← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قَال: "رَأَى جِبْرِيلَ ﵇" ــ الخامسة مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة وضعفه شعبة لأجل حديث رواه عن عطاء عن جابر في الشفعة تفرد به عن عطاء وهو حديث "الجار أحق بشفعة جاره " الحديث، قال شعبة: لو أتى بآخر مثل هذا لرميت بحديثه بالكلية، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا كما بيناها (عن عطاء) بن أبي رباح بفتح الراء وبالموحدة، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبي محمد اليماني الجندي يقال: كان من مولدي الجند ونشأ بمكة وعلم الكتاب بها انتهت فتوى مكة إليه وإلى مجاهد في زمانهما وأكثر ذلك إلى عطاء أحد الفقهاء والأئمة، روى عن أبي هريرة في الإيمان والصلاة، وابن عباس في الإيمان والوضوء والصلاة والحج والدعاء، وابن أبي مليكة في الصلاة، وجابر بن عبد الله في مواضع، وعبيد بن عمير في الصلاة والطلاق والأدب، وصفوان بن يعلى في الصلاة والحج والديات، وعائشة في الصلاة والقدر، وأبي صالح السمان في الصوم، وأبي العباس الشاعر في الصوم، وعروة بن الزبير في الحج وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعبد الملك بن أبي سليمان وعمرو بن دينار في الوضوء والصلاة والزكاة، وحبيب بن الشهيد في الصلاة، وابن جريج وحبيب المعلم والزهري وأيوب وجعفر بن محمد وقتادة وسلمة بن كهيل وخلق لا يحصون، وقال في التقريب: ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال من الثالثة مات سنة (١١٤) أربع عشرة ومائة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا كما بيناها (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مكي وواحد مدني، قال في تفسير قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال) أبو هريرة معنى رآه أي (رأى جبريل ﵇) نزلة أخرى والمعنى وعزتي وجلالي لقد رأى محمد جبريل ﵉ في صورته التي خلق عليها حالة كون جبريل نازلًا من السماء ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وذلك أنه رآه في صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى هكذا قاله أكثر العلماء، وقال ابن عباس: رأى ربه ، وعلى هذا معنى نزلة أخرى يعود إلى النبي ﷺ فقد كانت للنبي ﷺ في تلك الليلة عرجات لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات فيكون لكل عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها.

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعبارة الحدائق قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ الضمير البارز في رآه لجبرائيل، ونزلة منصوب على الظرفية نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها، والمعنى واللهِ لقد رأى محمد جبريل ﵉ على صورته الحقيقية مرة أخرى من النزول، وذلك أنه كان للنبي ﷺ في ليلة المعراج عرجات لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات المفروضة فيكون لكل عرجة نزلة فرأى جبريل في بعض تلك النزلات والله أعلم. اهـ وانفرد الإمام مسلم في رواية أثر أبي هريرة هذا والله أعلم، ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا أثرين: الأول أثر ابن مسعود وذكر فيه متابعتين، والثاني أثر أبي هريرة ولم يذكر فيه متابعة. والله أعلم. ***

стр. 1718

٩٣ - (٥٢) بَابٌ: فِي ذِكْرِ الاخْتِلافِ هَلْ رَأَى مُحَمَّد ﷺ رَبَّهُ ؟ ــ ٩٣ - (٥٢) بَابٌ: فِي ذِكْرِ الاخْتِلافِ هَلْ رَأَى مُحَمَّد ﷺ رَبَّهُ؟ واختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة. وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة، ثم هل رأى نبينا ﷺ ربه أم لا؟ اختلف في ذلك السلف والخلف فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين، وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه وأنه رأى ربه بعينيه وإليه ذهب ابن عباس وقال: اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد ﷺ بالرؤية. وأبو ذر وكعب والحسن وأحمد بن حنبل وحكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر ومثل ذلك حكي عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه، وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا ولكنه جائز عقلًا وهذا هو الصحيح. إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلت عليها الأدلة العقلية والنقلية، فأما العقلية فتعرف في علم الكلام وأما النقلية فمنها سؤال موسى رؤية ربه، ووجه التمسك بذلك علم موسى بجواز ذلك ولو علم استحالة ذلك لما سأله ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة وانتهائه إلى أن يصطفيه الله تعالى على الناس وأن يسمعه كلامه بلا واسطة جاهلًا بما يجب له تعالى ويستحيل عليه ويجوز، ومجوز هذا كافر. ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها جاز أن يروه في الدنيا لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية. ومنها ما تواترت جملته في صحيح الأحاديث من إخباره ﷺ لوقوع ذلك كرامة للمؤمنين في الدار الآخرة فهذه الأدلة تدل على جواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة والدنيا. ثم هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد ﷺ ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر

стр. 1719

٣٣٩ - (١٦٦) (٨٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَال: "رَآهُ بِقَلْبِهِ" ــ متعارضة معرضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون وإنما هي من باب المعتقدات ولا مدخل للظنون فيها إذ الظن من باب الشك لأن حقيقته تغليب أحد المجوزين وذلك يناقض العلم والاعتقاد. واختلفوا أيضًا هل كلم محمد ﷺ ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فذهب ابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد وأبو الحسن الأشعري في طائفة من المتكلميان إلى أنه كلم بغير واسطة، وذهبت جماعة إلى نفي ذلك، والكلام على هذه المسألة كالكلام على مسألة الرؤية سواء. انتهى من المفهم. أي هذا باب معقود في بيان الاختلاف الواقع من الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف رضوان الله تعالى عليهم في: هل رأى نبينا محمد ﷺ ربه ليلة الإسراء أم لا؟ (٣٣٩) - (١٦٦) (٨٩) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، قال أبو بكر (حدثنا حفص) بن غياث بن طلق النخعي أبو عمر الكوفي ثقة فقيه من الثامنة (عن عبد الملك) بن ميسرة الفزاري أبي عبد الله الكوفي صدوق من الخامسة (عن عطاء) بن أبي رباح القرشي مولاهم أبي محمد اليماني ثم المكي ثقة فقيه من الثالثة (عن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم الطائفي مات بالطائف ودفن في مسجد الطائف، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مكيان (قال) ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ (رآه) أي رأى محمد ﷺ ربه مرة أخرى (بقلبه) أي رآه بفؤاده مرتين: مرة عند وصوله إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام حين فرض عليه خمسين صلاة، ومرة عند رجوعه لطلب تخفيف أعدادها. قال النواوي: والراجح عند الأكثر أنه رآه لأن ابن عباس أثبته وليس مما يدرك بالاجتهاد فإنما قاله لأنه سمعه، وعائشة لم تستند في النفي إلى حديث بل استنبطته، واستنباطها مجاب عنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 1720

٣٤٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَال الأشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَينِ أَبِي جَهْمَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾. قَال: "رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَينِ" ــ (٣٤٠) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد) عبد الله بن سعيد بن حصين (الأشج) الكندي الكوفي أحد الأئمة ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٧) روى عنه في الإيمان والصلاة، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه. حالة كونهما (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبي سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال) أبو سعيد (الأشج، حدثنا وكيع) بتصريح السماع تورعًا من الكذب عليه لأنه لو لم يأت به لأوهم أنه روى بالعنعنة كأبي بكر، قال وكيع (حدثنا) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم (الأعمش) أبو محمد الكوفي ثقة حافظ من الخامسة مات سنة (١٤٨) روى عنه في (١٣) بابًا (عن زياد بن الحصين) بن قيس الحنظلي أو الرياحي بكسر الراء المهملة اليربوعي (أبي جهمة) بفتح الجيم البصري، روى عن أبي العالية الرياحي في الإيمان وابن عمر، ويروي عنه (م س ف) والأعمش وعاصم الأحول، وثقه العجلي، قال أبو حاتم: أبو جهمة عن ابن عباس مرسل، وقال في التقريب: ثقة يرسل من الرابعة (عن أبي العالية) رفيع مصغرًا ابن مهران الرياحي بكسر الراء مولاهم مولى أعرابية من رياح بن يربوع البصري ثقة مخضرم إمام كثير الإرسال من الثانية مات سنة (٩٠) تسعين، روى عنه في (٤) أبواب (عن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي المكي، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان وواحد مكي وفيهم ثلاثة تابعيون: الأعمش وأبو جهمة وأبو العالية، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي العالية لعطاء بن أبي رباح في رواية هذا الأثر عن ابن عباس (قال) ابن عباس في تفسير قوله تعالى في سورة النجم ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾) وقوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال) ابن عباس معناه (رآه بفواده) أي رأى محمد ﷺ ربه بفؤاده وقلبه (مرتين): مرة عند وصوله أولًا إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام حين فرض عليه خمسين صلاة، ومرة عند رجعته إلى المستوى ثانيًا لطلب التخفيف.

стр. 1721

٣٤١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأعمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٣٤٢ - (١٦٧) (٩٥) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٤١) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، قال (حدثنا حفص بن غياث) بن طلق النخعي الكوفي من الثامنة (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) أبي محمد الكوفي ثقة من الخامسة، قال (حدثنا أبو جهمة) زياد بن الحصين الرياحي البصري، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله حدثنا حفص لأنه العامل في المتابع، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع بفتح الباء أي حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي جهمة عن أبي العالية عن ابن عباس بمثل ما حدث وكيع عن الأعمش يعني: رآه بفؤاده مرتين، وهذا السند أيضًا من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان وواحد مكي أو طائفي، وغرضه بسوقه بيان متابعة حفص لوكيع في رواية هذا الأثر عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع تصريح الأعمش بالسماع في هذا السند لأنه مدلس بقوله حدثنا أبو جهمة، وإنما قدم المؤلف أثر ابن عباس على أثر عائشة الآتي إشارة إلى أنه أصح من أثرها لأن ابن عباس أثبت شيئًا نفته عائشة، والمثبت مقدم على النافي على ما هو القاعدة عندهم، ثم ذكر أثر عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (٣٤٢) - (١٦٧) (٩٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة من العاشرة، قال (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بابن علية ثقة من الثامنة (عن داود) بن أبي هند اسمه دينار القشيري مولاهم أبي بكر البصري كان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات ثقة متقن كان يهم بأَخَرةٍ من الخامسة مات في طريق مكة سنة (١٤٠) روى عنه في (٨) أبواب تقريبًا (عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) أبي عمرو الكوفي ثقة فقيه مشهور فاضل من الثالثة مات سنة (١٠٣) ثلاث ومائة، روى عنه في (١٩) بابًا

стр. 1722

عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَال: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالتْ: يَا أبَا عَائِشَةَ، ثَلاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالتْ: مَنْ زَعَمَ أَن مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. قَال: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ. فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلا تَعْجَلِينِي. ألَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ ــ تقريبًا (عن مسروق) بن عبد الرحمن بن مالك بن أمية الهمداني أبي عائشة الكوفي، ويقال له ابن الأجدع وهو لقب أبيه، قال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله سمي مسروقًا لأنه سرقه إنسان في صغره ثم وجد، ثقة فقيه مخضرم عابد من الثانية مات سنة (٦٣) ثلاث وستين روى عنه في (١١) بابا، وليس في مسلم مسروق إلا هذا. (قال) مسروق (كنت متكئًا) أي جالسًا معتمدًا على نحو وسادة لعله لعذر (عند عائشة) الصديقة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما زوج النبي ﷺ وحبيبته ﷺ ، لها (٢٢١٠) ألفان ومائتان وعشرة أحاديث اتفقا على (١٧٤) وانفرد (خ) في (٥٤) و (م) في (٦٨) حديثًا، وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مدني وواحد نسائي، وفيه رواية تابعي عن تابعي: الشعبي عن مسروق (فقالت) عائشة (يا أبا عائشة) كنية مسروق (ثلاث) خصال (من تكلم بواحدة منهن) واعتقدها (فقد أعظم) أي فقد افترى (على الله) سبحانه (الفرية) العظيمة واختلقها من عند نفسه، والفرية بكسر الفاء وإسكان الراء الكذب، يقال فرى الشيء يفريه فريًا وافتراء وافتراه يفتريه افتراء إذا اختلقه وجمع الفرية فرىً، وفي المفهم الفرية هي الافتراء وهو اختلاق الكذب وما يقبح التحدث به، والمعنى اختلق على الله كذبًا عظيمًا. قال مسروق (قلت) لها (ما هن؟ ) أي أي شيء تلك الثلاث، فما استفهامية (قالت: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه) والزعم القول بلا دليل (فقد أعظم على الله الفرية، قال) مسروق (وكنت متكئًا) أي جالسًا جلوس المتكئ على شيء لعله لضعف به (فجلست) مستقيمًا بلا اعتماد ولا اتكاء (فقلت) لها (يا أم المومنين أنظريني) أي أمهليني لحظة حتى أتكلم شيئًا، من الإنظار وهو التأخير والإمهال (ولا تعجليني) في الكلام حتى أسألك شيئًا وقلت لها ردًّا لكلامها لأنها إنما قالت باجتهادها لا بدليل قاطع (ألم يقل الله والاستفهام فيه للتقرير في كتابه العزيز

стр. 1723

وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ فَقَالت: أنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَال: "إِنمَا هُوَ جِبْرِيلُ. لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتهِ التِي خُلِقَ عَلَيهَا غَيرَ هَاتَينِ الْمَرَّتَينِ، رَأَيتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَينَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ" فَقَالتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَن اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ــ (﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾) أي رأى محمد ربه ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ في سورة التكوير [٢٣] (﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾) أي رأى محمد ربه (﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾) أي مرة أخرى في سورة النجم [٥٣] فكيف تنكري يا أماه رؤية محمد ﷺ ربه مع هاتين الآيتين (فقالت) عائشة مجيبة عن هاتين الآيتين (أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك) المذكور من الآيتين (رسول الله ﷺ فقال) رسول الله ﷺ (إنما هو) أي إنما المرئي لي في هاتين الآيتين هو (جبريل) ﵇ (لم أره) أي لم أر جبريل (على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين) المذكورتين في هاتين الآيتين (رأيته) أي رأيت جبريل في هاتين المرتين حالة كونه (منهبطًا) أي نازلًا (من السماء سادًا) أي مالئًا (عظم خلقه) أي كبر جسمه بضم العين وسكون الظاء وبكسر العين وفتح الظاء أي مالئًا (ما بين السماء) والأرض، وقوله (إلى الأرض) متعلق بقوله منهبطًا (فقالت) عائشة استدلالًا على قولها (أ) تزعم يا مسروق رؤية محمد ﷺ ربه (ولم تسمع أن الله) (يقول ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾) أي لا تراه (﴿الْأَبْصَارُ﴾) أي أبصار المخلوقات (﴿وَهُوَ﴾) سبحانه (﴿يُدْرِكُ﴾) ويرى (﴿الْأَبْصَارَ﴾) أي جميع المبصرات (﴿وَهُوَ﴾) سبحانه (﴿اللَّطِيفُ﴾) أي الرفيق على عباده (﴿الْخَبِيرُ﴾) أي العليم ببواطنهم كظواهرهم- سورة الأنعام [١٠٣] (أو لم تسمع) أيضًا (أن الله) سبحانه (يقول) في كتابه العزيز (﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾) أيَّ بشر كان (﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾) ويخاطبه ﴿إلَّا وَحْيًا﴾ أي إلا بوحي وإلهام في قلبه لا بواسطة شخص آخر ولا بسمع عين كلام الله تعالى كما في أم موسى وكما في رؤية إبراهيم ﵇ في المنام بذبح ولده (﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾) أي أو إلا بأن يوصل إليه الوحي من وراء حجاب لا بواسطة شخص آخر ولكنه يسمع عين كلام الله تعالى من غير رؤية ذاته تعالى كما وقع لموسى ﵇ -

стр. 1724

أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ قَالتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَمَ شَيئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾ قَالتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. وَاللهُ يَقُوَلُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ــ (﴿أَوْ﴾) إلا بأن (﴿يُرْسِلَ﴾) إليه (﴿رَسُولًا﴾) أي ملكًا مرسلًا (﴿فَيُوحِيَ﴾) أي فيوصل ذلك الرسول إليه (﴿بِإِذْنِهِ﴾) تعالى وأمره (﴿مَا يَشَاءُ﴾) الله تعالى من الوحي. والمعنى أي وما صح لفرد من أفراد البشر أن يكلمه الله إلا على أحد هذه الثلاثة الأوجه: إما أن يلهمه الله الوحي في قلبه لا بواسطة شخص آخر ولا بسمع عين كلام الله تعالى، أو أن يوصل إليه الوحي بإسماع عين كلامه من غير رؤية، أو يوصل إليه الوحي بواسطة شخص آخر وهو جبريل وهذا هو الذي يجري بينه وبين الأنبياء في أكثر الأوقات من الكلام وإن أردت الخوض في هذا المقام تفسيرًا وإعرابًا وغيرهما فراجع تفسيرنا حدائق الروح والريحان فإنه بين بما لا مزيد عليه. (﴿إِنَّهُ﴾) تعالى (﴿عَلِيٌّ﴾) عن صفات المخلوقين (﴿حَكِيمٌ﴾) في صنعه يجري أفعاله على موجب الحكمة فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام وثانيًا بإسماع الكلام وثالثًا بتوسيط الملائكة الكرام. (قالت) عائشة أيضًا (ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم) وأخفى (شيئًا من كتاب الله) تعالى وحكمه (فقد أعظم على الله الفرية) أي فقد افترى على الله تعالى فرية عظيمة وبهتانًا عظيمًا (والله) (يقول) له ﷺ (﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾) الكريم (﴿بَلِّغْ﴾) أي أوصل إلى عبادي (﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾) من الوحي (﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾) تبليغ جميع ما أوحي إليك من ربك (﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾) فبترك شيء منه تكون كمن لم يبلغ. و(قالت) عائشة أيضًا (ومن زعم) وقال قولًا بلا دليل (أنه) أي أن محمدًا ﷺ (يخبر) ويحدث (بما يكون) ويقع (في غد) أي في زمن مستقبل ولو في نفس اليوم (فقد أعظم على الله الفرية والله) (يقول) في كتابه العزيز (﴿قُلْ﴾) يا محمد لعبادي (﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾) ولو ملكًا مقربًا (﴿و﴾) من في (﴿الْأَرْضِ﴾) ولو

стр. 1725

الْغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ ــ نبيًّا مرسلًا (﴿الْغَيبَ﴾) أي ما غاب عن المخلوق (﴿إلا اللَّهُ﴾) . واعلم أن قول عائشة (والله يقول) وقول مسروق (ألم يقل الله) تصريح منهما بجواز قول المستدل بآية من القرآن إن الله يقول: كذا وكذا، وقد كره ذلك فطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي المشهور فروى ابن أبي داود بإسناده عنه أنه قال: لا تقولوا إن الله يقول ولكن قولوا إن الله تعالى قال، وهذا الذي أنكره مطرف ﵀ خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فالصحيح المختار جواز الأمرين كما استعملته عائشة رضي الله تعالى عنها ومن في عصرها وبعدها من السلف والخلف وليس لمن أنكره حجة ومما يدل على جوازه من النصوص قول الله ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ وفي "صحيح مسلم" رحمه الله تعالى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : يقول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. والله أعلم. واعلم أنه اختار صاحب التحرير إثبات الرؤية للنبي ﷺ قال: والحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعليهم أجمعين). وعن عكرمة سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأى محمد ﷺ ربه؟ وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد ﷺ ربه، والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات وقد راجعه ابن عمر رضي الله تعالى عنهم في هذه المسألة وراسله هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فأخبره أنه رآه. ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول: لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة

стр. 1726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لقول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ ولقول الله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي هذا كلام صاحب التحرير. فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ وهذا مما لا ينبغي أن يشكك فيه، ثم إن عائشة رضي الله تعالى عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولو كان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات وسنوضح الجواب عنها بقولنا: فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فجوابه ظاهر فإن الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة وأجيب عن الآية بأجوبة أخرى لا حاجة إليها مع ما ذكرناه فإنه في نهاية من الحسن مع اختصاره. وأما احتجاجها رضي الله تعالى عنها بقول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا﴾ الآية، فالجواب عنه من أوجه: (أحدها) أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام. (الثاني) أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. (الثالث) ما قاله بعض العلماء أن المراد بالوحي الكلام من غير واسطة وهذا الذي قاله هذا القائل وإن كان محتملًا لكن الجمهور على أن المراد بالوحي هنا الإلهام والرؤية في المنام وكلاهما يسمى وحيًا.

стр. 1727

٣٤٣ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. وَزَادَ: قَالتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا شَيئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ ــ وأما قوله تعالى ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قال الواحدي وغيره: معناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامه من حيث لا يرونه، وليس المراد أن هناك حجابًا يفصل موضعًا من موضع ويدل على تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم والله أعلم بحقيقة الحال. اهـ نووي. وهذا الحديث أعني حديث عائشة شارك المؤلف في روايته البخاري [٤٨٥٥] والترمذي [٣٠٧٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في أثر عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (٣٤٣) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري مشهور بكنيته ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي أبو محمد البصري ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين من الثامنة مات سنة (١٩٤) قال (حدثنا داود) بن أبي هند القشيري أبو محمد البصري ثقة متقن من الخامسة مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٨) أبواب تقريبًا، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) السابق متعلق بقوله (حدثنا عبد الوهاب)، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع، وقوله (نحو حديث) إسماعيل (ابن علية) أي إسماعيل بن إبراهيم مفعول ثان لقوله (حدثنا عبد الوهاب)، والمعنى حدثنا عبد الوهاب عن داود بهذا الإسناد أي عن الشعبي عن مسروق عن عائشة نحو حديث ابن علية عن داود، وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد مدني وثلاثة بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة عبد الوهاب الثقفي لإسماعيل ابن علية في رواية هذا الأثر عن داود، وفائدتها بيان كثرة طرقه. (و) لكن (زاد) عبد الوهاب على إسماعيل قوله (قالت) عائشة (ولو كان محمد ﷺ كاتمًا) ومخفيًا (شيئًا مما أنزل عليه لكتم) وأخفى عن الناس (هذه الآية) خوفًا من تعيير الناس له ولكنه لم يخف بل بلغها كما أنزلت وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب [٣٧] (﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾) أي واذكر يا محمد بقلبك

стр. 1728

لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ــ قصة وقت قولك (﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾) بالإسلام (﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ﴾) بالإعتاق وهو زيد بن حارثة (﴿أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ﴾) زينب بنت جحش أي أمسكها في عصمتك ولا تطلقها، وذلك أنه ﷺ أبصرها قائمة في درع وخمار بعد ما أنكحها إياه فوقعت في نفسه حالة جبلية لا يكاد يسلم منها البشر فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن لذلك ووقع في نفسه كراهة صحبتها فأتى النبي ﷺ وقال: أريد أن أفارق صاحبتي فقال: ما لك؟ أرابك منها شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرًا ولكنها تتعاظم علي بشرفها، فقال له: أمسك عليك زوجك أي لا تفارقها (﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾) في أمرها فلا تطلقها تعللًا بتكبرها عليك بسبب النسب وعدم الكفاءة (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾) وقلبك (﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾) ومظهره للناس أي والحال أنك تخفي في نفسك ما أعلمك الله تعالى أنها ستصير من أزواجك بعد طلاق زيد (﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾) أي تستحي من تعيير الناس إياك بأن يقولوا أخذ محمد زوجة ابنه (﴿وَاللَّهُ﴾) أي والحال أن الله وحده (﴿أَحَقُّ﴾) وأولى (﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾) أي أن تستحي منه. اهـ مراح. هكذا فسر هذه الآية بعض المفسرين وقد اجترأ هذا البعض في تفسير هذه الآية ونسب إلى الرسول ﷺ ما لا يليق به ويستحيل عليه إذ قد عصمه الله منه ونزهه عن مثله فقال ذلك البعض إن النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المُجَّانِ لفظَ (عشق) ثم جاء زيد يريد تطليقها، فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله وهو مع ذلك يحب أن يطلقها ليتزوجها. وهذا القول إنما يصدر عن جاهل بعصمته ﷺ عن مثل هذا أو مستخف بحرمته ﷺ والذي عليه أهل التحقيق من المفسرين وإلعلماء الراسخين أن ذلك القول الشنيع ليس بصحيح ولا يليق بذوي المروءات فضلًا عن خير البريات، تفسير تلك الآية بما حكي عن علي بن حسين أن الله تعالى أعلم نبيه بكونها زوجة له فلما شكاها زيد له وأراد أن يطلقها، قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله تعالى به مما هو مبديه بطلاق زيد لها وتزوج النبي ﷺ لها، وروي نحوه عن الزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري وغيرهم. والذي خشيه

стр. 1729

٣٤٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: ــ النبي ﷺ إنما هو إرجاف المنافقين وأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء، وتزوج بزوجة ابنه، ومساق الآية يدل على صحة هذا الوجه بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ولو كان ما ذكر أولئك لكان فيه أعظم الحرج، ولقوله تعالى: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ وبالله التوفيق. اهـ من المفهم. وعبارة القاضي (قوله لكتم هذه الآية) لما تضمنت من عتبه على إخفائه أمرًا أعلمه الله تعالى أنه يقع، قال علي بن الحسين: أعلم الله سبحانه نبيه ﷺ أن زيدًا سيطلق زينب ويزوجها منه، فلما شكا زيد حِدَّتها وأراد أن يطلقها، قال له النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه يطلقها، والذي خشي ﷺ إرجاف المنافقين، وهذا هو الذي عليه المحققون في تفسير الآية لا ما قاله من لا تحقيق عنده من المفسرين أنه كان يحب أن يطلقها ليتزوجها فلما جاء ليطلقها قال له: أمسك عليك زوجك وأخفى في نفسه أنه كان يحب أن يطلقها، وهذا لا تصح نسبته إلى رسول الله ﷺ لا سيما وقد نهي عن مد عينيه إلى ما متع به غيره من زهرة الدنيا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في أثر عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (٣٤٤) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي ثقة من العاشرة قال (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي ثقة من التاسعة، قال (حدثنا إسماعيل) بن أبي خالد سعد البجلي الأحمسي الكوفي ثقة ثبت من الرابعة (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الكوفي ثقة فقيه من الثالثة (عن مسروق) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة مخضرم من الثانية (قال) مسروق (سألت عائئة) زوج النبي ﷺ ، وهذا السند من سداسياته ورجاله كلهم كوفيون إلا عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها مدنية، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة إسماعيل بن أبي خالد لداود بن أبي هند في رواية هذا الأثر عن الشعبي، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان

стр. 1730

هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالت: سُبْحَانَ اللهِ، لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطوَلُ ــ بعض الزيادة في هذه الرواية، أي قال مسروق سألت عائشة (هل رأى محمد ﷺ ربه) ليلة الإسراء (فقالت) عائشة تعجبًا من جهلي وسؤالي (سبحان الله) أي تنزيهًا له تعالى عما لا يليق به، والله (لقد قَفَّ) وقام (شعري) فزعًا (لما قلت). وعبارة النووي هنا: قولها (سبحان الله) معناه التعجب من جهل مثل هذا وكأنها تقول: كيف يخفى عليك مثل هذا؟ ولفظة (سبحان الله) لإرادة التعجب كثيرة في الحديث وكلام العرب كقوله ﷺ : "سبحان الله تطهري بها" و"سبحان الله المؤمن لا ينجس"، وقول الصحابة: سبحان الله يا رسول الله، وممن ذكر من النحويين أنها من ألفاظ التعجب أبو بكر بن السراج وغيره، وكذلك يقولون في التعجب لا إله إلا الله، وأما قولها (لقد قف شعري) فمعناه قام شعري من الفزع لكوني سمعت ما لا ينبغي أن يقال، قال ابن الأعرابي: تقول العرب عند إنكار الشيء قف شعري واقشعر جلدي واشمأزت نفسي، وقال النضر بن شميل: القفة كهيئة القشعريرة، وأصله التقبض والاجتماع لأن الجلد ينقبض عند الفزع والاستهوال فيقوم الشعر لذلك وبذلك سميت القفة التي هي الزنبيل لاجتماعها ولما يجتمع فيها. وقال القاضي: قال أبو زيد: قف الرجل من البرد وعَلَتْهُ قفة أي رعدة والقفوف أيضًا القشعريرة من الحمى، وقال الخليل: والقفقفة الرعدة، وأصله من الانقباض والاجتماع لأن الجلد ينقبض عند الفزع والبرد فيقوم الشعر، لذلك سميت القفة قفة لضم بعضها إلى بعض أو لضمها ما فيها. اهـ (وساق) أي ذكر إسماعيل بن أبي خالد (الحديث) السابق (بقصته) أي بوجهه وطِبْقِه، وفي القاموس قص الحديث إذا رواه على وجهه وشبهه من غير تغيير (و) لكن (حديث داود) بن أبي هند (أتم) معنى (وأطول) لفظًا من حديث إسماعيل بن أبي خالد، والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في أثر عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

стр. 1731

٣٤٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَينَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ ــ (٣٤٥) - (٠٠)) ... ) (وحدثنا) محمد (بن) عبد الله بن (نمير) الهمداني الكوفي، قال (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي ثقة ثبت من التاسعة مات سنة (٢٠١) روى عنه في (١٧) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا زكرياء) بن أبي زائدة بن ميمون بن فيروز، واسم أبي زائدة خالد وقيل اسمه كنيته أبو يحيى الهمداني الأعمى الوادعي الكوفي، روى عن سعيد بن أشوع ومصعب بن شيبة والشعبي وخالد بن مسلمة وعبد الملك بن عمير وسماك بن حرب وعبد الرحمن الأصبهاني وأبي إسحاق السبيعي وسعيد بن أبي بردة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبو أسامة ووكيع وابنه يحيى وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر وعيسى بن يونس وعلي بن مسهر وخلق، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في ثلاثة مواضع والصلاة في موضعين والحج والغراس والجهاد والأضاحي والفضائل في موضعين وفي خلق النبي ﷺ والدعاء ومثلٍ المؤمنين واللباس والبيوع فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابا تقريبًا، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة وكان يدلس من السادسة مات سنة (١٤٩) تسع وأربعين ومائة (عن) سعيد بن عمرو (بن أشوع) بوزن أحمد الهمداني الكوفي قاضيها، روى عن الشعبي في الإيمان والأحكام، وأبي سلمة وأبي بردة ويروي عنه (خ م ت) وزكرياء بن أبي زائدة وخالد الحذاء وأبو إسحاق السبيعي والثوري وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: مشهور، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في التقريب: رمي بالتشيع من السادسة، وقال العجلي: ثقة، وقال الحاكم: هو شيخ من ثقات الكوفيين يجمع حديثه، وقال البخاري: رأيت إسحاق بن راهويه يحتج بحديثه مات في حدود العشرين ومائة (١٢٠) (عن عامر) بن شراحيل الحميري الشعبي أبي عمرو الكوفي الإمام العلم ثقة فقيه مشهور فاضل من الثالثة مات سنة (١٠٣) ثلاث ومائة وله (٨٠) سنة روى عنه في (١٩) بابا (عن مسروق) بن الأجدع الكوفي (قال: قلت لعائشة) رضي الله تعالى عنها، وهذا السند من سباعياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة فإنها مدنية، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن الأشوع لداود بن أبي هند في رواية هذا الحديث عن الشعبي، أي قال مسروق قلت لعائشة حين أنكرت رؤية محمد ﷺ ربه (فأين) منك (قوله) تعالى ﴿ثُمَّ

стр. 1732

دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ قَالتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، كَانَ يَأتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ وَإنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ ــ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ ... ) إلخ، هل نسيت ذلك أم غاب معناه عن قلبك الدال على رؤية محمد ﷺ ربه ، وفي قوله (ثم دنا فتدلى) تقديم وتأخير ومعناه على تفسير مسروق فتدلى الرب سبحانه ونزل إلى الأفق ثم دنا وتقرب إلى محمد (﴿فَكَانَ﴾) قدر مسافة ما بينهما (﴿قَابَ قَوْسَينِ﴾) أي قدر ما بين قابي قوس في القرب وشدة الاتصال (﴿أَوْ أَدْنَى﴾) أي بل كان ما بينهما أدنى وأقرب مما بين قابي قوس (﴿فَأَوْحَى﴾) الرب ﷻ (﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾) محمد ﷺ (﴿مَا أَوْحَى﴾) من صنوف الوحي (قالت) عائشة لمسروق ليس معنى الآية كما زعمت يا مسروق (إنما ذاك) الذي تدلى ونزل إلى الأفق فسده ثم دنا وتقرب إلى محمد فأوحى إليه ما أوحى هو (جبريل ﵇) فليس ربنا سبحانه (كان) جبريل ﵇ (يأتيه) ﷺ قبل ذلك (في صورة الرجال) من بني آدم فكان يأتيه غالبًا في صورة دحية بن خليفة (وإنه) أي وإن جبريل ﵇ (أتاه) ﷺ (في هذه المرة في صورته) أي في صورة جبريل (التي هي صورته) الأصلية له ستمائة جناح (فسد) أي ملأ (أفق السماء) ونواحيها، فليس المعنى على ما زعمت يا مسروق من أن الذي أتى محمدًا ﷺ هو الرب سبحانه جل وعلا. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان: الأول حديث ابن عباس فذكره للاستدلال به على رؤية محمد ﷺ ربه وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث عائشة وذكره للاستدلال على عدم رؤيته ﷺ ربه وذكر فيه ثلاث متابعات، وقد تقدم أن الأصح عند الجماهير حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ***

стр. 1733

٩٤ - (٥٣) فَصْلٌ فِي قَوْلهِ ﷺ : "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ"، وَفِي قَوْلهِ: "رَأيتُ نُورًا " ٣٤٦ - (١٦٨) (٩١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، ــ ٩٤ - (٥٣) فَصْلٌ فِي قَوْلهِ ﷺ : "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ"، وَفِي قَوْلهِ: "رَأيتُ نُورًا" أي هذا فصل معقود في بيان معنى هذا الحديث مع بيان الجمع بين الروايتين فيه اللتين ظاهرهما التناقض بنفي الرؤية في الأولى منهما وإثباتها في الثانية منهما، وأما رواية: "نورانيّ أراه". فتصحيف كما سيأتي بيانه. (٣٤٦) - (١٦٨) - (٩١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن إبراهيم الكوفي العبسي ثقة من العاشرة، قال (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي ثقة من التاسعة (عن يزيد بن إبراهيم) التستري بضم المثناة الأولى وسكون المهملة وفتح المثناة الثانية ثم راء أبو سعيد البصري التميمي مولاهم روى عن قتادة في الإيمان، وأبي الزبير في باب لاهام، وابن أبي مليكة في القدر وغيرهم، ويروي عنه (ع) ووكيع وبهز بن أسد والقعنبي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو داود وأبوالوليد الطيالسيان وعفان وغيرهم، وثقه أحمد وأبوحاتم وابن معين، وقال في التقريب: ثقة ثبت إلا في روايته عن قتادة ففيها لين، من السابعة مات سنة (١٦٣) ثلاث وستين ومائة روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري ثقة ثبت من الرابعة مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة روى عنه في (٢٥) بابا تقريبًا (عن عبد الله بن شقيق) بن عقيل بن كعب بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر العقيلي مصغرًا أبي عبد الرحمن البصري روى عن أبي هريرة في الإيمان والوضوء والصلاة وذكر الأنبياء والفضائل وعذاب القبر، وابن عباس في الصلاة، وعائشة في الصلاة والصوم، وابن عمر في الصلاة، وعثمان في الحج، وعلي في الحج وغيرهم، ويروي عنه (ع) وقتادة وخالد الحذاء وبديل بن ميسرة والزبير بن الخِرِّيت وعمران بن حدير وسعيد الجريري وكهمس بن الحسن وأيوب السختياني وحميد الطويل ومحمد بن سيرين وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة فيه نصب من

стр. 1734

عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ هَل رَأيتَ رَبَّكَ؟ قَال: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ". ٣٤٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ــ الثالثة مات سنة (١٠٨) ثمان ومائة، روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري المدني، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان وواحد مدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي قتادة عن عبد الله بن شقيق (قال) أبو ذر (سألت رسول الله ﷺ عن رؤية ربه، فقلت له: (هل رأيت ربك؟ ) يا رسول الله ليلة الإسراء (قال) رسول الله ﷺ (نور) بالرفع والتنوين خبر لمبتدأ محذوف تقديره حجابه نور أو فاعل لفعل محذوف تقديره حجبني نور (أنى) بفتح الهمزة والنون اسم استفهام بمعنى كيف، وضمير النصب في (أراه) يعود إلى الله تعالى، والمعنى حجابه تعالى نور فكيف أراه ؟ أو حجبني عنه نور فكيف أراه؟ فدل على عدم رؤيته ربه سبحانه فيكون شاهدًا لمذهب عائشة رضي الله تعالى عنها. قال المازري: وروي (نوراني أراه) بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعًا إلى ما قلناه أي خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الأفعال، قال القاضي عياض: هذه الرواية لم تقع عندنا ولا رأيتها في شيء من الأصول ومن المستحيل أن تكون ذات الله نورًا إذ النور من جملة الأجسام والله يجل عن ذلك، ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما جاء في الأحاديث من تسميته تعالى بالنور معناه ذو نورهما وخالقه، وقيل هادي أهل السماوات والأرض، وقيل منور قلوب عباده المؤمنين، وقيل معناه ذو البهجة والضياء والجمال. والله أعلم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته الترمذي [٣٢٧٨]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٤٧) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري

стр. 1735

حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أبِي. ح وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَال قُلْتُ لأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَسَألْتُهُ ــ المعروف ببندار ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي أبو عبد الله البصري صدوق من التاسعة مات سنة مائتين روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا أبي) هشامُ بن سنبر الدستوائي بفتح الدال والمثناة بينهما مهملة ساكنة نسبة إلى دستواء من كور الأهواز، وكان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها أبو بكر البصري ثقة ثبت من السابعة مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمد المعروف بـ (ابن الشاعر) البغدادي الحافظ الرحال ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٥٩) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا عفان بن مسلم) بن عبد الله الأنصاري مولاهم أبو عثمان البصري ثقة ثبت من كبار العاشرة مات سنة (٢٢٠) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا. وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف شيخَي شيخَيه مع بيان كيفية سماعه منهما لأنه قال في الأول حدثنا وفي الثاني حدثني وبينهما فرق في اصطلاحات مسلم، قال (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة أبو عبد الله البصري ثقة من السابعة مات سنة (١٦٤) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا كلاهما) أي كل من هشام في السند الأول وهمام في السند الثاني رويا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري (عن عبد الله بن شقيق) العقيلي مصغرًا أبي عبد الرحمن البصري (قال) عبد الله بن شقيق (قلت لأبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري المدني، وهذان السندان من سداسياته الأول منهما رجاله كلهم بصريون إلا أبا ذر الغفاري فإنه مدني والثاني منهما رجاله أربعة منهم بصريون وواحد بغدادي وواحد مدني، وغرضه بسوقهما بيان متابعة هشام وهمام ليزيد بن إبراهيم في رواية هذا الحديث عن قتادة وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن يزيد بن إبراهيم في روايته عن قتادة لين فقواه بهشام وهمام وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سوق الحديث، والله أعلم (لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته)

стр. 1736

فَقَال: عَنْ أَيِّ شَيءٍ كُنْتَ تَسْألُهُ؟ قَال: كُنْتُ أسْأَلُهُ هَلْ رَأَيتَ رَبَّكَ؟ قَال أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ فَقَال: "رَأَيتُ نُورًا" ــ عما أشكلني (فقال) أبو ذر (عن أبي شيء كنت تسأله، قال) عبد الله بن شقيق (كنت أسأله) أي كنت أريد أن أسأله فأقول له (هل رأيت ربك؟ ) يا رسول الله ليلة المعراج (قال أبو ذر) له (قد) كنت (سألتـ) ـه عن ذلك (فقال) لي رسول الله ﷺ ما رأيت ربي، ولكن (رأيت نورًا) فقط حجبني عنه سبحانه، والمعنى رأيت النور فحسب ولم أر غيره: أي إن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه. اهـ نووي. وعبارة المفهم هنا (قوله ﷺ نور أنى أراه) هكذا رويناه وقيدناه برفع (نور) وتنوينه وفتح (أنّى) التي بمعنى كيف الاستفهامية، ورواية من زعم أنه رواه (نوراني) بتشديد الياء ليست بصحيحة النقل ولا موافقة للعقل ولعلها تصحيف وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخيرة حيث قال (رأيت نورًا) وأما رفع (نور) فعلى إضمار فعل تقديره غلبني نور أو حجبني نور و (أنى أراه) استفهام على جهة الاستبعاد لغلبة النور على بصره كما هي عادة الأنوار الساطعة كنور الشمس فإنه يعشي البصر ويحيره (حار بصره عَشي ولم يستطع متابعة النظر) إذا حدق نحوه. ولا يعارض هذا (رأيت نورًا) فإنه عند وقوع بصره على النور رآه ثم غلب عليه بعد فضعف عنه بصره ولا يصح أن يعتقد أن الله نور كما اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسمة ممن قال هو نور لا كالأنوار لأن النور لون قائم بالهواء وذلك على الله تعالى محال عقلًا ونقلًا، فأما العقل فلو كان عرضًا أو جسمًا لجاز عليه ما يجوز عليهما ويلزم تغيره وحدثه، وأما النقل فقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ ولو كان جسمًا أو عرضًا لكان كل شيء منهما مماثلًا له تعالى، وقول هذا القائل جسم لا كالأجسام أو نور لا كالأنوار متناقض فإن قوله: جسم أو نور حاكم عليه بحقيقة ذلك، وقوله: لا كالأجسام، لا كالأنوار ينفي لما أثبته من الجسمية والنورية وذلك متناقض فإن أراد أنه يساوي الأجسام من حيث الجسمية ومفارق لها من حيث وصف آخر ينفرد به لزمت تلك المحالات من حيث الجسمية ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص إذ الأعم من الأوصاف تلزمه أحكام من حيث هو لا تلزم الأخص كالحيوانية والناطقية، وتتميم هذا في علم الكلام. اهـ منه.

стр. 1737

٩٥ - (٥٤) بَابٌ: فِي قَوْلهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ"، وَفِي قَوْلهِ: "حِجَابُهُ النُّورُ " ٣٤٨ - (١٦٩) (٩٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ، ــ ٩٥ - (٥٤) بَابٌ: فِي قَوْلهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ"، وَفِي قَوْلهِ: "حِجَابُهُ النُّورُ" أي هذا باب معقود في ذكر هذا الحديث وبيان أنه تعالى محجوب عن خلقه في الدنيا. (٣٤٨) - (١٦٩) - (٩٢) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وأبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه. (قالا) أي قال كل من أبي بكر وأبي كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الضرير الكوفي، قال (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث الهمداني المرادي الجملي نسبة إلى جمل بن كنانة المرادي أبي عبد الله الأعمى الكوفي، روى عن أبي عبيدة عامر وسعيد بن جبير وسالم بن أبي الجعد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن الحارث النجراني وعبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي وخلق، ويروي عنه (ع) والأعمش وشعبة وزيد بن أبي أنيسة والثوري ومسعر ومنصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وجماعة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في عشرة مواضع والزكاة في موضعين والصوم في موضعين والحج والجهاد في ثلاثة مواضع وأسامي النبي ﷺ والرحمة واللباس في موضعين والفضائل في موضعين والتوبة والأشربة والدعاء في موضعين فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وقال في التقريب: ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء من الخامسة، وقال ابن المديني: له نحو مائتين حديث مات سنة (١١٨) ثماني عشرة ومائة (عن أبي عبيدة) مصغرًا عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي ويقال اسمه كنيته، روى عن أبي موسى الأشعري في الإيمان وأسامي النبي ﷺ ، وكعب بن عجرة في الصلاة، وعمرو بن الحارث بن المصطلق في الزكاة، وروى عن أبيه في (عم) ولم يسمع

стр. 1738

عَنْ أَبِي مُوسَى قَال: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَال: إِن اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ. يَخفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، ــ عنه، ويروي عنه (ع) وعمرو بن مرة وإبراهيم النخعي في الزكاة، ومجاهد ونافع بن جبير وأبو إسحاق وغيرهم، وثقه ابن حبان فقد ليلة دجيل سنة (٨١) إحدى وثمانين، وقال العجلي: ثقة، وقال الحافظ في التقريب: كوفي ثقة من كبار التابعين (عن أبي موسى) الأشعري الكوفي عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح المهملة وتشديد الضاد المعجمة الصحابي المشهور له ثلاثمائة وستون حديثًا (٣٦٠) وهذا السند من سداسياته، قال النواوي: وفي هذا الإسناد لطيفتان من لطائف علم الإسناد إحداهما أنهم كلهم كوفيون كما ذكرته، والثانية أن ثلاثة منهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض الأعمش وعمرو بن مرة وأبو عبيدة (قال) أبو موسى (قام فينا) معاشر الصحابة (رسول الله ﷺ خطيبًا وواعظًا لنا وذكر لنا (بخمس كلمات) أي بين لنا بخمس خصال (فقال) في بيان أولاها (إن الله) و (عز) أي اتصف بالكمالات (وجل) أي تنزه عن النقائص (لا ينام) أي لا يقع منه النوم (ولا ينبغي) أي لا يصح (له) ولا يليق به (أن ينام) لأنه صفة نقص، قال الأبي: متعلق نفي الأول الوقوع فمعنى لا ينام لا يقع منه النوم أصلًا، ومتعلق نفي الثاني الصحة فمعنى (لا ينبغي له) أي: لا يصح له، فالعطف تأسيس لا تأكيد؛ إذ لا يلزم من نفي الوقوع نفي الصحة وإنما استحال أن ينام لأن النوم موت، وأيضًا فإنه سواد ينزل من أعلى الدماغ يفقد معه الحس، وعبارة المفهم: فالنوم محال عليه تعالى لأن النوم موت كما قال ﷺ حين سئل عن نوم أهل الجنة فقال: "النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها" رواه الطبراني في الأوسط والبزار من حديث جابر رضي الله تعالى عنه ورجال البزار رجال الصحيح، وأيضًا فإن النوم راحة من تعب التصرف وذلك من تعب الأجسام. وقال في بيان ثانيتها (يخفض القسط) أي يقتر الرزق على من يشاء من عباده (ويرفعه) أي ويبسط الرزق على من يشاء من عباده فالقسط هنا بمعنى الرزق، وخفضه تقتيره وتضييقه على من يشاء، ورفعه بسطه وتوسعته على من يشاء، وقيل المعنى (يخفض القسط) أي ينزل الأرزاق الواصلة إلى العباد بالقسط كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (وبرفعه) أي يرفع القسط أي يرفع أعمال العباد المرتفعة إليه، والمراد

стр. 1739

يُرْفَعُ إِلَيهِ عَمَلُ اللَّيلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيلِ، ــ بالقسط ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم الواصلة إليهم، وقيل المعنى (يخفض القسط) أي يخفض الشرع والحق بموت أهله والرجوع عن اتباعه (ويرفعه) أي يرفع الحق ويظهره بوجود الأنبياء ﵈ وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم. وعبارة المفهم هنا قال ابن قتيبة: القسط الميزان وسمي بذلك لأن القسط هو العدل وذلك إنما يحصل ويعرف بالميزان في حقوقنا وأراد به هنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم الواصلة إليهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ وقيل أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كل مخلوق يخفضه فيقتره ويرفعه فيوسعه، وقيل إن القسط هو العدل نفسه ويراد به الشرائع والأحكام كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالنصفة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ فتارة يرفعه بمعنى يعليه ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به، وتارة يخفضه بمعنى أنه يذهبه ويخفيه بدروس الشرائع ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها ويحتمل أن يكون رفعها قبضها كما قال النبي ﷺ في الأمانة إنها ترفع من القلوب كما رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث حذيفة ﵁، وكما قال: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة" رواه ابن أبي شيبة في المصنف من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه، بل كما قال: "عليكم بالعلم قبل أن يرفع" وخفضها إيجادها في الأرض ووضعها. والله أعلم. وقال في بيان ثالثتها (يرفع إليه) أي إلى الله ولكنه على حذف مضاف أي يرفع إلى خزائنه، والمراد به المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد ولعله سدرة المنتهى كما تقدم في حديث الإسراء، وهذا كما تقول رفع المال إلى الملك أي إلى خزائنه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (عمل الليل) أي أعمال عباده في الليل (قبل) الأخذ والشروع في كتابة (عمل النهار و) يرفع إليه (عمل النهار) أي أعمالهم في النهار (قبل) الأخذ والشروع في كتابة (عمل الليل) يعني أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم فترفعه في آخره بقرب الليل وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار، ومعناه والله أعلم يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده.

стр. 1740

حِجَابُهُ النُّورُ. (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ) لَوْ كَشَفَهُ ــ وفي الرواية الآتية (يرفع إليه عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار) قال القرطبي: معنى ما في الطريق الأولى يرفع إليه عمل الليل قبل الأخذ في عمل النهار أي في آخر الليل، ومعنى ما في الطريق الثاني يرفع إليه عمل الليل بقرب الأخذ في عمل النهار فتتفق الطريقتان على أن رفع عمل الليل في آخره، قال النواوي: معنى الأولى يرفع إليه عمل الليل قبل رفع عمل النهار أي في أول النهار الذي يليه، ومعنى الثانية يرفع إليه عمل الليل بالنهار أي بالنهار الذي يليه فتتفق الطريقتان على أن عمل الليل يرفع بأول النهار الذي يليه وعمل النهار بأول الليل الذي يليه لأن الملائكة ﵈ إنما تصعد بعمل الليل بعد انقضائه وكذا عمل النهار، قال الأبي: يشهد لما قاله القرطبي حديث "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" لاقتضائه أن عمل النهار يرفع بالنهار وعمل الليل يرفع بالليل إذا جعل ما بعد الفجر من الليل. وقال في بيان رابعتها (حجابه) أي حجاب الله سبحانه الذي يحجب الخلق عن رؤيته (النور، وفي رواية أبي بكر: "النار") والحجاب في أصله في اللغة المنع والستر وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الجسم والحد، والمراد به هنا المانع من رؤيته تعالى وسمي ذلك المانع نورًا أو نارًا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما. وعبارة المفهم هنا: والحجاب هو المانع والساتر ومنه سمي المانع من الأمير حاجبًا وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملك واختراع أو إضافة تشريف والمحجوب به هم العباد وهو النور الذي بهر بصر النبي ﷺ حيث قال: (نور أنى أراه) وهو المعني بقوله في سدرة المنتهى (فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ ) وأما البارئ تعالى فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا فيحتاج إلى مقدر ومخصص ويلزم منه حدوثه، وفي التحقيق أن الحجاب في حقوقنا الموانع التي تقوم بنا عند وجود هذه الحوائل كالجسم الكثيف والشديد النور. اهـ وقال في بيان خامستها (لو كشفه) أي لو كشف الله ذلك الحجاب الذي حجبهم عن رؤيته تعالى، وفي بعض الروايات (كشفها) فالضمير عائد على النار أو

стр. 1741

لأحرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: عَنِ الأعمَشِ وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا ــ الأنوار أو الحجاب بمعنى الحجب (لأحرقت سبحات وجهه) تعالى أي أنوار ذاته تعالى وبهاؤها وجلالها، وما في قوله (ما انتهى) مفعول به لأحرقت، والضمير في (إليه) عائد إلى ما الموصولة، وقوله (بصره) فاعل انتهى، والضمير فيه وفي قوله (من خلقه) عائد على الله تعالى، والجار والمجرور فيه حال من ما الموصولة، والمعنى لو كشف ذلك الحجاب الذي منعهم من رؤيتهم له تعالى وأزاله لأحرقت وأهلكت جمال وجلال وبهاء وجهه وذاته تعالى- ما -أي شيئًا- انتهى ووصل إليه أي إلى ذلك الشيء بصره تعالى حالة كون ذلك الشيء من مخلوقه تعالى، والخلاصة لو أزال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورًا أو نارًا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته، وفي المفهم: والسبحات بضم السين والباء الموحدة جمع سُبُحة بضمهما أيضًا، وأصلها جمال الوجه وبهاؤه ثم يعبر بها عن العظمة والجلال، وفي العيني والصَّحاح: سبحات وجه ربنا جلاله، والهاء في (بصره) عائد على الله تعالى على أحسن الأقوال وهو الذي عاد عليه ضمير وجهه وكذلك ضمير خلقه، ومعنى الكلام أن الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به عن رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ولهلكوا من عند آخرهم كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله تعالى فيها فإذا أنشأ تركيبهم للبقاء وقواهم حملوا ذلك، وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا لا سيما من قال: إن الهاء في وجهه تعود على المخلوق فإنه يحيل مساق الكلام ويخل بالمعنى، والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف: اقرؤوها كما جاءت يعنون المشكلات. اهـ (وفي رواية أبي بكر عن الأعمش) بصيغة العنعنة (ولم يقل) أبو بكر لفظة (حدثنا) الدالة على الاتصال، قال النواوي (وأما قوله في رواية أبي بكر عن الأعمش ولم يقل حدثنا) فهو من احتياط مسلم رحمه الله تعالى وورعه وإتقانه وهو أنه رواه عن أبي كريب وأبي بكر، فقال أبو كريب في روايته: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، وقال أبو بكر: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، فلما اختلفت عبارتهما في كيفية رواية شيخهما أبي

стр. 1742

٣٤٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ. قَال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأرْبَعِ كَلِمَاتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوَيةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ: "مِنْ خَلْقِهِ" وَقَال: حِجَابُهُ النُّورُ ــ معاوية بينها مسلم رحمه الله تعالى فحصل فيه فائدتان: إحداهما أن حدثنا للاتصال بإجماع العلماء، وفي (عن) خلاف، والصحيح الذي عليه الجمهور من طوائف العلماء أنها أيضًا للاتصال إلا أن يكون قائلها مدلسًا فبين مسلم ذلك، والثانية أنه لو اقتصر على إحدى العبارتين كان فيه خلل، فإنه إن اقتصر على عن كان مفوتًا لقوة حدثنا وراويًا بالمعنى، وإن اقتصر على حدثنا كان زائدًا في رواية أحدهما راويًا بالمعنى وكل مما يجتنب والله أعلم بالصواب. اهـ منه. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي موسى الأشعري أحمد [٤/ ٣٩٥ و ٤٠٥] وابن ماجه [١٩٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٤٩) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة حافظ مجتهد من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابًا تقريبًا، قال (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الثامنة مات سنة (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بأخبرنا جرير لأنه العامل في المتابع أي أخبرنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة الهمداني الكوفي عن أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أيضًا أن رجاله كلهم كوفيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جرير بن عبد الحميد لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه. فقال جرير في روايته (قال) أبو موسى (قام فينا) أي في مجلسنا (رسول الله ﷺ مبلغًا إلينا (بأربع كلمات ثم) بعد قوله بأربع كلمات (ذكر) جرير (بمثل حديث أبي معاوية و) لكن (لم يذكر) جرير لفظة (من خلقه وقال) جرير أيضًا (حجابه النور) كما قال أبو كريب وهذا بيان لمحل المخالفة بين المتابع والمتابع، والله أعلم. فإن (قلت) بين هذه الرواية والتي قبلها معارضة من حيث العدد (قلت) إن اختلاف

стр. 1743

٣٥٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَال: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ: إِن للهَ لا يَنَامُ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنَامَ يَرْفَعُ الْقِسْطَ ويخْفِضُهُ، ويرْفَعُ إِلَيهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيلِ، وَعَمَلُ اللَّيلِ بِالنَّهَارِ" ــ الروايتين في العدد من حيث البسط والاختصار فلا يوجب التعارض فإن الأولى حَسَبَتْ قوله (إن الله لا ينام ولا ينبغي له) واحدًا، وقوله (يخفض القسط ويرفعه) ثانيًا، وقوله (يرفع إليه عمل الليل والنهار) ثالثًا، وقوله (حجابه النور) رابعًا، وقوله (لو كشفه) ... إلخ خامسًا والرواية الثانية حسبت قوله (حجابه النور) وقوله (لو كشفه) واحدًا فجعلته رابعًا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٥٠) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابًا (و) محمد (بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٢) بابا (قالا حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم المدني البصري ثقة من التاسعة مات سنة (١٩٣) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا (قال) محمد بن جعفر (حدثني شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة حافظ متقن من السابعة مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابا (عن عمرو بن مرة) المرادي الكوفي (عن أبي عبيدة) عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي (عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة منهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعبة للأعمش في رواية هذا الحديث عن عمرو بن مرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه. وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالنقص (قال) أبو موسى (قام فينا رسول إله ﷺ بأربع) إحداها (إن الله لا ينام) وثانيها (ولا ينبغي له أن ينام) وثالثها (يرفع القسط ويخفضه) ورابعها (ويرفع إليه عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار) ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أبي موسى وذكر فيه متابعتين. والله أعلم.

стр. 1744

٩٦ - (٥٥) بَابُ: مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ فِي الآخِرَةِ ٣٥١ - (١٧٠) (٩٣) حدَّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضمِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَاللَّفْظُ لأبَي غَسَّانَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، ــ ٩٦ - (٥٥) بَابُ: مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ فِي الآخِرَةِ أي هذا الباب معقود في بيان الأحاديث التي وردت في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الجنة، وبسندنا المتصل السابق في أول الكتاب قال المؤلف رحمه الله تعالى: (٣٥١) - (١٧٠) (٩٣) (حدثنا نصر بن علي) الأزدي (الجهضمي) أبو عمر البصري ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٠) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (وأبو غسان) البصري مالك بن عبد الواحد (المسمعي) نسبة إلى جده مسمع بوزن منبر ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٠) روى عنه في (٩) أبواب (وإسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن راهويه الحنظلي أبو يعقوب المروزي ثقة مجتهد من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه حالة كونهم (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي أبي عبد الصمد أو أبي عبد الله البصري، روى عن عبد الملك بن حبيب أبي عمران الجوني في الإيمان وغيره، ومنصور في الصلاة واللباس، ويروي عنه (ع) ونصر بن علي وأبو غسان المسمعي وإسحاق الحنظلي وابن أبي عمر وابن أبي شيبة وأبو كامل الجحدري، وقال في التقريب: ثقة حافظ من كبار التاسعة مات سنة (١٨٧) سبع وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأبي غسان) تورعًا من الكذب على نصر بن علي وإسحاق، وأتى بقوله (قال) أبو غسان (حدثنا أبو عبد الصمد) تورعًا من الكذب عليه لأنه صرح بالسماع وذكر شيخه بكنيته، قال أبو عبد الصمد (حدثنا أبو عمران) عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي (الجوني) بفتح الجيم نسبة إلى جون بن عوف بطن من الأزد كما في اللباب الحافظ البصري مشهور بكنيته، روى عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس في الإيمان والجهاد في موضعين وصفة الجنة، وأنس في الوضوء وذكر الكفارة، وعبد الله بن الصامت في الصلاة والجهاد وحق الجار والحب، وجندب بن عبد الله في الجامع والعلم، وعبد الله بن رباح الأنصاري كتب إليه في العلم فجملة

стр. 1745

عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَال: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةِ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَينَ الْقَوْمِ وَبَينَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ، ــ الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا ويروي عنه (ع) وعبد العزيز بن عبد الصمد وحماد بن سلمة وجعفر بن سليمان في الوضوء والصلاة، وحماد بن زيد وشعبة وسليمان التيمي وأبو عامر الخزاز وأبو قدامة الحارث بن عبيد وهمام بن يحيى وأبان بن يزيد، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من كبار الرابعة مات سنة (١٢٨) ثمان وعشرين ومائة (عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس) عمرِو بن أبي موسى الأشعري ويقال اسمه عامر الكوفي روى عن أبيه في الإيمان والصلاة والجهاد، والبراء بن عازب في الدعاء في أربعة أبواب تقريبًا، روى عنه (ع) وأبو عمران الجوني وزيد بن عثمان وأبو جمرة الضبعي وعبد الله بن أبي السفر وأبو إسحاق وغيرهم، وثقه العجلي، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات سنة (١٠٦) ست ومائة، وكان أسن من أخيه أبي بردة (عن أبيه) عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل الكوفي وقد تقدم البسط في ترجمته (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان منهم كوفيان إلَّا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي (قال) النبي ﷺ (جنتان) مبتدأ أول، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل (من فضة) خبر مقدم للمبتدأ الثاني (آنيتهما) مبتدأ ثان مؤخر عن خبره (وما فيهما) معطوف على (آنيتهما) والتقدير جنتان من تلك الجنان الأربع آنيتهما وما فيهما كائنة من فضة، ومثله في الإعراب قوله (وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) والتقدير وجنتان من تلك الجنان الأربع آنيتهما وما فيهما كائنة من ذهب. قال الأبي: يحتمل أن الحديث تفسير للجنان الأربع التي في سورة الرحمن وعموم (وما فيهما) يقتضي حتى أشجارهما التي لا تكون الجنة جنة إلَّا بها وخلقها من ذهب أو فضة ممكن، وارتفاع جنتان على الابتداء وسوغه التفصيل وآنيتهما مبتدأ ثان وهو وخبره خبر عن الأول. اهـ والآنية جمع إناء على وزن فعال وأفعلة كسقاء وأسقية. (وما بين القوم) من أهل الجنة (وبين أن ينظروا إلى ربهم) جل وعلا حجاب (إلا رداء) أي إلَّا صفة (الكبرياء) والجلال والعظمة (على وجهه) وذاته تعالى حالة كون

стр. 1746

فِي جَنَّةِ عَدْنٍ" ــ الناظرين (في جنة عدن) واقامة وخلود، والمعنى أي ليس ثم مانع من رؤيته تعالى إلَّا رداء الكبرياء أي إلَّا صفة الجلال التي لا تطيق الأبصار لضعفها رؤيته أي حتى يقويهم على رؤيته بخلقهم للدوام فاستعار ﷺ لهذا الجلال المانع من رؤيته تعالى لفظ الرداء المانع من رؤية ما تحته تقريبًا للأفهام بإبراز المعقول في حيز المحسوس، والخطاب مع العرب الذين هم في البلاغة من هم، وباب الاستعارة مشهور عند العرب فلا إشكال في الحديث إلَّا عند من غلبت عليه العجمة واستولت على قلبه البلادة. اهـ سنوسي. قال القاضي عياض: والاستعارة هي استعمال اللفظ في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة بينهما مع قرينة مانعة عن إرادة المعنى الأصلي وهي أحد أنواع المجاز وأرفع أبواب الفصاحة والإيجاز، والعرب كثيرًا ما تستعملها تقصد بها التوضيح والإفهام وعلى هذا النحو جاء لفظ الرداء هنا فإنه ﷺ كان يخاطب العرب بما تفهم ويخرج لهم الشيء من حيز المعقول إلى حيز المحسوس تقريبًا للفهم فاستعار ﷺ لهذا الجلال المانع من رؤية الله تعالى لفظ الرداء المانع من رؤية ما تحته تقريبًا للأفهام فعبر عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بإزالة الرداء، وقال الرماني: ويسمى هذا النوع من الاستعارة تشبيهًا بغير أداة وغلبت البلادة والعجمة على قوم فلم يفهموا هذا المنزع من كلام العرب فاختلفوا في الحديث، فكذب بالأصل المعطلة وكذب بالحديث لجهل النقلة المعتزلة وكل تائه في مَهْمَهِ الجهل. وعبارة المفهم هنا قوله (إلَّا رداء الكبرياء على وجهه) الرداء هنا استعارة كنى بها عن كبريائه وعظمته كما قال في الحديث الآخر (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة وإنما هي توسعات، ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما غيره عبر عن عظمة الله تعالى وكبريائه بهما لأنهما مما لا يجوز مشاركة الله فيهما، ألا ترى آخر الحديث (فمن نازعني واحدًا منهما قصمته ثم قذفته في النار) ومعنى حديث أبي موسى هذا أن مقتضى جبروت الله تعالى وكبريائه وعزته واستغنائه أن لا يراه أحد ولا يعبأ بأحد ولا يلتفت إليه لكن لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم وعوده عليهم يقتضي أن يمن عليهم بأن يريهم وجهه إبلاغًا في الإنعام وإكمالًا للامتنان فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابًا يمنعهم.

стр. 1747

٣٥٢ - (١٧١) (٩٤) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيسَرَةَ، ــ ووجه الله تعالى هل عبارة عن وجوده وذاته المقدس أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة ليست كوجهنا؟ في ذلك لأئمتنا قولان وكذلك القول في اليد والعين والجنب المضافة إلى الله تعالى. اهـ من المفهم. وقوله (في جنة عدن) متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم فكأنه قال حالة كونهم كائنين في جنة عدن ولا يكون الكينونة فيها من الله تعالى لاستحالة المكان والزمان عليه تعالى. اهـ منه. وقال الضحاك: وجنة عدن اسم لمدينة الجنة وهي مسكن الأنبياء ﵈ والعلماء والشهداء وأئمة العدل، والناس سواهم في جنات حواليها، وقيل إنها اسم مركب إضافي فالجنات البساتين. واختلف في عدن فقال الحسن: قصر لا يدخله إلَّا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل ومد بها صوته، وقال عطاء: هو نهر على حافتيه جنات، وقيل عدن اسم للإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به، وقال ابن عطية: وهو الصواب لأن الله وعدها المؤمنين والمؤمنات بقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ الآية. فلا معنى للتخصيص. اهـ أبي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي موسى أحمد [٤١١] والبخاري [٤٨٧٨] و [٧٤٤٤] والترمذي [٢٥٣٠] وابن ماجه [١٨٦]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي موسى الأشعري بحديث صهيب رضي الله تعالى عنهما فقال: (٣٥٢) - (١٧١) - (٩٤) (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة) القواريري الجشمي مولاهم أبو سعيد البصري سكن بغداد روى عن عبد الرحمن وأبي عوانة وعبد الوارث بن سعيد وخالد بن الحارث ويحيى القطان وبشر بن المفضل وسفيان بن عيينة ومعاذ بن هشام وغيرهم، ويروي عنه (خ م د س) وأبو زرعة والفريابي والبغوي، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة ثبت من العاشرة مات في أيام التشريق سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والنكاح في موضعين والزكاة والصوم والحج في أربعة مواضع وعذاب القبر وصفة النبي ﷺ والفضائل في

стр. 1748

قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ صهَيبٍ، ــ موضعين واللباس، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها عشرة تقريبًا. (قال) عبيد الله (حدثني عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت من التاسعة مات سنة (١٩٨) بالبصرة عن (٦٣) وكان يحج كل سنة، قال (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي أو التميمي مولاهم أبو سلمة البصري ثقة عابد أثبت الناس في ثابت من كبار الثامنة مات سنة (١٦٧) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم بن موسى (البناني) نسبة إلى بنانة من بني سعد بن لؤي بن غالب وموضع لهم بالبصرة أبي محمد البصري ثقة عابد من الرابعة مات سنة (١٢٣) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري الأوسي أبي عيسى الكوفي واسم أبي ليلى يسار وقيل داود بن بلال بن أُحيحة بن الجلَّاح بن الحَرِيش بن جَحْجَبَا بن كَلَفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس، روى عن صهيب في الإيمان والزهد، وكعب بن عجرة في الوضوء والصلاة والحج، والبراء في الصلاة، وأمِّ هانئ في الصلاة، وأبي بن كعب في الصلاة وآيات آخر الكتاب، وزيد بن أرقم في الجنائز، وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وعلي في الحج والدعاء، وأنس بن مالك في الأطعمة، والمقداد بن الأسود في الأطعمة، وحذيفة في الأطعمة، وأبي أيوب في الدعاء، ويروي عنه (ع) وثابت البناني والحكم بن عتيبة وهلال بن أبي حميد وعمرو بن مرة وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ومجاهد وأبو قلابة وعبد الملك بن عمير ويزيد بن أبي زياد في الأطعمة وعمرو بن ميمون في الدعاء، قال عبد الله بن الحارث: ما ظننت أن النساء ولدن مثله، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثانية ولد لست بقين من خلافة عمر، وقال بعضهم: لست مضين مات سنة (٨٣) ثلاث وثمانين بوقعة الجماجم وقيل غرق بدجيل مع محمد بن الأشعث فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا (عن صهيب) - مصغرًا - ابن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل أبو يحيى سبته الروم وهو صغير من الموصل فأعتقه النبي ﷺ وكناه أبا يحيى صحابي مشهور شهد بدرًا من السابقين، له أحاديث انفرد له (خ) بحديث و (م) بثلاثة، يروي عنه (ع) وابن عمر وابن أبي ليلى وابن المسيب وبنوه حمزة وزياد وصيفي وسعد، كان اسمه عبد الملك وصهيب لقبه أصله من النمر مات بالمدينة سنة

стр. 1749

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَال: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَال: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيئًا أَحَبَّ إِلَيهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ " ــ ثمان وثلاثين (٣٨) في خلافة علي وقيل قبل ذلك (عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد كوفي وواحد مدني. (قال) النبي ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة) وقوله (قال) رسول الله ﷺ تأكيد لقال الأول (يقول الله تبارك) أي تزايد بره وإحسانه لعباده (وتعالى) أي ترفع عما لا يليق به من كل النقائص (تريدون) أي أتريدون يا عبادي (شيئًا) من المطالب (أزيدكم) ذلك الشيء على ما أعطيتكم، قال الأبي: هذا استنطاق لا استفهام لأن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء (فيقولون) في جوابه (ألم تبيض وجوهنا) بهمزة الاستفهام التقريري، وكذا في قوله (ألم ندخلنا الجنة وتنجنا من النار) بالجزم عطفًا على ما قبله فأي نعمة أفضل من هذا (قال) النبي ﷺ (فبكشف) الله (الحجاب) أي يزيل الموانع التي كانت تمنع رؤيته سبحانه، وتسميتها حجابًا مجاز بالاستعارة والمحجوب بها الخلق كما تقدم (فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم . وفي المفهم: وقول من يسأله الله من أهل الجنة بقوله (هل تريدون شيئًا أزيدكم) (ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة وتنجنا من النار) لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبة والشوق وإنما يليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء فلما حصل على الأمن من المخوف والظفر بالمرجو الذي كان تشوقه إليه قنع به ولها عن غيره، وأما من مات محبًّا لله مشتاقًا لرؤيته فلا يكون همه إلَّا طلب النظر لوجهه الكريم لا غير، ويدل على صحة ما قلته أن المرء يحشر على ما مات عليه كما علم من الشريعة، بل أقول إنَّ من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا ينبه بالسؤال بل يعطيه أمنيته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم كما نطق بذلك الكتاب وأجمع عليه سلف الأمة ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي ﷺ ، ومنع ذلك فرق من المبتدعة منهم المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة بناء منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقلية كاشتراط البنية

стр. 1750

٣٥٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ــ المخصوصة والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع من القرب المفرط والبعد المفرط والحجب الحائلة في خبط لهم وتحكم، وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا سوى وجود المرئي وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئي لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدلها، والله أعلم. وتفصيل ذلك وتحقيقه في علم الكلام. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث صهيب بن سنان أحمد (٤/ ٣٣٢ و ٣٣٣) والترمذي (٣٥٥٥) وابن ماجه (١٨٧). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث صهيب رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٥٣) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة من العاشرة، قال (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي ثقة متقن من التاسعة مات سنة (٢٠٦) روى عنه في (١٩) بابًا تقريبًا (عن حماد بن سلمة) بن دينار التميمي البصري، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله حدثنا يزيد بن هارون، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع المذكور في السند السابق أي حدثنا يزيد بن هارون بهذا الإسناد أي عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي ﷺ وهذا السند أيضًا من سداسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان بصريان وواحد واسطي وواحد مدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يزيد بن هارون لعبد الرحمن بن مهدي في رواية هذا الحديث عن حماد بن سلمة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه (و) لكن (زاد) يزيد بن هارون على عبد الرحمن قوله (ثم تلا) رسول الله ﷺ (هذه الآية) استشهادًا على قوله وهي قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ بالأعمال الصالحة ﴿الْحُسْنَى﴾ أي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ أي النظر إلى ربهم. الآية في سورة يونس [٢٦] وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان: الأول حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستدلال، والثاني حديث صهيب بن سنان فذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة. والله أعلم.

стр. 1751

٩٧ - (٥٦) بَابُ: بَيَانِ كَيفِيَّةِ رُؤْيَةِ اللهِ ٣٥٤ - (١٧٢) (٩٥) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ أَخْبَرَهُ؛ "أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُويةِ الْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللهِ ــ ٩٧ - (٥٦) بَابُ: بَيَانِ كَيفِيَّةِ رُؤْيَةِ اللهِ أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث التي تبين كيفية رؤية الله تعالى هل هي على التدريج؟ أم على الدفعة؟ أو هي واضحة أم لا؟ (٣٥٤) - (١٧٢) (٩٥) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة من العاشرة قال (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو يوسف المدني ثقة فاضل من التاسعة مات سنة (٢٠٨) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ثقة حجة من الثامنة مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني ثقة من الرابعة مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابا (عن عطاء بن يزيد الليثي) من أنفسهم الجندعيِّ أبي يزيد المدني نزيل الشام ثقة من الثالثة مات سنة (١٠٧) روى عنه في (٥) أبواب (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (أخبره) أي أخبر لعطاء بن يزيد الليثي، وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا زهير بن حرب فإنه نسائي (أن ناسًا) من أصحاب رسول الله ﷺ (قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ نعم ترونه سبحانه بلا ضرر ولا تعب و (هل تضارون) وتتعبون وتشكون (في رؤية القمر ليلة البدر) أي في ليلة أربعة عشر حين استكمل جرمه ونوره (قالوا) في جواب استفهامه (لا) نضار ولا نشك في ذلك (يا رسول الله) قال النواوي: روي (تضارون) بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر، ومعنى المخفف هل

стр. 1752

قَال: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، ــ يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر، وروي أيضًا تضامون كما في البخاري بتشديد الميم وتخفيفها فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضم التاء، ومعنى المشدد من الانضمام هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته، ومعنى المخفف هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب، ومعناه لا يشتبه عليكم وترتابون فيه فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته تعالى. والله أعلم. اهـ وقال الأبي: والمعنى في الجميع إنكم ترون الله سبحانه دون أن يضر بعضكم بعضًا بأن يحجبه أو يزاحمه أو يضيمه أو ينازعه أو يضمه إليه كما يفعلون ذلك عند رؤية الهلال بل الحال كالحال عند رؤية الشمس والقمر، والمشبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي ولذا لم يقل كالقمر، (قال: هل تضارون) وتشكون (في) رؤية (الشمس لبس دونها) أي تحتها (سحاب) أي غيم (قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم ترونه) سبحانه رؤية واضحة لا شك فيها (كذلك) أي مثل رؤيتكم ذلك المذكور من القمر والشمس. وعبارة المفهم هنا: قوله (هل تضارون) يروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وبتخفيفها وضم التاء، والتشديد أكثر وكلها له معنى صحيح، ووجه الأكثر أنه مضارع مبني لما لم يسم فاعله أصله تضاررون أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية وأصل ماضيه ضورر، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل بمعنى تضاررون بكسر الراء إلَّا أنها سكنت الراء وأدغمت وكله من الضر المشدد، وأما التخفيف فهو من ضاره يضيره ويضوره ضيرًا مخففة فإذا بني لما لم يسم فاعله قلتَ فيه يُضَارُ مخففة، وأما رواية فتح التاء فهي مبنية للفاعل بمعنى تتضارون وحذفت إحدى التاءين استثقالًا لاجتماعهما ومعنى هذا اللفظ أن أهل الجنة إذا امتنَّ الله عليهم برؤيته سبحانه تجلَّى لهم ظاهرًا بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله كما يفعل عند رؤية الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه، وقد حكي ضاررته مضارة إذا خالفته وقد روي (تضامون) بالميم والقول فيه رواية ومعنى كالقول في تضارون غير أن تضامون بالتشديد من المضامة وهي الازدحام أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة، وأما بالتخفيف فمن الضيم وهو الذُّل أي لا يذل بعضكم بعضًا بالمزاحمة والمنافسة

стр. 1753

يَجْمَعَ اللهُ الناسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، ــ والمنازعة، وقوله (فإنكم ترونه كذلك) هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة ولا مزاحمة كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم فقالوا: إنَّ معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وأما اللفظ فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر وهي قد تعدت هنا إلى مفعول واحد فهي للإبصار، ولا يصح أن يقال إنَّ الرؤية بمعنى المعرفة لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى عرفت لكن بمعنى علمت أو أبصرت واستعملت علمت بمعنى عرفت لا رأيت بمعنى عرفت، وأما المعنى فمن وجهين: أحدهما أنه ﷺ شبه رؤية الله تعالى بالشمس وذلك التشبيه لا يصح إلَّا بالمعاينة. وثانيهما أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة فترفع خصوصية المؤمنين بالكرامة وبلذة النظر وذلك التأويل منهم تحريف حَمَلَهُم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة والعقائد الزائغة. وذلك أنه (يجمع الله) (الناس يوم القيامة) في موقف واحد (فيقول) لهم حين أراد فصل القضاء (من كان يعبد) دون الله (شيئًا) من المعبودات (فليتبعه) إلى النار أي فليلحقه إلى النار أمر من الاتباع بتشديد التاء (فيتبع من كان يعبد الشمس) وقوله (الشمس) ثانيًا مفعول يتبع، والأول مفعول يعبد وكذا يقال في القمر مرتين، والطواغيت كذلك في قوله (ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت) جمع طاغوت، قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى حيًّا كان أو ميتًا جمادًا كان أو حيوانًا إنسًا أو جنًّا أو ملكًا أو شيطانًا أو كاهنًا ولكن المراد به في هذا الحديث الأصنام، قال الواحدي: الطاغوت يكون واحدًا وجمعًا ويؤنث ويذكر قال الله تعالى في الواحد: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وفي الجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وهو نظير فلك جمعًا ومفردًا بلفظ واحد، وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا

стр. 1754

وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ، ﵎، فِي صُورَةٍ غَيرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ــ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قال في المصباح: هو في تقدير فَعْلُوت بفتح العين لكن قدمت اللام موضع العين، واللام واو محركة مفتوح ما قبلها فقلبت ألفًا فبقي في فلعوت وهو من الطغيان الذي هو مصدر طغى قاله الزمخشري، وفي الصحاح: والطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت فهو مقلوب لأنه من طغى ولاهوت غير مقلوب لأنه من لاه بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت. اهـ (وتبقى هذه الأمة) المحمدية بعد ذهاب سائر الأمم إلى النار مع معبوداتها حالة كونها متسترون (فيها منافقوها) زاعمين أنهم منهم ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم كما نفعهم في الدنيا جهلًا منهم بأن الله تعالى عالم بهم ومطلع على ضمائرهم وهذا كما قد أقسمت طائفة من المشركين أنهم ما كانوا مشركين توهمًا منهم أن ذلك ينجيهم، ويحتمل أن يكون حشرهم مع المسلمين لما كانوا يظهرونه من الإسلام فحفظ عليهم ذلك حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ويحتمل أنه لما قيل لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فاتبع الناس معبوداتهم ولم يكونوا عبدوا شيئًا فبقوا هنالك حتى ميزوا ممن كان يعبد الله (فيأتيهم الله) سبحانه ﵎ أي يتجلى لهم ويظهر (في صورة) أي بصفة من صفات الحوادث (غير صورته) أي غير صفته (التي) كانوا (يعرفونـ) ـها في الدنيا من كتابه العزيز ومن سنة رسوله الكريم كقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكلمة (في) في قوله (في صورة) بمعنى الباء فيكون معنى الكلام أن الله تعالى يجيئهم ويظهر لهم بصورة كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ أي بظلل ويكون معنى الإتيان هنا يحضر لهم تلك الصورة وهذه الصورة التي لا يعرفونها هي مخلوقة (فيقول) الله لهم بواسطة تلك الصورة (أنا ربكم) فاتبعوني، وفي الأبي: أي يبعث الله لهم صورة يمتحنهم بها فتقول تلك الصورة، وقال النواوي: أو يتخرج على حذف مضاف أي فيأتيهم أحد من الملائكة ويقول لهم ذلك الملك أو تلك الصورة أنا ربكم (فيقولون نعوذ بالله منك) أي من اتباعك (هذا) الموقف (مكاننا) أي مستقرنا (حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا) أي تجلى لنا (عرفناه) أي عرفناه بصفته التي بين لنا في كتابه (فيأتيهم الله) سبحانه

стр. 1755

تَعَالى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ ــ و(تعالى) أي يتجلى ويظهر لهم (في صورنه) أي بصفته (التي يعرفونـ) ـه بها في الدنيا (فيقول) لهم (أنا ربكم) فاتبعوني (فيقولون أنت ربنا فيتبعونه) إلى موقف الحساب، وهذه الصورة الثانية التي يعرفونها عندما يتجلى لهم الحق بها هي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ولا يشبهه بشبهها شيء من المصورات، وهذا الوصف هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا وهو المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولذلك قالوا إذا جاء ربنا عرفناه وفي حديث آخر يقال لهم (وكيف تعرفونه؟ قالوا إنه لا شبيه له ولا نظير) ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة فمن المتداول أن يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته، والإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى ثانيًا هو عبارة عن تجليه لهم فكأنه كان بعيدًا فقرب أو غائبًا فحضر وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب. اهـ مفهم. وقوله (فيتبعونه) أي يتبعون أمره كما يقال اتبعت فلانا على رأيه واتبعت أمره أي انقدت له وامتثلته فيكون من باب الاستعارة أي يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة، ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف أي يتبعون ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة فكأنهم يتقدمون بين أيديهم دلالة وخدمة وتأنيسًا، والله أعلم. وفي المفهم (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) هذا المقام مقام هائل يمتحن الله تعالى فيه عباده ليتميز المحق من المبطل وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراؤون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بمنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله تعالى وأنه منزه عن صفات هذه الصورة إذ سماتها سمات المحدثات ولذلك قال في حديث أبي سعيد (فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا) مرتين أو ثلاثًا حتى إنَّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، وهذا البعض الذي هم بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعل هذه الطائفة هي التي إعتقدت الحق وجزمت عليه من غير بصيرة ولذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب، ثم يقال بعد هذا للمؤمنين هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟
следующие страницы →