. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التصاقه به، أو المعنى تظهر الفتن للقلوب وتتوالى عليها فتنة بعد أخرى، كما يعرض الحصير على الناسج عودًا عودًا، أي ورقًا بعد ورق، قال السنوسي: وقيل معنى تعرض توضع عليها، وتبسط كما يبسط الحصير من عرض العود على الإناء، والسيف على الفخذين يعرضه إذا وضعه، وقيل هو من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم اهـ.
وقوله (عودًا عودًا) قال النواوي: هذان الحرفان مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه: أظهرها وأشهرها عودًا عودًا بضم العين، وبالدال المهملة، والمعنى عليه كما مر آنفًا تظهر الفتن والمخالفة والمقاتلة بين المسلمين ويظهر أثرها على القلوب، كما يظهر أثر الحصير على جنب النائم عليه عودًا عودًا أي ورقًا ورقًا، والثاني (عَوْدًا عَوْدًا) بفتح العين وبالدال المهملة والمعنى عليه تعاد الفتن وتكرر على القلوب إعادة بعد إعادة، ومرة بعد أخرى حتى تتمكن في قلوب من قبلها، والثالث (عَوذًا عَوذًا) بفتح العين وبالذال المعجمة، والمعنى عليه تظهر الفتن على القلوب وتؤثر فيها عِياذًا عياذًا بالله تعالى منها أي نعوذ بالله منها عياذًا، أي استعاذة من شرها وضررها، فمعنى عوذًا عوذًا سؤال الاستعاذة منها فهو منصوب بعامل محذوف وجوبًا لنيابة تكراره عنه كقولهم: غفرًا غفرًا أي نستغفرك غفرانًا، والمعنى: نسألك يا رب أن تعيذنا منها، وأظهر الأوجه الثلاثة وأشهرها الأول كما مر آنفًا.
وقوله (كالحصير) أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشطبة بعد أخرى: الشطبة: السعفة الخضراء والسعفة ورقة النخل.
وعبارة المفهم هنا (قوله كالحصير عودًا عودًا) ضُبط هذان الحرفان بثلاث تقييدات:
الأول: ضبطه القاضي الشهيد بفتح العين المهملة والذال المعجمة، والثاني: ضبطه أبو بحرِ سفيان بن العاصي بضم العين ودالء مهملة، والثالث: ضبطه أبو الحسين بن سراج بفتح العين ودال مهملة، فمعنى الضبط الأول: سؤال الإعاذة والسلامة منها كما يقال غفرًا غفرًا أي اللهم اغفر اللهم اغفر، ومعنى الضبط الثاني: أن الفتن تتوالى واحدة بعد أخرى كنسج الحصير عودًا بإزاء عود، وشطبة بإزاء شطبة، أو كما
стр. 1507
فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَينِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ
ــ
يناول مُهيئ القضبان للناسج عودًا بعد عود، ومعنى الضبط الثالث قريب من الثاني، يعني أن الفتنة كلما مضت واحدةٌ عادت أخرى كما يفعل ناسج الحصير، كلما فرغ من موضع شطبة أو عود عاد إلى مثله، والمعنى الثاني أمكن وأليق بالتشبيه والله أعلم اهـ.
قال النواوي: ويترجح رواية ضم العين مع الدال المهملة، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، قال القاضي: وهذا معنى الحديث عندي، وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه والله تعالى أعلم.
(فأي قلب) من تلك القلوب التي عرضت الفتن عليها (أشربها) أي أشرب تلك الفتن وقبلها، ودخلت فيه دخولًا تامًّا، وألزمها وتمكنت فيه وحلت منه محل الشراب حتى لا تقبل الانفكاك منه، نظير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي حب العجل، وقولهم: ثوبٌ مشرب بحمرة) أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها (نكت) أي نقط (فيه) أي في ذلك القلب الذي أُشربها (نكتة) أي نقطة (سوداء) أي ذات سواد، أي ظهر فيه سواد يسير مثل النقطة، قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء تخالف لونه فهي نكتة (وأي قلب أنكرها) أي أنكر تلك الفتن وردها، ولم يقبلها واعتزل من الخوض فيها (نكت) أي نقط (فيه) أي في ذلك القلب الذي أنكرها، ولم يخض فيها (نكتة) أي نقطة (بيضاء) أي ذات بياض، والنكتتان كناية عن نقص الإيمان وكماله، فالنكتة السوداء كناية عن نقصِ نورِ إيمانِ مَنْ قَبِلهَا، وأُشربها بظلام تلك الفتن والنكتةُ البيضاء كناية عن سلامة نور إيمان من أنكرها، ولم يَخُض فيها مِنْ ظلامِ تلك الفتن، وقوله (حتى تصير على قلبين) غاية لقوله تعرض الفتن، أي تعرض الفتن وتظهر وتنتشر حتى تصير وتكون على قلبين: أحدهما ما ذكره بقوله: تعرض.
(على) قلب (أبيض) بالنور التام من الإيمان أملس (مثل الصفا) أي مثل الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، في عدم تأثره وقبوله لتلك الفتن (فلا تضره) أي فلا تضر ذلك القلب الأبيض الأملس مثل الصفا (فتنةٌ) واحدة من تلك الفتن التي توالت وتتابعت
стр. 1508
مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ"
ــ
على القلوب، بل هو ناجٍ سليم منها سلامة مؤبدة دائمة (ما دامت السماوات والأرض) أي مدة دوامهما، والقصد تأبيد سلامته من ضرر تلك الفتن.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس تشبيهه بالصفا بيانًا لبياضه، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء اهـ.
والقلب الثاني ما ذكره بقوله (و) القلب (الآخر) الذي أشرب تلك الفتن وقبلها وتمكنت فيه (أسود) أي ذو سواد وظلام بانطماس نور إيمانه بتلك الفتن وخوضه فيها، وقوله (مرْبادًا) على زنة محمار، حال من الضمير المستتر في أسود، أي حالة كون ذلك القلب الآخر مربادًا أي مخلوطًا سواده ببقايا بياض نور الإيمان، وحالة كونه (كالكوز) والكأس (مجخيًا) بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مشددة مكسورة، أي حالة كونه كالكوز المجخي، أي المقلوب المنكوس الذي لا يقبل تعبئة الماء فيه، قال القاضي عياض: قال لي ابن السراج: ليس قوله كالكوز مجخيًا تشبيهًا لما تقدم من سواده، بل هو وصف آخر من أوصافه، بأنه قلب ونكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة، ومثله بالكوز المجخي، أي المقلوب وبينه بقوله (لا يعرف) ذلك القلب الآخر الأسود ولا يقبل (معروفًا) من معروفات الشرع بل يرده وينكره (ولا ينكر) أي لا ينكر (منكرًا) من منكرات الشرع الذي هو من جنس هواه، بل لا يقبل شيئًا من المعروف (إلا ما أشرب) ذلك القلب (من هواه) وشهواته التي هي من جنس المنكرات، بل هو حليف الهوى، مفارق الهدى، قال السنوسي: قال بعضهم: يعني لا يعرف القلب إلا ما قيل من الاعتقادات الفاسدة، والشهوات النفسانية، قال الطيبي: ولعله أراد أنه من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، أي ليس فيه خير إلا هذا، وهذا ليس بخير، فيلزم منه أن لا يكون فيه خير ألبتة اهـ.
وقال القاضي: شبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المنحرف الذي لا يثبت فيه الماء، وقال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان،
стр. 1509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك.
قال السنوسي: قلت والضمير في قوله (حتى تصير) للقلوب، أي حتى تصير القلوب على نوعين: أحدهما أبيض صلب لا تزلزل عقائده لواردة الفتن، ولا يتضرر بها في دينه لتحقق عرفانه ورسوخ إيقانه في تمييز الباطل من الحق، والبدعة من السنة، فلم يكن ماسورًا بالتقليد، ولا منخدعًا بالعوائد الفاسدة التي درج عليها الأكثر، ولهذا ضرب له المثل بالصفا، لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان، ولم يدخلها لون آخر، سيما النوع الذي ضرب به المثل، فإنه أبدًا على البياض الخالص الذي لا تشوبه كدرة.
والنوع الآخر على ضد هذه الأوصاف يتزلزل لأقل فتنة وينخدع بأقل حالة فاسدة، وهذا حال العام والخاص في هذا الزمان، إلا من حُفِظَ من النادر جدًّا اهـ منه.
وقال أيضًا: قلت كأن القلب باتباع الهوى انكب إلى الأرض فزال ما فيه واحتجب عنه غيوث الأنوار السماوية، وصارت إذا وردت عليه، إنما ترد على ظاهره، وتظل ذاهبة حتى لا ينتفع بها كالإناء المنكب على وجهه إذا ورد عليه مطر ونحوه، قال تعالى في معنى ذلك: ﴿آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ومن تأمل حال من يتعاطى العلم في زماننا وجدهم إلا النادر جدًّا على هذا الوصف الذميم، قد اختلط عليهم الحال، وتلبست عليهم البدع بالسنن، وامتزج الحق عندهم بالباطل، حتى صاروا يوالون أهل البدع، ومن يذهب على غير أصل علم وسنة، بل صاروا يفعلون مثل أفعالهم، بل انتقل بهم الحال إلى الداء العضال الذي كاد أن يكون كفرًا، وهو الوقوف على أبواب الظلمة، ومن تحقق دفنه للسنة والشريعة، ويتعاطون الثناء عليهم، وإنشاء ما يقدرون عليه من الأسجاع والشعر في ذلك، وبالجملة فأكثرهم مخروب الظاهر والباطن، مسلوب من كل خير لا حظ لهم من العلم إلا نقل كلمة لا تجاوز حناجرهم.
قال الطيبي عند كلامه على حديث: "اهتز العرش لمدح الفاسق" قال: اهتزاز العرش عبارة عن وقوع أمر عظيم، وداهية دهياء، لأن فيه رضاء بما فيه سخط الله تعالى وغضبه، بل يقرب أن يكون كفرًا، لأنه يكاد يفضي إلى استحلال ما حرم الله تعالى،
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا هو الداء العضال لأكثر العلماء والشعراء والقراء المرائين في زماننا هذا، وإذا كان هذا حكم من مدح الفاسق فكيف بمن مدح الظالم، وركن إليه ركونًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ قال إنما عبر بالفعل في الموضعين ليفيد معنى، لا يكن منكم ركون ما إلى من وقع منه ظلم ما، قال في الكشاف: النهي يتناول الانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم والتزي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم اهـ منه أيضًا.
وعبارة المفهم: وقوله: (على قلبين أبيض مثل الصفا) أي قلب أبيض فحذف الموصوف للعلم به، وأقام الصفة مقامَه، وليس تشبيهه بالصفا من جهة بياضه، ولكن من جهة صلابته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل والفتن، إذ لم يلصق به ولم يؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، بخلاف القلب الآخر الذي شبهه بالكوز الخاوي، لأنه فارغ من الإيمان والأمانة.
وقوله: (والآخر أسود مربادًا) ضبطوا مربادًا بثلاث تقييدات: الأول: مرباد على زنة مِفعال من اربادَّ السداسي مثل مصفارِّ من اصفارَّ وهو رواية الخُشَني عن الطبري، والثاني: مربد مثل مسود ومحمر من اربد واسود واحمر، وهو ضبط أبي مروان بن السراج، والثالث: مربئد بالهمز بين الباء والدال وهو ضبط العذري، وكأنه من ارباد لغة فيه، وقال بعض اللغويين: يقال احمر الشيء، فإذا قوي قيل: احْمَارَّ، فإذا زاد قيل: احمأر بالهمز، فعلى هذا تكون تلك الروايات كلها صوابًا، قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره: الربدة لون بين السواد والغبرة، وقال ابن دريد: الربدة: الكدرة، وقال الحربي: هو لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض، ومنه اربدَّ لونه إذا تغير ودخله سوادٌ، وإنما سُمي النعام ربدًا لأن أعالي ريشها إلى السواد، وقال نفطويه: المربد الملمع بسواد وبياض، ومنه تربد لونه أي تلون فصار كلون الرماد.
وقوله (كالكوز مُجَخِّيًا) قال الهروي: المُجَخِّي المائلُ، ويقال: جخَّى إذا فتح عضُدَيه في السجود، وكذلك جخَّ وقال شمر: جخَّى في صلاته: إذا رفع بطنه عن الأرض في السجود، وكذلك خوَّى، وقال أبو عبيد: المجخي المائل، ولا أحسبه أراد بميله إلا أنه منخرق الأسفل، شبه به القلب الذي لا يعي خيرًا ولا يثبت فيه، كما لا يثبت
стр. 1511
قَال حُذَيفَةُ: وَحَدَّثتُهُ؛ أَن بَينَكَ وَبَينَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قال عُمَرُ: أَكسْرًا، لا أَبَا لَكَ؟
ــ
الماء في الكوز المنخرق، قال المؤلف: ولا يحتاج إلى هذا التقدير والتكلف، فإنه إذا كان مقلوبًا منكوسًا كما قال سعد، لم يثبت فيه شيء، وإن لم يكن منخرقًا، وقد فسره سياق الكلام حيث قال: لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه اهـ مفهم.
وقوله (مربادًا) حال من الضمير في أسود، أي أسود حالة كون سواده مخلوطًا ببياض.
وقوله (كالكوز) إما حال من الضمير في أسود، فيكون حالًا مترادفة، أو من الضمير في مرباد فيكون حالًا متداخلة، أي حالة كون ذلك القلب شبيهًا بالكوز الفارغ.
وقوله (مجخيًا) حال من الكوز، أي حالة كون الكوز منكبًا منكوسًا مقلوبًا ليس فيه شيء.
(قال حذيفة وحدثته) أي حدثت عمر عن رسول الله ﷺ (أن بينك) يا عمر (وبينها) أي وبين تلك الفتن (بابا مغلقًا) أي مسكوكًا بالغلق (يوشك) بضم الياء وكسر الشين، أي يقرب ذلك الباب (أن يكسر) ويفتح فلا يغلق بعد ذلك، ومعنى ذلك أن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك، قال ابن بطال: قول حذيفة (إن بينك وبينها بابا مغلقًا) ولم يقل له أنت الباب، وهو يعلم أنه الباب، فعرَّض له بما فهمه ولم يصرح، وذلك من حسن أدبه، وقد جاء في الصحيح أن عمر كان عارفًا بذلك، فإن قيل: لم شك في ذلك حتى سأل عنه؟ فالجواب: أن ذلك يقع مثله عند شدة الخوف، أو لعله خشي أن يكون نسي، فسأل من يذكره، قال الحافظ في الفتح: وهذا هو المعتمد، وراجع فتح الملهم.
(قال) لي (عمر أ) يكسر ذلك الباب كسرًا) أم يفتح، فإن كسر فالمكسور لا يمكن إعادته بخلاف المفتوح، ولأن الكسر لا يكون غالبًا إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة.
وقوله (لا أبا لك) قال صاحب التحرير هذه كلمة تذكرها العرب للحث على الشيء، ومعناها: إن الإنسان إذا كان له أب وحزبه أمر، ووقع في شدة عاونه أبوه، ورفع عنه بعض الكل فلا يحتاج من الجد والاهتمام إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد،
стр. 1512
فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. قُلْتُ: لا، بَلْ يُكْسَرُ
ــ
وعدم الأب المعاون، وإذا قيل (لا أبا لك) فمعناه جُدَّ في هذا الأمر وشمِّر وتأهب تأهُّب من ليس له معاون والله أعلم.
وعبارة المفهم هنا: وقوله (أكسرًا لا أبا لك) استعظام من عمر لكسر ذلك الباب، وخوف منه أن لا ينجبر، لأن الكسر لا يكون إلا عن إكراه وغلبة، فكأن الباب المغلق عن دخول الفتن على الإسلام عمر رضي الله تعالى عنه وكسره قتله، واللام في لا أبا لك مقحمة، وكذلك في قولهم: لا يدي لفلان بهذا الأمر، ولا تريد العرب بهذا الكلام نفي الأبوة حقيقة، ، إنما هو كلام جرى على ألسنتهم كالمثل، ولقد أبدع البديع حيث قال في هذا المعنى:
وقد يُوحَشُ اللفظُ وكلُّه ودَّ ... ويكرَهُ الشيءُ وما مِن فعله بدُّ
هذه العرب تقول: "لا أبا لك" للشيء إذا أهم و"قاتله الله" ولا يريدون به الذم، و"وويل أمه" للأمر إذا تم، ولذوي الألباب في هذا الباب أن ينظروا إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوًا فهو البلاء وإن حسن.
وإعراب (لا أبا لك) لا: نافية للجنس تعمل عمل إن، أبا: في محل النصب اسمها مبني بفتح مقدر منع من ظهوره التعذر لأنه اسم مقصور على لغة من يُلزم الأسماء الخمسة الألف كقوله:
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
لك: اللام زائدة، والكاف ضمير متصل في محل الجر مضاف إليه لأبا وخبر لا محذوف وجوبًا تقديره موجودٌ (فلو) ثبت (أنه) أي أن ذلك الباب (فتح) فلو شرطية وجملة أن في تأويل مصدر فاعل لفعل محذوف هو فعل الشرط، وجوابه جملة (لعله) أي لعل ذلك الباب، وكلمة (كان) زائدة وجملة (يعاد) خبر لعل، وجملة لعل جواب لو الشرطية، والتقدير: فلو ثبت فتحه يرجى إعادته، قال حذيفة (قلت) لعمر (لا) يفتح (بل يكسر) ذلك الباب فلا يعاد إلى حاله الأول، لأن المكسور لا تمكن إعادته بخلاف المفتوح.
قال الأبي: لا يُعنى بالفتن هنا الفتن الواقعة بعد قتل عمر كيوم الجمل وصفين،
стр. 1513
وَحَدَّثْتُهُ، أَن ذلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَو يَمُوتُ. حَدِيثًا لَيسَ بِالأغَالِيطِ.
قَال أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسْوَدُ مِرْبَادًا؟ قَال:
ــ
لأنه لا يصدق في أهلها أنهم لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، وإنما يصدق في قتلة عثمان، وفتنة الخوارج مع علي فما بعد اهـ.
قال حذيفة (وحدثته) أي حدثت عمر عن رسول الله ﷺ (أن ذلك الباب) المغلق الذي وراءه الفتن (رجل يقتل) ظلمًا شهيدًا (أو يموت) على فراشه، بلا تسبب أحدِ إلى موته، أما الرجل الذي يقتل فقد جاء مبينًا في الصحيح أنه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وقوله (يقتل أو يموت) يحتمل أن يكون حذيفة سمعه من النبي ﷺ هكذا على الشك والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن يكون حذيفة علم أنه يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر بالقتل، فإن عمر كان يعلم أنه الباب كما جاء مبينًا في الصحيح، أن عمر كان يعلم مَنِ الباب، كما يعلم أن قبل غدِ الليلة، فأتى حذيفة بكلام يحصل منه الغرض، مع أنه ليس إخبارًا لعمر بأنه يقتل.
وقوله (حديثًا ليس بالأغاليط) منصوب على المفعولية المطلقة بحدثته، والأغاليط وكذا المغاليط: الكلم التي يغالط بها، واحدها أغلوطة ومغلطة، والمعنى حدثته حديثًا صدقًا محققًا لا غلط ولا خطأ فيه، ليس هو من صحف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي الرأي، بل من حديث رسول الله ﷺ ، وقال الطيبي: أراد أن ما ذكرت له لم يكن مبهمًا كالأغاليط، بل صرحته تصريحًا، وقال القاري: وحاصله أنه لم يكن الكلام من باب التصريح بل من قبيل الرمز والتلويح، لكن عمر ممن لا تخفى عليه الإشارة فضلًا عن العبارة، بل هو من أصحاب الأسرار وأرباب الأنوار، راجع فتح الملهم.
والحاصل أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ﵁ وهو الباب، فما دام حيًّا لا تدخل الفتن، فإذا مات دخلت الفتن، وكذا كان والله أعلم.
(قال أبو خالد) الأحمر سليمان بن حيان بالسند السابق (ذ) لما سمعت هذا الحديث من سعد بن طارق وأشكل علي معناه (قلت لسعد) طالبًا منه إزالة الإشكال عني فيه (يا أبا مالك) كنية سعد بن طارق (ما) معنى مربادًا في قوله: والآخر (أسود مربادًا
стр. 1514
شِدَّةُ الْبَيَاضِ في سَوَادٍ. قَال: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَال: مَنْكُوسًا.
٢٧٣ - (٠٠)(٠٠) وحدَّثني ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأشجَعِيُّ، عَن رِبْعِيٍّ؛ قَال: لَمَّا قَدِمَ حُذَيفَةُ
ــ
قال) لي سعد: معنى الاربداد الذي أخذ منه مرباد (شدة البياض) أي البياض الشديد الموجود (في) خلال (سواد) ووسطه، ولكن يُسمى هذا بلقًا لا اربدادًا، وهذا التفسير خطأ من بعض الرواة وتصحيف منه.
قال القاضي عياض: كان بعض شيوخنا يقول إنه تصحيف، وهو قول القاضي أبي الوليد الكناني قال: أرى أن صوابه شبه البياض في سواد، وذلك أن شدة البياض في سواد لا يُسمى ربدة، وإنما يقال لها بلق إذا كان في الجسم، وحورٌ إذا كان في العين، والربدة إنما هو شيء من بياض يسير يخالط السواد كلون أكثر النعام، ومنه قيل للنعامة ربداء، فصوابه شبه البياض لا شدة البياض، والله أعلم.
(قال) أبو خالد أيضًا (قلت) لسعد بن طارق (فما) معنى مجخيًا في قوله كـ (ـالكوز مجخيًا؟ قال) سعد معنى مجخيًا (منكوسًا) أي مقلوبًا مُنْكَبًّا.
وهذا الحديث أعني حديث حذيفة بن اليمان انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات ولكن شاركه أحمد (٥/ ٤٠٥) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٧٣) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثني) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني، أبو عبد الله المكي صدوق كانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في (١١) بابًا.
قال ابن أبي عمر (حدثنا مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء (الفزاري) أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة، ثقة حافظ من الثامنة، مات قبل يوم التروية بيوم فجأة سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
قال مروان بن معاوية (حدثنا أبو مالك) سعد بن طارق (الأشجعي) الكوفي، ثقة من الرابعة، مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا (عن ربعي) بن حراش الغطفاني العبسي، أبي مريم الكوفي، ثقة عابد مخضرم من الثانية، مات سنة مائة (١٠٠) (قال) ربعي بن حراش (لما قدم حذيفة) بن اليمان الكوفي الكوفة في انصرافه ورجوعه
стр. 1515
مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، جَلَسَ فَحَدَّثَنَا. فَقَال: إِن أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَمْسِ لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَنُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الْفِتَنِ؟ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أبِي خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكِ لِقَوْلِهِ: "مِرْبَادًا مُجَخِّيًا"
ــ
من المدينة (من عند عمر) بن الخطاب ﵄ (جلس) في حلقته، وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم كوفيون إلا ابن أبي عمر فإنه عدني مكي، وغرضه بسوقه بيان متابعة مروان بن معاوية لأبي خالد الأحمر في رواية هذا الحديث عن سعد بن طارق، أبي مالك الأشجعي، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
(فحدثنا) ما جرى بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما من الحوار في المدينة (فقال) حذيفة (إن أمير المؤمنين) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، وهو أول من سُمي بأمير المؤمنين، وقوله (أمسِ) ظرف زمان متعلق بقوله (لما جلست إليه) وهو هنا اسم للزمن الماضي، لا المعنى المعروف فيه، وهو أنه اسم لليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه متصلًا به، وقد بسطنا الكلام عليه بما لا مزيد عليه في كتبنا النحوية كـ "جواهر التعليمات" و"نزهة الألباب"، فالمراد بقوله (أمس) الزمن الماضي لا أمس يومه، وهو اليوم الذي يلي يوم تحديثه، لأن مراده لما قدم حذيفة الكوفة في انصرافه من المدينة من عند عمر رضي الله تعالى عنهما، والمعنى أن أمير المؤمنين لما جلست عنده في المدينة في الزمن الماضي قبل رجوعي إلى الكوفة (سأل أصحابه) أي جلساءه فقال (أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ وحديثه (في الفتن وساق) أي ذكر مروان بن معاوية (الحديث) السابق، والباء في قوله (بمثل حديث أبي خالد) الأحمر زائدة، لتأكيد معنى المماثلة، ومثل بدل من الحديث، أو حال منه، أي وساق مروان مثل حديث أبي خالد، أو وساق الحديث المذكور، حالة كونه مماثلًا لحديث أبي خالد لفظًا ومعنى (ولم يذكر) مروان بن معاوية في روايته (تفسير أبي مالك لقوله مربادًا) في قوله ما أسود مربادًا، وتفسر قوله (مجخيًا) في قوله فما الكوز مجخيًا، وهذا استثناء من المماثلة في قوله: بمثل حديث أبي خالد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه فقال:
стр. 1516
٢٧٤ - (٠٠)(٠٠) (وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَثَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّي، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيمَانَ التيمِيِّ، عَنْ نُعَيمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ،
ــ
(٢٧٤) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثني محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنَزيُّ - بفتح النون وبالزاي - أبو موسى البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) روى عنه المؤلف في (١٤) بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (عمرو بن علي) بن بحر بن كُنَيز - بنون وزاي - مصغرًا، الباهلي الصيرفي، أبو حفص البصري المعروف بالفلاس، روى عن ابن أبي عدي في الإيمان وغيره، وبشر بن المفضل في الوضوء، ومحمد بن جعفر غندر في الصلاة وغيرها، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى في النكاح، ويروي عنه (ع) وأحمد بن الحسن بن خراش، وزهير بن حرب، والحسن الحلواني، وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة، مات في آخر ذي القعدة بالعسكر سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (عقبة بن مكرم) بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه على صيغة اسم المفعول (العمي) بفتح العين وتشديد الميم نسبة إلى بني عم، أبو عبد الملك البصري، ثقة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
(قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا محمد) بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي مولاهم، أبو عمرو البصري، وثقه أبو حاتم والنسائي، ثقة من التاسعة، مات بالبصرة سنة (١٩٤) روى عنه المؤلف في (٧) أبواب تقريبًا.
(عن سليمان) بن طرخان (التيمي) أي المنسوب إلى تيم لكونه نازلًا فيهم، أبي المعتمر البصري، ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٤٣) وله (٩٩) سنة، روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا (عن نعيم) مصغرًا (بن أبي هند) النعمان بن أشيم الأشجعي الكوفي، وهو ابن عم سالم بن أبي الجعد، وابن عم أبي مالك الأشجعي، روى عن ربعي بن حراش في الإيمان والبيوع والفتن، وأبي حازم سلمان في قصة أبي جهل، ويروي عنه (م ت س ق) وسليمان التيمي، ومغيرة بن مقسم، وشعبة، وغيرهم، وثقه
стр. 1517
عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ أَن عُمَرَ قَال: مَنْ يُحَدِّثُنَا، أَوْ قَال: أَنُّكُمْ يُحَدِّثُنَا (وَفِيهِمْ حُذَيفَةُ) مَا قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ في الْفِتْنَةِ؟ قَال حُذَيفَةُ: أَنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْو حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَال في الْحَدِيثِ: قَال حُذَيفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيسَ بِالأغَالِيطِ. وقَال: يَعْنِي أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
النسائي، وقال في التقريب: ثقة رمي بالنصب من الرابعة، مات سنة (١١٠) عشر ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا.
(عن ربعي بن حراش) العبسي الكوفي، ثقة من الثانية (عن حذيفة) بن اليمان الكوفي، صاحب سرِّ رسول الله ﷺ ، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة كوفيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة نعيم بن أبي هند لأبي مالك الأشجعي في رواية هذا الحديث عن ربعي بن حراش، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع بيان أن له علوًا ونزولًا في السند.
(أن عمر) بن الخطاب (قال) لجلسائه في المدينة (من يحدثنا أو قال) عمر (أيكم يحدثنا) والشك من حذيفة أو ممن دونه، وقوله (وفيهم) أي وفي جلساء عمر وأصحابه (حذيفة) بن اليمان، كلام مدرج أدرجه ربعي أو من دونه، أي قال عمر: من يحدثنا (ما قال رسول الله ﷺ في) شأن (الفتنة) التي ستقع بين المسلمين (قال حذيفة أنا) أحدثكموها لأني سمعتها من رسول الله ﷺ (وساق) نعيم بن أبي هند (الحديث) السابق (كنحو) أي مثل نحو (حديث أبي مالك) الأشجعي (عن ربعي) بن حراش (و) لكن (قال) نعيم بن أبي هند (في) رواية هذا (الحديث: قال حذيفة حدثته) أي حدثت عمر (حديثًا ليس بالأغاليط) والأخطاء (وقال) ربعي بن حراش (يعني) حذيفة بقوله حدثته حديثًا ليس بالأغاليط (أنه) أي أن حذيفة حدثه (عن رسول الله ﷺ لا عن الصحف ولا عن الرأي، وللإشارة إلى هذه الزيادة الواقعة في رواية نعيم وهي قوله (يعني أنه عن رسول الله ﷺ جمع بين الكاف، ونحو في قوله كنحو حيث لم يقتصر على نحو أو على مثل فما هنا موافقة مع الزيادة في المتابعة، ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا وهو حديث حذيفة بن اليمان، ولكن ذكر فيه متابعتين.
стр. 1518
٧٤ - (٣٣) بَابُ: غُرْبَةِ الإِسْلامِ في بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ، وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَينَ الْمَسْجِدَينِ
٢٧٥ - (١٣٧)(٦٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَال ابْنُ عَبَّادِ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ
ــ
٧٤ - (٣٣) بَابُ: غُرْبَةِ الإِسْلامِ في بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ، وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَينَ الْمَسْجِدَينِ
أي هذا بابٌ معقود في ذكر الأحاديث الدالة على أن الإسلام كان في أول بدايته وظهوره غريبًا، أي قليل الأهالي والحَمَلة، ثم بعد ظهوره وانتشاره سيعود في آخر الزمان غريبًا، أي قليل الأهالي والحملة، والمراد أن الإسلام نشأ في أول أمره في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر فأخبر ﷺ أنه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة كابتدائه، وأصل الغربة البعد كما قال الشاعر:
فلا تحرميني نائلًا عن جناية ... فإني امرؤ وسط العباب غريبُ
وبه سُمي الغريب لبعد داره، وسمي النفي تغريبًا لذلك، وعلى أن الإيمان ليأرز أي لينضم ويجتمع بعضه إلى بعض، ويرجع إلى المدينة كما تنضم الحية إلى جحرها.
(٢٧٥) - س (١٣٧)(٦٠) (حدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان، أبو عبد الله المكي، نزيل بغداد، صدوق يهم من العاشرة، مات ببغداد في آخر ذي الحجة سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا.
(و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني ثم المكي، صدوق كانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة (٢٤٣) روى عنه المؤلف في (١١) بابا وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن كِلَا الراويين صدوق، وقوله (جميعًا) حال من الراويين، أي حالة كون كل منهما مجتمعين في الرواية (عن مروان) بن معاوية بن الحارث (الفزاري) أي المنسوب إلى بني فزارة، أبي عبد الله الكوفي، ثقة حافظ من الثامنة، مات فجأة سنة (١٩٣) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
وأتى بقوله (قال ابن عباد حدثنا مروان) تورعًا من الكذب عليه، لأنه لو لم يأت به لأوهم أنه روى عن مروان بالعنعنة، كابن أبي عمر مع أنه صرح بالسماع (عن يزيد) بن كيسان اليشكري، أبي إسماعيل، أو أبي مُنَين - بنونين مصغرًا - الكوفي، روى عن أبي
стр. 1519
- يَعْنِي ابْنَ كَيسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا،
ــ
حازم سلمان الأشجعي في الإيمان والصلاة واللباس والأطعمة والنكاح والفضائل، ومعبد أبي الأزهر، ويروي عنه (م عم) ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وغيرهم وثقه ابن معين والنسائي، واعتمده مسلم، وقال في التقريب: صدوق يخطئ من السادسة، وقال الدارقطني: كوفي ثقة، وقال أحمد: ثقة، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن كيسان) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا.
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الغطفاني الكوفي، مولى عزة الأشجعية، ثقة من الثالثة مات على رأس المائة (١٠٠) (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر المدني الدوسي، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد مكي (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : بدأ الإسلام غريبًا) أي نشأ الإسلام وطرأ ووجد حالة كونه غريبًا، أي قليل الأهالي والحملة (وسيعود) أي سيصير في آخر الزمان بعد ظهوره وانتشاره في مشارق الأرض ومغاربها، وغلبته على سائر الأديان والملل كما بدأ غريبًا) أي سيصير غريبًا قليل الأهل والحفظة، كما كان في بدايته، وأول ظهوره قليل الحملة والأصحاب.
وفي المفهم: قوله: (بدأ الإسلام غريبًا) كذا روايته بهمز وفيه نظر، وذلك أن بدأ مهموزًا متعدٍ إلى مفعول كقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ويقال: بدأ الله الخلق بدأَ وأبدأهم خلقهم، وبدأ في الحديث لا يقتضي مفعولًا فظهر الإشكال، ويرتفع الإشكال بأن يُحمل بدأ الذي في الحديث على طرأ فيكون لازمًا، كما اتفق للعرب في كثير من الأفعال اللازمة، حملُها على المتعدية فيعدونها وفي كثير من الأفعال المتعدية حملها على اللازمة فتكون لازمة، كما حملوا هنا بدأ المتعدي على طرأ اللازم فيكون لازمًا، كما قالوا رجع زيدٌ ورجعته، وفغر فاه، وفغر فوه، والتضمين في اللسان جائز كثير، وأنكر بعض مشايخنا همزه وقال إنما هو بدا بمعنى ظهر، وفي إنكاره بُعْدٌ من حيث الرواية، ومن جهة المعنى، لأن المراد أن الإسلام نشأ في آحاد وقلة، وسيلحقه النقص حتى يصير في آحاد وقلة، وبدا بمعنى ظهر يبعده عن هذا المعنى، فأما الرواية
стр. 1520
فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ".
٢٧٦ - (١٣٨)(٦١) وحدَّثني مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ،
ــ
بالهمز فصحيحة النقل عمن يعتمد على علمه وضبطه، وأما المعنى فبعيد عن مقصود الحديث كما قلنا آنفًا.
ويحتمل أن يراد بالحديث المهاجرون، إذ هم الذين تغربوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم، فيكون معناه أن آخر الزمان تشتد فيه المحن على المسلمين، فيفرون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون، وقد ورد في الحديث: "قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: هم النُّزَّاعُ من القبائل "إشارة إلى هذا المعنى والله أعلم.
ولذلك قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين لأنهم تغربوا عن أهليهم لله ورسوله، والنزاع: جمع نزيع أو نازع، وهو الذي نُزع عن أهله وعشيرته وبعد عن ذلك، ولكن ظاهر الحديث العموم، والأولى حمله عليه، وعدم القصر على المهاجرين.
(فطوبى) أي فطيب العيش، أو الجنة (للغرباء) أي لمن تغرب بدينه طلبًا لسلامته من الفتن فيه، وقد مر تفسير الغرباء في الحديث، ومن حيث اللغة آنفًا فهو جمع غريب، وهو من بَعُدَ عن أهله وعشيرته وماله، وأما طوبى فاصله طُيبَى بوزن فُعلى -بضم الطاء وسكون الياء- فقلبت فيها الياء واوًا لانضمام ما قبلها، واختلف المفسرون في معناها في قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معناه فرح وقرة عين، وقال عكرمة: نِعْمَ مالهم، وقال الضحاكْ غبطة لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وعن قتادة أيضًا معناه: أصابوا خيرًا، وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة،
وقال ابن عجلان: دوام الخير، وقيل: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث والله أعلم اهـ نواوي.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة في غُربة الإسلام شارك المؤلف في روايته ابن ماجه (٣٩٨٦) فقط.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم فقال:
(٢٧٦) - ش (١٣٨)(٦١) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري مولاهم، أبو عبد الله
стр. 1521
وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأعرَجُ قَالا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. حَدَّثَنَا عَاصمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
ــ
النيسابوري، الحافظ الزاهد ثقة عابد، من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) روى عنه المؤلف في (١١) بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (الفضل بن سهل) بن إبراهيم (الأعرج) أبو العباس البغدادي، روى عن شبابة بن سوار في الإيمان، ويزيد بن هارون في الحج، ويحيى بن غيلان في الحدود، وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن مخلد، والمحاملي، وكان ذكيًّا يحفظ، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات ببغداد يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من صفر سنة (٢٥٥) خمس وخمسين ومائتين، وله (٧٣) نيف وسبعون سنة، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
(قالا) أي قال كل من محمد والفضل (حدثنا شبابة بن سوار) الفزاري مولاهم، أبو عمرو المدائني، أصله من خراسان، قيل: اسمه مروان، وشبابة لقبه، روى عن عاصم بن محمد في الإيمان، والليث بن سعد في الوضوء والصلاة، وورقاء في الصلاة وغيرها، وشعبة في البيوع وغيرها، وشيبان بن عبد الرحمن في الزكاة، وسليمان بن المغيرة في النكاح والأطعمة، وابن أبي ذئب في الطب، ومحمد بن طلحة بن مصرف في البر، وعبد العزيز بين الماجشون في الظلم، وغيرهم، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا، ويروي عنه (ع) ومحمد بن رافع، والفضل بن سهل، ومحمد بن حاتم في الزكاة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق الحنظلي وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة حافظ رُمي بالإرجاء من التاسعة مات سنة (٢٠٦) ست ومائتين، وليس في مسلم شبابة إلا هذا الثقة، قال شبابة (حدثنا عاصم) بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وأتى بهو في قوله (وهو ابن محمد) القرشي العدوي (العمري) المدني، إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته على الشيخ، ثقة من السابعة، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا.
(عن أبيه) محمد بن زيد القرشي العدوي المدني، ثقة من الثالثة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا.
(عن) جده عبد الله (بن عمر) بن الخطاب المكي، وهذا السند من خماسياته،
стр. 1522
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِن الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَينَ الْمَسْجِدَينِ كَمَا تَأرِزُ الْحَيَّةُ في جُحْرِهَا"
ــ
رجاله اثنان منهم مدنيان، وواحد مكي، وواحد مدائني وواحد نيسابوري أو بغدادي (عن النبي ﷺ قال: أن الإسلام بدأ) ونشأ وظهر حالة كونه (غريبًا) أي قليل الأهل والأصحاب (وسيعود) أي وسيكون (غريبًا) أي قليل الأهل والأصحاب في آخر الزمان (كما بدأ) غريبًا، أي سيكون غريبًا غربة كغربته في بدايته، فطوبى لمن تغرب بسببه (وهو) أي دين الإسلام (يأرز) أي ينضم ويجتمع في آخر الزمان (بين المسجدين) المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ ، قال ابن السراج: ليأرز بضم الراء، وحكى القابسي: فتح الراء، قال ابن دريد: أرز الشيء يأرز من باب نصر وفتح وضرب، وقال ابن التين: والصواب الكسر، وكلها بمعنى واحد.
وفي السنوسي: قوله: ليأرز إلى المدينة بكسر الراء بعدها زاي معجمة، ويُروى ضمها وفتحها، والأول المشهور أي إذا ثبتت في الأرض، وشجرة أرزة أي ثابتة مجتمعة لا تتحرك، أي يجتمع الإسلام ويقوى أهله بين مسجدي مكة والمدينة لا تحركهم البدع والخرافات عن قدم النبي ﷺ وإن انتشرت في سائر الأمصار والمدن، وحركت أهلها عن قدم النبي ﷺ (كما تأرز) أي تلتف (الحية) وتجتمع برمتها (في جحرها) لا تخرج منه وقت خوفها على نفسها أو من البرودة.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عمر انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وغرضه بذكره الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الذي ذكره استدلالًا به على الترجمة.
* * *
стр. 1523
٧٥ - (٣٤) بَابُ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلى الْمَدِينَةِ
٢٧٧ - (١٣٩)(٦٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ،
ــ
٧٥ - (٣٤) بَابُ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلى الْمَدِينَةِ
(٢٧٧) - س (١٣٩)(٦٢) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم، الحافظ الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا عبد الله بن نمير) مصغرًا الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) وله (٨٤) سنة روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربما يدلس، من كبار التاسعة، مات سنة (٢٠١) وله (٨٠) سنة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، لأن المتقارنين كلاهما ثقتان.
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري، أبي عثمان المدني، أحد الفقهاء السبعة، والعلماء الأثبات، ثقة ثبت من الخامسة، مات سنة (١٤٧) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة من العاشرة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا.
قال محمد (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، أبو هشام الكوفي، قال عبد الله (حدثنا عبيد الله) بن عمبر العمري، أبو عثمان المدني، وفائدة هذا التحويل التصريح بسماع عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر، لأنه قال في هذه الرواية: حدثنا عبيد الله، وفي الرواية الأولى: عن عبيد الله بالعنعنة، والتورع عن الكذب على محمد بن نمير، لأنه إنما روى عن أبيه فقط، وأما أبو بكر فقد روى عنه وعن أبي أسامة، ولو جمعهما
стр. 1524
عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ حَفصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِن الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا"
ــ
في سند واحد فقال: حدثنا أبو بكر ومحمد بن نمير عن عبد الله بن نمير وأبي أسامة لكان كاذبًا عليه (عن خبيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف -بفتح أوله وثانيه مخففًا- الأنصاري الخزرجي الحارثي أبي الحارث المدني، خال عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، روى عن حفص بن عاصم في الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والفتن وغيرها، وعبد الله بن محمد بن معن، وأبيه وعمته أُنيسة، ولها صحبة، ويروي عنه (ع) وعبيد الله بن عمر، وعمارة بن غزية وشعبة ومالك، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا.
(عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني، روى عن أبي هريرة في الإيمان والزكاة والحج، وأبيه عاصم بن عمر في الصلاة، وعبد الله بن عمر في الصلاة، وعبد الله بن مالك ابن بحينة في الصلاة، وأبي هريرة، أو أبي سعيد الخدري بالشك في الزكاة، ويروي عنه (ع) وخبيب بن عبد الرحمن، وبنوه عيسى وعمر ورباح، وعمر بن محمد بن زيد، وسعد بن إبراهيم، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان كوفيان.
(أن رسول الله ﷺ قال إن الإيمان) وأهله (ليأرز) ويجتمع (إلى المدينة) دار هجرته ﷺ من مبدئه إلى يوم القيامة (كما تأرز) وتجتمع (الحية إلى جحرها) وحفرتها، قال القرطبي: وهذا منه ﷺ إخبارٌ بما كان في عصره وعصر من يليه من أصحابه وتابعيهم من حيث إن المدينة دار هجرتهم ومقامهم ومقصدهم، وموضع رحلتهم في طلب العلم والدين، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مهمات دينهم ووقائعهم، حتى لقد حصل للمدينة من الخصوصية بذلك ما لا يوجد في غيرها، وفيه حجة على صحة مذهب مالك في تمسكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجة شرعية وقال أبو مصعب الزهري في معنى هذا الحديث: إنما المراد بالمدينة
стр. 1525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أهل المدينة، وأنه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع المحدثات، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم وعند من سلك سبيلهم اهـ من المفهم.
وقال القاضي عياض: ومعنى الحديث الإخبار عما اختصت به المدينة في زمنه ﷺ من كونها ملجأ المهاجرين ومقصد المتشوقين لرؤيته ﷺ للتبرك به، والتعلم منه، وفي زمن الخلفاء لأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة وفي زمن التابعين فمن بعدهم، لأخذ السنة والعلم عمَّن بها من أئمة الهدى، وسُرُج الوقت، وفي كل زمن إلى هلم جرًا لزيارة قبره ﷺ والتبرك بآثاره التي لا يحمل عليه إلا صحة الإيمان وكمال المحبة انتهى.
قال الحافظ: إنها كما تنتشر الحية من جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر من المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي ﷺ فيشمل ذلك جميع الأزمنة من زمنه ﷺ إلى زماننا هذا وما بعده إلى يوم القيامة اهـ.
قلت: وفيما قلنا وفيما قاله القاضي رد على من يخصه بوقت خروج الدجال، وهو وإن جاء في الصحيح عن أنس ﵁ مرفوعًا: "ليس من بلد إلا سيطأ الدجال إلا مكة والمدينة ليس لها من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها) فلا يرد عموم هذا الحديث اهـ من هامش الإكمال.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٤٢٢) والبخاري (١٨٧٦) وابن ماجه (٣١١١) والله أعلم.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا لا متابعة فيه.
***
стр. 1526
٧٦ - (٣٥) بَابُ: ذَهَابِ الإِيمَانِ، وَرَفْعِهِ مِنَ الأرْضِ في آخِرِ الزَّمَانِ
٢٧٨ - (١٤٠)(٦٣) حدثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَال في الأرضِ: اللهُ، اللهُ"
ــ
٧٦ - (٣٥) بَابُ: ذَهَابِ الإِيمَانِ، وَرَفْعِهِ مِنَ الأرْضِ في آخِرِ الزَّمَانِ
وذلك بعد نزول عيسى ﵇ وموته وقبض أرواح المؤمنين بالريح اليمانية.
(٢٧٨) - س (١٤٠)(٦٣) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا.
قال زهير (حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري مولاهم الصفار، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت من كبار العاشرة، مات سنة (٢٢٠) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا، وليس في مسلم من اسمه "عفان" إلا هذا الثقة.
قال عفان (حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي أو القرشي مولاهم، أبو سلمة البصري ثقة عابد من أثبت الناس في ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة (١٦٧) روى عنه المؤلف في (١٦) بابًا تقريبًا.
قال حماد (أخبرنا ثابت) بن أسلم بن موسى البناني مولاهم، أبو محمد البصري، ثقة عابد من الرابعة، مات سنة (١٢٣) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
(عن أنس) بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، أبي حمزة البصري، خادم رسول الله ﷺ روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا.
وهذا السند من خماسياته، رجاله أربعة منهم بصريون، وواحد نسائي.
(أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة) أي القيامة (حتى) انقرض المؤمنون، وانقطع الإيمان فـ (ـلا يقال في الأرض) لا إله إلا (الله) لا إله إلا (الله) ولفظ الجلالة بالرفع مختصرة من كلمة التوحيد، وكرر للتأكيد، ويدل على ما قلنا رواية ابن أبي جعفر: "لا تقوم الساعة على أحد يقول لا إله إلا الله" قال القاضي: روايتنا عن
стр. 1527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجميع: "الله الله" ورواه ابن أبي جعفر: "لا إله إلا الله" قلت: هو تفسير لرواية: "اللهُ اللهُ" لأن ذكر الاسم لا ينقطع لعدم إنكار الصانع اهـ.
قال القرطبي: قوله: (حتى لا يقال في الأرض الله الله) كذا صوابه بالنصب، وكذلك قيدناه عن محققي من لقيناه، ووجهه أن هذا مثل قول العرب: (الأسد الأسد) و (الجدار الجدار) إذا حذروا من الأسد المفترس والجدار المائل، فهو منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبًا لقيام التكرار مقامه، كأنهم قالوا: احذر الأسد واحذر الجدار المائل، والتحذير ضابطه هو تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه، ولكن نصب ما هنا على الإغراء نظير قول الشاعر:
أخاك أخاك إن من لا أخًا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
والإغراء ضابطه هو تنبيه المخاطب على أمر محمود ليلزمه، والتقدير هنا الزم الله وطاعته، ويصح التحذير فيه أيضًا على تقدير احذر الله في عقابه، وقيده بعضهم بالرفع على الابتداء وحذف الخبر، أي الله هو المعبود وفيه بُعدٌ، والوجه الذي ذكرناه في حلنا هو الصواب لدلالة رواية ابن أبي جعفر عليه، ولا يعارض هذا الحديث قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" رواه مسلم (١٥٦) من حديث جابر ﵁، لأن هذه الطائفة يقاتلون الدجال، ويجتمعون بعيسى ﵇، ثم لا يزالون على ذلك إلى أن يقبضهم الله بالريح اليمانية التي لا تبقي مؤمنًا إلا قبضته، فيبقى شرار الخلق بعدهم ليس فيهم من يقول: الله الله يتهارجون تهارج الحُمر فعليهم تقوم الساعة، على ما يأتي في كتاب الفتن اهـ من المفهم بتصرف.
أي فيجمع بينهما بأن التقدير في حديث جابر إلى قرب قيام الساعة، وهو وقت بعث الريح، لأن بعثها أحد الأشراط، وقرب وقت الشيء بمنزلة حضوره والله أعلم.
وفي المرقاة: ومن هذا الحديث يُعرف أن بقاء العالم ببركة العلماء العاملين، والعباد الصالحين، وعموم المؤمنين، وهو المراد بما قاله الطيبي رحمه الله تعالى معنى (حتى لا يقال) حتى لا يذكر اسم الله ولا يعبد، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
стр. 1528
٢٧٩ - (٠٠)(٠٠) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. أَخْبَرَنَا مَعَمْرٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقُومُ الساعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ، اللهُ"
ــ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني ما خلَقْتُه خلقًا باطلًا بغير حكمة، بل خلَقْتُه لأُذكر وأُعبد، فإذا لم يُذكر ولم يُعبد فبالحرِيِّ أن يُخرب وتقوم الساعة، راجع فتح الملهم (١/ ١٨٢).
وهذا الحديث أعني حديث أنس بن مالك شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ١٠٧، ٢٠١، ٢٥٩، ٢٦٨) والترمذي (٢٢٠٨) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
(٢٧٩) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي، أبو محمد الحافظ، ثقة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) روى عنه في اثني عشر بابا، قال عبد (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ من التاسعة، مات سنة (٢١١) روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا، قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة البصري، ثقة ثبت من السابعة، مات سنة (١٥٤) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا.
(عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس) بن مالك الأنصاري البصري، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد صنعاني، وواحد كسي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معمر لحماد في رواية هذا الحديث عن ثابت، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة بين الروايتين، وبين الراويين، لأن الأول منهما صرح بالسماع، والثاني روى بالعنعنة.
(قال) أنس (قال رسول الله ﷺ لا تقوم الساعة على أحد يقول) لا إله إلا (الله) لا إله إلا (الله) بل تقوم على شرار الناس وحثالتهم، يتسافدون في الطريق، ويتناهقون نهيق الحمير، لا يعرفون الله ولا يذكرونه، هم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أنس، وذكر له متابعة واحدة.
* * *
стр. 1529
٧٧ - (٣٦) بَابُ: جَوَازِ الإِخْفَاءِ بِالإِيمَان وَالأعْمَالِ إِذَا خَافَ مِنْ إِظْهَارِهَا فِتْنَةً
٢٨٠ - (١٤١)(٦٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، وَأَبُو كُرَيبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيبٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأعمَشِ،
ــ
٧٧ - (٣٦) بَابُ: جَوَازِ الإِخْفَاءِ بِالإِيمَان وَالأعْمَالِ إِذَا خَافَ مِنْ إِظْهَارِهَا فِتْنَةً
أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث الدالة على جواز إخفاء الإيمان إذا خاف من إظهاره فتنة، بأن كان بين الحربيين وخاف من إظهاره قتلهم أو تعذيبهم.
وعلى جواز إخفاء الأعمال الصالحة كالصلاة والصيام، إذا خاف من إظهارها فتنة من الولاة والأمراء، كأن كان بين الأمراء الذين يُخرجون الصلاة من أوقاتها المحددة لها، وخاف من فتنتهم إذا صلاها في وقتها قبلهم، فيصليها في وقتها سرًّا ثم يعيدها معهم طلبًا للسلامة من فتنتهم.
(٢٨٠) - س (١٤١)(٦٤) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) (و) حدثنا أيضًا (محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا.
وأتى بقوله (واللفظ لأبي كريب) تورعًا من الكذب على الأولين لأنهما إنما رويا معنى الحديث الآتي لا لفظه، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
(قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي ثقة من التاسعة، مات سنة (١٩٥) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ قارئ ورع، من الخامسة مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
стр. 1530
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ قَال: كُنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: "أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلامَ"
ــ
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي، أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، مات سنة (١٠٠) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا.
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي - بموحدة - أبي عبد الله الكوفي، حليف الأنصار، أحد السابقين إلى الإسلام، له مائة حديث، مات سنة (٣٦) بعد مقتل عثمان بأربعين ليلة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا.
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما الأعمش عن شقيق.
(قال) حذيفة (كنا) معاشر الصحابة يومًا (مع النبي ﷺ قال الحافظ: ولعله كان ذلك يوم خروجهم إلى أحد أو غيرها، قال: ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق، وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية، لأنه قد اختلف في عددهم، هل كانوا ألفًا وخمسمائة، أو ألفًا وأربعمائة اهـ من هامش الإكمال.
(فقال) رسول الله ﷺ (أحصوا) أي عدوا (لي كم) شخصًا (يلفظ الإسلام) أي يتكلم بكلمة الإسلام، وقوله: (أحصوا) بقطع الهمزة، من أحصى الرباعي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾ أي اضبطوا لي بالعدد المعلوم جملة من ينطق بالإسلام، وقوله (كم يلفظ) كم هنا استفهامية بمعنى أي عدد في محل الرفع مبتدأ، ومميزها محذوف تقديره كم شخصًا، ويلفظ بفتح الياء وكسر الفاء من باب ضرب، خبر كم الاستفهامية، الإسلام مفعول يلفظ على إسقاط الجار، أي عُدوا لي جملة الأصحاب، وأخبروني جواب كم عدد من يتلفظ بكلمة الإسلام اليوم، وفي المفهم: وأصل اللفظ الرمي، ومنه لَفَظه البحرُ أي رماه وأكلت الثمرة ولفظت نواها أي رميته، ومعناه هنا: كم ينطق الإسلام، وفي رواية البخاري إثبات الباء، ولكنها بلفظ آخر، ولفظها: "اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام فكتبنا" وفي هذه الرواية دلالة على مشروعية كتابة دواوين الجيش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة ممن لا يصلح، وفي رواية النسائي وغيره: "أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام" وفي رواية أبي يعلى الموصلي: "أحصوا كل من تلفظ بالإسلام".
стр. 1531
قَال: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله ﷺ ، أَتَخَافُ عَلَينَا وَنَحنُ مَا بَينَ السِّتَّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ؟ قَال: "إِنكُمْ لا تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا"
ــ
(قال) حذيفة (فقلنا) معاشر الحاضرين للنبي ﷺ (يا رسول الله أتخاف علينا) العدو لأجل قلة عددنا وعُددنا، بلى نحن كثيرو العدد متوفرو العُدد، فالهمزة للاستفهام الإنكاري (ونحن) الآن من حيث العدد (ما بين الستمائة) وما فوقها (إلى السبعمائة) أي عددنا الآن عدد مبدؤه ستمائة وما دونها، ونهايته سبعمائة وما فوقها، فلا نخاف من العدو، من أجل القلة، وفي هذه الرواية إدخال أل على المضاف، مع أنه ليس من مواضعه، إلا أن يقال إن الألف واللام هنا زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما، ولفظ المائة مجرور في الموضعين بالإضافة ووقع في رواية غير مسلم ستمائة إلى سبعمائة، وهذا ظاهر لا إشكال فيه من جهة العربية.
ووقع في رواية البخاري فكتبنا له ألفًا وخمسمائة فقلنا تخاف ونحن ألف وخمسمائة، وفي رواية أخرى للبخاري أيضًا فوجدناهم خمسمائة، فبين هذه الروايات معارضة من حيث العدد فيجمع بينها بحمل رواية ألف وخمسمائة على جملة من أسلم من رجال ونساء وصبيان وعبيد في المدينة وفي غيرها، وبحمل رواية ستمائة إلى وسبعمائة على جملة الرجال خاصة، وبحمل رواية خمسمائة على المقاتلين خاصة.
ولكن هذا الجمع يُناقضه ما وقع في البخاري في كتاب السير في باب كتابة الإمام الناس قال فيه: "فكتبنا له ألف وخمسمائة رجل" بزيادة لفظ رجل، والجمع الصحيح بحمل رواية ألف وخمسمائة على جملة رجال المسلمين في المدينة وما حولها، وحمل رواية ما بين الستمائة إلى السبعمائة على رجال المدينة خاصة وحمل رواية ما بين الستمائة إلى السبعمائة على رجال المدينة خاصة وحمل رواية خمسمائة على المقاتلة خاصة، والله أعلم اهـ نواوي بتصرف.
وجمع الداودي بينها بحملها على تعدد الواقعة في مواطن كثيرة اهـ من هامش الإكمال.
(قال) رسول الله ﷺ لا تثقوا بكثرتكم ولا تتكلوا عليها فـ (ـإنكم لا تدرون) أي لا تعلمون ما سيقع لكم ويصيبكم من الفتن، ولا تنفعكم كثرة العدد والعُدد معها العلكم أن تبتلوا) وتصابوا بالفتن والبلايا، ولعل هنا للإشفاق وهو الخوف من المكروه أي أشفق وأخاف عليكم أن تصابوا بالفتن المانعة لكم من إظهار الإيمان
стр. 1532
قَال: فَابْتُلِينَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلا سِرًّا
ــ
كما وقع لضعفاء المسلمين في مكة قبل الهجرة، فإنهم يخفون إيمانهم خوفًا من إذاية المشركين وتعذيبهم على الإيمان، أو المانعة لكم من إظهار الصلاة مثلًا.
(قال) حذيفة (فابتلينا) أي اختبرنا وأصبنا بالفتن التي لا تدفعها الكثرة منا (حتى جعل الرجل منا) معاشر الصحابة وصار (لا يصلي) صلاة الفريضة في وقتها المحدد (إلا سرًّا) وخُفية في بيته، قال القرطبي: يعني بذلك والله أعلم ما جرى لهم في أول الإسلام بمكة حين كان المشركون يؤذونهم ويمنعونهم من إظهار صلاتهم حتى كانوا يصلون سرًّا اهـ من المفهم.
قال الأبي: وهذا بعيد من السياق، ومن اللفظ لعطفه بالفاء في قوله (فابتلينا) وفي فتح الملهم قول حذيفة: فابتلينا يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ﵁ من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر الصلاة ولا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرًّا، ثم يصلي معه خشية وقوع الفتنة اهـ منه (١/ ١٨٣).
قال النواوي فلعل ذلك كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي ﷺ فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرًّا مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب والله أعلم اهـ.
قال الأبى: ولعله قاله بعد وفاته ﷺ حكاية عما اتفق لهم وهم في مكة، وإلا فأين وقع ذلك بعد وفاته ﷺ اهـ والله أعلم.
وهذا الحديث أعني حديث حذيفة رواه أحمد (٥/ ٣٨٤) والبخاري (٣٠٦٠) وابن ماجه (٤٠٢٩).
***
стр. 1533
٧٨ - (٣٧) بَابُ: إِعْطَاءِ مَنْ يُخَافُ عَلَى إيمَانِهِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْجَزْمِ بِإِيمَانِ أَحَدٍ مِنْ غيرِ دَليلٍ قَاطِعٍ عَلَيهِ
٢٨١ - (١٤٢)(٦٥) حدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛
ــ
٧٨ - (٣٧) بَابُ: إِعْطَاءِ مَنْ يُخَافُ عَلَى إيمَانِهِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْجَزْمِ بِإِيمَانِ أَحَدٍ مِنْ غيرِ دَليلٍ قَاطِعٍ عَلَيهِ
أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث الدالة على مشروعية إعطاء المال أولًا لمن يُخاف على إيمانه بالارتداد إن لم يعط لها، والدالة على النهي عن قطع إيمان من لم يُعلم إيمانه بنص قاطع لأن الإيمان من أعمال القلب لا يطلع عليه أحد غير الله .
(٢٨١) - س (١٤٢)(٦٥) (حدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني، أبو عبد الله المكي قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة، مات سنة (٢٤٣) روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا.
قال ابن أبي عمر (حدثنا سفيان) بن عيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي ثم المكي، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، وكان ربما يدلس لكن عن الثقات من الثامنة، مات في رجب سنة (١٩٨) وله (٩١) سنة روى عنه المؤلف في (٢٥) بابًا تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي (الزهري) أبي بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، ثقة حافظ متقن من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في (٢٣) بابًا تقريبًا.
(عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة من الثالثة، مات سنة (١٠٤) روى عنه المؤلف في (٩) أبواب تقريبًا.
(عن أبيه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب، ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو إسحاق المدني، أحد العشرة المبشرة وآخرهم موتًا، وأحد الستة أصحاب الشورى، له مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا.
стр. 1534
قَال: "قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْطِ فُلانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنْ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمٌ"
ــ
وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان مكيان، وفيه رواية ولد عن والده، ورواية تابعي عن تابعي.
قال المازري: اعترض الدارقطني والحميدي وأبو مسعود الدمشقي وغيرهم على الإمام مسلم رحمهم الله تعالى بأن المحفوظ عند غيره رواية سفيان عن معمر عن الزهري، فكيف يرويه عن سفيان عن الزهري بإسقاط معمر مع أن سفيان مدلس، وأجيب عنه باحتمال أن سفيان سمع هذا الحديث من الزهري مرة بلا واسطة، وسمعه من معمر عن الزهري مرة أخرى فرواه على الوجهين، فلا يقدح أحدهما في الآخر، ولكن انضمت أمور اقتضت ما ذكروه منها: أن سفيان مدلس، وقد قال عن، ومنها: أن أكثر أصحابه رووه عن معمر عن الزهري فيجاب عنها بأن مسلمًا لا يروي عن مدلس قال عن إلا إن ثبت عنده سماعه ممن عنعن عنه، وبالجملة فهذا الكلام في الإسناد لا يؤثر في المتن، فالمتن صحيح على كل تقدير متصل والله أعلم.
(قال) سعد (قسم رسول الله ﷺ يومًا وقوله (قسمًا) مفعول مطلق مؤكد لعامله أي فرق تفرقة مالًا من أموال الله بين المستحقين من ضعفاء الإيمان، وترك واحدًا منهم بلا عطاء له، قال سعد (فقلت: يا رسول الله) مالك أعرضت عن فلان بلا إعطاء له، بل (أعط فلانًا) مثل الناس (فإنه) أي فإن فلانًا الذي أعرضت عنه وتركت الإعطاء له (مؤمن) أي مصدق بالله ورسوله، وفي قول سعد هذا جواز تنبيه الإمام على أمر ديني، وتكريره ذلك لجزمه بإيمان الرجل (فقال النبي ﷺ لسعد قل إنه مؤمن (أو مسلم) بسكون الواو، أي منقاد للأحكام الشرعية الظاهرية فلا تجزم بإيمانه، قال القاضي: ولما كان الإيمان عمل قلب لا يطلع عليه البشر رد على سعد جزمه بإيمان الرجل بقوله (أو مسلم) أي قل إنه مؤمن أو مسلم، لأن الإسلام هو الذي يمكن أن يعلم، فأو للتنويع أو للشك، فمن فتح الواو فقد أخطا وأحال معنى الحديث لأن الفتح يُصير الهمزة للاستفهام، وليس المعنى عليه وإنما قصد النبي ﷺ الرد على سعد جزمه بإيمان الرجل مع أنه لا يطلع عليه.
وعبارة المفهم هنا: لأن النبي ﷺ لم يرد استفهامه وإنما أشار له
стр. 1535
أَقُولُهَا ثَلاثًا. ويرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاثًا "أوْ مُسْلِمٌ"، ثُم قَال: إِني لأُعطِي الرَّجُلَ وَغَيرُهُ أحَبُّ إِليَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللهُ في النَّارِ"
ــ
إلى القسم الآخر المختص بالظاهر الذي يمكن أن يُدرك، فجاء بأو التي للتقسيم والتنويع اهـ.
قال الأبي: فإن قلت: قد يشكل كونها للشك أو للتنويع لأنه لا يستقيم معه الرد لأن الحديث دل على أن الرجل يستحق الإعطاء، ومنع من إعطائه استئلاف غيره، وهو إنما يستحق الإعطاء إذا كان مؤمنًا.
قلت: الرد على سعد إنما هو بجزمه بما لا يعلم لا من جهة حال الرجل، وما ذكره صاحب التحرير إنه كان كافرًا لا يصح اهـ.
قال سعد (أقولها) أي أقول كلمة: يا رسول الله أعط فلانًا فإنه مؤمن (ثلاثًا) أي ثلاث مرات (ويرددها) أي يكرر رسول الله ﷺ رد كلماتي (علي ثلاثًا) أي ثلاث مرات بقوله: قل فإنه مؤمن (أو مسلم ثم) بعد ردها عليَّ ثلاث مرات (قال) بيانًا لحكمة إعراضه عن الرجل وحرمانه من العطاء (إني لأعطي الرجل) الضعيف الإيمان استثلافًا له على إيمانه (وغيره) أي والحال أن غير ذلك الضعيف (أحب إلي) وأعجب عندي لقوة إيمانه (منه) أي من ذلك الضعيف الذي أعطيته (مخافة أن يكبه الله) سبحانه ويسقطه (في النار) الأخروية بسبب ارتداده أو سوء الظن بي وقوله مخافة مفعول لأجله لقوله لأعطي الرجل والضمير في يكبه يعود على الرجل المعطى أي أستئلف قلبه بالإعطاء مخافة كفره إذا لم يعط.
وقوله (أن يكبه الله) هو بفتح الياء وضم الكاف من كب الثلاثي إذ هو المتعدي، أما الرباعي منه فهو قاصر، وذلك عكس ما اشتهر في الأفعال من كون الفعل اللازم بغير همزة فيُعدَّى بالهمزة، ولم يأت في لسان العرب فعل ثلاثيه متعد، ورباعيه غير متعد إلا كلمات قليلة وهي: كب وقشع ونسل ونزف ومري ونشق، يقال: أكب الرجل وكببته، وأقشع الغيم وقشعته الريح، وأنسل ريش الطائر ووبر البعير ونسلته، وأنزفت البئر قل ماؤها ونزفتها، وأَمْرَتِ الناقة در لبنها ومريتها، وأنشق البعير رفع رأسه ونشقته اهـ من الأبي.
والحديث أصح دليل على صحة الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وأن الإيمان
стр. 1536
٢٨٢ - (٠٠)(٠٠) حدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ؛ قَال: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛
ــ
من أعمال الباطن، وأن الإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه رد على غلاة المرجئة والكرامية حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قول باطل قطعًا، لأنه تسويغ للنفاق، وفيه حجة لمن يقول: (أنا مؤمن) بغير استثناء وتقييد بالمشيئة، وهي مسألة اختلف السلف فيها، فمنهم المجيز والمانع، وسبب الخلاف النظر إلى الحال أو إلى المآل، فمن منع خاف من حصول شك في الحال أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال وهو غيب في الحال إذ لا يدري بما يُختم له به والصواب الجواز إذا أمن الشك والتزكية فإنه تفويض إلى الله تعالى اهـ من المفهم.
وهذا الحديث أعني حديث سعد بن أبي وقاص شارك المؤلف في روايته أحمد (١/ ١٨٢) والبخاري (١٤٧٨) وأبو داود (٦٨٣) و (٤٦٨٤) و (٤٦٨٥) والنسائي (٨/ ١٠٣، ١٠٤) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سعد رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٨٢) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) روى عنه المؤلف في (٢٥) بابًا تقريبًا.
قال زهير (حدثنا يعقوب بن (براهيم) بن سعد الزهري، أبو يوسف المدني، ثقة فاضل من صغار التاسعة، مات سنة (٢٠٨) روى عنه المؤلف في (٤) أبواب تقريبًا.
قال يعقوب (حدثنا) محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري، أبو عبيد الله المدني (ابن أخي ابن شهاب) صدوق له أوهام من السادسة، مات سنة (١٥٢) روى عنه المؤلف في (٣) أبواب تقريبًا.
(عن عمه) محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري، أبي بكر المدني، ثقة متقن من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) الزهري (أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني من الثالثة (عن أبيه سعد) بن أبي وقاص، مالك بن أهيب الزهري المدني، أحد العشرة المبشرة.
стр. 1537
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسْ فِيهِمْ. قَال سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُول اللهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا"
ــ
وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم مدنيون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن أخي ابن شهاب لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن الزهري وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، لأن المتابع صدوق فلا يصلح لتقوية المتابع، لأنه ثقة ثبت وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى.
(أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا) أي جماعة من المؤلفة شيئًا من مال الله تعالى، والرهط في الأصل الجماعة دون العشرة (وسعد) أي والحال أن سعد بن أبي وقاص (جالس فيهم) أي في أولئك الرهط، قال عامر بن سعد (قال) أبي (سعد) بن أبي وقاص (فترك رسول الله ﷺ منهم) أي من أولئك الرهط (من لم يعطه) أي رجلًا واحدًا لم يعطه من ذلك العطاء (وهو) أي والحال أن ذلك الرجل المتروك (أعجبهم) أي أعجب أولئك الرهط (إليّ) وأحبهم عندي لقوة إيمانه، وأفضلهم وأصلحهم في اعتقادي، قال سعد (فقلت: يا رسول الله) (ما لك) ما استفهامية في محل الرفع مبتدأ، والجار والمجرور خبره، أي أيُّ شيء ثبت حتى أعرضت (عن فلان) وتركته عن العطاء (فوالله) أي فأقسمت لك بالله الذي لا إله غيره (إني لأراه) أي لأعلم ذلك المتروك (مؤمنًا) بالله ورسوله ومصدقًا بهما قال النواوي: هو بفتح الهمزة من (لأراه) أي لأعلمه ولا يجوز ضمها، فإنه قال غلبني ما أعلم منه، ولأنه راجع النبي ﷺ ثلاث مرات، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة اهـ.
وقال في المفهم: الرواية بضم الهمزة بمعنى أظنه وهو من سعد حلف على ما ظنه فكانت هذه اليمين لاغية، ولذلك لم ينكرها النبي ﷺ ولا أمره بكفارة عنها، فكان فيه دليل على جواز الحلف على الظن، وأنها هي اللاغية، وهو قول مالك والجمهور اهـ.
(فقال رسول الله ﷺ لسعد قل لأعلمه مؤمنًا (أو مسلمًا) بأو التي
стр. 1538
قَال: فَسَكَت قَلِيلًا. ثُم غَلَبَنِي مَا أَعلَمُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لكَ عَنْ فُلانٍ. فَوَاللهِ إِني لأرَاهُ مُؤمِنًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَو مُسْلِمًا" قَال: فَسَكَت قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لكَ عَنْ فُلانِ، فَوَاللهِ إِني لأرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا: إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيرُهُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ في النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ"
ــ
للتقسيم والتنويع عطفًا على مؤمنًا، وفيه دلالة على النهي عن الجزم بإيمان أحد بغير نص قاطع، وفيه دلالة على الجزء الأخير من الترجمة (قال) سعد (فسكت) عن المراجعة إليه (قليلًا) أي زمنًا قليلًا أو سكوتًا يسيرًا عرفًا (ثم) بعد سكوتي قليلًا (غلبني) وأزعجني وحثني على المراجعة (ما أعلم) وأعتقد (منه) أي من ذلك المتروك من صلاحه (فقلت) ثانيًا (يا رسول الله ما لك) أعرضت (عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا فقال رسول الله ﷺ أو مسلمًا، فسكت قليلًا ثم غلبني ما علمت منه) من صلاحه عبر هنا بصيغة الماضي إشعارًا بتحقق اعتقاده فيه (فقلت) ثالثًا (يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا فقال رسول الله ﷺ أر مسلمًا إني لأعطي الرجل) من المسلمين (وغيره) أي والحال أن غيره (أحب إلي) وأفضل عندي (منه) أي من ذلك المعطى لصلاحه (خشية أن يكب) ويسقط ذلك المعطى (في النار على وجهه) إن لم يُعطَ لارتداده عن الإسلام بذلك الحرمان.
وفي الإكمال: وليس مقال سعد مناقضًا للنبي، لكن لما قطع سعد على إيمانه قال له النبي ﷺ وحثه لأن يقول "أو مسلمًا" مع قوله: "إني لأراه مؤمنًا" بمعنى أن هذه اللفظة التي تطلق على الظاهر أولى في الاستعمال إذ السرائر مخفية لا يعلمها إلا الله، وحكم النبي ﷺ في أمته على الظاهر.
قال النواوي: وأما فقه هذا الحديث ومعانيه ففيه الفرق بين حقيقة الإسلام والإيمان، وفي هذه المسألة خلاف وكلام طويل، وقد تقدم بيان هذه المسألة وإيضاح شرحها في أول كتاب الإيمان، وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع المسلمين، والنصوص في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم، وفيه الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم، وفيه مراجعة
стр. 1539
٢٨٣ - (٠٠)(٠٠) (حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِي، وَعَبْدُ بن حُمَيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَال: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعدٍ؛
ــ
المسؤول في الأمر الواحد، وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يراه مصلحة، وفيه أن الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقًا، بل يتأمله فإن لم تظهر له مصلحة فيه لم يعمل به، وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه، وفيه أن الإمام يصرف المال في مصالح المسلمين الأهم منها فالأهم، وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين إلا من ثبت فيه نص كالعشرة المبشرة وأشباههم، وهذا مجمع عليه عند أهل السنة، وفيه جواز الحلف على الأمر المظنون تأكيدًا للكلام، وأنه لا كفارة فيها لأنها من لغو اليمين عند المالكية، والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٨٣) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد الهذلي (الحلواني) أبو علي المكي ثقة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) روى عنه المؤلف في (٨) أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكسي أبو محمد، ثقة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في (١٢) بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
(قالا) أي قال كل من الحسن وعبد بن حميد (حدثنا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو يوسف الزهري المدني، وأتى بهو في قوله (وهو ابن إبراهيم بن سعد) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته، وإيضاحًا للراوي، قال يعقوب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، ثقة حجة من الثامنة، مات سنة (١٨٣) روى عنه المؤلف في (١٤) بابًا تقريبًا.
(عن صالح) بن كيسان الغفاري مولاهم، أبي الحارث المدني، ثقة ثبت فقيه من الرابعة مات سنة (١٤٠) روى عنه المؤلف في (٥) أبواب تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) الزهري، ثقة من الرابعة (قال) ابن شهاب (حدثني عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني (عن أبيه سعد)
стр. 1540
أَنَّهُ قَال: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ. وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ. فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ.
٢٨٤ - (٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِي، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمدٍ؛
ــ
ابن أبي وقاص الزهري المدني، وهذا السند من سباعياته، رجاله ستة منهم مدنيون، وواحد إما مكي أو كسي، ومن لطائفه أنه اجتمع فيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم صالح وابن شهاب وعامر، وفيه أيضًا رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر من الزهري وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة صالح بن كيسان لابن أخي ابن شهاب في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن ابن أخي ابن شهاب صدوق له أوهام فقواه بصالح بن كيسان لأنه ثقة ثبت (أنه) أي أن سعد بن أبي وقاص (قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا) أي جماعة من المؤلفة قلوبهم شيئًا من مال الله تعالى (وأنا) أي والحال أني (جالس فيهم) أي بينهم، وساق صالح بن كيسان باقي الحديث (بمثل حديث ابن أخي ابن شهاب عن عمه) محمد بن شهاب (وزاد) صالح بن كيسان في روايته على ابن أخي ابن شهاب لفظة (فقمت) فساررته أي قال سعد: فقصت ناهضًا (إلى رسول الله) ﷺ (فساررته) ﷺ أي كلمته سرًّا (فقلت) له في مساررتي إياه (ما لك) يا رسول الله أعرضت (عن فلان) إلى آخر الحديث.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث سعد رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٨٤) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثنا الحسن) بن علي (الحلواني) المكي قال الحسن (حدثنا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري المدني، قال يعقوب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن صالح) بن كيسان الغفاري مولاهم المدني (عن إسماعيل بن محمد) بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبي محمد المدني، روى عن أبيه محمد بن سعد في الإيمان والزكاة، وحمزة بن المغيرة في الصلاة، وعامر بن سعد في الصلاة والجنائز والحج، وحُميد بن
стр. 1541
قَال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هذَا. فَقَال في حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَينَ عُنُقِي وَكَتِفِي
ــ
عبد الرحمن بن عوف في الحج، ويروي عنه (خ م د ت س) وصالح بن كيسان والزهري ومالك وابن عيينة وعبد الله بن جعفر المخرمي وابن جريج وغيرهم، وثقه ابن معين والعِجلي (١) وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة حجة من الرابعة، مات سنة (١٣٤) أربع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا.
(قال) إسماعيل (سمعت) أبي (محمد بن سعد) بن أبي وقاص الزهري، أبا القاسم المدني، أحد الثقات، نزيل الكوفة، كان يلقب ظل الشيطان لقصره، روى عن أبيه سعد بن أبي وقاص في الإيمان والصوم وفضائل عمر والوصايا، وعثمان بن عفان، ويروي عنه (خ م ت س ق) وابناه إبراهيم وإسماعيل، وأبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، قال حُميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد في الوصايا، ويروي عنه أيضًا يونس بن جبير، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، قتله الحجاج بعد الجماجم بعد الثمانين، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث ليست بالكثيرة، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة.
حالة كون محمد (يحدث هذا) الحديث السابق عن أبيه سعد بن أبي وقاص الصحابي الجليل، وهذا السند أيضًا من سباعياته، رجاله كلهم مدنيون إلا الحسن الحلواني فإنه مكي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي، وهو صالح بن كيسان عن غير تابعي وهو إسماعيل بن محمد فإنه من أتباع التابعين، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة محمد بن سعد لأخيه عامر بن سعد في رواية هذا الحديث عن أبيهما سعد بن أبي وقاص، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع بيان الزيادة الآتية وهي قوله (فقال) محمد بن سعد أي ولكن زاد محمد بن سعد على عامر (في حديثه) أي في روايته عن أبيه سعد بن أبي وقاص، وقال: قال أبي سعد (فضرب رسول الله ﷺ بيده) الشريفة أي بكفه الكريمة (بين عنقي وكتفي) أي في رقبتي والعنق بضمتين يجمع على
стр. 1542
ثُمَّ قَال: "أَقِتَالًا؟ أَي سَعدُ، إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ ... "
ــ
أعناق، القصبة التي هي مركز الرأس والكتف، مفصل بين فقار الظهر وعظم العضد وما بينهما يُسمى بالرقبة (ثم قال) لي رسول الله ﷺ (أقتالًا أي سعد) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري وقتالًا مصدر حذف فعله لدلالته عليه، ومعنى القتال هنا المدافعة والمكابرة كما في حديث رواه مسلم عن ابن عمر ﵄ في المار بين يدي المصلي: "فإن أبي فليقاتلها أي فليدفعه ويمنعه من المرور، قال القاضي: لما لم يقبل رسول الله ﷺ تنبيهه، وأخذ سعد يكرره شبه تكريره بالمدافعة، والمدافعة يُعبر عنها بالمقاتلة كما في الحديث المذكور، وكلمة أي في قوله: أي سعد حرف نداء لنداء القريب، والمعنى أتريد يا سعد مقاتلة ومدافعة لقسمي بينهم على ما أريد، ورده إلى ما تريد، وانتبه لحكمة قسمي هكذا فـ (إني لأعطي الرجل) وغيره أحب إلي ... " إلى آخر الحديث، وفي بعض النسخ زيادة (وذكر نحوه) أي وذكر محمد بن سعد عن أبيه نحوه، أي نحو ما ذكر عامر بن سعد عن أبيه لا مثله، والنحو كما قد عرفت، عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في بعض ألفاظه ومعناه.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وذكر له ثلاث متابعات.
* * *
стр. 1543
٧٩ - (٣٨) بَابُ: السُّؤالِ عَنْ تَظَاهُرِ الأدِلَّةَ لِطَلَبِ زِيَادَةِ الإيمَانٍ وَطُمَأنينةِ الْقَلْبِ
٢٨٥ - (١٤٣)(٦٦) وَحدَّثني حَرمَلَةُ بن يَحْيَى، أَخبَرَنَا ابنُ وَهبٍ، اخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ،
ــ
٧٩ - (٣٨) بَابُ: السُّؤالِ عَنْ تَظَاهُرِ الأدِلَّةَ لِطَلَبِ زِيَادَةِ الإيمَانٍ وَطُمَأنينةِ الْقَلْبِ
أي هذا باب معقود في بيان مشروعية سؤال العبد لربه وطلبه منه إظهار الأدلة الواضحة الدالة على عظيم قدرته، وبديع صنعه لطلب زيادة إيمانه ويقينه بربه، على ما حصل له أولًا، وطلب زيادة طمأنينة قلبه وثباته على الإيمان على ما حصل له أولًا، والمراد بطلب زيادة اليقين والإيمان طلب الترقي من علم اليقين الحاصل بالاستدلال، إلى عين اليقين الحاصل بالمشاهدة، فإن بين العلمين تفاوتًا، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة بخلاف المعاينة، فإنه ضروري لا تتطرق إليه الشكوك.
(٢٨٥) - س (١٤٣)(٦٦) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي، أبو حفص المصري تلميذ الشافعي، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) روى عن ابن وهب في مواضع كثيرة في مسلم، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
قال ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد الأموي مولاهم، مولى معاوية بن أبي سفيان، قال في التقريب: ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) روى عنه المؤلف في (٧) أبواب تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله (بن شهاب) الزهري المدني، ثقة من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في (٢٣) بابًا تقريبًا (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه كثير الحديث، من الثالثة مات سنة (٩٤) روى عنه المؤلف في (١٤) بابًا تقريبًا.
стр. 1544
وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ
ــ
(وسعيد بن المسيّب) بفتح الياء على المشهور الذي قاله الجمهور، ومنهم من يكسرها، وهو قول أهل المدينة، قال ابن خلكان: روي عن ابنه سعيد أنَّه كان يكسرها ويقول: سيب الله من يُسيِّب أبي، بن حزن بوزن سهل القُرشيّ المخزومي، أبي محمَّد المدنِيُّ الأعور، سيد التابعين، ما أحد أوسع علمًا منه في التابعين، ولد سنة (١٥) ومات سنة (٩٤) ثِقَة ثبت من كبار الثَّانية، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، وفيه رواية تابعي عن تابعي (أن رسول الله ﷺ قال: نحن) معاشر الأنبياء (أحق) وأولى وأحرى (بالشك) أي بتطرق الشك في الإيمان لو فُرض وقُدر في إيمان الأنبياء (من إبراهيم) الخليل ﷺ ، ولا يتطرق الشك في إيمان سائر الأنبياء ﵈، فضلًا عن إبراهيم الذي هو خليل الرَّحْمَن، فليس سؤاله إراءة الإحياء للشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، بل طلبًا لطمأنينة القلب، وزيادة الإيمان, والمعنى أن الشك مستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك، وإنما خص إبراهيم بالذكر من بين الأنبياء لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال شك إبراهيم ﵇، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعًا وأدبًا، أو قبل أن يعلم ﷺ أنَّه خير ولد آدم، قال صاحب التحرير: قال جماعة من العلماء: لما نزل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قالت طائفة من المسلمين شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال النَّبِيّ ﷺ : نحن أحق بالشك منه.
ثم قال: ويقع لي فيه معنيان أحدهما: أنَّه خرج مخرج العادة في الخطاب، فإن من أراد المدافعة عن إنسان، قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلًا لفلان أو فاعلًا من مكروه فقله لي، وافعله معي، ومقصوده لا تقل ذلك فيه.
وثانيهما: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكًا أنا أولى به، فإنَّه ليس بشك وإنما هو
стр. 1545
إِذْ قَال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَال: "وَيَرْحَمُ الله لُوطًا،
ــ
طلب لمزيد اليقين، وقيل غير هذا من الأقوال، ولكن اقتصرنا على ما ذكرناه لكونه أصحها وأوضحها والله أعلم اهـ نووي.
والظرف في قوله (إذ قال) متعلق بمحذوف حال من الشك تقديره: نحن أحق بالشك من إبراهيم، حال كون الشك مظنونًا منه وقت قوله (﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي وقت طلبه من ربه إراءة كيفية إحياء الموتى، حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ .. إلخ سأله عن إراءة كيفية إحياء الموتى مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان.
قال الحسن والضَّحَاك وقتادة وعطاء وابن جريج: سبب سؤاله أنَّه رأى جيفة مطروحة في شط البحر، وقد توزعها دواب البحر والبر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها وقال: يَا رب إنِّي قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطيور وأجواف الدواب، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينًا، فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث (﴿قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾) أي أتسألني عن ذلك ولم توقن وتصدق بقدرتي على الإحياء، قال العلماء: والهمزة فيه همزة استثبات كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
(﴿قَال﴾ إبراهيم (﴿بَلَى﴾) يَا رب آمنت وصدقت أنك قادر على الإحياء، وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك (﴿وَلَكِنْ﴾) سألتك عن ذلك (﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) أي ليوقن قلبي ويزداد طمأنينة وبصيرة بمضامة العيان إلى الاستدلال، أو سألتك لتسكن حرارة قلبي وأعلم بأني خليلك مجاب الدعوة، والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريًا بالعيان.
(فإن قلت): كيف قال: أو لم تؤمن وقد علم أنَّه أثبت النَّاس إيمانًا؟ (قلتُ): ليجيب بما أجابه به، لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين.
وقصة إبراهيم هذه هي موضع الترجمة، وذكر ما بعدها لإتمام الحديث، قوله (قال ويرحم الله لوطًا) معطوف بعاطف مقدر على قال الأول، أي وقال رسول الله صلى الله