← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

٢٩٨ - (١٤٨) (٧١) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بن الشَّاعِرِ". قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ــ ورواه بهذا اللفظ أَحْمد (٢/ ٣٣٦) والبخاري (٣٤٤٩) ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٩٨) - (١٤٨) (٧١) (حَدَّثَنَا الوليد بن شجاع) بن الوليد بن قيس الكندي أبو همام الكُوفيّ روى عن حجاج بن محمَّد في الإيمان, وابن وهب في الجنائز والزكاة والحدود، وأبيه في الحوض، وعلي بن مسهر في الجهاد والأطعمة والفضائل، ويروي عنه (م د ت ق) وأبوه أبو بدر وإبراهيم الحربي وموسى بن هارون وابن أبي الدنيا وغيرهم، وقال ابن معين والنَّسائيّ: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في الثِّقات، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢٤٣) على الصحيح روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (و) حدثنا أَيضًا (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى البزَّاز. الحافظ المعروف بالحمال بالمهملة وثقه الدارقطني، وقال في التقريب ثِقَة من العاشرة مات. سنة (٢٤٣) وقد ناهز. أي قارب الثمانين (٨٠). (و) حدثنا أَيضًا (حجاج) بن يوسف بن حجاج المعروف بـ (ابن الشَّاعر) الثَّقَفيّ أبو محمَّد البغدادي ثِقَة حافظ من الحادية عشرة. مات سنة (٢٥٩) روى عنه في (١٣) بابا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي. قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا حجاج) بن محمَّد الأعور الهاشمي مولاهم المصيصي أبو محمَّد البغدادي التِّرْمِذِيّ الأصل نزل بغداد ثم سكن المصيصة ثِقَة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغدادَ قبل موته من التاسعة مات ببغداد سنة (٢٠٦) مائتين وست روى عنه في (٣) أبواب، وأتى بـ (هو) في قوله (وهو ابن محمَّد) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته كما مر مرارًا (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) القُرشيّ الأُموي مولاهم أبي خالد المكيّ ثِقَة فقيه وكان يدلس ويرسل من السادسة مات سنة (١٥٠) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا, (قال) ابن جريج (أخبرني أبو الزُّبير) محمَّد بن مسلم بن تدرس القرشي مولاهم المكي ثِقَة مدلس، وقال في التقريب: صدوق مدلس من الرابعة مات سنة (١٢٦) روى عنه في (٩) أبواب (أنه) أي أن أَبا الزُّبير المكيّ (سمع جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأَنْصَارِيّ السلمي أَبا

стр. 1577

يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَال: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَال صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ الله ــ عبد الرَّحْمَن المدنِي الصحابي ابن الصحابي مات بالمدينة سنة (٩٤) روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان بغداديان وواحد مدني، وغزضه بسوقه الاستشهاد بحديثه لحديث أبي هريرة السابق، حالة كون جابر (يقول سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول لا تزال طائفة) أي جماعة (من أمتي) أمة الإجابة، والطائفة هم الجماعة المتعددة من أنواع المُؤْمنين ما بين شجاع وفقيه ومحدث ومفسر ولا يلزم أن يكونوا كما ذكر النواوي مجتمعين في بلد واحد (يقاتلون) أعداءهم الكفار ردًّا لهم (على) دين (الحق) والطريق المستقيم، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا من فاعل (يقاتلون) أي حال كونهم على الدين الحق (ظاهرين) أي عالين غالبين على من ناوأهم منتصرين عليهم (إلى) قرب (يوم القيامة) وقد تقدم أنَّه ليس بمعارض لحديث "لا تقوم الساعة حتَّى لا يقال الله الله" لأن المعنى هنا إلى قرب يوم القيامة كما قدرناه في الحل وهذا القرب هو حين تهب الريح المتقدمة الذكر. (قال) رسول الله ﷺ (فينزل عيسى ابن مريم) من السماء في سحابة وضبابة مطيرة في آخر الليل فيدخل على جماعة مجتمعين في مسجد بيت المقدس، أميرهم المهدي بعد ما أذنوا لصلاة الصبح وأقاموا، وفي العتبية قال مالك: بينا النَّاس قيام يستمعون لإقامة الصلاة فتغشاهم غمامة فإذا عيسى قد نزل. اهـ (فيقول أميرهم) وهو الإِمام المهدي لعيسى ﵇ (تعال) أي أقبل إلى موقف الإِمام فـ (صل) إمامًا (لنا فيقول) عيسى ﵇ (لا) أصلي إمامًا لكم ولكن أصلي خلف إمامكم فـ (إن بعضكم) أيتها الأمة المحمدية خلفاء (على بعض أمراء) عليهم، وجملة (إن) معللة للجملة المنفية المحذوفة مع بقاء النافي، وقوله (تكرمة الله) مصدر سماعي لي (كرَّم) المضعف غير قياسي لأنه إنما يكون قياسًا في المضعف المعتل اللام كزكى تزكية فهو إما منصوب على المفعولية المطلقة بفعله المحذوف والتقدير كرم الله (هذه الأمة) المحمدية تكريمًا وشرفها تشريفًا فلذلك أبي عيسى عليه

стр. 1578

هذِهِ الأُمَّةَ" ــ السلام عن الإمامة بهم أو على أنَّه مفعول لأجله للجملة المحذوفة تقديرها فيصلي عيسى وراءهم لأجل تكرمة الله تعالى هذه الأمة، قال ابن العربي: وفي امتناع عيسى ﵇ من التقدم للإمامة إبقاء لشريعة النَّبِيّ ﷺ واتباع له وإسخان لأعين النصارى وإقامة الحجة عليهم. اهـ عارضة الأحوذي. ودليل على أنَّه لم يأت بشرع محدث ولا أرسل بملة جديدة ولا جاء نبيًّا مبعوثًا. اهـ من الإكمال. وهذا الحديث -أعني حديث جابر- مما انفرد به المؤلف رحمه الله تعالى من أصحاب الأمهات فجملة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب من الأحاديث اثنان الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال وذكر فيه خمس متابعات والثاني حديث جابر وذكره للاستشهاد. ***

стр. 1579

٨٣ - (٤٢) بَابُ: بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي لا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ وَلَا الْعَمَلُ الصَّالحُ ٢٩٩ - (١٤٩) (٧٢) حدثنا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاءِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ ــ ٨٣ - (٤٢) بَابُ: بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي لا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ وَلَا الْعَمَلُ الصَّالحُ أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث التي فيها ذكر الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان من نفسٍ لم تكن آمنت من قبل ولا يقبل الله فيها العمل الصالح من نفس لم تكن عملت في إيمانها خيرًا. (٢٩٩) - (١٤٩) (٧٢) (حَدَّثَنَا يحيى بن أَيُّوب) المقابري أبو زكرياء العابد البغدادي، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٨) أبواب (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثَّقَفيّ مولاهم أبو رجاء البغلاني، ثِقَة ثبمت من العاشرة مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (وعلي بن حجر) بتقديم الحاء المضمومة وسكون الجيم ابن إياس السعدي أبو الحسن البغدادي ثم المروزي، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٤٤) روى عنه في (١١) بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأَنْصَارِيّ الزُّرَقيّ مولاهم أبو إسحاق المدنِيُّ، ثِقَة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٠) روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعنون) أي يعني كل من الثلاثة بإسماعيل المطلق عن النسبة (ابن جعفر) إشعارًا بأن هذه النسبة من الزيادة التي زادها من عند نفسه بلا سماع منهم إيضاحًا للراوي (عن العلاء) بن عبد الرَّحْمَن بن يعقوب الجهني الحُرَقي مولاهم أبي شبل المدنِيُّ، صدوق ربما وهم، من الخامسة مات سنة (١٣٣) روى عنه في (٤) أبواب، وأتى بـ (ـهو) في قوله (وهو ابن عبد الرَّحْمَن) تورعًا من الكذب على شيخه وإيضاحًا للراوي (عن أَبيه) عبد الرَّحْمَن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم المدنِيُّ، ثِقَة من الثالثة روى عنه في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا واحدًا فإنَّه إما بغدادي أو بغلاني أو

стр. 1580

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. فَيَوْمَئِذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ــ مروزي (أن رسول الله ﷺ قال لا تقوم الساعة حتَّى تطلع الشَّمس) بنفسها حقيقة (من مغربها) أي من أفق غروبها إشعارًا بأن الدنيا قد قرب انتهاؤها (فهذا طلعت) الشَّمس (من مغربها) أي من أفقها الغربي (آمن) بالله وبرسوله وبما جاء به وصدقهما (النَّاس كلهم أجمعون) كتابيين كانوا أو غيرهم لعلمهم أن الدنيا قد قرب انتهاؤها لأن طلوعها من مغربها من أشراطها (فيومئذ) أي فيوم إذ طلعت الشَّمس من مغربها، والظرف متعلق بقوله (﴿لَا يَنْفَعُ﴾) وقوله (﴿نَفْسًا﴾) مفعول مقدم، وقوله (﴿إِيمَانُهَا﴾) فاعل مؤخر، وجملة قوله (﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾) أي من قبل طلوعها من مغربها صفة لـ (نفسًا)، وجملة قوله (﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾) وعملت (﴿فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾) معطوفة على (آمنت)، والتقدير فيومئذ لا ينفع نفسًا لم تكن آمنت من قبل أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرًا إيمانها في ذلك اليوم أو كسبها في ذلك اليوم كالإيمان وقت الغرغرة وهذه الجملة نفس آية (١٥٨) من سورة الأنعام، وهذا الحديث من أفراد الإِمام مسلم رحمه الله تعالى لم يخرجه غيره كما في التحفة، وفي هامش الإكمال قوله (﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾) في موضع الصفة للنفس أي لا ينفع نفسًا غير مؤمنة قبل إيمانها الآن إيمانها في ذلك اليوم وذلك لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة، وعدم نفع الإيمان حينئذ كعدم نفعه عند حضور الموت بجامع أن كلًّا منهما عاين أحوال الآخرة فهو في حكم الميت، وهل انقطاع نفع الإيمان والتوبة بأول طلوع لها من أفق من الآفاق بمغربه أو عند طلوعها من كل أفق على أصحابه من مغربهم؟ قولان. اهـ قال القرطبي: ومذهب أهل السنة حمل طلوع الشَّمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها إذ لا إحالة فيها وهي أمور ممكنة في أنفسها وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشهرتها فيجب التصديق بها ولا يلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة والباطنية لها. اهـ مفهم قال الطيبي: الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها، فمن الأول الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف، ومن الثاني الدخان وطلوع الشَّمس من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر النَّاس. اهـ وعبارة الأبي هنا. قوله (لا تقوم

стр. 1581

٣٠٠ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَابْنُ نُمَيرٍ، وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، ــ الساعة حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها) طلوعها أحد الأشراط المنتظرة وهو على ظاهره، وتأولته المبتدعة القائلون بقدم العالم المحيلون لانعكاس حركة الأفلاك والكواكب السبعة المتحركة، وعدم نفع الإيمان حينئذ كعدم نفعه عند حضور الموت بجامع أن كلًّا منهما عاين أحوال الآخرة فهو في حكم الميت وأنت تعرف أن طلوع الشَّمس من المشرق تختلف فيه الآفاق فتطلع من أفق قبل أفق وكذلك إذا طلعت من المغرب، فعدم نفع الإيمان يحتمل أنَّه بأول طلوع يعرض لها حتَّى في أفق من لم تطلع عليه بأفقه بعد، ويحتمل أنَّه في حق من طلعت بأفقهم فقط، وأما من بعدهم فحتى تطلع بأفقهم وأنت أَيضًا تعرف أن الشَّمس إحدى الكواكب السبعة السيارة وأن حركتها في نفسها إنما هي من المغرب إلى المشرق وعكس حركة الفلك التي هي من المشرق إلى المغرب ولسرعة حركة الفلك ترى كأنها متحركة من المشرق إلى المغرب فطلوعها من المغرب يحتمل أنَّه بانعكاس حركة الفلك أو حركة نفسها والأول أظهر، ولم يرد هل يستمر طلوعها من المغرب بقية عمر العالم أر يومًا فقط. اهـ منه ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٠٠) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (١٦) بابا (و) محمَّد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني أبو عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا (وأبو كُريب) محمَّد بن العلاء بن كُريب الحافظ الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٤٨) وأوصى أن تدفن كتبه معه فدفنت روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا) محمَّد (بن فضيل) بن غزوان الضَّبِّيّ مولاهم أبو عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ، صدوق من التاسعة مات سنة (١٩٥) روى عنه في (٢٠) بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النَّسائيّ، ثِقَة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٠) بابًا تقريبًا، قال زهير (حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد الضَّبِّيّ أبو عبد الله. الكُوفيّ، ثِقَة من الثامنة مات سنة

стр. 1582

كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ــ (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لبيان اختلاف مشايخ مشايخه وإن اتحد شيخ الكل وهو عمارة بن القعقاع (كلاهما) أي كل من ابن فضيل وجرير رويا (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضَّبِّيّ الكُوفيّ، ثِقَة من السادسة روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليّ الكُوفيّ، ثِقَة من الثالثة روى عنه في (٢) بابين تقريبًا (عن أبي هريرة) الدوسي المدنِيُّ، وهذان السندان من خماسياته رجالهما كلهم كوفيون إلَّا اثنين زهير بن حرب فإنَّه نسائي وأبا هريرة فإنَّه مدني، وغرضه بسوقهما بيان متابعة أبي زرعة لعبد الرَّحْمَن بن يعقوب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه (عن النَّبِيّ ﷺ بمثله (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة) قال أبو بكر (حَدَّثَنَا حسين بن عليّ) بن الوليد الجعفي مولاهم أبو محمَّد الكُوفيّ، ثِقَة من التاسعة مات سنة (٢٠٣) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (عن زائدة) بن قدامة الثَّقَفيّ أبي الصلت الكُوفيّ، ثِقَة من السابعة مات سنة (١٦٠) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا (عن عبد الله بن ذكوان) الأموي مولاهم أبي عبد الرَّحْمَن المدنِيُّ ويلقب بأبي الزِّناد مشهور به، وذكوان هذا هو أخو أبي لؤلؤة قاتل عمر ﵁، قال أَحْمد: ثِقَة أمير المُؤْمنين، وقال البُخَارِيّ: أصح الأسانيد أبو الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وقال في التقريب: ثِقَة فقيه من الخامسة مات فجأة سنة (١٣٠) روى عنه في (٩) أبواب (عن عبد الرَّحْمَن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم أبي داود المدنِي القارئ، ثِقَة ثبت قارئ من الثالثة مات سنة (١١٧) بالإسكندرية روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ بمثل حديث عبد الرَّحْمَن بن يعقوب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة الأعرج لعبد الرَّحْمَن بن يعقوب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.

стр. 1583

ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ــ (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا محمَّد بن رافع) القشيري مولاهم أبو عبد الله النَّيسَابُورِيّ، ثِقَة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) روى عنه في (١١) بابا تقريبًا، قال ابن رافع (حَدَّثَنَا عبد الرَّزّاق) بن همام الحميري مولاهم أبو بكر الصَّنْعانِيّ، ثِقَة من التاسعة مات سنة (٢١١) روى عنه في (٧) أبواب، قال عبد الرَّزّاق (حَدَّثَنَا معمر) بن راشد الأَزدِيّ مولاهم أبو عروة البَصْرِيّ، ثِقَة من كبار السابعة مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٩) أبواب وفي بعض النسخ (خ) وأخبرنا محمَّد بن رافع أخبرنا عبد الرَّزّاق أخبرنا معمر (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني أبي عقبة الصَّنْعانِيّ، ثِقَة من الرابعة مات سنة (١٣٢) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرَّحْمَن بن صخر الدوسي المدنِيُّ (عن النَّبِيّ ﷺ بمثل حديث عبد الرَّحْمَن بن يعقوب عن أبي هريرة، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم صنعانيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نيسابوري، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة همام بن منبه لعبد الرَّحْمَن بن يعقوب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث العلاء عن أَبيه عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ تنازع فيه العوامل في المتابعين الذين هم أبو زرعة وعبد الرَّحْمَن الأعرج وهمام بن منبه كما أشرنا إليه في الحل، والتقدير حَدَّثَنَا أبو زرعة وحدثنا الأعرج وحدثنا همام بن منبه عن أبي هريرة بمثل حديث عبد الرَّحْمَن بن يعقوب عن أبي هريرة، وفي بعض النسخ مثل العلاء بإسقاط الباء فظهر مما قررنا أن عبارة المؤلف فيها تصحيف من النساخ فهي غير صواب، والصواب بمثل حديث عبد الرَّحْمَن بن يعقوب عن أبي هريرة لأن المتابَع بفتح الباء لهؤلاء الثلاثة هو عبد الرَّحْمَن لا العلاء بن عبد الرَّحْمَن إلَّا إن جعلنا المتابعة ناقصة فجعلناها بين عمارة بن القعقاع وعبد الله بن ذكوان ومعمر بن راشد وبين العلاء بن عبد الرَّحْمَن ولكن لا ضرورة إلى هذا التكلف والصواب ما قلنا والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:

стр. 1584

٣٠١ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيلِ بْنِ غَروَانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ محمدُ بْنُ الْعَلَاءِ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ ــ (٣٠١) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكُوفيّ من العاشرة (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النَّسائيّ، ثِقَة من العاشرة (قالا) أي قال كل من أبي بكر وزهير بن حرب (حَدَّثَنَا وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكُوفيّ، ثِقَة من التاسعة مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابًا تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنيه) أي حَدَّثني الحديث الآتي (زهير بن حرب) الحرشي النَّسائيّ، ثِقَة من العاشرة، وأتى بحاء التحويل لبيان اختلاف كيفية سماعه من زهير عن وكيع وسماعه من زهير عن إسحاق بن يوسف الأزرق، قال زهير (حدثنا إسحاق بن يوسف) بن يعقوب بن مرداس المخزومي أبو محمَّد (الأزرق) الواسطيّ، ثِقَة من التاسعة مات سنة (١٩٥) روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا (جميعًا) حال من وكيع وإسحاق أي حَدَّثَنَا كل منهما حالة كونهما مجتمعين في الرواية لنا (عن فضيل بن غزوان) بفتح المعجمة وسكون الزاي بن جرير الضَّبِّيّ مولاهم أبي الفضل الكُوفيّ روى عن أبي حازم في الإيمان والزكاة والأطعمة وصفة النَّار، وعمارة بن القعقاع في الزكاة والفضائل والزهد، وزُبَيد الياميّ في الحج، وعبد الرَّحْمَن بن أبي نُعْم في البيوع وحق المملوك، وأبي زرعة بن عمروفي البيوع، وطلحة بن عبيد الله بن كريز في الدعاء، ونافع في الغار، وسالم في الفتن ويروي عنه (ع) وابنه محمَّد ووكيع وإسحاق الأزرق وجرير بن عبد الحميد والمحاربي وعبد الله بن نمير والثوري وغيرهم، وقال في التقريب: ثِقَة من كبار السابعة مات سنة (١٤٠) في خلافة المنصور روى عنه في (١٣) بابا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حَدَّثَنَا أبو كُريب محمَّد بن العلاء) بن كُريب الهمداني الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة، وأتى بجملة قوله (واللفظ) أي ولفظ الحديث الآتي (له) أي لأبي كُريب لا لغيره تورعًا من الكذب على غيره لأنه لو لم يأت بها لأوهم أن غيره روى اللفظ الآتي، قال أبو كُريب (حَدَّثَنَا) محمَّد (بن فضيل) بن غزوان الضَّبِّيّ

стр. 1585

عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأرْضِ" ــ الكُوفيّ (عنْ أَبيه) فضيل بن غزوان الضَّبِّيّ الكُوفيّ (عن أبي حازم) سلمان الأَشجعيّ مولى عزة الكُوفيّ، ثِقَة من الثالثة مات سنة (١٠٠) روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) الدوسي المدنِيُّ ﵁ وهذه الأسانيد الثلاثة كلها من خماسياته الأول منها رجاله كلهم كوفيون إلَّا أَبا هريرة فإنَّه مدني والثاني منها رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد مدني وواحد واسطيّ وواحد نسائي والثالث منها رجاله. كلهم كوفيون إلَّا أَبا هريرة فإنَّه مدني، وغرضه بسوقها بيان متابعة أبي حازم لعبد الرَّحْمَن بن يعقوب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من الزيادة على الرواية الأولى (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ ثلاث) من أمارات الساعة (إذا خرجن) وظهرن (لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) أي لا ينفع نفسًا لم تكن آمنت من قبل ظهور تلك الثلاث (أو) لم تكن (كسبت في إيمانها خيرًا) أي عملًا صالحًا من قبل ظهور تلك الثلاث إيمانها ولا كسبها عند ظهور تلك الأمارات الثلاث، إحدى تلك الثلاث (طلوع الشَّمس من مغربها و) ثانيتها (الدجال) أي خروجه من محبسه من الجزائر إلى الأرض لإفساد النَّاس وفتنتهم عن دينهم (و) ثالثتها (دابة الأرض) أي خروجها من جبل أجياد في مكة أيام التشريق والناس في منى تكتب على جبهة كل أحد، وقيل تخرج من جبل الصفا بمكة وهي فصيل ناقة صالح ﵇ فإنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له الحجر فدخل في جوفه ثم انطبق عليه الحجر فهو فيه حتَّى يخرج بإذن الله تعالى في آخر الزمان، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنها تخرج في ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج كل يوم إلَّا ثلثها، وعن الحسن رحمه الله تعالى لا يتم خروجها إلَّا بعد ثلاثة أيام، وروي أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم ﵇ لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وروي أن الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى ﵇ فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتَّى يضيء لها وجهه وتكتب بين عينيه مؤمن وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتَّى يسود لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر وتقول لهم أَنْتَ يَا فلان من أهل

стр. 1586

٣٠٢ - (١٥٠) (٧٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَال ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، ــ الجنة وأنت يَا فلان من أهل النَّار، فخروجها حق يجب الإيمان به قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ﴾ أي وإذا ثبت نزول العذاب على الكفار وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر وهو يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ ولم يرد نص صحيح بتعيين محل خروجها وتعيين جنسها والله أعلم. واختلف في أول الآيات خروجًا فقيل أولها طلوع الشَّمس من مغربها وقيل خروج الدابة، ومن رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر مرفوعًا عن النَّبِيّ ﷺ قال: "وأيتها كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها" رواه ابن أبي شيبة (٣٥/ ١٩) وفي حديث أنس "أول أشراط الساعة نار تخرج من اليمن تحشر النَّاس" رواه مسلم (٢٩٠١) وأبو داود (١ ٤٣١) والتِّرمذيّ (٢١٨٤) وابن ماجه (٤٠٤١) وفي حديث حذيفة بن أسيد "آخر ذلك النَّار" رواه مسلم وأبو داود والتِّرمذيّ، قال الأبي: يتعين أن يكون الآخر الطلوع ليصدق الحديثان وإلا تنافيا ولم يصدق إلَّا أحدهما لأنك إن جعلته الثاني من الثلاث لم يصدق الحديث الأول وكذلك إن جعلته الثالث. اهـ وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أَحْمد (٢/ ٤٤٥) والتِّرمذيّ (٣٠٧٤)، ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي ذر رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٠٢) - (١٥٠) (٧٣) (حَدَّثَنَا يحيى بن أَيُّوب) المَقابري بفتح الميم والقاف أبو زكريا البغدادي، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٨) أبواب تقريبًا (وإسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي أبو يعقوب ابن راهويه المروزي، ثِقَة حافظ مجتهد من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابًا تقريبًا، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه كلاهما رويا (جميعًا) أي حالة كونكما مجتمعين في الرواية (عن) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم القُرشيّ الأسدي مولاهم أبي بشر البَصْرِيّ المعروف بـ (ابن عليّة) أمه مولاة لبني أسد بن خزيمة أَيضًا ثِقَة حافظ من الثامنة مات سنة (١٩٣) روى عنه في (١٥) بابًا تقريبًا، وأتى بجملة قوله ولكن (قال) يحيى (بن أَيُّوب حَدَّثَنَا ابن عليّة) بصيغة السماع تورعًا من الكذب عليه لأنه لو لم يأت بها لأوهم أنَّه روى بالعنعنة أَيضًا، قال ابن عليّة

стр. 1587

حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيمِيِّ (سَمِعَهُ فِيمَا أَعْلَمُ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَال يَوْمًا: "أَتَدْرُونَ أَينَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: ــ (حدثنا يونس) بن عبيد بن دينار القيسي مولى عبد القيس أبو عبد الله البَصْرِيّ، ثِقَة ثبت فاضل ورع من الخامسة مات سنة (١٣٩) روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن إبراهيم بن يزيد) بن شريك (التَّيميّ) تيم الرباب أبي أسماء الكُوفيّ العابد القدوة روى عن أَبيه في الإيمان والصلاة وغيرهما، والحارث بن سويد في الأشربة وكفارة المرضى، ويروي عنه (ع) ويونس بن عبيد والأعمش وعياش العامري وزبيد اليامي وعبد الرَّحْمَن بن أبي الشعثاء وبيان بن بشر وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال الأَعمش: كان إذا سجد تجيء العصافير فتنقر على ظهره، وقال لي: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلَّا حبَّة عنب، وقال في التقريب: ثِقَة إلَّا أنَّه يرسل ويدلس من الخامسة مات سنة (٩٢) اثنتين وتسعين، وقيل إن الحجاج قتله روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، قال يونس بن عبيد (سمعه) أي سمع إبراهيم بن يزيد الحديث (فيما أعلم) وأظن (عن أَبيه) يزيد بن شريك بن طارق التَّيميّ تيم الرباب أبي إبراهيم الكُوفيّ روى عن أبي ذر في الإيمان والصلاة والحج، وعلي بن أبي طالب في الحج والعتق، وأبي مسعود الأَنْصَارِيّ في حق المماليك، وحذيفة في الجهاد وابن مسعود ويروي عنه (ع) وابنه إبراهيم وإبراهيم النَّخَعيّ وجواب التَّيميّ والحكم بن عتيبة وهمام بن عبد الله التَّيميّ، وثقه ابن معين وابن حبان وقال في التقريب: أدرك الجاهلية من الثَّانية مات في خلافة عبد الملك روى عنه في ستة أبواب (٦) تقريبًا، وجعل قوله (سمعه فيما أعلم) بين قوسين إشارة إلى أنَّه ساقط في بعض النسخ (عن أبي ذر) الغفاري الصحابي المشهور جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار تقدم إسلامه وتأخرت هجرته وهو أول من حيا النَّبِيّ ﷺ بتحية الإِسلام مات بالربذة سنة (٣٢) في خلافة عثمان ودفن فيها له (٢٨١) حديثًا، وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان بصريان وواحد مدني وواحد بغدادي أو مروزي. (أن النَّبِيّ ﷺ قال يومًا) من الأيام لمن عنده (أتدرون) أي هل تعلمون أيها الحاضرون، والاستفهام فيه استفهام استنطاق لا استفهام استخبار (أين تذهب هذه الشَّمس) أي إلى أي مكان تجري وتسير هذه الشَّمس المنيرة في السماء الرابعة (قالوا) أي قال الحاضرون (الله ورسوله أعلم) إلى أين تذهب (قال) رسول الله

стр. 1588

"إِنّ هذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يُقَال لهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجدَةً. وَلا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يُقَال لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةٌ مِنْ مَطْلِعِهَا. ثُمَّ تَجْرِي لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ، تَحْتَ الْعَرْشِ ــ ﷺ (إن هذه) الشَّمس (تجري) وتسير في منازلها كل يوم (حتَّى تنتهي) وتصل آخر كل يوم (إلى مستقرها) أي إلى محل قرارها وسكونها ووقوفها ومحطتها في فلكها وسمائها (تحت العرش) طلبًا للاستئذان في الطلوع من مشرقها، وتقييد مستقرها بكونه تحت العرش بيان للمعلوم لأن السماوات والأرضين كلها تحت العرش (فـ) إذا وصلت إلى مستقرها ومركزها (تخر) وتسقط (ساجدة) وخاضعة لله تعالى طلبًا للاستئذان في الطلوع من مشرقها (فلا تزال كذلك) أي ساجدة طول الليل (حتَّى يقال لها) من جهته (ارتفعي) أيتها الشَّمس من سجودك و (ارجعي) طالعة (من حيث جئت) أي من مشرقك ومطلعك فقد أذنا لك في الطلوع من مشرقك (فترجع) إلى مطلعها (فتصبح) أي فتكون في الصباح (طالعة) أي خارجة (من مطلعها) أي من مشرقها المعتاد (ثم) بعد طلوعها في اليوم الثاني (تجري) وتسير في منازلها (حتَّى تنتهي) وتصل في اليوم الثاني (إلى مستقرها) وموقفها في فلكها وسمائها الذي كان (تحت العرش) والتقييد به بيان للمعلوم لأن كل مخلوق تحت العرش ومستقرها هو في سمائها (فتخر) أي تسقط في الليلة الثَّانية مثلًا (ساجدة) طلبًا للإذن في الطلوع في اليوم الثالث (ولا تزال) أي ولا تبرح (كذلك) أي ساجدة في مستقرها (حتَّى يقال لها ارتفعي) من سجودك و (ارجعي) طالعة (من حيث جئت) أي من مطلعك المعتاد (فترجع) إلى مطلعها (فتصبح) أي فتكون في الصباح (طالعة من مطلعها) المعتاد (ثم) بعد طلوعها (تجري) وتسير في منازلها هكذا ساجدة وطالعة كل يوم مدة بقاء الدنيا حالة كونها (لا يستنكر) أي لا ينكر فالسين والتاء زائدتان (النَّاس منها) أي من جريانها وسيرها طالعة وغاربة (شيئًا) مما يخالف عادتها في السير أي لا يجدون منها شيئًا بخلاف عادتها (حتَّى تنتهي) وتصل يومًا من الأيام (إلى مستقرها) وموقفها (ذاك) أي الذي تسجد فيه (تحت العرش) فتخر ساجدة طلبًا للاستئذان

стр. 1589

فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِن مَغْرِبِكِ، فَتُصْبحُ طَالِعةً من مَغرِبِهَا". فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيرًا ــ في طلوعها من مطلعها (فيقال لها ارتفعي) من سجودك. و (أصبحي) وكوني في الصباح (طالعة من مغربك) أي من محل غروبك ولا ترجعي إلى مطلعك (فتصبح) أي فتكون في الصباح (طالعة من مغربها) إشعارًا بانتهاء الدنيا وخرابها وتغير نظامها المعتاد (فقال رسول الله ﷺ لمن عنده (أتدرون متى ذاكم) أي هل تعلمون في أي زمن يقع ذاك أي طلوعها من مغربها، واسم الإشارة راجع إلى طلوعها من مغربها، والكاف حرف دال على خطاب الحاضرين، فإن لم تعلموا متى يقع ذاك فأنا أخبركم وأقول لكم (ذاك) أي زمن طلوعها من مغربها (حين لا ينفع) أي زمن لا ينفع فيه (نفسًا إيمانها) إذ ذاك أي لا ينفع نفسًا (لم تكن آمنت من قبل) أي من قبل ذلك (أو) لم تكن (كسبت في إيمانها خيرًا) وعملًا صالحًا، إيمانها وعملها في ذلك اليوم لانغلاق باب التوبة وارتفاع الحفظة إلى السماء. وفي المراح (قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾) أي لحد معين ينتهي إليه دورها فتقف في مستقر لها ولا تنتقل عنه، ومستقرها هو مكان تحت العرش تسجد فيه كل ليلة عند غروبها فتستمر ساجدة فيه طول الليل، فعند طلوع النهار يؤذن لها في أن تطلع من مطلعها أولًا، فإذا كان آخر الزمان لا يؤذن لها في الطلوع من المشرق بل يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من المغرب، وقرئ (لا مستقر لها) على أن لا بمعنى ليس. اهـ قال النواوي (قوله حتَّى تنتهي إلى مستقرها) اختلف المفسرون، فقال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحدي: وعلى هذا القول إذا غربت كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع من مغربها، وقال قتادة ومقاتل: معناه تجري إلى وقت لها وأجل لا تتعداه، قال الواحدي: وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وهذا اختيار الزجاج، وقال الكلبي: تسير في منازلها حتَّى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها، واختار ابن قتيبة هذا القول. والله أعلم. وأما سجود الشَّمس فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها. اهـ منه

стр. 1590

٣٠٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللهِ) عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَال يَوْمًا: "أَتَدْرُونَ أَينَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ". بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ ــ وهذا الحديث -أعني حديث أبي ذر الغفاري- شارك المؤلف في روايته البُخَارِيّ فقد رواه في التوحيد وفي التفسير، وأبو داود في الحروف، والتِّرمذيّ في الفتن وفي التفسير (يس)، والنَّسائيّ في التفسير (في الكبرى). والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٠٣) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عبد الحميد بن بيان) بموحدة مفتوحة ثم تحتانية بن زكريا بن خالد اليشكري أو السكري أبو الحسن (الواسطيّ) العطار روى عن خالد بن عبد الله الطَّحَّان في الإيمان والفضائل، وعلي بن هاشم بن البَريد ويروي عنه (م دق) وابن جرير، وثقه ابن حبان وقال في التقريب: صدوق من العاشرة مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، روى عنه في بابين، قال عبد الحميد (أخبرنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يزيد المزني مولاهم أبو الهيثم أو أبو محمَّد الواسطيّ الطَّحَّان أحد العلماء الأثبات، روى عن يونس بن عبيد وعمرو بن يحيى بن عمارة وخالد الحذَّاء وأبي إسحاق الشَّيبانِيّ وسهيل وحصين ومطرِّف بن طريف وإسماعيل بن أبي خالد والجريري وبيان بن بشر وغيرهم ويروي عنه (ع) وعبد الحميد بن بيان وعمرو بن عون ومحمَّد بن الصباح ويحيى بن يحيى ورفاعة بن الهيثم ومعلي بن منصور وسعيد بن منصور ووهب بن بقية وخلق، وقال في التقريب: ثِقَة ثبت من الثامنة مات سنة (٢٨٢) اثنتين وثمانين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والوضوء والحج في موضعين والجهاد في ثلاثة مواضع والنكاح والفضائل فجملة الأبواب التي روى عنه فيها سبعة تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن عبد الله) إيضاحًا للراوي وتورعًا من الكذب على شيخه (عن يونس) بن عبيد بن دينار القيسي البَصْرِيّ (عن إبراهيم) بن يزيد (التَّيميّ) الكُوفيّ (عن أَبيه) يزيد بن شريك التَّيميّ الكُوفيّ (عن أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ (أن النَّبِيّ ﷺ قال يومًا أتدرون أين تذهب هذه الشَّمس) والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث ابن عليّة) متعلق بـ (أخبرنا خالد) أي أخبرنا خالد بن

стр. 1591

٣٠٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيبٍ) قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَال: "يَا أَبَا ذَرِّ، هَلْ تَدْرِي أَينَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ " قَال، قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ ــ عبد الله الطَّحَّان عن يونس بن عبيد بمثل ما حدث إسماعيل ابن عليّة عن يونس بن عبيد، وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم واسطيان واثنان كوفيان وواحد بصري وواحد مدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة خالد الطَّحَّان لإسماعيل ابن عليّة في رواية هذا الحديث عن يونس بن عبيد، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٠٤) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة (وأبو كُريب) محمَّد بن العلاء بن كُريب الهمداني مولاهم الكُوفيّ، ثِقَة من العاشرة وأتى بجملة قوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأبي كُريب) تورعًا من الكذب على أبي بكر (قالا) أي قال كل من أبي بكر وأبي كُريب (حَدَّثَنَا أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضَّرير التَّمِيمِيّ مولاهم الكُوفيّ، ثِقَة من كبار التاسعة قال أبو معاوية (حَدَّثَنَا الأَعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمَّد الكُوفيّ، ثِقَة ثبت من الخامسة (عن إبراهيم) بن يزيد (التَّيميّ) تيم الرباب الكُوفيّ (عن أَبيه) يزيد بن شريك الكُوفيّ (عن أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ، وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلَّا أَبا ذر فإنَّه مدني وفيه أَيضًا رواية ولد عن والد، وكرر متن الحديث لما فيه من المخالفة للرواية الأولى. (قال) أبو ذر (دخلت المسجد) النبوي (ورسول الله ﷺ أي والحال أن رسول الله (جالس فـ) ـغابت الشَّمس عقب دخولي المسجد لدلالة فاء التعقيب عليه و (لما غابت) وغربت (الشَّمس) أي قرصها (قال) لي رسول الله ﷺ (يَا أَبا ذر هل تدري) وتعلم إلى (أين تذهب) وتغيب (هذه) الشَّمس والاستفهام فيه استفهام استنطاق لا استفهام استعلام (قال) أبو ذر (قلت) يَا رسول الله (الله ورسوله أعلم) إلى أين ذهابها (قال) رسول الله ﷺ (فإنَّها تذهب) الفاء فيه

стр. 1592

فَتَسْتَأْذِنُ في السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا". قَال، ثُمَّ قَرَأَ في قِرَاءَةِ عَبْدِ الله: وَذلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا. ٣٠٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَال الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا) وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ــ للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا فوضت علم ذلك إلي وأردت بيانه لك فأقول لك إنها تذهب وتجري إلى مستقرها تحت العرش (فتستأذن) أي فتطلب الإذن من ربها (في السجود) أي في سجودها سجود الاستئذان في الطلوع فتسجد (فيؤذن لها) في الطلوع من مشرقها (وكأنها) أي وكأن القصة (قد قيل لها) أي للشمس عند انقضاء الدنيا (ارجعي من حيث جئت) أي من مغربك (فتطلع من مغربها) وذلك حين لا ينفع الإيمان والعمل الصالح نفسًا لم تكن آمنت ولا كسبت من قبل (قال) أبو ذر (ثم) بعد ما ذكر لي هذا الحديث (قرأ) رسول الله ﷺ مصداق قوله ما (في قراءة عبد الله) بن مسعود من قوله تعالى (وذلك مستقر لها) أي وذلك الطلوع من مغربها مستقر لها أي أقصى منازلها في الغروب لا تجاوزه ثم ترجع على عادتها أو ذلك منتهى سيرها حيث يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته. اهـ هامش الإكمال. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٠٥) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو سعيد) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي (الأَشَج) الكُوفيّ أحد الأئمة الأعلام، ثِقَة من صغار العاشرة مات سنة (٢٥٧) روى عنه في الإيمان والصلاة وغيرهما (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي أبو يعقوب المروزي، ثِقَة من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه وأتى بجملة قوله (قال إسحاق أخبرنا وقال الأَشَج حَدَّثَنَا) لبيان اختلاف صيغتي سماع شيخيه وللتورع من الكذب على أحدهما لو اقتصر على إحدى الصيغتين أي قال حَدَّثَنَا (وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكُوفيّ، ثِقَة من كبار التاسعة مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابًا تقريبًا، قال وكيع (حَدَّثَنَا الأَعمش) سليمان بن مهران الكُوفيّ (عن إبراهيم) بن يزيد (التَّيميّ) الكُوفيّ (عن أَبيه) يزيد بن شريك الكُوفيّ (عن

стр. 1593

أَبِي ذَرٍّ؛ قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قَال: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ" ــ أبي ذر) الغفاري المدنِيُّ وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون إلَّا أَبا ذر فإنَّه مدني أو إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي، وغرضه بسوقه بيان متابعة وكيع لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأَعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة بين الروايتين (قال) أبو ذر (سألت رسول الله ﷺ عن) معنى (قول الله تعالى) في سورة يس (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾) وتسير (﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾) أي إلى مستقر وموقف (﴿لَهَا﴾) تحت العرش (قال) رسول الله ﷺ ذلك المستقر هو (مستقرها) وموقفها (تحت العرش) والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعتين والثاني حديث أبي ذر الغفاري ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم. ***

стр. 1594

٨٤ - (٤٣) بَابُ: كَيفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ــ ٨٤ - (٤٣) بَابُ: كَيفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث التي تبين جواب كيف كان ابتداء الوحي إلى رسول الله ﷺ أي على أي حال كان ابتداء الوحي إليه ﷺ هل كان بالرؤيا الصالحة أو بإرسال ملك أو بإلهام من الله تعالى، وإدخال هذه الترجمة في ترجمة كتاب الإيمان واضح لأن أصل ما يوحى إليه وأساسه الإيمان والإسلام. وقولنا (باب كيف كان) بإضافة (باب) إلى جملة (كان)، و (كيف) في محل النصب خبر (كان) إن كانت ناقصة وحال من فاعلها إن كانت تامة ولا بد قبلها من مضاف محذوف والتقدير باب جواب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ وإنما احتيج إلى هذا المضاف لأن المذكور في هذا الباب هو جواب كيف كان بدء الوحي لا السؤال بـ (كيف) عن بدء الوحي ثم إن الجملة من (كان) ومعمولها في محل جر بالإضافة ولا تخرج (كيف) بذلك عن الصدرية لأن المراد من كون الاستفهام له الصدر أن يكون في صدر الجملة التي هوفيها و (كيف) على هذا الإعراب كذلك. و(البدء) بفتح الموحدة وسكون المهملة آخره همزة من بدأت الشيء بدأ ابتدأت به، قال القاضي عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبدوًا بغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور ولم يعرف الأخيرة الحافظ ابن حجر؛ نعم قال روي في بعض الروايات كيف كان ابتداء الوحي فهذا يرجح الأول وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ. و(الوحي) لغة: الإعلام في خفاء، وشرعًا: إعلام الله تعالى أنبياءه بما شاء من أحكامه أو أخباره، إما بكتاب أو برسالة ملك أو منام أو إلهام، وقد يجيء لغة بمعنى الأمر نحو قوله ﴿وَإِذْ أَوْحَيتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وبمعنى التسخير نحو قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي سخرها لهذا الفعل وهو اتخاذها من الجبال بيوتًا، والتصلية في الترجمة وفي غيرها جملة خبرية يراد بها الإنشاء فكأنه قال اللهم صل عليه.

стр. 1595

٣٠٦ - (١٥١) (٧٤) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ؛ أَن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِي ﷺ ــ (٣٠٦) - (١٥١) (٧٤) (حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح) بمهملات ثانيتها ساكنة الأموي مولاهم المصري الفقيه، ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٥) روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره قال أبو الطاهر (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي أبو يزيد الأموي، ثقة إلا أن في روايته خطأ مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني، ثقة من الرابعة مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابًا تقريبًا (قال) ابن شهاب (حدثني عروة بن الزبير) بن العوام بن خويلد الأسدي أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور من الثانية مات سنة (٩٤) روى عنه في (٢٥) بابا تقريبا (أن عائشة) بالهمز وعوام المحدثين يبدلونها ياء، الصديقة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين (زوج النبي ﷺ المبرأة من فوق سبع سماوات أم عبد الله بنت عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو القرشية ثم التيمية وأمها أم رومان بنت الحارث بن غنم بن مالك تزوجها رسول الله ﷺ وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وبنى بها وهي بنت تسع وقبض عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة بين سحرها ونحوها وكانت أحب أزواجه ﷺ إليه نفسًا وأكثرهن علمًا وأفصحهن لسانًا ماتت سنة (٥٨) ثمان وخمسين ولها خمس وستون سنة، لها (٢٢١٠) ألفان ومائتان وعشرة أحاديث اتفقا على (١٧٤) مائة وأربعة وسبعين وانفرد (خ) باربعة وخمسين (٥٤) و (م) بثمانية وستين (٦٨) روت عن النبي ﷺ وعن جذامة بنت وهب الأسدية في النكاح وأبي بكر الصديق ﵁ في الجهاد ويروي عنها (ع) وعروة بن الزبير وأبو هريرة ومسروق وابن عمر وابن عباس وخلائق لا يحصون من الصحابة والتابعين، روى عنها المؤلف في بدء الوحي وفي الصلاة في خمسة مواضع وفي الوضوء في موضعين وفي الحج في خمسة مواضع وفي الجنائز في ثلاثة مواضع وفي الصوم في ثلاثة مواضع وفي النكاح

стр. 1596

أَخبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالتْ: "كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، ــ وفي الجهاد وفي الإفك فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنها فيها تسعة أبواب تقريبًا، والله أعلم. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (أخبرته) أي أخبرت لعروة (أنها قالت) بدل من جملة (أن) الأولى (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم) وقوله في السند (أن عائشة أخبرته) قال النواوي: لم تدرك عائشة بسنها هذه القضية فيحتمل أنها سمعتها من النبي ﷺ أر من الصحابة فيكون مرسل صحابي ومرسله حجة عند جميع العلماء إلا ما شذ به أبو إسحاق الإسفراييني، وقوله (أول ما بدئ به) قال المازري: بدئ بذلك لأن فجأة الملك وصريح الوحي لا تطيقه القوى البشرية فبدئ به ليأنس ويستعد لعظيم ما أريد به حتى لا يأتيه الملك إلا بأمر عنده مقدماته ومن هذا المعنى ما كان يراه من الضوء وسماع الصوت وتسليم الحجر والشجر عليه. اهـ قال القرطبي: وقد كان النبي ﷺ في أول أمره يرى ضوءًا ويسمع صوتًا ويسلم عليه الحجر والشجر وتناديه بالنبوة وهذه أمور ابتدئ بها تدريجيًا لما أراد الله به من الكرامة والنبوة واستلطافًا له لئلا يفجاه صريح الوحي ويبغته الملك فلا تحتمل ذلك قوته البشرية، وقوله (من الوحي الرؤيا الصادقة) وفي رواية البخاري (الرؤيا الصالحة) وهما بمعنى واحد أي غير الكاذبة وفي (من) هنا قولان أحدهما: أنها لبيان الجنس فكأنه قال من جنس الوحي لا للتبعيض، نعم هي كالوحي في الصحة وقيل للتبعيض. قال المازري: الرؤيا الصادقة جزء من النبوة في غير الأنبياء فكيف رؤيا الأنبياء التي هي وحي، وفي القسطلاني قوله (من الوحي) احترز به عما رآه من دلائل نبوته من غير وحي كتسليم الحجر عليه، قال الأبي: الوحي لغة: الإسراع ومنه قولهم الوحا الوحا؛ أي: الإسراع الإسراع، كما في اللسان، وعرفًا: سماع الكلام القديم بواسطة ملك أو دونه والنبي من خص من البشر بالوحي إليه، والرسول من أمر بتبليغ ما أوحي به إليه فالرسول أخص فيشتركان في الوحي إليهما ويفترقان في الأمر بالتبليغ وقال

стр. 1597

فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ــ الزمخشري غير هذا كما تقدم في أول الكتاب، ثم إنه يصح إرسال من تقدمت نبوته وإرسال من لم تتقدم فيثبتان له دفعة لما تقدم من أن الرسالة أخص، والأظهر فيه ﷺ وفي موسى ﵇ أنهما من هذا القسم فرؤياه من حيث إنها تقدمت إرساله ليست وحيًا كما قاله القزاز، نعم هي شبه الوحي في الصحة إذ لا مدخل للشيطان فيها وهي رؤيا من ثبتت كرامته الرؤيا التي هي وحي ما كان بعد النبوة. اهـ والرؤيا الصادقة هي التي ليس فيها ضغث أي اختلاط واشتباه بخلاف الكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام، وذكر النوم بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح والبيان (فكان) ﷺ (لا يرى) في نومه (رؤيا) بلا تنوين لألف التأنيث المقصورة (إلا جاءت) تلك الرؤيا في اليقظة مجيئًا (مثل) مجيء (فلق الصبح) وضوئه في الوضوح والظهور كرؤيا دخول المسجد الحرام، و (مثل) صفة لمصدر محذوف أي إلا جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح، والمعنى أنها شبيهة له في الضياء والوضوح أو المعنى مشبهة ضياء الصبح فيكون منصوبًا على الحال، وعبر بفلق الصبح لأن شمس النبوة قد كانت مبادي أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعتها وتم نورها، و (الفلق) الصبح لكنه لما كان مستعملًا في هذا المعنى وغيره أضيف للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص، وعن أمالي الرافعي حكاية خلاف أنه أوحي إليه ﷺ شيء من القرآن في النوم أو لا، وقال: الأشبه أن القرآن نزل كله يقظة. وذكر السهيلي أن للوحي سبعة أنواع (الأول) منها (الرؤيا الصادقة) لقول ولد إبراهيم ﵉: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ولهذا الحديث. (الثاني) منها (النفث) في الروع لحديث: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". (الثالث) منها أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه وكان كذلك ليستجمع عند تلك الحالة فيكون أوعى لما يسمع. (الرابع) أن يمثل له الملك رجلًا كما كان يأتيه في صورة دحية الكلبي، وكان دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصر أي بكر إلا خرجت تنظر إلى جماله، وقال ابن سلام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾: اللهو نظرهم إلى وجه دحية.

стр. 1598

ثُمَّ إِلَيهِ الْخَلاءُ، ــ (الخامس) أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلق عليها له ست مائة جناح ينثر منها اللؤلؤ والياقوت (السادس) أن يكلمه الله سبحانه وتعالي من وراء الحجاب في اليقظة كما في ليلة الإسراء، وفي المنام كما في حديث الترمذي: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري! فوضع كفه على كتفي فوجدت بردها بين ثديي وتجلى لي علم كل شيء، فقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ قلت: الوضوء عند الكريهات ونقل الأقدام إلى الحسنات وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فمن فعل ذلك عاش حميدًا ومات شهيدًا وكان في ذنوبه كيوم ولدته أمه". (السابع) هو ما ثبت عن الشعبي من طرق صحاح أنه ﷺ كان وكل به إسرافيل ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرآن، والحصر في السبعة استقرائي، قال السهيلي: ولم أره لغيري. اهـ من الأبي. وقوله (إلا جاءت مثل فلق الصبح) قال القاضي: فلق الصبح وفرقه ضياؤه وإنما يقال في الشيء إذا اتضح، وقال الأبي: صدق رؤياه ﷺ يكون بخروجها نحو ما رأى كرؤياه دخول المسجد الحرام، ويكون بصدق التأويل كرؤياه بقرًا تنحر في غزوة أحد أنه أدخل يده في درع حصينة وأولها بالمدينة، قال ابن رشد: رؤيا الأنبياء ﵈ لازمة الوقوع لأنها حق لا أضغاث فيها ولا تخيل ولا مدخل للشيطان فيها ورؤيا غيرهم قد لا تخرج كما عبرت، ولهذا جعلها النبي ﷺ جزءًا من خمسة وأربعين جزءًا أو من ستة وأربعين جزءًا أو من سبعين جزءًا من النبوة أي في الإخبار عن الغيب إذ لو خرجت كلها كما عبرت لكانت نبوة، والرؤيا الصالحة: المبشرةُ بخير. اهـ (ثم حبب إليه) ﷺ (الخلاء) أي الخلوة والانعزال والابتعاد من الناس أي ألهمه لينقطع عن العلائق الشاغلة ويتفرغ للقاء رسل ربه تعالي وسماع وحيه، وفي هذا تنبيه على فضل العزلة لأنها تريح القلب من الشغل بالدنيا وتفرغه لذكر الله تعالي فيتفجر منه ينابيع الحكمة والمعرفة، والخلوة: أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه وعند ذلك يصير خليقًا بان يكون قالبه ممرًا لواردات علوم الغيب وقلبه مقرًا لها وخلوته

стр. 1599

فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ ــ ﷺ إنما كانت لأجل التقرب لا على أن النبوة مكتسبة. اهـ قسطلاني، وأتى بـ (ثم) للتنبيه على تفاوت ما بين هذا المقام والمقام الأول لأن المقام الأول وقع فيه الإيحاء نومًا وهذا المقام وقع فيه الإيحاء يقظة و (الخلاء) بالمد مصدر بمعنى الخلوة أي الاختلاء وهو بالرفع نائب عن الفاعل وإنما أسند الفعل (حبب) إلى المفعول (الخلاء) اختصارًا للعلم بأن لا فاعل إلا الله جل وعلا وإنما لم يقل أحب الخلاء وإن كان أخصر لما في الأول من التنبيه على عظيم اعتناء الله تعالى به في تخصيصه بأشرف مقام من الانقطاع إليه بالعبادة وعدم الخوض فيما عليه طباع أهل الأرض في ذلك الزمان فاعتناؤه جل وعلا بنبيه صلوات الله وسلامه عليه هو الذي خلصه من طباع أبناء جنسه من المخلوقات حتى لم تكن له همة إلا في طاعته جل وعلا والتقرب إليه بلذيذ المناجاة، لا سيما إن قلنا إن خلوه للعبادة بغار حراء كان قبل الإيحاء إليه كما هو ظاهر كلام أهل الأصول ففيه من القرابة وعظيم التشريف له ﷺ ما لا يخفى وعلى هذا يكون العطف بـ (ثم) لترتيب الإخبار لا للمهلة في الزمان. (فكان) ﷺ (يخلو) أي يختلي عن الناس ويتجرد للعبادة (بغار حراء) في نقبه وكهفه بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد، وحكى الأصيلي فتحها والقصر وعزاها في القاموس للقاضي عياض قال وهي لغية وهو مصروت إن أريد المكان وممنوع إن أريد البقعة فهي أربعة التذكير والتأنيث والمد والقصر وكذا حكم قباء وقد نظم بعضهم أحكامهما في بيت فقال: حرا وقبا ذكر وأنثهما معا ... ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا قال الخطابي: والمحدثون يغلطون فيه في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة ويكسرون الراء وهي مفتوحة ويقصرونه وهو ممدود، وحراء جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، والغار نقب فيه وكهف يجمع على غيران والمغار والمغارة بمعنى الغار وتصغير الغار كوير، وجملة قوله (يتحنث فيه) أي يتعبد فيه أي في غار حراء في محل النصب خبر ثان لي (كان) أو حال من فاعل (يخلو)، وفي رواية البخاري (فيتحنث فيه) بالفاء العاطفة وهو بالحاء المهملة آخره مثلثة: التعبد كما سيأتي من الراوي وهو في أصله من الأفعال التي معناها السلب أي اجتناب فاعلها لمصدرها مثل تأثم وتحوب إذا اجتنب الإثم والحوب فمعنى يتحنث يجتنب الحنث

стр. 1600

(وَهُوَ التَّعَبُّدُ) اللَّيَالِيَ أُولاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزوَّدُ لِذَلكَ، ــ وأصل الحنث الإثم فكأنه بعبادته يمنع نفسه من الحنث أي الذنب، أو هو بمعنى يتحنف بالفاء أي يتبع الحنيفية دين إبراهيم والفاء تبدل ثاء مثلثة، والضمير في قوله (وهو التعبد) عائد إلى مصدر يتحنث أي والتحنث التعبد أي الاشتغال بالعبادة، وأصل التعبد تذلل العبد لسيده وخضوعه له بامتثال أوامره ونواهيه بلا معرفة لحكمتها وهذا التفسير للزهري أدرجه في الخبر كما جزم به الطيبي وقوله (الليالي أولات العدد) منصوب على الظرفية متعلق بقوله (يتحنث) لا بالتعبد لأن التعبد لا تشترط فيه الليالي بل مطلق التعبد، و (أولات) نصب بالكسرة على أنه صفة الليالي لأنه من ملحقات جمع المؤنث السالم، وفي رواية البخاري ذوات العدد وهما واحد في الحكم والمعنى أي فيتحنث ويشتغل بالعبادة في غار حراء الليالي صواحب العدد القليل مع أيامهن واقتصر عليهن للتغليب لأنهن أنسب للخلوة، ووصف (الليالي) بـ (أولات العدد) لإرادة التقليل كما في قوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد وهما المناسب للمقام، وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله وأقل الخلوة ثلاثة أيام وتأمل ما للثلاثة في كل مثلث من التكفير والتطهير والتنوير ثم سبعة أيام ثم شهر لما عند المؤلف والبخاري "جاورت بحراء شهرًا" وعند ابن إسحاق أن ذلك العدد شهر رمضان. فإن قلت أمر الغار قبل الرسالة فلا حكم له (أجيب) لأنه أول ما بدئ به ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء كما مر فدل على أن الخلوة حكم مرتب على الوحي لأن كلمة (ثم) للترتيب. (فإن قلت) لم خص حراء بالتعبد فيه دون غيره، قال ابن أبي جمرة: لمزيد فضله على غيره لأنه مجموع له فيه التحنث والخلوة والنظر إلى الكعبة المعظمة والنظر إليها عبادة فكان له ﷺ فيه ثلاث عبادات الخلوة والتحنث والنظر إلى الكعبة. اهـ من القسطلاني بتصرف. وقوله (قبل أن يرجع إلى أهله) وعياله متعلق بـ (يتحنث)، وقوله (ويتزود) أي ويأخذ الزاد (لذلك) التحنث أو التعبد بالرفع عطفًا على (يتحنث) أي فكان يتحنث في غار حراء الليالي أولات العدد قبل أن يحن ويشتاق ويرجع إلى عياله وكان يتزود أي

стр. 1601

ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَال: اقْرَأْ ــ يتخذ زادًا ذلك التحنث أو للخلوة قبل خروجه إلى حراء (ثم) بعد تحنثه تلك الليالي (يرجع إلى خديجة) رضي الله تعالى عنها (فيتزود) أي يأخذ الزاد (لمثلها) أي لمثل تلك الليالي، وتخصيص خديجة بالذكر بعد أن عبر بالأهل يحتمل أنه تفسير بعد الإبهام أو إشارة إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها، وفيه أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة لأنه ﷺ لم ينقطع في الغار بالكلية بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم ثم يخرج لتحنثه. واختلف في عبادة النبي ﷺ قبل مبعثه هل كانت بشريعة من قبله أم كانت بما جعل الله في نفسه وشرح به صدره من نور المعرفة ومن بغضه لما كان عليه قومه من عبادة الأوثان وسوء السيرة وقبح الأفعال فكان يفر منهم بغضًا ويخلو بمعروفه أنسًا، ثم الذين قالوا إنه كان متعبدًا بشريعة من قبله فمنهم من نسبه إلى إبراهيم ومنهم من نسبه إلى موسى ومنهم من نسبه إلى عيسى وكل هذه أقوال متعارضة لا دليل قاطع على صحة شيء منها والأصح القول الثاني أي أنها بإلهام من الله تعالى لأنه لو كان متعبدًا بشيء من تلك الشرائع لعلم انتماؤه لتلك الشريعة ومحافظته على أحكامها وأصولها وفروعها ولو علم شيء من ذلك لنقل، إذ العادة تقتضي ذلك لأنه ﷺ ممن تتوفر الدواعي على نقل أحواله وتتبع أموره، ولما لم يكن شيء من ذلك علم صحة القول الثاني. وقوله (حتى فجئه) الأمر (الحق) وهو الوحي غاية للتحنث أي كان يتحنث في غار حراء حتى جاءه الوحي بغتة وأتاه مرة، فإنه ﷺ لم يكن متوقعًا للوحي، يقال فجئ بكسر الجيم يفجأ من باب علم وفجأ يفجأ بفتحها في الماضي والمضارع من باب فتح، وقوله (وهو) ﷺ (في كار حراء) للتحنث جملة حالية (فجاءه الملك) وهو جبريل الأمين ﵇ يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان وهو ابن أربعين سنة كما رواه ابن سعد، والفاء في قوله (فجاءه) تفسيرية كهي في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وتفصيلية أيضًا لأن المجيء تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق (فقال) الملك له ﷺ (اقرأ) يا محمد، يحتمل أن يكون هذا

стр. 1602

قَال مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَال: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّي بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي. فَقَال: اقْرَأْ. قَال: قُلْتُ: ــ الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه وأن يكون على بابه من الطلب، فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال وإن قدر عليه بعد (قال) النبي ﷺ ، وفي رواية (قلت) وهو المطابق لمقتضى السياق (ما أنا بقارئ) أي لست عارفًا بالقراءة، وفي رواية "ما أحسن أن أقرأ" فـ (ما) نافية واسمها (أنا) وخبرها (بقارئ) وضعف كونها استفهامية بدخول الباء في خبرها وهي لا تدخل على ما الاستفهامية، وأجيب بأنها استفهامية بدليل رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: "كيف أقرأ"، وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق "ماذا أقرأ" وبأن الأخفش جوز دخول الباء الزائدة على الخبر المثبت، قال ابن مالك في (بحسبك زيد) إن زيدا مبتدأ مؤخر لأنه معرفة وحسبك خبر مقدم لأنه نكرة والباء زائدة. (قال) ﷺ (فأخذني) جبريل ﵇ أي أمسكني إمساكًا شديدًا (فغطني) بالغين المعجمة ثم المهملة أي ضمني وعصرني، وعند الطبراني "فغتني" بالمثناة الفوقية بدل الطاء وهو حبس النفس وهو بمعنى غطني، قال ابن الأنباري: معنى "غتني" ضغطني وكأنه يضارع غطني، لأن المضغوط يبلغ منه الجهد وكذلك المغتوت، وفي "العين" غطه في الماء وغمسه، وفي حديث آخر "يغتهم الله في العذاب الأليم" أي يغمسهم ويقال غطه وغته وخنقه وغطسه بمعنى واحد (حتى بلغ) الغط (مني الجهد) أي الغاية والمشقة، والجهد بفتح الجيم ونصب الدال على أنه مفعول به لـ (بلغ) وفاعله ضمير الغط أي حتى بلغ ووصل الغط مني الجهد أي غاية وسعي ونهاية مشقتي، ويروى "الجُهد" بالضم والرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه وغايته فهو فاعل، وهذا الغط من جبريل ﵇ إشغال له عن الالتفات إلى شيء من أمور الدنيا وإشعار بالتفرغ لما أتاه به، وفعلُ ذلك ثلاثًا فيه تنبيه على استحباب تكرار التنبيه ثلاثًا، وقد استدل به بعضهم على جواز تأديب المعلم للمتعلمين ثلاثًا، وقال أبو سليمان: وإنما فعل ذلك ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كئفه من أعباء الرسالة ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وياخذه الرحضاء أي البهر والعرق، قال: وذلك يدل على ضعف القوة البشرية والوجل لتوقع تقصير فيما أمر به وخوف أن يقول غيره. اهـ من الإكمال. (ثم أرسلني) أي أطلقني (فقال) لي جبريل ثانيًا (اقرأ، قال: قلت) وفي رواية

стр. 1603

مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَال: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِني الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ ــ "فقلت" (ما أنا بقارئ) أي لست عارفًا بالقراءة قال (فأخذني) أي أمسكني (فغطني) أي ضمني المرة (الثانية حتى بلغ مني الجهد) بالفتح والنصب أي حتى بلغ مني غاية المشقة والجهد بالضم الطاقة قاله ابن قتيبة، وقال الشعبي: الجهد بالضم في القوة والجهد بالفتح في العمل، وقيل هما بمعنى واحد قاله البصريون (ثم أرسلني) أي أطلقني (فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ) ما نافية واسمها (أنا) وخبرها (بقارئ) والباء زائدة لمجرد النفي والتأكيد، وقال بعضهم إنها هنا للاستفهام وهو خطأ لأن هذه الباء لا تزاد على الاستفهام وإنما تصلح للاستفهام رواية من رواها (ما أقرأ) وتصلح أيضًا للنفي. اهـ مفهم (فأخذني فغطني) المرة (الثالثة حتى بلغ مني الجهد) قال القسطلاني: وهذا الغط ليفرغه عن النظر إلى أمور الدنيا ويقبل بكليته إلى ما يلقى إليه وكرره للمبالغة واستدل به على أن المؤدب لا يضرب صبيًّا أكثر من ثلاث ضربات، وقيل الغطة الأولى ليتخلى عن الدنيا، والثانية ليتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة، وعد بعضهم هذا من خصائصه ﷺ إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه جرى له عند ابتداء الوحي إليه مثله (ثم أرسلني) أي أطلقني من الغط (فقال: ﴿اقْرَأ﴾) يا محمد ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قال الطيبي: هذا أمر بإيجاد القراءة مطلقًا وهو لا يختص بمقروء دون مقروء، فقوله (باسم ربك) حال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك، أي قل: بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدل على أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة. اهـ قسطلاني، وفي الإكمال قال أبو الحسن بن القصار من المالكية: وفي قوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ رد على الشافعي في قوله "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من كل سورة وهذه أول سورة نزلت وليس ذلك فيها. اهـ ومقتضى كلام ابن القصار أن ما لم ينزل في تلك المرة من بقية السورة يكون ليس منها ولم يقل به أحد، وقال الأبي: لعل البسملة نزلت بعد. وقوله ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وصف مناسب مشعر بعلية الأمر بالقراءة، والإطلاق في قوله (خلق) أولًا على منوال يعطي ويمنع وجعله توطئة لقوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ

стр. 1604

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي الزائد في الكرم على كل كريم، وفيه دليل للجمهور على أنه أول ما نزل على الإطلاق، وروى الحافظ أبو عمرو الداني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أول شيء نزل من القرآن خمس آيات إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وفي المرشد: أول ما نزل من القرآن هذه السورة في نمط، فلما بلغ جبريل ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ طوى النمط ومن ثم قال القراء إنه وقف تام. قال القرطبي: وهذا الحديث نص على أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وهو أولى من حديث جابر الآتي إذ قال: إن أول ما نزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وسياق حديث جابر لا ينص على ذلك بل سكت عما ذكرته عائشة من نزول ﴿اقْرَأْ﴾ في حراء، وذكر جابر أنه رجع إلى خديجة فدثروه فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ وعائشة أخبرت بأول ما نزل عليه في حراء، فكان قول عائشة أولى. والله تعالى أعلم. اهـ (قلت) يجمع بين الحديثين بأن حديث عائشة محمول على أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وحديث جابر محمول على أن أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي ثلاث سنين يا أيها المدثر فلا معارضة بينهما حينئذ. والله أعلم. وقال هنا ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ فجمع ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع، وخص الإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾) أي الذي علم ما علم بواسطة القلم وغيره، أي فكما علم القارئ بواسطة الكتابة والقلم يعلمك بدونهما (﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ من جميع ما يتمتع به من العلم ويمتاز به عن غيره من الحيوان، وكان في بدء أمره لا يعلم شيئًا. وفي الآية دليل على فضل القراءة والكتابة والعلم، ولعمرك لولا القلم ما حفظت العلوم ولا أحصيت الجيوش ولضاعت الديانات ولا عرف الأواخر معارف الأوائل وعلومهم ومخترعاتهم وفنونهم، وقد بسطنا الكلام في الكتابة والخطوط والقلم في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" بما لا مزيد عليه فراجعه إن شئت الخوض في هذا المقام. (فرجع بها) أي بهذه الآيات (رسول الله ﷺ إلى أهله حال كونه

стр. 1605

تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَال: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَال لِخَدِيجَةَ: أَي خَدِيجَةُ، مَا لِي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. قَال: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ــ (ترجف) بضم الجيم أي تخفق وتضطرب وترتعد (بوادره) جمع بادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان لما فاجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف فنفر طبعه البشري وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها (حتى دخل) غاية للرجوع، وفي رواية البخاري "فدخل" (على خديجة) بنت خويلد أم المؤمنين التي ألف تأنيسها له فاعلمها بما وقع له (فقال) ﷺ (زملوني زملوني) بكسر الميم مع التكرار مرتين أمر من التزميل وهو التلفيف أي لفوني بالثياب وغطوني بها، وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر وشدة الضغط والعادة جارية بسكون الرِّعدة بالتلفُّف، وجمع الضمير في (زملوني) تعظيمًا لأهله أعني خديجة جريًا على عادة الإنسان لأنه يخاطب زوجته بصيغة الجمع (فزملوه) بفتح الميم أي لفوه بالثياب (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء أي الفزع (ثم قال) ﷺ (لخديجة) رضي الله تعالى عنها (أي خديجة) أي يا خديجة (ما لي) أي شيء عجيب ثبت لي، فـ (ما) تعجبية في محل الرفع مبتدأ والجار والمجرور خبره، قال الأبي: هو استعظام وخوف أن لا يطيق ما حمل من النبوة لا شك فيه وجملة قوله (و) قد (أخبرها) أي أخبر خديجة (الخبر) أي خبر ما رأى حال من فاعل (قال)، وقوله (قال) تأكيد لـ (قال) الأول وهو ساقط في رواية البخاري أي قال رسول الله لخديجة والله (لقد خشيت) وخفت (على نفسي) الموت من شدة الرعب أو المرض كما جزم به في بهجة النفوس، أو أني لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته أولًا عند لقاء الملك وليس معناه الشك في أن ما أتى من الله تعالى، وأكد باللام وبـ (قد) تنبيهًا على تمكن الخشية من قلبه المقدس وخوفه على نفسه الشريفة، وعبارة القاضي عياض هنا: (قوله: "لقد خشيت على نفسي" ليس بمعنى الشك فيما أتاه من الله تعالى لكنه عساه خشي أنه لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يقدر على حمل أعباء الوحي فتزهق نفسه أو ينخلع قلبه لشدة ما لقيه أولًا من لقاء الملك أو يكون قوله هذا لأول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحقيقه رسالة ربه فيكون ما خاف أولًا أن يكون

стр. 1606

قَالتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا. أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، مَا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا ــ من الشيطان فأما منذ ما جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز عليه الشك فيه ولا يخشى من تسلط الشيطان عليه) اهـ وذكر أبو بكر الإسماعيلي أنه لا يمتنع أن يخشى ذلك لأول ما جاءه الملك قبل أن يحصل له العلم الضروري بان الذي جاءه ملك لأن العلم الضروري لا يحصل دفعة، وقد أثنى الله سبحانه بهذا العلم فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. قال القاضي: وعلى هذا الطريق الذي ذكرنا يحمل كل ما ورد من مثل هذا في حديث المبعث. اهـ وعليه يكون المراد من قوله ﷺ : "لقد خشيت على نفسي" أي خشيت أن لا أنهض باعباء الرسالة وأن أضعف عنها. اهـ من هامش الإكمال. وعبارة المفهم: (قوله: "لقد خشيت على نفسي" اختلف في سبب هذه الخشية وفي زمانها فقيل كانت عند رؤية التباشير وسمع الصوت قبل لقاء الملك وعند هذا يجوز أن يكون شك في حاله ولم يتحقق مآله وأما بعد مشافهة الملك وسماعه منه ما أخبره به وما قرأ عليه فلا يتصور في حقه شك في رسالته بوجه من الوجوه وإن كانت الخشية حصلت منه في هذا الحال فيحتمل أن كانت من ضعفه عن القيام بأعباء النبوة والرسالة وأنه لا يقدر عليها ويحتمل أن يكون خوفه من مباعدة قومه له ونفارهم عنه فيكذبونه ويؤذونه ويقتلونه وهذا في أول أمره قبل أن يعلم بمآل حاله وأن الله يعصمه من الناس وقول خديجة يشعر بهذا والله سبحانه وتعالي أعلم. اهـ (قالت له خديجة) وفي رواية البخاري (فقالت) بالفاء التعقيبية أي فقالت له ﷺ خديجة ﵂ (كلا) هي هنا كلمة نفي وابعادٍ وردعٍ أي ارتدع عما قلت ولا تقل ذلك، أو لا خوف عليك وقد تأتي (كلا) بمعنى حقًّا وبمعنى ألا التي يستفتح بها الكلام (أبشر) أي أثبت لنفسك البشارة واعتقدها لك (فوالله) الذي لا إله غيره (ما يخزيك الله) سبحانه وتعالي (أبدًا) أي في زمن من الأزمان المستقبلة ولا يفضحك ولا يهينك في حال من الأحوال، وقوله (يخزيك) بضم المثناة التحتية وبالخاء المعجمة الساكنة والزاي المكسورة وبالمثناة التحتية الساكنة أي ما يفضحك الله

стр. 1607

وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، ــ ولا يهينك بل يثبتك حتى لا ينسب إليك الكذب فيما قلته ولا يسلط عليك شيطان بتخبطه الذي حذرته، وفي رواية (ما يحزنك) بفتح أوله وبالحاء المهملة الساكنة والزاي المضمومة أو بضم أوله مع كسر الزاي وبالنون من الحزن يقال حزنه وأحزنه ومعنى يحزنك أي ما يوقع بك ما تخافه من ذلك. وهذا من خديجة تأنيس له ﷺ إن كان هذا أول ما رأى من المقدمات والتباشير وقبل تحقيقه الرسالة ولقاء الملك أو يكون قوله لما خشي من ضعف جسمه عن حمل ذلك. اهـ ع. (والله) وفي رواية البخاري إسقاط هذا القسم (إنك) بكسر الهمزة لوقوعها في جواب القسم أو لوقوعها في ابتداء الكلام على رواية إسقاط القسم، قال الدماميني: وفصلت هذه الجملة عن الأولى لكونها جوابًا عن سؤال اقتضته وهو سؤال عن سبب خاص فحسن التأكيد وذلك أنها لما أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه انطوى ذلك على اعتقادها أن ذلك لسبب عظيم فيقدر السؤال عن خصوصه حتى كأنه قيل هل سبب ذلك هو الاتصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف كما يشير إليه كلامها فقالت إنك (لتصل الرحم) أي القرابة أي تصل ذا رحمك بالزيارة والمواساة والإهداء إليه (وتصدق الحديث) أي تتكلم بصدق الكلام ولو كذَبوك أو كذَّبوك. اهـ ملا علي، وفي رواية البخاري إسقاط هذا (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام وهو الذي لا يستقل بامره أو الثِّقل بكسر المثلثة وإسكان القاف ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ قال المازري: قال النحاس: الكَلُّ بفتح الكاف هو الثقل من كل شيء في المؤنة أو الجسم، والكل أيضًا اليتيم والضعيف والمسافر الذي أصابه الإعياء في الطريق لفقد ما يبلغه المقصد وحمل هؤلاء بالإنفاق عليهم فمعنى الكل هو الذي أصابه الكلال وهو الإعياء والمعنى إنك لتواصل ذا قرابتك وتتكلم كلامًا صادقًا وتنفق على الضعفاء الذين أصابهم الكلال (وتكسب المعدوم) أي تصير الفقير غنيًّا بعطاياك الوافرة، وسمي الفقير معدومًا لعجزه عن النظر في المعيشة فهو كالمعدوم أو تكسب الناس وتحصل لهم ما لا يجدونه عند غيرك من الفوائد والفضائل والمكارم، وذكر ثابت بن حزم الأندلسي اللغوي في دلائله في معنى هذا الكلام: إنك تصيب وتكسب ما يعجز غيرك من كسبه ويعدمه،

стр. 1608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريمش وقد عرفوا بقريمش التجار، وسموا قريشًا من التقرش، والتقرش: التجارة على أحد الأقوال في معناه. وقال القاضي عياض: قوله (وتكسب المعدوم) رويناه عن الأكثر بفتح التاء مضارع كسب الثلاثي يقال كسب المال وكسبته زيدًا، وعن بعضهم بضمها مضارع أكسب الرباعي، قال القزاز: كسب الثلاثي حرف نادر، فالمعنى على أنه من الثلاثي المتعدي إلى واحدٍ، وتكسب المال الذي يعدم كسبه من غيرك لأنه ﷺ كان مجدودًا في تجارته والعرب كانت تتمدح بكسب المال لاسيما قريش كما مر آنفًا، والمعنى على أنه من الثلاثي المتعدي إلى اثنين، وتكسب الناس المال الذي يعدم أي تعطيه غيرك، والمفعول الأول محذوف وكذلك المعنى على أنه من أكسب الرباعي وهذا المعنى أمدح في حقه وأليق بكرمه ﷺ من الأول. انتهى. وعبارة القسطلاني هنا قوله (وتكسب المعدوم) بفتح الفوقية على وزن تضرب، والكسب استفادة المال؛ أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وكسب يتعدى بنفسه إلى واحد نحو كسبت المال هالى اثنين نحو كسبت غيري المال وهذا منه، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: وتكسب بضم أوله من أكسب أي تكسب غيرك المال المعدوم أي تتبرع به له فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، أو تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق أو تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم، والرواية الأولى أصح كما قاله عياض والرواية الثانية قال الخطابي: الصواب المعدم بلا واو (وتكسب المعدم) أي الففير لأن المعدوم لا يكسب، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له، وفي تهذيب الأسماء للأزهري عن ابن الأعرابي: رجل عديم لا عقل له ومعدوم لا مال له، قال في المصابيح كأنهم نزلوا وجود من لا مال له منزلة العدم. اهـ وفي القرطبي وحكي عن ثعلب وابن الأعرابي أكسبت زيدًا مالًا ومنه قوله: فأكسبني مالًا وأكسبته حمدًا ومعناه أنه ﷺ كان يكسب الناس ما لا يجدونه عند غيره من معدومات الفوائد والفضائل وهذا أولى في وصفه من قول من قال إن خديجة مدحته

стр. 1609

وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ــ باكتساب المال الكثير الذي لا يجده غيره ولا يقدر عليه. اهـ (وتقري الضيف) بفتح أوله بلا همز ثلاثيًّا أي تكرمه، يقال: قريت الضيف أقريه قرىً وقراءً إذا أعطيته طعام الضيافة، ويقال للطعام الذي يضيفه به قرىً ويقال لفاعله قارٍ مثل قضى فهو قاض، وقال الأبي: وسمع بضمها رباعيًّا أي تهيئ له طعامه ونزله (وتعين على نوائب الحق) أي حوادثه جمع نائبة وهي الحادثة فيدخل فيه النوائب التي تتعرض للأغنياء من أداء دين أو دية أو قيام بوليمة، والمقصود أن جوده ﷺ وصل للفقير والغني وعم كل الناس، وقيدت النوائب بالحق لأنها قد تكون في الحق والباطل كأداء دين من استدان لشرب الخمر أو الزنا إذا لم يتب، قال لبيد: نوائب من خير وشر كلاهما ... فلا الخير ممدود ولا الشر لازب ولذلك أضافتها إلى الحق، وفيه إشارة إلى فضل خديجة وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعة لأفراد ما سبق وغيره وإنما أجابته بكلام فيه قسم وتأكيد بإن واللام لتزيل حيرته ودهشته واستدلت على ما أقسمت عليه بامر استقرائي جامع لأصول مكارم الأخلاق، وفيه دليل على أن من طبع على أفعال الخير لا يصيبه ضير، قال الأبي: والمعنى كلا لا يصيبك الله بمكروه لما جمع فيك من خصال الحمد، وفيه أن مكارم الأخلاق تقي مصارع السوء، وفيه تأنيس من وقع في مخافة، وفيه نبل خديجة وكمال عقلها. اهـ. وفيه مدح الإنسان في وجهه للحاجة إليه في بعض الأحوال، قال السنوسي: قولها (إنك لتصل الرحم ... ) إلخ؛ هو من الاستئناف البياني لوقوعه في جواب سؤال مقدر عن علة الحكم الخاص الذي حكمت به كأنه قال لها: من أين حكمت بان الله سبحانه لا يفعل بي ما ذكرت، فقالت: (إنك ... ) إلخ، وعبرت هنا بالمضارع لتصور تلك الأحوال الحسنة الشاقة على الكثير. وقولها (وتحمل الكل) كناية عن صبره على ما يثقل على النفس الصبر عليه، وقولها (وتكسب) بوزن تضرب (المعدوم) أي تقدر على كسب الشيء الذي يكون معدومًا وتحتاج إلى تحصيله لمعرفتك بطرق الاكتساب، فمدحته بما يستلزم كمال العقل الذي هو أشرف شيء مَنَّ به والنشاط الذي يكتسب به الإنسان المصالح الدنيوية والأخروية لنفسه ولغيره ضد ما عليه العاجز من الرجال الذي لا ينفع نفسه ولا غيره،

стр. 1610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كأنها ﵂ تقول: ما شرفت به من النبوة وقصدت به من الرسالة أنت أهله ومهيأ به بما أودع سبحانه فيك من الخلال الكريمة اللائقة، لذلك ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾ فهون عليك ولا تخف ولا تجزع أن لا تقوم بواجب الحق في ذلك، فلله در خديجة ﵂ فما أرق تسليتها للنبي ﷺ وأجملها، قولها (وتعين على نوائب الحق) قيل معناه تعين الملهوف على ما أصابه من النوائب التي يحق على حماة الحقيقة المعاونة فيها، قال بعضهم: ويحتمل أن تعني كما تكسب المعدوم مالًا كذلك تعين الغني الواجد الذي هو ضد المعدوم على ما ينوبه أي يعرض له من الحقوق الشرعية لإنفاقه على العيال ونحو وليمة النكاح مما يجب أو يندب إليه والعادات المباحة مما يستحسن في العادة أن يعان فيها الغني والفقير فقد جمع صلوات الله تعالى وسلامه عليه مكارم الأخلاق كلها واحتوى المحاسن كلها بل بأسرها شرعيها وعاديها، ويحتمل أن تريد وتعين نفسك على ما ينوبك من الحقوق وغيرك على ما ينوبه منها، ويكون وصفًا جامعًا لما تقدم من مكارم الأخلاق وغيرها مما لم تذكرها أو كانها فذلكة ونتيجة وكأنها قالت جمعت المحاسن فما عسى أن أعد منها. اهـ سنوسي. (تنبيهات): (الأول) يؤخذ من تحنث النبي ﷺ بغار حراء طلب الخلوة للعبادة والعزلة عن الناس للاستعانة بها على حضور القلب والأمن من الرياء والسمعة وفيها السلامة من أكثر أنواع الشر وقد ينتهي إلى حد الوجوب بحسب الأزمنة والأحوال، وقد بين النبي ﷺ زمان العزلة ونعت أهله وأمر فيه بالتفرد، فروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم وخفت وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه، فقلت: ما أصنع عند ذلك جعلني الله فداءك، قال: "الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع أمر العامة"، وذكر في حديث آخر أنه ﷺ قال: "ذلك أيام الهرج"، قيل: وما أيام الهرج، قال: "حين لا يأمن الرجل جليسه". وذكر ابن مسعود في خبر آخر للحارث بن عميرة أنه قال: "إن يرفع من عمرك فسيأتي عليك زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه كثير سؤاله قليل عطفاؤه الهوى فيه قائد العلم"، قال: ومتى ذلك؟ قال: "إذا أميتت الصلاة وقبلت الرشا وبيع الدين بعرض يسير من الدنيا فالنجا ويحك ثم النجا".

стр. 1611

فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا. وَكَانَ امْرَءًا ــ (الثاني) في غط جبريل ﵇ للنبي ﷺ إشارة إلى أن نيل معالي الأمور لا يكون إلا بالصبر على ما يكره الإنسان وتحمل المشاق العظيمة بحسب تلك المعالي سنة الله تعالى في عباده، قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. قال الشاعر: تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل الآخر: ومن لم يذق ذل التعلم ساعة ... تجرع كأس الجهل طول حياته الآخر: الصبر مفتاح ما يرجّى ... وكل خَير به يكون فاصبر وإن طالت الليالي ... فربما أمكن الحزون وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون الآخر: لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ اهـ. السنوسي (فانطلقت) أي مضت وذهبت (به) ﷺ (خديجة) ﵂ مصاحبة له ﷺ لأنها تلزم الفعل اللازم المعدى بالباء بخلاف المعدى بالهمزة كأذهبته. اهـ. قسط (حتى أتت) خديجة (به) ﷺ (ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو) أي ورقة (ابن عم خديجة أخي أبيها) لأنه تجتمع معه خديجة في أسد لأنها بنت خويلد بن أسد (وكان) ورقة (امرأ قد) ترك عبادة الأوثان

стр. 1612

تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ. فَقَالتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَي عَمِّ، ــ و(تنصر) أي دخل في دين النصارى وفي رواية (وكان امرأً تنصر) (في الجاهلية) بإسقاط (قد) وذلك أنه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها طريق الجاهلية إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين فأعجب ورقة النصرانية للقيه من لم يبدل شريعة عيسى ﵇ والجاهلية ما قبل بعثته ﷺ سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش الجهالة (وكان) ورقة أيضًا (يكتب الكتاب العربي) أي يعرف الخط العربي (فيكتب من الإنجيل بالعربية) أي باللغة العربية وذلك لتمكنه في دين النصارى ومعرفته بكتابهم يترجم عنه باللغة العربية مع أن الإنجيل سرياني أي يكتب عنه باللغة العربية (ما شاء الله) سبحانه وتعالي (أن يكتبـ) به منه، قيل إن التوراة عبرانية والإنجيل سرياني، والعبرانية نسبة إلى العبر بكسر العين وإسكان الموحدة فيهما زيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس قيل سميت بذلك لأن الخليل ﵇ تكلم بها لما عبر الفرات فارًا من نمروذ، وعن سفيان ما نزل من السماء وحي إلا بالعربية وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها بلغتهم، والجار والمجرور في قوله (بالعربية) متعلق بقوله (ويكتب). ووقع في رواية البخاري (فكتب من الإنجيل بالعبرانية) وبين الروايتين معارضة ولكن الجمع بينهما ممكن، وكيفيته أن يقال: إنه تمكن من معرفة دين النصارى بحيث صار يتصرف في الإنجيل فيكتب أي موضع شاء منه إن شاء بالعبرانية وإن شاء بالعربية فانتفت المعارضة. اهـ من السنوسي. (وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) في السنن (قد عمي) وفقد بصره لكبر سنه وهذه جملة أكدت تحقق علمه وزيادة عقله بطول التجارب وكثرة ممارسة العلم وأهله (فقالت له) أي لورقة (خديجة) رضي الله تعالى عنها (أي عم) أي يا عمي، فـ (أي) حرف نداء لنداء القريب، (عم) منادى مضاف منصوبٌ بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، قال النواوي: وفي الرواية الأخرى (قالت خديجة أي ابن عم) هكذا هو في الأصول في الأول (عم) وفي الثاني (ابن عم) وكلاهما صحيح، أما الثاني فلأنه ابن عمها حقيقة كما ذكره أولًا في الحديث فإنه ورقة بن نوفل بن أسد وهي خديجة بنت خويلد بن أسد وأما الأول فسمته عمًا مجازًا للاحترام ومراعاة للأدب في خطاب

стр. 1613

اسْمَعْ مِنِ ابنِ أَخِيكَ. قَال وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَآهُ. فَقَال لَهُ وَرَقَةُ: هذَا النَّامُوسُ ــ الصغير الكبير وهذا عادة العرب في آداب خطابهم يخاطب الصغير الكبير بـ (يا عم) احترامًا له ورفعًا لرتبته ولا يحصل هذا الغرض بقولها يا ابن عم فيكون قد وقع منها الخطابان والله أعلم. اهـ وقولها (اسمع من ابن أخيك) ما يقول من عجائب ما رأى؛ جواب النداء، قالت ﵂ (من ابن أخيك) تعني النبي ﷺ ولم تقل من محمد تلطفًا منها فيما يوجب إقباله عليه بجميع فكره وكمال نصحه إذ جعلته عمًا له والعم أحد الأبوين ولهذا تلطف هو أيضًا فيما يزيل الوحشة عن النبي ﷺ حتى لا يكتم عنه من أمره شيئًا بأن قال له: يا ابن أخي ماذا ترى، ولم يقل له يا محمد، أو قالت ذلك لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله ﷺ ، وفي عدولها رضي الله تعالى عنها عن حكاية أمر النبي ﷺ مع معرفتها به إلى أن أحالت عليه حسن أدب لا سيما في حق النساء لاستعظام تقدمهن بنقل الكلام الذي يمكن ممن حضر من الرجال مطلقًا فكيف بصاحب القضية الذي هو أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء ومن أوتي جوامع الكلم وتستحيي الألسنة اللسن أن تفوه بكلمة عند حضور الرفيع المعظم ﷺ وشرف وكرم، ويحتمل أن يكون إحالة عليه لتتلذذ بسماع الحكاية من فيه ثانيًا أو للاحتياط لاحتمال التقصير في النقل، وأيضًا فقرائن الأحوال عند سماع القضية من صاحبها لها أثر عظيم في زيادة فهم السامع، ولهذا رأينا بعض شيوخنا الأكابر رحمهم الله تعالى يزجر من ينقل له سؤال سائل مع حضوره ومن هذا المعنى اشتراط أهل المذهب في النقل عن الشاهد تعذر السماع منه وقووه مع ذلك باشتراط أن ينقل عنه اثنان فأكثر. اهـ سنوسي. (قال ورقة بن نوفل يا ابن أخي ماذا ترى) أي أي شيء ترى (فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما) وفي رواية بخبر ما (رآه فقال له) ﷺ (ورقة) بن نوفل (هذا) الذي تراه هو (الناموس) بالنون والسين المهملة على وزن فاعول وهو صاحب سر الملك -والملك هنا هو الله سبحانه جل وعلا- والمراد به جبريل ﵇ لأنه هو الذي يلقي إليه ما يوصل إلى أنبيائه ﵈ وقال

стр. 1614

الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَي ﵇، يَا لَيتَنِي فِيهَا جَذَعًا، ــ ابن دريد: ناموس الرجل صاحب سره وكل شيء سترت فيه شيئًا فهو ناموس له يقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسًا أي كتمته، ونمست الرجل ونامسته ساررته، واتفقوا على أن جبريل ﵇ يسمى الناموس واتفقوا على أنه المراد هنا، وعبارة المفهم هنا وقول ورقة (هذا الناموس) قال أبو عبيد في مصنفه: هو جبريل ﵇، وقال الهروي: وسمي جبريل ناموسًا لأن الله تعالى خصه بالوحي وعلم الغيب، وقال المطرز: قال ابن الأعرابي: لم يات في الكلام فاعول لام الكلمة سين إلا الناموس وهو صاحب سر الخير، والجاسوس وهو صاحب سر الشر، والجاروس وهو الكثير الأكل، والفاعوس وهو الحية، والبابوس وهو الصبي الرضيع، والراموس وهو القبر، والقاموس وهو وسط البحر، والقابوس وهو الجميل الوجه، والفاطوس وهو دابة يتشاءم بها، والفانوس وهو النمام، والجاموس ضرب من البقر ليس له سنام، قال ابن دريد في "الجمهرة" جاموس أعجمي وقد تكلمت به العرب، وقال غيره الحاسوس بالحاء المهملة من تحسسه بمعنى الجاسوس، وقال ابن دريد: الكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس موضع الصائد وناموس الرجل موضع سره وفي الحديث (ناعوس البحر) وسيأتي إن شاء الله تعالى. اهـ أي هذا الذي تراه هو الناموس (الذي أنزل) على صيغة المجهول (على موسى) بن عمران (﵇) أي الذي أنزله الله تعالى بالوحي على موسى ﵇ وإنما خص موسى بالذكر دون عيسى مع كونه أقرب ومع كونه تنصر ليسأل عن ذلك أهل العلم بالتوراة فيوافقونه عليه ويصدقون ورقة فتقوم له الحجة في فتواه بخلاف النصارى فإنهم إنما يعلمون لعيسى الألوهية لا النبوة ولأن نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوته وفي رواية الزبير بن بكار بلفظ عيسى. (يا ليتني فيها) أي يا محمد أو يا هؤلاء أو يا قوم أتمنى أن أكون موجودًا فيها أي في أيام نبوتك وبعثتك حالة كوني (جذعًا) بفتح الجيم وسكون الذال المعجمة أي شابًّا قويًّا حتى أبالغ في نصرك وجعل أبوالبقاء المنادى محذوفًا أي يا محمد وتعقب بان قالْل ليتني قد يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم ﴿يَاليتَنِي مِتُّ﴾ وأجيب بأنه قد يجوز

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يجرد من نفسه نفسًا فيخاطبها فكأن مريم قالت يا نفسي ليتني مت وتقديره هنا يا محمد ليتني أن أكون موجودًا في أيام دعوتك إلى التوحيد حالة [كوني] جذعًا أي شابًّا قويًّا لأنصرك نصرًا مؤزرًا على من عاداك والجذع هو الصغير من البهائم واستعير للإنسان أي يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوتك حتى أقوى على المبالغة في نصرتك. اهـ ق قال القرطبي: قوله (يا ليتني فيها جذعًا) الضمير في (فيها) عائد على النبوة أي في أيام نبوتك تمنى نصرته في مدة نبوته و (جذعًا) كذا صحت الرواية بالنصب فيه وعند ابن ماهان (جذع) بالرفع على أنه خبر (ليت) وكذا هو في "البخاري" ونصبه على أحد ثلاثة أوجه: (أولها) على أنه خبر كان مقدرة أي يا ليتني أكون فيها جذعًا وهذا على رأي الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ﴾ أي يكون خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن (خيرًا) إنما انتصب بإضمار فعل دل عليه انتهوا، والتقدير انتهوا وافعلوا خيرًا، وقال الفراء: هو نعت لمصدر محذوف تقديره انتهوا انتهاء خيرًا لكم. و(ثانيها) أنه حال وخبر ليت متعلق الجار والمجرور في (فيها) فيكون التقدير ليتني كائن فيها أي في مدة النبوة حالة كوني جذعًا. و(ثالثها) أن يكون ليت أعملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قاله الكوفيون وأنشدوا عليه: يا ليت أيام الصبا رواجعا وهذا فيه نظر. اهـ وخص الجذع دون ما فوقه حرصًا على نمو قوته حتى يحضر معه جميع خطوبه والجذع هنا استعارة أو تشبيه بليغ فكأنه يقول: ليتني أكون شابًّا، فحذف الشاب واستعار له لفظ الجذع وهو من استعارة محسوس لمحسوس والجامع عقلي إذ المراد ما يترتب عليهما في الكفاية والإغناء وعبر بعضهم عن هذا الجامع بالقوة على النصرة وبعضهم جعله تشبيهًا وجعل وجه الشبه الأولية أي يا ليتني أن أكون أول من يجيبك ويؤمن كالجذع الذي هو أول الأسنان ولا خفاء بما فيه من الضعف. اهـ سنوسي. (فإن قلت) كيف تمنى ورقة مستحيلًا وهو عود الشباب (أجيب) بأنه يسوغ تمني
следующие страницы →