال) أبو هريرة (لما نزلت على رسول الله ﷺ آية (﴿لِلَّهِ﴾) خلقًا ومِلكًا ومُلكًا جميع (﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾) السبع ﴿وَ﴾ جميع (﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾) وما بينهما من العقلاء وغيرهم، قال القرطبي: و (ما) هذه بمعنى الذي، وهي متناولة لمن يعقل وما لا يعقل، وهي هنا عامة لا تخصيص فيها بوجه، لأن كل من في السموات ومن في الأرض وما فيهما وما بينهما خلق الله وملك لله تعالى (﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾) أي تُظهروا (﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾) وقلوبكم من الخطرات لغيركم أيها العباد (﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾) أي أو تخفوا ما في أنفسكم من الخواطر أي تسروه عن غيركم من العباد (﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾) أي يؤاخذكم (﴿بِهِ﴾) أي بما في أنفسكم (﴿اللَّهُ﴾) (﴿فَيَغْفِرُ﴾) تلك الخطرات (﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾) الغفران له (﴿وَيُعَذِّبُ﴾) عليها (﴿مَنْ يَشَاءُ﴾) تعذيبه (﴿وَاللَّهُ﴾) (﴿عَلَى كُلِّ شَيءٍ﴾) شاءه من التعذيب والغفران (﴿قَدِيرٌ﴾) أي قادر، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه يفعل ما يشاء في عباده.
قال القرطبي: و (ما) هذه أيضًا على عمومها، فتتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر ما يطيق دفعه منها وما لا يطيق، ولذلك أشفقت الصحابة رضي الله تعالى عنهم من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبي ﷺ : كلفنا ما نطيق الصلاة والصيام وغيرهما كالصدقة وهذه الآية لا نطيقها، ففيه دليل على أن موضوع ما للعموم، وأنه معمول به فيما طريقه الاعتقاد، كما هو معمول به فيما طريقه العمل، وأنه لا يجب التوقف فيه إلى البحث عن المخصص، بل يبادر إلى اعتقاد الاستغراق فيه وإن جاز التخصيص. انتهى.
стр. 1391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إيضاح معنى الآية
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الأمور الداخلة في حقيقتهما، والخارجة عنهما، المتمكنة فيهما من أولي العلم وغيره، أي كل ما فيهما خلقا ومِلكًا وتصرفًا له تعالى، لا شركة لغيره في شيء منهما بوجه من الوجوه، فلا يعبد فيهما سواه تعالى، ولا يعصى فيما يأمر وينهى، فلا تعبدوا أحدًا سواه، ولا تعصوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه، وله تعالى أن يُلزم من شاء بما شاء من التكاليف.
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي وإن تُظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه، وذلك بالقول أو بالفعل.
﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي تكتموا ما في قلوبكم عن الناس، ولم تظهروه لهم بالقول أو بالفعل.
﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي يجازكم الله سبحانه به يوم القيامة، لأن الإبداء والإخفاء عنده سيان لأنه تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالمعول عليه في مرضاته تزكية النفوس، وتطهير السرائر، لا لوك اللسان وحركات الأبدان.
والمراد بقوله ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الأشياء التي لها قرار في أنفسكم، وعنها تصدر أعمالكم كالحقد والحسد ونحوهما، ذاك أن الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان، ولا يكون لها أثر في نفسه، ولا ينتج منها فعل يكون مترتبًا عليها، لكنه إذا استرسل معها حُسبت عليه.
عملًا يُجازى به، لأنه مشى معها قدمًا باختياره، وقد كان يستطيع مطاردتها وجهادها، فالمظلوم مثلًا يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه، وربما استرسل مع خواطره إلى أن تجره إلى تدبير الحيل للإيقاع به، ومقابلة ظلمه بما هو شر منه، فيكون مؤاخذًا عليه أبداه أو أخفاه.
وصفة الحسد تبعث في نفس الحاسد خواطر الانتقام من المحسود، والسعي في إزالة نعمته، وهذه الخواطر مما يحاسب الحاسد عليها أبداها أو أخفاها، وهكذا يقال في كل أعمال القلب التي أمرنا الشارع بجهادها ومقاومتها، مما هو أثر لأخلاق وملكات وعزائم قوية تنشأ عنها أعمال هي آثار لها؛ إذا انتفت الموانع وتركت المجاهدة.
ومحاسبة الله عباده أن يريهم أعمالهم الظاهرة والباطنة، ويسألهم لم فعلوها، ثم
стр. 1392
قَال: فَاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ . ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ
ــ
إن شاء غفر وإن شاء عذب، فمن لم تصل أعماله المنكرة إلى أن تكون ملكات له، فالله يغفرها له، ومن تكون كذلك فالله يعاقبه عليها، وهو المختار يفعل ما يشاء كما قال ﴿فَيَغْفِرُ﴾ أي فهو يغفر بفضله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يغفر له، وإن كان ذنبه كبيرًا و ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ بعدله ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يعذبه وإن كان ذنبه حقيرًا، حسبما تقضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، ويعذب الكفار لا محالة، لأنه لا يغفر الشرك، وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه، والذنب المغفور هو الذي يُوفق صاحبه لعملٍ صالحٍ يغلب أثره في النفس، وليس الأمر كما يزعم الجاهلون: أن الأمور فوضى، والكيل جزاف، فيقيمون على الذنوب، ويُصرون عليها ويمنون أنفسهم بالمغفرة ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ فكمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته تعالى على ما ذكر من المحاسبة، وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب.
(قال) أبو هريرة (فاشتد ذلك) المذكور في هذه الآية من المحاسبة على ما في أنفسهم سواء أبدوه أو أخفوه، قال المازري: اشتد عليهم لظنهم أنهم كلفوا بالتحفظ من الخطرات، والتكليف بذلك من تكليف ما لا يطاق، لأن الخطرات لا يقدر على دفعها، فإن كان هذا هو المراد فالحديث يدل على أنهم كلفوا بما لا يطاق، وهو عندنا جائز، وإنما اختلف في وقوعه اهـ.
قال النواوي: ولفظة (قال) مكررة مع الأولى، وإنما أعادها لطول الكلام، والفاء في قوله (فاشتد ذلك) زائدة في جواب لما.
ولفظ رواية أحمد في مسنده: عن أبي هريرة قال: "لما نزل على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ " بحذف قال، وإسقاط الفاء.
أي شق ذلك الذي نزل وثقل (على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ وجاؤوا مجلسه (ثم بركوا) أي جلسوا (على الركب) تأدبًا في حضرته ﷺ ، والركب جمع ركبة وهي المفصل بين الساق
стр. 1393
فَقَالُوا: أَي رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ. الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتُرِيدُونَ
ــ
والفخذ، أي جلسوا جاعلين سوقهم تحت أفخاذهم، مقدمين ركبهم، جلسة المتأدبين عند الأكابر، ولفظ رواية أحمد ثم جثوا على الركب، ثم شكوا إلى رسول الله ﷺ مما نزل في هذه الآية (فقالوا) أي فقال أصحاب رسول الله ﷺ في شكايتهم من ذلك (أي رسول الله) أي: حرف نداء لنداء القريب (كلفنا من الأعمال ما نطيق) أي كلفنا الله وأمرنا قبل نزول هذه الآية بما نطيق ونقدر عليه من الأعمال والطاعات التي هي (الصلاة والصيام والجهاد والصدقة) وقوله (ما نطيق) ما فيه اسم موصول في محل النصب على أنه مفعول ثانٍ لكُلِّف، أو على نزع الخافض كما قدرنا، وقوله (الصلاة) وما بعدها بالنصب على أنه بدل من ما الموصولة، وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدرنا (وقد أنزلت عليك) الآن (هذه الآية) يعني قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (ولا نطيقها) أي ولا نطيق ولا نقدر تحمل ما فيها من اجتناب هواجس النفس وخطراتها فادع الله لنا أن يسامح لنا ما فيها من المحاسبة على خواطر النفس، ولفظ أحمد "وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها".
قال المراغي: إنما قالوا ذلك لأنهم قد دخلوا في الإسلام وكثير منهم تربوا في حجر الجاهلية وانطبعت في نفوسهم أخلاقها، وأثرت في قلوبهم عاداتها، وكانوا يتطهرون منها بالتدريج بهدي الرسول ونور القرآن، فلما نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان باقيًا في أنفسهم من العادات الأولى، وكانوا يحاسبون أنفسهم لاعتقادهم النقص، وخوفهم من الله ، فأخبرهم الله تعالى بأنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذها إلا على ما كلفها، وهم مكلفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الطاقة، وطلب العفو عما لا طاقة لهم به.
وقد يكون بعضهم خاف أن تدخل الوسوسة والشبهة قبل التمكن من دفعها فيما تشمله الآية، فكان ما بعدها مبينًا لغلطهم في ذلك اهـ.
ولما سمع النبي ﷺ ذلك القول منهم أجابهم بأن (قال) لهم (رسول الله ﷺ أتريدون) أي هل تريدون وتقصدون بذلك القول -بهمزة
стр. 1394
أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَال أَهْلُ الْكِتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَينَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ" قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا:
ــ
الاستفهام الإنكاري (أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم) التوراة والإنجيل، وفي لفظ أحمد "كما قال أهل الكتاب من قبلكم" أي أتقصدون بقولكم لي هذا القول كما قالت اليهود والنصارى لأنبيائهم من قبلكم حين كلفوا بأوامر ونواهٍ (سمعنا) ما قلتم لنا بآذاننا (وعصينا) أي خالفناكم فيما قلتم (بل) خالفوهم و (قولوا سمعنا) ما قلت لنا يا ربنا (وأطعنا) أي امتثلنا أوامرك يا إلهنا، وهب لنا (غفرانك) يا (ربنا) ومولانا فيما قصرنا في حقوقك الذي منه الشكاية من هذه الآية (وإليك) لا إلى غيرك (المصير) أي مصيرنا ومرجعنا للمحاسبة والمجازاة.
والمعنى أن النبي ﷺ أقرهم على ما فهموه من الآية الأولى، وبين لهم أن لله تعالى أن يكلف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه، ونهاهم عن أن يقع لهم شيء مما وقع لضُلَّال أهل الكتاب من المخالفة، وأمرهم بالسمع والطاعة والتسليم لأمر الله تعالى على ما فهموه، فسلم القوم لذلك، وأذعنوا ووطنوا أنفسهم على أنهم كُلفوا في الآية بما لا يطيقونه، واعتقدوا ذلك، فلما أمرهم النبي ﷺ بقول ذلك (قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) وفي لفظ أحمد إسقاط هذا المكرر (فلما اقترأها) أي قرأ تلك الآية (القوم) من الأصحاب الذين شكوا منها إلى رسول الله ﷺ من تلك الآية، وافتعل هنا بمعنى الثلاثي أتى به للمبالغة و (ذلت) أي لانت وخضعت والتذت (بها) أي بقراءة تلك الآية التي شكوا منها (ألسنتهم) أي ألسنة القوم الذين شكوا منها إلى رسول الله ﷺ ، وأذعنت بها وأيقنت بها قلوبهم يعني آية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقوله (ذلت بها ألسنتهم) معطوف بعاطف مقدر كما قدرناه على اقترأها القوم، على كونه فعل شرط للما، وجوابها قوله (فأنزل الله) (في إثرها) أي عقب تلك الآية التي شكوا منها، يعني قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ والفاء زائدة في جواب لما، أي فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم، وأذعنت بها قلوبهم، أنزل الله تعالى في إثرها قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلخ ولفظ أحمد "فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها" وفي هامش بعض نسخ المتون قوله (فلما اقترأها ذلت بها ألسنتهم أنزل الله) كذا في
стр. 1395
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
ــ
جميع النسخ التي عندنا، وفي تفاسير ابن كثير والنيسابوري والخازن "فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها" إلخ، والمعنى (فلما قرأها القوم وارتاضت بالاستسلام لذلك ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها) إلخ وهذا كلام مستقيم حسن، وأما بدون العاطف فلا يستقيم إلا بوجود الفاء في أول أنزل، ولهذا زدناها عليه، كما هو المطبوع في المتن المصري، وفي المتن الذي تضمنه شرح النووي وغيره اهـ ما في الهامش.
قوله (فأنزل الله في إثرها) أي عقب تلك الآية التي شكوا منها وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية، وهو بفتح الهمزة والثاء، وبكسر الهمزة مع إسكان الثاء لغتان اهـ نووي (﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾) أي صدق الرسول محمَّد ﷺ (﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾) أي بكل ما جاء به الوحي من ربه من العقائد والأحكام، تصديق يقين واطمئنان، وتخلق به، كما قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: "كان خلقه القرآن" (﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾) أي الفريق المعروفون بهذا الاسم، وهو مبتدأ أول (﴿كُلٌّ﴾) مبتدأ ثان (﴿آمَنَ﴾) خبره، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والرابط بينهما الضمير الذي ناب التنوين منابه، وتوحيد الضمير في آمن مع رجوعه إلى المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم، من غير اعتبار الاجتماع، وهذا التركيب إذا وقفنا على قوله من ربه وجعلنا قوله والمؤمنون كلامًا مستأنفًا، واختاره أبو السعود، ويجوز أن يكون قوله والمؤمنون معطوفًا على الرسول فيوقف عليه، والضمير الذي عوض عنه التنوين راجع إلى المعطوفين معًا، والمعنى آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثمَّ فصل ذلك، وقال كل واحد من الرسول والمؤمنين أومن بالله خلا أنَّه قدم المؤمن به على المعطوف اعتناءً بشأنه وإيذانًا بأصالته ﷺ في الإيمان به.
أي كل واحد منهم آمن (﴿بِاللَّهِ﴾) وحده من غير شريك له في الألوهية والمعبودية (﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾) من حيث إنهم عباد مكرمون له تعالى من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتاب وإلقاء الوحي (﴿وَكُتُبِهِ﴾) بتصديق أنَّه من عند الله تعالى وتحليل ما أحله وتحريم ما حرمه (﴿وَرُسُلِهِ﴾) باتباعهم وطاعتهم ولم يذكر الإيمان باليوم الآخر لاندراجه في الإيمان بكتبه.
стр. 1396
﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالى. فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا
ــ
أي كل آمن برسله قائلين (﴿لَا نُفَرِّقُ﴾) ولا نميز (﴿بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾) أي بين آحاد الرسل بأن نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض؛ كما قال اليهود والنصارى و (أحدٌ) هنا بمعنى الجمع أي الآحاد، فلذلك أضيف إليه بين لأنه لا يضاف إلا إلى متعدد، والأحد وضع لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد، والواحد أيضًا الذي لا نظير له، والوحيد الذي لا نصير له قوله (﴿وَقَالُوا﴾) معطوف على آمن، وصيغة الجمع باعتبار المعنى، وهو حكاية لامتثالهم الأوامر إثر حكاية إيمانهم، أي قال كل منهم (﴿سَمِعْنَا﴾) أي فهمنا ما جاءنا من الحق، وتيقنا بصحته (﴿وَأَطَعْنَا﴾) ما فيه من الأوامر والنواهي، قيل لما نزلت هذه الآية قال جبريل لرسول الله ﷺ إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك غسل تعط فقال الرسول ﷺ (﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾) أي اغفر لنا غفرانك ربنا، نظير قوله ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي فاضربوا، أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة، أو ما لا يخلو عنه البشر من التقصير في مراعاة حقوقك، وهذا الوجه أولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله في آخر السورة ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فمسؤولهم هنا الغفران المعلق بمشيئته تعالى في قوله (فيغفر لمن يشاء) في الآية الأولى، وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران، لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول (﴿وَإِلَيكَ﴾) ربنا (﴿الْمَصِيرُ﴾) أي المرجع، أي الرجوع بالموت والبعث إليك لا إلى غيرك.
(فلما فعلوا) أي فعل القوم (ذلك) السمع والطاعة والاستسلام لما شكوا عنه من موجب الآية الأولى بقولهم: سمعنا وأطعنا غفرانك، وقرأوا هذه الآية الثانية (نسخها الله) سبحانه و (تعالى)، أي نسخ الآية الأولى، يعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أي رفع عنهم موجبها ومقتضاها تهوينًا للخطب عليهم، ببيان أن المراد بما في أنفسهم ما عزموا عليه من السوء خاصة، لا ما يعم الخواطر التي لا يستطاع الاحتراز عنها (فأنزل الله) في نسخها (عز) أي اتصف بجميع الكمالات (وجل) أي تنزه عن جميع النقائص، قوله (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾) أي لا يلزم الله نفسًا من النفوس (﴿إلا وُسْعَهَا﴾) أي إلا ما تطيق عليه، ويتيسر لها فضلًا منه
стр. 1397
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَال: "نَعَمْ"
ــ
ورحمة، والتكليف: إلزام ما فيه كلفة ومشقة، والوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، وهذا إخبار من الله تعالى بعد تلقيهم تكاليفه بالسمع والطاعة والاستسلام بآثار فضله ورحمته لهم، إذ كلفهم بما يسهل عليهم ولا يصعب عليهم عمله، وفيه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير، وبتيسير ما ربما يُفهم من الآية السابقة ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ إلخ، من المشقة والتعسير (﴿لَهَا﴾) أي للنفس ثواب (﴿مَا كَسَبَتْ﴾) من الخير الذي كلفت فعله، لا لغيرها استقلالًا أو اشتراكًا (﴿وَعَلَيهَا﴾) لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين عقاب (﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾) من الشر الذي كلفت تركه، وأضاف الاكتساب إلى الشر لبيان أن النفس مجبولة على فعل الخير والشر، تفعل بالتكلف والتأسي بالناس، ألا ترى أن الطفل ينشأ على الصدق؛ حتى يسمع الكذب من الناس فيتعلمه؛ وهو يشعر بقبحه وقد بسطنا الكلام في هذه الآيات في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" ومن أراد الخوض فيها فليراجعه.
وقولوا يا عبادي في دعائكم إياي (﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾) أي لا تعاقبنا بما صدر منا بالنسيان أو الخطأ (﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾) أي إن قصرنا في تكاليفك بالنسيان والخطأ الناشئين عن تفريط وقلة مبالاة، والفرق بينهما أن النسيان ضد العمد، والخطأ ضد الصواب، فيقارنه العمد، كما إذا رمى إنسانٌ صيدًا عمدًا فأخطأ وأصاب إنسانًا فقتله فهذا يُسمى خطأ عمدٍ، وقد بحثنا عن جميع ذلك في تفسيرنا فراجعه.
وقوله (قال) الله سبحانه مجيبًا لهم دعاءهم (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم فلا نؤاخذكم بالنسيان والخطأ، جواب لشرط محذوف، معلوم من السياق، تقديره فلما قال القوم: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، قال الله تعالى مجيبًا لهم: نعم، أي أجبت لكم دعاءكم هذا.
وعبارة المفهم هنا و (نعم) حرف جواب، وهو هنا إجابة من الله سبحانه، لما دعوا به من ترك المؤاخذة، كما قال في الرواية الأخرى عن ابن عباس (قد فعلت) بدل قوله هنا (نعم) وهو إخبار من الله تعالى أنَّه أجابهم في تلك الدعوات، فكل داعٍ يشاركهم في إيمانهم وإخلاصهم واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأنَّ وعده تعالى صدق وقوله حق، وكان معاذٌ يختم هذه السورة بآمين كما يختم الفاتحة بها، وهو حسن، رواه أبو
стр. 1398
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَال: "نَعَمْ" ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قَال: "نَعَمْ" ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَال: "نَعَمْ"
ــ
عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر "الدر المنثور ٢/ ١٣٧).
وقولوا يا عبادي (﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا﴾) أي حملًا ثقيلًا، يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه والمراد به التكاليف الشاقة (﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾) أي كما حملت الإصر (﴿عَلَى﴾) الأمم (﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾) أي ربنا لا تكلفنا ما يشق علينا فعله كما كلفت من قبلنا من الأمم الذين بعثت فيهم الرسل كبني إسرائيل، إذ كان يجب عليهم قطع موضع النجاسة من الثوب إذا تنجس وكانوا يدفعون ربع المال زكاة، إلى غير ذلك من تكاليفهم، وفي تعليمنا هذا الدعاء بشارة بأنه لا يكلفنا ما يشق علينا كما صرح ذلك في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فلما قال القوم هذا الدعاء (قال) الله (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم هذا، فلا أحمل عليكم إصرًا، وقولوا يا عبادي أيضًا (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾) من العقوبات، أو من البلايا والمحن، ولا ما يشق علينا من الأحكام، فلما قال القوم ذلك (قال) الله سبحانه (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم هذا فلا أحملكم ما لا طاقة لكم به، وقولوا يا عبادي (﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾) أي وامح عنا آثار ذنوبنا فلا تعاقبنا عليها (﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾) أي واستر لنا عيوبنا وذنوبنا عن أعين الملائكة، ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد (﴿وَارْحَمْنَا﴾) أي تعطف بنا وتفضل علينا برحمتك الواسعة، وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة، لما أن التخلية مقدمة على التحلية (﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾) أي مالكنا، ومتولي أمورنا أو ناصرنا (﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾) أي أعنا عليهم بإقامة الحجة عليهم، والغلبة عليهم حين قتالهم، أو ادفع عنا شرهم وكيدهم، فإن من حق المولى أن ينصر عبده، ومن يتولى أمره على الأعداء، فلما قال القوم هذا الدعاء (قال) الله لهم (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم هذا.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - شارك المؤلف في روايته أحمد فقط (٢/ ٤١٢).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى له بحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فقال:
стр. 1399
٢٣٣ - (١٢١)(٤٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ (قَال إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ، قَال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
ــ
(٢٣٣) - ش (١٢١)(٤٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا (أبو كريب) محمَّد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي ثقة حافظ من العاشرة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة حافظ فقيه، من العاشرة، روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه وأتى المؤلف بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأبي بكر) لا لأبي كريب، ولا لإسحاق تورعًا من الكذب عليهما، وأتى بقوله (قال إسحاق أخبرنا، وقال الآخران) أبو بكر وأبو كريب (حدثنا) لبيان اختلاف كيفية سماعهم أي قال كل من الثلاثة روى لنا (وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة مات سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا.
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري، أبي عبد الله الكوفي، ثقة إمام حجة من السابعة، مات سنة (١٦١) روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا (عن آدم بن سليمان مولى خالد) بن خالد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي مولاهم، أبي يحيى بن آدم الكوفي، ولم يدركه ابنه، روى عن سعيد بن جبير في الإيمان، وعطاء ونافع وآخرين، ويروي عنه (م ت س) والثوري وشعبة وإسرائيل، وثقه النسائي، وله في مسلم فرد حديث في الإيمان، وقال في التقريب: من السابعة، وليس في مسلم من اسمه آدم إلا هذا الصدوق (قال) آدم بن سليمان (سمعت سعيد بن جبير) بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، مولى بني والبة بن الحارث من بني أسد، أبا عبد الله الكوفي، ثقة إمام حجة من الثالثة، مات سنة (٩٥) كهلًا، قتله الحجاج فما أُمهل بعده، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (يُحدث عن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبي العباس الطائفي، ابن عم النبي ﷺ حبر الأمة، وترجمان
стр. 1400
قَال: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. قَال: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيءٍ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا" قَال: فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَال: قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
ــ
القرآن، له ألف حديث وستمائة وستون حديثًا اتفقا على خمس وسبعين حديثًا، وانفرد (خ) بثمانية وعشرين حديثًا، ومسلم بتسعة وأربعين حديثًا.
وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون إلا ابن عباس فإنَّه طائفي، وإلا إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي، ذُكر مقارنة (قال) ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - (لما نزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى (﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾) وقوله (قال) ابن عباس توكيد لفظي لقال الأول، وقوله (دخل قلوبهم) أي قلوب الأصحاب جواب لـ (لَمَّا) أي قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية دخل قلوبهم (منها) أي من مقتضى هذه الآية (شيء) من الخوف والهم (لم يدخل قلوبهم) قبل (من شيء) أي شيء مثله من المخاوف فمن زائدة، وقوله ثانيًا قلوبهم إظهار في مقام الإضمار، و (من) في قوله من شيء زائدة في الفاعل لوقوعها بعد النفي، والمعنى دخل قلوبهم منها شيء من الخوف، لم يدخلها قبل ذلك شيء مماثل له من الخوف، أي دخلها شيء شديد من الخوف لم يروا مثله قبل ذلك، فشكوا منها إلى رسول الله ﷺ (فقال) لهم (النبي ﷺ قولوا سمعنا) كتابك (وأطعنا) رسولك (وسلمنا) أوامرك (قال) ابن عباس (فألقى الله الإيمان) والتصديق (في قلوبهم) وألهمها القبول والاستسلام (فأنزل الله) سبحانه و (تعالى) في إثر ذلك قوله (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾) ولا يلزم (﴿نَفْسًا﴾) من النفوس (﴿إلا وُسْعَهَا﴾) وطاقتها (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾) أي جزاء ما فعلته من الخيرات لا لغيرها (﴿وَعَلَيهَا﴾) لا على غيرها عقاب (﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾) وافتعلت من الشر (﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾) ولا تعاقبنا (﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾) أي قصرنا في حقوقك بالنسيان والخطأ فلما قالوا هذا الدعاء (قال) الله لهم (قد فعلت) وأجبت لكم دعاءكم يا عبادي، ثمَّ قالوا (﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا﴾) أي تكاليف شاقة (﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
стр. 1401
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ - قَال: قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَال: قَدْ فَعَلْتُ
ــ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾) من الأمم السابقة، فلما قالوا هذا الدعاء (قال) الله لهم (قد فعلت) وأجبت لكم دعاءكم، ثمَّ قالوا (﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾) فلما قالوا هذا الدعاء (قال) الله (قد فعلت) وأجبت لكم دعاءكم.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - شارك المؤلف رحمه الله تعالى في روايته الترمذي والنسائيُّ في الكبرى جميعًا في التفسير عن أبي بكر، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمود بن غيلان أربعتهم عن وكيع عن سفيان، وقال الترمذي: حديث حسن.
***
стр. 1402
٦٥ - (٢٤) بَابُ: تَجَاوُزِ اللهِ تَعَالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَخَوَاطِرِهَا
٢٣٤ - (١٢٢)(٤٥) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ،
ــ
٦٥ - (٢٤) بَابُ: تَجَاوُزِ اللهِ تَعَالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَخَوَاطِرِهَا
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الأحاديث التي تدل على أن الله تجاوز وسامح لهذه الأمة المحمدية ببركة نبيها ﵊ حديث النفس، وخواطر القلوب إذا لم تقل، أو لم تفعل.
واعلم أن للنفس ثلاث أمور: خاطر لا يُقصد ولا يندفع ولا يستقر، وهَمٌّ، وعَزْمٌ.
فالخاطر خافت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن يكونوا كُلفوا بالتحفظ منه، ثمَّ رفع هذا الخوف، وأما الهم: وهو حديث النفس اختيارًا أن تفعل ما يوافقها فغير مؤاخذ به لحديث: "إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها"، وأما العزم: وهو التصميم وتوطين النفس على الفعل، فقال الجمهور إنه غير مؤاخذ به لظاهر هذه الأحاديث الآتية، وقال القاضي: إنه مؤاخذ به، واحتج له بحديث: "إذا اصطف المسلمان بسيفيهما فالق حريصًا على قتل صاحبه" فإثمه بالحرص، وأجيب بأن اللقاء وإشهار السلاح فعلٌ، وهو المراد بالحرص اهـ أبي بتصرف.
(٢٣٤) - س (١٢٢)(٤٥) (حدثنا سعيد بن منصور) بن عثمان بن شعبة، أبو عثمان الخراساني نزيل مكة، ومات بها، ولد بجوزجان، ونشأ ببلخ، وكان حافظًا جوالًا، روى عن أبي عوانة، وحسان بن إبراهيم، وفليح بن سليمان، وسفيان بن عيينة، وأبي معاوية، ومروان بن معاوية، وأبي الأحوص، وخلائق، ويروي عنه (ع) وأحمد بن حنبل ورفع شأنه وفخم أمره، و (م) فأكثر، قال حرب الكرماني: أملى علينا عشرة آلاف حديث من حفظه، وقال في التقريب: ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة (٢٢٧) سبع وعشرين ومائتين، وقيل من العاشرة.
روى عنه المؤلف في الإيمان، والوضوء، والصلاة، والحج في أربعة مواضع،
стр. 1403
وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الْغُبَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ،
ــ
والنكاح، واللعان، والجهاد في ثلاثة مواضع، والفضائل، والبر، والدعاء، والقدر، والفتن، وصفة الجنة، والزهد، وصفة النبي ﷺ ، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة عشر بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (محمَّد بن عبيد) بن حِسَاب -بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة آخره باء موحدة- (الغُبَري) بضم الغين المعجمة، وفتح الباء الموحدة نسبة إلى بني غبر، الحافظ البصري، روى عن أبي عوانة، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وجماعة، ويروي عنه (م د س) وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وبقيُّ بن مخلد، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان، والجنائز، والأدب، وفي "المرء مع من أحب" وغيرها، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لسعيد) تورعًا من الكذب على الآخرين (قالوا) أي قال كلٌّ من الثلاثة (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري، وقيل الكندي الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، أحد الأئمة الأعلام، روى عن قتادة، وسماك بن حرب، وعثمان بن عبد الله بن موهب، وأبي بشر، والأعمش، والحكم بن عتيبة، وأبي مالك الأشجعي، وخلائق لا يحصون، ويروي عنه (ع) وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، والغبري، وأبوالوليد، وأبو كامل، والقواريري، وشيبان بن فروخ، وخلائق، ثقة ثبت من السابعة، مات سنة (١٧٦) ست وسبعين ومائة، وليس من اسمه وضاح عندهم إلا هذا الثقة.
روى عنه المؤلف في الإيمان، والوضوء، والصلاة في أربعة مواضع، والحج في موضعين، والزكاة، والصوم في ثلاثة مواضع، والبيوع في موضعين، والنكاح في ثلاثة مواضع، والأدب في موضعين، والنذور، والفضائل في موضعين، والأحكام، والجهاد في أربعة مواضع وصفة الأنبياء، والصيد، والأشربة، والأطعمة في موضعين، واللباس، وفي من مات عنها ثلاثة من الأولاد، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة عشر بابًا تقريبًا.
стр. 1404
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ"
ــ
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، أبي الخطاب البصري الأكمه، حافظ مفسر مدلس، ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، روى عنه المؤلف في ستة وعشرين بابًا تقريبًا (عن زُرارة) بضم أوله (بن أوفى) العامري الحرشي بمهملتين مفتوحتين، وشين معجمة، نسبة إلى بني الحَرِيش بن كعب بن ربيعة، أبي حاجب البصري قاضيها، روى عن أبي هريرة ﵁ في الإيمان والنكاح، وعمران بن حصين في الصلاة والحدود والفضائل، وسعد بن هشام في الصلاة والدعاء، وأُسير بن جابر في الفضائل، ويروي عنه (ع) وقتادة، وعلي بن زيد بن جدعان، وأيوب، وعوف بن أبي جميلة، وقال في التقريب: ثقة عابد من الثالثة مات فجأة في الصلاة سنة (٩٣) ثلاث وتسعين، وليس في مسلم من اسمه زرارة إلا هذا الثقة فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ستة أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد مدني وواحد واسطي، إلا سعيد بن منصور فإنَّه خراساني، وقتيبة فإنَّه بغلاني، ذكرهما للمقارنة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ إن الله) (تجاوز لأمتي) أي سامح لهم (ما حدثت) وخطرت (به أنفسها) أي أنفس أمتي (ما لم يتكلموا) إن كان قولًا (أو يعملوا به) إن كان فعلًا.
قوله (ما حدثت به أنفسها) قال النواوي: ضبط العلماء أنفسها بالنصب وبالرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر وأشهر، قال القاضي عياض: ويدل على النصب قوله: "إن أحدنا يحدث نفسه" قال الطحاوي: وأهل اللغة يقولون "أنفسها" بالرفع يريدون بغير اختيارها كما قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] قال ابن رشد: روي الحديث بالوجهين فمعنى الرفع ما وقع من الخطرات دون قصد، ومعنى النصب ما حدثت به أنفسها أن تفعله ولم تفعله، قال: ويؤيد هذا لفظ التجاوز، لأنه إنما يكون عما اكتسب.
وفي المفهم قوله "ما حدثت به أنفسها" روايتنا نصب أنفسها على أنَّه مفعول حدثت، وفي حدثت ضمير فاعل عائد على الأمة، وأهل اللغة يقولون (أنفسها) بالرفع
стр. 1405
٢٣٥ - (. . .) (. . .) حدَّثنا عَمْروٌ النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ
ــ
على أنَّه فاعل حدثت، يريدون بغير اختيار، قاله الطحاوي، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه وقال القرطبي: يعني إن الذي لا يؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة التي لا ثبات لها ولا استقرار في النفس، ولا ركون إليها، وهذا نحو مما قاله القاضي أبو بكر في قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: "إذا همَّ عبدي بحسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها له عشرًا، وإذا همَّ بسيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له سيئة واحدة" قال القاضي: إن الهم ها هنا ما يمر بالفكر من غير استقرار ولا توطين، فلو استمر ووطن نفسه عليه لكان ذلك هو العزم المؤاخذ به أو المثاب عليه، وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى قول من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يهم به الإنسان وإن وطن نفسه عليه لا يؤاخذ به متمسكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] وبقوله ﷺ : "ما لم يعمل أو يتكلم به" ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا يؤاخذ به، وهو متجاوز عنه، والجواب عن الآية: أن من الهم ما يؤاخذ به، وهو ما استقر واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر فلا يؤاخذ بها كما شهد به الحديث، وما في الآية من القسم الثاني لا من الأول اهـ مفهم بتصرف.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٣٩٣ و ٤٣٥ و ٤٧٤ و ٤٨١) والبخاري (٢٥٢٨) وأبو داود (٢٢٠٩) والترمذي (١١٨٣) والنسائيُّ (٦/ ١٥٦ - ١٥٧) وابن ماجه (٢٠٤٠).
ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٣٥) - متا (. . .) (. . .) (حدثنا عمرو) بن محمَّد بن بكير بن شابور بمعجمة (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث، من العاشرة مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في عشرة أبواب (و) حدثنا أيضًا (زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بمهملتين مفتوحتين بعدهما معجمة، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.