. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال بعضهم:
من فاته النحو فذاك الأخرس ... وفهمه في كل علم مفلس
وقدره بين الورى موضوع ... وإِن يناظر فهو المقطوع
لا يهتدي لحكمة في الذكر ... وماله في غامض من فكر
ولبعضهم:
قَدّمِ النحوَ على الفقه فقد ... يبلغ النحوي بالنحو الشرف
أما ترى النحوي في مجلسه ... كهلال بان من تحت الشغف
يخرج الألفاظ من فيه كما ... يخرج الجوهر من بطن الصدف
ولبعضهم:
والنحو حقًّا ختان الألسن ... من لا يعرفه كمن لم يختَن
فاصرف فيه نفائس الزمن ... تكن حقًّا فائقًا في كل الفَنَن
قال السنوسي: (وأمَّا التصحيفُ: فسبيلُ السلامة منه الأَخْذُ من أفواه أهل العلم والضَّبْط، واختُلِفَ إِذا وَقَعَ في الرواية لَحْنٌ أو تحريفٌ:
فذهَبَ ابنُ سيرين وأبو معمر بن سَخْبَرة إِلى أنه يرويه على الخطإ كما سمعه، وهذا غُلُوٌّ في مَنع الرواية بالمعنى.
وذَهَبَ الأوزاعيُّ وابنُ المبارك وغيرُهما من المُحَصِّلين إِلى أنه إِنما يرويه على الصواب، وهو لازمٌ على مذهب رواية الحديث بالمعنى، وقد سَبَقَ أنه قولُ الأكثرين.
وأمَّا تغييرُ ذلك وإِصلاحُه في الكتاب: فالصوابُ تَرْكُه وتقريرُ ما وَقَعَ في الأصل على ما هو عليه مع التضبيبِ عليه وبيانِ الصواب خارجًا في الحاشية؛ فإِنَّ ذلك أجمعُ للمصلحة، وأَنْفى للمفسدة، وقد رُوينا: أَنَّ بعض أصحاب الحديث رُئِيَ في المنام وكأنه قد مَرَّ من شفتيه أو لسانهٍ شيءٌ، فقيل له في ذلك، فقال: لفظة من حديث رسول الله ﷺ غيَّرْتُها برأيي ففُعِلَ بي هذا.
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الشيوخ مَنْ جَسَرَ على تغييرِ الكُتُبِ وإِصلاحِها، وعن أحمد بن حنبل الفرقُ بينَ اللَّحْنِ الفاحشِ فيُصْلَحُ، وبينَ غيرِه فلا، والصوابُ الأولُ، وأنه لا تُصْلَحُ الكُتُبُ ولو كان لَحْنًا في القرآن) اهـ (١).
***
стр. 178
(٣) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمعَ
[٧]- (٥) وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
ــ
(٣) باب النَّهْيِ عن الحديثِ بكُلِّ ما سَمعَ
أي: بابٌ في ذِكْر الحديث الذي يَدُلُّ على النَّهْيِ والزَّجْرِ عن الحديثِ والروايةِ بكُلِّ ما سَمِعَ عن الناس من قبل أن يفحصَ ويبحثَ ويتثبَّتَ فيه ويستيقِنَ صِدْقَه، ثُمَّ استدلَّ المؤلِّفُ على الترجمة بقوله:
[٧] (٥) (وحَدَّثنَا عُبَيدُ اللهِ بن مُعَاذِ) بن معاذ بن نَصْر بن حسّان (العَنْبَرِيُّ) نسبة إِلى عَنْبَر بطن من تميم، أبو عَمْرو البصري الحافظ.
روى عن أبيه: معاذِ بن معاذٍ ومُعْتَمِر بن سُلَيمان، ويروي عنه (م د) وحَمَّاد بن حُمَيد و (خ س) بواسطةٍ، قال أبو داود: كان يحفظُ نحو عشرة آلاف حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين، ورَجَّحَ ابنُ مَعِين أخاه المُثَنَّى عليه.
قال: (حَدَّثنَا أبي) معاذُ بن معاذ التميميُّ العَنْبري أبو المُثَنَّى البصري الحافظ قاضي البصرة.
روى عن سُلَيمان التيمي وحُمَيد وابن عَوْن وشُعْبة وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ المَدِيني وغيرُهم، قال القطَّانُ: ما بالبصرةِ ولا بالكوفةِ ولا بالحجاز أَثْبَتُ مِنْ معاذ بن معاذ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ستّ وتسعين ومائة.
(ح وحَدَّثنَا) أي: حَوَّل المؤلِّفُ السَّنَدَ وقال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا (مُحَمَّدُ بن المُثنَّى) بن عبيد بن قيس العنزي -بفتح النون وبالزاي- أبو موسى البصري.
стр. 179
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) كلما مَرَّ.
وفائدةُ هذا التحويل: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأنَّ عُبَيدَ اللهِ بنَ معاذِ ومُحَمَّدَ بنَ المُثنَّى كليهما ثقتان.
قال ابنُ المثنّى: (حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيِّ) بن حَسَّان الأَزْدِي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإِمام العَلَم.
روى عن عكرمة بن عَمَّار وشُعْبة والثَّوْري ومالك وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابن المبارك وأحمد وابن مَعِين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظٌ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة عن ثلاثِ وستين سنة، وكان يَحُجُّ كُلَّ سنة.
(قالا) أي: قال معاذُ بن معاذ العنبريُّ وعبدُ الرحمنِ بن مهدي: (حَدَّثَنَا شُعْبةُ) ابنُ الحَجَّاج بن الورد العتكي البصري كلما مَرَّ (عن خُبَيبِ) بضمِّ الخاء مصغّرًا (بنِ عبد الرحمنِ) بن خُبَيب بن يَسَاف -بفتح أوله وثانيه مُخَفّفًا- الأنصاري أبي الحارث المدني.
روى عن أبيه وعَمَّتِه أُنَيسَة ولها صحبةٌ، ويروي عنه (ع) وشُعْبَةُ وعبدُ الله وعبيدُ الله ابنا عُمر بن حفص بن عاصم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وليس في مسلمٍ من اسمه "خُبَيب" إلا هذا الثقة، وليس خُبَيب بالمعجمة في "الصحيحين" إِلا ثلاثة: هذا، وخُبَيب بن عَدِيّ، وأبو خُبَيب كُنْيَةُ عبد الله بن الزُّبير (١).
(عن حَفْصِ بنِ عاصِمِ) بن عُمر بن الخطَّاب العَدَوي المدني.
روى عن أبيه وأبي هريرة وعَمِّه عبد الله بن عُمر، ويروي عنه (ع) وبنوه: عُمر ورباح وعيسى، وخُبَيب بن عبد الرحمن، وثقه النسائيُّ وغيره.
стр. 180
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُل مَا سَمعَ".
[٨] وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
وقال في "التقريب، : ثقةٌ من الثالثة.
(قال) حفصُ بن عاصم -وهو تابعيُّ-: (قال رسولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا ... ) الحديث، ففي هذا السَّنَدِ إِرسالٌ؛ أي: إسقاطُ الصحابيِّ الذي روى الحديثَ وهو أبو هريرة ﵁، ولكنه موصولٌ بَوجْهٍ آخر، ورجالُه كُلُّهم ثِقاتٌ، كُلُّهم بصريون إلا خُبَيب بن عبد الرحمن وحفص بن عاصم فهما مدنيان.
أي: كفى المرء والشخص من جهة الكذب (أَنْ يُحَدِّثَ) ويَرْويَ (بكُلِّ ما سَمعَ") قبل أنْ يَتَثَبَّتَ فيه ويَسْتَيقِنَ.
ثم ذكرَ المؤلِّفُ لهذا الحديث طريقًا آخرَ موصولًا فقال:
[٨] (وحَدَّثنَا أبو بكرِ) عبدُ اللهِ بن محمد (بن أبي شَيبةَ) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن حَفْصٍ) المدائني أبو الحَسَن البغدادي.
روى عن حَرِيز بن عثمان وشُعْبة، ويروي عنه (م د ت س) وأبو خيثمة وأحمد. وَثَّقَه ابنُ المَدِيني وغيره.
وقال في "التقريب": صَدُوقٌ من التاسعة.
قال: (حَدَّثَنَا شُعْبهُّ) بن الحَجَّاج بن الورد العتكي الواسطيّ (عن خُبَيبِ بنِ عبد الرحمنِ) المدني (عن حَفْصِ بنِ عاصِمِ) بن عُمر المدني (عن أبي هُرَيرَةَ) ﵁ (عن النبيِّ ﷺ .
ومن لطيفة هذا السَّنَدِ: أَنَّ فيه روايةَ كوفي عن بغدادي عن كوفي عن المدنيين، وكِلا السَّنَدَينِ من السداسيات.
стр. 181
بِمِثْلِ ذَلِكَ
ــ
والجارُّ والمجرورُ في قوله: (بمِثْلِ ذلك) متعلِّقٌ بـ (حَدَّثَنَا) عليُّ بن حفص)؛ لأنه العامل في المتابِع؛ أي: حَدَّثَنَا عليُّ بن حَفْصٍ عن شعبة بمِثْلِ ما حَدَّثَ معاذٌ العنبريُّ وعبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيٍّ عنه.
وغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا السَّنَدِ الأخيرِ: بيانُ متابعة حفص بن علي لمعاذٍ وعبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن شُعْبة، فالمتابعةُ تامَّة، وفائدتُها: بيانُ كثرةِ طُرُقِه؛ لأنَّ السَّنَدَ الأولَ أَصَحُّ لكَوْنِ رجالِه كُلِّهم ثِقَات وإِنْ كان فيه إِرسالٌ من هذا السَّنَدِ الأخيرِ، لأنًه ليس كُلُّ رجالِه ثِقات؛ لأنَّ فيهم صدوقًا وهو عليُّ بن حفص، ولقُوَّةِ السند الأول قَدَّمَه على الثاني مع كونه مُتَّصلًا، ولا يَضُرُّ الإِرسالُ فيه لوَصْلِه بوَجْهٍ آخَرَ كما مَرَّ.
وعبارة السنوسي هنا: (وأمَّا بَحْثُ الإِسنادِ: فقد وَقَعَ في الطريق الأول: "عن حفص عن النبي ﷺ " مرسلًا؛ فإِنَّ حفصًا تابعيٌّ، وفي الطريق الثاني: "عن حفص عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "، فالطريقُ الأولُ: رواهُ مسلم من رواية ابن معاذ وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن شعبة، وكذا رواه غُنْدَرٌ عن شعبة فأَرْسَلَه، والطريقُ الثاني: عن علي بن حفص عن شُعْبة، وإذا ثَبَتَ أنه رُويَ مُتَّصِلًا ومُرْسَلًا .. فالعملُ على أنه مُتَّصِلٌ، هذا هو الصحيح، ولا يَضُرُّ كونُ الأكثرين أرسلوه؛ فإِنَّ الوصلَ زيادةٌ من ثقةٍ فيُقبل، وأمَّا قولُه في الطريق الثاني: "بمِثْلِ ذلك": فهي رواية صحيحة.
واختلفوا إِذا أراد السامعُ أن يروي المتنَ بالإِسناد الثاني مقتصِرًا عليه، قال النوويُّ (١): "الأظهرُ مَنْعُه، وهو قولُ شُعْبة، وقال سفيان الثَّوْريُّ: يجوزُ بشَرْطِ أن يكون الشيخُ المُحَدِّثُ ضابطًا متحفظًا مميِّزًا بين الألفاظ، وقال يحيى بن مَعِين: يجوز في قوله: "مثله" ولا يجوز في "نحوه"، قال الخطيبُ البغداديُّ: وهذا قاله ابنُ مَعِينٍ بناءً على مَنع الرواية بالمعنى، وأمَّا على جوازها .. فلا فَرْقَ.
وكان جماعة من العلماء يحتاطون في مِثْلِ هذا، فإِذا أرادوا روايةَ مِثْلِ هذا ..
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أوْرَدَ أحدُهم الإِسنادَ الثانيَ ثم يقول: مِثْل حديث قبله متنه كذا، ثم يسوقه، واختار الخطيبُ هذا ولا شَكَّ في حُسْنِه.
أمَّا إِذا ذَكَرَ الإِسنادَ وطَرَفًا من المتن، ثم قال: وذكر الحديث، أو قال: الحديث أو ما أَشْبَهَه، فأرادَ السامعُ أن يرويَ عنه الحديثَ بكَمالِه .. فطريقُه: أن يَقْتَصِرَ على ما ذَكَرَه الشيخُ، ثم يقول: والحديث بطوله كذا ... ويسوقه إِلى آخره، فإِنْ أرادَ أنْ يَرْويه مطلقًا ولا يفعل ما ذَكَرْنَاه .. فهو أوْلَى بالمَنْعِ ممَّا سبق في مثله ونحوه، وممن نَصَّ على مَنْعِه الأستاذُ أبو إِسحاق الإِسفراييني الشافعيُّ، وأجازَه أبو بكر الإِسماعيليُّ بشَرْطِ أن يكون السامعُ والمستمعُ عارفَينِ ذلك الحديث") اهـ من السنوسي (١).
وعبارةُ القرطبي: (قولُه ﷺ : "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ"، هذا الحديث رواه مسلمٌ من طريقين:
أحدهما: طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شُعْبة عن خُبَيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا ... " الحديث مرسلًا عن حفصِ ولم يذكر أبا هريرة، هكذا وَقَعَ عند كافة رواة "كتاب مسلم"، ووَقَعَ عند أبي العباس الرازيِّ وحدَه في هذا الإِسناد: عن أبي هريرة، فأَسْنَدَه وهو ثِقَةٌ.
ثم أَرْدَفَ مسلمٌ الطريقَ الآخَرَ: عن علي بن حفص المدائني عن شُعْبة عن خُبَيب عن حفص عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ مِثْله.
قال عليُّ بن عُمر الدَّارقُطْنِي: والصوابُ المرسلُ) (٢) يعني عن شعبة كما رواه معاذٌ وابنُ مهدي وغُنْدَر (٣).
стр. 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال النوويُّ: (وقد رواه أبو داود في "سننه" (١) أيضًا مرسلًا ومتصلًا، فرواه مرسلًا عن حفص بن عُمر النَّمَري عن شعبة، ورواه متّصلًا من رواية علي بن حفص (٢)، وإِذا ثَبَتَ أنه رُوي متَّصلًا ومُرْسلًا .. فالعملُ على أنه متَّصل، هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاءُ وأصحابُ الأُصولِ وجماعةٌ من أهل الحديث، ولا يَضُرُّ كونُ الأكثرينَ رَوَوْه مرسَلًا؛ فإِنَّ الوَصْلَ زيادةٌ من ثِقَةٍ وهي مقبولة) اهـ (٣).
وأمَّا بَحْثُ المتن: فقد قال القرطبي: (الباءُ في قوله: "بالمَرْءِ" زائدةٌ هنا في المفعول، وفاعلُ "كَفَى": "أنْ يُحَدِّثَ"، وقد تُزَادُ هذه الباءُ في فاعل "كَفَى" كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ "وكَذِبًا" "وشهيدًا": منصوبان على التمييز.
ومعنى الحديثِ: أَنَّ مَنْ حَدَّثَ بكُل ما سَمعَ .. حَصَلَ لَهُ الحَظُّ الكافي من الكذب؛ فإِنَّ الإنسانَ يَسْمَعُ الغثَّ والسَّمِينَ، والصحيحَ والسَّقِيمَ، فإِذا حَدَّثَ بكُلِّ ذلك .. حَدَّثَ بالسَّقِيم وبالكَذِب، ثم يُحْمَل عنه فيكذبُ في نفسه أو يُكَذَّبُ بسببه، ولهذا: أشارَ مالكٌ بقوله: "ليس يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بكُلِّ مَا سَمِعَ، ولا يكون إِمامًا أبدًا وهو يُحَدِّثُ بكُلِّ ما سَمعَ" أي: إِذا وُجدَ الكذبُ في روايته .. لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحَةً فيه، فلا يصلح ليقتدي بهَ أحدٌ ولو كان عالمًا، فلو بَيَّنَ الصحيح من السقيم، والصادق من الكاذب .. سَلِمَ من ذلك، وتَفَصَّى عن عهدة ما يجبُ عليه من النصيحة الدينية) اهـ (٤).
وقال السنوسي: (وإِنما كان الحديثُ بكل ما سَمعَ كذِبًا؛ لأنه في العادة يكون فيه الصَّدْقُ والكَذِبُ، وما يتّفق نادرًا فيمَنْ حَفِظَ فلم يسمع إِلا الصِّدْقَ فغيرُ مُرادٍ
стр. 184
[٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأنَا هُشَيمٌ،
ــ
بالحديث، وإِنما خرج مخرجَ الغالب، وفيه دليلٌ للأشعرية على أَنَّ الكَذِبَ لا يُشترط في الاتّصاف باسمه العمدُ، إلا أنْ يُقال: لمَّا عَلِمَ المُحَدِّثُ بكُلِّ ما سَمِعَ أنه لا يكونُ كُلُّه صدْقًا بحسب العادة .. صارَ متعمِّدًا للكذب، فلا يكونُ إِذْ ذاك دليلًا للأشعرية، والله أعلم) اهـ (١).
قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى مستشهدًا بأَثَرِ عُمر ﵁:
[٩] (وحَدَّثنَا يحيى بن يحيى) بن بكر بن عبد الرحمن بن يحيى بن حَمَّاد التميمي الحَنْظَلي مولاهم، أبو زكريا النيسابوري الحافظ، أحدُ الأئمّة الأعلام.
روى عن مالك وسُلَيمان بن بلال وهُشَيم وغيرِهِم، ويروي عنه (خ م ت س) وأحمدُ بن الأزهر وسلمةُ بن شَبيب وغيرُهم، وَثَّقَه النسائيُّ.
وقال في "التقريب": ثقَةٌ ثَبْتٌ إِمامٌ، من العاشرة، مات سنة ست وعشرين ومائتين.
(أنبأنا) أي: أخبرنا (هُشَيمٌ) بضم الهاء مصغّرًا، ابن بَشِير -بوزن عَظِيم- ابن القاسم بن دينار السُّلَمي أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطي نزيل بغداد، الحافظ.
روى عن أبيه وخالِه القاسمِ بنِ مِهْران وسُلَيمان التَّيمِيّ وعاصم الأحول وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشعبةُ وأحمدُ والثَّوْرِيُّ ومالكُ بن أنسٍ وكلاهما كبرُ منه وابنُ المباركِ وخلائقُ، قال يعقوب الدَّوْرَقِيُّ: كان عند هُشَيمٍ عشرونَ ألفَ حديث، وقال العِجْلِيُّ: ثقةٌ يُدَلِّس.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ كثيرُ التدليسِ والإِرسالِ الخَفِيّ، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة وقد قارب الثمانين. وليس عندهم (هُشَيمٌ) إلا هذا.
وقال النووي: (اتَّفَقَ أهلُ عَصْرِه فمَنْ بعدَهم على جلالتِه وكثرةِ حفظه وإِتقانه
стр. 185
عَنْ سُلَيمَانَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ
ــ
وصيانته، وكان مُدَلِّسًا، وقد قال في روايته هنا: "عن سُلَيمان التيمي"، وقد قَدَّمْنا أَنَّ المُدَلِّسَ إِذا قال: "عن" لا يُحْتَجُّ به إِلا أنْ يَثْبُتَ سماعُه من جهةٍ أُخرى، وأَنَّ ما كان في "الصحيحين" من ذلك .. فمحمولٌ على ثُبوت سماعه من جهةٍ أخرى، وهذا منه) (١).
(عن سُلَيمَان) بنِ طَرْخان (التَّيمِيِّ) أي: المنسوب إِلى التَّيم؛ لأنه نَزَلَ فيهم فنُسِبَ إِليهم، أبي المُعْتَمِر البصري، أَحَدِ سادة التابعين عِلْمًا وعَمَلًا.
روى عن أنسٍ وأبي عثمان التهْدِفي وطاوس وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وابنُه المُعْتَمِرُ وشُعْبةُ وابنُ المباركِ وغيرُهم.
قال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ، من الرابعة، مات سنة، ثلاثٍ وأربعين ومائة، عن سبعٍ وتسعين سنة، وقال ابنُ المَدِيني: له نحو مئتي حديث، وقال شُعْبة: وكان سُلَيمانُ التَيمِيُّ إِذا حَدَّث .. تَغَيَّرَ لونُه، وقال ابنُ سَعْدٍ: ثقةٌ كثيرُ الحديثِ يُصَلِّي الليلَ كُلَّه بوضوء العشاء الآخرة.
(عن أبي عثمانَ) عبد الرحمنِ بنِ ملّ -بتثليث الميم وتشديد اللام على الأحوال الثلاثة- ابن عَمْرو بن عدي (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء، منسوب إِلى جَدٍّ من أجداده وهو: نَهْدُ بن زيدِ ... بن قُضاعة كما في "اللباب" (٣/ ٣٣٦).
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ عابدٌ، من كبار الثانية، من كبارِ التابعين وفُضَلائِهم، مشهورٌ بكُنْيته، مُخَضْرَمٌ أَسْلَمَ على عهدِ النبي ﷺ ولم يَلْقَهُ، كوفي بصري، كان بالكوفة مستوطنًا بها، فلمَّا قُتِلَ الحُسَينُ ﵁ .. تَحَوَّل منها إِلى البصرة، وقال: لا أَسْكُنُ بلدًا قُتل فيه ابنُ بنتِ النبي ﷺ ، مات سنة خمس وتسعين أو بعدها، وله أكثرُ من مائة وثلاثين سنة.
ورجال هذا السَّندِ كُلُّهم ثِقاث، ففيه رِوايةُ نيسابوري عن واسطي عن بصريَّين، وهو من رُباعياته.
стр. 186
قَال: قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ
ــ
(قال) أبو عثمان النَّهْدِي: (قال عُمَرُ بن الخَطَّابِ ﵁ ابن نُفَيل بن عبد العُزَّى العَدَويّ أبو حفص المدني، أحدُ فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحدُ العشرةِ المشهودِ لهم بالجَنَّة، وأولُ مَنْ سُمِّي أميرَ المؤمنين، جَمُّ المناقب، له خمسُمائة وتسعةٌ وثلاثون حديثًا، يروي عنه (ع) وأبناؤه: عبدُ الله وعُبَيدُ الله وعاصمٌ، وعلقمةُ بن وَقاص، أَسْلَمَ بعد أربعين رجلًا، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ووَلِيَ الخلافةَ عشر سنين ونصفًا، ودُفن في الحجرة النبوية ﵁.
(بحَسْبِ المَرْءِ): أي كافي المرءِ (من) جهة (الكَذِبِ أنْ يُحَدِّثَ) ويَرْويَ (بكُل مَا سَمعَ) قبل أن يَتَبَيَّنَ فيه ويَسْتَيقِنَ.
قال السنوسي: (وقولُه: "بحَسْب المَرْءِ" بإِسكان السين وهو مبتدأ، والباءُ زائدةٌ، ومعناه: يَكْفِيه ذلك من الكذب؛ فإِنه قد استكثرَ منه، وقريبٌ منه: "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ" أي: كَفَى المرءَ من الكذب حديثُه بكُلِّ ما سَمِعَ؛ أي: فقد أخَذَ من الكذب حظًّا وافرًا، فالظاهرُ أَنَّ الباءَ زائدةٌ على المفعول، و"أن يُحَدِّثَ": فاعلُ كَفَى، و"كذبًا": تمييز، والله أعلم) (١).
قال النوويُّ: (وأمَّا معنى الحديث والآثار التي في البابِ: ففيها الزّجْرُ عن التحديث بكُلِّ ما سَمعَ الإِنسان؛ فإِنه يسمعُ في العادة الصِّدْقَ والكَذِبَ، فإِذا حَدثَ بكُلِّ ما سَمِعَ .. فقد كَذَبَ؛ لإِخباره بما لم يَكُنْ، وقد تَقَدَّمَ أَنَّ مذهبَ أهلِ الحقِّ: أَنَّ الكَذِبَ هو الإِخبارُ عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يُشْتَرَطُ فيه التعمُّدُ، لكن التعمد شرْطٌ في كَونِه آثِمًا، والله أعلم) (٢).
ثم استشهد المؤلِّفُ ثانيًا بأثَرِ عبد الله بن مسعود ﵁ فقال:
стр. 187
[١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
ــ
[١٠] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المُثَنَّى) العنزي أبو موسى البصريُّ، (قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ) بن مَهْدِيٍّ الأزدي أبو سعيدٍ البصريُّ.
(قال: حَدَّثَنَا سفيانُ) بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِيُّ، أبو عبد الله الكوفي، أحدُ الأئمَّة الأعلام.
روى عن زياد بن عِلاقة وحبيب بن أبي ثابت والأسود بن قيس وخلائق، ويروي عنه (ع) والأعمشُ وابنُ عجلان وكلاهما من شيوخه وشعبةُ -وهو من أقرانه- ومالكٌ وخَلْقٌ.
قيل: رُويَ عنه عشرون ألفَ حديث، قال ابنُ المبارك: ما كتبتُ عن أفضلَ من سفيان، وقال العِجْليُّ: كان لا يَسْمَعُ شيئًا إِلَّا حَفِظَه، وقال الخطيب: كان الثوْرِيُّ إِمامًا من أئمَّة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدِّين، مُجْمَعًا على إِمامتِه مع الإِتقانِ والضبْطِ والحِفْظِ والمعرفةِ والزُّهْدِ والوَرَع.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فقيةٌ عابدٌ إِمامُ حُجَّةٌ، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دَلَّسَ، مات سنة إِحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.
فائدة:
وإِذا أَطْلَقَ الإِمامُ مسلمٌ (سفيانَ) في "صحيحه" ولم ينسبْه .. فالعلامةُ التي تعرف بها أنه الثَّوْريُّ أو ابنُ عُيَينَة: إِذا ذَكَره ثانيًا في السَّنَد أو جنب الزُّهْرِي .. فهو ابنُ عُيَينة، وإِذا ذَكَرَهَ ثالثًا في السند أو روى عنه وَكِيعٌ .. فهو الثوْرِيُّ، وهذه القاعدة بالنَّظَرِ إِلى الغالب.
(عن أبي إسحاقَ) السَّبيعي -بفتح السين- نِسْبة إِلى سَبِيع من هَمْدان، عَمْرو بن عبد الله الهَمْداني الكوفي، أَحدِ أَعْلام التابعين.
стр. 188
عَنْ أَبي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ــ
روى عن جَرِير بن عبد الله البجلي وجابر بن سَمُرة وزيد بن أَرْقَم الخزرجي وابن عَبَّاس وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابنُه يونس وحفيدُه إِسرائيل وقتادة وسُلَيمان التَّيمِي وشُعْبة والسُّفْيانان وخَلْق، وهو كالزُّهْري في كثرة الأصحاب، غزا مَرَّات، وكان صَوَّامًا قوَّامًا، وكان يقرأُ في ثلاث ليال.
وقال في "التقريب": مكثرٌ ثقةٌ عابدٌ، من الثالثة، اختلط بأَخَرَةٍ، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك.
(عن أبي الأحوصِ) بالصاد المهملة، عوف بن مالك بن نَضْلَة -بفتح النون وسكون المعجمة- الجُشَمِيّ -بضمِّ الجيم وفتح الشين المعجمة- نسبة إِلى جُشَم من الأنصار، الكوفي مشهور بكُنْيته، لأبيه صحبة.
روى عن أبيه وأبي موسى، ويروي عنه (م عم) وأبو إِسحاق وعبد الملك بن عُمَير وخَلْق، وَثَّقَه ابنُ مَعِين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الثالثة، قتَلَتْه الخوارجُ في أيام ولاية الحَجَّاج على العراق.
وهذا السَّنَدُ من خماسياته اثنان بصريان وثلاثة كوفيون، ومن لطائفه: أنه رَوَى فيه تابعيٌّ عن تابعي.
(عن عبد الله) بن مسعود بن غَافِل -بمعجمة وفاء- ابن حبيب الهُذَلِيِّ أبي عبد الرحمن الكوفي، أَحَدِ السابقين الأولين إِلى الإِسلام، من كبار علماء الصحابة، صاحب النَّعْلَين، شَهِدَ بدرًا والمشاهد كُلها، له ثمانمائة حديثٍ وثمانية وأربعون حديثًا.
يروي عنه (ع) وخَلْقٌ من الصحابة، ومن التابعين: علقمةُ ومسروقٌ والأسود، تَلَقَّنَ من النبي ﷺ سبعين سُورة، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، عن بضع وستين سنة.
والقاعدةُ: أَنَّ (عبد الله) إِذا أُطلق في الصحابي الذي يروي الحديث .. فهو ابن مسعود.
стр. 189
قَال: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمعَ.
[١١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، قَال: أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: قَال لِي مَالِكٌ: أعْلَمْ: أَنَّهُ لَيسَ
ــ
(قال) عبدُ الله الصحابيُّ الجليلُ: (بحَسْب المَرْءِ) أي: كَافِيه (من) جهة (الكَذِبِ) والافتراءِ (أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمعَ) (١). تقدَّم البحثُ عنه في أَثَر عُمر ﵁.
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثالثًا بأَثَرِ مالكِ بنِ أنسٍ رحمه الله تعالى فقال:
[١١] (وحَدَّثَنِي أبو الطَّاهِرِ أحمدُ بن عَمْرِو بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بن سَرْحٍ) بمهملات ثانيتها ساكنة، الأموي مولاهم، الفقيه المِصْري.
روى عن ابن عُيَينة والوليد بن مسلم ووَكِيع والشافعي وخَلْق، ويروي عنه (م د س ق) وزكريا بن يحيى السَّاجِي وابنُ أبي داود. قال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومائتين.
(قال) أبو الطاهر: (أنا) أي: أخبرنا عبدُ اللهِ (بن وَهْبِ) بن مُسلم القُرَشي مولاهم، أبو محمد المِصْري الفقيه، أحدُ الأئمَّة.
روى عن يونس بن يَزِيد وحَيوَة بن شُريح ومالك والثَّوْري وخلق، ويروي عنه (ع) والليث -شيخُه- وابن مهدي وسعيد بن منصور وخلق، قال أحمد: ما أَصَحَّ حديثه! وقال ابنُ مَعِين: ثقة، وقال أحمد بن صالح: حَدَّثَ بمائة ألف حديث.
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ عابدٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنان وسبعون سنة.
(قال) ابنُ وَهْبٍ: (قال لي مالكٌ) أي: ابنُ أنسٍ، الإِمامُ الأعظمُ المَدَنِيُّ: (اعْلَمْ) يا عبد الله (أنَّه) أي: أَنَّ الشأنَ والحال (ليس) الشأن، فاسمُها ضميرُ
стр. 190
يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
[١٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُول: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ
ــ
الشأن أيضًا، ويحتمل كونها بمعنى لا النافية؛ أي: اعْلَمْ أَنَّه لا (يَسْلَمُ) عن الخطإ (رجلٌ) أي: شخصٌ (حَدَّثَ) أي: يُحَدِّثُ كما في الأَثَرَينِ قبلَه (بكُلِّ ما سَمِعَ) من الناس؛ أي: لا يَسْلَمُ من الكذب في العادة (ولا يكونُ) ذلك الرجلُ (إمامًا) أي: مُقْتَدًى به (أبدًا) أي: في جميع أحواله في عِلْمِه ولا في عَمَلِه؛ أي: لا يُقْتَدى به في أقوالِه ولا في أفعالِه (وهو يُحَدِّثُ) أي: والحالُ أَنَّهُ يُحَدِّثُ ويَنْقُلُ ويُخْبِرُ (بكُل ما سَمعَ) قبلَ تمييز صحيحهِ من سقيمهِ وصِدْقِه من كَذِبه؛ لأن النُّقَّادَ يَطَّلِعُون على خَطَئِه فيتركون الاعتمادَ عليه فتسقط إِمامتُه (١).
قال النوويُّ: (معنى هذا الكلام: أنه إِذا حَدَّثَ بكُل ما سَمِعَ .. كَثُرَ الخطأُ في روايته، فتُرِكَ الاعتمادُ عليه والأَخْذُ منه) اهـ (٢).
وقال القرطبيُّ: (إذا وُجدَ الكذبُ في روايته .. لم يُوثَقْ بحديثه، وكان ذلك جَرْحَةً فيه، فلا يصلح لِيَقْتَدِي به أحَدٌ ولو كان عالمًا، فلو بيَّنَ الصحيحَ من السقيمِ والصادقَ من الكاذبِ .. سَلِمَ من ذلك، وتَفَصَّى عن عُهْدَةِ ما يَجِبُ عليه من النصيحة الدينية) اهـ (٣).
ورجالُ هذا الأَثَرِ اثنان كلاهما مصريان ثقتان.
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى رابعًا بأَثَرِ عبد الرحمن بن مهدي فقال:
[١٢] (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المُثَنَّى) العَنَزي أبو موسى البصري.
(قال) ابنُ المُثَنَّى: (سَمِعْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ مَهْدِيٍّ) الأزدي البصري حالة كونه (يقولُ) أي: عبد الرحمن: (لا يكونُ الرجلُ) أي: الشخصُ (إمامًا) أي: مُؤْتَمًّا (يُقْتَدى به) ويتَّبَعُ في عِلْمِه وعَمَلِه (حتى يُمْسِكَ) نَفْسَه وَينزَجِرَ (عن) تحديث وإِخبار (بعضِ ما سَمِعـ) ـه من الناس، ممَّا لم يَتَيَقَّنْ صِدْقَه وصِحَّتَه.
стр. 191
(٤) بَابُ التَّحْذِيرِ عَنْ أَنْ يُشَنَّعَ فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ يُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُه أَفْهَامُهُمْ .
[١٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَينٍ قَال: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاويَةَ
ــ
(٤) باب التحذير عن أن يشنع في الحديث وأن يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه أفهامهم
قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى:
[١٣] (وحَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) التميمي الحنظلي مولاهم، النيسابوري.
قال: (أنا) أي: أخبرنا (عُمَرُ بن عَلِيِّ بنِ) عطاءِ بنِ (مُقَدَّمِ) بوزن مُحَمَّدٍ الثقفيُّ المُقَدَّمِيُّ أبو حفص البصري.
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عُرْوة، ويروي عنه (ع) وابناه: محمدٌ وعاصمٌ، وقُتيبة، قال ابنُ سَعْد: ثقةٌ يُدَلِّسُ.
وقال في "التقريب": وكان يُدَلِّسُ شديدًا، من الثامنة، مات سنة تسعين ومائة، وقيل: بعدها.
(عن سفيانَ بنِ حُسَينِ) بن حسن، السُّلَمي مولى عبد الله بن خازم الواسطي أبي محمد أو أبي الحَسَن.
روى عن ابن سِيرين والحَكَم بن عُتَيبة والزُّهْري والحَسَن، ويروي عنه (من عم) وشُعْبة وعَبَّاد بن العَوَّام وهُشَيم وغيرُهم، وَثَّقَه ابنُ مَعِين والنَّسائيُّ، وقال ابنُ سعد: ثقةٌ يُخْطِئُ كثيرًا.
وقال في "التقريب": ثقةٌ في غير الزُّهْري باتفاقهم، من السابعة، مات بالرَّيِّ في خلافة المهدي، وقيل: في أول خلافة الرشيد.
(قال) سفيان: (سَأَلَنِي إِياسُ بن معاويةَ) بن قُرَّة بن إِياس المُزَني أبو وَاثِلة البصري القاضي المشهور بالذكاء، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، يروي عنه (خت من).
стр. 192
فَقَال: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرآنِ، فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً وَفَسِّرْ؛ حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ، قَال: فَفَعَلْتُ، فَقَال لِيَ: أحْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ؛
ــ
(فقال) إِياسٌ لي في سؤاله: (إِنّي أَرَاكَ) يا سفيانُ (قد كَلِفْتَ) وَوَلعْتَ وانْجَذَبْتَ (بعِلْمِ القرآنِ) قراءةً وتفسيرًا (فاقْرَأْ) يا سفيانُ (عَلَيَّ سُورَةً) واحدةً من القرآن (وفَسِّرْ) ها لي (حتى) أستمعَ منك قراءتَه و (أَنْظُرَ) بقلبي (فيما عَلِمْتَـ) ـه من معاني القرآن وفَهِمْتَه (١).
قال السنوسيُّ: (قوله: "كَلِفْتَ" وهو بفتح الكاف وكسر اللام وبالفاء، معناه: وَلِعْتَ به ولازَمْتَه، وقال بعضُهم (٢): الكلفُ: الإِيلاعُ بالشيء مع شغل قلبٍ ومشقة) (٣).
وفي "المفهم" (١/ ١١٧): ("كَلِفْتَ" هو بكسر اللام، من الكَلَف بالشيء بفتح اللام، وهو الولوعُ به والمحبّةُ له والاعتناءُ به وهكذا صَحتْ روايتُنا فيه، وقد رُويَ من طريق الطبري: "عَلِقْتَ" وهو من العلاقة وهي المحبّة").
(قال) سفيانُ: (فَفَعَلْتُ) بضم التاء ما أَمَرَني به إِياسٌ من القراءةِ عليه والتفسيرِ له.
قال سفيان: (فقال لي) إِياسٌ بعد ما قرأتُها عليه وفَسَّرْتُها له: (احْفَظْ عَلَيَّ) أي: اسْتَمعْ مني يا سفيان (ما أقولُـ) ـه (لك) من النصيحة، واقْبَلْه مني، واجْعَلْه محفوظًا عندك غيرَ مَنْسِيٍّ، وذلك المقولُ هو قولي لك: (إيَّاكَ والشَّنَاعَةَ في الحديثِ) و (إِيَّاكَ) منصوبٌ على التحذيرِ بعاملٍ محذوفٍ وجوبًا؛ لقيام العاطف مقامَه، تقديرُه: بَاعِدْ نفسَك يا سفيانُ عن الشَّنَاعَةِ والنكارةِ والوَضْعِ والاختلاق
стр. 193
فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إلا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ
ــ
والكذبِ في الحديثِ المَرْويِّ عن رسول الله ﷺ .
و(الشَّنَاعَةُ) بفتح الشين: هي البشاعةُ والقبحُ، والشَّناعةُ في الحديث: هو ما يُسْتَقْبَحُ ويُسْتَنْكَرُ منه، يُقال: شَنُعَ الشيءُ -بالضم- أي: قَبُحَ، فهو أَشْنَعُ وشَنِيعٌ، وشَنِعْتُ بالشيءِ -بكسر النون-: أَنْكَرْتُه، وشَنَّعْتُ على الرجل مشدّدًا: ذَكَرْتُه بقُبْحٍ، وشَنِعْتُ بالشيء بكسر النون مخفّفًا: أنكرتُه، وشَنُعَ الشيءُ بضمّها: قَبُحَ في نفسه (١).
قال النوويُّ: (ومعنى كلامه: أُحَذِّرُكَ يا سفيانُ أنْ تُحَدِّثَ بالأحاديثِ المنكرةِ التي يُشَنَّعُ بها على صاحبها، ويعَيَّبُ بها، ويُنْكَر ويُقَبَّحُ بها حالُ صاحبها فيُكذَّب أو يُسترابُ في روايته إِياها، فتَسْقُطُ منزلتُه عند الناس ويَذِلُّ في نفسه) اهـ (٢) بزيادة.
والحاصلُ: أنه حَذَّرَه ومَنَعَه عن رواية الأحاديثِ ذوات الشَّناعةِ والقَبَاحةِ والبَشَاعةِ.
(فإِنَّه) أي: فإِنَّ الشأنَ والحال (قَلَّمَا حَمَلَها أَحَدٌ) أي: قَلَّ حَمْلُ أحدٍ من الناس تلك الأحاديثَ الشنيعةَ القبيحةَ المنكرةَ (إلا ذَلَّ في نَفْسِهِ) أي: إلا صار ذليلًا حقيرًا وَضِيعًا في ذاتهِ عند الناس بعدم الإِصْغاءِ إِلى حديثه (وكُذِّبَ في حديثهِ) أي: نُسِبَ إِلى الكذب في روايته بأنْ يُقال: فلانٌ كَذَّابٌ لا يُسْمَعُ حديثُه ولا يُقْبَلُ ولا يُكْتَبُ، فالبعرةُ خيرٌ من حديثه.
قال السنوسيُّ: (قلتُ: وانْظُرْ هل هذا خاصٌّ بما لا يَعتقِد صحتَه، أو وإن اعتقدها إِذا كان يَرى أنه لا يُقبلُ منه ويُرَدُّ في وجهه؛ لأنه يَضَعُ من نفسه بغير فائدة؟ والثاني أظهرُ، ويَدُلُّ عليه أَثَرُ ابنِ مسعودٍ المذكورُ بعدَه، والله أعلم) اهـ (٣).
стр. 194
[١٤] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَنَا ابْنُ وَهْبِ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
ــ
واعْلَمْ: أَنَّ دِلالةَ هذا الأَثَرِ على الترجمة المذكورة في هذه النسخة ظاهرةٌ؛ لأنه دلَّ عليها بمنطوقه، وأمَّا دلالتُه على الترجمة السابقة المذكورة في أكثر نسخ المتن والشُّرَّاحٍ .. فغَيرُ ظاهرة، كما أَنَّ أَثَرَ ابنِ مسعودِ الآتيَ لا يَدُلُّ عليها، فقد ظَهَرَ ممَّا ذَكَرْنَا أَنَّ ترجمةَ هذَينِ الأَثَرَينِ محذوفةٌ في أكثرِ النُّسَخِ، فتَدَبَّرْ.
ثُمَّ ذَكَرَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى أَثَرَ ابنِ مسعودٍ استدلالًا على الجزء الأخير من الترجمة المذكورة في نسختها فقال:
[١٤] (وحدَّثَنِي أبو الطَّاهِرِ) أحمدُ بن عَمْرِو بنِ سَرْح الأمويُّ المصريُّ (وحَرْمَلَةُ بن يحيى) بنِ عبد الله بن حَرْمَلة بن عمران التُّجِيبي أبو حفص المِصْريُّ، صاحبُ الشافعيِّ وتلميذُه.
روى عن ابنِ وَهْبِ نَحوَ مئةِ ألف حديثٍ ومُؤمَّلِ بنِ إِسماعيل.
ويروي عنه (م س ق) وحفيدُه أحمدُ بن طاهر والحَسَن بن سفيان وغيرُهم.
وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وأربعين ومائتين.
(قالا) أي: قال أحمدُ بن عَمْرٍو وحرملةُ بن يحيى: (أنا) أي: أخبرنا عبدُ اللهِ (ابنُ وَهْبِ) بن مُسلم القُرَشي الفِهْري مولاهم، المِصْري، أَحَدُ الأئمَّة الأعلام (قال: أخبرني يونسُ) بن يَزِيد بن أبي النِّجَاد -بكسر النون- الأيلي -بفتح الهمزة وسكون التحتية بعدها لام- أبو يَزِيد الأموي مولى معاوية بن أبي سفيان، وفي (يونس) سِتُّ لُغَاتٍ: ضمُّ النونِ وكَسْرُها وفتحُها مع الهَمْزِ وتَرْكِه، وكذلك في (يوسف) اللغات الستُّ (١).
روى عن عكرمة والقاسم ونافع وهشام بن عُرْوة وغيرِهم، ويروي عنه (ع)
стр. 195
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَال: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ .. إلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً
ــ
وجَرِيرٌ وعَمْرُو بن الحارث واللَّيثُ والأوزاعيُّ وسُلَيمانُ بن بلالٍ وابنُ وَهْبٍ وعِدَّةٌ، وَثَّقَه النَّسائيُّ وغيرُه.
وقال في "التقريب": ثقةٌ إلا أَنَّ في روايته عن الزُّهْرِيِّ وَهما قليلًا وفي غير الزُّهْري خطأَ، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومائة على الصحيح، وقيل: سنة ستين.
(عن) محمد بن مسلم (ابنِ شِهاب) الزُّهْرِي المدني (عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبد اللهِ بن عُتْبَةَ) بن مسعود الهُذَلي، أبي عبد الله المدني الأعمى الفقيه، أَحَدِ الفقهاء السبعة.
روى عن عُمَرَ وابنِ مسعودٍ مرسلًا، وعن أبيه وعائشة، ويروي عنه (ع) وأخوه عون وعِراكُ بن مالكٍ والزُّهْرِيُّ وأبو الزِّناد وخَلْقٌ، قال أبو زُرْعَة: ثقةٌ مأمونٌ إِمامٌ، وقال العِجْلِيُّ: كان جامعًا للعلم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ ثَبْتٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: غير ذلك.
(أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ) الهُذَلِيَّ الصحابيَّ الجليلَ أبا عبد الرحمن الكوفيَّ (قال: ما أنتَ) أيَّها المخاطَبُ المرشدُ (بمُحَدِّثٍ) أي: بمُخْبِرٍ (قومًا) ضُعَفَاءَ الفَهْمِ والعَقْلِ (حديثًا لا تَبْلُغُهُ) ولا تُدْرِكُه (عُقُولُهم) وأَفْهَامُهم ( .. إلَّا كان) ذلك الحديثُ الذي عَجَزَتْ أَفْهَامُهم عن إِدراكهِ (لبعضِهم) أي: لبعضِ أولئك الأقوام (فتنةً) أي: سببَ فتنةٍ وضلالٍ وشِرْكٍ وحَيرَةٍ إِذا فَسَّرُوه بما ليس بمعناه.
وعبارةُ القرطبي هنا: (أي: حديثًا لا يفهمونه ولا يُدْركُون معناه، والفتنةُ هنا الضَّلالُ والحَيرَةُ -كما ضَلَّتِ النصارى بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ - وتُفَسَّرُ الفتنةُ في القرآن بمعانٍ متعددةٍ مختلفةٍ، وأصلُها: الامتحانُ والاختبارُ، ومنه قولُهم: فتنتُ
стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذهبَ بالنار، إِذا اختبرتَه بها، وهذا نحو ما رواه البُخَاريُّ من حديث علي ﵁: "حَدِّثُوا الناسَ بما يَعْرِفُون، أتحِبُّون أنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟ ! ") اهـ (١) منه بتصرف وزيادة.
وشارك المؤلِّف في رواية هذا الأثر: أبو داود (٤٩٩٢).
***
стр. 197
(٥) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا
[١٥] ٦ - (٦) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، قَال: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ،
ــ
(٥) باب النَّهْي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تَحَمُّلِها
أي: هذا بابٌ في الاستدلال على النَّهْيِ والزَّجْرِ عن الرواية ونَقْلِ الأحاديث عن الضعفاء المتروكين، والاحتياط والحَزْم في تَحَمُّلِها؛ أي: في تَحَمُّلِ الرواية بانْ لا يَتَحَمَّلها عمَّن لا يُعْرَفُ حالُه.
[١٥] (٦) (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ) بضمِّ النون مصغّرًا الهَمْدانيُّ أبو عبد الرحمن الكوفي، أَحَدُ الأئمة الأعلام (وزُهَير بنِ حَرْبِ) بن شَدَّاد الحرشيُّ أبو خيثمة الحافظ النَّسائيُّ، وفائدةُ المقارنةِ هنا: بيانُ كثرةِ طُرُقِه؛ لأنَّ الراويَينِ كلاهما حافظ.
(قالا) أي: مُحَمَّدٌ وزُهَيرٌ: (حَدَّثنَا عبدُ اللهِ بن يَزِيدَ) القصيرُ مولى آل عُمر، أبو عبد الرحمن المقرئ، نزيل مكة.
روى عن موسى بن عُلَيّ وحَيوَة بن شُرَيح، ويروي عنه (ع) وأحمد وإِسحاق وأبو خَيثَمة وخَلْق، وَثَّقَه النَّسائيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، أَقْرَأَ القرآنَ نيفًا وسبعين سنة، من التاسعة، وهو من كبار شيوخ البخاري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين وقد قارب المائة.
(قال: حَدَّثني سعيدُ بن أبي أيوبَ) واسمه: مِقْلاص بكسر الميم وسكون القاف وآخره صاد مهملة، الخُزَاعِيُّ مولاهم، المِصْري أبو يحيى.
روى عن جعفرِ بن ربيعة ويَزِيدَ بن أبي حَبِيب، ويروي عنه (ع) وابنُ جُرَيج -وهو أكبرُ منه- وابنُ وَهْب، وَثَّقَةُ ابنُ مَعِين.
وقال في "التقريب"؛ ثقةٌ ثَبْت، من السابعة، مات سنة إِحدى وستين ومائة، وقيل: غير ذلك.
стр. 198
قَال: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، عنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ .. فَإِيَّاكُمْ وَإيَّاهُمْ"
ــ
(قال: حَدَّثَنِي أبو هانئ) هو بهمز آخره، حُمَيدُ بن هانئ الخولانيُّ المِصريُّ.
روى عن عُلَيّ بن رَبَاح وعَمْرو بن مالك الْجَنبِيِّ وأبي عبد الرحمن الحُبُلي، ويروي عنه (م عم) وحَيوَةُ بن شُرَيح واللَّيثُ وابنُ وَهْبٍ وهو أكبرُ شيخٍ لابن وهب.
وقال في "التقريب": لا بأسَ به، من الخامسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة.
(عن أبي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ) المِصْريِّ أبي عثمان الطُنْبُذي -ويقال: الإِفريقي- مولى الأنصار، رَضِيع عبد الملك بن مروان، التابعي المُحَدِّث.
روى عن أبي هريرة وابنِ عُمر وسفيان بن وَهْب الخولاني، ويروي عنه (من دت ق) وبكرُ بن عَمْرٍو وحُمَيدُ بن هانئ وغيرُهم، وَثَّقَهُ ابنُ حِبَّان.
وقال في "التقريب": مقبولٌ من الرابعة.
(عن أبي هُرَيرَةَ) عبد الرحمنِ بنِ صَخْرٍ الدَّوْسيِّ المدنيِّ الصحابى الجليلِ المُكْثِرِ (عن رسولِ اللهِ ﷺ وهذا السَّنَدُ من سُداسياته، وفيه من لطائف الإِسنادِ: أَنَّ واحدًا منهم كوفيٌّ، وواحدًا منهم مكيٌّ، وثلاثةً مصريون.
(أنه) أي: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ (قال: "سيكونُ في آخِرِ) زمان (أُمَّتي أُنَاسٌ) دَجَّالون كَذَّابون (يُحَدِّثُونكُمْ) أي: يُخْبِرُونكم من الأحاديث (ما) أي: حديثًا (لم تَسْمَعُوا) أي: تسمعوه (أنتم) من آبائكم (ولا آباؤُكم) ممَّنْ قبلَهم.
والفاءُ في قوله: (فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ") للإِفصاح، و (إِيَّاكم): منصوبٌ على التحذير بعاملٍ محذوفٍ وجوبًا تقديرُه: إِذا سمعتم كلامي هذا وأردتُم بيانَ ما هو اللازمُ لكم .. فأقول لكم: بَاعِدُوا أنفسَكم عن سماع أحاديث أولئك الدجَّالين، واحْذَرُوهم؛ لئلَّا يفتنوكم بتلك الأكاذيبِ المختلقةِ والأباطيلِ الموضوعةِ عن دِينكم، ولازِمُوا سُنَّتي وسُنَّةَ خلفائي وعَضُّوا عليها بالنواجذ.
ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ لحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 199
[١٦] ٧ - (٧) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، قَال: حَدثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيحٍ:
ــ
[١٦] (٧) (وَحَدَّثَنِي حرملةُ بن يحيى بنِ عبد اللهِ بنِ حَرْمَلَةَ بنِ عِمْرَانَ التُّجِيبيُّ) قال النوويُّ: (هو بمثناة فوقية مضمومة على المشهور، وقال صاحب "المطالع" (١): بفتح أوله وضمّه، قال: وبالضمّ يقوله أصحابُ الحديث وكثيرٌ من الأدباء، قال: وبعضُهم لا يُجِيزُ فيه إلا الفتح (٢)، ويَزْعُمُ أَن التاءَ أصليةٌ، وفي باب التاء ذكره صاحب "العين" -يعني فتكون التاءُ أصليةً- إلا أنه قال: تُجيبُ وتَجُوبُ: قبيلة -يعني من كِنْدة- قال: وبالفتح قَيَّدْتُه على جماعةٍ من شيوخي وعلى ابن السَّرَّاجِ وغيرِه.
وكان ابنُ السيد البَطَلْيَوْسِيُّ يَذْهَبُ إِلى صحَّةِ الوجهين، هذا كلام صاحب "المطالع"، وقد ذَكَرَ ابنُ فارس في "المجمل": أَن تجوب قبيلة من كندة، وتُجيب -بالضمّ- بَطْنٌ لهم شَرَفٌ، قال: وليسَتِ التاءُ فيهما أصليةً، وهذا هو الصواب الذي لا يجوزُ غيرُه.
وأمَّا حُكْمُ صاحبِ "العين" بأَنَّ التاءَ أصليةٌ .. فخطأٌ ظاهرٌ، والله أعلم.
وكُنيَةُ حرملة هذا: أبو حفص، وقيل: أبو عبد الله، المِصْرِي، وهو صاحب الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي يروي عن الشافعي كتابَه المعروفَ في الفقه، والله أعلم) اهـ (٣).
(قال: حَدَّثنَا) عبدُ اللهِ (ابنُ وَهْبٍ) المصريُّ الحافظُ، (قال: حَدَّثَنِي أبو شُرَيحٍ) بضمِّ الشين المعجمة وآخرُه حاءٌ مهملة، عبدُ الرحمنِ بن شُرَيح بن عُبَيد الله المَعَافري -بفتح الميم والمهملة- الإسكندرانيُّ المِصْرِيُّ.
روى عن أبي هانئ وأبي الزُّبير، ويروي عنه (ع) وابنُ المبارك وعبدُ الرحمن بن القاسم، وَثَّقه أحمد.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من السابعة، مات سنة سبع وستين ومائة.
стр. 200
أَنَّهُ سَمعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ
ــ
(أنَّه سَمعَ شَرَاحِيلَ بن يَزِيدَ) بفتح الشين غير مصروف، المَعَافريَّ المصريَّ، صدوق، من السادسة، مات بعد العشرين ومائة، روى عنه (عخ مق د).
(يقولُ: أخبرني مُسْلِمُ بن يَسَارِ) المِصْريُّ التابعيُّ المُحَدِّثُ (أنَّه) أي: أَنَّ مسلمَ بنَ يَسَارٍ (سَمعَ أبا هُرَيرَةَ) ﵁ حالةَ كَوْنِه (يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يكونُ في آخِرِ الزمانِ" في أُمَّتي (دَجَّالونَ كَذَّابون).
و(الدجَّالون): جَمْعُ دَجَّال، وهو الذي يُمَوِّه الباطلَ ويُزَيِّنهُ لِيَسْتُرَ به الحقَّ ويعدمَه، ويُنْكِرَ الحقَّ أصلَّا، كالدجَّال في آخر الزمان.
قال النوويُّ: (قال ثعلبٌ: كُلُّ كَذَّابٍ فهو دجَّال، وقيل: الدجَّال المُمَوِّهُ، يُقال: دجل فلان إِذا موه، ودجل الحق بباطله إِذا غطاه، وحَكَى ابنُ فارسٍ هذا الثاني عن ثعلب أيضًا) (١).
و(الكَذَّابون): جمع كَذَّاب، وهو الذي غلب كَذِبُه على صِدْقِه وإِن لم يموه كذبه، فذِكْرُ الكذَّاب بعد الدجَّال من ذِكْر العامّ بعد الخاصّ.
وعبارةُ "المفهم" (١/ ١١٩): (الدجَّالُ: الكذَّابُ المُمَوِّهُ بكذبه الملبّس به، يُقال: دجل الحق بباطله؛ أي: غطّاه، ودجل؛ أي: مؤه وكذب به، وبه سُمِّي الكذّاب الأعور، وقيل: سُمِّي بذلك لضَرْبِه في الأرض وقَطْعِه نواحيَها، يُقال: دجُل الرجل -بالفتح والضمّ- إِذا فَعَلَ ذلك، حكاه ثعلبٌ) (٢).
(يَأتُونَكُمْ) ويُخبرونكم (من الأحاديثِ) الموضوعةِ والأكاذيبِ الباطلةِ المنسوبةِ عندهم إِلى النبي ﷺ ، وتسميتُها أحاديثَ بالنَّظَرِ إِلى زَعْمِهم، وإِلَّا .. فليستْ بأحاديثَ (بما لم تَسْمَعُوا أنتم) من آبائكم (ولا أباؤُكم) أي: وبما لم يَسْمَعْ آباؤكم عمَّن قبلهم.
стр. 201
فَإيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ"
ــ
قال السنوسيُّ: "قلتُ: وعلماءُ السُّوءِ والرُّهْبانُ على غير أصل سُنَّة، كُلُّهم داخلون في هذا المعنى، وما أكثرَهم في زماننا، نسألُ اللهَ السلامةَ من شَرِّ هذا الزمان، وشَرِّ أهله) اهـ (١)
وهذا من السَّنوسِيِّ في زمانه، فكيف في زماننا الذي صارَ فيه الحقُّ باطلًا، والباطلُ حقًّا، وصار النِّظامُ شرعًا، والشَّرْعُ مهجورًا؟ ! فإِنّا لله وإِنَّا إِليه راجعون، ويا مصيبة لا أبا حسن لها عَمَّت البلادَ وأسرت العباد؟ !
(فإِيَّاكم وإِيَّاهم) أي: فإذا رأيتموهم أيها المسلمون .. فبَاعِدُوا أنفسَكم عن مُجَالسَتِهم، وآذانَكم من سماع أباطيلهم المُمَوّهة، فإذا فَعَلْتُم ما أَمَرْتُكم به من مُجَانَبَتِهمِ ( .. لا يُضِلُّونَكُمْ) أي: لا يُضِلُّ أولئك الدَّجَّالون عَوَامَّكم؛ أي: لا يُوقِعُونَهم في الضَّلال والشِّرْك؛ لأنَّ العوامَّ يَقَعُون في الضَّلالِ بأقَلِّ شُبْهة (ولا يَفْتِنُونكُمْ") أي: لا يفتن أولئك الكَذَّابون خَوَاصَّكم وعلماءَكم بكثرةِ المجادلة والمنازعة، وإِيرادِ الشُّبهات والمُلبسات عليهم.
قال القرطبيُّ: (قوله: "لا يُضِلُّونَكُمْ ولا يَفْتِنُونَكُمْ" كذا صَحَّت الروايةُ فيه بإِثبات النون، والصوابُ حَذْفُها؛ لأنَّ ثُبُوتَها يقتضي أنْ تكونَ خبرًا عن نَفْيِ وُقُوعِ الإِضلال والفتنة، وهو نقيضُ المقصود، فإِذا حُذِفَت .. احْتَمَلَ حَذْفُها وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مجزومًا على جواب الأمر الذي تَضَمَّنَه "إِيَّاكُم"، فكأنه قال: أُحَذِّركم لا يُضِلُّوكم ولا يَفْتِنُوكم.
وثانيهما: أنْ يكونَ قولُه: "لا يُضِلُّوكم" نَهْيًا، ويكونَ ذلك من باب قولهم: لا أرينَّك ها هنا؛ أي: لا تتعَرَّضُوا لإِضْلالِهم ولا لِفِتْنَتِهم.
وهذا الحديثُ إِخبارٌ منه ﷺ بأنه سيُوجَدُ بعده كَذَّابون عليه، يُضِلُّون الناسَ بما يَضعُونه وَيخْتَلِقُونه، وقد وُجِدَ ذلك على نَحْو ما قاله ﷺ ، فكان هذا الحديثُ من دلائل صدقه.
стр. 202
[١٧] وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ،
ــ
ذَكَرَ أبو عُمر بن عبد البَرّ عن حَمَّاد بنِ زَيدٍ أنه قال: "وَضَعَت الزَّنَادِقَةُ على رسول الله ﷺ اثني عَشَرَ ألف حديثٍ بَثُّوهَا في الناس" (١).
وحُكِيَ عن بعض الوضَّاعِين أنه تاب فبكى وقال: أَنَّى لي بالتوبة وقد وَضَعْتُ اثني عشر ألف حديثٍ على رسول الله ﷺ ، كُلُّها يُعْمَلُ بها؟ !
وقد كَتَبَ أئمَّةُ الحديثِ كُتُبًا كثيرةً بيَّنُوا فيها كثيرًا من الأحاديثِ الموضوعةِ المنتشرةِ في الوجود، قد عَمِلَ بها كثيرٌ من الفقهاء الذين لا عِلْمَ عندهم برجال الحديث) اهـ من "المفهم" (١/ ١١٩).
وهذا السندُ الأخيرُ أيضًا من السُّداسيات، وفيه من لطائف الإِسنادِ: أَنَّ رجاله كُلَّهم مصريون إلا واحدًا فهو مَدَنِيٌّ.
فإِنْ قلتَ: ما غَرَضُ المؤلِّفِ بتكرار هذا الحديث مَتْنًا وسَنَدًا؛ قلتُ: كَرَّرَ المَتْنَ؛ لما في الرواية الثانية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، ولما فيها من الزيادة التي لا تُقْبَلُ ذِكْرُها مفصولةً عن أصل الحديث، وكَرَّرَ السَّنَدَ لغَرَضِ بيانِ متابعة شَرَاحِيلَ بنِ يَزِيدَ لأبي هانئ في رواية هذا الحديث عن مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ، وفائدةُ هذه المتابعة: تقويةُ السَّنَدِ الأولِ؛ لأن المُتَابِعَ الذي هو شَرَاحِيلُ بن يَزِيدَ صدوقٌ يُقوِّي المُتَابَعَ الذي هو أبو هانئ؛ لأنه قيل فيه: لا بأسَ به.
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ﵁ بأَثَرِ عبد الله بن مسعودٍ ﵁ فقال:
[١٧] (وحَدَّثَنِي أبو سعيدٍ) عبدُ اللهِ بن سعيدِ بن حُصَين مصغّرًا (الأشجُّ) بالشين المعجمة والجيم المشددة -أي: المُلَقَّبُ بالأَشَجِّ؛ لما في وجهه من الشَّجَّة؛ أي: الشَّينِ- الكِنْدِيُّ الكوفيُّ الحافظُ، أحدُ الأئمَّةِ الأعلام.
روى عن أبي خالدٍ الأحمرِ وابنِ إِدريس وهُشَيمٍ وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وابنُ أبي حاتم.
стр. 203
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين، وقال أبو حاتم: أبو سعيدِ الأَشَجُّ إِمامُ أهلِ زمانه.
(حَدَّثَنَا وَكِيعُ) بن الجَرَّاح بن مَلِيح -بوزن فَصِيح- الرُّؤَاسِيُّ أبو سفيان الكوفي الحافظ، أحدُ الأئمة الأعلام.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ستٍّ وأول سنة سبع وتسعين ومائة.
قال: (حَدَّثَنَا الأعمشُ) سُلَيمَانُ بن مِهْرِانَ الكاهليُّ مولاهم، أبو محمد الكوفي، أحدُ العلماء الحُفَّاظ والقُرَّاء، له نحْوُ ألفِ وثلاث مئةِ حديثٍ، قال العِجْلِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وقال النَّسائيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ وعَدَّه في المُدَلِّسين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءات وَرِعٌ لكنه يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة ثمانٍ وأربعين ومائة.
(عن المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ) الأسدي الكاهلي، أبي العلاء الكوفي الأعمى.
روى عن البراءِ بنِ عازبٍ وحارثةَ بنِ وهبٍ وجابرِ بنِ سَمُرة وغيرِهم ويروي عنه (ع) ومنصورٌ والأعمشُ وأبو إِسحاق السَّبيعيُّ وغيرُهم، قال العَوَّامُ بن حَوْشَبٍ: كان يختمُ القرآن في ثلاثٍ ثم يُصْبِحُ صائمًا.
وقال في "التقريب": ثقةٌ من الرابعة، مات سنة خمسٍ ومائة.
وقال النوويُّ رحمه الله تعالى: (وأمَّا "المُسَيَّبُ بن رافعٍ" .. فبفتح الياء بلا خلافٍ، كذا قال القاضي عِياضٌ في "المشارق" (١/ ٣٩٩) وصاحبُ "المطالع": أنه لا خلاف في فَتْح يائه، بخلاف سعيد بن المُسَيِّب؛ فإنهم اختلفوا في فَتْحِ يائه وكسرِها كما سيأتي في موضعه إِنْ شاء الله تعالى) (١).
(عن عامرِ بنِ عَبَدَةَ) بهاء في آخره وبفتح الباء وإِسكانها وجهان، أشهرُهما
стр. 204
قَال: قَال عَبْدُ اللهِ: إِنَّ الشَّيطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ،
ــ
وأَصَحُّهما: الفتح، قال القاضي عِيَاضٌ: (رُوّينا فتحَها عن عليِّ بنِ المَدِيني ويحيى بنِ مَعِينٍ وأبي مسلم المستملي، وهو الذي ذَكَرَه عبدُ الغَنيّ في "كتابه" (١)، وكذا رأيتُه في "تاريخ البخاري" (٦/ ٤٥٢) قال: ورُوِّينا الإِسكانَ عن أحمدَ بن حنبلٍ وغيرِه، وبالوجهين ذَكَرَه الدارقطنيُّ (٢) وابنُ ماكولا (٣)، والفتحُ أشهر.
قال القاضي: وأكثرُ الرُّواة يقولون: "عبدٌ" بغير هاء، والصوابُ إِثباتُها، وهو قولُ الحُفَّاظ: أحمد بن حنبل وعلي بن المَدِيني ويحيى بن مَعِين والدارقطني وعبد الغني بن سعيد وغيرهم، والله أعلم) اهـ (٤)
وفي "الخلاصة": (عامر بن عَبَدَة) بفتحات العجلي أبو إِياس الكوفي.
روى عن ابن مسعود، ويروي عنه (م) والمُسَيَّب بن رافع، وَثَّقَه ابنُ حِبَّان.
وقال في "التقريب": وَثَّقَه ابنُ مَعِين، من الثالثة.
(قال) عامرٌ: (قال عبدُ اللهِ) بن مسعودٍ الصحابيُّ الجليلُ صاحبُ النَّعْلَينِ الهُذَلِيُّ أبو عبد الرحمن الكوفي ﵁. وهذا الإِسنادُ من خُماسياته.
قال النوويُّ: (واجتمع فيه لطيفتان من لطائف الإِسناد: إِحداهما: أَنَّ إِسنادَه كوفيٌّ كلُّه، والثانية: أَنَّ فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضُهم عن بعض، وهُم: الأعمشُ والمُسَيَّبُ وعامرُ بن عَبَدَة، وهذه فائدةٌ نفيسةٌ، قَلَّ أن يَجْتَمعَ في إِسنادٍ هاتان اللطيفتان) (٥).
(إنَّ الشيطانَ) المُتَمرِّدَ العَاتِيَ (لَيَتَمَثَّلُ) أي: لَيَتَصَوَّرُ (في صُورَةِ الرجلِ) العالِمِ الحافظِ الواعظ الناصح، وفيه دلالة على أَن الشيطانَ قادرٌ على أنْ يَتَشَكَّلَ بأيِّ صُورةٍ
стр. 205
فَيَأتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ
ــ
شاءَ، حسنةً أو قبيحةً، (فيأتي القومَ) المُجْتَمِعِينَ في مجالس الخير ويحضرهم بصورة العالِمِ الوَرِعِ الدَّاعِي إِلى الله (فيُحَدِّثُهم) أي: فيُخْبِرُ الشيطانُ الجائي القومَ المجتمعين (بالحديثِ) الموضوعِ المُخْتَلَقِ (من الكَذِبِ) والافتراءِ ناسبًا إِلى الرسول ﷺ فيقول: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (فَيتَفَرَّقُونَ) أي: فيتَفَرَّقُ القومُ المجتمعون بعد سماعهم حديثَ الشيطان.
(فيقولُ الرجلُ منهم) أي: من القوم المجتمعين السامعين لحديث الشيطان بعد تَفَرُّقِهم عن ذلك المجلس لمَنْ رآه من قومٍ آخرين: واللهِ لقد (سمِعْتُ) اليومَ (رجلًا) عالمًا واعظًا وَرِعًا مُحَدِّثًا كأني (أَعْرِفُ وَجْهَهُ) وشَخْصَه (و) لكنْ (لا أَدْرِي ما اسْمُه) أي: لا أعرف أيَّ اسمٍ كان اسمُه، أو لا أَقْدِرُ جوابَ سؤالِ ما اسمه؛ أي: ما اسمُ ذلك الرجل المُحَدِّث؛ أي: فلكأنّي أعرفُ صورتَه، ولكنْ لو سألني أحدٌ عن اسمه .. ما أقدرُ جوابَه.
وجملةُ قوله: (ولا أَدْرِي) في محلِّ نصبٍ معطوفةٍ على جملة قوله: (أَعْرِفُ وَجْهَه) على كونها صفةً أُولى لرجلًا.
وجملةُ قولهِ: (يُحَدِّثُ) ذلك الرجلُ عن رسول الله ﷺ للأقوام المجتمعين: صفةٌ ثانيةٌ لـ (رجلًا).
فَدَلَّ هذا الأَثَرُ وما بعدَه بمفهومه على الجزء الأخير من الترجمة، وهو الاحتياطُ في تَحَمُّلِ الرواية، كما دَلَّ حديثُ أبي هريرة على الجزء الأول من الترجمة.
وهذا الأثَرُ وأمثالُه لا يُتوَصَّلُ إِليه بالرَّأْيِ والاجتهادِ بل بالسَّمْع، والظاهرُ: أَنَّ الصحابةَ إِنما تستندُ في هذا للنبي ﷺ ، مع أنه يحتمل أن يُحدِّث به عن بعض أهل الكتاب.
стр. 206
[١٨] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
ــ
ثم استطرد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثانيًا بأَثَرِ عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄ فقال:
[١٨] (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن رافعٍ) القُشَيرِيُّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري، الحافظُ الزاهدُ أحَدُ الرحَّالين.
روى عن وَكِيع وعبد الرزاق -وهو من المكثرين عنه- وابن عُيَينة وغيرِهم، ويروي عنه (خ م دت س) وابنُ خُزَيمة وابنُ أبي داود وجماعةٌ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمسٍ وأربعين ومائتين.
وقال البُخاريُّ: كان من خيار الناس.
(حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافع الْحِمْيَرِيُّ مولاهم، أبو بكرٍ الصَّنْعَانيُّ، أَحَدُ الأئمَّةِ الأعلامِ الحُفَّاظ.
روى عن ابنِ جُرَيجٍ وهشامِ بنِ حَسَّان ومَعْمَرٍ ومالكٍ وخلائقَ، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ المَدِيني ومحمدُ بن رافعٍ وخَلْقٌ، قال أحمد: مَنْ سَمِعَ منه بعد ما ذَهَبَ بصرُه .. فهو ضعيفُ السماع.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتَغَيَّرَ، وكان يَتَشَيَّعُ، من التاسعة، مات سنة إِحدى عشرة ومائتين عن خمسٍ وثمانين سنة.
(أخبرنا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد الأَزْدي الحُدَّاني مولاهم، أبو عُرْوة البصري، نزيلُ اليمن، شَهِدَ جنازة الحَسَن البصري، أحدُ الأئمّة الأعلام.
روى عن ثابتٍ البُنَانِيِّ والزُّهْري وقتادة وابن طاوس وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأيوبُ من شيوخه، والثَّوْريُّ من أقرانه، وابنُ المبارك وخَلْقٌ، قال العِجْلِيُّ: ثقةٌ صالحٌ، وقال النَّسَائِيُّ: ثقةَ مأمونٌ. وضَعَّفَه ابنُ مَعِينٍ في ثابت.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فاضلٌ، من كبار السابعة، مات سنة أربعٍ وخمسين ومائة وله ثمان وخمسون سنة.
стр. 207
عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
ــ
(عن) عبد اللهِ (بنِ طاوسِ) بن كَيسان اليماني أبي مُحَمَّدٍ.
روى عن أبيه وعطاءٍ وعكرمةَ بنِ خالدٍ، ويروي عنه (ع) وابنُ جُرَيجٍ ومَعْمَرٌ.
كان من أعلم الناس بالعربية، وَثَّقَه أبو حاتم والنَّسَائِيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، من السادسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
(عن أبيه) طاوسِ بنِ كَيسانَ اليَمَانِيّ أبي عبد الرحمن الحِمْيَري مولاهم، الفارسي، يُقال: اسمُه ذكوان، وطاوسٌ لَقَبُه.
روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرِهم، وأرسل عن معاذ بن جبل، قال طاوس: أدركتُ خمسين من الصحابة، ويروي عنه (ع) ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وأبو الزُّبَيرِ وعَمْرُو بن دينارٍ وخَلْقٌ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، من الثالثة، مات سنة ستٍّ ومائة، وقيل: بعد ذلك.
(عن عبد اللهِ بن عَمْرِو بنِ العاصِ) بنِ وائل أبي محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين إِلى الإِسلام، وأحد المُكْثِرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، له سبعُمائة حديثٍ، ومن طُرَف أحوال عبد الله بن عَمْرو: أنه ليس بينه وبين أبيه في الولادة إِلا إِحدى عشرة سنة، وقيل: اثنتا عشرة.
ويروي عنه (ع) وجُبَيرُ بن نُفَيرٍ وابنُ المُسَيِّب وعروةُ وطاوسٌ وخلائق.
وقال في "التقريب": مات في ذي الحِجَّة لياليَ الحَرَّة على الأصح، بالطائف على الراجح، سنةَ خمسٍ وستين، وقال الليث: سنةَ ثمان.
قال النوويُّ: (وأمَّا "العاصي": فأكثرُ ما يأتي في كُتُبِ الحديثِ والفِقْهِ ونحوها بحذف الياء وهي لغة، والفصيحُ الصحيحُ: "العاصي" بإِثباتِ الياء، وكذلك شَدَّادُ بن الهادي وابنُ أبي الموالي، فالفصيحُ الصحيحُ في كُل ذلك وما أَشْبَهَه إِثباتُ
стр. 208
قَال: إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً، أَوْثَقَهَا سُلَيمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فتقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا
ــ
الياء؛ لأنه من عَصَى يَعْصِي فهو اسمٌ منقوصٌ، ولا اغْتِرارَ بوُجُودِه في كُتُبِ الحديث أو أكثرِها بحذفها بناءً على أنه مِنْ عاصَ يَعِيصُ كبَاعَ يَبِيعُ بمعنى تَكَبَّرَ وتَجَبَّرَ، والله أعلم) اهـ بزيادة (١).
وهذا السَّنَدُ من خُماسياته؛ ففيه روايةُ نيسابوري عن صَنْعاني عن بصري عن يماني عن يماني، ففيه روايةُ الوَلَدِ عن وَالِدِهِ.
(قال) عبدُ اللهِ بن عَمْرِو: (إنَّ في) جَزائرِ (البحرِ) المحيط أو في جزائرِ جِنْس البحر (شياطينَ) ومردةً من الجنِ وعفاريتِهم (مَسْجُونةً) أي: محبوسةً في جزائره.
(أَوْثَقَها) أي: أَوْثَقَ تلك الشياطينَ وسَجَنَها (سُلَيمَانُ) بن داودَ بنِ إِيشا، عليهما وعلى نبيّنا أفضلُ الصلاةِ وأزكى السلام؛ أي: سَجَنَ في جزائرِه مَنْ أَبَى وامْتَنَعَ منهم من أشغالِه وكَفَرَ به (يُوشِكُ) بضمِّ أوله وكسرِ شينه؛ أي: يَقْرُبُ في آخرِ الزمان (أنْ تَخْرُجَ) مِن مَحْبسها في البحر وتنتشرَ في أنحاءِ الأرض وآفاقِها (فتَقْرَأَ) تلك الشياطينُ (على الناسِ) أي: على عوائم الناس وأغبيائِهم شيئًا ليس من القرآن وَيزْعُمُونَه (قُرآنًا) أي: يقولون للناس: إِنه قرآن فخُذُوه منا وتَمَسَّكُوا به، واعْمَلُوا بما فيه؛ فإنه قرآنٌ أُنزل على نبيِّكم، فيُضِلُّونهم به ويَفْتِنُونَهم.
قال السنوسيُّ: (معناه: تقرأُ شيئًا ليس بقرآن، وتقول: إِنه قرآنٌ؛ لِتَغُرَّ به عَوَامَّ الناس، فلا يَغْتَرُّون؛ لِحِفْظِ الله القرآنَ عن الزيادة والنقصان.
ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بالقرآن ما يجمعونه ويأتون بهِ؛ إِذْ أَصْلُ القرآنِ الجَمْعُ،
стр. 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكُلّ شيءٍ جَمَعْتَه فقد قَرَأْتَه) اهـ (١).
قال القرطبيُّ: (وقولُه: "يُوشِكُ" بضمِّ الياء وكسرِ الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها: أَوْشَكَ (٢)، ومعناه: مقاربةُ وقوعِ الشيء وإِسراعُه، والوَشك بفتح الواو: السُرْعة، وأنكر الأصمعيُّ الكسرَ فيها، وحكى الجوهريُّ الضمَّ فيها.
ويُستعمل "يُوشِكُ" على وجهين: ناقصة: تفتقرُ إِلى اسمٍ وخبرٍ، وتامّة: تستقلُّ باسمٍ واحدٍ، فالناقصةُ يَلْزَمُ خَبَرَها "أنْ" غالبًا؛ لِما فيها من تراخي الوقوع، وتكونُ بتأويل المصدر كقولك: يُوشِكُ زيدٌ أنْ يَذْهَبَ؛ أي: قَارَبَ زيدٌ الذهابَ، وربما حُذِفَتْ "أن" تشبيهًا لها بكاد، كقول الشاعر:
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... في بعضِ غِرَّاتِه يُوافِقُهَا (٣)
والتامَّةُ تكتفي باسمٍ واحدٍ، وهو "أَنْ" مع الفعلِ بتأويلِ المصدر، بمعنى قَرُبَ، كما في أثَرِ عبد الله بن عَمْرو: يُوشِكُ أن تخرجَ.
والقرآنُ أصلُه: الجمع، ومنه قول عَمْرو بن كلثوم يمدح ناقتَه:
ذِراعَي عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بَكْرٍ ... هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا
стр. 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنه سُمِّيَ كتابُ اللهِ قُرْآنًا؛ لِمَا جَمَعَ من المعاني الشريفة، ثم قد يقال مصدرًا بمعنى القراءة كقول حَسَّان في عثمان ﵄:
ضَحَّوا بِأشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ لَهُ ... يُقَطِّعُ اللَّيلَ تَسْبِيحًا وقُرآنا
أي: قراءةً.
ومعنى هذا الأَثرِ: الإِخبارُ بأنَّ الشياطينَ المسجونةَ ستخرجُ فتُمَوِّهُ على الجَهَلَةِ بشيءٍ تقرؤُه عليهم، وتُلَبِّسُ به حتى يَحْسَبُوا أنه قرآنٌ، كما فَعَلَ مُسَيلِمَةُ الكَذابُ، أو تَسْرُدُ عليهم أحاديثَ تُسْنِدُها إِلى النبي ﷺ كاذبةً، وسُمِّيَتْ قُرْآنًا لِمَا جَمَعُوا فيها من الباطل، وعلى هذا: يُسْتَفَادُ من الأثر التحذيرُ من قبول حديثِ مَنْ لا يُعْرَفُ) اهـ (١).
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى ثالثًا بأثَرِ عبد الله بن عَبَّاس رضي الله تعالى عنهما فقال:
стр. 211
[١٩] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ،
ــ
[١٩] (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَبَّادِ) بن الزَّبْرِقان المكي نزيلُ بغداد.
روى عن الدَّرَاوَرْدِيِّ وابنِ عُيَينة ومروان بن معاوية، ويروي عنه (خ م ت س ق) وأحمد بن سعيد الدارمي وسُلَيمان بن تَوْبة وأحمد بن علي المروزي وغيرُهم، قال ابنُ مَعِين: لا بأس به.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، من العاشرة، مات سنة أربعٍ وثلاثين ومائتين.
ثُمَّ عَطَفَ على مُحَمَّد بن عبادٍ سعيدَ بنَ عَمْرٍو مقارنةً بينهما لتقوية السند؛ لأنَّ مُحَمَّدًا صَدُوقٌ، وسعيدٌ ثِقَةٌ، فاحْتَاجَ إِلى تقويةِ مُحَمَّدٍ بذِكْرِ سعيدِ بعدَه، وإِنما لم يَكْتَفِ بسعيدٍ الذي هو ثقةٌ لفواتِ غَرَضِ بيانِ كثرةِ طُرُقِه، ففي هذه المقارنة غرضان: تقويةُ السند، وبيانُ كثرةِ طُرُقِه فقال:
(و) حدثني أيضًا (سعيدُ بن عَمْرٍو) الكِنْدِيُّ (الأَشْعَثيُّ) بالثاء المثلثة منسوبٌ إِلى جَدِّه؛ لأنه سعيدُ بن عَمْرو بن سَهْل بن إِسحاق بن محمد بن الأَشْعَث بن قيس الكِنْدِيُّ، أبو عَمْرو أو أبو عثمان الكوفي.
روى عن جعفر بن سُلَيمان وابن عُيَينة، ويروي عنه (م) وأبو زرعة وَوَثَّقَه و (س) بواسطة.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاثين ومائتين.
وقولُه: (جميعًا) تأكيدٌ لشَيخَيهِ؛ أي: حالةَ كَوْنِهما مجتمعَين في تحديثهما لي هذا الأثَرَ الآتي، وإِنما أَكَّدَ بجميعًا دون كلاهما لِشَكِّه في بقاء من روى له غيرهما أو للتفنُّن، كلاهما حَدَّثاني (عن) سفيانَ (بنِ عُيَينَةَ) بن ميمون الهلالي أبي محمد الأعورِ الكوفيِّ ثم المكيِّ، أحدِ الأئمَّة الأعلام، له نحو سبعة آلاف.
قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إِمامٌ حُجَّةٌ، إلا أَنَّه تَغَيَّرَ حِفْظُه بأخَرَةٍ، وكان ربما دَلَّسَ، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله إِحدى وتسعون سنة كما مَرَّ بَسْطُ الكلام في ترجمته.
стр. 212
قَال سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَال: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَباسٍ
ــ
وإنما أتى المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بقوله: (قال) لنا (سعيدُ) بن عَمْرٍو في صيغة روايتِه لنا: (أخبرنا سُفيانُ) تَوَرُّعًا من الكذب عليه بصيغة العنعنة؛ لأنَّ الذي قال: (عن سفيان) هو مُحَمَّدُ بن عَبَّادٍ فقط لاسعيدٌ، ولو لم يَأْتِ بقوله: (قال سعيدٌ أخبرنا) .. لكان كاذبًا عليه بها.
(عن هِشامِ بنِ حُجَيرٍ) بمهملة ثم جيم مصغرًا المكيِّ.
روى عن طاوس ومالك بن أبي عامر الأَصْبَحي والحَسَن البصري، ويروي عنه (خ م س) وابنُ جُرَيجٍ ومُحَمَّدُ بن مسلمٍ الطائفيُّ وابنُ عُيَينَةَ وغيرُهم، وَثقَه العِجْلِيُّ، وقال أحمد: ليس بالقَويّ، قَرَنَه (م) بآخر، وله عنده حديثان، وله في (خ) فرد حديث (١).
وقال في "التقريب": صدوقٌ له أوهامٌ، من السادسة.
(عن طاوسِ) بن كَيسان اليَمَانِيِّ تقدَّمتْ ترجمتهُ قريبًا.
وهذا السَّنَدُ من رُباعياته؛ ففيه رواية كوفي عن كوفي عن مكي عن يماني.
(قال) طاوسٌ: (جاء هذا إلى) عبد اللهِ (ابنِ عِبَّاسٍ) ﵄، ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف الهاشمي، أبي العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابنِ عمّ رسول الله ﷺ وصاحبِه، وحَبْرِ الأُمَّةِ وفقيهِها، وترجمانِ القرآن.
روى ألفًا وستَّ مئةٍ وستين حديثًا، يروي عنه أبو الشعثاء وأبو العالية وسعيدُ بن جُبَيرٍ وابنُ المُسَيِّب وعطاءُ بن يَسَارٍ وأُمَمٌ لا يُحصون.
وُلِدَ قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسولُ الله ﷺ بالفَهْم في القرآن، فكان يُسَمَّى البَحْرَ؛ لسَعَةِ عِلْمِه، قال سَعْدُ بن أبي وقاص: ما رأيتُ أحدًا أحضرَ فَهْمًا، ولا ألبَّ لُبًّا، ولا أكثرَ عِلْمًا، ولا أَوْسَعَ حِلْمًا من ابن عَبَّاس، لقد
стр. 213
- يَعْنِي بُشَيرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَال لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ فَقَال لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَال لَهُ: مَا أَدْرِي! أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ
ــ
رأيتُ عُمَرَ يَدْعُوه للمُعْضِلات وإنَّ حوله لأهل بدر (١).
ومناقبُه جَمَّةٌ، مات سنة ثمانٍ وستين بالطائف، وهو أَحَدُ المُكْثِرين من الصحابة، وأَحَدُ العبادلة من فقهاءِ الصحابة.
قال هشامُ بن حُجَيْرٍ: (يعني) طاوسٌ بقوله: جاء هذا: (بُشَيرَ) بضمِّ الموحدة، وفتح الشين، مصغّرًا (بنَ كَعْبٍ فَجَعَلَ) بُشَيرُ بن كَعْبٍ؛ أي: شَرَعَ (يُحَدِّثُه) أي: يُحَدِّثُ بُشَيرٌ لابن عباس ويُخْبِرُه عن رسول الله ﷺ أحاديثَ كثيرةً (فقال له) أي: فكُلَّما حَدَّثَ بُشَيرٌ لابن عَباسٍ حديثًا .. يقولُ له (ابنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما: (عُدْ) أَمْرٌ من عادَ يعودُ عودًا إِذا رَجَعَ؛ أي: يقولُ ابنُ عَبَّاسٍ لبُشَيرٍ كُلَّما حَدَّثَ له حديثًا واحدًا: عُدْ وارْجعْ يا بُشَيرُ (لحديثِ كذا وكذا) أي: إِلى روايةِ حديثٍ صفتُه كذا وكذا، ارْجِعْ إِلى رَوايتِه لنا ثانيةً لِنَفْهَمَه ونَتَثَبَّتَ فيه (فعادَ) بُشَيرٌ (له) لذلك الحديث الذي كَنَى عنه بكذا وكذا؛ أي: فيعودُ بُشَيرٌ ويرجعُ إِليه ثانيًا؛ لِيَتَثَبَّتَ فيه ابنُ عباس.
(ثُمَّ) بعد ما رجع بُشَيرٌ إِلى الحديثِ الأولِ وكَرَّرَه مرتين (حَدَّثَه) أي: يُحَدّثُ لابن عباس حديثًا آخَرَ جديدًا (فقال) ابنُ عباس (له) أي: لبُشَيرٍ: (عُدْ لحديثِ كذا وكذا) أي: يقولُ له ابنُ عَبَّاسٍ: ارْجِعْ إِلى حديثِ كذا وكذا؛ لِنتَثَبَّتَ فيه ونَفْهَمَه، يعني: إِعادةَ الحديثِ الثاني الذي حَدث له بعدَ ما كَرَّرَ له الحديثَ الأولَ مرتين الذي كَنَى عنه بكذا وكذا الثاني (فعادَ) بُشَيرٌ (له) أي: لهذا الحديث الثاني؛ أي: فَرَجَعَ بُشَيرٌ إِلى هذا الحديث الثاني.
(فـ) ـلمَّا سكَتَ عنه ابنُ عَبَّاسٍ فلم يَرُدَّ له جوابًا من القبول أو الإِنكار .. (قال) بُشَيرٌ (له) أي: لابنِ عَبَّاسٍ: (ما أدري) ولا أعلمُ يا ابن عباس (أَعَرَفْتَ حديثي كُلَّه) أي: هل عَرَفْتَ صِحَّةَ أحاديثي كُلِّها وقَبِلْتَها مني (وَأَنكَرْتَ) على صِحَّة
стр. 214
هَذَا؟ ! أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا؟ ! فَقَال لَهُ أبْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛
ــ
(هذا) الحديثِ الأخيرِ؟ ! ؛ أي: ما أدري أقبلتَ أحاديثي كلَّها مع إنكارك هذا الأخيرَ (أَمْ أَنكرْتَ) وَرَدَدْتَ عَلَيَّ (حديثي كُلَّه وعَرَفْتَ) أي: قَبلْتَ (هذا) الأَخيرَ؟ ! ؛ أي: أم أَنْكَرْتَ أحاديثي كُلَّها مع قبولك هذا الأخير؛ لأنكَ سَكَت عني فلم تَرُدَّ علي شيئًا من الإِنكار أو القبول في جميع أحاديثي، فما بالُك يا ابنَ عباس؟ هل قَبِلْتَ الكُلَّ أم أَنكرْتَ الكُلَّ، أو قَبِلْتَ بعضَها وأنكرتَ بعضَها؟ فَبَيِّنْ لي رأيَك في أحاديثي كُلِّها.
(فقال له) أي: لبُشَيرٍ (ابنُ عَبَّاسٍ) ﵄؛ أي: فلمَّا سَألَ بُشَيرٌ بن عَبَّاسٍ بيانَ رأْيِه في أحاديثه .. قال له ابنُ عَبَّاسٍ مُعَرِّضًا لِكَذِبِهِ في أحاديثه:
(إنَّا) نحن معاشرَ الصحابةِ رضوان الله تعالى عليهم (كُنَّا) قبلَ هذا العصر الذي كَثُرَ فيه الكَذَّابُون والوَضَّاعون (نُحَدِّثُ) (١) ونَرْوي (عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛
стр. 215
إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ المصَّعْبَ وَالذَّلُولَ .. تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ
ــ
إذْ لم يكُنْ يُكْذَبُ عليه) ﷺ ؛ أي: كُنّا نُحَدِّثُ ونَرْوي عن رسول الله ﷺ الأحاديثَ الحَقَّةَ الصادقةَ الصحيحةَ في الزمان الذي لا يُرْوَى عنه الكذبُ، ولا يُنْسَبُ إِليه وهو زمانُ الصحابةِ وقَرْنُهم (فلمَّا رَكِبَ النَّاسُ) في هذا العصرِ -يعني زمانَ التابعين وقَرْنَهم- الجَمَلَ (الصَّعْبَ) أي: العَسِرَ الذي لا يُطيع راكبَه، كَنَى به عن الأحاديث الموضوعة (و) الجَمَلَ (الذَّلُولَ) أي: السَّهْلَ الذي يُطِيعُ راكبَه، كَنَى به عن الأحاديثِ الصحيحةِ (١)؛ أي: فلمَّا خَلَطَ الناسُ بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة ( .. تَرَكنا الحديثَ عنه) ﷺ أي: قَلَّلْنا الروايةَ عنه ﷺ ، وتَرَكْنا الإِكْثارَ منها؛ خَوْفًا من وقوعِ الحديثِ في يَدِ مَنْ ليس أهلًا له، لكثرة الوَضَّاعين والكَذَّابين في هذا الزمان (٢).
قال النوويُّ: (وقولُه: "الصَّعْب والذَّلُول" هذا مَثَلٌ حَسَنٌ، وأصلُه في الإِبل، فالصَّعْبُ: العَسِرُ المرغوبُ عنه، والذِّلُول: السَّهْلُ الطيِّبُ المحبوبُ المرغوبُ فيه، فمعناه: فلمَّا سَلَكَ الناسُ كُل مَسْلَكِ ممَّا يُحْمَدُ ويُذَمُّ) (٣).
قال السنوسيُّ: (وقولُه: "تَرَكْنا الحديثَ عنه" يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ تَرَكْنا حِفْظَه وقبولَه من الناس، ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ إِفادتَه ونشرَه.
فإنْ قلتَ: وأيُّ مناسبةٍ في تَرْكِه إِفادةَ الحديثِ ونشرَه لعدم مُحافظة غيره، بل قد يقال المناسبُ عكسُه، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾.