← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا. وَكَانَ امْرَءًا ــ (الثاني) في غط جبريل ﵇ للنبي ﷺ إشارة إلى أن نيل معالي الأمور لا يكون إلا بالصبر على ما يكره الإنسان وتحمل المشاق العظيمة بحسب تلك المعالي سنة الله تعالى في عباده، قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. قال الشاعر: تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل الآخر: ومن لم يذق ذل التعلم ساعة ... تجرع كأس الجهل طول حياته الآخر: الصبر مفتاح ما يرجّى ... وكل خَير به يكون فاصبر وإن طالت الليالي ... فربما أمكن الحزون وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون الآخر: لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ اهـ. السنوسي (فانطلقت) أي مضت وذهبت (به) ﷺ (خديجة) ﵂ مصاحبة له ﷺ لأنها تلزم الفعل اللازم المعدى بالباء بخلاف المعدى بالهمزة كأذهبته. اهـ. قسط (حتى أتت) خديجة (به) ﷺ (ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو) أي ورقة (ابن عم خديجة أخي أبيها) لأنه تجتمع معه خديجة في أسد لأنها بنت خويلد بن أسد (وكان) ورقة (امرأ قد) ترك عبادة الأوثان

стр. 1612

تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ. فَقَالتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَي عَمِّ، ــ و(تنصر) أي دخل في دين النصارى وفي رواية (وكان امرأً تنصر) (في الجاهلية) بإسقاط (قد) وذلك أنه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها طريق الجاهلية إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين فأعجب ورقة النصرانية للقيه من لم يبدل شريعة عيسى ﵇ والجاهلية ما قبل بعثته ﷺ سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش الجهالة (وكان) ورقة أيضًا (يكتب الكتاب العربي) أي يعرف الخط العربي (فيكتب من الإنجيل بالعربية) أي باللغة العربية وذلك لتمكنه في دين النصارى ومعرفته بكتابهم يترجم عنه باللغة العربية مع أن الإنجيل سرياني أي يكتب عنه باللغة العربية (ما شاء الله) سبحانه وتعالي (أن يكتبـ) به منه، قيل إن التوراة عبرانية والإنجيل سرياني، والعبرانية نسبة إلى العبر بكسر العين وإسكان الموحدة فيهما زيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس قيل سميت بذلك لأن الخليل ﵇ تكلم بها لما عبر الفرات فارًا من نمروذ، وعن سفيان ما نزل من السماء وحي إلا بالعربية وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها بلغتهم، والجار والمجرور في قوله (بالعربية) متعلق بقوله (ويكتب). ووقع في رواية البخاري (فكتب من الإنجيل بالعبرانية) وبين الروايتين معارضة ولكن الجمع بينهما ممكن، وكيفيته أن يقال: إنه تمكن من معرفة دين النصارى بحيث صار يتصرف في الإنجيل فيكتب أي موضع شاء منه إن شاء بالعبرانية وإن شاء بالعربية فانتفت المعارضة. اهـ من السنوسي. (وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) في السنن (قد عمي) وفقد بصره لكبر سنه وهذه جملة أكدت تحقق علمه وزيادة عقله بطول التجارب وكثرة ممارسة العلم وأهله (فقالت له) أي لورقة (خديجة) رضي الله تعالى عنها (أي عم) أي يا عمي، فـ (أي) حرف نداء لنداء القريب، (عم) منادى مضاف منصوبٌ بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، قال النواوي: وفي الرواية الأخرى (قالت خديجة أي ابن عم) هكذا هو في الأصول في الأول (عم) وفي الثاني (ابن عم) وكلاهما صحيح، أما الثاني فلأنه ابن عمها حقيقة كما ذكره أولًا في الحديث فإنه ورقة بن نوفل بن أسد وهي خديجة بنت خويلد بن أسد وأما الأول فسمته عمًا مجازًا للاحترام ومراعاة للأدب في خطاب

стр. 1613

اسْمَعْ مِنِ ابنِ أَخِيكَ. قَال وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَآهُ. فَقَال لَهُ وَرَقَةُ: هذَا النَّامُوسُ ــ الصغير الكبير وهذا عادة العرب في آداب خطابهم يخاطب الصغير الكبير بـ (يا عم) احترامًا له ورفعًا لرتبته ولا يحصل هذا الغرض بقولها يا ابن عم فيكون قد وقع منها الخطابان والله أعلم. اهـ وقولها (اسمع من ابن أخيك) ما يقول من عجائب ما رأى؛ جواب النداء، قالت ﵂ (من ابن أخيك) تعني النبي ﷺ ولم تقل من محمد تلطفًا منها فيما يوجب إقباله عليه بجميع فكره وكمال نصحه إذ جعلته عمًا له والعم أحد الأبوين ولهذا تلطف هو أيضًا فيما يزيل الوحشة عن النبي ﷺ حتى لا يكتم عنه من أمره شيئًا بأن قال له: يا ابن أخي ماذا ترى، ولم يقل له يا محمد، أو قالت ذلك لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله ﷺ ، وفي عدولها رضي الله تعالى عنها عن حكاية أمر النبي ﷺ مع معرفتها به إلى أن أحالت عليه حسن أدب لا سيما في حق النساء لاستعظام تقدمهن بنقل الكلام الذي يمكن ممن حضر من الرجال مطلقًا فكيف بصاحب القضية الذي هو أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء ومن أوتي جوامع الكلم وتستحيي الألسنة اللسن أن تفوه بكلمة عند حضور الرفيع المعظم ﷺ وشرف وكرم، ويحتمل أن يكون إحالة عليه لتتلذذ بسماع الحكاية من فيه ثانيًا أو للاحتياط لاحتمال التقصير في النقل، وأيضًا فقرائن الأحوال عند سماع القضية من صاحبها لها أثر عظيم في زيادة فهم السامع، ولهذا رأينا بعض شيوخنا الأكابر رحمهم الله تعالى يزجر من ينقل له سؤال سائل مع حضوره ومن هذا المعنى اشتراط أهل المذهب في النقل عن الشاهد تعذر السماع منه وقووه مع ذلك باشتراط أن ينقل عنه اثنان فأكثر. اهـ سنوسي. (قال ورقة بن نوفل يا ابن أخي ماذا ترى) أي أي شيء ترى (فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما) وفي رواية بخبر ما (رآه فقال له) ﷺ (ورقة) بن نوفل (هذا) الذي تراه هو (الناموس) بالنون والسين المهملة على وزن فاعول وهو صاحب سر الملك -والملك هنا هو الله سبحانه جل وعلا- والمراد به جبريل ﵇ لأنه هو الذي يلقي إليه ما يوصل إلى أنبيائه ﵈ وقال

стр. 1614

الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَي ﵇، يَا لَيتَنِي فِيهَا جَذَعًا، ــ ابن دريد: ناموس الرجل صاحب سره وكل شيء سترت فيه شيئًا فهو ناموس له يقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسًا أي كتمته، ونمست الرجل ونامسته ساررته، واتفقوا على أن جبريل ﵇ يسمى الناموس واتفقوا على أنه المراد هنا، وعبارة المفهم هنا وقول ورقة (هذا الناموس) قال أبو عبيد في مصنفه: هو جبريل ﵇، وقال الهروي: وسمي جبريل ناموسًا لأن الله تعالى خصه بالوحي وعلم الغيب، وقال المطرز: قال ابن الأعرابي: لم يات في الكلام فاعول لام الكلمة سين إلا الناموس وهو صاحب سر الخير، والجاسوس وهو صاحب سر الشر، والجاروس وهو الكثير الأكل، والفاعوس وهو الحية، والبابوس وهو الصبي الرضيع، والراموس وهو القبر، والقاموس وهو وسط البحر، والقابوس وهو الجميل الوجه، والفاطوس وهو دابة يتشاءم بها، والفانوس وهو النمام، والجاموس ضرب من البقر ليس له سنام، قال ابن دريد في "الجمهرة" جاموس أعجمي وقد تكلمت به العرب، وقال غيره الحاسوس بالحاء المهملة من تحسسه بمعنى الجاسوس، وقال ابن دريد: الكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس موضع الصائد وناموس الرجل موضع سره وفي الحديث (ناعوس البحر) وسيأتي إن شاء الله تعالى. اهـ أي هذا الذي تراه هو الناموس (الذي أنزل) على صيغة المجهول (على موسى) بن عمران (﵇) أي الذي أنزله الله تعالى بالوحي على موسى ﵇ وإنما خص موسى بالذكر دون عيسى مع كونه أقرب ومع كونه تنصر ليسأل عن ذلك أهل العلم بالتوراة فيوافقونه عليه ويصدقون ورقة فتقوم له الحجة في فتواه بخلاف النصارى فإنهم إنما يعلمون لعيسى الألوهية لا النبوة ولأن نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوته وفي رواية الزبير بن بكار بلفظ عيسى. (يا ليتني فيها) أي يا محمد أو يا هؤلاء أو يا قوم أتمنى أن أكون موجودًا فيها أي في أيام نبوتك وبعثتك حالة كوني (جذعًا) بفتح الجيم وسكون الذال المعجمة أي شابًّا قويًّا حتى أبالغ في نصرك وجعل أبوالبقاء المنادى محذوفًا أي يا محمد وتعقب بان قالْل ليتني قد يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم ﴿يَاليتَنِي مِتُّ﴾ وأجيب بأنه قد يجوز

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يجرد من نفسه نفسًا فيخاطبها فكأن مريم قالت يا نفسي ليتني مت وتقديره هنا يا محمد ليتني أن أكون موجودًا في أيام دعوتك إلى التوحيد حالة [كوني] جذعًا أي شابًّا قويًّا لأنصرك نصرًا مؤزرًا على من عاداك والجذع هو الصغير من البهائم واستعير للإنسان أي يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوتك حتى أقوى على المبالغة في نصرتك. اهـ ق قال القرطبي: قوله (يا ليتني فيها جذعًا) الضمير في (فيها) عائد على النبوة أي في أيام نبوتك تمنى نصرته في مدة نبوته و (جذعًا) كذا صحت الرواية بالنصب فيه وعند ابن ماهان (جذع) بالرفع على أنه خبر (ليت) وكذا هو في "البخاري" ونصبه على أحد ثلاثة أوجه: (أولها) على أنه خبر كان مقدرة أي يا ليتني أكون فيها جذعًا وهذا على رأي الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ﴾ أي يكون خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن (خيرًا) إنما انتصب بإضمار فعل دل عليه انتهوا، والتقدير انتهوا وافعلوا خيرًا، وقال الفراء: هو نعت لمصدر محذوف تقديره انتهوا انتهاء خيرًا لكم. و(ثانيها) أنه حال وخبر ليت متعلق الجار والمجرور في (فيها) فيكون التقدير ليتني كائن فيها أي في مدة النبوة حالة كوني جذعًا. و(ثالثها) أن يكون ليت أعملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قاله الكوفيون وأنشدوا عليه: يا ليت أيام الصبا رواجعا وهذا فيه نظر. اهـ وخص الجذع دون ما فوقه حرصًا على نمو قوته حتى يحضر معه جميع خطوبه والجذع هنا استعارة أو تشبيه بليغ فكأنه يقول: ليتني أكون شابًّا، فحذف الشاب واستعار له لفظ الجذع وهو من استعارة محسوس لمحسوس والجامع عقلي إذ المراد ما يترتب عليهما في الكفاية والإغناء وعبر بعضهم عن هذا الجامع بالقوة على النصرة وبعضهم جعله تشبيهًا وجعل وجه الشبه الأولية أي يا ليتني أن أكون أول من يجيبك ويؤمن كالجذع الذي هو أول الأسنان ولا خفاء بما فيه من الضعف. اهـ سنوسي. (فإن قلت) كيف تمنى ورقة مستحيلًا وهو عود الشباب (أجيب) بأنه يسوغ تمني

стр. 1616

يَا لَيتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ــ المستحيل إذا كان في فعل خير أو بأن التمني ليس مقصودًا على بابه بل المراد به التنبيه على صحة ما أخبره به والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به أو قاله على سبيل التحسر لتحققه عدم عود الشباب. اهـ ق. (يا ليتني) أي يا محمد أتمنى أن (أكون حيًّا) لأنصرك على من عاداك (إذ يخرجك قومك) قريش من مكة، واستعمل إذ التي للمضي في المستقبل كإذا على حد قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ تنزيلًا له منزلته لتحقق وقوعه (قال رسول الله ﷺ أو) بفتح الواو لأن الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو عاطفة ما بعدها على قوله (حين يخرجك قومك) على مذهب الجمهور وعلى مقدر على مذهب الزمخشري (مخرجي هم) بتشديد الياء مفتوحة لأن أصله مخرجوني جمع مخرج من الإخراج فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت ثم أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة وفتحت ياء مخرجي تخفيفًا لئلا يجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين، وهم مبتدأ خبره مخرجي مقدمًا ولا يجوز العكس لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة لأن إضافة مخرجي غير محضة لأنها لفظية لأنه اسم فاعل بمعنى الاستقبال والهمزة للاستفهام الإنكاري لأنه استبعد إخراجه عن الوطن لا سيما حرم الله وبلد أبيه إسماعيل ﵇ من غير سبب يقتضي ذلك فإنه ﷺ كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه وإنزاله منهم محل الروح من الجسد. (فإن قلت) الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف نحو قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ و ﴿فَأَينَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ وحينئذ ينبغي أن يقول هنا: (وأمخرجي هم) لأن العاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف به. (أجيب) بأن الهمزة خصت بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام وهو له الصدر نحو ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ و ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وقال الزمخشري وجماعة: إن الهمزة في محلها الأصلي وإن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، والتقدير أمعادي هم ومخرجي هم وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر بل مذهب الزمخشري ومن

стр. 1617

قَال وَرَقَةُ: نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَومُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا" ــ معه أوضح في المعنى في مثل هذا المقام كما جرينا عليه وبيناه في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان". (فإن قلت) على مذهب الجمهور كيف عطف قوله (أو مخرجي هم) وهو إنشاء على قول ورقة (إذ يخرجك قومك) وهو خبر، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز وأيضًا فهو عطف جملة على جملة والمتكلم مختلف. (أجيب) بأن القول بأن عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنما هو رأي أهل البيان، والأصح عند أهل العربية جوازه وأما أهل البيان فيقدرون في مثل ذلك جملة بين الهمزة والواو وهي المعطوف عليها فالتركيب سائغ عند الفريقين، أما المجوزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضح وأما المانعون فعلى التقدير المذكور، وقال بعضهم: يصح أن تكون جملة الاستفهام معطوفة على جملة التمني في قوله (ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك) بل هذا هو الظاهر فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا آخرها الذي هو ظرف متعلق بها، والتمني إنشاء فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأما العطف على جملة في كلام الغير فسائغ معروف في القرآن العظيم والكلام الفصيح قال تعالي: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ والله سبحانه وتعالي أعلم. اهـ ق. (قال ورقة نعم) أي هم يخرجونك (لم يأت رجل قط) أي لم يأت نبي من الأنبياء في زمن من الأزمنة السابقة (بمثل ما جئت به) من الوحي (إلا عودي) أي إلا عاداه الناس وآذوه لأن الإخراج من المألوف موجب لذلك (وإن يدركني) بالجزم بإن الشرطية (يومك) بالرفع فاعل يدركني أي يوم ظهورك وانتشار نبوتك (أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا) بالنصب على المصدرية (مؤزرًا) بضم الميم وفتح الزاي المشددة آخره راء مهملة مهموزًا أي قويًّا بليغًا مأخوذ من الأزر وهو القوة قال تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ [طه: ٣١] ومنه تأزر النبت إذا اشتد وقوي، ولما كان ورقة سابقًا واليوم متأخرًا أسند الإدراك لليوم لأن المتأخر هو الذي يدرك السابق وهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصحبة له نظر لكن في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق (فقال له ورقة:

стр. 1618

٣٠٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَندُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. قَال: قَال الزُّهْرِيُّ: وأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ ــ أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل ... ) الحديث، وفي آخره فلما توفي قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني"، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه في الدلائل وقال: إنه منقطع، ومال البلقيني إلى أنه يكون بذلك أول من أسلم من الرجال وبه قال العراقي في نكته على ابن الصلاح، وذكره ابن منده في الصحابة. اهـ ق. وهذا الحديث -أعني حديث عائشة رضي الله تعالى عنها- شارك المؤلف في روايته أحمد (٦/ ١٥٣ و ٢٣٢) والبخاري (٣) والترمذي (٣٦٣٦) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: (٣٠٧) - (٠٠) (٠٠) وحدثني محمد بن رافع) القشيري مولاهم أبو عبد الله النيسابوري، ثقة من (١١) مات سنة (٢٤٥) روى عنه في (١١) بابًا تقريبًا، قال محمد بن رافع (حدثنا عبد الرزاق) ابن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ من (٩) مات سنة (٢١١) روى عنه في (٧) أبواب، قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري ثقة ثبت من (٧) مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا (قال) معمر (قال) محمد بن مسلم (الزهري) أبو بكر المدني ثقة متقن من (٤) مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابًا تقريبًا (وأخبرني عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله المدني ثقة من (٢) مات سنة (٩٤) روى عنه في (٢٠) بابا تقريبًا (عن عائشة) الصديقة أم المؤمنين أم عبد الله زوج رسول الله ﷺ المدنية، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري وفيه رواية تابعي عن تابعي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معمر ليونس بن يزيد الأيلي في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن معمرًا ثقة ثبت ويونس بن يزيد له أوهام وأخطاء وإن كان ثقة، وقوله في هذا السند (أخبرنا معمر قال: قال الزهري وأخبرني عروة) قال النووي: هكذا في جميع الأصول: (وأخبرني عروة) بالواو وهو الصحيح، والقائل (وأخبرني) هو

стр. 1619

أَنَّهَا قَالتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَوَاللهِ لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا. وَقَال: قَالتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. ٣٠٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيبِ بْنِ اللَّيثِ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي ــ الزهري، وفي هذه الواو فائدة لطيفة قدمناها في مواضع وهي: أن معمرًا سمع من الزهري أحاديث قال الزهري فيها: أخبرني عروة بكذا وأخبرني عروة بكذا إلى آخرها فإذا أراد معمر رواية غير الأول قال: قال الزهري وأخبرني عروة بالواو ليكون راويًا كما سمع وهذا من الاحتياط والتحقيق والمحافظة على الألفاظ والتحري فيها والله أعلم. انتهى (أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من) جنس (الوحي ... وساق) معمر (الحديث بمثل حديث يونس) بن يزيد وشبهه لفظًا ومعنى إلا ما استثنى منه بقوله (غير أنه) أي لكن أن معمرًا (قال) في روايته (فوالله لا يحزنك الله أبدًا) بضم الياء وسكون الحاء وكسر الزاي أي لا يوقعك الله سبحانه في الحزن والهم في جميع الأزمنة المستقبلة (و) غير أنه (قال) أي معمر في روايته (قالت خديجة أي ابن عم اسمع من ابن أخيك) ما يقول من عجائب ما رأى، وفي هذه الرواية إبدال الحاء المهملة من الخاء المعجمة والنون من الياء في قوله (لا يحزنك) بدل لا يخزيك والحزن لازم يتعدى بالحرف كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ ويتعدى بالهمزة كقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ وضبط بالوجهين هنا كما مر، وزيادة (ابن) على (عم) في قوله (أي ابن عم) والكلام هنا على حقيقته فلم يتابعه في هذا اللفظ فإن قول خديجة في رواية يونس (أي عم اسمع) كما مر ففيه مجاز على هذه الرواية، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (٣٠٨) - (٠٠) (٠٠) وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي مولاهم أبو عبد الله المصري ثقة من (١١) مات سنة (٢٤٨) روى عنه في الإيمان والفتن وغيرهما عن أبيه (قال) عبد الملك (حدثني أبي) شعيب بن الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم من قيس عيلان أبو عبد الملك المصري روى عن أبيه في الإيمان وغيره ويروي عنه (م د س) وابنه عبد الملك ثقة من (١٠) مات سنة (١٩٩) روى

стр. 1620

عَنْ جَدِّي، قَال: حَدَّثَنِي عُقَيلُ بْنُ خَالِدٍ، قَال ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيرِ يَقُولُ: قَالتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّل حَدِيثِهِمَا. مِنْ قَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ ــ عنه في الإيمان وغيره (عن جدي) ليث بن سعد بن ضبد الرحمن الفهمي مولاهم أبي الحارث المصري ثقة ثبت من (٧) مات سنة (١٧٥) روى عنه في (١٥) بابًا تقريبًا (قال) ليث بن سعد (حدثني عُقيل) بضم العين (بن خالد) القرشي الأموي مولاهم مولى عثمان بن عفان أبو خالد المصري سكن المدينة ثم الشام ثم مصر، قال أبو حاتم: هو أثبت من معمر ثقة ثبت من (٦) مات سنة (١٤٤) على الصحيح روى عنه في الإيمان والصلاة وغيرهما، أنه قال (قال) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري أبو بكر المدني (سمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة زوج النبي ﷺ : فرجع) رسول الله ﷺ من حراء (إلى خديجة) حالة كونه (يرجف) ويرتعد (فؤاده) وقلبه أي حالة كونه في رجوعه ووصوله إلى أهله يخفق قلبه ويضطرب من شدة الخوف ووحشة رؤية ما لم يعهد والمشقة التي نالته مع ذلك من الضغط والتكليف بقراءة ما ليس معه ولولا تثبيت الله سبحانه إياه لما اقتصر الأمر في ذلك على مجرد اضطراب القلب وخفقانه اللازم للفزع غالبًا، والسبب في هذا الرجف أن الفزع يذهب بحرارة البدن الباطنة وتفر أمامه متفرقة إلى مسام صحة الظاهر فيعقبها البرد فتأتي الرعدة فطلب صلوات الله وسلامه عليه التدثر ليتدفأ فترجع إليه الحرارة أو كأنه لقرب رؤية ما أفزعه مشاهد له في الحال يتصوره وشأن الإنسان عند رؤية ما يفزع تغميض عينيه وتغطية رأسه وبدنه غيبة من ذلك المحسوس. اهـ سنوسي. وهذا بدل ما قال في رواية يونس من قوله (فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره) وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وأربعة مصريون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عقيل بن خالد ليونس ومعمر في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة تقوية السندين الأولين لأن عقيلًا أثبت منهما، قال ليث بن سعد (واقتص) عقيل بن خالد وذكر (الحديث) السابق (بمثل حديث يونس ومعمر) أي حالة كونه مماثلًا لحديثهما في اللفظ والمعنى إلا فيما استثنى بقوله (و) لكن (لم يذكر) عقيل بن خالد (أول حديثهما) أي أول حديث يونس ومعمر (من قوله) أي من قول الراوي (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله

стр. 1621

عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ. وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. ٣٠٩ - (١٥٢) (٧٥) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَال: قَال ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيَّ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ــ عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة وتابع) عقيل بن خالد (يونس) بن يزيد أي وافقه (على) رواية (قوله) أي قول الراوي (فوالله لا يخزيك الله أبدًا) بالخاء المعجمة والياء التحتانية (وذكر) عقيل أيضًا (قول خديجة) لورقة (أي ابن عم اسمع من ابن أخيك) بزيادة لفظ (ابن عم) فخالف في هذا يونس ووافق معمرًا، والله أعلم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٠٩) - (١٥٢) (٧٥) (وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح الأموي مولاهم الفقيه المصري ثقة من (١٠) مات سنة (٢٥٠) روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، قال أبو الطاهر (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة من (٩) مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (حدثني يونس) بن يزيد الأيلي أبو يزيد الأموي مولاهم ثقة إلا أن في روايته وهمًا وخطأ من (٧) مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب (قال) يونس بن يزيد (قال) لنا محمد بن مسلم بن عبيد الله (بن شهاب) الزهري أبو بكر المدني ثقة متقن من (٤) مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابًا تقريبًا (أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه كثير الحديث من (٣) مات سنة (٩٤) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا (أن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام (الأنصاري) السلمي بفتحتين أبا عبد الرحمن المدني له (١٥٤٠) حديثًا، الصحابي بن الصحابي مات سنة (٧٨) روى عنه في (١٦) بابا، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، وفيه رواية تابعي عن تابعي (وكان) جابر بن عبد الله (من) أشهر (أصحاب رسول الله ﷺ وأكثرهم حفظًا للحديث وعلى هذا التقدير فلا إشكال لأنه بين شهرته وأكثريته حفظًا للحديث، وقيل إنما ذكر الراوي ذلك لأنه حدث حديثه

стр. 1622

كَانَ يُحَدِّثُ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي (قَال فِي حَدِيثِهِ) "فَبَينَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، ــ لمن هو أصغر منه وخاف عليه لصغر سنه أن لا يعرف كون جابر صحابيًّا ثم استمر التحديث بذلك إلى الآن، قال الأبي: وكان منهم من يقول إنما قال ذلك للتنبيه على عِظَمِ ما يلقيه بعد. اهـ قال النواوي: قوله (أن جابر بن عبد الله الأنصاري وكان من أصحاب النبي ﷺ هذا نوع مما يتكرر في الحديث ينبغي التنبيه عليه وهو أنه قال عن جابر وكان من أصحاب النبي ﷺ ومعلوم أن جابر بن عبد الله الأنصاري من مشهوري الصحابة أشد شهرة بل هو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ ، وجوابه أن بعض الرواة خاطب به من يتوهم أنه يخفى عليه كونه صحابيًّا فبينه إزالة للوهم واستمرت الرواية به، فإن قيل فهؤلاء الرواة في هذا الإسناد أئمة جلة فكيف يتوهم خفاء صحبة جابر في حقهم؟ فالجواب: أن بيان هذا لبعضهم كان في حالة صغره قبل تمكنه ومعرفته، ثم رواه عند كماله كما سمعه وهذا الذي ذكرته في جابر يتكرر مثله في كثيرين من الصحابة وجواب ذلك كله ما ذكرته، والله أعلم. اهـ وهذه الجملة -أعني جملة قوله (وكان من أصحاب رسول الله ﷺ - معترضة بين أن وخبرها وهو قوله كان يحدث) أي أن جابرًا كان يحدث عن رسول الله ﷺ حديثًا في بدئ الوحي إليه (قال) جابر (قال رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (يحدث عن فترة الوحي) إليه أي عن احتباس الوحي عنه وعدم تتابعه وتواليه في النزول، وجملة قوله (قال) رسول الله ﷺ (في حديثه) عن فترة الوحي (فبينا أنا أمشي) في زقاق مكة (سمعت صوتًا من) جهة (السماء فرفعت رأسي) إلى السماء لأنظر صاحب الصوت بدل من جملة (قال) الأول. قوله (عن فترة الوحي) وفترة الوحي احتباسه، قال الأبي: لم يقع في الحديث بيان كم فتر، وفي بعض الأحاديث أنه فتر سنتين ونصفًا، واختلف في إقامته بمكة بعد البعثة فروى ابن عباس ثلاث عشرة سنة وروى غيره عشرًا، قيل: ويجمع بين القولين بأن من اعتد بزمن الرؤيا وزمن فترة الوحي قال: ثلاث عشرة سنة، ومن لم يعتد بذلك قال:

стр. 1623

فَإِذَا الْمَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ ــ عشرًا، وفي بعض الأحاديث أنه لما فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال يهم أن يلقي نفسه منها فكان جبريل يتراءى له فيقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. اهـ قوله (فبينا أنا أمشي) قال السنوسي: (بين) في أصلها ظرف مكان يتخلل بين شيئين أو أشياء تحقيقًا أو تقديرًا ثم زيدت عليها الألف كما هنا أو (ما) نحو (بينما) فصارت ظرف زمان وكانت قبل اتصالها بهما تضاف إلى مفرد وبعده تضاف إلى جملة اسمية وكأنهما كفّاها عن عملها في المفرد الذي كانت تضاف إليه وقيل: (بينا) و (بينما) أصلان لأنفسهما وتقع بعدهما (إذا) كما هنا وتركها معهما أقيس وأكثر وأفصح، و (إذا) بعدهما يحتمل أن تكون للمفاجأة فيختلف فيها بالحرفية والظرفية الزمانية أو المكانية كالخلاف في (إذ) حيث تأتي للمفاجأة، وقيل (إذا) زائدة والعامل في (بينا) و (بينما) ما بعد (إذا) من فعل، وعلى القول بعدم زيادتها فالعامل فيهما فعل يدل عليه الفعل الذي بعد (إذا) وقيل ما يفهم من الكلام و (إذا) بدل منهما. واختلف أيضًا في العامل فيهما إن لم تكن (إذا) فقيل الفعل بعدهما وقيل معنى الجملة، ومن النحويين من زعم أنهما بعد زيادة الألف و (ما) تضافان إلى زمن مفرد مقدر فالتقدير في نحو بينا زيد قائم جاء عمرو بينا أوقات زيد قائم. وتقدير المعنى في الحديث على الجادة سمعت بين خلال مشيي صوتًا حين سمعت صوتًا من السماء أي من جهتها ولا يخفى تقديره على بقية الأقوال. والصوت الذي سمعه من جهة السماء هو نداء الملك إياه يا رسول الله أو يا محمد أو نحوه، وفاء (فرفعت) للتعقيب والتسبيب وفاء (فإذا) للتعقيب خاصة وهي عاطفة للجملة الاسمية على الفعلية وقيل زائدة لازمة وقيل كالتي في جواب الشرط و (إذا) للمفاجاة وفيها الخلاف السابق، قال بعض الشيوخ: ومن يراها حرفًا أظنه يجعلها مؤكدة لمعنى الفاء ولا يظهر لها غيره ونقله ابن مالك عن الأخفش ومعنى المفاجأة وقوع الأمر بالحضرة أول كل شيء وهذا معنى فاء التعقيب بلا مزيد والمعنى ففي أثناء أوقات مشيي في زقاق مكة فاجأني سماع صوت فرفعت رأسي أي بصري إلى السماء كما هو رواية البخاري (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) حاضر، والفاء في (فإذا) عاطفة و (إذا) فجائية نحو قولهم (خرجت فإذا الأسد بالباب) والملك مبتدأ والموصول صفته وخبر المبتدأ محذوف تقديره

стр. 1624

جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ بَينَ السَّمَاءِ والأَرْضِ" قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، ــ شاهد وقوله (جالسًا) بالنصب حال من الضمير المستكن في الخبر المحذوف وبالرفع خبر المبتدأ كما هو رواية البخاري، والتقدير فإذا الملك الذي جاءني بحراء شاهد أو حاضر حالة كونه جالسًا (على كرسي) بضم الكاف وقد تكسر، موضوع (بين السماء والأرض) ظرف في محل جر صفة لكرسي، والمعنى فرفعت بصري ففاجأني رؤية الملك الذي جاءني بحراء حالة كونه جالسًا على كرسي موضوع بين السماء والأرض، وفي قوله (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) دليل على صحة القول بأن (اقرأ) أول ما نزل ثم المدثر ولما لم يذكر هاتين الجملتين في التفسير من حديث ابن شهاب بل اقتصر على حديثه عن جابر قال من قال بحسب ما هناك إن المدثر أول ما نزل. وفي جلوس الملك على الكرسي لا سيما وهو مرتفع بين السماء والأرض بحيث لا يحتاج إلى ارتفاع على الكرسي دليل على جلوس العلماء للتعليم على الكرسي ليستمع الناس وليكونوا على السواء في مواجهته والأخذ عنه لا سيما إن كثروا، ومن ثم شرع المنبر في الجمع والأعياد ومحل الخطب، والملك وإن كان مستغنيًا عن الكرسي بإمكان ثبوته دونه في الهواء كما ثبت معه فيه لكنه تعليم وإشارة إلى التزام المعلم التؤدة والوقار والهيئة الحسنة كما كان مالك رحمه الله تعالى يلتزم الجلوس على المنصة حين يجلس للتحديث متجملًا متطيبًا، وإشارة إلى التحريض على التزام العلم فإنه يوصل صاحبه إلى المراقي العلمية من الكراسي والمنابر ونحوها في الدنيا والآخرة أي إن صبرت على مشاق التعلم من غيرك ارتفعت إلى مثل هذا المقام لتعلم غيرك. ومثل هذا الاستدلال ما في الجمعة من صحيح مسلم عن أبي رفاعة قلت للنبي ﷺ وهو يخطب؛ رجل غريب يسأل عن دينه فأقبل علي وأتي بكرسي حسبت قوائمه من حديد فقعد عليه يعلمني ثم أتى خطبته. اهـ سنوسي. (قال رسول الله ﷺ فجُئِثْث) بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير أي فزعت وخفت (منه) أي من الملك (فرقًا) أي خوفًا فهو مفعول مطلق معنوي لـ (جئثت) أي فزعت منه فزعًا وخفت منه خوفًا، وستأتي رواية (جثثت) بجيم ومثلثتين بمعناه وفي نسخة (فحثثت) بحاء مهملة وثاءين ومعناه أسرعت،

стр. 1625

فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" فَدَثَّرُونِي. فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ــ وفي رواية البخاري (فرعبت منه) بضم الراء وكسر العين المهملة مبنيًّا للمفعول، وللأصيلي (فرعبت) بفتح الراء وضم العين أي فزعت من الملك (فرجعت) إلى أهلي بسبب الرعب والفزع منه (فقلت) لهم (زملوني زملوني) بالتكرار مرتين أي لفوني بالثياب (فدثروني) بصيغة الماضي أي لفوني بالثياب لتزول عني الرعدة والفزع، والتزميل والتدثير بمعنى واحد وهو التلفيف. (فأنزل الله) سبحانه (تبارك) أي تزايد خيره وآلاؤه (وتعالى) أي ترفع عما لا يليق به من سمات النقص ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] إيناسًا له وتلطفًا به والتدثير والتزميل بمعنى واحد، ودل هذا الحديث على أن السورة مكية وأن هذا سبب نزولها والمعنى يا أيها المدثر بثيابه، وعن عكرمة: أي المدثر بالنبوة وأعبائها. قال السهيلي: قال بعض أهل العلم في تسميته ﷺ بالمدثر في هذا المقام ملاطفة وتأنيس، ومن عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو فيها كقوله ﷺ لحذيفة ﵁: "قم يا نومان" ولعلي ﵁ وقد ترب جنبه: "قم أبا تراب" ولو ناداه سبحانه في حالة كربه هذه باسمه أو بالأمر المجرد عن هذه الملاطفة لهاله ذلك، ولكن لما بدأ بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أنس وعلم أن ربه راض عنه، ألا تراه كيف قال عندما لقي من أهل الطائف من شدة البلاء والكرب ما لقي "رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" إلى آخر الدعاء فكان مطلوبه ﷺ رضا ربه وبه كانت تهون عليه الشدائد. اهـ. (﴿قُمْ﴾) أي من اضطجاعك مدثرًا أو من نومك (﴿فَأَنْذِرْ﴾) أي حذر وخوف من العذاب من لم يؤمن بك أو بادر بإنذار قومك أو الناس أو الثقلين أجمعين لأنه بعث إلى الجميع وهو أولى، ولهذا لم يعلق بمفعول فيعم وإلا لزم التحكم أو ينزل منزلة اللازم أي أوجد الإنذار أو حذر من كذَّبَك أن ينزل عليهم من عذاب الله ووقائعه مثل ما نزل بمن كذب الرسل من قبلك، ودلت على المبادرة بالإنذار الفاء العاطفة على (قم) لأنها للتعقيب واقتصر على الإنذار لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ

стр. 1626

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٣ - ٥] وَهِيَ الأوثَانُ قَال: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ. ٣١٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيبٍ بْنِ اللَّيثِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، ــ ذاك من دخل فيه. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾) أي واخصص ربك الذي خلقك وأمرك أن تقرأ باسمه وعلم الإنسان بالقلم ما لم يكن يعلم بالتكبير والتعظيم ولا يكبر عليك أمر من يخالفك من المخلوقين فإن جميعهم مربوب في قبضة ربك وربهم فهو الذي يكفيك أمرهم وينصرك عليهم، ودل على تخصيصه بالتكبير تقديمه على عامله وإدخال الفاء عليه التي تعطي فاء جواب الشرط وهو هنا شرط عام غير مخصوص بشيء بل عام في جميع الأحوال، يدل على أمره بالتزام ذلك في جميعها قال الزمخشري: كأنه قيل مهما يكن من شيء فلا تدع تكبيره يعني أي شيء وقع أو كنت فيه وقيل الفاء زائدة (﴿وَثِيَابَكَ﴾) أي لباسك (﴿فَطَهِّرْ﴾) من الأوساخ والنجاسات لتصلي فيها (﴿وَالرُّجْزَ﴾) أي وعبادة الرجز والأصنام (﴿فَاهْجُرْ﴾) أي فابتعد منها وفسر أبو سلمة الرّجز بقوله (وهي) أي الرجز (الأوثان) أي الأصنام. (قال) رسول الله ﷺ (ثم) بعد نزول هذه الآيات (تتابع الوحي) أي تواتر وتوالى وكثر نزول الوحي، ومقصد هذه السورة أمره ﷺ بإنذار الخلق عذاب الله إن عبدوا غيره أو عصوه فيما أمرهم به من الاعتراف بوحدانيته وعباداته، وبراعة مطلعها نص في ذلك ووسطها وآخرها مناسب لذلك متصل بعضه ببعض حتى قيل إن (نذيرًا للبشر) حال من فاعل (قم)، وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري في مواضع كثيرة في بدء الخلق وفي التفسير والترمذي في التفسير والنسائي في التفسير في الكبرى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣١٠) - (٠٠) (٠٠) وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي المصري ثقة من (١١) مات سنة (٢٤٨) (قال) عبد الملك (حدثني أبي) شعيب بن الليث الفهمي المصري مولاهم ثقة من (١٠) مات سنة (١٩٩) (عن جدي) ليث بن سعد

стр. 1627

قَال: حَدَّثَنِي عُقْيَلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمْنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً. فَبَينَا أَنَا أَمْشِي". ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ غَيرَ أَنهُ قَال: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الأَرْضِ" قَال: ــ الفهمي مولاهم أصله من قيس عيلان أبي الحارث المصري ثقة من (٧) مات سنة (١٧٥) (قال) ليث بن سعد (حدثني عقيل بن خالد) القرشي الأموي مولاهم أبو خالد المصري ثقة ثبت من (٦) مات سنة (١٤٤) (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله (ابن شهاب) الزهري أبي بكر المدني (قال) ابن شهاب (سمعت أبا سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني حالة كون أبي سلمة (يقول أخبرني جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي (أنه) أي أن جابرًا (سمع رسول الله ﷺ وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عقيل بن خالد ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن عقيلًا أوثق من يونس مع بيان محل المخالفة بين الروايتين؛ أي أن جابرًا سمع كلام رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول ثم) بعد ما جاءني الملك بحراء (فتر) أي حبس وانقطع (الوحي) أي نزوله (عني فترة) أي مدة سنتين أو ثلاث (فبينا أنا أمشي) أي فبين أوقات مشيي في زقاق مكة (ثم) بعد هذه الكلمات (ذكر) عقيل بن خالد (مثل حديث يونس) بن يزيد لفظًا ومعنى ثم استثنى من المماثلة بقوله (غير أنه) أي غير أن عقيل بن خالد (قال) في روايته (فجثثت) أي فزعت (منه) أي من الملك (فرقًا) أي خوفًا بمثلثتين بعد جيم مضمومة بخلاف رواية يونس فإنها بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم مثلثة ساكنة كما تقدم ومعناهما واحد (حتى هويت) وسقطت (إلى الأرض) بفتح الواو من هويت لأنه من باب رميت، وكسر الواو فيه غلط كما وقع في بعض النسخ، هوى إلى الأرض وأهوى إليها لغتان أي سقط، وقال الإمام المازري: صوابه أهويت بالألف، قال القاضي: هو الأصح الأشهر، وقيل هوى سقط من قرب وأهوى سقط من بعد وقيل هوى سقط بنفسه وأهوى أسقطه غيره ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ أي سقط وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ أي أسقطها جبريل ﵇ بعد أن رفعها إلى السماء (قال) عقيل في روايته.

стр. 1628

وَقَال أَبُو سَلَمَةَ: وَ (الرُّجْزُ) الأَوْثَانُ. قَال: ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ بَعْدُ، وَتَتَابَعَ. ٣١١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ ــ (وقال أبو سلمة والرجز الأوثان) أي الأصنام فصرح عقيل بأنه مدرج من كلام أبي سلمة بخلاف يونس فإنه لم يصرح بذلك كما مر. قال جابر (قال) النبي ﷺ (ثم) بعد نزول سورة المدثر (حمي الوحي) أي كثر نزوله وازداد، من قولهم حميت النار أو الشمس أي قويت حرارتها، وأما قوله (بعد) أي بعد نزول هذه السورة أو بعد الفترة المذكورة فهو تصريح بما علم من كلمة ثم (وتتابع) أي تواصل نزوله وتلاحق مرة بعد مرة وجَعْلُه تأسيسًا أولى من جعله تأكيدًا لـ (حمي) لأن الكثرة تحصل بمرة فلا تقتضي التلاحق والتواصل. قال السنوسي: (قوله ثم حمي الوحي) أي اشتد تتابعه فذكر التتابع معه تقوية للمعنى وتفسير له. (قلت) معنى حمي الوحي كثر نزوله بعد نزول المدثر واستعير الحمي الذي هو شدة حر الشمس أو التنور للكثرة كما يستعار لشدة القتال في قولهم: حمي الوطيس، والوطيس التنور، وكذلك للجد في الأمور لأن الكثير يقوى ويثقل حمله كحر النار فهو من استعارة معقول لمعقول والجامع كذلك (وتتابع) ويروى وتواتر أي توالى في النزول على حال كثرته ولم تكن كثرة منقطعة فهو من الاحتراس وليس بمعنى واحد كما أشعر به كلام بعضهم كعياض. اهـ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣١١) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري ثقة من (١١) مات سنة (٢٤٥) قال محمد (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني ثقة من (٩) مات سنة (٢١١) قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري ثقة من (٧) مات سنة (١٥٤) (عن) محمد بن مسلم (الزهري) أبي بكر المدني ثقة متقن من (٤) مات سنة (١٢٥) والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع والإشارة راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع، والتقدير أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد يعني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الزهري المدني عن جابر بن

стр. 1629

نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ وَقَال: فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ. (وَهِيَ الأوثَانُ) وَقَال: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ" كَمَا قَال عُقَيلٌ. ٣١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَال: ــ عبد الله الأنصاري المدني (نحو حديث يونس) بن يزيد عن الزهري أي نظيره في بعض الألفاظ وبعض المعاني، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة معمر ليونس في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول. (و) لكن (قال) معمر في روايته (فأنزل الله تبارك وتعالي ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وقوله (قبل أن تفرض الصلاة) الخمس، ظرف متعلق بـ (أنزل)، قال معمر أيضًا: قال أبو سلمة (و) الرجز (هي الأوثان وقال) معمر أيضًا (فجثثت منه) بمثلثتين (كما قال عقيل) جثثت بمثلثتين والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثاني حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣١٢) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٠) بابا، قال زهير (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم ثقة من (٨) مات سنة (١٩٥) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا قال الوليد بن مسلم (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد أبو عمرو الشامي نسبة إلى الأوزاع قبيلة من حمير وقيل إلى الأوزاع قرية بدمشق العلم الفقيه ثقة من السابعة مات سنة (١٥٧) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا (قال) الأوزاعي (سمعت يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبا نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من (٥) مات سنة (١٣٢) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا حالة كون يحيى (يقول سألت أبا سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (أيُّ) سور (القرآن) وآياته (أنزل قبل) أي قبل غيره من السور (قال) أبو سلمة بن عبد الرحمن:

стр. 1630

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثرُ. فَقُلْتُ: أَو اقْرَأْ. فَقَال: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَال: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. فَقُلْتُ: أَو اقْرَأْ؟ قَال جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَال: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ ــ السورة التي أنزلت قبل غيرها سورة (يا أيها المدثر) قال يحيى (فقلت) لأبي سلمة (أو اقرأ) أي بل الذي أنزل أول هو سورة (اقرأ) (فقال) أبو سلمة (سألت جابر بن عبد الله) الأنصاري السلمي المدني (أيُّ) سور (القرآن أنزل قبل) أي قبل غيره، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد يمامي وواحد نسائي وواحد شامي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابع أقوى من المتابع فلا يصلح لتقويته، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سياق الحديث وبالزيادة. (قال) جابر إن الذي أنزل قبل هو قوله تعالى (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) وهذا ضعيف بل باطل والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق (اقرأ باسم ربك) كما صرح به في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأما (يا أيها المدثر) فكان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر والدلالة صريحة فيه في مواضع منها قوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر) ومنها قوله ﷺ : "فإذا الذي جاءني بحراء" فالصواب أن أول ما أنزل من القرآن على الإطلاق (اقرأ)، وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي (يا أيها المدثر) وبهذا يجمع بين القولين، وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل من القرآن الفاتحة فبطلانه أظهر من أن يذكر، والله أعلم. اهـ. نواوي. قال أبو سلمة (فقلت) لجابر (أو اقرأ) أي بل الأول اقرأ (قال جابر) رضي الله تعالى عنه أنا (أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وصلم) به في مقام بيان أول ما نزل من القرآن فاستمع مني (قال) رسول الله ﷺ (جاورت) أي اعتكفت ولبثت (بحراء) أي في غار حراء (شهرًا) واحدًا (فلما قضيت) وأتممت (جواري) أي مجاورتي واعتكافي في حراء (نزلت) من فوق جبل حراء (فاستبطنت بطن

стр. 1631

الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُم نُودِيتُ. فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ، يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ. فَأَتَيتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُوني فَدَثَّرُوني. فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً ــ الوادي) أي فصرت في بطن وادي مكة (فنوديت) من فوقي أي ناداني مناد لم أر شخصه بقوله يا محمد أو يا رسول الله (فنظرت) طلبًا لرؤية شخصه (أمامي) وقدامي (وخلفي) وورائي (وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدًا) من الناس (ثم نوديت) يا محمد مرة ثانية (فنظرت) جميع جهاتي (فلم أر أحدًا) من الناس أيضًا (ثم نوديت) مرة ثالثة (فرفعت رأسي) إلى جهة السماء (فإذا هو) أي الملك الذي جاءني بحراء جالس (على العرش) أي على الكرسي الموضوع (في الهواء) كما صرح به في الرواية الأخرى "على كرسي بين السماء والأرض" قال أهل اللغة: العرش هو السرير وقيل سرير الملك قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ و (الهواء) بالمد هنا، ويكتب بالألف هو الجو بين السماء والأرض كما صرح به في الرواية الأخرى والهواء أيضًا الخالي كقوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ وقوله (يعني) النبي ﷺ بالذي على العرش (جبريل ﵇) كلام مدرج من جابر أو ممن دونه (فأخذتني) أي فلما رأيته أصابتني (رجفة شديدة) أي رعدة شديدة وهزة واضطراب شديد، قال النواوي: هكذا هو في الرواية المشهورة (رجفة) بالراء، قال القاضي ورواه السمرقندي (وجفة) بالواو وهما صحيحان متقاربان ومعناهما الاضطراب. قال الأبي: ودلت هذه الأحاديث على أن للملائكة ﵈ صورًا مخصوصة بهم خلقوا عليها في الأصل كل منهم على ما خلق عليه وشكل، ثم إن الله سبحانه أقدرهم على التشكل بأي صورة شاؤوا من صورة بني آدم وغيرها لكن على صورة حسنة. اهـ (فأتيت) أهلي (خديجة) بنت خويلد رضي الله تعالى عنها (فقلت) لها (دثروني) بكسر المثلثة المشددة على صيغة الأمر مع ضمير الجمع تعظيمًا لأهله على عادة العرب أي لفوني بالثياب لتزول عني الرعدة (فدثروني) بفتحها على صيغة الماضي (فصبوا) بفتح الصاد المهملة على صيغة الماضي (علي) أي على جسدي (ماء) باردًا لتزول عني الحرارة

стр. 1632

فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾. ٣١٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، ــ فأفقت مما أصابني من الرجفة والحرارة، ففيه ينبغي أن يصب الماء على الفَزعِ ليسكن فزعه (فأنزل الله علي بلا مُهْلة قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أي المتلفف بثيابه (﴿قُمْ﴾) من نومك (﴿فَأَنْذِرْ﴾) أي خوِّف الناس كافة من عذاب الله تعالى إن لم يؤمنوا به (﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾) أي خص ربك بالتكبير والتعظيم (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾) أي نظفها من الأقذار لتصلي فيها لربك، فاستدل جابر ﵁ بهذا الحديث على أن هذه السورة أول ما نزل فيعارض حديث عائشة الدال على أن أول ما نزل من القرآن سورة (اقرأ) فيجمع بين الحديثين بأن أولية المدثر بالنظر إلى ما بعد الفترة وأولية اقرأ بالنظر إلى جميع القرآن، والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣١٣) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي بفتحتين أبو موسى البصري ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، قال محمد بن المثنى (حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي أبو محمد البخاري نزيل البصرة روى عن علي بن المبارك في الإيمان والأشربة وغيرهما، وشعبة في الجنائز وغيرها، وعيسى بن حفص بن عاصم في الحج، ويونس بن يزيد في البيوع، وداود بن قيس في الصيد، وكهمس بن الحسن في الذبائح، وأبي عامر الخزاز في حق الجار، وعزرة بن ثابت في الغدر، وإسرائيل في حديث الرحل، ويروي عنه (ع) ومحمد بن المثنى وزهير بن حرب وإسحاق الحنظلي وحجاج بن الشاعر وأبو داود سليمان بن معبد وأبو غسان المسمعي وغيرهم، وثقه ابن معين وابن سعد وأحمد، وقال العجلي ثقة ثبت في الحديث، قيل كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وقال في التقريب: ثقة من التاسعة مات سنة (٢٠٩) تسع ومائتين روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا كما بيناه آنفًا. قال عثمان بن عمر (أخبرنا علي بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون

стр. 1633

عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" ــ ممدودًا البصري روى عن يحيى بن أبي كثير في الإيمان والصلاة والزكاة والحج ويروي عنه (ع) وعثمان بن عمر وهارون بن إسماعيل الخزاز في الصلاة، ووكيع في الصلاة، ويحيى بن كثير في الزكاة وإسماعيل ابن علية وغيرهم، قال أبو داود: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به وقال ابن حبان: كان متقنًا ضابطًا، وقال في التقريب: ثقة من كبار السابعة، ووثقه ابن المديني وابن نمير والعجلي (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي من الخامسة، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع أي أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بهذا الإسناد يعني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر عن رسول الله ﷺ ، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد يمامي، وغرضه بسوقه بيان متابعة علي بن المبارك للأوزاعي في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة (و) لكن (قال) علي بن المبارك في روايته (فإذا هو) أي الملك الذي جاءني بحراء (جالس على عرش) وسرير موضوع (بين السماء والأرض) بدل قول الأوزاعي (فإذا هو على العرش في الهواء). وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان: الأول حديث عائشة ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه أربع متابعات، والله أعلم. ***

стр. 1634

٨٥ - (٤٤) بَابُ: الإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ في الإِسْلَامِ ــ ٨٥ - (٤٤) بَابُ: الإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ في الإِسْلَامِ أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث التي تبين بإسرائه ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالبراق مع جبرائيل وموكب من الملائكة ثم عروجه إلى السماوات السبع وفرض الصلوات الخمس التي هي أحد أركان الإسلام عليه وعلى أمته في تلك الليلة، وبهذا التقدير دخل هذا الباب تحت ترجمة كتاب الإيمان والله أعلم. والإسراء لغة: مصدر أسرى الرباعي وهو السير ليلًا خاصة، وشرعًا: سيره ﷺ ليلًا من مكة إلى بيت المقدس بالبراق ليعرج إلى السماوات من بيت المقدس لأن أبواب السماوات في حياله، قال الأبي: يقال في فعله سرى أو أسرى بمعنى، واتفق القراء على القراءة باسرى الرباعي، والمحدثون على الترجمة بالإسراء مصدره دون السرى مصدر الثلاثي، قال السهيلي: وإنما فعلوا ذلك لأن الثلاثي قاصر وتعدية القاصر بالباء تقتضي شركة الفاعل مفعوله في الفعل فإذا قلت: قعدت بزيد فالمعنى أنك قعدت معه وجذبته إلى الأرض، وتعديته بالهمزة لا تقتضي ذلك فإذا قلت: أقعدت زيدًا فالمعنى أنك جعلته يقعد بنفسه فلو وقعت القراءة والترجمة بالثلاثي المعدى بالباء لأوهم شركة الله عبده في السرى ويستحيل أن يشرك الله سبحانه عبده في السرى، والمفعول في الآية محذوف والتقدير أسرى البراقَ بعبده أي جعله يسري به وحذف لأن المقصود ذكر النبي ﷺ لا الدابة ولا يعترض بقوله تعالي: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأنه مجاز والمعنى أذهب الله بنورهم. اهـ قال النواوي: وقد لخص القاضي عياض رحمه الله تعالى في الإسراء جملًا حسنة نفيسة فقال: اختلف الناس في الإسراء برسول الله ﷺ فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم عامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده ﷺ والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل.

стр. 1635

٣١٤ - (١٥٣) (٧٦) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ــ وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك بقوله فقدم وأخر وزاد ونقص منها قوله (قبل أن يوحى إليه) وهو غلط لم يوافق عليه فإن الإسراء أقل ما قيل فيه إنه كان بعد مبعثه ﷺ بخمسة عشر شهرًا، وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهري: كان ذلك بعد مجثه ﷺ بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أسري به ﷺ وقد فشا الإسلام بمكة وفي القبائل وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق إذ لم يختلفوا أن خديجة رضي الله تعالى عنها صلت معه ﷺ بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة قيل بثلاث سنين وقيل بخمس، ومنها أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه وأما قوله في رواية شريك (وهو نائم) في الرواية الأخرى: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان"، فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه نائمًا في القصة كلها هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى، وهذا الذي قاله في رواية شريك وأن أهل العلم أنكروها قد قاله غيره. وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى رواية شريك هذه عن أنس في كتاب التوحيد من صحيحه وأتى بالحديث مطولًا، قال الحافظ عبد الحق رحمه الله تعالى في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بالفاظ غير معروفة وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث، قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعول عليها هذا كلام الحافظ عبد الحق رحمه الله تعالى. اهـ نووي. (٣١٤) - (١٥٣) (٧٦) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي أبو محمد الأبلي، قال أحمد: ثقة وقال في التقريب: صدوق يهم ورمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطر الناس إليه أخيرًا، من صغار التاسعة مات سنة (٢٣٦) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا، قال

стр. 1636

حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتْ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ ــ شيبان (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي مولاهم أبو سلمة البصري ثقة عابد أثبت الناس في ثابت من كبار الثامنة مات سنة (١٦٧) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا، قال حماد (حدثنا ثابت) بن أسلم بن موسى (البناني) مولاهم أبو محمد البصري ثقة عابد من الرابعة مات سنة (١٢٣) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري خادم رسول الله ﷺ أبي حمزة البصري مات بالبصرة سنة (٩٣) وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا شيبان بن فروخ فإنه أبلي بضمتين ثم لام مشددة مكسورة. أي حدثنا ثابت عن أنس بن مالك (أن رسول الله ﷺ قال أتيت) على صيغة المبني للمجهول وتاء المتكلم نائب فاعله (بالبراق) بضم الباء الموحدة اسم للدابة التي ركبها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء، قال الزبيدي وصاحب التحرير: هي دابة كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها وهذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح. قال الأبي: جاء في الحديث أنه لما أراد رسول الله ﷺ ركوبه شمس أي نفر فقال جبريل: ألا تستحي يا براق ما ركبك قبله أكرم على الله منه، قال ابن بطال في شرح البخاري: وإنما شمس لبعد عهده بالأنبياء ﵈ وطول الفترة بينه وبين عيسى ﵉ فهو على هذا واحد بالشخص اشترك في ركوبه الجميع، قال السنوسي وقال غيره: إنما شمس أي نفر نشاطًا وفرحًا بركوب رسول الله ﷺ عليه فصار يلعب يقبل ويدبر ولم يضبط نفسه من شدة الفرح، قال ابن دريد: واشتقاقه من البرق لسرعته، وقيل سمي بذلك لشدة صفائه وتلألئه وبريقه، وقيل غير ذلك، وفي صفة البراق أقوال أحسنها أن وجهه كوجه إنسان وصدره ياقوتة حمراء وظهره درة بيضاء وعليه رحل من رحال الجنة وله جناحان يطير بهما كالبرق. اهـ سنوسي. كذا قالوا والله أعلم بحقيقتها. أي أتاني جبريل ﵇ بالبراق من الجنة وقوله (وهو) أي البراق ذكره باعتبار

стр. 1637

دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَويلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) قَال: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيتُ بَيتَ الْمَقْدِسِ .. فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. قَال: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيتُ فِيهِ رَكْعَتَينِ، ــ المرجع (دابة أبيض) ذكر الوصف ولم يقل بيضاء اعتبارًا بمعنى البراق وكذا قوله (طويل) ولو نظر لفظ دابة لقال طويلة (فوق الحمار) في الكبر (ودون البغل) في الصغر (يضع حافره) أي طرف رجله الذي هو بمنزلة قدم الإنسان في الدابة (عند منتهى طرفه) أي عند نهاية بصره والطرف بسكون الراء البصر يعني أنه سريع بعيد الخطو تفسير من النبي ﷺ أو من الراوي على طريق النقل. (قال) رسول الله ﷺ (فركبته) أي ركبت البراق ومشيت به (حتى أتيت بيت المقدس) بفتح الميم وسكون القاف وبضم الميم وفتح القاف وشد الدال لغتان مشهورتان فعلى التخفيف يحتمل أنه مصدر كالمرجع أي بيت القدس والطهر الذي قدس وطهر عن أن يعبد فيه الأصنام ويحتمل أنه اسم مكان أي بيت المكان الذي فيه التقديس أي الطهارة إما من الأصنام أو من الذنوب (فريطته) أي ربطت البراق وقيدته بالحبل، يقال ربط من باب ضرب يربط ربطًا (بالحلفة) أي بحلقة باب مسجد بيت المقدس قاله صاحب التحرير، والمشهور في الحلقة سكون اللام وحكى الجوهري فيها الفتح، وجمعها على السكون حلق بفتح الحاء وكسرها وعلى الفتح حلق وحلقات، وفي ربطه دليل على أن اتخاذ الأسباب والاحتياط في الأمور لا ينافي التوكل وقوله (التي) صفة للحلقة (يربط) بالياء التحتانية وفي نسخة (تربط) بالفوقية وكلاهما صحيح من حيث العربية على تأويل الجمع أو الجماعة وذكَر الضميرُ في قوله (به) مع عوده إلى الحلقة على تأويلها بالحديد والحلقة ما يدخل فيه الغلق أي فربطته بالحديد الذي يَربط به (الأنبياء) أي أنبياء الأمم السابقة دوابهم أو براقهم على ما قيل إذا جاؤوا مسجد بيت المقدس لزيارته. (قال) رسول الله ﷺ (ثم) بعد ربطها بالحلقة (دخلت المسجد) أي مسجد بيت المقدس (فصليت فيه) أي في المسجد (ركعتين) تحيته، قال الأبي: وفي السير أنه وجد فيه نفرًا من الأنبياء فصلى بهم، وفي الترمذي عن حذيفة أنه أنكر أن يكون صلى فيه، وقال: ما زايل ظهر البراق حتى رأى الجنة والنار وما وعده الله تعالى ثم رجع

стр. 1638

ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإنَاءٍ مِنْ خَمْرِ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاختَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَال جِبْرِيلُ ﵇: اخْتَرْتَ الْفِطرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَال: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ ــ إلى الأرض، وقال السهيلي: ثبتت رواية أنه صلى بهم عند الأكثر وهي مقدمة على رواية من نفى (ثم) بعد فراغي من صلاة ركعتين (خرجت) من المسجد (فجاءني جبريل ﵇ حين أخذني من العطش أشد ما أخذني (بإناء) مملوء (من خمر وإناء) مملوء (من لبن) شبه ضيافة القادم فخيرني بينهما (فاخترت اللبن) أي إناءه فاخذته، وقد جاء في بعض الروايات أنه خيره فاختار اللبن (فقال) لي (جبريل ﵇ اخترت الفطرة) أي الخلقة الأصلية وهي فطرة الإسلام أو الاستقامة أو الحنيفية، قال: وفسروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة ومعناه والله أعلم اخترت علامة الإسلام والاستقامة وجعل اللبن علامة عليها لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين سليم العاقبة، بخلاف الخمر فإنها أم الخبائث وجامعة لأنواع الشر في الحال والمآل، وقال القاضي: لما كان اللبن حلالًا والخمر حرامًا صوب جبريل إيثاره اللبن، وفيه نظر لأن هذه الخمر ليست بحرام لأنها إن كانت من خمر الجنة فواضح وإن كانت من خمر الدنيا فلم تكن حينئذ حرمت لأنها إنما حرمت عام خيبر والله أعلم (ثم) بعد ما اخترت اللبن وشربته (عرج) بفتح العين والراء من باب قعد أي صعد (بنا) جبريل ﵇ (إلى السماء) أي إلى سماء الدنيا، وتسمى برفيع مصغرًا وهي موج مكفوف، سميت بسماء الدنيا لدنوها وقربها إلى الأرض (فاستفتح) أي فطلب (جبريل) ﵇ فتح باب سماء الدنيا من خازنها بدقه (فقيل) له أي فقال خازن سماء الدنيا لجبريل (من أنت) أي من المستفتح للباب بدقه وفي قوله (فاستفتح) أن للسماء أبوابًا وبوابين يحفظونها حقيقة، وفيه مشروعية الاستئذان بدق الباب (قال) جبريل ﵇ للخازن أنا (جبريل) وفي قوله (أنا جبريل) بيان الأدب فيمن استأذن بدق الباب ونحوه فقيل له من أنت؟ فينبغي أن يقول: أنا زيد، مثلًا إذا كان اسمه زيدًا ولا يقول أنا لصحة النهي عن أن يقول أنا لما فيه من الإبهام فلا فائدة فيه (قيل) لجبريل (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد) ﷺ (قيل) لجبريل أ (وقد بعث إليه) أي إلى محمد ﷺ قال القاضي عياض: وفي

стр. 1639

قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَال: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ، فَفُتِحَ لَنَا، ــ قول الملك (أو قد بعث إليه؟ ) دليل على أن الملائكة ﵈ لا تعلم من الوحي المنزل إلا ما أعلموا بنزوله لأنه ﷺ أرسل إليه منذ مدة، وقيل معنى (أوبعث إليه) أي للعروج لأن إرساله كان مستفيضًا في السماء، وقيل إنهم كانوا يعلمون أنه يرسل وأما في أي وقت فلا، قال الأبي: قال السهيلي: يؤيد أنه للعروج تعدية الفعل بإلى وإلا لقيل أوبعث على أن في رواية أنس أن ملائكة سماء الدنيا قالوا: أوبعث ولم يثبت أنهم قالوه إلا في رواية أنس. اهـ قال النواوي: قول الملك (وقد بعث إليه) أي للإسراء وصعود السماوات وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة فهذا هو الصحيح والله أعلم. اهـ (قال) جبريل (قد بعث إليه ففتح لنا) الباب أي فتحه الخازن لأجلنا، قال الأبي: فتحه الباب دون استئذان من الرب سبحانه يدل على أنه قدم له الإذن في ذلك وإلا فمن وكل إليه حفظ باب لا يفتحه إلا بإذن (فـ) لما فتح لنا وعلونا السماء (إذا أنا) راء (بآدم) أبي البشر ﵇ (فـ) لما رآني آدم ﵇ (رحب بي) أي قال لي مرحبًا أي أصبت رحبًا لا ضيقًا وهي كلمة تقال عند تأنيس القادم (ودعا لي بخير) الدنيا والآخرة، ولقاؤه آدم ﵇ يدل على أنه لقي الأرواح إلا في عيسى ﵇ ويحتمل أنه لقي الأجساد (ثم عرج) وصعد (بنا) جبريل ﵇ من السماء الدنيا (إلى السماء الثانية) وتسمى بـ (أرفلون) وهي من مرمرة بيضاء، وما بين سماء الدنيا والأرض خمس مائة عام كما بين كل سماءين إلى السابعة، والإتيان بضمير الجمع في قوله (بنا) يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون ولعله كانا كلما عديا سماء تشيعهما الملائكة حتى يصلا سماء أخرى (فاستفتح جبريل ﵇) أي طلب فتح باب السماء الثانية من خازنها بدقه (فقيل) لجبريل (من أنت؟ ) الذي يدق الباب (قال) جبريل أنا (جبريل، قيل) له (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد) ﷺ (قيل) لجبريل أ (وقد بعث إليه) للعروج (قال) جبريل (قد بعث إليه) للعروج (ففتح لنا) باب السماء

стр. 1640

فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيرِ، ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. فَاستَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَال: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، ــ الثانية (فـ) لما علونا السماء الثانية (إذا أنا) راءٍ (بابني الخالة عيسى ابن مريم وبحيى بن زكرياء صلوات الله) تعالي وسلامه (عليهما) وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أي بابنين يقال لكل واحد منهما هو ابن خالة الآخر لأن أم مريم حنة بنت فاقوذا وأم يحيى إيشاع بنت فاقوذا وفي الحقيقة أم يحيى خالة لمريم لا لعيسى، قال الأزهري: قال ابن السكيت: يقال هما ابنا عم ولا يقال ابنا خال، ويقال هما ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة، قال الأبي وفي العتبية: قال مالك: بلغني أن عيسى ويحيى ابنا خالة وأن حملهما كان معًا ولكن يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر وأن أم يحيى قالت لمريم: إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك لتفضيله بما أوتي من الآيات من إحياء الموتى وغيره ولم تكن ليحيى عيشة إلا عشب الأرض وإنه كان يبكي من خشية الله حتى لو كان على خده القار لأذابه دهان بخده للدموع لمجرى، والحديث وما في العتبية يردان ما قيل إن أم يحيى خالة لمريم لا لعيسى. اهـ منه. (فرحبا) بي أي قالا لي مرحبًا أي صادفت رحبًا وسعة لا ضيقًا (ودعوا لي بخير) عظيم، وذكر ﷺ في باقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم نحوه ففيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء لهم وإن كانوا أفضل من الداعي، وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة. اهـ نواوي (ثم عرج بي جبريل إلى السماء الثالثة) وتسمى بـ (قيدوم) وهي من حديد وفي أكثر النسخ (ثم عرج بنا) بضمير الجمع وهو أوفق للسياق وفي هذه النسخة أفرد الضمير نظرًا إلى أنه المقصود بالعروج (فاستفتح جبريل) من خازنها (فقيل) له (من أنت؟ قال) أنا (جبريل، قيل) له (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد ﷺ ، قيل) لجبريل أ (وقد بعث إليه؟ قال) جبريل (قد بعث إليه ففتح لنا) باب السماء الثالثة (فـ) لما فتح لنا وعلونا عليها (إذا أنا) راء (بيوسف) بن يعقوب ﵉ و (إذا هو) أي يوسف (قد أعطي) وألبس (شطر الحسن) ونصف الجمال

стр. 1641

فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. ثَمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ. قَال: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. قَال اللهُ : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ــ كأن الجمال جزئ نصفين فأعطي أحدهما وقسم النصف الآخر بين أولاد آدم إلا النبي ﷺ فإنه أعطي الجمال الكامل، ويذكر عن الشيخ الفقيه العارف أبي محمد المرجاني أنه كان يقول في هذا الموضع: لا يقسم الفريضة إلا من يعرف عولها، فلولا أن رسول الله ﷺ أعطي كل الحسن لم يعرف شطره. اهـ من الأبي، وفيه أيضًا (فإن قلت) وصفه يوسف ﵇ بالحسن يدل أن الذي لقي الأجساد (قلت) الصحيح في الروح أنها جسم لطيف فتوصف بالحسن كما يوصف الجسد به. اهـ. (فرحب) بي يوسف ﵇ (ودعا لي بخير) عظيم (ثم عرج بنا) جبريل ﵇ (إلى السماء الرابعة) وتسمى بـ (الماعون) وهي من نحاس (فاستفتح جبريل ﵇) خازنها (قيل) لجبريل (من هذا؟ ) المستفتح (قال) جبريل أنا (جبريل، قيل) له (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد) ﷺ (قال) خازن الباب أ (وقد بعث إليه؟ قال) جبريل نعم (قد بعث إليه ففتح لنا) الباب (فـ) لما علونا على السماء الرابعة (إذا أنا) راء (بإدريس) بن يرد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم وهو أول من خاط الثياب وقبله يلبسون الجلود (فرحب) بي إدريس (ودعا لي بخير، قال الله في ذكر شأن إدريس (﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾) أي رفعنا إدريس إلى مكان عال هو السماء الرابعة، قال الأبي: قال بعضهم: خص بأنه رفع إلى السماء الرابعة كما رفع عيسى إلى السماء إلا أنه مات في السماء الرابعة ولم يمت عيسى، وسبب رفعه فيما ذكر ابن عباس وغيره أنه كان له خليل من الملائكة فرفعه على جناحه بإذن الله سبحانه إلى السماء الرابعة فلقي بها ملك الموت فقال له: قيل لي اهبط إلى الرابعة واقبض بها روح إدريس وما أدري كيف؟ فقال له الملك الصاعد: هذا إدريس معي فقبض روحه، وقال مجاهد وغيره: إنه لم يمت والحديث نص أن هذا كان في الرابعة، وعن ابن عباس أن ذلك كان في السادسة، وثبت ذلك في بعض روايات حديث الإسراء، وقال جماعة: المراد بالرفع رفع المنزلة وهو في السماء كغيره من الأنبياء ﵈. اهـ أبي

стр. 1642

ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبرِيلُ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﵇، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيبر. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﵇، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: ــ (ثم عرج بنا) جبريل (إلى السماء الخامسة) وتسمى (دبقاء) وهي من فضة (فاستفتح جبريل) خازنها (قيل) لجبريل (من هذا؟ ) المستفتح (قال) جبريل أنا (جبريل قيل) له (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد) ﷺ (قيل) له أ (وقد بعث إليه؟ قال) جبريل (قد بعث إليه ففتح لنا) باب السماء الخامسة (فـ) لما علونا على السماء الخامسة (إذا أنا) راء (بهارون) بن عمران (﵇ فرحب) هارون بي (ودعا لي بخير، ثم عرج بنا) جبريل (إلى السماء السادسة) وتسمى (وفناء) وهي من ذهب (فاستفتح جبريل ﵇) خازنها (قيل) لجبريل (من هذا؟ ) المستفتح (قال) جبريل أنا (جبريل، قيل) له (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد) ﷺ (قيل) لجبريل أ (وقد بعث إليه؟ قال) جبريل (قد بعث إليه ففتح لنا) باب السماء السادسة (فـ) لما علونا السماء السادسة (إذا أنا) راء (بموسى) بن عمران (﵇ فرحب) بي موسى (ودعا لي بخير، ثم عرج) بنا جبريل (إلى السماء السابعة) وتسمى (عروباء) وهي من ياقوتة حمراء والكرسي من ياقوتة بيضاء والعرش من ياقوتة حمراء وأبواب السماء كلها من ذهب وأقفالها من نور ومفاتيحها اسم الله الأعظم كذا قالوا ولكن ليس له أصل صحيح، وقد نظم بعضهم أسماء الأفلاك التسعة فقال: أولاها رفيع ثانيها أرفلون ... ثالثها قيدوم رابعها ماعون خامسها دبقاء والسادس وفناء ... سابعها عروباء سميت بهن السماء ثامنها هو الكرسي الكريم ... كذا تاسعها العرش العظيم (فاستفتح جبريل) خازنها (فقيل) له (من هذا؟ ) المستفتح (قال) جبريل أنا

стр. 1643

جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: قَدْ بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهى، ــ (جبريل، قيل) له (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد ﷺ ، قيل) لجبريل أ (وقد بعث إليه؟ قال) جبريل نعم (قد بعث إليه ففتح لنا) باب السماء السابعة (فـ) لما علونا السماء السابعة (إذا أنا) راء (بإبراهيم) الخليل (﵇) حالة كونه (مسندًا ظهره إلى البيت المعمور) قال القاضي عياض: يستدل به على جواز الاستناد إلى الكعبة وتحويل الظهر إليها فإذا جاز فيها ففي غيرها أجوز، ولقاؤه لهم في السماوات على هذا الترتيب يحتمل أنه لتفاوتهم في المنزلة فإن السماوات أيضًا متفاوتة أفضلها السابعة ثم دونها السادسة وهكذا إلى السفلى، وقال ابن بطال: وجدهم كذلك لأنهم سمعوا بقدومه فابتدروه كالغائب فمنهم من أبطأ ومنهم من أسرع، قال: وهذا الجواب عن كونه لقي هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. اهـ (وإذا هو) أي البيت المعمور (يدخله كل يوم سبعون ألف ملك) يصلون فيه ثم يخرجون منه و (لا يعودون إليه) أبدًا، قال الأبي: ذكر الخطيب البغدادي من طريق عبد الله بن أبي الهذيل قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف دحية أي رئيس مع كل دحية سبعون ألف ملك، وذكر ابن سنجر من حديث أبي هريرة قال في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة وفي السماء نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم ينغمس فيه انغماسة ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخرج منها سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكًا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور ويصلوا فيه فيدخلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدًا، يُوَلَّى عليهم أحدهم ويؤمر أن يقف بهم من السماء موقفًا يسبحون الله فيه إلى قيام الساعة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾. قال النبي ﷺ (ثم ذهب بي) جبريل أي عرج بي لأن هذا هو المعراج الثامن (إلى السدرة المنتهى) أي السدرة التي ينتهي إليها علم ما تحتها من الملائكة فلا يجاوزونها فيطلعوا على ما فوقها وينتهي إليها علم ما فوقها من الملائكة فلا يجاوزونها إلى أسفل فيعلموا ما تحتها فهي كالحد الفاصل بين شيئين أي إلى أعلاها فإن

стр. 1644

وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ. قَال: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى، ــ السدرة أصلها في السماء السادسة وأغصانها وفروعها فوق السماء السابعة وهي هكذا في هذه الرواية (السدرة المنتهى) بإدخال الألف واللام عليها، وفي الروايات بعدها (سدرة المنتهى) قال النواوي: عن ابن عباس سميت بذلك لأن إليها ينتهي علم الملائكة ﵈ لم يجاوزها أحد إلا النبي ﷺ ، وقال ابن مسعود: سميت بذلك لأن إليها ينتهي ما يهبط من فوق فيقبض عندها وإليها ينتهي ما يعرج من أسفل فيقبض عندها، وفي تفسير ابن سلام عن بعض السلف: سميت بذلك لأن إليها يُنْتَهى بروح المؤمن فتصلي عليها الملائكة. اهـ من الأبي (وإذا ورقها) أي أوراقها (كآذان الفيلة) في الكبر والسعة، والآذان جمع أذن وهي محل حاسة السمع، والفيلة بوزن عنبة جمع قيل حيوان معروف جسيم، قال السهيلي: وفي مسند الحارث "لو غطي بورقة منها هذه الأمة لغطتهم" (وإذا ثمرها) أي ثمارها (كالقلال) في الكبر بكسر القاف جمع قلة بضمها والقلة جرة كبيرة تسع قربتين فأكثر، قال الأبي يعني: قلال هجر لورودها كذلك في الحديث "فإذا ثمرها كقلال هجر" وهجر قرية من قرى المدينة تصنع بها القلال لا هجر التي بأرض البحرين، و (إذا) في الموضعين فجائية (قال) رسول الله ﷺ (فلما غشيها من أمر الله) أي قام بها من الحسن والبهاء (ما غشي) ماسم موصول في محل الرفع فاعل غشي من أمر الله حال منها أي فلما غطاها ما غطاها حالة كونه من الحسن والبهاء، وقوله (تغيرت) جواب لـ (ما) أي انتقلت من حالتها الأولى إلى حالة وصفة أحسن منها (فما أحد من خلق الله) تعالى (يستطيع) ويقدر (أن ينعتها) ويصفها (من) كمال (حسنها) وبديع صفتها، ويأتي أنه غشيها فراش من ذهب أي طير صغير، وفي رواية ابن جريج غشيها وأرخي عليها ستور من لؤلؤ وياقوت وزبرجد. وقوله (فأوحى الي) أي أعلم إلي وأظهر لي (ما أوحى) به أي ما أعلم من الأوامر والنواهي ومن أسرار معلوماته، وفيه اختصار أي ثم رفع إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام وهو المعراج التاسع ثم دلي الرفوف فزج به في النور فعند ذلك تأخر جبريل فقال له: أهنا يفارق الخليل خليله؟ فقال له: هذا مكاني فلو فارقته لاحترقت من النور أي ذهب نوري

стр. 1645

فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ. فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﵇. فَقَال: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً. قَال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِن أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَال: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَط عَنِّي خَمْسًا. فَرَجَعْتُ ــ وتلاشيت لشدة الأنوار وظهورها، قال رسول الله ﷺ : فخاطبني ربي ورأيته بعيني بصري وأوحى. . . إلخ، وقوله (ما أوحى) أبهم ذلك إشارة إلى عظم ما أوحى به إليه وعدم إحاطة علم الخلائق به، وقوله (ففرض علي) من عطف الخاص على العام وإنما صرح به لتعلقه بالأمة، وأما عطاياه التي تخصه فلم يعبر عنها إذ لا يحيط بها العبارة ولا تحصيها الإشارة أي ففرض علي وعلى أمتي لأن الأصل عدم الخصوصية إلا بدليل يدل على التخصيص فذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته (خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت) من ذلك المستوى ومررت على إبراهيم الخليل فلم يقل لي شيئًا ووصلت (إلى موسى ﵇) في السماء السادسة (فقال) موسى (ما فرض) وأوجب (ربك) عليك و (على أمتك؟ قلت) فرض علينا (خمسين صلاة) في اليوم والليلة ففي هذا دلالة على شرف الصلاة من حيث إنها فرضت في المحل الأعلى (قال) موسى (ارجع إلى ربك) أي إلى محل مناجاته (فاسأله) أي فاسأل ربك (التخفيف) لأمتك والحط عنها (فإن أمتك لا يطيقون ذلك) أي لا يستطيعون القيام بذلك المفروض من خمسين صلاة (فإني) أي وإنما قلت لك ذلك لأني (قد بلوت) واختبرت وسايست (بني إسرائيل وخبرتهم) أي جربتهم حيث كلفهم الله بركعتين في الغداة وركعتين في وقت الزوال وركعتين في العشي فلم يطيقوا ذلك وعجزوا عنه وأمتك أضعف منهم فلا يقدرون خمسين صلاة في اليوم والليلة (قال) رسول الله ﷺ (فرجعت إلى) محل مناجاة (ربي) أي إلى المكان الذي ناجيت فيه ربي فإن الله جعل ذلك المكان محلًا لمناجاة سيدنا محمد ﷺ يناجيه فيه ليجمع له بين الرفعتين الحسية والمعنوية كما جعل الطور محلًا لمناجاة موسى ﵇ (فقلت: يا رب خفف على أمتي) وحط عنهم بعض الخمسين (فـ) أجابني بفضله ولطفه إلى شفاعتي و (حط عني) وعنهم (خمسًا) أي نقصها من تلك الخمسين (فرجعت) من محل

стр. 1646

إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَال: إِن أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذلِكَ، فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَال: فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُ بَينَ رَبِّي ﵎ وَبَينَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَال: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُل يَوْمٍ وَلَيلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ. فَذلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً ــ المناجاة ومررت على إبراهيم في السابعة ووصلت (إلى موسى) في السادسة فسألني موسى فقال: كم حط عن أمتك؟ (فقلت حط عني) ونقص (خمسًا) من تلك الخمسين فـ (قال) موسى ثانيًا (إن أمتك لا يطيقون ذلك) أي ما بقي من الخمسين (فارجع إلى) محل مناجاة (ربك فاسأله التخفيف) والتنقيص عن ذلك الباقي (قال) رسول الله ﷺ (فلم أزل أراجع بين) محل مناجاة (ربي ﵎ وبين) مكان (موسى ﵇) من السماء السادسة تسع مرات كل مرة يحط عني خمسًا كل مرة يرى فيها ربه كما رآه في المرة الأولى فقد رأى ربه في تلك الليلة عشر مرات وهذا الحديث نص في أن الصلاة كانت خمسين بالفعل حتى انتهت بالحط إلى خمس فللخمس ثواب الخمسين، الحسنة بعشر أمثالها، وهل الحط نسخ أم لا فيه خلاف. والحكمة في أن موسى ﵇ اختص بالمراجعة دون غيره من الأنبياء أن أمته كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها فثقلت عليهم فرفق موسى بأمة محمد ﷺ لكونه طلب أن يكون منها، وأيضًا فقد طلب موسى الرؤية فلم ينلها ومحمد نالها من غير طلب فأحب مراجعته وتردده ليزداد من نور الرؤية فيقتبس موسى من تلك الأنوار ليكون رائيًا من رأى ربه وفي هذا المعنى قال ابن وفا: والسر في قول موسى إذ يردده ... ليجتلي النور فيه حيث يشهده يبدو سناه على وجه الرسول فيا ... لله حسن جمال كان يشهده وقوله (حتى قال) الله في آخر المرات غاية لقوله (فلم أزل أراجع) ومن هنا إلى قوله (كتبت سيئة واحدة) حديث قدسي أي فلم أزل أكرر المراجعة حتى قال الرب لي ﷻ في آخر المرات (يا محمد إنهن) أي إن الصلوات المفروضة عليك وعلى أمتك (خمس صلوات) عددًا (كل يوم وليلة) من أعماركم ولكن (لكل صلاة) من تلك الصلوات الخمس (عشر) أي يكتب ثواب عشر صلوات (فذلك) المفروض عليكم من الخمس (خمسون صلاة) من حيث الثواب والمضاعفة فقد تفضل سبحانه وتعالى

стр. 1647

وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيئًا، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَال: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيتُ مِنْهُ" ــ بتكثير الثواب على تلك الخدمة القليلة (ومن هم) وقصد من أمتك يا محمد (بـ) فعل (حسنة فلم يعملها كتبت له حسنة) كاملة بمجرد الهم (فإن عملها) أي عمل الحسنة التي هم بها (كتبت له) تلك الحسنة الواحدة التي عملها (عشرًا) أي بعشر حسنات من حيث المضاعفة والثواب (ومن هم بسيئة فلم يعملها) ولو حياء من الناس (لم تكتب) عليه تلك السيئة التي هم بها فلم يعملها (شيئًا) أي بشيء لا واحدة ولا أكثر (فإن عملها) أي عمل تلك السيئة التي هم بها غير معذور في فعلها (كتبت) عليه (سيئة واحدة) أي بلا مضاعفة عليه. والمراد بالهم ترجيح الفعل دون عزم ولا تصميم لأنه الذي يكتب في الخير ولا يكتب في الشر، وأما العزم والتصميم فيكتب في الخير والشر، وأما الهاجس والخاطر وحديث النفس فلا يؤاخذ الإنسان بها لا في خير ولا في شر وقد نظم بعضهم الخمسة بقوله: مراتب العقد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا (قال) رسول الله ﷺ (فنزلت) من محل المناجاة ومررت على إبراهيم (حتى انتهيت) ووصلت (إلى) مكان (موسى ﵇) في السماء السادسة (فأخبرته) أي فأخبرت موسى خبر ما جرى بيني وبين ربي من التخفيف والحط إلى خمس صلوات (فقال) موسى ﵇ (ارجع) يا محمد (إلى) محل مناجاة (ربك فاسأله) (التخفيف) والحط عن خمس صلوات لأن أمتك لا تطيق خمس صلوات في اليوم والليلة (فقال رسول الله ﷺ فقلت) لموسى (قد رجعت إلى ربي) مرات كثيرة لطلب التخفيف فأكثرت المراجعة إليه (حتى استحييت) بياءين بعد المهملة، وخفت (منه) أي من ربي أي من المراجعة إليه.

стр. 1648

قَال الشيخُ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجِسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ــ وهذا الحديث من أفراد الإمام مسلم رحمه الله تعالى لم يروه غيره بهذا اللفظ كما أشار إليه القرطبي في المفهم، والله أعلم. ووقع عقب هذا الحديث في هامش بعض المتون وفي بعضها في نفس الكتاب: (قال الشيخ أبو أحمد) محمد بن عيسى الجلودي بضم الجيم نسبة لسكة الجلوديين بنيسابور الدارسة، وقيل بفتحها نسبة إلى جلود اسم قرية فيها راوي الكتاب عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد المروزي عن مسلم (حدثنا أبو العباس) أحمد بن محمد بن الحسين النيسابوري (الماسرجسي) بفتح السين المهملة وإسكان الراء وكسر الجيم نسبة إلى جده ماسرجس، قال أبو العباس (حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة بهذا الحديث) وقد علا هذا السند لأبي أحمد الجلودي برجل فإنه رواه أولًا عن ابن سفيان عن مسلم عن شيبان بن فروخ ثم رواه هنا عن الماسرجسي عن شيبان بن فروخ، وهذه الزيادة -أعني قوله: (قال الشيخ أبو أحمد) إلى آخره- تقع في بعض المتون في الهامش وفي أكثرها في نفس الكتاب وكلاهما له وجه فمن جعلها في الهامش فهو الظاهر المختار لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه فلا تدخل في نفس الكتاب إنما هي فائدة فشأنها أن تكتب في الهامش، ومن أدخلها في الكتاب فلكون الكتاب منقولًا عن عبد الغافر الفارسي عن شيخه الجلودي، وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلودي فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب لكونها من جملة المأخوذ عن الجلودي مع أنه ليس فيه لبس ولا إيهام أنها من أصل مسلم والله أعلم. اهـ نواوي.

стр. 1649

٨٦ - (٤٥) بَابٌ: فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِغَرِهِ، وَاسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيطَانِ مِنْ قَلْبِهِ ٣١٥ - (١٥٤) (٧٧) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا لسُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُتِيتُ فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي، ــ ٨٦ - (٤٥) بَابٌ: فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِغَرِهِ، وَاسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيطَانِ مِنْ قَلْبِهِ أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث الواردة في بيان شق صدر النبي ﷺ في صغره وهو في بني سعد عند مرضعته السيدة حليمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها لأن شق المصدر وقع له مرتين مرة في صغره وهو عند حليمة السعدية ومرة في اكتهاله بعد النبوة عند الإسراء، وقيل ثلاث مرات. (٣١٥) - (١٥٤) (٧٧) (حدثنا عبد الله بن هاشم) بن حيان بتحتانية (العبدي) أبو عبد الرحمن الطوسي سكن نيسابور ثقة صاحب حديث من صغار العاشرة مات سنة (٢٥٥) روى عنه في (٩) أبواب، قال عبد الله (حدثنا بهز بن أسد) العمي بالعين أبو الأسود البصري، قال أبو حاتم: إمام صدوق ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت من التاسعة مات بعد المائتين وقيل قبلها روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، قال بهز (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، قال ابن معين: ثقة ثقة، وقال أحمد: ثبت ثبت، وقال في التقريب: ثقة من السابعة (٧) مات سنة (١٦٥) خمس وستين ومائة روى عنه في تسعة (٩) أبواب، قال سليمان (حدثنا ثابت) بن أسلم البناني مولاهم أبو محمد البصري ثقة من (٤) الرابعة، روى عنه في ثلاثة عشر (١٣) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) الأنصاري الخزرجي أبي حمزة البصري، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا عبد الله بن هاشم فإنه طوسي أو نيسابوري (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ أتيت) بضم الهمزة على صيغة المجهول أي أتاني ملائكة ربي جبريل ومن معه وأنا في بني سعد عند حليمة السعدية رضي الله تعالى عنها فأخذوني (فانطلقوا بي) أي ذهبوا بي (إلى) مكة موضع (زمزم فشرح) أي فشق (عن صدري)

стр. 1650

ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ" ــ وأخرج قلبي (ثم غسل) قلبي (بماء زمزم) فردوني إلى بني سعد عند مرضعتي (ثم أنزلت) على صيغة المجهول أي تركت عند مرضعتي، وإنما فسرنا كذلك ليوافق الحديث الذي بعده. قال الأبي: هذا الحديث ظاهره أن الشرح كان بمكة وفي حال الصغر، وفي الحديث الذي يليه أنه كان وهو يلعب مع الغلمان ببني سعد حوالي مكة، ويأتي في حديث: "فرج سقف بيتي" أنه كان ليلة الإسراء، فأما الجمع بين الأول والثاني فقد قال القاضي عياض: حديث وهو ببني سعد أصح، وإن صح أن الغَسل بمكة فيجمع بأن تكون الملائكة ﵈ أخذته من بني سعد وذهبت به ﷺ إلى مكة لغَسله بماء زمزم فغسلوه فردوه إلى موضع أخذه من بني سعد، وأما الجمع بينهما وبين الثالث فقد أجاب السهيلي: بأن شق المصدر كان مرتين مرة في الصغر للتطهير من مغمز الشيطان حتى لا يلتبس بشيء من المعايب وحتى لا يكون في قلبه إلا التوحيد، ومرة في الاكتهال وبعد النبوة عندما أراد رفعه إلى حضرة القدس لتلقي فرض الصلاة ويصلي بملائكة السماء ومن شأن الصلاة الطهور فطهر ظاهرًا وباطنًا. اهـ أبي. قوله (ثم غسل بماء زمزم) قال الأبي: تخصيص الغسل به يشهد لفضيلته على غيره وحق له لأنه من تفجير جبريل ﵇ لأم إسماعيل حين خافت عليه العطش، وذلك أن إبراهيم ﵇ لما أراد تركها بمكة والرجوع إلى الشام، قالت: أعن أمر من الله تعالى تتركني بخلاء من الأرض قال: نعم، قالت: فإذًا لا أضيع، ثم جعلت تقف على الصفا مرة وعلى المروة أخرى تطلع هل ترى مارًا فرجعت وقد فجر جبريل ﵇ بعقبه زمزم فلما وليت جرهم الحرم بعد إسماعيل ﵇ وأحدثوا فيه الحوادث وأراد الله سبحانه إخراجهم منه عمد الحارث بن مُضاض الأصغر آخر ملوكهم حين علم أنه يُخرج إلى مال الكعبة فدفنه ليلًا بزمزم وعفى أثره بالتراب، وكان في المال غزالان من ذهب وأسياف كان من ساسان أو سابور من ملوك الفرس أهداها إلى الكعبة، فلم تزل كذلك دارسة الأثر إلى أن أراد الله سبحانه إظهار مائها قرب ولادة النبي ﷺ فرأى عبد المطلب الرؤيا التي أمر فيها بحفرها ودل على موضعها بأمارات ذكرت له في رؤياه فحفر فظهرت فلم ينزف إلى الآن، قال السهيلي: وكان سقط فيها حبشي فنزفت من أجله فوجد ماؤها يفور من ثلاثة أعين أكثرها ماء التي تلي الحجر
следующие страницы →