← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَال: إِن أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذلِكَ، فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَال: فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُ بَينَ رَبِّي ﵎ وَبَينَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَال: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُل يَوْمٍ وَلَيلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ. فَذلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً ــ المناجاة ومررت على إبراهيم في السابعة ووصلت (إلى موسى) في السادسة فسألني موسى فقال: كم حط عن أمتك؟ (فقلت حط عني) ونقص (خمسًا) من تلك الخمسين فـ (قال) موسى ثانيًا (إن أمتك لا يطيقون ذلك) أي ما بقي من الخمسين (فارجع إلى) محل مناجاة (ربك فاسأله التخفيف) والتنقيص عن ذلك الباقي (قال) رسول الله ﷺ (فلم أزل أراجع بين) محل مناجاة (ربي ﵎ وبين) مكان (موسى ﵇) من السماء السادسة تسع مرات كل مرة يحط عني خمسًا كل مرة يرى فيها ربه كما رآه في المرة الأولى فقد رأى ربه في تلك الليلة عشر مرات وهذا الحديث نص في أن الصلاة كانت خمسين بالفعل حتى انتهت بالحط إلى خمس فللخمس ثواب الخمسين، الحسنة بعشر أمثالها، وهل الحط نسخ أم لا فيه خلاف. والحكمة في أن موسى ﵇ اختص بالمراجعة دون غيره من الأنبياء أن أمته كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها فثقلت عليهم فرفق موسى بأمة محمد ﷺ لكونه طلب أن يكون منها، وأيضًا فقد طلب موسى الرؤية فلم ينلها ومحمد نالها من غير طلب فأحب مراجعته وتردده ليزداد من نور الرؤية فيقتبس موسى من تلك الأنوار ليكون رائيًا من رأى ربه وفي هذا المعنى قال ابن وفا: والسر في قول موسى إذ يردده ... ليجتلي النور فيه حيث يشهده يبدو سناه على وجه الرسول فيا ... لله حسن جمال كان يشهده وقوله (حتى قال) الله في آخر المرات غاية لقوله (فلم أزل أراجع) ومن هنا إلى قوله (كتبت سيئة واحدة) حديث قدسي أي فلم أزل أكرر المراجعة حتى قال الرب لي ﷻ في آخر المرات (يا محمد إنهن) أي إن الصلوات المفروضة عليك وعلى أمتك (خمس صلوات) عددًا (كل يوم وليلة) من أعماركم ولكن (لكل صلاة) من تلك الصلوات الخمس (عشر) أي يكتب ثواب عشر صلوات (فذلك) المفروض عليكم من الخمس (خمسون صلاة) من حيث الثواب والمضاعفة فقد تفضل سبحانه وتعالى

стр. 1647

وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيئًا، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَال: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيتُ مِنْهُ" ــ بتكثير الثواب على تلك الخدمة القليلة (ومن هم) وقصد من أمتك يا محمد (بـ) فعل (حسنة فلم يعملها كتبت له حسنة) كاملة بمجرد الهم (فإن عملها) أي عمل الحسنة التي هم بها (كتبت له) تلك الحسنة الواحدة التي عملها (عشرًا) أي بعشر حسنات من حيث المضاعفة والثواب (ومن هم بسيئة فلم يعملها) ولو حياء من الناس (لم تكتب) عليه تلك السيئة التي هم بها فلم يعملها (شيئًا) أي بشيء لا واحدة ولا أكثر (فإن عملها) أي عمل تلك السيئة التي هم بها غير معذور في فعلها (كتبت) عليه (سيئة واحدة) أي بلا مضاعفة عليه. والمراد بالهم ترجيح الفعل دون عزم ولا تصميم لأنه الذي يكتب في الخير ولا يكتب في الشر، وأما العزم والتصميم فيكتب في الخير والشر، وأما الهاجس والخاطر وحديث النفس فلا يؤاخذ الإنسان بها لا في خير ولا في شر وقد نظم بعضهم الخمسة بقوله: مراتب العقد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا (قال) رسول الله ﷺ (فنزلت) من محل المناجاة ومررت على إبراهيم (حتى انتهيت) ووصلت (إلى) مكان (موسى ﵇) في السماء السادسة (فأخبرته) أي فأخبرت موسى خبر ما جرى بيني وبين ربي من التخفيف والحط إلى خمس صلوات (فقال) موسى ﵇ (ارجع) يا محمد (إلى) محل مناجاة (ربك فاسأله) (التخفيف) والحط عن خمس صلوات لأن أمتك لا تطيق خمس صلوات في اليوم والليلة (فقال رسول الله ﷺ فقلت) لموسى (قد رجعت إلى ربي) مرات كثيرة لطلب التخفيف فأكثرت المراجعة إليه (حتى استحييت) بياءين بعد المهملة، وخفت (منه) أي من ربي أي من المراجعة إليه.

стр. 1648

قَال الشيخُ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجِسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ــ وهذا الحديث من أفراد الإمام مسلم رحمه الله تعالى لم يروه غيره بهذا اللفظ كما أشار إليه القرطبي في المفهم، والله أعلم. ووقع عقب هذا الحديث في هامش بعض المتون وفي بعضها في نفس الكتاب: (قال الشيخ أبو أحمد) محمد بن عيسى الجلودي بضم الجيم نسبة لسكة الجلوديين بنيسابور الدارسة، وقيل بفتحها نسبة إلى جلود اسم قرية فيها راوي الكتاب عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد المروزي عن مسلم (حدثنا أبو العباس) أحمد بن محمد بن الحسين النيسابوري (الماسرجسي) بفتح السين المهملة وإسكان الراء وكسر الجيم نسبة إلى جده ماسرجس، قال أبو العباس (حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة بهذا الحديث) وقد علا هذا السند لأبي أحمد الجلودي برجل فإنه رواه أولًا عن ابن سفيان عن مسلم عن شيبان بن فروخ ثم رواه هنا عن الماسرجسي عن شيبان بن فروخ، وهذه الزيادة -أعني قوله: (قال الشيخ أبو أحمد) إلى آخره- تقع في بعض المتون في الهامش وفي أكثرها في نفس الكتاب وكلاهما له وجه فمن جعلها في الهامش فهو الظاهر المختار لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه فلا تدخل في نفس الكتاب إنما هي فائدة فشأنها أن تكتب في الهامش، ومن أدخلها في الكتاب فلكون الكتاب منقولًا عن عبد الغافر الفارسي عن شيخه الجلودي، وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلودي فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب لكونها من جملة المأخوذ عن الجلودي مع أنه ليس فيه لبس ولا إيهام أنها من أصل مسلم والله أعلم. اهـ نواوي.

стр. 1649

٨٦ - (٤٥) بَابٌ: فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِغَرِهِ، وَاسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيطَانِ مِنْ قَلْبِهِ ٣١٥ - (١٥٤) (٧٧) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا لسُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُتِيتُ فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي، ــ ٨٦ - (٤٥) بَابٌ: فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِغَرِهِ، وَاسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيطَانِ مِنْ قَلْبِهِ أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث الواردة في بيان شق صدر النبي ﷺ في صغره وهو في بني سعد عند مرضعته السيدة حليمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها لأن شق المصدر وقع له مرتين مرة في صغره وهو عند حليمة السعدية ومرة في اكتهاله بعد النبوة عند الإسراء، وقيل ثلاث مرات. (٣١٥) - (١٥٤) (٧٧) (حدثنا عبد الله بن هاشم) بن حيان بتحتانية (العبدي) أبو عبد الرحمن الطوسي سكن نيسابور ثقة صاحب حديث من صغار العاشرة مات سنة (٢٥٥) روى عنه في (٩) أبواب، قال عبد الله (حدثنا بهز بن أسد) العمي بالعين أبو الأسود البصري، قال أبو حاتم: إمام صدوق ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت من التاسعة مات بعد المائتين وقيل قبلها روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، قال بهز (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، قال ابن معين: ثقة ثقة، وقال أحمد: ثبت ثبت، وقال في التقريب: ثقة من السابعة (٧) مات سنة (١٦٥) خمس وستين ومائة روى عنه في تسعة (٩) أبواب، قال سليمان (حدثنا ثابت) بن أسلم البناني مولاهم أبو محمد البصري ثقة من (٤) الرابعة، روى عنه في ثلاثة عشر (١٣) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) الأنصاري الخزرجي أبي حمزة البصري، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا عبد الله بن هاشم فإنه طوسي أو نيسابوري (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ أتيت) بضم الهمزة على صيغة المجهول أي أتاني ملائكة ربي جبريل ومن معه وأنا في بني سعد عند حليمة السعدية رضي الله تعالى عنها فأخذوني (فانطلقوا بي) أي ذهبوا بي (إلى) مكة موضع (زمزم فشرح) أي فشق (عن صدري)

стр. 1650

ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ" ــ وأخرج قلبي (ثم غسل) قلبي (بماء زمزم) فردوني إلى بني سعد عند مرضعتي (ثم أنزلت) على صيغة المجهول أي تركت عند مرضعتي، وإنما فسرنا كذلك ليوافق الحديث الذي بعده. قال الأبي: هذا الحديث ظاهره أن الشرح كان بمكة وفي حال الصغر، وفي الحديث الذي يليه أنه كان وهو يلعب مع الغلمان ببني سعد حوالي مكة، ويأتي في حديث: "فرج سقف بيتي" أنه كان ليلة الإسراء، فأما الجمع بين الأول والثاني فقد قال القاضي عياض: حديث وهو ببني سعد أصح، وإن صح أن الغَسل بمكة فيجمع بأن تكون الملائكة ﵈ أخذته من بني سعد وذهبت به ﷺ إلى مكة لغَسله بماء زمزم فغسلوه فردوه إلى موضع أخذه من بني سعد، وأما الجمع بينهما وبين الثالث فقد أجاب السهيلي: بأن شق المصدر كان مرتين مرة في الصغر للتطهير من مغمز الشيطان حتى لا يلتبس بشيء من المعايب وحتى لا يكون في قلبه إلا التوحيد، ومرة في الاكتهال وبعد النبوة عندما أراد رفعه إلى حضرة القدس لتلقي فرض الصلاة ويصلي بملائكة السماء ومن شأن الصلاة الطهور فطهر ظاهرًا وباطنًا. اهـ أبي. قوله (ثم غسل بماء زمزم) قال الأبي: تخصيص الغسل به يشهد لفضيلته على غيره وحق له لأنه من تفجير جبريل ﵇ لأم إسماعيل حين خافت عليه العطش، وذلك أن إبراهيم ﵇ لما أراد تركها بمكة والرجوع إلى الشام، قالت: أعن أمر من الله تعالى تتركني بخلاء من الأرض قال: نعم، قالت: فإذًا لا أضيع، ثم جعلت تقف على الصفا مرة وعلى المروة أخرى تطلع هل ترى مارًا فرجعت وقد فجر جبريل ﵇ بعقبه زمزم فلما وليت جرهم الحرم بعد إسماعيل ﵇ وأحدثوا فيه الحوادث وأراد الله سبحانه إخراجهم منه عمد الحارث بن مُضاض الأصغر آخر ملوكهم حين علم أنه يُخرج إلى مال الكعبة فدفنه ليلًا بزمزم وعفى أثره بالتراب، وكان في المال غزالان من ذهب وأسياف كان من ساسان أو سابور من ملوك الفرس أهداها إلى الكعبة، فلم تزل كذلك دارسة الأثر إلى أن أراد الله سبحانه إظهار مائها قرب ولادة النبي ﷺ فرأى عبد المطلب الرؤيا التي أمر فيها بحفرها ودل على موضعها بأمارات ذكرت له في رؤياه فحفر فظهرت فلم ينزف إلى الآن، قال السهيلي: وكان سقط فيها حبشي فنزفت من أجله فوجد ماؤها يفور من ثلاثة أعين أكثرها ماء التي تلي الحجر

стр. 1651

٣١٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ ــ الأسود، وقوله (ثم أنزلت) قال القاضي: رويناه عن الأكثر بضم الهمزة والتاء، فقال القاضي الوقشي- وكان معتنيًا بالألفاظ المشكلة متجاسرًا على إصلاحها برأيه: وهو تصحيف وصوابه: (تركت) إذ لا معنى لأنزلت، فعرضت قوله على شيخنا الحافظ ابن سرَّاج فقال: هذا تكلف وأنزلت بمعنى تركت معروف لغة ثم ظهر لي بعد ذلك أن أنزلت على بابها من الوضع بعد الرفع لأن معنى انطلقوا بي إلى حيث شقوا المصدر ثم ردوه وأنزلوه في الموضع الذي حمل منه ولم أزل أنا وغيري نعد هذا وما قبله من غرائب المعاني ودقائق كشف المشكلات حتى أوقفتني المطالعة على ما هو الجلاء فيه فإذا الحديث مقتطف من حديث طويل اقتصر فيه الراوي على ما ذكر في الأم وأحال على بقية الحديث وذلك يوجب أن تكون اللفظة مضبوطة بضم الهمزة وسكون التاء لأن البرقاني ذكر الحديث بطوله بسند مسلم قال فيه: "ثم أنزلت طست مملوءة حكمة وإيمانًا ثم حشي صدري بها" ثم ذكر بقية الحديث فاقتصر في الأم على (أنزلت) اهـ إكمال المعلم. وهذا الحديث أيضًا من أفراد مسلم رحمه الله تعالى، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس هذا رضي الله تعالى عنه فقال: (٣١٦) - (. . .) (. . .) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي أبو محمد الأبلي ثقة من (٩) قال شيبان: (حدثنا حماد بن سلمة) الربعي مولاهم أبو سلمة البصري ثقة من (٨) (حدثنا ثابت) بن أسلم بن موسى (البناني) مولاهم نسبة إلى بنانة قبيلة معروفة أبو محمد البصري ثقة من (٤) (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري، وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا شيبان بن فروخ فإنه أبلي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة حماد بن سلمة لسليمان بن المغيرة في رواية هذا الحديث عن ثابت البناني، وفائدة المتابعة بيان كثرة طرقه وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب) أي والحال أنه ﷺ صغير يلعب (مع الغلمان) أي مع غلمان بني سعد (فأخذه) أي فأخذ جبريل رسول الله ﷺ وأمسكه من بين الغلمان

стр. 1652

فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَال: هَذَا حَظُّ الشَّيطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبِ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ ــ (فصرعه) أي أسقطه على الأرض بلين ورفق، إذ صرع كل شيء بحسبه وهذا نص في أن الشق كان في بني سعد وقد تقدم الجمع بينه وبين الحديث السابق (فشق) صدره ﷺ (عن قلبه) وفتحه (فاستخرج القلب) أي فأخرج قلبه من داخل المصدر فالسين والتاء زائدتان (فاستخرج) أي فأخرج (منه) أي من داخل القلب (علقة) أي قطعة دم متجمد فرماها عنه، قال القرطبي: والعلق الدم وهذه العلقة المنتزعة عنه هي القابلة للوساوس والمحركة للشهوات فأزيل ذلك عنه وبذلك أعين على شيطانه حتى سلم منه. اهـ وقال السهيلي: هذه العلقة يحتمل أنها الجزء الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا من عيسى وأمه ﵉ لقول أمها ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ولا يدل ذلك أن عيسى ﵇ أفضل لأن النبي ﷺ أزيل ذلك عنه وغسل أثره وملئ حكمة وإيمانًا، وقال القاضي عياض: ويحتمل أنها الجزء الذي يعلق بحب الدنيا وميل الشهوات ويعرض له السهو والنسيان وغير ذلك من طرق الشيطان، ويحتمل أنها الجزء القابل للوسوسة بتقدير العزيز العليم فطرح ثم غسل أثره حتى لا يجد الشيطان إليه سبيلًا كما طرحت عن يحيى ﵇ شهوة النساء. اهـ وقال أيضًا: وإزالة حظ الشيطان يدل على عصمته منه في العلم والجسم وغير ذلك (فقال) جبريل ﵇ (هذا) الجزء المخرج منك (حظ الشيطان) أي مركز تسلط الشيطان ومحل وسوسته (منك) أي من قلبك (ثم غسله) أي غسل قلبه ﷺ من أثر تلك العلقة ودمها (في طست) بفتح الطاء وإسكان السين المهملتين إناء معروف وهي مؤنثة، وحكى القاضي كسر الطاء لغة والمشهور الفتح أي في إناء (من ذهب بماء زمزم ثم لأمه) بوزن ضربه أي ضم القلب المشقوق بعضه إلى بعض وجمعه وليس في هذا ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب لنا فإن هذا فعل الملائكة الكرام واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان في أول الأمر قبل تحريم النبي ﷺ أواني الذهب والفضة (ثم أعاده) أي أعاد جبريل قلبه ﷺ (في مكانه) أي في مكان القلب داخل الصدر وخاطه كما يفهم من كلام أنس الآتي بقوله "قد كنت

стр. 1653

وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا: إِن مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَال أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ ــ أرى أثر المخيط في صدره" (وجاء الغلمان) الذين كانوا يلعبون معه حين صرع حالة كونهم (يسعون) أي يعدون ويسرعون في المشي (إلى أمه) ﷺ متعلق بـ (جاء)، وقوله (يعني) النبي ﷺ بأمه (ظئره) أي مرضعته حليمة السعدية لا والدته آمنة الزهرية، تفسير مدرج من الراوي وهو بكسر الظاء المعجمة بعدها همزة ساكنة: وهي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة ظئر (فقالوا) أي قال الغلمان لمرضعته (أن محمدًا قد) صرع و (قتل) قتله جماعة لا نعرفهم (فاستقبلوه) ﷺ أي جاءت حليمة وأهل بيتها إلى رسول الله ﷺ (وهو) ﷺ (منتقع اللون) بالقاف المفتوحة أي متغير اللون لفزع وحزن حتى أشبه النقع أي التراب، قال الهروي: يقال انتقع لونه، وامتقع، والتمع بالعين المهملة، واستنقع، وانتسف بالسين المهملة، وانتشر، والتهم، والتمغ بالغين المعجمة، وانتشف بالشين المعجمة، وابتسر، كلها ألفاظ مترادفة معناها تغير لونه من حزن أو فزع. اهـ أبي بتصرف. (قال أنس) بن مالك راوي الحديث ﵁ (وقد كنت) في زمن حياته ﷺ (أرى) وأبصر بعيني (أثر ذلك المخيط) الذي خاط به جبريل صدره ﷺ أي أمارة الخياطة وعلامتها (في صدره) ﷺ والمخيط بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء: الإبرة أو ما يخاط به وهو الخيط والإبرة. وفي هذا دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل ولا خلاف في جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته إلا أن ينظر بشهوة فإنه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدمي إلا الزوج لزوجته ومملوكته وكذا هما إليه، وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة فإنه يحرم النظر إليه وإلى وجهه وسائر بدنه سواء كان بشهوة أو بغيرها إلا أن يكون لحاجة [البيع] والشراء والتطبيب والتعليم ونحوها والله أعلم. اهـ نواوي. وعبارة المفهم هنا وهذا الحديث محمول على ظاهره وحقيقته إذ لا إحالة في متنه عقلًا ولا يستبعد من حيث إن شق المصدر وإخراج القلب موجب للموت فإن ذلك أمر

стр. 1654

٣١٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي سُلَيمَانُ وَهُوَ ابْنُ بِلالٍ قَال: ــ عادي، وكانت جل أحواله ﷺ خارقة للعادة إما معجزة وإما كرامة، وقال بعضهم: وهذا الشق إشارة إلى ما كثر في أمته في آخر الزمان من العمليات الباطنية المستغربة التي أوصل إليها العلم الحديث. اهـ وقال القرطبي أيضًا: وهذا الشق المذكور في حديث أنس ﵁ هو غير الشق المذكور في حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة الآتي بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين، أما الزمانان فالأول في صغره والثاني في كبره، وأما المكانان فالأول كان ببعض جهات مكة عند مرضعته والثاني عند البيت، وأما الحالان فالأول نزع من قلبه ما كان يضره وغسل وهو إشارة إلى عصمته والثاني غسل وملئ حكمة وإيمانًا وهو إشارة إلى التهيؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده، ولا يلتفت إلى قول من قال إن ذلك كان مرة واحدة في صغره وأخذ يُغلِّط بعضَ الرواة الذين رووا أحد الخبرين فإن الغلط به أليق والوهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمة مشاهير حفاظ ولا إحالة في شيء مما ذكروه ولا معارضة بينهما ولا تناقض فصح ما قلناه وبهذا قال جماعة من العلماء منهم القاضي المهلب بن أبي صفرة في شرح مختصر صحيح البخاري، والله تعالى أعلم. وحديث أنس هذا بهذا اللفظ شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ٢٨٨) والنسائي (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥) ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال: (٣١٧) - (. . .) (. . .) (حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي السعدي مولاهم أبو جعفر (الأيلي) نزيل مصر ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٣) روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، قال هارون (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (قال) عبد الله بن وهب (أخبرني سليمان) بن بلال القرشي التيمي أبو محمد أو أبو أيوب المدني ثقة من الثامنة مات سنة (١٧٧) سبع وسبعين ومائة روى عنه في (١٣) ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بـ (هو) في قوله (وهو ابن بلال) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل ذكرها من عند نفسه إيضاحًا للراوي (قال) سليمان

стр. 1655

حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ؛ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَسَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ. وَقَدَّمَ فِيهِ شَيئًا وَأَخَّرَ. وَزَادَ وَنَقَصَ ــ (حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر) أبو عبد الله القرشي المدني روى عن أنس بن مالك في الإيمان والصلاة، وعبد الرحمن بن أبي سعيد في الوضوء وكريب في الصلاة والجنائز وعطاء بن يسار في الجنائز والزكاة وعبد الرحمن بن أبي عمرة في الزكاة، وعبد الله بن أبي عتيق في الأطعمة، وسعيد بن المسيب في الفضائل، ويروي عنه (خ م د س ق) ومالك والثوري ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير وسليمان بن بلال، قال أحمد: ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: صدوق يخطئ من الخامسة مات سنة أربعين ومائة (١٤٠) روى عنه في (٧) أبواب (قال) شريك (سمعت أنس بن مالك) الأنصاري البصري، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد بصري، وغرضه بسوقه بيان متابعة شريك لثابت البناني في رواية هذا الحديث عن أنس، وفائدتها بيان كثرة طرقه وكرر من الحديث ما فيه المخالفة بين الروايتين؛ أي سمعت أنسًا حالة كونه (يحدثنا عن) قصة (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة) المشرفة إلى المسجد الأقصى أي يحدثنا (أنه) أي أن الشأن والحال (جاءه) ﷺ (ثلاثة نفر) أفرد التمييز على غير قياس لأن القياس جمع تمييز الآحاد بأن يقال ثلاثة أنفار (قبل أن يوحى إليه وهو) ﷺ (نائم في المسجد الحرام وساق) شريك (نحو حديث ثابت البناني وقدم) شريك (فيه) أي في النحو الذي حدثه (شيئًا) من الحديث على محله في رواية غيره (وأخر) شيئًا آخر منه عن محله (وزاد) شيئًا فيه (ونقص) عنه شيئًا ففي روايته مخالفة لرواية غيره بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص. قال القاضي عياض: حديث شريك وقعت فيه أوهام أنكرها العلماء، وقد نبه على ذلك مسلم بقوله (وزاد ونقص) منها قوله (وذلك قبل أن يوحى إليه) فإنه غلط لأنهم اتفقوا على أن الإسراء كان بعد البعثة، قال الزهري: بخمس سنين، وقال الذهبي: بخمسة عشر شهرًا، وقال ابن إسحاق: أسري به وقد انتشر الإسلام بمكة والقبائل،

стр. 1656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيل: قبل الهجرة بسنة، وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق لأنهم اتفقوا على أن خديجة صلت الصلاة بعد فرضها وأنها ماتت بعد فرضها وأنها ماتت قبل الهجرة قيل بثلاث سنين وقيل بخمس، ومنها قوله (وانطلقوا بي إلى زمزم) مع ذكره في الحديث المتقدم أن ذلك فعل به وهو ببني سعد وهو أصح من أنه كان بمكة، وقد جود حماد الحديث عن ثابت عن أنس وفصله وجعله حديثين وجعل حديث شق الصدر في الصغر وحديث الإسراء بعد ذلك بمكة وهو المشهور والصحيح. قال الأبي: قد تقدم الجمع بين الحديثين والتحقيق أنه قد تقدم لثابت عن أنس حديث الإسراء وحديث شق الصدر فقول مسلم وساق الحديث بقصته بمعنى حديث ثابت إن عنى حديث ثابت في الإسراء أشكل حديث شريك من ذكره أنه كان قبل أن يوحى إليه ولم يشكل من قوله (ثلاثة نفر) ولا من قوله (وهو نائم) لاحتمال أن يكون ذلك في بدء الأمر ثم جاؤوه، وإن عنى حديث شق الصدر أشكل من ذكره أنه كان بمكة وأنه وهو نائم وشق الصدر إنما كان وهو ببني سعد ولا يجاب بما يجاب به في حديث (فرج سقف بيتي). اهـ ولم يذكر المؤلف في هذه الترجمة إلا حديث أنس رضي الله تعالى عنه وذكر فيه ثلاث متابعات، والله أعلم. ***

стр. 1657

٨٧ - (٤٦) بَابٌ: فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثَانِيَةً، وَتَطْهِيرِ قَلْبِهِ وَحَشْوهِ حِكْمَةً وإيمَانًا عِنْدَ الإِسْرَاءِ بِهِ ﷺ ٣١٨ - (١٥٥) (٧٨) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "فُرِجَ سَقْفُ بَيتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، ــ ٨٧ - (٤٦) بَابٌ: فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثَانِيَةً، وَتَطْهِيرِ قَلْبِهِ وَحَشْوهِ حِكْمَةً وإيمَانًا عِنْدَ الإِسْرَاءِ بِهِ ﷺ أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على شق صدره ﷺ مرة ثانية وتطهير قلبه من نزغات الشيطان وحظوظ النفس والهوى والإفراغ فيه حكمة وإيمانًا والإسراء به والعروج إلى أعلى السماوات لمناجاة رب العالمين. (٣١٨) - (١٥٥) (٧٨) (حدثني حرملة بن يحيى التجيبي) أبو حفص المصري صدوق من (١١) روى عن ابن وهب في مواضع كثيرة، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي أبو محمد المصري ثقة من (٩) (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي أبو يزيد الأموي ثقة ولكن في روايته عن الزهري وهم وعن غيره خطأ، من السابعة مات سنة (١٥٩) (عن) محمد بن مسلم بن عبد الله (بن شهاب) الزهري المدني ثقة من الرابعة مات سنة (١٢٥) (عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ (قال) أنس بن مالك (كان أبو ذر) جندب بن جنادة الغفاري الصحابي المشهور المدني أحد نجباء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي أي كان أبو ذر الغفاري (يحدث أن رسول الله ﷺ قال: فرج) أي فتح (سقف بيتي) أي علو بيتي وداري فالسقف ضد السفل (وأنا) أي والحال أنا (بمكة) المشرفة وهذا الحديث ظاهر في أن شق الصدر كان في ليلة الإسراء وبعد النبوة وتقدم في حديث أنس أنه كان وهو يلعب مع الغلمان ببني سعد فتعارض الحديثان فجمع السهيلي بينهما بأن شق الصدر وقع مرتين: مرة في الصغر للتطهير من مغمز الشيطان حتى لا يلتبس بشيء من المعايب وحتى لا يكون في قلبه إلا التوحيد، ومرة في الاكتهال وبعد النبوة عندما أراد الله سبحانه

стр. 1658

فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَة وإِيِمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ ــ وتعالى رفعه إلى حضرة القدس لتلقي فرض الصلاة وللصلاة بملائكة السماء وبالأنبياء، ومن شأن الصلاة الطهور فطهر ظاهرًا وباطنًا كما مر. (فنزل جبريل) الأمين ﵇ من السماء (ففرج صدري) أي شقه بسكين القدرة وأخرج قلبي (ثم غسله) أي غسل قلبي (من ماء زمزم) أي بماء بئر زمزم فمن بمعنى الباء (ثم) بعد غسله (جاء) جبريل (بطست من ذهب) أصل الطست الطس فأبدل من أحد المثلين تاء، يقال في جمعه طساس كسهم وسهام، وطسوس كفلس وفلوس باعتبار المعنى، وعلى طسوت باعتبار اللفظ كما في المصباح، قال النواوي: وهي مؤنثة فجاء ممتلئ على معناها وهو الإناء وأفرغها على لفظها (ممتلئ) ذلك الإناء يعني إناء الطست (حكمة) أي علمًا مطابقًا للواقع (وإيمانًا) أي تصديقًا ويقينًا بما يجب الإيمان به، والمراد بالحكمة الأحكام الشرعية والفرعية، وبالإيمان علم العقائد الأصولية (فأرغها) أي أفرغ الطست وصبها أي أفرغ ما فيها من الحكمة والإيمان في قلبي الذي كان (في) داخل (صدري ثم) بعد إفراغ ما فيها في القلب (أطبقه) أي أطبق صدري وخاطه بخيط القدرة. (فإن قلت) الحكمة والإيمان معنى من المعاني والمعاني لا تقوم بأنفسها حتى تملأ الطست (قلت) إنهما كناية عن شيء قابل لهما تسمية للشيء باسم صفته فلما طهر قلبه بإزالة العلقة عوض منه ذلك الشيء، قال السهيلي: ولعل ذلك الشيء الثلج لأن في بعض طرق هذا الحديث (وهو يلعب مع الغلمان فجاء بطست فيه ثلج فغسل به قلبه) لأن الثلج يشعر بثلج اليقين وبرده على الفؤاد وملئ قلبه إيمانًا وكان مؤمنًا (ليزداد الذين آمنوا إيمانًا) قال النواوي؛ وأما جعل الإيمان والحكمة في إناء وإفراغهما مع أنهما معنيان، وهذه صفة الأجسام فمعناه والله أعلم أن الطست كان فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما فسمي إيمانًا وحكمة لكونه سببًا لهما وهذا من أحسن المجاز، والله أعلم. قال القاضي عياض: وفي حشو قلبه حكمة وإيمانًا في الصغر دليل على ما يقوله المحققون من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الصغر. اهـ (ثم) بعد ما أطبق صدري وختمه (أخذ) جبريل (بيدي) اليمنى (فعرج) بفتحتين من

стр. 1659

بِي إِلَى السَّمَاءِ. فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَال جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَال: مَنْ هَذَا؟ قَال: هذَا جِبْرِيلُ. قَال: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَال: نَعَمْ. مَعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ . قَال: فَأرْسِلَ إِلَيهِ؟ قَال: نَعَمْ. فَفَتَحَ. قَال: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْودَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْودَةٌ. قَال: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَال: فَقَال: مَرْحَبا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ ــ باب دخل أي صعد (بي إلى السماء) أي إلى جهة العلو حتى وصلنا السماء الدنيا (فلما جئنا) ووصلنا (السماء الدنيا) أي القربى إلى الأرض التي تسمى بـ (رفيع) على صيغة المصغر (قال جبريل ﵇ لخازن السماء الدنيا) وبوابها (افتح) لنا الباب (قال) الخازن لجبريل (من هذا؟ ) المستفتح (قال) جبريل (هذا) المستفتح (جبريل) يريد نفسه إقامة للظاهر مقام المضمر الذي هو مقتضى السياق (قال) الخازن (هل معك أحد؟ قال) جبريل (نعم) معي أحد (معي محمد ﷺ قال) الخازن أ (فأرسل) بتقدير همزة الاستفهام (إليه) أي إلى محمد ﷺ للعروج (قال) جبريل (نعم) أرسل إليه بالعروج (ففتح) الخازن الباب (قال) النبي ﷺ (فلما علونا) وصعدنا (السماء الدنيا) وكنا فوقها، والإتيان بضمير الجمع فيه وفي أمثاله يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون ولعله كان كما عديا سماء تشيعهما الملائكة حتى يصلا إلى سماء أخرى، و (الدنيا) صفة للسماء في موضع نصب، و (إذا) في قوله (فإذا رجل) قاعد فيها، فجائية أي فلما علونا فوقها فاجأنا رؤية رجل قاعد، وجملة قوله (عن يمينه) أي عن يمين ذلك الرجل القاعد (أسودة) أي أشخاص وجماعات في محل الرفع صفة لرجل والأسودة جمع سواد كقَذَال وأقذلة وسنام وأسنمة وزمان وأزمنة، وتجمع الأسودة على أساود، وقال أهل اللغة: والسواد الشخص، وقيل: السواد الجماعات وهم نسم بنيه (وعن يساره) أي يسار ذلك الرجل (أسودة) أي أشخاص وجماعات أيضًا (قال) النبي ﷺ (فإذا نظر) ذلك الرجل القاعد (قبل يمينه) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة يمينه (ضحك) الرجل سرورًا وفرحًا (وإذا نظر قبل شماله) أي جهتها (بكى) ذلك الرجل حزنًا وتأسفًا (قال) النبي ﷺ (فقال) لي ذلك الرجل القاعد (مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا وهي كلمة

стр. 1660

قَال: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ ﵇. وَهَذِهِ الأَسْودَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأسودَةُ التِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَال: ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ. فَقَال لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. قَال: فَقَال لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَال خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. فَفَتَحَ". فَقَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "فَذَكَرَ ــ تقال عند تأنيس القادم، ولم يقل أحد منهم مرحبًا بالنبي الصادق لأن الصلاح شامل لسائر الخصال المحمودة الممدوحة من الصدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء كأنه قال: مرحبًا بالنبي التام في نبوته والابن البار في بنوته، وفي القاموس: رَحُب المكان ككرم وسمع رحبًا بالضم ورحابة فهو رَحْب ورحيب ورحاب بالضم اتسع كأرحب وأرحبه وسعه، وأرحب وأرحبي زجران للفرس أي توسعي وتباعدي، وامرأة رحاب بالضم واسعة، وقولهم مرحبًا وسهلًا أي صادفت سعة لا ضيقًا. اهـ منه (قال) النبي ﷺ (قلت: يا جبريل من هذا؟ ) الرجل القاعد (قال) جبريل ﵇ (هذا) الرجل القاعد (آدم) أبو البشر (﵇ وهذه الأسودة) التي (عن يمينه وعن شماله نسم بنيه) بفتح النون والسين المهملة جمع نسمة وهي نفس الروح أي أرواح بنيه (فأهل اليمين) منهم أي يمين الرجل هم (أهل الجنة والأسودة التي عن شماله) هم (أهل النار) أعاذنا الله وجميع المسلمين منها، يحتمل أن النار كانت في جهة شماله ويكشف له عنها حتى ينظر إليهم لا أنها في السماء لأن أرواحهم في سجين الأرض السابعة كما أن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمينه (فإذا نظر قبل يمينه ضحك) فرحًا بصلاحهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة (وإذا نظر قبل شماله بكى) تأسفًا بخذلانهم وشقائهم (قال) النبي ﷺ (ثم عرج) وصعد (بي جبربل) ﵇ (حتى أتى السماء الثانية فقال) جبريل (لخازنها) وبوابها (افتح) لنا الباب (قال) النبي ﷺ (فقال له) أي لجبريل (خازنها) أي خازن السماء الثانية وبوابها (مثل ما قال خازن السماء الدنيا) وبوابها حرفًا بحرف (ففتح) لنا باب السماء الثانية خازنها (فقال أنس بن مالك) راوي الحديث عن أبي ذر (فذكر) أبو ذر

стр. 1661

أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيفَ مَنَازِلُهُمْ. غَيرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَال: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَإِدْرِيسَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِ قَال: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخَ الصَّالِحِ ــ (أنه) أي أن النبي ﷺ (وجد) أي رأى (في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله) وسلامه (عليهم أجمعين ولم يثبت) من الإثبات (كيف منازلهم) أي لم يعين أبو ذر لكل نبي سماء (غير أنه) أي غير أن أبا ذر (ذكر أنه) أي أن النبي ﷺ (قد وجد) ورأى (آدم ﵇ في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في حديث أنس عن مالك بن صعصعة عند الشيخين أنه وجد آدم في السماء الدنيا كما مر وفي الثانية يحيى وعيسى وفي الثالثة يوسف وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبين الروايتين معارضة بالنسبة إلى مقام إبراهيم ﵇ إلا بأن يقال إن الإسراء كان مرتين أو لعله وجد إبراهيم في السادسة ثم ارتقى إبراهيم معه إلى السابعة والله أعلم. اهـ سنوسي (قال) أنس وفي رواية البخاري (قال أنس) بتصريح أنس، وقال القسطلاني ظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية وهي (فلما مر جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس) أي على إدريس (صلوات الله عليه قال) إدريس ﵇ (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) لم يقل والابن كما قال آدم لأنه لم يكن من آبائه ﷺ ، وقال القاضي عياض: عبر آدم ونوح وإبراهيم ﵈ بالابن لأنهم آباء له ﷺ وعبر غيرهم بالأخ لأنهم ليسوا آباء باتفاق، وتعبير إدريس ﵇ بالأخ يخالف ما يقوله أهل النسب والتاريخ إنه جد أعلى لنوح ﵇ ويقولون هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ هو إدريس ﵇ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇، ولا خلاف في عد هذه الأسماء على هذا النحو، وإنما الخلاف في ضبط بعضها، وقيل في إدريس إنه إلياس وإلياس من ذرية إبراهيم لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ الآية، وعلى هذا فليس بجد لنوح، قال النواوي: التعبير بالأخ لا يمنع كونه أبًا

стр. 1662

قَال: ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَال: هَذَا إِدْرِيسُ. قَال: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇. فَقَال: مَرْحَبا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخَ الصَّالِحِ. قَال: قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَال: هذَا مُوسَى. قَال: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى. فَقَال: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخَ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَال: هذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قَال: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇. فَقَال: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ. قَال: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا إِبْرَاهِيمُ". قَال ابْنُ شِهَابِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ ــ له ﷺ لأنه قد يكون تلطفًا وتادبًا أو يعني أخوة الإيمان، قال الأبي: ويمنع كونه إلياس ما ثبت من أن إدريس رفع ولم يرد أن إلياس رفع (قال) النبي ﷺ (ثم مر) بنا جبريل على إدريس (فقلت) لجبريل (من هذا؟ ) القائل الذي مررنا عليه (فقال) جبريل (هذا إدريس قال) رسول الله ﷺ (ثم مررت بموسى ﵇ فقال) موسى (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح قال) رسول الله ﷺ (قلت) لجبريل (من هذا؟ ) القائل (قال) جبريل (هذا موسى قال) رسول الله ﷺ (ثم مررت بعيسى فقال) عيسى (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت) لجبريل (من هذا؟ ) القائل (قال) جبريل (هذا) القائل (عيسى ابن مريم) وليست (ثم) هنا للترتيب إلا إن قيل بتعدد المعراج لأن الروايات قد اتفقت على أن المرور به كان قبل المرور بموسى (قال) رسول الله ﷺ (ثم مررت بإبراهيم ﵇ فقال) إبراهيم (مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قال) رسول الله ﷺ (قلت) لجبريل (من هذا) القائل (قال) جبريل (هذا إبراهيم) الخليل ﵇ (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري بالسند السابق (وأخبرني) أيضًا بالإفراد معطوف على أخبرني أنس بن مالك المعلوم من العنعنة السابقة (ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن حارثة بن محمد بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة من بني مالك بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي المدني قاضي أهل المدينة زمن سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ويقال اسمه كنيته، ويقال اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد، روى عن عمرو بن سليم الزرقي في الصلاة، وسلمان الأغر في الصلاة، وعمرة في الصلاة والجنائز والحج

стр. 1663

أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولانِ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأقلامِ" ــ وغيرها، وعبد الله بن قيس بن مخرمة في الصلاة، وعباد بن تميم في الصلاة والحج، وعبد الله بن عمرو بن عثمان في الحج والأحكام، وعمر بن عبد العزيز في البيوع، وأبي سلمة بن عبد الرحمن في الأحكام، ويروي عنه (ع) والزهري وابنه عبد الله بن أبي بكر وأفلح بن حميد والوليد بن أبي هشام ويحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن عبد الله بن الهاد وابن أبي حسين وغيرهم، تابعي ثقة من الثالثة مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة وهو ابن (٨٤) أربع وثمانين سنة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا كما بيناها (أن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ الطائفي وتقدم البسط في ترجمته (و) أن (أبا حبة) بفتح المهملة وتشديد الموحدة عامر بن عبيد بن عمرو بن عمير بن ثابت (الأنصاري) المازني البدري له صحبة، روى عن النبي ﷺ في حديث الإسراء، ويروي عنه (م) وابن حزم في حديث أبي ذر في المعراج، وعبد الله بن عمرو بن عثمان وعمار بن أبي عمار، وقال في التقريب: والذي يظهر أن أبا حبة الذي روى حديث الإسراء وحديث لم يكن، وروى عنه ابن حزم وعمار بن أبي عمار وضبطه المحدثون بالموحدة غير الذي ذكر أهل المغازي أنه استشهد بأحد واختلفوا هل هو بالموحدة أو بالنون أو بالتحتانية، فإن شيخ عمار بقي إلى خلافة معاوية لتصريح عمار بالسماع منه والله أعلم. اهـ قال ابن حزم (كانا) أي ابن عباس وأبو حبة (يقولان: قال رسول الله ﷺ ثم) بعد مروري على إبراهيم (عرج) بفتحات أو بضم الأول وكسر الثاني أي صعد (بي) جبريل (حتى ظهرت) وعلوت (لمستوى) أي على مصعد ومرتفع (أسمع فيه صريف الأقلام) أي تصويتها حال الكتابة، وقوله (لمستوى) بواو مفتوحة أي موضع مشرف يستوي عليه وهو المصعد، واللام فيه للعلة أي علوت لاستعلاء مستوى، وفي بعض الأصول (بمستوى) بموحدة بدل اللام، وقوله (صريف الأقلام) أي تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى مما تنسخه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره والله غني عن الاستذكار بتدوين الكتب إذ علمه محيط بكل شيء، وفي الأبي: وصريف الأقلام تصويتها حالة الكتابة وصريف العجل صوت أنيابه يحك بعضها بعضًا، وكتب الوحي بالأقلام في اللوح صحت فيه أحاديث وجاءت

стр. 1664

قَال ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أَمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً. فَرَجَعْتُ بِذلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَال مُوسَى ﵇: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَال قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسِينَ صَلاةً. قَال لِي مُوسَى ﵇: فَرَاجِعْ رَبَّكَ. فَإِن أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَال: فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطرَهَا. قَال: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ ــ به الآيات والعقل لا يحيله فيجب الإيمان به دون تأويل والله أعلم بكيفية تلك الأقلام وذلك الكتب بحسب ما اقتضته حكمته سبحانه وإلا فهو غني عن الكتب والاستذكار. وفي الحديث بيان علو منزلته ﷺ بحيث إنه بلغ من ملكوت السماوات ما لم يبلغه أحد. (قال ابن حزم) عن شيخيه (و) قال (أنس بن مالك) عن أبي ذر، قال الحافظ ابن حجر: كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة ابن حزم ومن رواية أنس بلا واسطة (قال رسول الله ﷺ : ففرض الله) علي و (على أمتي خمسين صلاة) أي في كل يوم وليلة كما في رواية ثابت عن أنس لكن بلفظ (ففرض الله علي) وذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه (فرجعت بذلك) المفروض من خمسين صلاة (حتى أمر بموسى) أي حتى وصلت إلى موسى وقصدت المرور عليه، وفي رواية البخاري "حتى مررت على موسى" بلفظ الماضي (فقال موسى ﵇: ماذا فرض) أي أي شيء أوجب (ربك على أمتك قال) رسول الله ﷺ (قلت) لموسى (فرض عليهم خمسين صلاة، قال لي موسى ﵇ فراجع ربك) يا محمد، وفي رواية (فارجع إلى ربك) أي إلى الموضع الذي ناجيته فيه فاسأله التخفيف عنهم (فإن أمتك لا تطيق ذلك) المفروض عليهم من خمسين صلاة (قال) رسول الله ﷺ (فراجعت ربي) وسألته التخفيف (فوضع) ربي أي أسقط عنهم (شطرها) أي بعضها، وفي رواية مالك بن صعصعة فوضع عني عشرًا، وفي رواية ثابت "فحط عني خمسًا" وزاد فيها أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادة معتمدة يتعين حمل ما في الروايات عليها. اهـ قسط. (قال) رسول الله ﷺ (فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته) أي

стр. 1665

قَال: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَإِن أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَال: فَرَاجَعْتُ رَبِّي. فَقَال: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ. لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ. قَال: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى. فَقَال: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيتُ مِنْ رَبِّي. قَال: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى. فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ ــ أخبرت موسى خبر ما جرى بيني وبين ربي من الحط عني، وفي رواية البخاري: "فرجعت إلى موسى فقلت: وضع شطرها" (قال) موسى ﵇ (راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال) رسول الله ﷺ (فراجعت ربي فقال) ربي في آخر المراجعات (هي) أي الصلاة المفروضة على أمتك (خمس) بحسب الفعل (وهي خمسون) بحسب الثواب قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وفي بعض روايات البخاري "هن خمس وهن خمسون" واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الخمس كالوتر، وفيه جواز النسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة، والحاصل مما زاده ثابت في روايته عن أنس من قوله (خمسًا خمسًا) أن المراجعة وقعت تسع مرات في كل مرة حط خمسًا فقوله شطرها أي جزءًا منها والمراد بالشطر الخمس (لا يبدل القول) بمساواة ثواب الخمس لخمسين أو لا يبدل القضاء المبرم لا المعلق الذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، وأما مراجعته ﷺ ربه في ذلك فللعلم بأن الأمر الأول ليس على وجه القطع والإبرام (قال) رسول الله ﷺ (فرجعت إلى موسى فقال) موسى ﵇ (راجع ربك) فاسأله التخفيف من خمس (فقلت) لموسى (قد) أكثرت المراجعة إلى ربي فـ (استحييت من) المراجعة إلى (ربي) الآن، وجه استحيائه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها ولا سيما قد سمع قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ (قال) رسول الله ﷺ (ثم) بعد مناجاة ربي والمراجعة إليه تسع مرات (انطلق) بفتح الطاء واللام وذهب (بي جبريل) ﵇ (حتى نأتي سدرة المنتهى) وفي بعض روايات البخاري "إلى السدرة المنتهى" وهي في أعلى السماوات السبع، وسيأتي في حديث عبد الله أنها في السادسة فيحتمل أن أصلها فيها ومعظمها في السابعة، وسميت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله ﷺ أر لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها أو تنتهي إليها أرواح الشهداء أو أرواح المؤمنين فتصلي عليهم الملائكة المقربون كما مر (فـ) إذا هي قد (غشيها) وغطاها (ألوان) مختلفة وصفات

стр. 1666

لا أَدْرِي مَا هِيَ. قَال: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ. وَإذا تُرَابُهَا الْمِسْكُ". ٣١٩ - (١٥٦) (٧٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (لَعَلَّهُ قَال) عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ (رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ) ــ متنوعة (لا أدري) ولا أعلم الآن (ما هي) أي جواب سؤال ما تلك الألوان لغرابتها وكثرتها (قال) رسول الله ﷺ (ثم) بعد وصولنا إلى سدرة المنتهى (أدخلت الجنة) لأنها في السماء السابعة (فإذا فيها) أي في الجنة (جنابذ) وقباب مخلوقة من (اللؤلؤ وإذا ترابها) أي تراب الجنة (المسك) أي كالمسك رائحة، والمسك طيب معروف ففيه تشبيه بليغ، والجنابذ بالجيم والنون وبعد الألف موحدة ثم معجمة جمع جنبذة وهي القبة؛ والقبة بناء مدور معقود السطح مثل القبة الخضراء على ضريح النبي ﷺ ، واللؤلؤ الدر واحدتها لؤلؤة وهو جوهر نفيس بحري أبيض، والمسك دم غزال تحول، يطلع من سرته، ورجال هذا الحديث الستة ما بين مصري ومدني، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وفيه التحديث والإخبار بالجمع والإفراد، وفيه العنعنة والقول، وشارك المؤلف في روايته البخاري في بدء الخلق وفي الأنبياء، والترمذي في التفسير، والنسائي في الصلاة، ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي ذر بحديث مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣١٩) - (١٥٦) (٧٩) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي أبو موسى البصري ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، قال ابن المثنى (حدثنا) محمد (بن أبي عدي) إبراهيم السلمي البصري ثقة من (٩) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن سعيد) بن مهران أبي عروبة اليشكري البصري ثقة من (٦) روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة ثبت من (٤) روى عنه في (٢٥) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ مات سنة (٩٣) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا، قال قتادة بن دعامة (لعله) أي لعل أنس بن مالك (قال عن مالك بن صعصعة رجل من قومه) أي من قوم أنس، والشك في قوله (لعله من قتادة)، قال النواوي: قال أبو علي

стр. 1667

قَال: قَال نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "بَينَا أَنَا عِنْدَ الْبَيتِ بَينَ النَّائِم وَالْيَقْظَانِ، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَينَ الرَّجُلَينِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي. فَأتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا. (قَال قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: ــ الغساني: هكذا هذا الحديث بالشك عن أبي أحمد الجلودي وعند غيره عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة بغير شك، قال الدارقطني: لم يروه عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة غير قتادة والله أعلم، وأما مالك بن صعصعة فهو مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك الأنصاري النجاري المازني له صحبة، له خمسة أحاديث اتفقا على حديث المعراج روى عن النبي ﷺ في المعراج ويروي عنه أنس بن مالك و (خ م ت س) وقال في التقريب: صحابي روى عنه أنس حديث المعراج وكأنه مات قديمًا (قال) مالك بن صعصعة (قال نبي الله ﷺ : بينا أنا عند البيت) أي بين أوقات كوني عند البيت الكعبة المشرفة حالة كوني (بين) حالة (النائم) التي هي الغفلة وعدم العلم بالشيء (و) بين حالة (اليقظان) والمنتبه التي هي التيقظ والعلم بالشيء أي كان حالي بين الحالتين حالة النوم وحالة اليقظة، وقد احتج بهذا الحديث أن الإسراء كان منامًا، قال القاضي: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك في أول وصول الملك إليه وليس فيه ما يدل على أنه كان نائمًا في جميع القضية، وقال السهيلي: إنه كان مرتين، والصحيح أن الإسراء كان يقظة لا منامًا (إذ سمعت قائلًا يقول) هو أي محمد المطلوب لنا (أحد الثلاثة) النائم (بين الرجلين) منهم أي وسطهما، روي أنه كان نائمًا معه حينئذ عمه حمزة بن عبد المطلب وابن عمه جعفر بن أبي طالب كما في شروح البخاري في كتاب بدء الخلق وكتاب التوحيد (فأتيت) بالبناء للمفعول أي أتاني الملك في محل نومي (فـ) أخذني و (انطلق بي) أي ذهب بي إلى موضع زمزم (فأتيت) بالبناء للمفعول أي أتاني الملك (بطست) أي بإناء (من ذهب فيها) أي في تلك الطست شيء مالئ (من ماء زمزم) بالصرف وعدمه فغسلت به (فشرح) بالبناء للمفعول أي فشق (صدري) من نحري (إلى كذا) أي إلى مراق بطني (و) إلى (كذا) أي وإلى سرتي، قال سعيد بن أبي عروبة (قال) لنا (قتادة) بن دعامة (فقلت لـ) الرجل (الذي) هو جالس (معي) عندما حدثنا أنس بن مالك هذا الحديث، وفي صحيح البخاري (فقلت للجارود وهو إلى جنبي) وهو الجارود بن أبي سبرة بفتح المهملة

стр. 1668

مَا يَعْنِي؟ قَال: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ) فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَة، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيهِ، ــ وسكون الموحدة الهذلي أبو نوفل البصري صدوق من الثالثة مات سنة عشرين ومائة (١٢٠) (ما يعني) ويقصد أنس أو النبي ﷺ بقوله إلى كذا وكذا، (قال) الذي معي يعني أنس أو النبي ﷺ بقوله إلى كذا وكذا (إلى أسفل بطنه) ومكان سرته (فاستخرج) بالبناء للمفعول أيضًا معطوف على (شرح صدري) أي أخرج الملك (قلبي) من داخل صدري إلى ظاهره (فغسل) قلبي (بماء زمزم) وقوله (ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانًا وحكمة) فيه تقديم وتأخير، والتقدير ثم حشي قلبي وملئ إيمانًا وحكمة ثم أعيد مكانه داخل المصدر. وفي هذه القصة أدل حجة وأوضح برهان وأصح دليل على مذهب أهل الحق من أن الموت والحياة وسائر الأشياء من فعل الله تعالى وخلقه محضًا ليس يوجبهما سبب ولا تقتضيهما طبيعة ولا يشترط لوجودهما شرط لا يوجدان إلا معه ألبتة إلا من حيث أجرى الله العادة حتى إذا شاء خرقها وأنفذ قدرته كيف شاء وكانت بمجرد قدرته وإرادته خلافًا للفلاسفة ومن ضارع مذهبهم من المعتزلة، فإن شق الجوف وإخراج الحشوة وإخراج القلب وشقه ومعاناته وغسله وإخراج شيء منه كل ذلك مقتل في العادة وسبب يوجد معه الموت لا محالة وقد اجتمعت هذه كلها في هذه القصة ولم يمت صاحبها إذ لم يرد الله موته ولا قضاه بل كانت هذه المهالك في حق غيره أسبابًا لحياة نفسه وقوة روحه وكمال أجره. اهـ من إكمال المعلم. (ثم) بعد إعادة قلبي مكانه (أتيت) بالبناء للمفعول أي أتاني الملك (بدابة أبيض) ذكر الصفة نظرًا إلى كونها بمعنى المركوب أي أتانى بمركوب أبيض، وجملة قوله (يقال له) أي لذلك المركوب (البراق) أي السريع في السير، سمي به لسرعة سيره كالبرق الخاطف صفة ثانية لـ (دابة)، والظرف في قوله (فوق الحمار) صفة ثالثة لها، وقوله (ودون البغل) معطوف على (فوق) أي أتاني بمركوب أبيض مقول له البراق موسوم بكونه متوسطًا بين هذين الحيوانين (يقع خطوه) أي حافر خطوه، والجملة صفة رابعة لها (عند أقصى طرفه) بفتح الطاء وسكون الراء أي عند آخر موقع طرفه وبصره (فحملت عليه) أي

стр. 1669

ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَينَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. فَقِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَال: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ ﷺ . قيل: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال فَفَتَحَ لَنَا. وَقَال: مَرْحَبًا بِهِ. وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَينَا عَلَى آدَمَ ﵇. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيحْيى ﵉. وَفِي الثالِثَةِ يُوسُفَ. وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِمْ وَسَلَّمَ، قَال: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انتَهَينَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. فَأَتَيتُ عَلَى مُوَسَى ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ. فَقَال: مَرْحَبًا بِالأخَ الصَّالِحِ ــ حملني الملك على ذلك المركوب وأركبني عليه حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى فصلينا فيه تحية المسجد مع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين ثم ربطنا البراق بحلقة باب المسجد (ثم انطلقنا) أي صعدنا بسلم وعرجنا (حتى أتينا السماء الدنيا فاستفتح جبريل ﵇) أي طلب فتح بابها من خازنها (فقيل) له أي قال له بواب السماء الدنيا (من هذا؟ ) المستفتح (قال) جبريل أنا (جبريل، قيل) له أي قال الخازن لجبريل (ومن معك؟ قال) جبريل معي (محمد ﷺ قيل) له أ (وقد بعث إليه) أي إلى محمد ﷺ (قال) جبريل (نعم) بعث إليه (قال) رسول الله ﷺ (ففتح لنا) الخازن بابها (وقال) الخازن (مرحبًا به) أي بمحمد ﷺ أي صادف مكانًا رحبًا واسعًا لا ضيق فيه، وهي كلمة تقال لتأنيس القادم وإكرامه (ولنعم) وحسن (المجيء) والحضور الذي (جاء) هـ محمد ﷺ ففيه حذف الموصول والاكتفاء بصلته (فأتينا) ومررنا في سماء الدنيا (على آدم) أبي البشر ﵇، وساق) مالك بن صعصعة (الحديث بقصته) أي بقصته التي ذكرناها في آدم في روايتنا عن أبي ذر ﵁ ثم قال (وذكر) النبي ﷺ (أنه لقي) ورأى (في السماء الثانية عيسى) ابن مريم (ويحيى) بن زكريا (عليهما) الصلاة و (السلام و) رأى (في الثالثة يوسف) بن يعقوب ﵉ (وفي الرابعة إدريس) ﵇ (وفي الخامسة هارون) بن عمران أخا موسى (صلى الله) تعالى (عليهم) أي على هؤلاء الأنبياء (وسلم) عليهم (قال) نبي الله ﷺ (ثم انطلقنا) وعرجنا من السماء الخامسة (حتى انتهينا إلى السماء السادسة، فأتيت على موسى ﵇ فسلمت عليه، فقال) موسى تأنيسًا لي (مرحبًا) وسعة لا ضيقًا (بالأخ الصالح) إنما قال

стр. 1670

وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى. فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَال: رَبِّ، هذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي. يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي. قَال: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَينَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَأَتَيتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَقَال فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَال: أَمَّا النهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، ــ ذلك لأنه ﷺ من ذرية إسماعيل وموسى من ذرية إسحاق وهما ابنا عم (والنبي الصالح فلما جاوزته) أي جاوزت موسى (بكى) موسى شفقة على قومه لما كان من ضلالهم ولما فاته من ثواب اتباعهم (فنودي) من الله تعالى فقيل له (ما يبكيك؟ ) أي أي شيء جعلك باكيًا يا موسى (قال) موسى يا (رب هذا) الأخ (غلام) خلق بعدي و (بعثته) وأرسلته (بعدي) حالة كونه (يدخل من أمته الجنة) عدد (أكثر مما يدخل) أي من العدد الذي يدخل (من أمتي) قال النواوي: معنى هذا أن موسى ﵇ حزن على قومه لقلة المؤمنين منهم مع كثرة عددهم فكان بكاؤه حزنًا عليهم وغبطة لنبينا محمد ﷺ على كثرة أتباعه، والغبطة في الخير محبوبة لا مذمومة كالحسد، ومعنى الغبطة أنه ود أن يكون من أمته المؤمنين مثل هذه الأمة لا أنه ود أن يكونوا أتباعًا له وليس لنبينا ﷺ مثلهم، والحاصل أنه إنما بكى حزنًا على قومه وعلى فوات الفضل العظيم والثواب الجزيل بتخلفهم عن الطاعة فإن من دعا إلى خير وعمل الناس به كان له مثل أجورهم كما جاءت به الأحاديث الصحيحة ومثل هذا يبكى عليه ويحزن على فواته. اهـ منه والله أعلم. (قال) نبي الله ﷺ (ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السابعة فأتيت) واطلعت (على إبراهيم) ﵇ (وقال) مالك بن صعصعة (في الحديث وحدث نبي الله ﷺ أنه رأى) في السماء السابعة (أربعة أنهار يخرج من أصلها) أي من أصل سدرة المنتهى، وساقها كما جاء مصرحًا بها في رواية البخاري في باب حديث الإسراء (نهران ظاهران) أي خارجان من ظاهرها (ونهران باطنان) أي خارجان من باطنها (فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ ) الخارجة منها (قال) جبريل (أما النهران الباطنان فنهران) جاريان (في الجنة) قال مقاتل: الباطنان هما السلسبيل

стр. 1671

وَأمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَال: هَذَا الْبَيتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُل يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيهِمْ. ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَينِ أحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالآخَرُ لَبَنٌ، ــ والكوثر (وأما) النهران (الظاهران فالنيل) في مصر (والفرات) في العراق، قال القاضي عياض: وهذا يشعر أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، وتعقب عليه النواوي فقال: وهذا الذي قاله القاضي ليس بلازم بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تجري حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض وتسير فيها، قال: وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه والله أعلم. قال الأبي قوله (فالظاهران النيل والفرات) قال القاضي: وهذا يدل على أن أصل السدرة في الأرض ويعارضه كون الباطنين وهما السلسبيل والكوثر في الجنة والجنة في السماء أو فوقه، ويعارضه أيضًا ما تقدم أن السدرة في السماء السابعة، ووجه الجمع أن يكون أصلها في السماء وأنزل من أصلها إلى الأرض النيل والفرات أنزلا من الجنة على جناح جبريل ﵇ فأودعهما بطون الجبال ثم إن الله تعالى يرفعهما عند رفع القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ وهو حديث ذكره النحاس وهو موافق أيضًا لما ذكره أصحاب الجغرافيا أن أصل النيل ومنبعه من جبل القمر وهو جبل في الحبشة (ثم رفع) أي كشف (لي) وظهر لي (البيت المعمور) بأنواع عبادات الملائكة وهو في السماء السابعة على حيال الكعبة في الأرض (فقلت: يا جبريل ما هذا؟ ) البيت (قال) جبريل (هذا) البيت هو (البيت المعمور) أي يسمى به (يدخله) أي يدخل هذا البيت (كل يوم) من أيام الدنيا (سبعون ألف ملك) يذكرون الله تعالى فيه بأنواع العبادات ثم يخرجون منه فـ (إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه) أبدًا، وقوله (آخر ما عليهم) بالرفع خبر لمحذوف تقديره هذا الدخول آخر ما عليهم من الدخول في ذلك البيت، وبالنصب على الظرفية والتقدير هذا الخروج في آخر ما عليهم من الدخول، والرفع أوجه، وفي هذا أعظم دليل على كثرة الملائكة ﵈ (ثم) بعد ما رفع لي البيت المعمور (أتيت) بالبناء للمجهول أي أتاني الملك (بإناءين أحدهما) فيه (خمر والآخر) فيه (لبن) وهذا ظاهر في أنه أتي بهما في السماء، وفي الحديث السابق أنه أتي بهما قبل العروج فيجمع بينهما بأنه أتي بهما مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، والله أعلم

стр. 1672

فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقِيلَ: أَصَبْتَ، أَصَابَ اللهُ بِكَ. أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلاةً". ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. ٣٢٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. قَال: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ ــ (فعرضا علي) أي عرض علي اختيار أحدهما (فاخترت اللبن، فقيل) لي أي قال لي الملك (أصبت) الفطرة ووفقتها أو الملة (أصاب الله) أي أراد الله (بك) يا محمد الفطرة والخير والفضل، وقد جاء أصاب بمعنى أراد كما في قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ أي حيث أراد، وقوله (أمتك على الفطرة) مبتدأ وخبر أي إنهم أتباع لك وقد أصبت الفطرة فهم يكونون عليها (ثم فرضت علي) وعلى أمتي (كل يوم) وليلة (خمسون صلاة، ثم ذكر) مالك بن صعصعة (قصتها) أي قصة خمسين صلاة (إلى آخر الحديث)، وحديث مالك بن صعصعة هذا شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ٢٠٦) والبخاري (٣٢٠٧) والترمذي (٣٣٤٣) والنسائي (١/ ٢١٧ - ٢١٨)، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٢٠) - (. . .) (. . .) (حدثني محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري ثقة من (١٠) روى عنه في (١٤) بابًا قال ابن المثنى (حدثنا معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري صدوق من التاسعة مات سنة (٢٠٠) روى عنه في (٤) أبواب (قال) معاذ (حدثنا أبي) هشام بن سنبر الدستوائي أبو بكر البصري ثقة من (٧) مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه ثقة ثبت من (٤) مات سنة (١١٧) روى عنه في (٢٥) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي أبي حمزة البصري خادم رسول الله ﷺ له (١٢٨٦) حديثًا مات سنة (٩٣) روى عنه في (١٢) بابًا (عن مالك بن صعصعة) بن وهب الأنصاري النجاري المازني الصحابي المشهور، له (٥) أحاديث وكأنه مات قديمًا، وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم بصريون إلا مالك بن صعصعة فإنه مدني، وفيه رواية صحابي عن صحابي وولد عن والد، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة هشام الدستوائي لسعيد بن أبي عروبة في رواية هذا الحديث عن قتادة، وفائدتها بيان

стр. 1673

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ فِيهِ: "فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيَمَانًا" ــ كثرة طرقه. (أن رسول الله ﷺ قال: فذكر) هشام الدستوائي (نحوه) أي نحو حديث سعيد بن أبي عروبة (وزاد) هشام (فيه) أي في الحديث (فأتيت بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فشق) صدري (من النحر) والنحر أعلى المصدر يقال نحر الإبل إذا طعن في لبتها واللبة أسفل العنق (إلى مراق البطن) والمراق بفتح الميم وتشديد القاف وهو ما سفل من البطن ورق من جلده، قال الجوهري: جمع لا واحد له من لفظه، وقال صاحب المطالع: واحدها مرق (فغسل) قلبي (بماء زمزم) وإنما اختاره على غيره من المياه لفضله على غيره من المياه أو لأنه يقوي القلب (ثم ملئ) قلبي (حكمة وإيمانًا) والحكمة كما قاله النواوي عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوبة بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل، وقيل هي النبوة، وقيل هي الفهم عن الله تعالى، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث أبي ذر والثاني حديث مالك بن صعصعة وذكر فيه متابعة واحدة. ***

стр. 1674

٨٨ - (٤٧) بَابُ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلأنْبِيَاءِ لَيلَةَ الْإِسْرَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيهِمْ، وَوَصْفِهِ لَهُمْ، وَصَلاتِهِمْ ٣٢١ - (١٥٧) (٨٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ ــ ٨٨ - (٤٧) بَابُ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلأنْبِيَاءِ لَيلَةَ الْإِسْرَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيهِمْ، وَوَصْفِهِ لَهُمْ، وَصَلاتِهِمْ أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث التي وردت في بيان رؤية النبي ﷺ للأنبياء ليلة الإسراء ووصفه كلًّا منهم بأوصاف خاصة به وذكره لصلاتهم. والإسراء سير الليل يقال سريت مسرى وسرى وأسريت إسراء بمعنى واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز، وقيل أسرى سار من أول الليل وسرى سار من آخره، والقول الأول أعرف، واختلف في كيفية هذا الإسراء وفي زمانه، فقيل كان كله منامًا وقيل كان كله يقظة وقيل كان إلى المسجد الأقصى يقظة وإلى ما بعد ذلك منامًا، وكل تلك الأقسام جائز، ولكن الذي عليه معظم السلف والخلف أنه أسري بجسده وحقيقته في اليقظة إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدل ظاهر الكتاب وصحيح الأخبار ومبادرة قريش لإنكار ذلك وتكذيبه ولو كان منامًا لما أنكروه ولما افتتن به من افتتن إذ كثيرًا ما يرى في المنام أمور عجيبة وأحوال هائلة فلا يستبعد ذلك في النوم وإنما يستبعد في اليقظة. (٣٢١) - (١٥٧) (٨٠) (حدثني محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري (و) محمد (بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري ثقة من (١٠) مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا وأتى بقوله (قال ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة ثقة إلا أن فيه غفلة من (٩) مات سنة (١٩٣) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا إشارة إلى أن ابن بشار روى له بالعنعنة، قال ابن جعفر (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابًا تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (قال سمعت أبا العالية) رفغ مصغرًا ابن مهران ويقال فيروز الرياحي بكسر الراء مولاهم مولى أعرابية من رياح بن يربوع بطن من تيم أو إلى محلة لهم في مدينة البصرة البصري مخضرم إمام من الأئمة صلى خلف عمر ودخل على أبي بكر ورآه، روى عن ابن عباس

стр. 1675

يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ (يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) قَال: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَال: "مُوسَى آدَمُ طُوَال، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ". وَقَال: "عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ. وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَّنَمَ، ــ في الإيمان والصلاة وذكر الأنبياء والدعاء ويروي عنه (ع) وقتادة وداود بن أبي هند وثابت وخلق، ثقة كثير الإرسال من الثانية مات سنة تسعين (٩٠) روى عنه في أربعة أبواب (يقول: حدثني ابنُ عم نبيكم ﷺ قال قتادة (يعني) أبو العالية بابن عم نبيكم (ابن عباس) أي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي البصري، وأتى بالعناية لغرض الإيضاح والتمييز عن غيره، وهذا الإسناد من سداسياته، قال النواوي: ومن لطائف هذا الإسناد أن رجاله كلهم بصريون وشعبة وإن كان واسطيًّا فقد انتقل إلى البصرة واستوطنها وابن عباس أيضًا سكنها. (قال) ابن عباس (ذكر رسول الله ﷺ قصة (حين أسري به) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (فقال) رسول الله ﷺ رأيت ليلتئذ (موسى) بن عمران وهو (آدم) أي متصف بلون الأُدْمة وهو يسير سواد يضرب إلى الحمرة وهو غالب ألوان العرب (طوال) بضم الطاء المهملة وتخفيف الواو ومعناه طويل وهما لغتان (كأنه) أي كأن موسى ﵇ في الطول (من رجال شنوءة) بشين معجمة مفتوحة ثم نون ثم واو ثم همزة ثم هاء قبيلة معروفة باليمن، قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: سموا بذلك من قولهم رجل فيه شنوءة أي تقزز وتنظف، قال الجوهري: الشنوءة التباعد من الأدناس ومنه أزد شنوءة وهم حي من اليمن ينسب إليهم شنئيٌّ، قال: قال ابن السكيت: ربما قالوا أزد شنؤة بالتشديد غير مهموز وينسب إليهم الشَّنَويُّ، وعبارة المفهم هنا وأزد شنوءة حي من اليمن شبه بهم موسى في كيفية خلقتهم وسموا شنوءة لشنوءتهم وهي تباعدهم عن الأنجاس والأقذار، يقال رجل فيه شنوءة أي تقزز وهي المباعدة عن الأقذار حكاه الجوهري، وقال القُتبي: سموا بذلك لأنهم تشانؤوا أي تباغضوا. اهـ (وقال) رسول الله ﷺ ورأيت أيضًا (عيسى) ابن مريم وهو (جعد) قال العلماء: المراد بالجعد هنا جعودة الجسم وهو اجتماعه واكتنازه وليس المراد جعودة الشعر (مربوع) في القامة أي وسط ليس بالطويل البائن ولا بالقصير الفاحش (وذكر) رسول الله ﷺ أنه رأى (مالكًا خازن جهنم) وحافظها

стр. 1676

وَذَكَرَ الدَّجَّال". ٣٢٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ (ابْنُ عَبَّاسٍ) قَال؛ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَرَرْتُ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ ــ ورئيسها (وذكر) رسول الله ﷺ أنه رأى (الدجال) الكذاب الذي يدعي الألوهية الذي خروجه من أشراط الساعة، وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث -أعني حديث ابن عباس ﵄ أحمد (١/ ٢١٥ - ٢٣٢) وابن ماجه (٢٨٩١). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٢٢) - (. . .) (. . .) (وحدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكَسِّي نسبة إلى كَسٍّ مدينة فيما وراء النهر ثقة حافظ من (١١) مات سنة (٢٤٩) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا قال عبد (أخبرنا يونس بن محمد) بن مسلم المؤدب أبو محمد البغدادي ثقة ثبت من (٩) مات سنة (٢٠٧) روى عنه في (٥) أبواب، قال يونس بن محمد (حدثنا شيبان بن عبد الرحمن) التميمي مولاهم أبو معاوية البصري ثم الكوفي ثم البغدادي ثقة من (٧) مات سنة (١٦٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة البصري (عن أبي العالية) رفيع بن مهران البصري قال أبو العالية (حدثنا ابن عم نبيكم ﷺ ابن عباس) وهذا السند أيضًا من سداسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد بغدادي وواحد كَسِّي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شيبان بن عبد الرحمن لشعبة بن الحجاج في رواية هذا الحديث عن قتادة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه. (قال) ابن عباس (قال رسول الله ﷺ مررت) وجاوزت (ليلة أسري بي) إلى المسجد الأقصى وعرج بي إلى السماوات السبع (على موسى بن عمران ﵇) وهو يصلي في قبره كما سيأتي في الرواية الآتية (فإن قلت) رؤيته لموسى وهو يصلي في قبره وصلاته بهم جميعًا في المسجد الأقصى يعارض ما تقدم من أنه وجدهم في السماوات (قلت) يحتمل أنه مر بموسى وهو يصلي في قبره ثم سبقه موسى إلى السماء، وأما صلاته بالأنبياء فيحتمل أنه في أول ما رأوه ثم سألوه ورحبوه، أو

стр. 1677

رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ جَعْدٌ. كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. وَرَأَيتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ. إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ. سَبِطَ الرَّأْسِ. وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، ــ تكون رؤيته لموسى وصلاته بالأنبياء ﵈ بعد رجوعه من سدرة المنتهى، وفيه نظر. اهـ من الأبي. (قلت) والجواب الصحيح أنه مر على موسى وهو يصلي في قبره قبل وصوله إلى بيت المقدس ثم سبقه موسى إلى بيت المقدس وصلى بهم جميعًا ثم سبقه موسى إلى السماء ورحبه في السماء والله سبحانه أعلم. فإذا هو (رجل) بضم الجيم أي ذكر تام الخلق فهو بيان للمعلوم، وبكسر الجيم على وزن فَعِل أي رجل الشعر أي شعره متوسط بين السبوطة وهو استرسال الشعر كشعر الروم والجعودة وهي تكسر الشعر وانقباضه كشعر السودان، فالشعر الرجل ما كان فوق الجعودة ودون السبوطة كشعر العرب (آدم) أي أسمر لونًا أي متصف بالأدمة، وهي يسير سواد يضرب إلى الحمرة كما هي غالب ألوان العرب (طوال) بضم الطاء أي طويل (جعد) أي جعد الجسم أي مجتمعه وشديده وتامه، قال العلماء: والمراد بالجعد هنا جعودة الجسم وهو اجتماعه واكتنازه وليس المراد جعودة الشعر فهو صفة مدح، ويحتمل أن يكون صفة شعر أي شعره جعد أي وسط بين السبط والقطط كما جاء في صفة شعر النبي ﷺ ولكنه يكون مكررًا مع قوله أولًا (رجل) بكسر الجيم (كأنه) أي كأن موسى ﵇ في طوله ونظافته (من رجال) قوم (شنوءة) حي معروف باليمن كما مر. (و) قال رسول الله ﷺ أيضًا (رأيت عيسى بن مريم) ﵇ حالة كونه (مربوع الخلق) أي متوسط القد والقامة ليس بالطويل ولا بالقصير، وحالة كونه مائلًا لونه من السواد (إلى الحمرة والبياض) المختلطين ليس لونه بالبياض الناصع ولا بالحمرة القانية بل لونه وسط بين اللونين بعيد عن السواد وحالة كونه (سبط) شعر (الرأس) أي مسترسله ليس فيه تكسر ولا تعقد، والسَّبِطِ بفتح السين وكسر الباء وبفتحهما لغتان مشهورتان فيه ويجوز إسكان الباء مع كسر السين وفتحها على التخفيف، قال أهل اللغة: الشعر السبط هو المسترسل ليس فيه تكسر، ويقال في تصريف فعله سَبِط يسبط سبطًا من باب فرح فرحًا (وأري) على صيغة الماضي المبني للمفعول أي أري رسول الله ﷺ تلك الليلة (مالكًا خازن النار) هكذا في رواية مسلم بضم همزة

стр. 1678

وَالدَّجَّال". فِي آيَاتِ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ. ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]. قَال: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵇ ــ (أري) ونصب (مالكًا)، وفي رواية البخاري في هذا الحديث (ورأيت مالكًا) وهي المطابقة للسياق ووقع في أكثر الأصول (وأري مالك) بالرفع وقد يقال إنه تصحيف، ولكن له جواب حسن وهو أن يقال إنه منصوب ولكن رسم على لغة ربيعة لأنهم يرسمون المنصوب المنون على صورتي المرفوع والمجرور المنونين ويقرؤونه بالنصب (و) أري أيضًا (الدجال) الكذاب (في آيات) أي مع رؤية آيات وعجائب دالة على قدرته تعالى (أَراهُنَّ الله) (إياه) ﷺ وأطلعه عليهن من العجائب الدالة على باهر قدرته تعالى وعظيم سلطانه كالجنة والنار وأهلهما، وقوله (وأري مالكًا) إلى آخر الحديث من كلام الراوي على هذه الرواية حاكيًا عنه ﷺ وهو ابن عباس، واستدل الراوي على رؤيته ﷺ لموسى بن عمران ﵇ بقوله تعالى: (﴿فَلَا تَكُنْ﴾) يا محمد (﴿فِي مِرْيَةٍ﴾) وشك (﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾) أي من لقائك ورؤيتك موسى تلك الليلة، قال النواوي هذا الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ هو استدلال من بعض الرواة، والآية في سورة السجدة في رقم [٢٣] (قال) شيبان بن عبد الرحمن بالسند السابق (كان قتادة) بن دعامة (يفسرها) أي يفسر هذه الآية بـ (أن نبي الله ﷺ قد لقي) ورأى تلك الليلة (موسى) بن عمران ﵇ وعبارة النووي هنا: وأما تفسير قتادة فقد وافقه عليه جماعة منهم مجاهد والكلبي والسدي، وعلى مذهبهم معناه: فلا تكن في شك من لقائك موسى، وذهب كثيرون من المحققين من المفسرين وأصحاب المعاني إلى أن معناها فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب وهذا مذهب ابن عباس ومقاتل والزجاج وغيرهم والله أعلم، وعبارة القاضي هنا وقول قتادة في آخر الحديث ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ يعني أن محمدًا لقي موسى ﵉ يعني ليلة الإسراء فالهاء على هذا عائدة على موسى، وقال غيره من المفسرين: الهاء عائدة على الكتاب أي فلا تكن في مرية من تلقي موسى الكتاب الذي أوتي، وعن الحسن: أن معناه ولقد آتينا موسى الكتاب فأوذي وكذب فلا تكن في مرية أنك ستلقى مثل ما لقيه من الأذى والتكذيب، وقيل في الآية تقديم وتأخير

стр. 1679

٣٢٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسُرَيجُ بْنُ يُونُسَ قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، ــ يعود إلى الرجوع للآخرة والبعث وما تقدم من قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ واعترض قصة موسى بين كلامين، وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قال من لقاء موسى ربه . اهـ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٢٣) - (. . .) (. . .) (حدثنا أحمد) بن محمد (بن حنبل) بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني المروزي نزيل بغداد أبو عبد الله الإمام الفقيه الحافظ الثقة الحجة أحد الأئمة الأعلام كان حافظًا متقنًا فقيهًا لازمًا للورع الخفي مواظبًا على العبادة الدائمة أغاث الله به أمة محمد ﷺ وذلك أنه ثبت في المحنة وبذل نفسه لله تعالى حتى ضرب بالسياط للقتل فعصمه الله تعالى من الكفر وجعله علمًا يقتدى به وملجأ يلتجأ إليه، روى عن هشيم ومحمد بن جعفر في الإيمان، وعن معتمر بن سليمان ويحيى القطان في الصلاة والأدب، وعبد الله بن كثير ومحمد بن سلمة في الحج، وعبد الرحمن بن مهدي في الحدود، وعبد الرزاق ومعتمر في الجهاد، وأبي داود الطيالسي في الصيد، وابن أبي زائدة وابن علية في اللباس وشرف النبي ﷺ ، وسفيان بن عيينة في الأدب والفضائل، وغيرهم ويروي عنه (ع) وهذا أول موضع روى عنه المؤلف فيه، والشافعي وابن مهدي والأسود بن عامر ويزيد بن عامر من شيوخه وابن معين وخلق، وقال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد من أحمد بن حنبل، وقيل إنه يحفظ ألف ألف حديث وهو رأس الطبقة العاشرة مات سنة (٢٤١) إحدى وأربعين ومائتين في ربيع الأول وله (٧٧) سبع وسبعون سنة روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (سريج) بالسين المهملة وبالجيم مصغرًا (بن يونس) بن الحارث المروزي أبو الحارث سكن بغداد العابد القدوة ثقة عابد من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين له في (خ) فرد حديث وأكثر منه (م) روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما (قالا: حدثنا هشيم) بن بشير السلمي أبو معاوية الواسطي نزيل بغداد ثقة

стр. 1680

أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الأزْرَقِ فَقَال: أَيُّ وَادٍ هذَا؟ ــ ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي من السابعة مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٨) بابا تقريبًا، قال هشيم (أخبرنا داود بن أبي هند) القشيري مولاهم أبو محمد البصري واسم أبي هند دينار ثقة متقن من الخامسة مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي العالية) رفع بن مهران البصري (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنه وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد واسطي وواحد مروزي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن أبي هند لشيبان بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي العالية وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة بالزيادة وفي سوق الحديث. (أن رسول الله ﷺ مر) في بعض أسفاره إلى مكة (بوادي الأزرق) أي في واد يسمى بالأزرق وهو واد بين مكة والمدينة (فقال) لمن حضره (أي واد هذا؟ ) أي بأي اسم يسمى هذا الوادي والأظهر في سؤاله أنه استفهام وأنه كان لا يعلم أنه وادي الأزرق ويحتمل أنه استنطاق (فإن قلت) عادتهم في الاستنطاق أن يقولوا الله ورسوله أعلم (قلت) إنما ذلك في الأمور العلمية وهذا خبر عن محسوس (فإن قلت) قد قالوا ذلك حين قال: أي بلد هذا؟ أي شهر هذا؟ وهما محسوسان، قلت: ذلك استجلاب لما عسى أن يخبرهم بما لا يعلمون. اهـ أبي، قال السنوسي قلت: هذا جواب بما هو مشترك بين المحلين فيحتاج إلى الفرق وقد يفرق بأن السؤال في حديث: "أي بلد هذا" سؤال عن واضح لكل أحد فتحقق السامعون أن المقصود منه شيء آخر مما جهلوه فحسن جوابهم بما يقتضي الأدب ويستمطر الفائدة وهو قولهم (الله ورسوله أعلم)، وأما وادي الأزرق فلم يتحققوا علمه به فتمسكوا بظاهر السؤال وامتثلوا في الجواب مقتضاه لا يقال فيرجع هذا إلى أنه استفهام حقيقة لا استنطاق لأنا نقول لا يرجع إليه إذ لا منافاة بين كون السؤال استنطاقًا بحسب قصد المتكلم واستفهامًا بحسب حمل المخاطب. اهـ منه. وقد يقال إن فائدة ذكر هذا الحديث التعريف بمنزلته ﷺ من الله تعالى في إعلامه بهذه الأمور المغيبة. اهـ أبي.

стр. 1681

فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ. قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بالتَّلْبِيَةِ. ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى. فَقَال: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى. قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى ــ (فقالوا) أي فقال الحاضرون (هذا وادي الأزرق) أي هذا واد يسمى بالأزرق ظنًّا منهم أنه لا يعرفه و (قال) رسول الله ﷺ (كأني انظر) الآن (إلى موسى ﵇) حالة كونه (هابطًا) ونازلًا (من) هذه (الثنية) الطريق بين الجبلين إلى هذا الوادي (وله جؤار) أي والحال أن له جؤارًا ورفع صوت (إلى الله) تعالى (بالتلبية) والإجابة، قال الإمام: الجؤار رفع الصوت وهو مهموز ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي ترفعون أصواتكم وتستغيثون به، يقال: جأر يجأر من باب فتح، قال عدي بن زيد: إنني والله فاقبل حلفتي ... بأبيل كلما صلى جأر قال السنوسي: وفيه رفع الصوت بالتلبية وهو سنة في شرعنا من غير إسراف إلا في المساجد فيسمع من يليه فقط خوف الرياء إلا في مسجد مكة ومنى فيعلن أي فيرفع صوته فيهما عند مالك رحمه الله تعالى لأن كل من بهما يلبي بلا رياء بخلاف غيرهما من مساجد البلاد التي الحجاج فيها قليل فتشهر فيها ذلك فتحدث فساد عملك، قال القاضي: وفيه من الفقه التلبية ببطن المسيل وأنه من سنن المرسلين وشرائعهم به احتج البخاري في المسألة لقوله إذا انحدر من الوادي، والتلبية هي قول الشخص (لبيك اللهم لبيك) إلى آخره، قال القرطبي: (قوله ﷺ كأني أنظر إلى موسى) يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره وحقيقته ليلة الإسراء وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي ويحتمل أن يكون ذلك كله منامًا ورؤيا الأنبياء وحي وهو نص حديث ابن عمر والله أعلم (ثم أتى) ومر رسول الله ﷺ (على ثنية هرشى) والثنية الطريق بين الجبلين وهرشى بفتح الهاء وسكون الراء وبالشين المعجمة مقصورة الألف جبل من تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة (فقال) رسول الله ﷺ (أي ثنية هذه؟ ) الثنية أي بأي اسم تسمى هذه الثنية (قالوا) أي قال الحاضرون معه هي (ثنية هرشى) أي تسمى بهذا الاسم (قال) رسول الله ﷺ كأني انظر) الآن (إلى يونس) بضم الياء والنون بينهما واو ساكنة وفيه لغات أخر (بن متى) بفتح الميم والتاء المشددة المفتوحة (﵇) حالة كونه راكبًا (على

стр. 1682

نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ. خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ. وَهُوَ يُلَبِّي". قَال ابْنُ حَنْبَل فِي حَدِيثِهِ: قَال هُشَيمٌ: يَعْنِي لِيفًا. ٣٢٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ ــ ناقة) هي الأنثى من الإبل (حمراء) صفة لناقة مؤنث الأحمر (جعدة) بفتح الجيم وسكون العين صفة ثانية لناقة أي مكتنزة اللحم تامة الجسم سمينة لا هزيلة، قال الإمام المازري: الناقة الجعدة هي المجتمعة الخلق الشديدة الأسر، وجملة قوله (عليه) أي على يونس خبر مقدم لقوله (جبة من صوف) في محل النصب حال ثانية من يونس أي حالة كونه لابسًا جبة من صوف، والجبة بضم الجيم وفتح الموحدة المشددة قباء محشو يلبس للبرد والصوف شعر الغنم ضأنًا أو معزًا وجملة قوله: (خطام ناقته) أي مقودها (خُلْبة) أي حبل من ليف حال ثالثة منه ولكنها سببية، وجملة قوله: (وهو) أي والحال أنه (يلبي) بالحج حال رابعة منه، والخطام بكسر الخاء المعجمة هو الحبل الذي يقاد به البعير يجعل على خطمه، والخطم من الدابة مقدم أنفها وفمها. اهـ قاموس، والخلبة بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وضمها الليف كما فسرها به هشيم في قوله (قال) أحمد (ابن حنبل في حديثه) أي في روايته (قال) لنا (هشيم) بن بشير (يعني) أي النبي ﷺ أو الراوي عنه بالخلبة (ليفًا) أي حبلًا من ليف، وفي القاموس: والخلبة الحبل من الليف الصلب الرقيق والليف غشاء أغصان النخل عند طلوعه وخيوط في ثمر شجر يشبه ثمره ثمر الخيار. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٢٤) - (. . .) (. . .) (وحدثني محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري ثقة ثبت من (١٠) روى عنه في (١٤) بابا، قال ابن المثنى (حدثنا) محمد (بن أبي عدي) إبراهيم السلمي مولاهم أبو عمرو البصري ثقة من (٩) مات سنة (١٩٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن داود) بن أبي هند القشيري البصري ثقة من (٥) (عن أبي العالية) رفيع بن مهران البصري (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن أبي عدي

стр. 1683

قَال: "سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَينَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَال: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ. فَقَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ (فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ) وَاضِعًا إِصْبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ، مَارًّا بِهذَا الْوَادِي قَال: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَينَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَال: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هذِهِ؟ قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، أَوْ لَفَتٌ ــ لهشيم في رواية هذا الحديث عن داود، وفائدتها بيان كثرة طرقه وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (قال) ابن عباس (سرنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره (بين مكة والمدينة فمررنا بواد) أي في واد يسمى وادي الأزرق، والوادي اسم لمسيل الماء والمكان المنبطح بين الجبلين (فقال) رسول الله ﷺ (أي واد هذا؟ ) الوادي الذي نحن فيه أي بأي اسم يسمى (فقالوا) أي فقال الحاضرون عنده هو (وادي الأزرق) وهو واد بين مكة والمدينة (فقال) رسول الله ﷺ (كأني أنظر) الآن (إلى موسى) بن عمران (﵇) قال ابن أبي عدي (فذكر) النبي ﷺ (من لونه) أي من لون موسى (و) صفة (شعره شيئًا لم يحفظه داود) بن أبي هند، وقوله (واضعًا إصبعيه في أذنيه) حال من موسى أي كأني أنظر إلى موسى حالة كونه مدخلًا أنملتي إصبعيه السبابتين في صماخي أذنيه، قال القاضي: فيه وضع الإصبع في الأذن عند الأذان، وقال أيضًا: وفي الإصبع عشر لغات الهمز بالحركات الثلاث وفي الباء الحركات الثلاث والعاشر أصبوع كعصفور حالة كونه (له جؤار) أي رفع صوت (إلى الله بالتلببة) أي بتلبية الحج حالة كون موسى (مارًا بهذا الوادي) أي بوادي الأزرق (قال) ابن عباس (ثم سرنا حتى أتينا على ثنية) أي على طريق بين الجبلين (فقال) رسول الله ﷺ (أي ثنية هذه) الثنية (قالوا: ثنية هرشى أو) قالوا (لفت) بالشك من الراوي بكسر اللام وسكون الفاء آخره مثناة من فوق وفيها وجهان آخران فتح اللام مع سكون الفاء وفتحهما معًا، قال ابن الأثير: ثنية لفت هي ثنية بين مكة والمدينة، قال القرطبي: روي عن أبي بحر أنه قال بفتح اللام وسكون الفاء، وقال ابن السراج: بكسر اللام وسكون الفاء، وأنشد بعضهم: مررت بلفت والثريا كأنها ... قلائد در حُلَّ عنها نظامها بالكسر، وقال القاضي الشهيد: بفتح اللام والفاء.

стр. 1684

فَقَال: كَأَني أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ. عَلَيهِ جُبَّةُ صوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا". ٣٢٥ (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَن ابْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ؛ ــ (فقال) رسول الله ﷺ (كأني أنظر) الآن (إلى يونس) بن متى حالة كونه راكبًا (على ناقة حمراء عليه) أي على يونس (جبة صوف) أي جبة منسوجة من شعر غنم، والجبة قباء محشو يلبس للبرد (خطام ناقته) أي زمام ناقته (ليف) أي حبل من ليف، وقوله (خلبة) بالرفع بدل أو عطف بيان من ليف وروي بالجر بإضافة ليف إليه، والخلبة بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وضمها قد فسرها في الحديث السابق بالليف حالة كون يونس (مارًا بهذا الوادي) أي وادي هرشى حالة كونه (ملبيًا) أي ذاكرًا بالتلبية. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٢٥) - (. . .) (. . .) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري ثقة من العاشرة، قال ابن المثنى (حدثنا) محمد (بن) إبراهيم بن (أبي عدي) السلميُّ البصريُّ ثقة من التاسعة (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان بفتح فسكون ففتح المزني أبي عون البصري ثقة ثبت فاضل من السادسة مات سنة (١٥٠) روى عنه في أحد عشر بابا (عن مجاهد) بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي المقرئ الإمام المفسر روى عن ابن عباس في الإيمان والصلاة والحج، وطاووس في الصوم والحج والجهاد، وأبي معمر عبد الله بن سخبرة في الصلاة والجهاد وغيرهما، وابن عمرو وعبد الرحمن بن أبي ليلى في الصلاة والحج والأطعمة والدعاء، وأبي هريرة في الزكاة، وعائشة في الحج، وجابر في الحج، وقزعة في النكاح، وأبي عياض في الأشربة، ويروي عنه (ع) وابن عون والأعمش وسيف بن أبي سليمان في الصلاة والحج، وعمرو بن دينار والحكم بن عتيبة في الصلاة وغيرها، ومنصور في الصلاة، وبكير بن الأخنس ومزاحم بن زفر ومسلم البطين في الصوم، وسلمة بن كهيل، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وأيوب السختياني وخلق لا يحصون، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال في التقريب: ثقة إمام في التفسير وفي العلم، وكان مولده سنة إحدى

стр. 1685

قَال: "كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَذَكَرُوا الدَّجَّال. فَقَال: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ. قَال: فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَال ذَاكَ. وَلكِنَّهُ قَال: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ. وَأمَّا مُوسَى، فَرَجُل آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةِ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي ــ وعشرين في خلافة عمر، وكان يقص مات بمكة وهو ساجد سنة (١٠٤) أربع ومائة وله (٨٦) ست وثمانون سنة روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا. (قال) مجاهد (كنا عند) عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما (فذكروا) أي فذكر الناس الحاضرون عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (الدجال) أي شأن الدجال الكذاب (فقال) قائل من الحاضرين، قال النواوي: وذكره عبد الحق في الجمع بين الصحيحين من رواية مسلم (فذكروا الدجال فقالوا) بلفظ الجمع (إنه) أي إن الشأن أو إن الدجال (مكتوب بين عينيه كافر قال) مجاهد (فقال ابن عباس لم أسمعه) أي لم أسمع رسول الله ﷺ (قال ذلك) الذي قلتموه من قولكم إنه مكتوب بين عينيه كافر (ولكنه) ﷺ (قال أما إبراهيم) الخليل إن أردتم معرفة صفته (فانظروا إلى صاحبكم) يعني ﷺ بصاحبكم نفسه الشريفة (وأما موسى) بن عمران فإن أردتم صفته (فـ) هو (رجل) أي شخص (آدم) أي ذو أدمة وسمرة لونًا (جعد) أي مكتنز الجسم تامه قويه خلقًا. قال القاضي عياض: الوصف بجعد جاء من طريق شعبة عن قتادة في صفة عيسى ﵇، ومن رواية شيبان عن قتادة في صفة موسى ﵇، وفي سائر الأحاديث إنما جاء في صفة الدجال قال المازري: قال الهروي: الجعد يكون صفة ذم كما في الدجال وصفة مدح كما في صفة موسى وعيسى ﵉، وهو صفة ذم بمعنى البخل وبمعنى القصر وصفة مدح بمعنى الشديد الخلق وبمعنى غير سبط الشعر لأن السبوطة أكثر ما هي في شعر العجم فتحمل في صفتهما ﵉ على جعودة الجسم كما قال في موسى (ضرب من الرجال) أي وسط في اللحم، وفي عيسى (رجل بين رجلين في اللحم) ويصح حمله على جعودة الشعر فيكون بمعنى الرجل أي ليس بالقطط ولا بالسبط كما جاء في صفة شعر رسول الله ﷺ . اهـ من الأبي، راكب (على جمل) الذكر من الإبل (أحمر مخطوم) أي مربوط (بـ) خطام (خلبة) أي ليف (كأني أنظر إليه) أي إلى موسى الآن (إذا انحدر) وانهبط (في) بطن (الوادي)
следующие страницы →