Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقًا من الناشر
دار المنهاج للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية- جدة
حي الكندرة- شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة ٦٣٠٠٦٥٥
المكتبة ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس ٦٣٢٠٣٩٢
ص. ب ٢٢٩٤٣ - جدة ٢١٤١٦
هاتف المؤلف ٠٥٦٢٠٠٩١٨٨
ISBN ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٤٩٨ - ٣٦ - ٢
WWW.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
стр. 1472
شرح صحيح مسلم
стр. 1473
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1474
ومما قيل في الزهد:
أتبني بناء الخالدين وإنما ... مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية ... لمن كان فيها يعتريه رحيل
قال أبو الطيب المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر صغير ... كطعم الموت في أمر كبير
يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تُغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
الحمد لله الذي شرح قلوب أصفيائه، بمعاني سنن خير أنبيائه، والصلاة والسلام على منبع الحكم والأحكام، سيدنا محمد علم الهدى ومنار الإسلام، وعلى آله السادة الكرام، وأصحابه الأئمة الأعلام، وتابعيهم إلى يوم القيام، ما طلع وَناءَ نَجْمٌ في دُجى الظلام.
(أما بعد) فلما فرغت من كتابة هذا المجلد من شرح صحيح مسلم تفرغت إن شاء الله تعالى لبداية تسطير المجلد التالي، بقلم ما عندي من قطرات الفيض، ورشحات العلوم، فقلت مستمدًا من الله التوفيق والسداد إلى أقوم الطريق:
стр. 1475
٧٠ - (٢٩) بَابُ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ
٢٦٣ - (١٣٢) (٥٥) حدّثني أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ)
ــ
٧٠ - (٢٩) بَابُ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ
أي هذا بابٌ معقود في بيان الحديث الذي يذكر فيه أن من قتل دون ماله فهو شهيد، ودون في أصلها ظرف مكان بمعنى أسفل وتحت وهو نقيض فوق، وقد استعملت في هذا الحديث بمعنى اللام التعليلية أو الباء السببية، أي لأجل الدفع عن ماله أو بسبب الدفع عن ماله ففيه مجاز وتوسع، ووجهه أن الذي يقاتل لأجل ماله إنما يجعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه اهـ من المفهم.
وفي القاموس دون بالضم نقيض فوق، ويكون ظرفًا، وبمعنى أمام ووراء وفوق ضِدٌّ، وبمعنى غَيرٍ، قيل: ومنه حديث: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" أي في غير خمس أواق قيل: ومنه أيضًا الحديث: "أجاز الخلع دون عقاص رأسها" أي بما سوى عقاص رأسها، أو معناه بكل شيء حتى بعقاص رأسها اهـ.
(٢٦٣) - س (١٣٢) (٥٥) (حدثني أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في (١٠) أبواب تقريبًا، قال أبو كريب (حدثنا خالد) بن مخلد البجلي مولاهم، أبو الهيثم الكوفي القطواني -بفتح القاف والطاء- نسبة إلى قطوان موضع بالكوفة، روى عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، وسليمان بن بلال، ومالك بن أنس، ومحمد بن موسى، وعلي بن مسهر، ونافع القارئ وغيرهم، ويروي عنه (خ م س ق) وأبو كريب، وأحمد بن عثمان الأودي، والقاسم بن زكريا، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، ومحمد بن نمير، وإسحاق، وخلق، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال أبو داود: صدوق ولكنه يتشيع، وقال ابن معين: ما به بأس، وقال في التقريب: صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة (٢١٣) ثلاث عشرة ومائتين، وقيل: بعدها، روى عنه المؤلف في الإيمان، والوضوء، والصلاة، والزكاة، والحج والبيوع، والأطعمة، والأدب، والطلاق، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن مخلد) إشارة إلى أن هذه النسبة من
стр. 1476
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَال: "فَلَا تُعْطِهِ مَالكَ" قَال: أَرَأَيتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَال: "قَاتِلْهُ" قَال: أَرَأَيتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَال: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ" قَال: أَرَأَيتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَال: "هُوَ فِي النَّارِ"
ــ
زيادته، قال خالد بن مخلد (حدثنا محمد بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: هو أخو إسماعيل، أكبر منه، ثقة من السابعة، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم أبي شبل المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة مات سنة (١٣٣) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم المدني، ثقة من الثالثة روى عنه المؤلف في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان كوفيان (قال) أبو هريرة (جاء رجل) لم أرَ من ذكر اسمه (إلى رسول الله ﷺ فقال) الرجل (يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (إن جاء رجل) ظالمٌ (يريد) ويقصد (أخذ مالي) وغصبه قهرًا، أأعطيه مالي وأتركه ليأخذ أم أدفعه عنه (قال) رسول الله ﷺ (فلا تعطه) أي فلا تتركه ليأخذ (مالك) وادفعه عنه (قال) الرجل (أرأيت) يا رسول الله (إن قاتلني) أي إن شاهرني بالسلاح ليقتلني (قال) رسول الله ﷺ (قاتله) أي فادفعه ولو بالقتل (قال) الرجل (أرأيت) أي أخبرني يا رسول الله (إن قتلني) ذلك الظالم (قال) رسول الله ﷺ إن قتلك ذلك الظالم بسبب الدفع عن مَالِكَ (فأنت شهيد) أي شهيد الآخرة قال الرجل (أرأيت إن قتلته) أي قتلت ذلك الظالم، أأضمنه بالقصاص أو بالدية أو هو مهدر (قال) رسول الله ﷺ (هو) أي ذلك الظالم مهدر في الدنيا مخلد (في النار) في الآخرة إن استحله لكفره، أو معاقب في النار، إلا إن أدركه العفو، إن لم يستحله، لأنه عاصٍ.
قوله (فأنت شهيد) سُمي بذلك لأنه حيٌّ، فكأنه يشاهد الأشياء، قيل: لأن أرواحهم شهدت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلا يوم القيامة، قاله النضر بن
стр. 1477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شميل، فهو فعيل بمعنى فاعل، وقال ابن الأنباري: سُمي شهيدًا لأن الله تعالى وملائكته ﵈ شهدوا له بالجنة، فهو شهيد بمعنى مشهود له، وقيل: سُمي شهيدًا لأنه يشهد عند خروج روحه ما أُعد له من الثواب والكرامة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل: لأن عليه شاهدًا يشهد بكونه شهيدًا وهو دمه، فإنه يبعث وجرحه يثغب دمًا، وقال الأزهري وغيره: سمي شهيدًا لأنه يشهد مع النبي ﷺ يوم القيامة على الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وعلى هذا القول لا اختصاص له بهذا السبب، لأنه قد جاء هذا في جماعة من المسلمين.
(واعلم) أن الشهيد ثلاثة أقسام:
الأول: شهيد الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار بسبب القتال، فهو شهيد في الآخرة، لأنه ينال فيها ثواب الشهداء وكرامتهم، وشهيد في الدنيا: لأنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
والثاني: شهيد الآخرة فقط، لأنه يثاب ثواب الشهداء في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، والغريق، والحريق، والتي ماتت في الطلق، ولهذا يغسل ويُصلى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون ثوابه مثل ثواب الأول.
والثالث: شهيد الدنيا فقط، كمن غل من الغنيمة، والمقاتل للحمية، والوطنية، والمحمدة، وغيرها، إذا قتل في حرب الكفار فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، لا يغسل ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهما الكامل في الآخرة.
وفي الحديث جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا لعموم الحديث، وهذا قول جماهير العلماء، وقال بعض المالكية لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجمهور، وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهبنا ومذهب غيرنا، والمدافعة عن المال جائزة غير واجبة.
وقوله (فلا تعطه مالك) معناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء اهـ
стр. 1478
٢٦٤ - (١٣٣) (٥٦) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ -وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا)
ــ
نووي. وقال القرطبي: وهذا دليل على أن المحارب لا يجوز أن يعطى شيئًا له بال من المال إذا طلبه على وجه المحاربة، ما أمكن لا قليلًا ولا كثيرًا، وأن المحارب يجب قتاله، ولذلك قال مالك: قتال المحاربين جهاد، وقال ابن المنذر: جمهور العلماء على قتال المحارب على كل وجه، ومدافعته عن المال والأهل والنفس، واختلف أصحابنا إذا طلب الشيء الخفيف كالثوب والطعام فهل يعطونه أم لا على قولين، وذكروا أن سبب الخلاف في ذلك هو هل الأمر بقتالهم من تغيير المنكر، فلا يعطون ويقاتلون، أو هو من باب دفع الضرر، وخرجوا من هذا الخلاف في دعائهم قبل القتال هل يدعونه قبله أم لا اهـ مفهم.
وأما قوله (فإذا قتل فهو في النار) فمعناه أنه يستحق ذلك، وقد يجازى، وقد يعفى عنه إلا أن يكون مستحلًا لذلك بغير تأويل فإنه يكفر ولا يعفى عنه والله أعلم انتهى من النواوي.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث الإمام النسائي (٧/ ١١٤) فقط، ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم فقال:
(٢٦٤) - ش (١٣٣) (٥٦) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي (الحلواني) أبو علي المكي، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٢) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب (و) حدثنا أيضًا (إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثم النيسابوري ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥١) روى عنه المؤلف في (١٧) بابًا (و) حدثنا أيضًا (محمد بن رافع) القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في (١١) أحد عشر بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (وألفاظهم) أي ألفاظ حديث هؤلاء الثلاثة (متقاربة) متشابهة في المعاني والألفاظ ولكن (قال إسحاق) بن منصور (أخبرنا. وقال الآخران) أي الحسن ومحمد (حدثنا) فاختلفوا في كيفية السماع، فبين
стр. 1479
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي سُلَيمَانُ الأَحْوَلُ؛ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَينَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَينَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ،
ــ
اختلافهم تورعًا من الكذب على بعضهم بصيغة أخبرنا أو بصيغة حدثنا في الجميع، أي قالوا روى لنا (عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ شهير من التاسعة، مات سنة (٢١١) عن (٨٥) سنة روى عنه المؤلف في (٧) أبواب تقريبًا.
قال عبد الرزاق (أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) القرشي الأموي مولاهم، أبو الوليد، أو أبو خالد المكي، ثقة فقيه وكان يدلس ويرسل من السادسة، مات سنة (١٥٠) روى عنه المؤلف في (١٦) بابًا تقريبًا (قال) ابن جريج (أخبرني سليمان) بن أبي مسلم (الأحول) خال ابن أبي نجيح المكي، واسم أبي مسلم عبد الله، روى عن ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن في الإيمان، وطاوس في الصلاة والحج واللباس، وسعيد بن جبير في الوصايا، ومجاهد في الأشربة، ويروي عنه (ع) وابن جريج، وابن عيينة، وشعبة، قال أحمد: ثقة ثقة، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة، وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة أبواب تقريبًا.
(أن ثابتًا) ابن عياض بن الأحنف الأعرج (مولى عمر بن عبد الرحمن) بن زيد بن الخطاب العدوي المكي، ثقة من الثالثة، روى عن عبد الله بن عمروفي الإيمان، وعن أبي هريرة في الوضوء والنكاح والأدب، ويروي عنه (خ م د س) وسليمان الأحول (أخبره) أي أخبر لسليمان الأحول (أنه) أي أن الشأن والحال (لما كان بين عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل السهمي، أبي محمد الطائفي، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الصحابة، له سبعمائة حديث (٧٠٠) اتفقا على سبعة عشر، وانفرد (خ) بثمانية و (م) بعشرين، مات في ذي الحجة بالطائف سنة (٦٥) خمس وستين (وبين عنبسة بن أبي سفيان) بن حرب، كان أخا معاوية (ما كان) من المخاصمة في حائط (تيسروا) أي تيسر كل منهما مع من كان معه من الأصحاب والمساعدين، أي تهيؤا وتأهبوا واستعدوا (للقتال) أي لإيقاع المقاتلة بينهما بالسلاح.
ويروى أن عنبسة بن أبي سفيان أخا معاوية، كان عاملًا لمعاوية على مكة
стр. 1480
فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ. فَقَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو لِخَالِدٍ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"
ــ
والطائف، ذكره ابن منده وقال: أدرك عنبسة النبي ﷺ ولا تصح له صحبة ولا رؤية، قال الحافظ في الإصابة: إذا أدرك الزمن النبوي حصلت له الرؤية لا محالة ولو من أحد الجانبين، ولا سيما مع كونه من أصهار النبي ﷺ أخته أم حبيبة أم المؤمنين، وقد اجتمع الجميع بمكة في حجة الوداع، ذكره في الإصابة (٥/ ٦٩) وانظر أسد الغابة (٤/ ٣٠٤).
والذي كان بينه وبين عبد الله بن عمرو فصله الطبري فيما رواه عن حيوة، قال إن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومرَّ إليه بالسلاح، وقالوا والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحدٌ، وذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة هذا، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وإنما فعل عبد الله بن عمرو ما فعل، لما يدخل عليه من الضرر اهـ من هامش إكمال المُعْلِم (فركب) أي ذهب راكبًا حين سمع خبر تهيئهم للقتال (خالد بن العاص) عم عبد الله بن عمرو بن العاص، لأنه أخو عمرو بن العاص، ولفظة العاص تُقرأ بحذف الياء إن قلنا إنه من عاص يعيص إذا تكبر واستطال، فهو أجوف يائي كباع يبيع، وعلى هذا استعمال معظم المحدثين أو كلهم، ويُقرأ بإثبات الياء "العاصي" إن قلنا إنه من عصى يعصي عِصْيانًا، فيكون ناقصًا يائيًا كرمى يرمي وهو الفصيح من حيث اللغة (إلى) ابن أخيه (عبد الله بن عمرو) ليزجره ويمنعه من القتال مع عنبسة بن أبي سفيان (فوعظه) أي وعظ خالد لعبد الله بن عمرو، وذكره بالآيات الزاجرة والأحاديث الواردة في النهي عن اقتتال المسلمين (فـ) ـأبى عبد الله بن عمرو قبول وعظ خالد و (قال عبد الله بن عمرو لخالد) كيف أترك المدافعة عن مالي (أما علمت) يا خالد، أي ألم تعلم (أن رسول الله ﷺ قال من قتل دون ماله) أي لأجل الدفع عن ماله (فهو شهيد) أي يثاب ثواب شهداء المعركة في الآخرة كما مر بسط الكلام فيه قريبًا.
وسند هذا الحديث أعني حديث عبد الله بن عمرو من سداسياته، وفي رواية الحلواني رجاله أربعة منهم مكيون، وواحد صنعاني، وواحد طائفي، وفي رواية إسحاق
стр. 1481
٢٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ
ــ
ومحمد بن رافع ثلاثة منهم مكيون، وواحد طائفي، وواحد صنعاني، وواحد نيسابوري، وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن عمرو انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
تتمة ما في ثابت بن عياض
وعبارة المزي في تحفة الأشراف: ثابت بن عياض بن الأحنف، مولى آل الخطاب، روى عن عبد الله بن عمرو حديث: "من قتل دون ماله فهو شهيد" رواه مسلم في الإيمان عن الحسن بن علي الحلواني، وإسحاق بن منصور، ومحمد بن رافع ثلاثتهم عن عبد الرزاق.
وعن محمد بن حاتم عن محمد بن بكر وعن أحمد بن عثمان النوفلي عن أبي عاصم ثلاثتهم عن ابن جريج عن سليمان الأحول عن ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن، قال لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال، فذكر الحديث والقصة اهـ من التحفة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما فقال:
(٢٦٥) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه) أي وحدثني الحديث المذكور، أعني حديث عبد الله بن عمرو (محمد بن حاتم) بن ميمون، أبو عبد الله المروزي، وثقه الدارقطني، وكذبه ابن معين، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة، ربما وهم، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابا.
قال محمد بن حاتم (حدثنا محمد بن بكر) بن عثمان الأزدي البرساني -بضم الموحدة وسكون الراء ثم سين مهملة- نسبة إلى برسان قبيلة من الأزد، أبو عثمان البصري، روى عن ابن جريج في الإيمان والوضوء والصلاة وغيرها، وسعيد بن أبي عروبة في الصلاة والدعاء وغيرهما، وهشام بن حسان في الحدود، ويونس الأيلي، وجماعة، ويروي عنه (ع) ومحمد بن حاتم، وإسحاق الحنظلي في الوضوء والصلاة، وعبد بن حميد، وهرمز بن عبد الله، ومحمد بن بشار، ومحمد بن مرزوق، وإسحاق بن منصور، وثقه أبو داود، ومحمد بن سعد، وابن معين، والعجلي، وقال في التقريب: صدوق يخطئ، من التاسعة مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، له في البخاري حديثان.
стр. 1482
ح وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أحمد بن عثمان) بن أبي عثمان، عبد النور بن عبد الله بن سنان (النوفلي) نسبة إلى نوفل -بفتح النون وسكون الواو وفتح الفاء- يُكنى أبا عثمان، ويلقب بأبي الجوزاء -بالجيم والزاي- البصري الناسك، روى عن أبي عاصم في الإيمان والصوم والبيوع، وأبي داود الطيالسي في الصوم والفتن، وأزهر بن السمان في الهبة والجهاد، وقريش بن أنس في القصاص، وخالد بن مخلد، ووهب بن جرير، وعدة، ويروي عنه (م ت س) وابن خزيمة وابن جرير، وقال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٦) ست وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا.
قال أحمد بن عثمان (حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني مولاهم، الحافظ البصري، ثقة ثبت من التاسعة، مات في ذي الحجة سنة (٢١٢) اثنتي عشرة ومائتين، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا.
وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه (كلاهما) أي كل من محمد بن بكر وأبي عاصم رويا (عن) عبد الملك (بن جريج) وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع، وهما اثنان، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو عبد الرزاق، وقوله (مثله) مفعول ثان لما عمل في المتابع، والضمير عائد على المتابَع المذكور في السند السابق، والتقدير: حدثنا محمد بن بكر وأبو عاصم عن ابن جريج بهذا الإسناد، أي عن سليمان عن ثابت عن عبد الله بن عمرو مثله، أي مثل ما حدث عبد الرزاق عن ابن جريج.
وهذان السندان من سداسياته، الأول منهما: رجاله ثلاثة منهم مكيون، وواحد طائفي، وواحد بصري، وواحد مروزي، والثاني منهما: رجاله اثنان منهم بصريان، وثلاثة مكيون وواحد طائفي، وغرضه بسوقهما بيان متابعة محمد بن بكر، وأبي عاصم لعبد الرزاق بن همام في رواية هذا الحديث عن ابن جريج، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
***
стр. 1483
٧١ - (٣٠) بَابُ: مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَغَشَّهُمْ .. لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ
٢٦٦ - (١٣٤) (٥٧) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ
ــ
٧١ - (٣٠) بَابُ: مَنِ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَغَشَّهُمْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الحديث الوارد في حكم من غش رعيته، يقال: استرعاه رعية إذا استحفظهم وفوض أمرهم إليه، والراعي كل من وَليَ أمر قوم، يُجمع على رعاة ورعيان ورعاء بضم الأول في الجميع، ويكسر في الأخير، والقوم رعية على وزن غَنيَّة، والاسترعاء من الرعاية: وهو الحفظ والصيانة، والغش ضد النصيحة، وعبَّرتُ في الترجمة باللفظ العام لورود الحديث كذلك، كما قال ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته" رواه الشيخان وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهكذا الرجل في أهل بيته والولد والعبد.
(٢٦٦) - س (١٣٤) (٥٧) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي بفتحتين مولاهم، أبو محمد الأيُلِّيُّ، قال أحمد: ثقة، وقال في التقريب: صدوق يهم، قال أبو حاتم: اضطر الناس إليه أخيرًا، من صغار التاسعة مات سنة (٢٣٦) روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا.
قال شيبان (حدثنا أبو الأشهب) جعفر بن حيان بالتحتانية التميمي السعدي العطاردي نسبة إلى جده عُطارد -بضم ففتح- الحذَّاء الأعمى البصري، روى عن الحسن في الإيمان والجهاد وأبي نضرة في الصلاة والأحكام، وخليد العصري في الزكاة، وأبي رجاء العطاردي في آخر الدعاء، ويروي عنه (ع) وشيبان بن فروخ، والقطان، وأبو عاصم، وغيرهم، وثقه أحمد وأبو حاتم، وقال في التقريب: مشهور بكنيته، ثقة من السادسة، مات سنة (١٦٥) خمس وستين ومائة وله (٩٥) خمس وتسعون سنة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا.
(عن الحسن) بن أبي الحسن، اسمه يسار -بالتحتانية والمهملة- البصري، أبو سعيد الأنصاري مولاهم، أحد أئمة الهدى والسنة، ثقة فقيه فاضل مشهور، رأس أهل الطبقة الثالثة مات سنة (١١٠) عشر ومائة، قيل: ولد سنة (٢١) إحدى وعشرين، لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا.
стр. 1484
قَال: عَادَ عُبَيدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَال مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ،
ــ
(قال) الحسن (عاد عبيد الله بن زياد) قال النواوي: هو زياد ابن أبيه الذي يقال له: زياد بن أبي سفيان، أي زار عبيد الله وعاد (معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه) وكان عبيد الله إذ ذاك أميرًا على البصرة لمعاوية بن أبي سفيان.
(قال معقل) بن يسار بن عبد الله بن مُعبِّر بن حرَّاق بن لاي بن كعب بن عبد ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أن بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ومزينة هم ولد عثمان بن عمرو، سُمي بأمه وهي مزينة بنت كلب بن وبرة بن ثعلبة بن إلحاف بن قضاعة بن حمير المزني البصري، أي المنسوب إلى مزينة قبيلة مشهورة، له صحبة من النبي ﷺ كنيته أبو علي، ويقال أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، نزل البصرة وله بها دارٌ وكان من أصحاب الشجرة، له أربعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بآخر و (م) بحديثين، روى عن النبي ﷺ وعن النعمان بن مقرن المزني، ويروي عنه (ع) والحسن البصري في الإيمان والجهاد، وأبو المليح عامر، وأبو الأسود مسلم بن مخراق والحكم بن عبد الله بن الأعرج، ومعاوية بن قرة، وغيرهم، مات بعد الستين (٦٠) في ولاية عبيد الله بن زياد في آخر ولاية معاوية، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا.
أي قال معقل بن يسار المزني لعبيد الله بن زياد، حين جاء عبيد الله معقلًا لعيادته من مرضه (إني محدثك) يا عبيد الله نصيحة لك ولأمثالك (حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ مشافهة وإني أظن الآن قد حضر أجلي و (لو علمت) وعرفت (أن لي حياة) وبقاء في الدنيا بعد اليوم (ما حدثتك) ذلك الحديث خوفًا من شَرّك وإذايتك وفتنتك.
قال القاضي عياض: عدم تحديثه إياه يحتمل لعلمه أنه لا يتعظ كما ظهر منه مع غيره، ثم خاف معقل من إثم كتمان الحديث، ورأى تبليغه، أو لخوفه من فتنته لو ذكره في حياته لأن الحديث يثبت سوء حاله في قلوب الناس ويُهيّج عليه، ثم لما تحرج من كتم العلم، وعرف عدم وصول ضرره إليه بموته حدث، قال النواوي: والاحتمال الثاني
стр. 1485
إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ"
ــ
هو الظاهر، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط باحتمال عدم قبوله والله أعلم.
وقال الأبي: والتوجيه بأنه لا يتعظ لا يصح لأنه ليس من شرط تغيير المنكر غلبة الظن بأن المغير عليه ينزجر إما اتفاقًا أو على الصحيح، فالصواب التوجيه بأنه خاف فتنته فإنّ تغيير المنكر، إنما يجب إذا لم يؤد إلى مفسدة أشد، ثم لما أمن شره عند الموت غير عليه بذكره الحديث له، لا أنه حدث تحرجًا من كتمان العلم لأنه لو تحرج من ذلك حدث غيره والله أعلم انتهى.
وهذا السند من رباعياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد أُبُلي (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد) أي ليس عبد (يسترعيه الله) أي يستحفظه الله سبحانه (رعية) أي قومًا من المسلمين بتفويض أمورهم إليه، وجعلهم تحت ولايته وقوله (يموت) خبر ما الحجازية (حين يموت) متعلق بيموت، وجملة قوله (وهو غاش لرعيته) أي لتلك الرعية حال من فاعل يموت الأول، أي ليس ذلك العبد يموت يوم موته، والحال أنه غاش غير ناصح لها (إلا حرم الله) (عليه الجنة) أي دخولها أصلًا إن كان مستحلًا لغشها، أو ابتداءً حتى يُعاقب على غشه إن لم يستحله، والاسترعاء من الرعاية وهو الحفظ، والغش ضد النصيحة، فغش الإمام الرعية بتضييعه حدودهم وحقوقهم، وتركه سيرة العدل فيهم، والذب عنهم وعن دينهم فيما يطرأ عليه من التحريض، وترك حماية حوزتهم، فإن غشهم بشيء من ذلك ناله الوعيد المذكور، لأنه خان الله تعالى فيما ائتمنه عليه، وجعله خليفة منه فيه، وواسطة بينه وبين خلقه في تدبير أمورهم، والغش في شيء من ذلك كبيرة للتوعد عليه بالنار واعلم أنه لا يقصر الحديث على الأمراء بل هو عامٌّ في كل من وُكِل إليه حفظ غيره كما قال ﷺ : "كلكم راعٍ" فالإمام راعٍ والرجل في أهله راعٍ، وكذا العبد والمرأة في مال السيد والزوج اهـ إكمال إكمال المعلم.
قال القاضي عياض: ومعنى الحديث التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله شيئًا من أمرهم واسترعاه عليهم، ونصبه خليفة لمصلحتهم، وجعله واسطة بينه وبينهم في
стр. 1486
٢٦٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، عَنْ يُونُسَ،
ــ
تدبير أمورهم في دينهم ودنياهم، فإذا خان فيما اؤتمن عليه ولم ينصح فيما قلده واستخلف عليه، إما بتضييع لتعريفهم ما يلزمهم من دينهم، وأخذهم به والقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها، لكل متصدٍّ لإدخال داخلة فيها أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم، وقد نبه ﷺ أن ذلك من كبائر الذنوب الموبقة المبعدة عن الجنة، إذا دخلها السابقون والمقربون، إن أنفذ الله سبحانه عليه وعيده الموجب لعذابه بالنار، إن لم يستحل أو تحريم الجنة عليه رأسًا إن استحل اهـ منه.
وهذا الحديث أعني حديث معقل بن يسار شارك المؤلف في روايته أحمد (٥/ ٢٥، ٢٧) والبخاري (٧١٥٠).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٦٧) - متا (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي الحنظلي مولاهم، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) ست وعشرين ومائتين، روى عنه المؤلف في (١٩) بابًا تقريبًا.
قال يحيى (أخبرنا يزيد بن زريع) مصغرًا التيمي العيشي، أبو معاذ البصري، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٢) روى عنه المؤلف في (١٢) بابًا تقريبًا (عن يونس) بن عبيد بن دينار القيسي العبدي مولاهم، أبي عبيد البصري، روى عن الحسن في الإيمان، والأيمان والنذور والجهاد والفتن، وإبراهيم التيمي، ومحمد بن زياد في الصلاة، وحُميد بن هلال، وزياد بن جُبير في الحج، وشعيب بن الحبحاب في النكاح، ومحمد بن سيرين في الطلاق والبيوع، والحَكَم الأعرج في الجهاد، وعمرو بن سعيد في الجهاد والاستئذان، وعمار مولى بني هاشم في سن النبي ﷺ وثابت البناني في الفضائل، ويروي عنه (ع) ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وخالد بن عبد الله، والثوري، وهُشيم، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الأعلى، وشعبة،
стр. 1487
عَنِ الْحَسَنِ؛ قَال: دَخَلَ عُبَيدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ فَقَال: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ. إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَسْتَرْعِي اللهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ" قَال: ألا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَال: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لأُحَدَّثَكَ
ــ
وغيرهم، وثقه أحمد، وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل ورع من الخامسة، ولد بالكوفة، ونشأ بالبصرة، وكان من سادات أهل زمانه علمًا وحفظًا وإتقانًا وسُنةً وبغضًا لأهل البدع، مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
(عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، أبي سعيد الأنصاري، من الثالثة (قال) الحسن (دخل عبيد الله بن زياد) ابن أبيه ابن أبي سفيان (على معقل بن يسار وهو) أي والحال أن معقلًا (وجِعٌ) أي ذو وجعٍ وألم، أي مريض مرضًا مات به (فسأله) أي فسأل عبيد الله معقلًا عن الأحاديث النبوية، أو فسأله عن حال مرضه، والأول أوفق لما بعده (فقال) معقل في جوابه (إني محدثك) يا عبيد الله -وكان أميرًا على البصرة- (حديثًا لم أكن حدثتكه) فيما مضى، قبل اليوم، وجملة الكون صفة لحديثًا، ولكنها سببية، وذلك الحديث (إن رسول الله ﷺ قال لا يسترعي الله عبدًا رعية) أي لا يستحفظ الله عبدًا من عباده قومًا من المسلمين، ويوليه عليهم، ويجعله خليفة عنه فيهم فـ (ـيموت) بتقدير الفاء العاطفة السببية الواقعة في جواب النفي، نظير قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ والتقدير: لا يكون استرعاء الله سبحانه عبدًا من عباده قومًا من المسلمين فموته (حين بموت وهو) أي والحال أنه (غاش) غير ناصح (لها إلا حرم الله عليه الجنة) أصلًا وابتداءً (قال) عبيد الله (ألا) أي هلا (كنت حدثتني هذا) الحديث (قبل اليوم) في زمان صحتك قبل الوصول إلى هذه الحالة، وألا بالتشديد حرف تحضيض، وهو الطلب بعنف وإزعاج، أو عرض وهو الطلب برفق ولين، وهذا الأخير هو المناسب هنا، لأنه في مقدمات الموت (قال) معقل لعبيد الله (ما حدثتكـ) ـه قبل اليوم لأنك لا تتعظ ولا تنزجر ولا يؤثر فيك، أو لأني خفت من شرك وفتنتك، وكلمة أو في قوله (أو) قال معقل لعبيد الله (لم أكن) فيما قبل اليوم مريدًا (لأحدثك) لأنك صاحب
стр. 1488
٢٦٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَينٌ، يَعْنِي الْجُعْفِيَّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ؛
ــ
مفسدة وشر وفتنة، للشك من بعض الرواة، من الحسن أو ممن دونه والله أعلم.
واللام في قوله (لأحدثك) لام الجحود والنفي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبًا وهي اللام المسبوقة بكان المنفية بما، أو يكن المنفية بلم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، وقوله ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وذكر ضابطها بعضهم في بيت واحد:
وكل لام قبله ما كانا ... أو لم يكن فبالجحود بانا
وقد بسطت الكلام فيها بما لا مزيد عليه في شروحنا على الآجرومية فراجعها إن أردت الخوض فيها، وهي متعلقة بخبر الكون المحذوف، والتقدير لم أكن مريدًا لتحديثه إياك، لأنك صاحب سيطرة وسطوة.
وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم بصريون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة يونس بن عبيد لأبي الأشهب في رواية هذا الحديث عن الحسن البصري، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع تقوية السند الأول لأن شيخه شيبان بن فروخ صدوق يهم، ويحيى بن يحيى ثقة ثبت، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٦٨) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا القاسم بن زكرياء) بن دينار القرشي مولاهم، أبو محمد الكوفي الطحان، ثقة من الحادية عشرة، مات في حدود الخمسين ومائتين (٢٥٠) روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا قال القاسم (حدثنا حسين) بن علي بن الوليد، أبو محمد الكوفي، وأتى بالعناية في قوله (يعني الجعفي) مولاهم، إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته ثقة عابد من التاسعة، مات سنة (٢٠٣) ثلاث ومائتين، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا.
(عن زائدة) بن قدامة الثقفي، أبي الصلت الكوفي، ثقة ثبت من السابعة، مات سنة (١٦٠) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (عن هشام) بن حسان الأزدي القردوسي
стр. 1489
قَال: قَال الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ. فَقَال لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.
٢٦٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا)
ــ
مولاهم، أبي عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال، من السادسة مات في أول يوم من صفر سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (قال) هشام بن حسان (قال) لنا (الحسن) البصري (كنا عند معقل بن يسار) حالة كوننا (نعوده) من مرضه ونزوره (فجاء) بعدنا (عبيد الله بن زياد فقال له) أي لعبيد الله (معقل) بن يسار عِظة له وزجرًا عمَّا كان عليه من غش الرعية (إني أحدثك) يا عبيد الله وأذكرك (حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكر) هشام بن حسان (بمعنى حديثهما) أي بمعنى حديث أبي الأشهب، ويونس بن عبيد عن الحسن البصري، وغرضه بسوقه بيان متابعة هشام لهما، وفائدة المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان بصريان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٦٩) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة، نسبة إلى مِسمع بن ربيعة البصري، ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٠) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي، أبو موسى البصري، ثقة من كبار العاشرة، مات سنة (٢١٥) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد المعروف بابن راهويه الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابًا تقريبًا، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه، وأتى بقوله (قال إسحاق أخبرنا وقال الآخران حدثنا) لبيان اختلاف كيفية سماعهم، وتورعًا من الكذب على بعضهم لو اقتصر على إحدى الصيغتين، لأن بين الصيغتين فرقًا في اصطلاح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، أي قالوا
стр. 1490
مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ؛ أَن عُبَيدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ. فَقَال لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ أمِيرٍ
ــ
روى لنا (معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله، واسمه سنبر الدستوائي البصري، نزيل اليمن، أبو عبد الله صدوق ربما وهم، من التاسعة مات سنة مائتين (٢٠٠) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا.
(قال) معاذ (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله البصري الدستوائي، نسبة إلى دستواء كورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها، يكنى أبا بكر، ثقة ثبت من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) روى عنه المؤلف في (٧) أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي، أبي الخطاب البصري، ثقة ثبت من الرابعة، مات كهلًا سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، روى عنه المؤلف في (٢٥) بابًا تقريبًا (عن أبي المليح) الهذلي، عامر بن أسامة بن عمير البصري وقيل: اسمه زيد بن أسامة بن عمير، وقيل غير ذلك، روى عن معقل بن يسار في الإيمان والجهاد، ونبيشة الهذلي في الصوم، وعبد الله بن عمرو في الصلاة، وعائشة وابن عباس، وجماعة، ويروي عنه (ع) وقتادة، وأبو قلابة، وخالد الحذاء، وأيوب، وأولاده عبد الرحمن ومحمد ومبشر وزياد، وغيرهم، ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (٩٨) وقيل: سنة (١٠٨) ثمان ومائة، وقيل بعد ذلك (أن عبيد الله بن زياد) البصري (عاد) أي زار (معقل بن يسار) المزني البصري الصحابي الجليل (في مرضه) أي في مرض معقل الذي مات به (فقال له) أي لعبيد الله (معقل) بن يسار لما سأله عبيد الله عن الأحاديث (إني محدثك) يا عبيد الله الآن (بحديث) ينفعك الله تعالى به إن عملت به، نصيحة لك (لولا أنى) الآن (في) مقدمات (الموت لم أحدثك به) أي بذلك الحديث خوفًا من شرك وضررك، لكون الحديث حجة على سوء عاقبتك، وفضيحة لك عند الناس، ولولا حرف امتناع لوجود، وجملة أن في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبًا لقيام جواب لولا مقامه، وجملة قوله لم أحدثك جواب لولا، والتقدير لولا كوني في مقدمات الموت موجودٌ ما حدثتك به (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من أمير) ولا والٍ من
стр. 1491
يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ"
ــ
الأمراء والولاة (يلي أمر المسلمين) في دينهم ودنياهم، ويتصرف فيهم بالحكم لهم وعليهم (ثم لا يجهد) ولا يسعى (لهم) أي لتحصيل مصالحهم دينًا ودنيا (و) لا (ينصح) لهم أي لا يريد الخير لهم، لأن النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح له (إلا لم يدخل معهم الجنة) أصلًا إن استحل ذلك الغش، أو ابتداءً حتى جوزي على غشه، إن لم يدركه العفو من الله تعالى.
وهذا السند من سداسياته، ورجاله كلهم بصريون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي المليح للحسن البصري في رواية هذا الحديث عن معقل بن يسار، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سوق الحديث.
***
стр. 1492
٧٢ - (٣١) - بَابُ نُزُولِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ فِي جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، وَرَفْعِهِمَا مِنْ بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَيهَا
٢٧٠ - (١٣٥) (٥٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ وَوَكِيعٌ
ــ
٧٢ - (٣١) - بَابُ نُزُولِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ فِي جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، وَرَفْعِهِمَا مِنْ بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَيهَا
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الأحاديث التي تدل على نزول الإيمان ونزول الأمانة التي هي ثمرة الإيمان في أصل قلوب الرجال وتزايدهما بتعلم القرآن والحديث، وعلى رفعهما شيئًا فشيئًا من بعض القلوب بكثرة المعاصي، واتباع الشهوات، ونزولهما في أصل قلوب الرجال كناية عن خلق الله تعالى في تلك القلوب قابلية التزام حفظهما والقيام بهما.
والمراد بالأمانة على المختار ما يصح به تكليف الإنسان بالإيمان والإيمانيات، وهي الصلاحية الفطرية التي بها يستعد لقبول الطاعات، والاحتراز عن المعاصي، وهذه الأمانة المودعة في قلب بني آدم بالنسبة إلى الإيمان الشرعي بمنزلة تخوم الزروع، وحبوب الأشجار المودعة في بطن الأرض، وأما القرآن والسنة فمثلُهما كمثل الغيث النازل من السماء، فالأرض الطيبة إذا أصابها هذا الغيث يخرج نباتها بإذن ربها، والتي خبثت لا تُخرج إلا نكدًا، بل ربما تضيع التخوم أيضًا، ذكره بشير أحمد قال: وقوله في جذر قلوب الرجال أي أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب رجال الله واستولت عليها، فكانت هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة.
(٢٧٠) - س (١٣٥) (٥٨) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (٢٣٥) روى عنه المؤلف في (١٦) بابًا تقريبًا.
قال أبو بكر (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي مولاهم، الضرير الكوفي من التاسعة، مات سنة (١٩٥) وله (٨٢) سنة روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(ووكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ من كبار التاسعة، مات في آخر سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في (١٩) بابًا تقريبًا، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه.
стр. 1493
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛
ــ
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في (١٠) أبواب تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لبيان أن أبا كريب لم يرو إلا عن أبي معاوية، ولو جمعهما لكان كاذبًا عليه، بنسبة الرواية عن وكيع إليه، مع أنه لم يرو عنه، قال أبو كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم كلاهما أي كل من أبي معاوية ووكيع رويا (عن) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي المعروف بـ (ـالأعمش) ثقة ثبت من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا (عن زيد بن وهب) الهمداني الجهني من قضاعة، أبي سليمان الكوفي، مخضرم هاجر ومات النبي ﷺ وهو في الطريق، روى عن حذيفة في الإيمان وغيره، وأبي ذر في الصلاة والزكاة، وعلي بن أبي طالب في الزكاة واللباس وعبد الله بن مسعود في الجهاد والقدر، وعبد الرحمن بن عبد رب الكعبة في الجهاد، وجرير بن عبد الله في المناقب، وعمر وعثمان وطائفة، ويروي عنه (ع) والأعمش، ومهاجر أبو الحسن، وعبد العزيز بن رفيع، وسلمة بن كهيل، وعبد الملك بن ميسرة، وإسماعيل بن أبي خالد، وخلائق، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، وقال في التقريب: ثقة جليل، ولم يُصب من قال في حديثه خلل، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين (٩٦) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا كما مر آنفًا.
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي -بموحدة- أبي عبد الله الكوفي، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد يوم أحد له مائة حديث اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، وقد صح في مسلم عنه أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة من الفتن والحوادث، مات في أول خلافة علي سنة (٣٦) ست وثلاثين، وقال عمرو بن علي: بعد مقتل عثمان بأربعين ليلة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
قال النواوي: وحذيفة مدائني كوفي، وقوله (عن الأعمش عن زيد) فيه أن
стр. 1494
قَال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَينِ، قَدْ رَأَيتُ أَحَدَهُمَا وَأَنا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا "أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ في جِذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ،
ــ
الأعمش مدلس، وقد قدمنا: أن المدلس لا يحتج بروايته إذا قال عن، وجوابه ما قدمناه مراتٍ في الفصول وغيرها: أنه ثبت سماع الأعمش هذا الحديث من زيد من جهة أخرى، فلم يضره بعد هذا قوله فيه عن.
(قال) حذيفة (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين) يعني في خصوص الأمانة، وإلا فرواية حذيفة عن رسول الله ﷺ كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وعنى بأحد الحديثين قوله: "حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال" وبالثاني قوله: "ثم حدثنا عن رفع الأمانة" إلى آخره، قال الأبي: وكان الشيخ ابن عرفة يقول: هما حديث واحد، ولعل الحديث الثاني حديث عرض الفتن.
قال حذيفة (قد رأيت) أنا (أحدهما) وهو نزول الأمانة في جذر القلوب (وأنا أنتظر) وأرقب (الآخر) أي مجيء الحديث الآخر، وهو حديث رفع الأمانة، الأول منهما ما ذكره بقوله (حدثنا) رسول الله ﷺ وهو الصادف المصدوق (أن الأمانة نزلت) وحلت وخُلقت (في جذر) بفتح الجيم وكسرها مع سكون الذال المعجمة، أي في أصل (قلوب الرجال) الكاملين، والنساء الكوامل يعني الصالحين والصالحات، أي وجدت في قلوبهم في أول خلقتها وصارت فطرة وطبيعة فيها حتى يعرض عليها ما يزيلها من الفتن، كما يشهد له حديث: "كل مولود يولد على الفطرة ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه".
قال صاحب التحرير: (والأمانة) المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾ وهي عين الإيمان ونفسه، فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجد في إقامتها والله أعلم.
قال الطيبي: لعله إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: "إن الأمانة نزلت" بالإيمان لقوله آخرًا "وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" وهلَّا حملوها على حقيقتها لقوله "ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة" فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها تفخيمًا لشأنها، وحثًا على أدائها، وقد قال ﷺ : "لا دين لمن لا أمانة له".
стр. 1495
ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ قَال: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا
ــ
قال القرطبي: (والأمانة) كل ما يوكل إلى الإنسان حفظه، ويخلى بينه وبينه فتدخل فيها الودائع والتكاليف ومنها سُمي التكليف أمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾.
و(الجذر) الأصل من كل شيء، ومعنى إنزال الأمانة في القلوب، أن الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة، من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها لتنتظم المصالح بذلك اهـ.
وقال الأبي: ونزولها في أصل قلوب الرجال كناية عن خلق الله تعالى في تلك القلوب قابلية التزام حفظها والقيام بها، فلما نزل القرآن والسنة عمل بمقتضاها من خلقت فيه تلك القابلية اهـ.
(ثم) بعد خلقتها في قلوبهم (نزل القرآن) بلفظه والسنة بمعناها (فعلموا) أي علم أولئك الرجال الذين خُلقت الأمانة في قلوبهم (من القرآن) وجوب القيام بتلك الأمانة، ولزوم حفظها، أي بما ذكر فيه من الوعد والوعيد والثواب والعقاب (وعلموا من السنة) والحديث تفاصيلها، وكيفية القيام بها وأدائها فعملوا بها.
وفي فتح الملهم: وقوله (ثم نزل القرآن) يعني كان في طباعهم الأمانة بحسب الفطرة التي فطر الناس عليها ووردت الشريعة بذلك فاجتمع الطبع والشرع في حفظها اهـ منه.
والثاني من الحديثين وهو الذي ذكر حذيفة أنه ينتظره ما ذكره بقوله (ثم حدثنا) رسول الله ﷺ (عن) كيفية (رفع الأمانة) والإيمان عن قلوب الرجال التي خلقت فيها وطبعت عليها، أي حدثنا عن كيفية رفعها شيئًا فشيئًا فـ (ـقال) في بيانها (ينام الرجل) الذي كان ممن نزلت الأمانة في جذر قلبه (النومة) أي المرة من النوم (فتقبض الأمانة) أي تؤخذ الأمانة والإيمان الذي هو بسببها أي يمحى نور الأمانة والإيمان (من قلبه) أي من جذر قلبه، والنوم في قوله (فينام الرجل النومة) كناية عن الغفلة الموجبة لارتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان فإن قلنا إن النوم على حقيقته فإن المذكور بعده أمر اضطراري فيكون ما قبله هو السبب له قوله (فتقبض الأمانة) يعني قبض بعضها بدليل ما بعده يعني يقبض بعض ثمرة الإيمان (فيظل أثرها) أي فيصير أثر
стр. 1496
مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ،
ــ
محو نورهما منه من القلب (مثل الوكت) أي شبه السواد اليسير، والنقطة الصغيرة، قال الهروي: الوكت: بفتح الواو وسكون الكاف والتاء المثناة من فوق: الأثر اليسير في الشيء، وقال غيره: هو سواد يسير، وقيل هو لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله، يقال: وكتت البسرة إذا وقع فيها نكتة إرطاب من جانبها، فإن كانت في طرفها قيل مذنبة، وقال الزبيدي: الوكت نكتة في العين، وعين موكوتة، والوكت سواد العين (ثم ينام) الرجل المذكور ثانيًا (النومة) أي المرة من النوم (فتقبض الأمانة) أي يمحى نور الأمانة والإيمان (من قلبه) أي من جذر قلبه مرة ثانية زيادة على ما طمس في النومة الأولى (فيظل أثرها) أي فيصير أئر محوها، أي يكون المحل الذي محي منه نورهما من جذر قلبه في المرة الثانية (مثل المجل) أي شبه التنفط الذي يكون في اليد بسبب العمل بفاس أو نحوها شبه القبة فيه ماء قليل، وقال القرطبي: والمجل: هو أن يكون بين الجلد واللحم ماء، يقال: مَجِلت يده تمجل مجلًا، من باب علم، ومجلت تمجل من باب ضرب، ومجلت تمجل من باب قتل، إذا تنفطت من العمل، أي انتفخت جلدها وكان فيه ماء من أثر العمل، وفي النهاية: الوكتة: الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، والجمع وكت، والمجل: تنفط اليد من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة اهـ.
ويقال: نفطت يده نفطًا من باب تعب، ونفيطًا إذا صار بين الجلد واللحم ماء اهـ مصباح.
ومعنى هذا الكلام أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء منها زال نوره وخلفته ظلمة كالوكت وهو الأثر اليسير، فإذا زال شيء آخر منها خلفته ظلمة هي فوق الأولى، وصار كالمجل وهو أثر محكم لا يزول إلا بعد مدة اهـ من الأبي.
وقال أيضًا: رفعها يحتمل أنه حقيقة وهو عدم بقائها، ثم الأظهر أنه يرفع أهلها كحديث رفع العلم، ويحتمل أنه يرفعها في نفسها، وهو الذي يقتضيه لفظ الحديث، ورفعها إنما هو باعتبار الأكثر لقوله الآتي "إلا فلانًا وفلانًا" يعني أفرادًا من الناس.
ثم مقالة حذيفة هذه إنما كانت والله أعلم وهو بالمدائن لا وهو في المدينة، لكثرة من بها حينئذ من الصحابة والتابعين، وكانوا يتحرون فلا يصح أن يقول حينئذ إلا فلانًا وفلانًا، نعم لم يمت حتى كثُر ما ذكر، لأنه مات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهم
стр. 1497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالحديث من معجزاته ﷺ لأنه أخبر عن مغيب وقع كما أخبر اهـ منه.
قال السنوسي: قال الطيبي: ثم في قوله "ثم ينام النومة" للتراخي في الرتبة وهي نقيضة ثم في قوله "ثم علموا القرآن ثم علموا من السنة" كما أن علم القرآن والسنة يزيد أصل الأمانة في القلوب ويربيها، كذلك ينقص استمرار رفع الأمانة وقبضها من أثرها، فإن أثر المجل المشبه بالنفاطة التي ليس فيها شيء أبلغ في الخلق من أثر الوكت، وفيه تشبيهان مفردان، شبهت حالهما مجموعة بحالة جمر أثر في عضو ثم نفط وارتفع، وإنما شبه أثر الأمانة أولًا بأثر الوكت ثم ثانيًا بأثر المجل، ثم شبهها بالجمر المدحرجة على الرجل تقبيحًا لحالها وتهجينًا لتستفز عنها النفس وتعافها، فإن الأمانة والخيانة ضدان، فإذا ارتفعت إحداهما تعاقبت الأخرى (قلت) قول الطيبي: وهي نقيضة ثم في قوله "ثم علموا القرآن" يعني في رواية المصابيح، وإلا فالذي في مسلم "ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة" فالعطف بثم إنما وقع عند مسلم في قوله "ثم نزل القرآن" ووقع العطف بالفاء فيما بعده، لكن الذي يجري في رواية "ثم علموا" يجري مثله في رواية ثم نزل.
ومعنى قوله "ينام النومة" والله تعالى أعلم يغفل عن تعظيم أمر الله تعالى بأداء الأمانة وشدة عقوبة المخالفة، وتراكم أهوال الآخرة التي تذوب لمجرد سماع أدنى شيء منها القلوب، فكيف يكون الحال في مشاهدتها وانتشاب القلب والجوارح في مخالب دواهيها غفلة، حق لها أن تسمى لثقلها وتمكنها من العقل حتى غاب عن مراشده، وعما تفاقم أمره النومة المعروفة بالثقل وتغييب العقل والحواس، وليس هو من أهل التقوى الدائمي الانتباه والتيقظ في أمر دينهم، وقصارى الأمر أن يصيبهم من الغفلة ما هو في عدم استيلائه على العقل شِبْهُ السنة فيطرودنه على الفور بنور عقولهم ولا يتركونه للتمكن منهم حتى تصيبهم بسببه آفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ ثم إن ذلك العاقل مع معرفته بما أفسد بتلك الغفلة العظيمة، لم يحمله ذلك على دوام التيقظ وكمال التحرز والتترس بل التوبة النصوح حتى لا يقع في مثل تلك الغفلة بل عاد هو إلى مثل تلك الغفلة وأشد منها، والمؤمن لا يلدغ في دينه من جحر مرتين، وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اغفر لنا ما مضى، وأصلحنا بما بقي، حتى نلقاك على أحسن حال، بفضلك وجودك يا أرحم الراحمين اهـ سنوسي.
стр. 1498
كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ. فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيسَ فِيهِ شَيءٌ (ثُمَّ أَخَذَ حَصَى
ــ
وقوله (كجمر) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الوكت والمجل ولكنه على تقدير مضاف أي حالة كون أثر الوكت والمجل مثل أثر جمر، وشعلة نار أو أثر حصى (دحرجته) أي دحرجت ذلك الحجر وأسقطته (على رجلك) أي على عضو رجلك (فنفط) عضو الرجل، أي تنفط وانتفخ عضو الرجل، أي الموضع الذي وقع عليه الجمر والحصى من الرجل (فتراه) أي فترى ذلك الموضع الذي وقع عليه الجمر (منتبرًا) أي مرتفعًا منتفخًا (وليس فيه) أي في ذلك الموضع المنتفخ (شيء) من ماء ولا لحم ولا دم، أو المعنى أي تأثير ما بقي من الأمانة عنده كتأثير جمر، فيخيل للرائي أن الرجل ذو أمانة، وهو في ذلك بمثابة نقطة تراها متنفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها، وليس فيها شيء صالح، بل ماء فاسد، وعلى هذا المعنى يكون الجار والمجرور في قوله "كجمر" خبرًا لمبتدأ محذوف كما قدرنا.
وقوله (كجمر) في القاموس الجمرة: النار المتقدة، تُجمع على جمر، كثمرة وثمر، والحصاة وهو المراد هنا بدليل ما بعده من قوله: ثم أخذ حصاة إلخ، وقوله (دحرجته) يقال دحرجه دحرجة ودحراجًا فتدحرج أي تتابع في حدورٍ وهبوطٍ من علو إلى سُفلٍ، والمُدَحْرَجُ المُدور، والدحروجة ما يدحرجه الجعل من بنادق الروث أو الغائط اهـ والمعنى كحصى دحرجته وأسقطته على ظهر قدمك فأثر فيه فترى أثره منتفخًا مرتفعًا ليس فيه شيء من ماء ولا لحم، وقوله (فنفط فتراه منتبًا) تذكير الفعل المسند إلى الرِّجْل، وكذا تذكير الضمير في قوله (فتراه منتبرًا) مع أن الرجل مؤنثة بالنظر إلى كونها بمعنى العضو كما في النواوي، والانتبار هو التورم والانتفاخ، وكل مرتفع منتبر، ومنه اشتق المنبر.
وعبارة المفهم هنا قوله (منتبرًا) أي منتفخًا من الانتبار وهو الارتفاع ومنه انتبر الأمير إذا صعد على المنبر، وبه سمي المنبر لارتفاعه، ونبر الجرح أي ورم، والنبر نوع من الذباب يلسع الإبل فيرم مكان لسعه، وكل شيء ارتفع فقد نبر، وقال أبو عبيد: منتبرًا أي متنفطًا.
وقوله (ثم أخذ) رسول الله ﷺ (حصىً) من الحصيات أي حصاة، ووقع في بعض الأصول "ثم أخذ حصاة فدحرجه" بإفراد لفظ الحصاة وهو صحيح
стр. 1499
فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ) فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدْ يُؤَدِّي الأمَانَةَ حَتى يُقَال: إِنَّ في بَنِي فُلانِ رَجُلًا أَمِينًا. حَتَّى يُقَال لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ"
ــ
(فدحرجه) أي أسقط ذلك الحصى (على رجله) أي على ظهر قدمه، تمثيلًا وتصويرًا لتدحرج الجمر والحصى على الرجل المذكور في قوله: كجمر دحرجته على رجلك كلام مدرج في الحديث، أدرجه حذيفة ﵁ لزيادة البيان والإيضاح قوله (فيصبح الناس) إلخ خبر معطوف على قوله فتقبض الأمانة، أي فيكون الناس الذين قبضت الأمانة من جذر قلوبهم (يتبايعون) في الصباح أي يتعاقدون عقد البيع والشراء في الصباح بعدما قبضت الأمانة من قلوبهم في نومة الليل يعني في الغفلة الواقعة منهم قبل ذلك حالة كونهم (لا يكاد) أي لا يقارب (أحدٌ) منهم (يؤدي الأمانة) الموضوعة عنده إلى مستحقها فيقل الأمناء فيهم (حتى يقال) من غاية قلة الأمانة في الناس (إن في بني فلان رجلًا أمينًا) أي شخصًا واحدًا يُؤْمن ويؤدي الأمانة لا غير، وتقل فيهم الأمانة التي هي ثمرة الإيمان، وتكثر فيهم الخيانة التي هي ثمرة النفاق ويتمرنون عليها (حتى يقال للرجل) المنافق الخائن منهم، أي حتى يقولوا للمنافق الخائن منهم من أرباب الدنيا، ممن له عقل في تحصيل المال والجاه، وطبع في الشعر والنثر، وفصاحة وبلاغة، وقوة بدنية، وشجاعة وشوكة، تعجبًا منه ومدحًا له (ما أجلده) أي ما أقواه في بدنه و (ما أظرفه) أي ما أحسنه في لسانه وأدبه، والظرف عند العرب في اللسان، والحلاوة في الفم، والملاحة في العين، وقال المبرد: الظريف مأخوذ من الظرف وهو الوعاء كأنه جعل وعاء للآداب، وقال غيره: يقال منه ظرف يظرف ظرفًا فهو ظريف وهم ظرفاء، وإنما يقال في الفتيان والفتيات أهل الخفة و (ما أعقله) أي وما أكمله في عقله، وحاصل قولهم ذلك أنهم يمدحونه بكثرة الجلادة والظرافة والعقل، ويتعجبون منه ولا يمدحون أحدًا بكثرة العلم النافع والعمل الصالح، وقوله (وما في قلبه) أي في قلب ذلك الرجل الممدوح حالٌ من الرجل، أي يمدحونه والحال أنه ما في قلبه (مثقال حبة) أي وزن حبة - واحد الحبوب - (من خردل) حب معروف من الأبازير، و (من) بيانية، أي مثقال حبة هي خردل، وقوله (من إيمان) تمييز لمثقال.
قال العيني: وخلاصة ما ذكرناه أن القلب يخلو عن الأمانة، بأن تزول عنه شيئًا فشيئًا، فإذا زال جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وإذا زال شيء آخر منها
стр. 1500
وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ
ــ
صار كالمجل وهو أثر كبير محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، ثم شبه زوال ذلك النور بعد ثبوته في القلب وخروجه منه، واعتقاب الظلمة إياها بجمر تدحرجه على رجلك حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط اهـ عمدة القاري.
فيصبح الناس بعد رفعها خونة فسقة حتى لا يوجد فيهم رجل أمين، ويمدحون الرجل منهم بالشجاعة والفصاحة ورصانة العقل، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.
قال الأبي: وبالجملة فالمقصود من الحديث الإخبار عن تغير الحال برفع الأمانة من تلك القلوب التي جبلت على حفظها وعدم الخون فيها حتى لا يبقى فيها إلا مثل الوكت، ثم مثل المجل على ما تقدم.
قال حذيفة (و) الله الذي نفسي بيده (لقد أتى) ومر (علي زمان وما أبالي) أي والحال أني ما أبالي، ولا أكترث في ذلك الزمان (أيكم بايعت) أي الذي عاقدت معه عقد البيع والشراء منكم، فأي موصولة، والله (لئن كان) الذي عاقدت معه (مسلمًا ليردنه علي) بحقي (دينه) أي حكم دينه، وخوفه من الله تعالى، أي يقضي لي ديني الذي عليه بعقد البيع والشراء.
وفي المفهم وقوله (لا أبالي أيكم بايعت) من البيع لا من المبايعة، لأن اليهودي والنصراني لا يبايع بيعة الإسلام، ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني أن الأمانة قد رفعت من الناس فقل من يؤمن على البيع والشراء اهـ.
ومعنى قوله "وما أبالي أيكم بايعت" أي إنه لوثوقه سلفًا بوجود الأمانة في الناس كان يُقْدِمُ على مبايعة من اتفق له من غير بحث عن حاله فلما بدا التغير في الناس وظهرت الخيانة صار لا يبايع إلا من يعرف حاله من الناس، وأي هنا موصولة بمعنى الذي في محل النصب مفعول به لأبالي، وجملة بايعت صلتها والعائد محذوف والتقدير لا أبالي الذي بايعته منكم.
وقوله "لئن كان مسلمًا" جواب عن سؤال مقدر كأن قائلًا قال له: لم تزل الخيانة موجودة، فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل إلا
стр. 1501
وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ .. فَمَا كُنْتُ لِأبَايعَ مِنْكُمْ إِلا فُلانًا وَفُلانًا
ــ
المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليص حقه من الكافر إن خانه بخلاف العصر الأخير الذي أشار إليه، فإنه صار لا يبايع إلا أفرادًا من الناس يثق بهم اهـ فتح الملهم (١/ ١٧٨).
(ولئن كان) الذي أبايعه (نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنه عليَّ) في أداء حقي (ساعيه) أي كفيله وضمينه (وأما اليوم) الحاضر (فما كنت) مريدًا (لأبايع) بكسر اللام ونصب الفعل لأنها لام الجحود لوقوعها بعد كان المنفية بما، أي ما كنت مريدًا البيع مع أحد (منكم إلا فلانًا وفلانًا) أي إلا أفرادًا قلائل من الناس، لرفع الأمانة، وقلة الأمناء.
وقد تقدم آنفًا أن معنى المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان، ومراده أني كنت أعلم أن الأمانة لم ترتفع وأن في الناس وفاءً للعهود فكنت أقدم على مبايعة من اتفق لي من غير بحث عن حاله، وثوقًا بالناس وأمانتهم فإنه إن كان مسلمًا فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا فساعيه وهو الوالي عليه كان يقوم أيضًا بالأمانة في ولايته فيستخرج حقي منه، وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فما بقي لي وثوق بمن أبايعه ولا بالساعي في أداء الأمانة فما أبايع إلا فلانًا وفلانًا، يعني أفرادًا من الناس أعرفهم وأثق بهم، والحاصل أنه أشار بقوله (إلا فلانًا وفلانًا) إلى العصر الأخير الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر، وحاصل هذا الخبر أنه ﷺ أنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع على ما هو مشاهد لمن خالط أهل الخيانة، فإنه يصير خائنًا، لأن القرين يقتدي بقرينه السابق.
وهذا الحديث أعني حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه شارك المؤلف في روايته أحمد (٥/ ٣٨٣) والبخاري (٦٤٩٧) والترمذي (٢١٨٠) وابن ماجه (٤٠٥٣).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه هذا فقال:
стр. 1502
٢٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. جَمِيعًا عَنِ الأعمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
(٢٧١) - متا (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) مصغرًا الهمداني، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في (١٠) أبواب تقريبًا قال محمد (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) روى عنه المؤلف في (١٧) بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) روى عنه المؤلف في (١٩) بابًا تقريبًا، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه.
(ح) حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، ثقة مأمون من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) روى عنه المؤلف في (٢١) بابًا تقريبًا.
وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه، قال إسحاق (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعى، أبو عمرو الكوفي، ثقة مأمون من الثامنة، مات سنة (١٩١) روى عنه المؤلف في (١٧) بابًا تقريبًا وقوله (جميعًا) حال من عبد الله بن نمير ووكيع وعيسى بن يونس أي حالة كون كلِّ من الثلاثة مجتمعين في الرواية (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة من الخامسة، مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
(بهذا الإسناد) أي كلهم رووا عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة بن اليمان (مثله) أي مثل ما روى أبو معاوية عن الأعمش، وهذان السندان من خماسياته، الأول منهما رجاله كلهم كوفيون، والثاني منهما أيضًا رجاله كوفيون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي، وغرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة عبد الله بن نمير ووكيع وعيسى بن يونس لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش.
* * *
стр. 1503
٧٣ - (٣٢) بَابُ الْفِتَنِ الَّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
٢٧٢ - (١٣٦) (٥٩) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي سُلَيمَانَ بْنَ حَيَّانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيفَةَ؛
ــ
٧٣ - (٣٢) بَابُ الْفِتَنِ الَّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
أي هذا بابٌ معقودٌ في ذكر الفتن التي تموج أي تضطرب ويدفع بعضها بعضًا كموج البحر واضطرابه وتحركه وارتفاعه شبهها بموج البحر في تتابعها وتواليها وعدم الفترةِ بينها، وكنى بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال: (لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك إنما الفتنة ما اشتبه عليك الحق والباطل) اهـ فتح (١٣/ ٢١٢).
والفتن جمع فتنة كقرب وقربة، والفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، ثم صارت في عرف الكلام عبارة عن كل أمر كشف الاختبار عن سوئه، قال أبو زيد: فتن الرجل فتونًا إذا وقع في الفتنة، وتحول عن حال حسنة إلى حال سيئة.
(٢٧٢) - س (١٣٦) (٥٩) (وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي من العاشرة (ت ٢٣٤) روى عنه المؤلف في (١٠) أبواب تقريبًا.
قال محمد بن نمير (حدثنا أبو خالد) الأحمر، سليمان بن حيان - بتحتانية - الأزدي الكوفي، قال ابن معين وابن المديني: ثقة، وقال ابن معين مرة: صدوق ليس بحجة، وقال في التقريب: صدوق يخطئ من الثامنة، وقال ابن سعد: مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني سليمان بن حيان) إشعارًا بأن هذه التسمية من زيادته، لا مما سمعه من شيخه (عن سعد بن طارق) بن أشيم الأشجعي، أبي مالك الكوفي، ثقة من الرابعة، مات في حدود مائة وأربعين (١٤٠) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (عن ربعي) بن حراش - بكسر الحاء المهملة - الغطفاني العبسي - بموحدة - أبي مريم الكوفي، من عباد أهل الكوفة، وكان أعور، ثقة عابد مخضرم من الثانية مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة أو إحدى ومائة (عن حذيفة) بن اليمان الكوفي، صاحب سرِّ رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه.
стр. 1504
قَال: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَال: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَال قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَال: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ. قَال: تِلْكَ تُكَفَّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ،
ــ
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون.
(قال) حذيفة ﵁ (كنا عند عمر) بن الخطاب العدوي، أبي حفص الفاروق، أمير المؤمنين (فقال) لنا عمر (أيكم سمع رسول الله ﷺ قال الأبي: يحتمل أنه استفهام حقيقة، وأنه كان سمع حديثًا في الفتن ولم يحفظه، ويحتمل أنه عرفه ولكن أراد أن يعلمه الحاضرون، وأي استفهامية في محل الرفع مبتدأ، وجملة سمع خبرها أي من سمع منكم رسول الله ﷺ حالة كونه (يذكر) شأن (الفتن) والامتحانات والبلايا الواقعة للمسلمين (فقال قومٌ) من الحاضرين لعمر (نحن سمعناه) أي سمعنا رسول الله ﷺ يذكر الفتن الواقعة للعباد (فقال) عمر للقوم العلكم تعنون) وتقصدون بالفتنة التي سمعتموها منه ﷺ (فتنة الرجل) وامتحانه (في أهله) وأولاده أي شغله عن فعل الخيرات والعبادات بسبب خدمتهم وإطعامهم وسقيهم ومحادثتهم (و) فتنته في (جاره) أي شغله بسبب المحادثة معه عن فعل الخيرات أو تقصيره بترك الإهداء له، قالوا: وفتنة الرجل في أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم، وشجه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أو تفريطه وتقصيره فيما يلزم من القيام بحقوقهم، ومن تأديبهم وتعليمهم، فإنه راعٍ عليهم، ومسؤول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره بتقصيره في حقوقه والنصيحة له بالإرشادات والعظات.
وقال القاضي: فتنة الرجل في أهله وماله وولده صرفه من فرط محبته لهم وشجه عليهم وشغله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وكما قال ﷺ : "الولد مجبنة مبخلة" فهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
(قالوا) أي قال القوم لعمر (أجل) حرف تصديق في الجواب بمعنى نعم أي نعم قصدناها (قال) عمر (تلك) الفتنة، أي فتنة الرجل في أهله وجاره وماله لا بأس بها فإنها (تكفرها الصلاة) أي الصلوات الخمس (والصيام) أي صيام رمضان (والصدقة) أي
стр. 1505
وَلكِنْ أَيكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَال حُذَيفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: أَنَا. قَال: أَنْتَ، لِلهِ أَبُوكَ! .
قَال حُذَيفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا،
ــ
الزكاة، أي تكون هذه الطاعات كفارة ساترة ماحية لتلك الفتنة عن الرجل إذا كانت من الصغائر (ولكن أيكم سمع النبي ﷺ حالة كونه (يذكر الفتن) العامة (التي تموج) وتضطرب وتنتشر موجًا واضطرابًا كـ (ـموج البحر) واضطرابه وتحركه، يقال: ماج البحر إذا تحرك ماؤه وارتفع، شبهها بموج البحر في شدتها وتواليها وكثرتها وتدافعها (قال حذيفة فأسكت القوم) بقطع الهمزة المفتوحة، أي صمتوا وسكتوا، وأطرقوا رؤوسهم، وإنما سكتوا لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما حفظوا النوع الأول، قال جمهور أهل اللغة: سكت وأسكت لغتان، كلاهما بمعنى صمت، وقال الأصمعي: سكت بمعنى صمت، وأسكت بمعنى أطرق، وقال أبو علي البغدادي وغيره: سكت وأسكت بمعنى صمت، قال الهروي: ويكون سكت بمعنى سكن ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ وبمعنى انقطع، تقول العرب جرى الوادي ثلاثًا ثم سكت أي انقطع، ويقال سكت يسكت سكتًا وسكوتًا وسُكاتًا قال حذيفة (فقلت) لعمر (أنا) الذي سمع النبي ﷺ يذكر الفتن المائجة موج البحر (قال) عمر (أنت لله أبوك) أي أنت سمعتها فلله در أبيك، أي درّ ارتفع به أبوك وكبر حتى أولدك، وهذه الجملة كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها مع التعجب، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف للمضاف، ولهذا قالوا: بيت الله، وناقة الله، قال صاحب التحرير: فإذا وُجد من الولد ما يُحمد به قيل له: لله أبوك حيث أتى وأنجب بمثلك (قال حذيفة) فقلت لعمر في بيانها (سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول: تعرض الفتن) أي تظهر الفتن والمخالفة والمنازعة والمقاتلة والمشاتمة بين المسلمين وتمر (على القلوب) وتؤثر فيها، ويظهر أثر قبولها على قلوب الناس (كالحصير) أي كما يظهر أثر الحصير وأوراقه على جنب النائم عليه (عودًا عودًا) أي ورقًا ورقًا، وهذا كناية عن شدة قبولها، وكثرة خوض الناس فيها، حتى يهلكوا فيها، ومعنى تعرض الفتن على القلوب: أي تلصق بعرض القلوب، أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه شدة
стр. 1506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التصاقه به، أو المعنى تظهر الفتن للقلوب وتتوالى عليها فتنة بعد أخرى، كما يعرض الحصير على الناسج عودًا عودًا، أي ورقًا بعد ورق، قال السنوسي: وقيل معنى تعرض توضع عليها، وتبسط كما يبسط الحصير من عرض العود على الإناء، والسيف على الفخذين يعرضه إذا وضعه، وقيل هو من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم اهـ.
وقوله (عودًا عودًا) قال النواوي: هذان الحرفان مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه: أظهرها وأشهرها عودًا عودًا بضم العين، وبالدال المهملة، والمعنى عليه كما مر آنفًا تظهر الفتن والمخالفة والمقاتلة بين المسلمين ويظهر أثرها على القلوب، كما يظهر أثر الحصير على جنب النائم عليه عودًا عودًا أي ورقًا ورقًا، والثاني (عَوْدًا عَوْدًا) بفتح العين وبالدال المهملة والمعنى عليه تعاد الفتن وتكرر على القلوب إعادة بعد إعادة، ومرة بعد أخرى حتى تتمكن في قلوب من قبلها، والثالث (عَوذًا عَوذًا) بفتح العين وبالذال المعجمة، والمعنى عليه تظهر الفتن على القلوب وتؤثر فيها عِياذًا عياذًا بالله تعالى منها أي نعوذ بالله منها عياذًا، أي استعاذة من شرها وضررها، فمعنى عوذًا عوذًا سؤال الاستعاذة منها فهو منصوب بعامل محذوف وجوبًا لنيابة تكراره عنه كقولهم: غفرًا غفرًا أي نستغفرك غفرانًا، والمعنى: نسألك يا رب أن تعيذنا منها، وأظهر الأوجه الثلاثة وأشهرها الأول كما مر آنفًا.
وقوله (كالحصير) أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشطبة بعد أخرى: الشطبة: السعفة الخضراء والسعفة ورقة النخل.
وعبارة المفهم هنا (قوله كالحصير عودًا عودًا) ضُبط هذان الحرفان بثلاث تقييدات:
الأول: ضبطه القاضي الشهيد بفتح العين المهملة والذال المعجمة، والثاني: ضبطه أبو بحرِ سفيان بن العاصي بضم العين ودالء مهملة، والثالث: ضبطه أبو الحسين بن سراج بفتح العين ودال مهملة، فمعنى الضبط الأول: سؤال الإعاذة والسلامة منها كما يقال غفرًا غفرًا أي اللهم اغفر اللهم اغفر، ومعنى الضبط الثاني: أن الفتن تتوالى واحدة بعد أخرى كنسج الحصير عودًا بإزاء عود، وشطبة بإزاء شطبة، أو كما
стр. 1507
فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَينِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ
ــ
يناول مُهيئ القضبان للناسج عودًا بعد عود، ومعنى الضبط الثالث قريب من الثاني، يعني أن الفتنة كلما مضت واحدةٌ عادت أخرى كما يفعل ناسج الحصير، كلما فرغ من موضع شطبة أو عود عاد إلى مثله، والمعنى الثاني أمكن وأليق بالتشبيه والله أعلم اهـ.
قال النواوي: ويترجح رواية ضم العين مع الدال المهملة، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، قال القاضي: وهذا معنى الحديث عندي، وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه والله تعالى أعلم.
(فأي قلب) من تلك القلوب التي عرضت الفتن عليها (أشربها) أي أشرب تلك الفتن وقبلها، ودخلت فيه دخولًا تامًّا، وألزمها وتمكنت فيه وحلت منه محل الشراب حتى لا تقبل الانفكاك منه، نظير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي حب العجل، وقولهم: ثوبٌ مشرب بحمرة) أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها (نكت) أي نقط (فيه) أي في ذلك القلب الذي أُشربها (نكتة) أي نقطة (سوداء) أي ذات سواد، أي ظهر فيه سواد يسير مثل النقطة، قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء تخالف لونه فهي نكتة (وأي قلب أنكرها) أي أنكر تلك الفتن وردها، ولم يقبلها واعتزل من الخوض فيها (نكت) أي نقط (فيه) أي في ذلك القلب الذي أنكرها، ولم يخض فيها (نكتة) أي نقطة (بيضاء) أي ذات بياض، والنكتتان كناية عن نقص الإيمان وكماله، فالنكتة السوداء كناية عن نقصِ نورِ إيمانِ مَنْ قَبِلهَا، وأُشربها بظلام تلك الفتن والنكتةُ البيضاء كناية عن سلامة نور إيمان من أنكرها، ولم يَخُض فيها مِنْ ظلامِ تلك الفتن، وقوله (حتى تصير على قلبين) غاية لقوله تعرض الفتن، أي تعرض الفتن وتظهر وتنتشر حتى تصير وتكون على قلبين: أحدهما ما ذكره بقوله: تعرض.
(على) قلب (أبيض) بالنور التام من الإيمان أملس (مثل الصفا) أي مثل الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، في عدم تأثره وقبوله لتلك الفتن (فلا تضره) أي فلا تضر ذلك القلب الأبيض الأملس مثل الصفا (فتنةٌ) واحدة من تلك الفتن التي توالت وتتابعت
стр. 1508
مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ"
ــ
على القلوب، بل هو ناجٍ سليم منها سلامة مؤبدة دائمة (ما دامت السماوات والأرض) أي مدة دوامهما، والقصد تأبيد سلامته من ضرر تلك الفتن.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس تشبيهه بالصفا بيانًا لبياضه، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء اهـ.
والقلب الثاني ما ذكره بقوله (و) القلب (الآخر) الذي أشرب تلك الفتن وقبلها وتمكنت فيه (أسود) أي ذو سواد وظلام بانطماس نور إيمانه بتلك الفتن وخوضه فيها، وقوله (مرْبادًا) على زنة محمار، حال من الضمير المستتر في أسود، أي حالة كون ذلك القلب الآخر مربادًا أي مخلوطًا سواده ببقايا بياض نور الإيمان، وحالة كونه (كالكوز) والكأس (مجخيًا) بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مشددة مكسورة، أي حالة كونه كالكوز المجخي، أي المقلوب المنكوس الذي لا يقبل تعبئة الماء فيه، قال القاضي عياض: قال لي ابن السراج: ليس قوله كالكوز مجخيًا تشبيهًا لما تقدم من سواده، بل هو وصف آخر من أوصافه، بأنه قلب ونكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة، ومثله بالكوز المجخي، أي المقلوب وبينه بقوله (لا يعرف) ذلك القلب الآخر الأسود ولا يقبل (معروفًا) من معروفات الشرع بل يرده وينكره (ولا ينكر) أي لا ينكر (منكرًا) من منكرات الشرع الذي هو من جنس هواه، بل لا يقبل شيئًا من المعروف (إلا ما أشرب) ذلك القلب (من هواه) وشهواته التي هي من جنس المنكرات، بل هو حليف الهوى، مفارق الهدى، قال السنوسي: قال بعضهم: يعني لا يعرف القلب إلا ما قيل من الاعتقادات الفاسدة، والشهوات النفسانية، قال الطيبي: ولعله أراد أنه من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، أي ليس فيه خير إلا هذا، وهذا ليس بخير، فيلزم منه أن لا يكون فيه خير ألبتة اهـ.
وقال القاضي: شبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المنحرف الذي لا يثبت فيه الماء، وقال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان،
стр. 1509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك.
قال السنوسي: قلت والضمير في قوله (حتى تصير) للقلوب، أي حتى تصير القلوب على نوعين: أحدهما أبيض صلب لا تزلزل عقائده لواردة الفتن، ولا يتضرر بها في دينه لتحقق عرفانه ورسوخ إيقانه في تمييز الباطل من الحق، والبدعة من السنة، فلم يكن ماسورًا بالتقليد، ولا منخدعًا بالعوائد الفاسدة التي درج عليها الأكثر، ولهذا ضرب له المثل بالصفا، لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان، ولم يدخلها لون آخر، سيما النوع الذي ضرب به المثل، فإنه أبدًا على البياض الخالص الذي لا تشوبه كدرة.
والنوع الآخر على ضد هذه الأوصاف يتزلزل لأقل فتنة وينخدع بأقل حالة فاسدة، وهذا حال العام والخاص في هذا الزمان، إلا من حُفِظَ من النادر جدًّا اهـ منه.
وقال أيضًا: قلت كأن القلب باتباع الهوى انكب إلى الأرض فزال ما فيه واحتجب عنه غيوث الأنوار السماوية، وصارت إذا وردت عليه، إنما ترد على ظاهره، وتظل ذاهبة حتى لا ينتفع بها كالإناء المنكب على وجهه إذا ورد عليه مطر ونحوه، قال تعالى في معنى ذلك: ﴿آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ومن تأمل حال من يتعاطى العلم في زماننا وجدهم إلا النادر جدًّا على هذا الوصف الذميم، قد اختلط عليهم الحال، وتلبست عليهم البدع بالسنن، وامتزج الحق عندهم بالباطل، حتى صاروا يوالون أهل البدع، ومن يذهب على غير أصل علم وسنة، بل صاروا يفعلون مثل أفعالهم، بل انتقل بهم الحال إلى الداء العضال الذي كاد أن يكون كفرًا، وهو الوقوف على أبواب الظلمة، ومن تحقق دفنه للسنة والشريعة، ويتعاطون الثناء عليهم، وإنشاء ما يقدرون عليه من الأسجاع والشعر في ذلك، وبالجملة فأكثرهم مخروب الظاهر والباطن، مسلوب من كل خير لا حظ لهم من العلم إلا نقل كلمة لا تجاوز حناجرهم.
قال الطيبي عند كلامه على حديث: "اهتز العرش لمدح الفاسق" قال: اهتزاز العرش عبارة عن وقوع أمر عظيم، وداهية دهياء، لأن فيه رضاء بما فيه سخط الله تعالى وغضبه، بل يقرب أن يكون كفرًا، لأنه يكاد يفضي إلى استحلال ما حرم الله تعالى،
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا هو الداء العضال لأكثر العلماء والشعراء والقراء المرائين في زماننا هذا، وإذا كان هذا حكم من مدح الفاسق فكيف بمن مدح الظالم، وركن إليه ركونًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ قال إنما عبر بالفعل في الموضعين ليفيد معنى، لا يكن منكم ركون ما إلى من وقع منه ظلم ما، قال في الكشاف: النهي يتناول الانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم والتزي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم اهـ منه أيضًا.
وعبارة المفهم: وقوله: (على قلبين أبيض مثل الصفا) أي قلب أبيض فحذف الموصوف للعلم به، وأقام الصفة مقامَه، وليس تشبيهه بالصفا من جهة بياضه، ولكن من جهة صلابته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل والفتن، إذ لم يلصق به ولم يؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، بخلاف القلب الآخر الذي شبهه بالكوز الخاوي، لأنه فارغ من الإيمان والأمانة.
وقوله: (والآخر أسود مربادًا) ضبطوا مربادًا بثلاث تقييدات: الأول: مرباد على زنة مِفعال من اربادَّ السداسي مثل مصفارِّ من اصفارَّ وهو رواية الخُشَني عن الطبري، والثاني: مربد مثل مسود ومحمر من اربد واسود واحمر، وهو ضبط أبي مروان بن السراج، والثالث: مربئد بالهمز بين الباء والدال وهو ضبط العذري، وكأنه من ارباد لغة فيه، وقال بعض اللغويين: يقال احمر الشيء، فإذا قوي قيل: احْمَارَّ، فإذا زاد قيل: احمأر بالهمز، فعلى هذا تكون تلك الروايات كلها صوابًا، قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره: الربدة لون بين السواد والغبرة، وقال ابن دريد: الربدة: الكدرة، وقال الحربي: هو لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض، ومنه اربدَّ لونه إذا تغير ودخله سوادٌ، وإنما سُمي النعام ربدًا لأن أعالي ريشها إلى السواد، وقال نفطويه: المربد الملمع بسواد وبياض، ومنه تربد لونه أي تلون فصار كلون الرماد.
وقوله (كالكوز مُجَخِّيًا) قال الهروي: المُجَخِّي المائلُ، ويقال: جخَّى إذا فتح عضُدَيه في السجود، وكذلك جخَّ وقال شمر: جخَّى في صلاته: إذا رفع بطنه عن الأرض في السجود، وكذلك خوَّى، وقال أبو عبيد: المجخي المائل، ولا أحسبه أراد بميله إلا أنه منخرق الأسفل، شبه به القلب الذي لا يعي خيرًا ولا يثبت فيه، كما لا يثبت
следующие страницы →