قَال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هذَا. فَقَال في حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَينَ عُنُقِي وَكَتِفِي
ــ
عبد الرحمن بن عوف في الحج، ويروي عنه (خ م د ت س) وصالح بن كيسان والزهري ومالك وابن عيينة وعبد الله بن جعفر المخرمي وابن جريج وغيرهم، وثقه ابن معين والعِجلي (١) وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة حجة من الرابعة، مات سنة (١٣٤) أربع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا.
(قال) إسماعيل (سمعت) أبي (محمد بن سعد) بن أبي وقاص الزهري، أبا القاسم المدني، أحد الثقات، نزيل الكوفة، كان يلقب ظل الشيطان لقصره، روى عن أبيه سعد بن أبي وقاص في الإيمان والصوم وفضائل عمر والوصايا، وعثمان بن عفان، ويروي عنه (خ م ت س ق) وابناه إبراهيم وإسماعيل، وأبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، قال حُميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد في الوصايا، ويروي عنه أيضًا يونس بن جبير، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، قتله الحجاج بعد الجماجم بعد الثمانين، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث ليست بالكثيرة، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة.
حالة كون محمد (يحدث هذا) الحديث السابق عن أبيه سعد بن أبي وقاص الصحابي الجليل، وهذا السند أيضًا من سباعياته، رجاله كلهم مدنيون إلا الحسن الحلواني فإنه مكي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي، وهو صالح بن كيسان عن غير تابعي وهو إسماعيل بن محمد فإنه من أتباع التابعين، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة محمد بن سعد لأخيه عامر بن سعد في رواية هذا الحديث عن أبيهما سعد بن أبي وقاص، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع بيان الزيادة الآتية وهي قوله (فقال) محمد بن سعد أي ولكن زاد محمد بن سعد على عامر (في حديثه) أي في روايته عن أبيه سعد بن أبي وقاص، وقال: قال أبي سعد (فضرب رسول الله ﷺ بيده) الشريفة أي بكفه الكريمة (بين عنقي وكتفي) أي في رقبتي والعنق بضمتين يجمع على
стр. 1542
ثُمَّ قَال: "أَقِتَالًا؟ أَي سَعدُ، إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ ... "
ــ
أعناق، القصبة التي هي مركز الرأس والكتف، مفصل بين فقار الظهر وعظم العضد وما بينهما يُسمى بالرقبة (ثم قال) لي رسول الله ﷺ (أقتالًا أي سعد) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري وقتالًا مصدر حذف فعله لدلالته عليه، ومعنى القتال هنا المدافعة والمكابرة كما في حديث رواه مسلم عن ابن عمر ﵄ في المار بين يدي المصلي: "فإن أبي فليقاتلها أي فليدفعه ويمنعه من المرور، قال القاضي: لما لم يقبل رسول الله ﷺ تنبيهه، وأخذ سعد يكرره شبه تكريره بالمدافعة، والمدافعة يُعبر عنها بالمقاتلة كما في الحديث المذكور، وكلمة أي في قوله: أي سعد حرف نداء لنداء القريب، والمعنى أتريد يا سعد مقاتلة ومدافعة لقسمي بينهم على ما أريد، ورده إلى ما تريد، وانتبه لحكمة قسمي هكذا فـ (إني لأعطي الرجل) وغيره أحب إلي ... " إلى آخر الحديث، وفي بعض النسخ زيادة (وذكر نحوه) أي وذكر محمد بن سعد عن أبيه نحوه، أي نحو ما ذكر عامر بن سعد عن أبيه لا مثله، والنحو كما قد عرفت، عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في بعض ألفاظه ومعناه.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وذكر له ثلاث متابعات.
* * *
стр. 1543
٧٩ - (٣٨) بَابُ: السُّؤالِ عَنْ تَظَاهُرِ الأدِلَّةَ لِطَلَبِ زِيَادَةِ الإيمَانٍ وَطُمَأنينةِ الْقَلْبِ
٢٨٥ - (١٤٣)(٦٦) وَحدَّثني حَرمَلَةُ بن يَحْيَى، أَخبَرَنَا ابنُ وَهبٍ، اخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ،
ــ
٧٩ - (٣٨) بَابُ: السُّؤالِ عَنْ تَظَاهُرِ الأدِلَّةَ لِطَلَبِ زِيَادَةِ الإيمَانٍ وَطُمَأنينةِ الْقَلْبِ
أي هذا باب معقود في بيان مشروعية سؤال العبد لربه وطلبه منه إظهار الأدلة الواضحة الدالة على عظيم قدرته، وبديع صنعه لطلب زيادة إيمانه ويقينه بربه، على ما حصل له أولًا، وطلب زيادة طمأنينة قلبه وثباته على الإيمان على ما حصل له أولًا، والمراد بطلب زيادة اليقين والإيمان طلب الترقي من علم اليقين الحاصل بالاستدلال، إلى عين اليقين الحاصل بالمشاهدة، فإن بين العلمين تفاوتًا، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة بخلاف المعاينة، فإنه ضروري لا تتطرق إليه الشكوك.
(٢٨٥) - س (١٤٣)(٦٦) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي، أبو حفص المصري تلميذ الشافعي، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) روى عن ابن وهب في مواضع كثيرة في مسلم، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
قال ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد الأموي مولاهم، مولى معاوية بن أبي سفيان، قال في التقريب: ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) روى عنه المؤلف في (٧) أبواب تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله (بن شهاب) الزهري المدني، ثقة من الرابعة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في (٢٣) بابًا تقريبًا (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه كثير الحديث، من الثالثة مات سنة (٩٤) روى عنه المؤلف في (١٤) بابًا تقريبًا.
стр. 1544
وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ
ــ
(وسعيد بن المسيّب) بفتح الياء على المشهور الذي قاله الجمهور، ومنهم من يكسرها، وهو قول أهل المدينة، قال ابن خلكان: روي عن ابنه سعيد أنَّه كان يكسرها ويقول: سيب الله من يُسيِّب أبي، بن حزن بوزن سهل القُرشيّ المخزومي، أبي محمَّد المدنِيُّ الأعور، سيد التابعين، ما أحد أوسع علمًا منه في التابعين، ولد سنة (١٥) ومات سنة (٩٤) ثِقَة ثبت من كبار الثَّانية، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، وفيه رواية تابعي عن تابعي (أن رسول الله ﷺ قال: نحن) معاشر الأنبياء (أحق) وأولى وأحرى (بالشك) أي بتطرق الشك في الإيمان لو فُرض وقُدر في إيمان الأنبياء (من إبراهيم) الخليل ﷺ ، ولا يتطرق الشك في إيمان سائر الأنبياء ﵈، فضلًا عن إبراهيم الذي هو خليل الرَّحْمَن، فليس سؤاله إراءة الإحياء للشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، بل طلبًا لطمأنينة القلب، وزيادة الإيمان, والمعنى أن الشك مستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك، وإنما خص إبراهيم بالذكر من بين الأنبياء لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال شك إبراهيم ﵇، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعًا وأدبًا، أو قبل أن يعلم ﷺ أنَّه خير ولد آدم، قال صاحب التحرير: قال جماعة من العلماء: لما نزل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قالت طائفة من المسلمين شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال النَّبِيّ ﷺ : نحن أحق بالشك منه.
ثم قال: ويقع لي فيه معنيان أحدهما: أنَّه خرج مخرج العادة في الخطاب، فإن من أراد المدافعة عن إنسان، قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلًا لفلان أو فاعلًا من مكروه فقله لي، وافعله معي، ومقصوده لا تقل ذلك فيه.
وثانيهما: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكًا أنا أولى به، فإنَّه ليس بشك وإنما هو
стр. 1545
إِذْ قَال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَال: "وَيَرْحَمُ الله لُوطًا،
ــ
طلب لمزيد اليقين، وقيل غير هذا من الأقوال، ولكن اقتصرنا على ما ذكرناه لكونه أصحها وأوضحها والله أعلم اهـ نووي.
والظرف في قوله (إذ قال) متعلق بمحذوف حال من الشك تقديره: نحن أحق بالشك من إبراهيم، حال كون الشك مظنونًا منه وقت قوله (﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي وقت طلبه من ربه إراءة كيفية إحياء الموتى، حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ .. إلخ سأله عن إراءة كيفية إحياء الموتى مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان.
قال الحسن والضَّحَاك وقتادة وعطاء وابن جريج: سبب سؤاله أنَّه رأى جيفة مطروحة في شط البحر، وقد توزعها دواب البحر والبر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها وقال: يَا رب إنِّي قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطيور وأجواف الدواب، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينًا، فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث (﴿قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾) أي أتسألني عن ذلك ولم توقن وتصدق بقدرتي على الإحياء، قال العلماء: والهمزة فيه همزة استثبات كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
(﴿قَال﴾ إبراهيم (﴿بَلَى﴾) يَا رب آمنت وصدقت أنك قادر على الإحياء، وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك (﴿وَلَكِنْ﴾) سألتك عن ذلك (﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) أي ليوقن قلبي ويزداد طمأنينة وبصيرة بمضامة العيان إلى الاستدلال، أو سألتك لتسكن حرارة قلبي وأعلم بأني خليلك مجاب الدعوة، والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريًا بالعيان.
(فإن قلت): كيف قال: أو لم تؤمن وقد علم أنَّه أثبت النَّاس إيمانًا؟ (قلتُ): ليجيب بما أجابه به، لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين.
وقصة إبراهيم هذه هي موضع الترجمة، وذكر ما بعدها لإتمام الحديث، قوله (قال ويرحم الله لوطًا) معطوف بعاطف مقدر على قال الأول، أي وقال رسول الله صلى الله
стр. 1546
لَقَدْ كَانَ يَأْوي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ"
ــ
عليه وسلم أَيضًا في شأن لوط بن هاران، ويرحم الله أي يكرم الله لوطًا برحمته وإحسانه وكرامته، والله (لقد كان) لوط (يأوي) ويلتجئ من إذاية قومه (إلى ركن) وملجأٍ (شديد) أي قويٍ وحصنٍ حصينٍ مانعٍ حافظٍ من إذاية العدو.
قال النواوي: فالمراد بالركن الشديد هو الله ، فإنَّه أشد الأركان وأقواها وأمنعها، ومعنى الحديث والله أعلم: أن لوطًا ﵇ لما خاف على أضيافه ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط ﵇ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريقٍ ما لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه ﵇ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرناه من تطييب قلوب الأضياف، ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر، والله تعالى أعلم.
وقال النَّبِي ﷺ أَيضًا في شأن يوسف بن يعقوب ﵉ (ولو لبثت) ومكثت (في السجن) والمحبس (طول لبث يوسف) ﵇ أي لبثًا كاللبث الطَّويل الذي لبثه يوسف فيه لأنه لبث فيه سبع سنين (لأجبت الداعي) لي إلى الخروج منه وما تأنيت- ويوسف فيه ست لغات: ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه- وهذا ثناء على يوسف ﵇ وبيان لصبره وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملك الذي أخبر الله أنَّه قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَال ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ﴾، فلم يخرج يوسف ﵇ مبادرًا إلى الراحة، ومفارقة السجن الطَّويل، بل تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجن بسببه لتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه، ولا خجل من يوسف ولا غيره فبيَّن رسول الله ﷺ فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره وحسن نظره، وقال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم
стр. 1547
٢٨٦ - (٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنِي بِهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ. حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ
ــ
عن نفسه ما قاله تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف ﵇ والله أعلم.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث البخاري في كتاب التفسير، وابن ماجه في الفتن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٨٦) - متا (٠٠)(٠٠) (وحدثني به) أي بهذا الحديث المذكور، وجملة قوله (إن شاء الله) معترضة بين الفعل والفاعل جاء بها للتبرك لا للشك، وقد اعترض بها على مسلم من لا علم عنده ولا خبرة لديه فقال كيف يحتج مسلم بشيء يشك فيه، وهذا الاعتراض خيال باطل من قائله، فإن مسلمًا رحمه الله تعالى لم يحتج بهذا الإسناد، وإنما ذكره متابعة واستشهادًا للسند الأول، وقد قدمنا أنهم يحتمل عندهم في المتابعات والشواهد ما لا يحتمل في الأصول والله أعلم اهـ نووي.
أي وحدثني (عبد الله بن محمد بن أسماء) بن عبيد بن مخراق، إن شاء الله تعالى تحديثه إياي ما سيأتي (الضبعي) بضم المعجمة وفتح الموحدة نسبة إلى بني ضبيعة، أبو عبد الرحمن البصري، ابن أخي جويرية بن أسماء، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣١) روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء وغيرهما، قال عبد الله بن محمد (حدثنا جويرية) مصغرًا ابن أسماء بن عبيد الضبعي أبو المخارق البصري، روى عن مالك في الإيمان، والصلاة، والزكاة، والنكاح، والجهاد وذكر الأنبياء، ونافع في الجهاد، وذكر الجن، وفضل عمر، ويروي عنه (خ م دس ق) وابن أخيه عبد الله بن محمد وابن أخته سعيد بن عامر، وقال في التقريب: صدوق من السابعة، مات سنة (١٧٣) ثلاث وسبعين ومائة، وليس في مسلم جويرية إلا هذا (عن مالك) بن أنس بن مالك الأصبحي، أبي عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، قال الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه، وقال ابن مهدي: ما رأيت أحدًا أتم عقلًا ولا أشد تقوى من مالك، ثقة حجة فقيه، من السابعة مات سنة (١٧٩) وله (٩٠) سنة، روى عنه المؤلف في (١٧) بابا (عن) محمد بن مسلم
стр. 1548
الزُّهْرِيِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَال: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيةَ حَتى جَازَهَا.
٢٨٧ - (٠٠)(٠٠) حدثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ،
ــ
(الزُّهْرِيّ) المدنِيُّ (أن سعيد بن المسيّب وأبا عبيد) بضم العين مصغرًا، بلا تاء تأنيث، مولى عبد الرَّحْمَن بن أزهر القُرشيّ الزُّهْرِيّ المدنِيُّ، كان من فقهاء أهل المدينة ومتقنيهم، روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره، وعمر بن الخطاب ﵁ في الصوم، وعلي بن أبي طالب ﵁ في الضحايا، ويروي عنه (ع) والزهري وسعيد بن خالد، وقال في التقريب: ثِقَة من الثَّانية، مات سنة (٩٨) (أخبراه) أي أخبرا وحدثا للزهري (عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان بصريان، ومن لطائفه أنَّه اجتمع فيه ثلاث من الأتباع: مالك والزهري وسعيد بن المسيّب، وغرضه بسوقه بيان متابعة مالك بن أنس ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن الزُّهْرِيّ، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول.
والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث يونس عن الزُّهْرِيّ) متعلق بما عمل في المتابع، أي حَدَّثَنَا مالك عن الزُّهْرِيّ بمثل ما حدث يونس عن الزُّهْرِيّ، وقوله (وفي حديث مالك) استثناء من المماثلة، أي ولكن في رواية مالك (﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) بلا ذكر لفظة بلى، وبزيادة قوله (قال) أبو هريرة (ثم قرأ) رسول الله ﷺ (هذه الآية) أي آية قصة إبراهيم (حتَّى جازها) أي حتَّى جاوزها وفرغ منها بقوله: ﴿قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٨٧) - متا (٠٠)(٠٠) (حدثناه) أي حَدَّثَنَا الحديث المذكور، يعني حديث أبي هريرة (عبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثِقَة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) روى عنه المؤلف في (١٢) بابًا تقريبًا.
стр. 1549
قَال: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
كَرِوَايَةِ مالكٍ بِإِسْنَادِهِ. وَقَال: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا
ــ
(قال) عبد بن حميد (حَدَّثني يعقوب) وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن إبراهيم بن سعد) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته، القُرشيّ الزُّهْرِيّ، أبو يوسف المدنِيُّ، ثِقَة من التاسعة، مات سنة (٢٠٨) روى عنه المؤلف في (٤) أبواب تقريبًا.
قال يعقوب (حَدَّثَنَا أبو أويس) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدنِيُّ، ووالد إسماعيل بن أبي أويس حليف بني تميم من قريش، روى عن الزُّهْرِيّ في الإيمان, والعلاء في الصلاة، ويروي عنه (م عم) ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، والنضر بن محمَّد، وابناه إسماعيل وأبو بكر عبد الحميد، ومنصور بن أبي مزاحم، وثقه أَحْمد، قال الرشيد: أبو أويس أخرج له في (م) في المتابعات ولم يحتج به، وقال في التقريب: صدوق يهم، من السابعة مات سنة (١٦٧) سبع وستين ومائة، روى عنه المؤلف في بابين.
(عن) محمَّد بن مسلم بن شهاب (الزُّهْرِيّ) أن سعيد بن المسيّب، وأبا عبيد أخبراه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، والكاف في قوله (كرواية مالك) في محل النصب اسم بمعنى مثل مفعول ثان لحدثنا أبو أويس، والتقدير حَدَّثَنَا أبو أويس عن الزُّهْرِيّ مثل رواية مالك، وحديثه (بإسناده) أي بإسناد مالك (و) لكن (قال) أبو أويس في روايته (ثم قرأ) رسول الله ﷺ (هذه الآية حتَّى أنجزها) أي حتَّى أتمها، بدل رواية مالك حتَّى جازها، وهذا بيان لمحل المخالفة بين الروايتين: رواية مالك ورواية أبي أويس.
وهذا السند من سداسياته، رجاله خمسة منهم مدنيون، وواحد كسي، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي أويس لمالك في رواية هذا الحديث عن الزُّهْرِيّ، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه, لأن أَبا أويس صدوق يهم، ومالك من أوثق النَّاس فلا يصلح أبو أويس لتقوية مالك، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديث أبي هريرة، وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
***
стр. 1550
٨٠ - (٣٩) - بَابُ: وُجُوبِ الإِيمَانِ بِعُمُومِ رِسَالتِهِ ﷺ جَمِيعَ النَّاسِ وَكَونِهِ أَكْثَرَ الأنْبِيَاءِ تبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٢٨٨ - (١٤٤)(٦٧) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
٨٠ - (٣٩) - بَابُ: وُجُوبِ الإِيمَانِ بِعُمُومِ رِسَالتِهِ ﷺ جَمِيعَ النَّاسِ وَكَونِهِ أَكْثَرَ الأنْبِيَاءِ تبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث التي تدل على شمول رسالته ﷺ جميع النَّاس عربًا وعجمًا كتابيًا ومشركًا وجاهليًا وعلى وجوب الإيمان به ﷺ على كل منهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وأما غيره ﷺ من سائر الأنبياء فإنما أرسل إلى قومه فقط، كما يدل عليه الحديث الثاني في الباب، وبيان الأحاديث الدالة على كونه صلى الله عليه. وسلم أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، كما يدل عليه الحديث الأول في الباب والله تعالى أعلم.
(٢٨٨) - س (١٤٤)(٦٧) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثَّقَفيّ مولاهم، أبو رجاء البغلاني، ثِقَة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) روى عنه المؤلف في (٧) أبواب تقريبًا.
قال قتيبة (حَدَّثَنَا ليث) بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن الحارث الفهمي مولاهم، أبو الحارث المصري، عالم مصر وفقيهها ورئيسها، ثِقَة ثبت إمام مشهور من السابعة، مات في النصف من شعبان سنة (١٧٥) روى عنه المؤلف في (١٥) بابًا تقريبًا (عن سعيد) المقبري (بن أبي سعيد) المقبري كيسان، أبي سعيد المدنِي، مولى بني ليث، وقال في التقريب: ثِقَة من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات سنة (١٢٥) روى عنه المؤلف في (١٠) أبواب تقريبًا.
(عن أَبيه) أبي سعيد المقبري كيسان بن سعد المدنِيُّ، مولى أم شريك من بني الليث، وإنما سُمي بالمقبري لأنه وإن يحفظ مقبرة بني دينار، ويقال كان نازلًا بقرب مقبرة، روى عن أبي هريرة في الإيمان والصلاة والزكاة والحج والجهاد وذكر الأنبياء والدعاء وصفة الجنة، وعن عمر، وعلي وأسامة، ويروي عنه (ع) وابنه سعيد وابن ابنه عبد الله بن سعيد، وجماعة، قال الواقديّ: كان ثِقَة كثير الحديث، وقال النَّسائيّ:
стр. 1551
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى الله إِليَّ. فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
ــ
لا بأس به، وقال في التقريب: ثِقَة من الثَّانية، مات سنة (١٠٠) مائة، وليس في مسلم كيسان إلَّا هذا الثقة روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا كما بيناه آنفًا.
(عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر المدنِيُّ الدوسي ﵁، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد مصري، وواحدة بغلاني.
(أن رسول الله ﷺ قال: ما من الأنبياء من نبي) ما مهملة لانتقاض نفيها بإلا، ومن الأولى بيانية متعلقة بمحذوف صفة للمبتدأ، أو حال منه، ومن الثَّانية زائدة، ونبي مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة دخول من الزائدة عليه، أو تقدم النفي، أو وصفه بالصفة المقدمة على قول، وكلمة إلَّا في قوله (إلا قد أُعطي) مفرغة، ما بعدها خبر المبتدأ، والتقدير ما نبي من الأنبياء قبلي إلَّا قد أُعطي وأوتي (من الآيات) والمعجزات (ما) كان (مثله) لمن كان قبله من الأنبياء فـ (آمن) بالمد وفتح الميم بصيغة الماضي و (عليه) بمعنى به أي إلَّا أُعطي من المعجزات ما وجد مثله ونظيره لمن وإن قبله من الأنبياء فآمن به (البشر) قبله، والمعنى أي ما نبي من الأنبياء قبلي إلَّا أعطي من المعجزات معجزة مسبوقة بمثلها ونظيرتها التي آمن بها البشر قبله.
وأما معجزتي العظيمة الظاهرة المستمرة فهي القرآن؛ الذي لم يُعطَ أحدٌ قبلي مثله فلهذا أنا أكثرهم تابعًا، وهذا معنى قوله (وإنما كان الذي أُوتيت) وأعطيت وخُصِّصت به (وحيًا) أي قرآنًا (أوحا) هـ (الله) وأنزله (إليَّ) فالقرآن كلام الله المُعجز المستمر على ممر السنين والدهور إلى قرب يوم القيامة (فـ) بسبب كونه معجزة مستمرة إلى يوم القيامة لا يبدل ولا يُغير ولا ينسخ (أرجو) وآمل من الله (أن أكون) أنا (كثرهم) أي أكثر الأنبياء (تابعًا يوم القيامة) وتابعًا تمييز محول عما هو المبتدأ في الأصل، أي أرجو أن يكون أتباعي أكثر من أتباعهم.
قال القاضي عياض: أشار النَّبِيّ ﷺ بقوله: "وإنما كان الذي أوتيت وحيًا" إلى أن سائر معجزات الأنبياء انقرضت بانقراضهم، ولم يُشاهدها إلَّا من كان حاضرًا لها، ومعجزة نبينا ﷺ من القرآن، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته بينة واضحة لكل من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار عن
стр. 1552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الغيوب، فلا يمر عصرٌ إلَّا ويظهر فيه معجزة مما أخبر أنها تكون، تدل على صدقه وصحة نبوته، وتجدد الإيمان في قلوب أمته اهـ.
قال السنوسي: ولا خفاء في ظهور معجزة القرآن لجميع الخلق، أما لعلماء البلاغة فواضح وأما لغيرهم فلمشاهدة العجز منهم مع طول السنين، وكثرة المعادين للدين مع ما فيه من العلوم الجمة، والقصص الغريبة، والمواعظ الرائقة، وبالجملة فقد احتوى على خير الدنيا والآخرة، ثم هو شاهد على صدق نفسه بنفسه اهـ.
وقال الأبي: أكثرية أتباعه ﷺ إنما هي تكرمة من الله تعالى له ﷺ وإلا فمعجزة غيره كالعصا، وانفلاق البحر، ونتق الجبل، وإحياء الموتى، وخروج ناقة من الحجر، من الظهور لعامة البشر بحيث يؤمن لها البشر، وتكون أتباعها أكثر، وإنما معجزته ﷺ كلام يتلى، إنما يدرك وجه إعجازه بتأمل اهـ والله أعلم.
وعبارة النواوي هنا: واختُلف في معنى هذا الحديث على أقوال:
الأول: معناه أن كل نبي أُعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن، الذي لم يُعط أحد مثله، فلهذا قال: أنا أكثرهم تابعًا.
الثاني: أن معناه أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل بسحر وشبهة، بخلاف معجزة غيري فإنَّه قد يُخيل الساحر بشيء مما يقارب صورتها، كما خيلت سحرة فرعون في صورة موسى ﵇، والخيال قد يروج على بعض العوام، والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يحتاج إلى فكر ونظر، وقد يُخطئ الناظر فيعتقدهما سواء.
الثالث: أن معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يشاهدها إلَّا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبينا ﷺ القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرق العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته فلم يقدروا، وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة، وقوله ﷺ : "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا" علم من أعلام النبوة، فإنَّه صلى الله عليه
стр. 1553
٢٨٩ - (١٤٥)(٦٨) حدّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛
ــ
وسلم أخبر بهذا في زمن قلة المسلمين، ثم من الله تعالى وفتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم حتَّى انتهى الأمر واتسع الإِسلام في المسلمين إلى هذه الغاية ولله الحمد على هذه النعمة وسائر نعمه التي لا تحصى والله أعلم انتهى منه.
وهذا الحديث يدل على الجزء الأخير من الترجمة، وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ في فضائل القرآن، وفي الاعتصام، والنَّسائيّ في التفسير في "الكبرى" وفي فضائل القرآن في الكبرى أَيضًا، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى للجزء الأول من الترجمة بالحديث الآتي فقال:
(٢٨٩) - س (١٤٥)(٦٨) (حَدَّثني يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص الصدفي، أبو موسى المصري، روى عن ابن وهب في الإيمان والبيوع وغيرهما، وابن عيينة، والشافعي، والوليد بن مسلم وغيرهم، ويروي عنه (م س ق) وابنه أَحْمد بن يونس، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم وغيرهم، وثقه النَّسائيّ، وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثِقَة من صغار العاشرة، مات سنة (٢٦٤) أربع وستين ومائتين، وله (٩٦) ست وتسعون سنة، قال يونس (أخبرنا) وفي نسخة حَدَّثَنَا، عبد الله (بن وهب) بن مسلم القُرشيّ مولاهم، أبو محمَّد المصري، ثِقَة حافظ من التاسعة، مات سنة (١٩٧) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
(قال) ابن وهب أخبرني عمرو غير هذا الحديث (وأخبرني) أَيضًا هذا الحديث الآتي (عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأَنْصَارِيّ مولاهم، أبو أمية المصري، ثِقَة فقيه حافظ، من السابعة مات سنة (١٤٨) روى عنه المؤلف في (١٣) بابًا تقريبًا.
(أن أَبا يونس) مولى أبي هريرة، سليم بن جبير الدوسي المصري، ثِقَة من الثالثة، مات سنة (١٢٣) روى عنه المؤلف في (٤) أبواب تقريبًا.
(حدثه) أي حدث لعمرو بن الحارث (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم مصريون إلَّا أَبا هريرة فإنَّه مدني.
стр. 1554
أَنَّهُ قَال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أحدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالذي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ"
ــ
قال النواوي: قوله (وأخبرني عمرو) هو بالواو في أول وأخبرني وهي واو حسنةٌ فيها دقيقة نفيسة، وفائدة لطيفة، وذلك أن يونس سمع من ابن وهب أحاديث من جملتها هذا الحديث، وليس هو أولها، فقال ابن وهب في روايته الحديث الأول: أخبرني عمرو بكذا، ثم قال: وأخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا إلى آخر تلك الأحاديث، فإذا روى يونس عن ابن وهب غير الحديث الأول، فينبغي له أن يقول: قال ابن وهب وأخبرني عمرو فيأتي بواو العطف لأنه سمعه هكذا, ولو حذفها لجاز ولكن الأولى الإتيان بها ليكون راويًا كما سمع والله أعلم اهـ.
ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على محذوف تقديره أخبرني غير عمرو هذا الحديث الآتي، وأخبرني عمرو أَيضًا أن أَبا يونس حدثه إلخ والله أعلم.
(أنَّه) ﷺ (قال: والذي نفس محمَّد بيده) أي أقسمت بالإله الذي نفس محمَّد وروحه بيده وتصرفه، وأتى بالقسم لتأكيد الكلام (لا يسمع بي) أي ببعثتي (أحد من هذه الأمة) مع تبيُّن معجزتي له، والمراد بـ (هذه الأمة) أمة الدعوة ممن هو موجود في زمنه ﷺ وبعده إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليهم الدخول في دينه وطاعته، وقوله (يهودي ولا نصراني) بغير واو العطف بدل من هذه الأمة بدل بعض من كل، وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد، وقال: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني" بواو العطف، رواه أبو عوانة بهذا اللفظ، فحينئذ لا يدخل اليهودي ولا النصراني في هذه الأمة المذكورة، فيكون من عطف الخاص على العام، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما، وذلك لأن اليهودي والنصراني لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى (ثم) بعد سماعه إياي (يموت و) الحال أنَّه (لم يؤمن بـ) الدين (الذي أرسلت) وبعثت (به إلَّا كان) ذلك الأحد (من أصحاب النَّار) الأخروية وأهلها لكفره، وقوله (من هذه الأمة) والأمة تأتي بمعنى الواحد كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ وبمعنى الجماعة كقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وبمعنى الأتباع كقوله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وبمعنى أمة الدعوة أي كل من دعاه إلى الإيمان, وهي المرادة هنا لأن يهوديًّا ونصرانيًّا بالنصب بدل من الأمة، بدل بعض من كل، أو بدل من
стр. 1555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحد إن رفعا، والقضية حقيقية فلا مفهوم لاسم الإشارة حتَّى يقصر على من في زمنه ﷺ بل هو عام فيه وفيمن سيوجد من الأمة إلى يوم القيامة، وقوله (ولا نصراني) جاء على الفصيح من أن المعطوف على المنفي بـ (لا) أن يكون معه النفي ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾، وقوله (ثم يموت) والعطف بـ (ثم) يدل على أن الإيمان متى حصل نفع ولو بعد مدة من السماع وقيل إنما عطف بها للاستبعاد كما هو في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي لا أبعد في العقل من يهودي أو نصراني بعد انتظارهما بعثتي ثم لما بعثت لم يؤمنا بي فعلى هذا يختص الحديث بأهل الكتاب بخلاف ما تقدم اهـ. أُبّي.
والحديث دليل على أن من لم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ ولا أمره لا عقاب عليه ولا مؤاخذة كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته فكأنه لم يبعث إليه رسول كمن كان بأطراف العمران أو في بعض الجزائر المنقطعة ولهذا الأصل نقطع أن يأجوج ومأجوج بلغتهم الدعوة لما صح في حديث بعث النَّار، وقيل إنه ﷺ أنذرهم ليلة الإسراء وهذا لا يصح، وكما أن بلوغ الدعوة شرط فكذا فهم التكليف فإن وجد من الأعاجم من لم يفهم فهو بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، ويأتي الكلام على أهل الفترة إن شاء الله تعالى. اهـ. سنوسي.
وهذا الحديث دليل على الجزء الأول من الترجمة. وعبارة القاضي وهذا الحديث دليل على أن من في أطراف الأرض وجزائر البحر المنقطعة ممن لم تبلغه دعوة الإِسلام ولا أمر النَّبِيّ ﷺ أن الحرج عنه في عدم الإيمان به ساقط لقوله: "لا يسمع بي" إذ طريق معرفته والإيمان به ﷺ مشاهدة معجزته وصدقه أيام حياته ﷺ أر صحة النقل بذلك والخبر لمن لم يشاهده وجاء بعده بخلاف الإيمان بالله تعالى وتوحيده الذي يوصل إليه بمجرد النظر الصحيح ودليل العقل السليم اهـ. وهذا في العصر الأول وأما الآن فلا عذر فقد تواصلت أقطار الأرض وأرجاؤها بالطائرات والبواخر والقواطير وبالهواتف.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أَحْمد (٣/ ٣١٧) وهو مما انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات.
стр. 1556
٨١ - (٤٠) بَابُ: الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمْ مَرَّتَينِ
٢٩٥ - (١٤٥)(٦٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ عَنْ صَالِح بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيّ؛ قَال: رَأَيتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبيَّ
ــ
٨١ - (٤٠) بَابُ: الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمْ مَرَّتَينِ
أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث التي تبين الثلاثة الذين يعطون أجرهم على إيمانهم أو عملهم الصالح مرتين أي ضعفين.
(٢٩٠) - (١٤٦)(٦٩) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) بن بكير التَّمِيمِيّ الحنظلي مولاهم أبو زكريا النَّيسَابُورِيّ ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٢٦) روى عنه في (١٩) بابا تقريبًا. قال يحيى: (أخبرنا) وفي نسخة: حَدَّثَنَا (هشيم) بن بشير السلمي أبو معاوية الواسطيّ ثِقَة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٨) بابًا تقريبًا (عن صالح بن صالح) بن مسلم بن حي (الهمداني) بإسكان الميم وبالدال الثَّوريّ ثور همدان أبي حي الكُوفيّ روى عن الشعبي في الإيمان وسلمة بن كهيل وسماك بن حرب وعاصم الأحول، ويروي عنه (ع) وهشيم وعبدة بن سليمان وابناه الحسن وعلي والسفيانان وشعبة، وثقه أَحْمد وابن معين والنَّسائيّ والعجلي، وقال في التقريب: ثِقَة من الخامسة مات سنة (١٥٣) ثلاث وخمسين ومائة، وهشيم قال هنا عن صالح وهو مدلس وعنعنة المدلس تدل على الانقطاع.
قلنا: وقد قدمنا أن مثل هذا إذا وقع في الصحيحين لا يقدح لأنه محمول على أن هشيمًا ثبت سماعه لهذا الحديث عن صالح بطريق آخر وإن لم يورده هنا.
(عن الشعبي) شعب همدان عامر بن شراحيل الحميري أبي عمرو الكُوفيّ الإِمام العلم ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، قال: أدركت خمس مائة من الصَّحَابَة، ثِقَة مشهور فقيه فاضل من الثالثة مات سنة (١٠٣) روى عنه في (١٩) بابًا تقريبًا. أي حَدَّثَنَا صالح عن الشعبي بحديث وقصة طويلة (قال) فيها صالح (رأيت رجلًا من أهل خراسان) لم أر من ذكر اسمه وخراسان بضم الخاء المعجمة بلدة من بلاد فارس (سأل) ذلك الرَّجل (الشعبي) وفي بعض النسخ (يسأل الشعبي) قال النووي: وفي هذا الإسناد لطيفة
стр. 1557
فَقَال: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ، في الرّجُلِ، إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمّ تَزَوَّجَهَا: فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ. فَقَال الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
ــ
يتكرر مثلها وقد تقدم بيانها وهو أنَّه قال عن صالح عن الشعبي قال: رأيت رجلًا سأل الشعبي وهذا الكلام ليس منتظمًا في الظاهر ولكن تقديره حَدَّثَنَا صالح عن الشعبي، قال: رأيت رجلًا سأل الشعبي بحديث وقصة طويلة قال فيها صالح: رأيت رجلًا سأل الشعبي، والله أعلم. اهـ (فقال) ذلك الرَّجل في سؤاله الشعبي (يَا أَبا عمرو) كنية الشعبي (إن من) بفتح الميم على أنها موصولة أي إن من كان (قبلنا) بكسر القاف وفتح الباء ظرف مكان بمعنى الجهة أي إن من كان في ناحيتنا (من أهل خراسان يقولون) برأيهم (في الرَّجل إذا أعتق) وحرر (أمته) أي وليدته (ثم تزوجها) أي نكح تلك الوليدة المعتقة له (فهو) أي ذلك الرَّجل المتزوج عتيقته (كالراكب) أي مثل الراكب (بدنته) أي ناقته التي أهداها إلى الحرم فلا أجر له كما لا أجر في ركوب ناقته، قال القاضي: لا خلاف بين أهل العلم في جواز تزوج الرَّجل معتقته، وإنما اختلفوا فيمن جعل صداقها عتقها وهل يكون صداقًا أم لا؟ وبسطه يأتي في النكاح، واختلفوا في ركوب الرَّجل بدنته وبحثه في الحج (فقال الشعبي) ردًّا لما قال الرَّجل (حَدَّثني) عامر بن عبد الله بن قيس (أبو بردة بن أبي موسى) الأَشْعريّ ثِقَة من الثَّانية، قال ابن سعد: كان ثِقَة كثير الحديث، وقال العجلي: كُوفِيّ تابعي ثِقَة، روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا (عن أَبيه) عبد الله بن قيس الأَشْعريّ الصحابي الجليل مات سنة (٤٤) روى عنه في (٨) أبواب تقريبًا، وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد واسطيّ وواحد نيسابوري وفيه رواية تابعي عن تابعي (أن رسول الله ﷺ قال ثلاثة) من الأنفار (يؤتون أجرهم) أي يعطون ثوابهم على أعمالهم (مرتين) أي ضعفين، قال الأبي: والحديث لم يخرج مخرج الحصر فلا مفهوم للعدد لأن غير الثلاثة أوتي الأجر مرتين بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ الآية وحديث من توضأ مرتين، قال السنوسي: وإنما خصص الثلاثة بالذكر لأن جمع كل واحد منهم بين الأمرين المذكورين له في غاية الصعوبة ولهذا كان وجود هؤلاء الثلاثة نادرًا، أحدهم (رجل من أهل الكتاب) اليهود أو
стр. 1558
آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ الله تَعَالى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا
ــ
النصارى (آمن) وصدق (بنبيه) الأول الإيمان الحقيقي قولًا وفعلًا ثم لم يزل على ذلك حتَّى جاء الإِسلام (وأدرك النَّبِيّ) محمدًا ﷺ فآمن به) أي فصدق النَّبِيّ ﷺ في رسالته (واتبعه) فيما أمر به (وصدقه) فيما أخبر به عن الله تعالى وفي بعض النسخ (وصدق به) كعبد الله بن سلام وأبي بن كعب وأضرابهما (فله) أي فلذلك الرَّجل (أجران) أي ثوابان، والأجران قيل أحدهما في اتباعه الحق الأول والآخر في اتباعه الحق الثاني وهذا لا يظهر بل هما في اتباعه الحق الثاني ضوعف له بسبب تمسكه بالأول لأن به تظهر الفائدة وإلا فمعلوم أن له في كل اتباع أجرًا وأما من لم يكن على حق في ذلك الدين فليس له إذا رآه وأسلم إلَّا أجر واحد ويبقى النظر فيمن كان على حق فيه ولم يدرك النَّبِيّ ﷺ ككعب الْأَحبار فيحتمل أن يكون له أجر واحد ويحتمل أن يكون له أجران بناء على أن (أدرك) هل معناه أدركه بالزمان أو أدركه بالدليل، اهـ أُبِّي.
وعبارة "المفهم" هنا وهذا الكتابي الذي يضاعف أجره هو الذي كان على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا ثم لم يزل متمسكًا بذلك إلى أن جاء نبينا ﷺ فآمن به واتبع شريعته فهذا هو الذي يؤجر على اتباع الحق الأول والحق الثاني وأما من اعتقد الإلهية لغير الله تعالى كما تعتقده النصارى اليوم أو من لم يكن على حق في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه فإذا أسلم جب الإِسلام ما كان عليه من الفساد والغلط ولم يكن له حق يؤجر عليه إلَّا الإِسلام خاصة، والله أعلم.
(و) الثاني (عبد) أي رقيق (مملوك أدى) ووفى (حق الله تعالى) وفي بعض النسخ "حق الله عليه" (وحق سيده فله) أي لذلك الرقيق (أجران) قال الأبي: والأظهر أن الأجرين على أدائه حق الله تعالى زيادة على أدائه حق سيده، وعن بعضهم أنَّه رأى من دين عبده ما أعجبه فأعتقه، فقال له العبد: لم حرمتني أحد أجري (و) الثالث (رجل كانت له أمة فغذاها) بالذال المعجمة أي أطعمها من صغرها إلى كبرها (فأحسن غذاءها) بكسر الغين المعجمة والمد أي طعامها بإطعامها مما يطعم (ثم أدبها) بآداب الدين
стр. 1559
فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ" ثُمَّ قَال الشَّعْبِيّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هذَا الْحَدِيثَ بِغَيرِ شَيءٍ. فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ
ــ
والدنيا، والأدب ما في فعله محمدة وفي تركه مذمة أي علمها الأدب (فأحسن أدبها) أي كمله في كل شيء أو أدبها برفق ولين (ثم أعتقها) لله تعالى (وتزوجها) لإعفافها (فله) أي لذلك الرَّجل (أجران) أجر على عتقها وأجر على تزوجها، قال الأبي: وإذا كان له أجر على العتق فجملة ما له أربعة أجور لأن في تعليمه وتأديبه أجرين، والأجران له حتَّى لو تزوجها محبة وشهوة نفس وحتى لو أعتقها بنفس الشراء قبل التأديب والتعليم، وظاهر الحديث حتَّى لو جعل عتقها صداقها، وصح أنَّه ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، فجعله مالك من خصائصه ﷺ وعممه الشَّافعيّ.
(ثم) بعد فراغه من هذا الحديث (قال الشعبي للـ) رجل (الخُرَاسَانِيّ: خذ هذا الحديث) مني (بغير شيء) من الأجرة تعطيه لي على تعليمي إياك (فقد كان الرَّجل) من السلف (يرحل) ويسافر (في) طلب (ما دون هذا) الحديث منفعة (إلى المدينة) المنورة نور الله تعالى من نورها ﷺ ففي هذا جواز قول العالم مثل هذا تحريضًا للسامع على حفظ ما قاله، وفيه أيضًا بيان ما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى من تعظيم العلم والجد به وتحمل المشاق في طلبه بالرحلة إلى البلدان البعيدة في طلب حديث واحد أو مسألة واحدة، فعن جابر ﵁ أنَّه رحل في طلب حديث واحد مسيرة شهر، وعن ابن المسيّب: إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد الأيام، وذكر الخَطيب أن ابن المبارك رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك قال: غفر لي برحلتي في طلب الحديث. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أَحْمد (٤/ ٤٠٥) والبخاري (٣٠١١) والتِّرمذيّ (١١١٦) والنَّسائيّ (٦/ ١١٥).
قال النووي: وفي هذا الحديث بيان فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبينا محمَّد ﷺ وأن له أجرين لإيمانه بنبيه قبل النسخ والثاني لإيمانه بنبينا ﷺ ، وفيه بيان فضيلة العبد المملوك القائم بحقوق الله تعالى وحقوق سيده، وبيان فضيلة من أعتق مملوكته وتزوجها وليس هذا من الرجوع في الصدقة في شيء بل هو إحسان إليها بعد إحسان. اهـ
(تتمة) قال السنوسي يتمم ما ذكره الأبي من تعيين أحد الأمرين لحصول الأجرين:
стр. 1560
٢٩١ - (٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
ــ
أن نقول ضابطه ما تعظم فيه المشقة فيكون محل الأجرين في الكتابي إيمانه بالنبي ﷺ لا إيمانه بنبيه فيما سبق، (فإن قلت) لا يظهر أن أحدهما أشق من الآخر، بل قد يكون إيمانه بالنبي ﷺ أسهل لسبق ما يحمل عليه وهو الإيمان بنبيه المبين صفته ﷺ قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية، (قلت) كان إيمانه بالنبي ﷺ أشق لأن أقل ما فيه انتصابه بذلك لعداوة أحبائه ومهاجرة أهله وأقاربه ووسمه عندهم برفض دينه الحق دين نبيه وبهذا يجاب عن ادعاء مشاركة من آمن من غير أهل الكتاب لهم في ذلك فإنهم ليس لهم دين حتَّى تركوه وإنما هم في ذلك كالبهائم، وكان محل الأجرين في حق العبد أداء حق الله تعالى لما فيه من كبير المشقة لوجود ما ينافره وهو حق السيد ولهذا أسقط سبحانه بفضله عن العبد بعض الواجبات كالحج والجمعة، (فإن قلت) وقد يعكس أَيضًا لأن المزاحمة كائنة من الجانبين، (قلت) طاعة السيد الباعث عليها لا يتوقف على الإيمان ولهذا تصدر من الكافر والمؤمن لأن لها بواعث من جهة السيد أما أداء طاعة الله تعالى على وجهها سيما في حال هذا المزاحم القوي فلا يحمل عليه إلَّا محض الإيمان وكان محل الأجرين في السيد المعتق التزوج لأن أكثر النَّاس يستنكف عن تزوج المعتقة استنكافهم عن تزوج الأمة، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى الأَشْعريّ رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٩١) - (٠٠)(٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ، قال أبو بكر (حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمَّد الكُوفيّ ثِقَة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٧) روى عنه في (١٢) بابا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني أبو عبد الله المكيّ صدوق من العاشرة مات سنة (٢٤٣) روى عنه في (١١) بابًا تقريبًا، قال ابن أبي عمر (حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم أبو محمَّد الكُوفيّ ثِقَة حافظ فقيه إمام حجة من الثامنة مات سنة (١٩٨) روى عنه في (٢٥) بابًا تقريبًا.
стр. 1561
ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر التَّمِيمِيّ العنبري أبو عمرو البَصْرِيّ ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٧) روى عن أَبيه فقط في الإيمان وغيره، قال عبيد الله (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنَّى البَصْرِيّ ثِقَة متقن من التاسعة مات سنة (١٩٦) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا، قال معاذ بن معاذ (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي مولاهم أبو بسطام البَصْرِيّ ثِقَة حافظ من السابعة مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابًا تقريبًا، وأتى بحاء التحويلات لاختلاف مشايخ مشايخه، وفائدة هذه التحويلات تقوية السند الأول لأن هشيم بن بشير مدلس كثير الإرسال ومع ذلك روى عن صالح بالعنعنة فقواه بهؤلاء المشايخ (كلهم) أي كل من: عبدة بن سليمان وسفيان وشعبة رووا (عن صالح بن صالح) بن مسلم الهمداني أبي حيان الكُوفيّ، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) أي عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأَشْعريّ متعلق بما عمل في المتابعين، وكذا قوله (نحوه) أي نحو حديث هشيم مفعول به لما عمل في المتابعين، والضمير عائد إلى هشيم أي روى كل هؤلاء الثلاثة المتابعين: عبدة، سفيان، شعبة، عن صالح بن صالح نحو حديث هشيم بن بشير.
وغرضه بسوق هذه الأسانيد الثلاثة بيان متابعتهم لهشيم في رواية هذا الحديث عن صالح بن صالح وفائدتها تقوية السند الأول، الأول منها من سداسياته ورجاله كلهم كوفيون، والثاني منها أَيضًا من سداسياته رجاله خمسة منهم كوفيون وواحد عدني، والثالث من سباعياته رجاله أربعة منهم كوفيون وثلاثة بصريون، والله أعلم.
***
стр. 1562
٨٢ - (٤١) - بَابُ: مَا جَاءَ في نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَريمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ
٢٩٢ - (١٤٧)(٧٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّب؛ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذي نَفْسِي
ــ
٨٢ - (٤١) - بَابُ: مَا جَاءَ في نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَريمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ
أي هذا باب معقود في ذكر ما جاء من الأحاديث في نزول عيسى ﵇ مؤيدًا وحاكمًا بشريعة محمَّد ﷺ التي أساسها الإيمان والإِسلام وبهذا التقدير يطابق الباب ترجمة كتاب الإيمان وإلا فذكره في كتاب الإيمان استطرادي لأن محله كتاب أشراط الساعة.
(٢٩٢) - (١٤٧)(٧٠) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد) الثَّقَفيّ مولاهم أبو رجاء البغلاني ثِقَة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب، قال قتيبة (حَدَّثَنَا ليث) بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري ثِقَة ثبت من السابعة مات سنة (١٧٥) روى عنه في (١٥) بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا محمَّد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم أبو عبد الله المصري ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٤٢) روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا، قال محمَّد بن رمح (أخبرنا الليث) بن سعد، وأتى بحاء التحويل مع أن شيخ شيخيه واحد وهو ليث بن سعد لبيان اختلاف صيغتيهما لأن قتيبة قال: حَدَّثَنَا، ومحمَّد بن رمح قال: أخبرنا، وهذا هو فائدة التحويل هنا (عن) محمَّد بن مسلم (ابن شهاب) القُرشيّ الزُّهْرِيّ أبي بكر المدنِيُّ ثِقَة متقن من الرابعة (عن) سعيد (بن المسيّب) بن حَزْن القُرشيّ المخزومي أبي محمَّد المدنِيُّ ثِقَة حافظ من كبار الثَّانية مات سنة (٩٠) روى عنه في (١٧) بابا (أنَّه) أي أن سعيد بن المسيّب (سمع أَبا هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ وهذان السندان من خماسياته رجال الأول منهما ثلاثة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد بغلاني والثاني منهما رجاله اثنان منهم مصريان وثلاثة مدنيون، حالة كون أبي هريرة (يقول: قال رسول الله ﷺ والذي نفسي
стр. 1563
بِيَدِهِ، لَيُوشِكنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ حَكَمًا مُقْسِطًا،
ــ
بيده) وفي بعض النسخ: "والذي نفس محمَّد بيده" وأتى بالقسم تأكيدًا للكلام وإفادة لتحقق نزوله في المستقبل واللام في قوله (ليوشكن) رابطة لجواب القسم، ويوشكن بضم أوله وكسر ثالثه معناه ليقربن وهو من أفعال المقاربة، وجملة قوله (أن ينزل فيكم) أي في آخر هذه الأمة وإن كان خطابًا لبعضها ممن لا يدرك نزول عيسى (ابن مريم ﵇) في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية ليوشك لأنها هنا تامة كما قال ابن مالك في الخلاصة:
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى بأن يفعل عن ثان فقد
وقوله (حكمًا) أي حاكمًا بهذه الشريعة مجددًا لها لا نبيًّا أرسل بشريعة مستقلة ناسخة، حال من ابن مريم، وقوله (مقسطًا) أي عادلًا في حكمه صفة لـ (حكمًا)، والمعنى أقسمت لكم بالإله الذي نفسي بيده ليقربن نزول عيسى ابن مريم من السماء فيكم أيتها الأمة المحمدية حالة كونه حاكمًا عادلًا يحكم بينكم بالعدل والقسط بهذه الشريعة مجددًا لها تكرمة لهذه الأمة وهذه الشريعة، لا ينزل نبيًّا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة بل هو حاكم من حكام هذه الأمة لأن هذه الشريعة آخر الشرائع ونبيها آخر الأنبياء.
والمقسط العادل يقال أقسط يقسط إقساطًا وقسطًا بكسر القاف فهو مقسط إذا عدل ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وقسط يقسط من باب ضرب، قسوطًا وقسطًا بفتح القاف إذا جار ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾.
والأكثر على أن عيسى لم يمت بل رفع إلى السماء، وقال مالك: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقال ابن رشد: يعني بموته خروجه من عالم الأرض إلى عالم السماء، قال: ويحتمل أنَّه مات حقيقة ويحيا في آخر الزمان إذ لا بد من نزوله لتواتر الأحاديث بذلك، وكان أبو هريرة يلقى الفتى الشاب فيقول له: يَا ابن أخي إنك عسى أن تلقى عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام، تحقيقًا لنزوله فما ذكره ابن حزم من الخلاف في نزوله لا يصح.
قال ابن العربي: ويروى أنَّه يتزوج امرأة من بني ضبة اسمها راضية ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفن في روضة النَّبِيّ ﷺ وفيها موضع قبر، ويقال: إنما بُقِّي له، والمحقق أن نزوله من أشراط الساعة وصح أنَّه الذي يقتل الدجال
стр. 1564
فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيضَعَ الْجِزْيَةَ،
ــ
وبدعائه يهلك يأجوج ومأجوج، واختلف كم يلبث في الأرض فقال أبو داود: أربعين سنة، وقال ابن العربي: والأصح أنَّه سبعة أعوام، فإن قلت: بم يعرف النَّاس أنَّه عيسى؟ قلت: بصفاته التي تضمنتها الأحاديث المتواترة (فيكسر الصليب) بالنصب عطفًا على (ينزل) وبالرفع على الاستئناف معناه يكسره حقيقة ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه وفيه دليل على تغيير المنكرات وآلات الملاهي بالكسر وتغيير ما نسبته النصارى إلى شرعها لأنه إنما ينزل ملتزمًا بشريعة النَّبِيّ ﷺ وقيل معنى "يكسر الصليب": يبطل أمره من قولهم كسر حجته، والفرق بين الصليب والصنم والوثن أن الصليب كل ما نحت على صورة آدمي وعبد، والصنم كل ما نحت على أي صورة كصورة العجل وعبد، والوثن كل ما عبد من دون الله تعالى سواء نحت أم لا كالشجر والحجر، قال القرطبي: وكسره الصليب يدل على أن شيئًا من ذلك لم يسوغه لهم وأن ذلك لا يقر إذا تمكن من تغييره وإزالته. اهـ (ويقتل الخنزير) بالنصب والرفع أَيضًا، قال النووي: وقتل الخنزير من قبيل إزالة المنكر وفيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور أنَّه إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر أو غيرها وتمكنا من قتله قتلناه وإبطال لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم، فقال: يُترك إذا لم يكن فيه ضراوة، قال الأبي: وفيه دليل على أن ما وجد من الخنازير بأرض الكفر أو بيد من أسلم تقتل وقيل: تسرح، وقال ابن عرفة: لا بأس بقتل ما وجد من الخنازير بأرض الإِسلام لأنها مُفسدة (ويضع الجزية) بالوجهين أي يسقط الجزية ولا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلَّا الإِسلام ومن بذل منهم الجزية لم يكفَّ عنه بها بل لا يقبل إلَّا الإِسلام أو القتل قاله الخطابي، قال القاضي: وقد يكون فيض المال هنا من وضع الجزية أي ضربها على جميع الكفرة فإنَّه لا يقاتله أحد فتضع الحرب أوزارها وانقاد له جميع النَّاس إما بالإِسلام وإما بإلقاء يد فيضع عليه الجزية ويضربها وهذا كلام القاضي وليس بمقبول، والصواب ما قدمناه وهو أنَّه لا يقبل إلَّا الإِسلام فعلى هذا قد يقال هذا خلاف حكم الشرع اليوم فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولا يجوز قتله ولا إكراهه على الإِسلام، وجوابه أن هذا الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة بل هو مقيد بما قبل عيسى ﵇، وقد أخبرنا النَّبِيّ ﷺ في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه وليس عيسى ﵇ هو الناسخ بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ، فإن عيسى ﵇ يحكم
стр. 1565
وَيفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ".
٢٩٣ - (٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الأعلَى بْنُ حمّادٍ، وَأَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ,
ــ
بشرعنا فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمَّد ﷺ . اهـ نواوي.
(ويفيض المال) بفتح الياء بالوجهين أَيضًا ولكن الرفع على الاستئناف أولى هنا لأن فيض المال ليس من فعل عيسى ﵇ أي يكثر المال وتنزل البركات وتكثر الخيرات بسبب العدل وعدم التظالم وإلقاء الأرض أفلاذ كبدها كما جاء في الحديث الآخر وتقل أَيضًا الرغبات لقصر الآمال وعلمهم بقرب الساعة فإن عيسى علم من أعلام الساعة، والله أعلم. اهـ نواوي.
قال القاضي أو لضربه الجزية على الجميع (حتَّى لا يقبله أحد) منك لغنى كل النَّاس حينئذ، قال ابن عرفة: إذا أفضت الحال في المال إلى أن لا يقبله أحد لا تسقط الزكاة، وقيل تسقط لأنها إنما وجبت لإرفاق الفقراء وهم غير موجودين، قال السنوسي فإن قلت لا يظهر لوجوب الزكاة أثر إذ كان لا يقبلها أحد قلت يظهر أثره في تمييز نصيب الزكاة من المال عند الحول وحفظه كالوديعة إلى أن يأتي له مستحق أو يرث الله الأرض ومن عليها وإذا لم يجد الإنسان من يستأجر لعمل، عمل بنفسه فإن عجز وجبت إعانته لأن المواساة كما تجب بالمال تجب بالنفس.
وهذا الحديث -أعني حديث أبي هريرة بهذا اللفظ- شارك المؤلف في روايته أَحْمد (٢/ ٤٩٤) والبخاري (٣٤٤٨) وأبو داود (٤٣٢٤) والتِّرمذيّ (٢٢٣٤).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٩٣) - (٠٠)(٠٠) (وحدثناه عبد الأعلى بن حماد) بن نصر الباهليّ مولاهم أبو يحيى البَصْرِيّ المعروف بالنرسي نسبة إلى نرس نهر بالكوفة عليه عدة قرى وثقه أبو حاتم وقال في التقريب لا بأس به وقيل صدوق من كبار العاشرة مات سنة (٢٣٧) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) العبسي مولاهم الكُوفيّ ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (١٦) بابًا
стр. 1566
وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قال: حَدَّثَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ
ــ
تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النَّسائيّ ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٠) بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه أو تقوية عبد الأعلى بن حماد لأنه مختلف فيه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة) الهلالي مولاهم أبو محمَّد الكُوفيّ ثِقَة حافظ إمام حجة وكان ربما دلس لكن عن الثِّقات من الثامنة مات في رجب سنة (١٩٨) روى عنه في (٢٥) بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنيه) أي حَدَّثني هذا الحديث المذكور (حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٤) روى عن ابن وهب فقط في مواضع كثيرة، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القُرشيّ مولاهم أبو محمَّد المصري ثِقَة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (قال) عبد الله بن وهب (حَدَّثني يونس) بن يزيد الأيلي أبو يزيد الأُموي مولاهم ثِقَة من السابعة مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغة السماع بين هذا السند والسند الأول مع بيان النزول فيه.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا حسن) بن عليّ (الحلواني) أبو علي الهذلي المكيّ ثِقَة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٢) روى عنه في (٨) أبواب تقريبًا (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي أبو محمَّد الحافظ ثِقَة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) روى عنه في (١٢) بابا كلاهما (عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عوف الزُّهْرِيّ أبو يوسف المدنِيُّ ثِقَة من التاسعة مات سنة (٢٠٨) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا قال يعقوب (حَدَّثَنَا أبي) إبراهيم بن سعد المدنِيُّ ثِقَة من الثامنة مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٤) بابا.
(عن صالح) بن كيسان الغفاري مولاهم أبي محمَّد المدنِيُّ ثِقَة ثبت من الرابعة مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لبيان مخالفته للسندين الأولين في صيغة السماع ولاختلاف مشايخ مشايخه في الكل ولبيان نزوله،
стр. 1567
كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَينَةَ: "إِمَامًا مُقْسِطًا وَحَكَمًا عَدْلًا".
وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: "حَكَمًا عَادِلًا" وَلَمْ يَذْكُرْ "إِمَامًا مُقْسِطًا". وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ "حَكَمًا مُقْسِطًا" كَمَا قَال اللَّيثُ. وَفِي حَدِيثِهِ، مِنَ الزِّيَادَةِ "وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيرًا
ــ
والضمير في قوله (كلهم) عائد إلى ما قبل حاء التحويلات كما هو الاصطلاح له أي كل من سفيان في السند الأول ويونس في السند الثاني، وصالح في السند الثالث رووا (عن) محمَّد بن مسلم بن شهاب (الزُّهْرِيّ) المدنِيُّ ثِقَة متقن من رؤوس الطَّبقة الرابعة مات سنة (١٢٥) والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع الذي هو ليث بن سعد أي كل هؤلاء الثلاثة رووا عن الزُّهْرِيّ بهذا الإسناد يعني عن ابن المسيّب عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ مثل ما روى ليث بن سعد عن الزُّهْرِيّ إلَّا فيما سيستثني وهذه الأسانيد الثلاثة الأول منها من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كُوفِيّ وبصري أو كُوفِيّ ونسائي، والثاني منها من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، والثالث منها من سباعياته رجاله ستة منهم مدنيون وواحد مكّيّ أو كسي، وغرضه بسوق كل من الثلاثة الأسانيد بيان متابعة سفيان بن عيينة ويونس بن يزيد وصالح بن كيسان لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن الزُّهْرِيّ، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة فيما استثنى، والله أعلم.
(و) لكن (في رواية ابن عيينة: إمامًا) قال الأبي: الأظهر أنَّه إمام طاعة خليفة عن رسول الله ﷺ في أمته لا إمام صلاة (مقسطًا) أي عادلًا في خلافته لا جائرًا (وحكمًا عدلًا) أي حاكمًا عادلًا في حكمه وقضائه بين النَّاس لا ظالمًا رائشًا مائلًا عن الحق (وفي رواية يونس) بن يزيد (حكمًا عادلًا، ولم يذكر) يونس في روايته (إمامًا مقسطًا) كما ذكره ابن عيينة (وفي حديث صالح) بن كيسان وروايته (حكمًا مقسطًا كما قال الليث، وفي حديثه) أي في حديث صالح بن كيسان (من الزيادة) على غيره (وحتى تكون السجدة الواحدة) أي ثواب الركعة الواحدة (خيرًا) أي أفضل وأكثر
стр. 1568
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] الآيةَ
ــ
(من) ثواب التصدق بـ (الدنيا وما فيها) أي وما في الدنيا والأرض من الأموال والمعادن والخزائن بأسرها، والجملة معطوفة على قوله "حتَّى لا يقبله أحد" في كونه غاية لفيض المال، قال النووي: فمعناه -والله أعلم- أن النَّاس تكثر رغبتهم في الصلاة وسائر الطاعات لقصر آمالهم وعلمهم بقرب القيامة وقلة رغبتهم في الدنيا لعدم الحاجة إليها وهذا هو الظاهر من معنى الحديث، وقال القاضي عياض: معناه أن أجرها خير لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذ ولهذا لا يوجد من يقبله ولهوانه وقلة الشح به وقلة الحاجة إليه للنفقة في الجهاد لوضع الحرب أوزارها حينئذ وتكون السجدة الواحدة بعينها أو عبارة عن الصلاة، وأهل الحجاز يسمون الركعة سجدة ومنه الحديث "صلينا مع النَّبِيّ ﷺ سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها" (ثم) بعد رواية هذا الحديث (يقول أبو هريرة) استشهادًا لهذا الحديث (اقرؤوا) أيها المسلمون (إن شئتم) مصداق هذا الحديث قوله تعالى (﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾) أي وما من أهل الكتاب أحد يكون في زمن عيسى ﵇ حين نزوله إلَّا آمن بعيسى (﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾) أي قبل موت عيسى ﵇ وعلم أنَّه عبد الله ورسوله وابن أمته وتكون الملة واحدة إسلامية، وفي هذا دلالة ظاهرة على أن مذهب أبي هريرة في الآية عود الضمير في موته على عيسى ﵇ وهذا مذهب جماعة من المفسرين، قال النووي: وذهب كثيرون أو الأكثرون إلى أن الضمير في موته يعود على الكتابي، والمعنى وما من أهل الكتاب أحد يحضره الموت مهما كذب به إلَّا آمن عند موته قبل خروج روحه بعيسى ﵇ وأنه عبد الله وابن أمته ولكن لا ينفعه هذا الإيمان لأنه في حضرة الموت وحالة النزع وتلك الحالة لا حكم لما يفعل أو يقال فيها فلا يصح فيها إسلام ولا كفر ولا وصية ولا بيع ولا عتق ولا غير ذلك من الأقوال لقول الله تعالى ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، وهذا المذهب أظهر فإن الأول يخص الكتابي بزمن عيسى وظاهر الكتاب عمومه لكل كتابي في زمن عيسى وقبل نزوله ويؤيد هذا المذهب قراءة من قرأ (قبل موتهم)،
стр. 1569
٢٩٤ - (٠٠)(٠٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيثٌ عَنْ سَعِيدٍ، بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ، لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخَنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ
ــ
وقيل إن الهاء في (به) يعود على نبينا محمَّد ﷺ والهاء في موته تعود على الكتابي والمعنى عليه وما أحد من أهل الكتاب إلَّا آمن بمحمد ﷺ وعلم أنَّه عبده ورسوله حقًّا قبل موت ذلك الكتابي والله أعلم ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٩٤) - (٠٠)(٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثَّقَفيّ مولاهم أبو رجاء البغلاني ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدثنا ليث) بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري ثِقَة ثبت فقيه، قال ابن بكير: هو أفقه من مالك من السابعة مات سنة (١٧٥) روى عنه في (١٥) بابًا تقريبًا (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبي سعد المدنِيُّ ثِقَة من الثالثة مات سنة (١٢٥) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا (عن عطاء بن ميناء) بكسر الميم بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم نون ثم أَلف ممدودة هذا هو المشهور وقال صاحب المطالع يمد ويقصر نظير زكرياء اهـ. نووي. مولى ابن أبي ذباب المدنِيُّ أو البَصْرِيّ روى عن أبي هريرة في الإيمان والصلاة والبيوع والدعاء والرحمة، ويروي عنه (ع) وسعيد بن أبي سعيد المقبري وأيوب بن موسى في الصلاة وعمرو بن دينار والحارث بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذباب، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق من الثالثة (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد بغلاني؛ وغرضه بسوقه بيان متابعة عطاء بن ميناء لسعيد بن المسيّب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة للرواية الأولى (أنَّه) أي أن أَبا هريرة (قال قال رسول الله ﷺ والله) أي أقسمت بالإله الذي لا إله غيره (لينزلن) من السماء عيسى (ابن مريم) في آخر الزمان، حالة كونه (حكمًا) بسنتي بين أمتي (عادلًا) في حكمه بينهم والفاء في قوله (فليكسرن الصليب) حرف عطف وتعقيب على قوله "لينزلن" وقوله (وليقتلن الخنزير) معطوف على قوله "فليكسرن الصليب" (وليضعن) أي ليسقطن
стр. 1570
الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى مَالِ اللهِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ"
ــ
(الجزية) فلا يقبلها بل لا يقبل إلَّا الإِسلام (ولتتركن القلاص) بكسر القاف جمع قلوص بفتحها وهي من الإبل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ أي يزهد النَّاس فيها ولا يرغبون في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والفقر والفاقة والعلم بقرب القيامة، وهذه الجملة معطوفة على جملة قوله "لينزلن" (فلا يسعى عليها) بضم الياء على صيغة المجهول أي لا يعتنى بها ولا يهتم بشأنها بل يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها وهذا هو المعنى الظاهر، وقال القاضي عياض وصاحب المطالع معنى (لا يسعى عليها) أي لا يبعث إليها ساع ولا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها وهذا تأويل غير صحيح لعدم سقوط الزكاة بغنى النَّاس كما قدمنا والصواب التأويل الأول كما قال النووي، وإنما خصت القلاص بالذكر لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب، وجملة قوله "فلا يسعى عليها" معطوفة مفرعة على جملة "لتتركن"، وجملة قوله (ولتذهبن الشحناء) معطوفة على جملة "ينزلن" أو "تتركن" أي ولترفعن الشحناء أي العداوة الظاهرة بين النَّاس حتَّى بين الحيوانات المؤذية فيما بينها أنفسها وفيما بينها وبين النَّاس، وفي حديث أبي داود "ويضع الله الأمانة في الأرض فلا يبقى بين اثنين عداوة، فترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضها بعضًا"، (والتباغض) أي العداوة الباطنة من البغض وهو ضد الحب (والتحاسد) من الحسد وهو أن يتمنى زوال نعمة الله على المسلم وهو مذموم من الكبائر بخلاف الغبطة وهي أن تتمنى أن يكون لك مثلها من غير أن تزول عنه ويسمى أَيضًا بالتنافس (وليَدعُونَّ) بفتح الياء وضم العين وتشديد النُّون وفاعله ضمير عيسى ﵇، أي وليدعون عيسى ﵇ النَّاس (إلى مال الله فلا يقبله) أي فلا يقبل المال من عيسى ﵇ (أحد) من النَّاس لغنى النَّاس وعدم المحتاجين. اهـ من "المرقاة" لملا علي. وفي نسخة (وليدعون) بضم الياء وفتح العين وضم الواو وتشديد النُّون على صيغة المبني للمجهول والواو لجماعة الغائبين نائب فاعل أي وليدعى النَّاس إلى المال فلا يقبله أحد والداعي إما عيسى ﵇ وإما غيره من أرباب الأموال، وإنما لا يقبله أحد لما قدمنا من كثرة الأموال وقصر الآمال وعدم الحاجة وقلة الرغبة فيه للعلم بقرب الساعة لأن عيسى علم من أعلام الساعة.
стр. 1571
٢٩٥ - (٠٠)(٠٠) أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى أبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
وفي حديث التِّرْمِذِيّ الطويل "إن الله إذا أهلك بدعائه يأجوج ومأجوج وأرسل طيرًا كالبخت تنقل جثثهم إلى البحر وطهر الأرض منهم بماء ينزله من السماء يقال للأرض أخرجي بركتك فحينئذ يأكل من الرمانة العصابة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتَّى يكون الفئام من النَّاس تكفيهم اللقحة الواحدة من البقر وإن الفخذ لتكفيهم اللقحة من الغنم فبينما هم كذلك إذ هبت ريح يقبض الله بها كل مؤمن ويبقى شرار النَّاس يتهارجون وعليهم تقوم الساعة"، و (الفخذ): قبيلة الرَّجل الأدنون.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٩٥) - (٠٠)(٠٠) (أخبرني حرملة بن يحيى) التجيبي أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٤) قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القُرشيّ مولاهم أبو محمَّد المصري ثِقَة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، قال ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي أبو يزيد الأُموي ثِقَة إلَّا أن في روايته عن الزُّهْرِيّ وهمًا قليلًا وفي غير الزُّهْرِيّ خطأ من كبار السابعة مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن) محمَّد بن مسلم (بن شهاب) الزُّهْرِيّ أبي بكر المدنِيُّ ثِقَة متقن من الرابعة مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابًا تقريبًا (قال) ابن شهاب (أخبرني نافع) بن عباس بموحدة ومهملة أو ابن عياش بتحتانية ومعجمة الأقرع المدنِيُّ (مولى أبي قتادة الأَنْصَارِيّ) قيل له ذلك للزومه له وكان مولى عقيلة بنت طالق الغفارية أبو محمَّد الغفاري مولاهم روى عن أبي هريرة في الإيمان وأبي قتادة في الحج والجهاد ويروي عنه (ع) والزهري وصالح بن كيسان وسالم أبو النضر وعمر بن كثير بن أفلح وغيرهم، وثقه النَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة من الثالثة (أن أَبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة نافع لسعيد بن المسيّب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما فيه من المخالفة للرواية السابقة فلا اعتراض عليه
стр. 1572
"كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ "
ــ
متنًا وسندًا، و (كيف) في قوله (كيف أنتم) للاستفهام التعجبي من حسن الحال حينئذ لا من شدة الأمر، وهو في محل الرفع خبر مقدم و (أنتم) مبتدأ مؤخر أي ما أحسن حالكم أيتها الأمة (إذا نزل) من السماء عيسى (ابن مريم فيكم) أي في الأرض بينكم (وإمامكم) أي والحال أن إمامكم الذي يصلي بكم (منكم) أيتها الأمة لا عيسى ابن مريم بل يصلي عيسى خلف إمامكم تكرمة لهذه الأمة، حين يقول أميركم لعيسي: تعال فصل بنا, فيقول عيسى: لا بل أَنْتَ صل بنا، فيصلي عيسى وراء إمام المسلمين إبقاء لشريعة النَّبِيّ ﷺ واتباعًا. له وإخزاء للنصارى وإقامة للحجة عليهم، والمعنى ما أحسن حالكم وقت نزول عيسى فيكم فإنكم تكونون على حالة حسنة في الدين والدنيا مستقيمين في الدين مبسوطين في الدنيا كما هو مبين في حديث جابر الآتي.
قال القاضي عياض: قوله (وإمامكم منكم) وفي الحديث الآخر "فأمكم منكم"، فسّره في الكتاب ابن أبي ذئب فقال: فأمكم بكتاب الله وسنة نبيكم، وهذا كلام حسن لأن عيسى ليس يأتي لأهل الأرض رسولًا ولا نبيًّا مبعوثًا ولا بشريعة جديدة لأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين وشريعته ناسخة لجميع الشرائع راسخة إلى يوم القيامة وإنما يحكم عيسى بها، وأما قوله (إمامكم منكم) فهو مفسر أَيضًا في الحديث من رواية جابر في الأم، حيث قال: "فينزل عيسى فيقول أميرهم: تعال فصل بنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة من الله لهذه الأمة" وقوله (حكمًا مقسطًا وإمامًا عادلًا) دليل أَيضًا على أنَّه لم يأت بشرع محدث ولا أرسل بملة جديدة ولا جاء نبيًّا مبعوثًا. اهـ
قال الأبي: قال ابن العربي: وقيل يعني بـ (منكم) أي من قريش، وقيل يعني الإِمام المهدي الآتي في آخر الزمان الذي صح فيه حديث التِّرْمِذِيّ من طريق ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذهب الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يوافق اسمه اسمي واسم أَبيه اسم أبي"، ومن طريق أبي هريرة: "لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم لطوله الله حتَّى يلي ... " وفي أبي داود عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف" فالأجلى الذي انحسر شعر مقدم رأسه والأقنى من به احديداب في الأنف، وفيه أَيضًا عن أم سلمة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المهدي من عترتي من ولد فاطمة يعمل في النَّاس بسنة نبيهم ويلقي الإِسلام بجرانه إلى الأرض يلبث سبع سنين ثم يموت ويصلي عليه
стр. 1573
٢٩٦ - (٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ
ــ
المسلمون"، قال ابن العربي: وما قيل إنه المهدي بن أبي جعفر المنصور لا يصح فإنه وإن وافق اسمه اسمه واسم أَبيه اسم أَبيه فليس من ولد فاطمة وإنما هو المهدي الآتي في آخر الزمان. اهـ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٩٦) - (٠٠)(٠٠) (وحدثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون البغدادي أبو عبد الله المؤدب صدوق ربما وهم من العاشرة مات سنة (٢٣٥) روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، قال ابن حاتم (حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزُّهْرِيّ أبو يوسف المدنِيُّ ثِقَة من التاسعة مات سنة (٢٠٨) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا قال يعقوب (أخبرنا) محمَّد (ابن أخي ابن شهاب) عبد الله بن مسلم الزُّهْرِيّ المدني صدوق له أوهام من السادسة مات سنة (١٥٢) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (عن عمه) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيّ أبي بكر المدنِيُّ من الرابعة (قال) ابن شهاب (أخبرني نافع) بن عباس الغفاري مولاهم (مولى أبي قتادة الأَنْصَارِيّ) السلمي أي ملازمه، واسم أبي قتادة الحارث بن ربعي على المشهور وقيل عَمرو بن ربعي وقيل عون بن ربعي وقيل غير ذلك، روى عن النَّبِيّ ﷺ وعن معاذ بن جبل وعمر بن الخطاب ويروي عنه (ع) وولداه عبد الله وثابت ومولاه أبو محمَّد نافع بن عباس وأنس بن مالك وجماعة وشهد أحدًا والمشاهد, له مائة وسبعون حديثًا (١٧٠) اتفقا على أحد عشر وانفرد (خ) بحديثين و (م) بثمانية (أن أَبا هريرة قال) وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم مدنيون إلَّا محمَّد بن حاتم فإنَّه بغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن أخي الزُّهْرِيّ يونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدتها بيان كثرة طرقه وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في لفظة (وأمكم) كما سيأتي قريبًا (قال رسول الله ﷺ كيف أنتم) أي ما أحسن حالكم (إذا نزل) عيسى (ابن مريم فيكم
стр. 1574
وَأَمَّكُمْ؟ ".
٢٩٧ - (٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ،
ــ
وأمكم) وفي بعض النسخ (فأمكم) بالفاء أي صار إمامًا وأميرًا وخليفة لكم وحكم بينكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبهذا التفسير وبما سبق في الرواية السابقة اندفعت المعارضة بين قوله "وإمامكم منكم" أي إمام الصلاة وقوله (وأمكم) أي صار إمامًا وأميرًا لكم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٩٧) - (٠٠)(٠٠) (وحدثنا) وفي بعض النسخ (حَدَّثني) (زهير بن حرب) بن شداد الخرشي أبو خيثمة النَّسائيّ ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٠) بابا، قال زهير (حَدَّثني الوليد بن مسلم) القُرشيّ الأُموي مولى بني أمية أبو العباس الدِّمشقيّ قال ابن سعد: كان ثِقَة كثير الحديث، وقال في التقريب ثِقَة لكنه كثير التدليس والتسوية أي يدلس تدليس التسوية وهو أن يسقط من سنده غير شيخه لكونه ضعيفًا أو صغيرًا ويأتي بلفظ محتمل أنَّه من الثقة الثاني تحسينًا للحديث، قال في التقريب: وهو شر أنواعه من الثامنة مات سنة (١٩٥) روى عنه في (٦) أبواب قال الوليد (حَدَّثَنَا) محمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) هشام بن شعبة القُرشيّ العامري أبو الحارث المدنِي أحد الأئمة الأعلام روى عن الزُّهْرِيّ في الإيمان واللعان والفرائض والهبة وغيرها، والقاسم بن عياش في الصوم، وسعيد المقبري في الحج، ونافع في العتق وغيره، ومهاجر بن مسمار في الجهاد ويروي عنه (ع) والوليد بن مسلم ووكيع ويحيى بن سعيد وابن أبي فديك وابن نمير وابن وهب وشبابة وخلق. وقال أَحْمد: يشبه بابن المسيّب وهو أصلح وأورع وأقوم بالحق من مالك. ولما حج المهدي دخل مسجد النَّبِيّ ﷺ فقال له المسيّب بن زهير: قم؛ هذا أمير المُؤْمنين. فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم النَّاس لرب العالمين. فقال المهدي: دعه، فلقد قامت كل شعرة في رأسي. وقال ابن معين: ثِقَة، وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثِقَة صدوق غير أن روايته عن الزُّهْرِيّ خاصة تكلم فيها بعضهم بالاضطراب، وقال
стр. 1575
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ ". فَقُلْتُ لابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِن الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ: "وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ" قَال ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي. قَال: "فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ "
ــ
النَّسائيّ: ثِقَة، وقال في التقريب: ثِقَة فقيه فاضل من السابعة مات سنة ثمان وخمسين ومائة (١٥٨) روى عنه في ثمانية أبواب كما بينا. (عن) محمَّد بن مسلم (بن شهاب) الزُّهْرِيّ المدنِيُّ ثِقَة من الرابعة (عن نافع) بن عباس الغفاري مولاهم (مولى أبي قتادة) الأَنْصَارِيّ السلمي أي ملازمة أبي محمَّد المدنِيُّ (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد دمشقي وواحد نسائي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن أبي ذئب لابن أخي ابن شهاب في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة للرواية الأولى (أن رسول الله ﷺ قال: كيف أنتم) أي شيء عجيب حسن حالكم (إذا نزل فيكم) عيسى (ابن مريم فأمكم) أي صار إمامًا وأميرًا وخليفة لكم (منكم) أي بكتابٍ من ربكم وسنة نبيكم، قال الوليد بن مسلم (فقلت لابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرَّحْمَن (إن) عبد الرَّحْمَن بن عمرو بن يحمد (الأوزاعي) نسبة إلى أوزاع قبيلة من حمير أو قرية بدمشق، أَبا عمرو الشَّاميّ ثِقَة فاضل جليل من السابعة مات في الحمام سنة (١٥٧) روى عنه في (١٢) بابا (حَدَّثَنَا عن الزُّهْرِيّ عن نافع عن أبي هريرة) بلفظ (وإمامكم) الذي يصلي بكم (منكم) لا عيسى، إشعارًا بأنه نزل مقررًا لشريعة محمَّد ﷺ قال الوليد بن مسلم: فـ (قال) لي (ابن أبي ذئب تدري) وتعلم جواب استفهام (ما) معنى (أمكم منكم) قال الوليد بن مسلم (قلت) لابن أبي ذئب: أنا ما أدري جواب هذا الاستفهام! وأنت (تخبرني) أي تخبرني أَنْتَ يَا ابن أبي ذئب جواب هذا الاستفهام (قال) ابن أبي ذئب معنى "أمكم منكم" أي (فأمكم بكتاب ربكم) أي صار إمامًا حاكمًا بينكم بكتاب ربكم وفرقانه الذي أنزله على محمَّد ﷺ (تبارك) أي تكاثر وتزايد خيره سبحانه (وتعالى) أي ترفع عن كل ما لا يليق به من سمات النقص (و) بـ (سنة نبيكم) محمدٍ ﷺ أي حديثه وطريقته وشريعته، والله أعلم.
стр. 1576
٢٩٨ - (١٤٨)(٧١) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بن الشَّاعِرِ". قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
ــ
ورواه بهذا اللفظ أَحْمد (٢/ ٣٣٦) والبخاري (٣٤٤٩) ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال:
(٢٩٨) - (١٤٨)(٧١) (حَدَّثَنَا الوليد بن شجاع) بن الوليد بن قيس الكندي أبو همام الكُوفيّ روى عن حجاج بن محمَّد في الإيمان, وابن وهب في الجنائز والزكاة والحدود، وأبيه في الحوض، وعلي بن مسهر في الجهاد والأطعمة والفضائل، ويروي عنه (م د ت ق) وأبوه أبو بدر وإبراهيم الحربي وموسى بن هارون وابن أبي الدنيا وغيرهم، وقال ابن معين والنَّسائيّ: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في الثِّقات، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢٤٣) على الصحيح روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى البزَّاز. الحافظ المعروف بالحمال بالمهملة وثقه الدارقطني، وقال في التقريب ثِقَة من العاشرة مات. سنة (٢٤٣) وقد ناهز. أي قارب الثمانين (٨٠).
(و) حدثنا أَيضًا (حجاج) بن يوسف بن حجاج المعروف بـ (ابن الشَّاعر) الثَّقَفيّ أبو محمَّد البغدادي ثِقَة حافظ من الحادية عشرة. مات سنة (٢٥٩) روى عنه في (١٣) بابا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي. قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا حجاج) بن محمَّد الأعور الهاشمي مولاهم المصيصي أبو محمَّد البغدادي التِّرْمِذِيّ الأصل نزل بغداد ثم سكن المصيصة ثِقَة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغدادَ قبل موته من التاسعة مات ببغداد سنة (٢٠٦) مائتين وست روى عنه في (٣) أبواب، وأتى بـ (هو) في قوله (وهو ابن محمَّد) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته كما مر مرارًا (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) القُرشيّ الأُموي مولاهم أبي خالد المكيّ ثِقَة فقيه وكان يدلس ويرسل من السادسة مات سنة (١٥٠) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا, (قال) ابن جريج (أخبرني أبو الزُّبير) محمَّد بن مسلم بن تدرس القرشي مولاهم المكي ثِقَة مدلس، وقال في التقريب: صدوق مدلس من الرابعة مات سنة (١٢٦) روى عنه في (٩) أبواب (أنه) أي أن أَبا الزُّبير المكيّ (سمع جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأَنْصَارِيّ السلمي أَبا
стр. 1577
يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَال: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَال صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ الله
ــ
عبد الرَّحْمَن المدنِي الصحابي ابن الصحابي مات بالمدينة سنة (٩٤) روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان بغداديان وواحد مدني، وغزضه بسوقه الاستشهاد بحديثه لحديث أبي هريرة السابق، حالة كون جابر (يقول سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول لا تزال طائفة) أي جماعة (من أمتي) أمة الإجابة، والطائفة هم الجماعة المتعددة من أنواع المُؤْمنين ما بين شجاع وفقيه ومحدث ومفسر ولا يلزم أن يكونوا كما ذكر النواوي مجتمعين في بلد واحد (يقاتلون) أعداءهم الكفار ردًّا لهم (على) دين (الحق) والطريق المستقيم، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا من فاعل (يقاتلون) أي حال كونهم على الدين الحق (ظاهرين) أي عالين غالبين على من ناوأهم منتصرين عليهم (إلى) قرب (يوم القيامة) وقد تقدم أنَّه ليس بمعارض لحديث "لا تقوم الساعة حتَّى لا يقال الله الله" لأن المعنى هنا إلى قرب يوم القيامة كما قدرناه في الحل وهذا القرب هو حين تهب الريح المتقدمة الذكر.
(قال) رسول الله ﷺ (فينزل عيسى ابن مريم) من السماء في سحابة وضبابة مطيرة في آخر الليل فيدخل على جماعة مجتمعين في مسجد بيت المقدس، أميرهم المهدي بعد ما أذنوا لصلاة الصبح وأقاموا، وفي العتبية قال مالك: بينا النَّاس قيام يستمعون لإقامة الصلاة فتغشاهم غمامة فإذا عيسى قد نزل. اهـ
(فيقول أميرهم) وهو الإِمام المهدي لعيسى ﵇ (تعال) أي أقبل إلى موقف الإِمام فـ (صل) إمامًا (لنا فيقول) عيسى ﵇ (لا) أصلي إمامًا لكم ولكن أصلي خلف إمامكم فـ (إن بعضكم) أيتها الأمة المحمدية خلفاء (على بعض أمراء) عليهم، وجملة (إن) معللة للجملة المنفية المحذوفة مع بقاء النافي، وقوله (تكرمة الله) مصدر سماعي لي (كرَّم) المضعف غير قياسي لأنه إنما يكون قياسًا في المضعف المعتل اللام كزكى تزكية فهو إما منصوب على المفعولية المطلقة بفعله المحذوف والتقدير كرم الله (هذه الأمة) المحمدية تكريمًا وشرفها تشريفًا فلذلك أبي عيسى عليه
стр. 1578
هذِهِ الأُمَّةَ"
ــ
السلام عن الإمامة بهم أو على أنَّه مفعول لأجله للجملة المحذوفة تقديرها فيصلي عيسى وراءهم لأجل تكرمة الله تعالى هذه الأمة، قال ابن العربي: وفي امتناع عيسى ﵇ من التقدم للإمامة إبقاء لشريعة النَّبِيّ ﷺ واتباع له وإسخان لأعين النصارى وإقامة الحجة عليهم. اهـ عارضة الأحوذي.
ودليل على أنَّه لم يأت بشرع محدث ولا أرسل بملة جديدة ولا جاء نبيًّا مبعوثًا. اهـ من الإكمال. وهذا الحديث -أعني حديث جابر- مما انفرد به المؤلف رحمه الله تعالى من أصحاب الأمهات فجملة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب من الأحاديث اثنان الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال وذكر فيه خمس متابعات والثاني حديث جابر وذكره للاستشهاد.
***
стр. 1579
٨٣ - (٤٢) بَابُ: بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي لا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ وَلَا الْعَمَلُ الصَّالحُ
٢٩٩ - (١٤٩)(٧٢) حدثنا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاءِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛
ــ
٨٣ - (٤٢) بَابُ: بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي لا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ وَلَا الْعَمَلُ الصَّالحُ
أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث التي فيها ذكر الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان من نفسٍ لم تكن آمنت من قبل ولا يقبل الله فيها العمل الصالح من نفس لم تكن عملت في إيمانها خيرًا.
(٢٩٩) - (١٤٩)(٧٢) (حَدَّثَنَا يحيى بن أَيُّوب) المقابري أبو زكرياء العابد البغدادي، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٨) أبواب (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثَّقَفيّ مولاهم أبو رجاء البغلاني، ثِقَة ثبمت من العاشرة مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (وعلي بن حجر) بتقديم الحاء المضمومة وسكون الجيم ابن إياس السعدي أبو الحسن البغدادي ثم المروزي، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٤٤) روى عنه في (١١) بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأَنْصَارِيّ الزُّرَقيّ مولاهم أبو إسحاق المدنِيُّ، ثِقَة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٠) روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعنون) أي يعني كل من الثلاثة بإسماعيل المطلق عن النسبة (ابن جعفر) إشعارًا بأن هذه النسبة من الزيادة التي زادها من عند نفسه بلا سماع منهم إيضاحًا للراوي (عن العلاء) بن عبد الرَّحْمَن بن يعقوب الجهني الحُرَقي مولاهم أبي شبل المدنِيُّ، صدوق ربما وهم، من الخامسة مات سنة (١٣٣) روى عنه في (٤) أبواب، وأتى بـ (ـهو) في قوله (وهو ابن عبد الرَّحْمَن) تورعًا من الكذب على شيخه وإيضاحًا للراوي (عن أَبيه) عبد الرَّحْمَن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم المدنِيُّ، ثِقَة من الثالثة روى عنه في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا واحدًا فإنَّه إما بغدادي أو بغلاني أو
стр. 1580
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. فَيَوْمَئِذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]
ــ
مروزي (أن رسول الله ﷺ قال لا تقوم الساعة حتَّى تطلع الشَّمس) بنفسها حقيقة (من مغربها) أي من أفق غروبها إشعارًا بأن الدنيا قد قرب انتهاؤها (فهذا طلعت) الشَّمس (من مغربها) أي من أفقها الغربي (آمن) بالله وبرسوله وبما جاء به وصدقهما (النَّاس كلهم أجمعون) كتابيين كانوا أو غيرهم لعلمهم أن الدنيا قد قرب انتهاؤها لأن طلوعها من مغربها من أشراطها (فيومئذ) أي فيوم إذ طلعت الشَّمس من مغربها، والظرف متعلق بقوله (﴿لَا يَنْفَعُ﴾) وقوله (﴿نَفْسًا﴾) مفعول مقدم، وقوله (﴿إِيمَانُهَا﴾) فاعل مؤخر، وجملة قوله (﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾) أي من قبل طلوعها من مغربها صفة لـ (نفسًا)، وجملة قوله (﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾) وعملت (﴿فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾) معطوفة على (آمنت)، والتقدير فيومئذ لا ينفع نفسًا لم تكن آمنت من قبل أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرًا إيمانها في ذلك اليوم أو كسبها في ذلك اليوم كالإيمان وقت الغرغرة وهذه الجملة نفس آية (١٥٨) من سورة الأنعام، وهذا الحديث من أفراد الإِمام مسلم رحمه الله تعالى لم يخرجه غيره كما في التحفة، وفي هامش الإكمال قوله (﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾) في موضع الصفة للنفس أي لا ينفع نفسًا غير مؤمنة قبل إيمانها الآن إيمانها في ذلك اليوم وذلك لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة، وعدم نفع الإيمان حينئذ كعدم نفعه عند حضور الموت بجامع أن كلًّا منهما عاين أحوال الآخرة فهو في حكم الميت، وهل انقطاع نفع الإيمان والتوبة بأول طلوع لها من أفق من الآفاق بمغربه أو عند طلوعها من كل أفق على أصحابه من مغربهم؟ قولان. اهـ قال القرطبي: ومذهب أهل السنة حمل طلوع الشَّمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها إذ لا إحالة فيها وهي أمور ممكنة في أنفسها وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشهرتها فيجب التصديق بها ولا يلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة والباطنية لها. اهـ مفهم
قال الطيبي: الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها، فمن الأول الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف، ومن الثاني الدخان وطلوع الشَّمس من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر النَّاس. اهـ وعبارة الأبي هنا. قوله (لا تقوم