← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

٩٧ - (٥٦) بَابُ: بَيَانِ كَيفِيَّةِ رُؤْيَةِ اللهِ ٣٥٤ - (١٧٢) (٩٥) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ أَخْبَرَهُ؛ "أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُويةِ الْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللهِ ــ ٩٧ - (٥٦) بَابُ: بَيَانِ كَيفِيَّةِ رُؤْيَةِ اللهِ أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث التي تبين كيفية رؤية الله تعالى هل هي على التدريج؟ أم على الدفعة؟ أو هي واضحة أم لا؟ (٣٥٤) - (١٧٢) (٩٥) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة من العاشرة قال (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو يوسف المدني ثقة فاضل من التاسعة مات سنة (٢٠٨) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ثقة حجة من الثامنة مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني ثقة من الرابعة مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابا (عن عطاء بن يزيد الليثي) من أنفسهم الجندعيِّ أبي يزيد المدني نزيل الشام ثقة من الثالثة مات سنة (١٠٧) روى عنه في (٥) أبواب (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (أخبره) أي أخبر لعطاء بن يزيد الليثي، وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا زهير بن حرب فإنه نسائي (أن ناسًا) من أصحاب رسول الله ﷺ (قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ نعم ترونه سبحانه بلا ضرر ولا تعب و (هل تضارون) وتتعبون وتشكون (في رؤية القمر ليلة البدر) أي في ليلة أربعة عشر حين استكمل جرمه ونوره (قالوا) في جواب استفهامه (لا) نضار ولا نشك في ذلك (يا رسول الله) قال النواوي: روي (تضارون) بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر، ومعنى المخفف هل

стр. 1752

قَال: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، ــ يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر، وروي أيضًا تضامون كما في البخاري بتشديد الميم وتخفيفها فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضم التاء، ومعنى المشدد من الانضمام هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته، ومعنى المخفف هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب، ومعناه لا يشتبه عليكم وترتابون فيه فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته تعالى. والله أعلم. اهـ وقال الأبي: والمعنى في الجميع إنكم ترون الله سبحانه دون أن يضر بعضكم بعضًا بأن يحجبه أو يزاحمه أو يضيمه أو ينازعه أو يضمه إليه كما يفعلون ذلك عند رؤية الهلال بل الحال كالحال عند رؤية الشمس والقمر، والمشبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي ولذا لم يقل كالقمر، (قال: هل تضارون) وتشكون (في) رؤية (الشمس لبس دونها) أي تحتها (سحاب) أي غيم (قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم ترونه) سبحانه رؤية واضحة لا شك فيها (كذلك) أي مثل رؤيتكم ذلك المذكور من القمر والشمس. وعبارة المفهم هنا: قوله (هل تضارون) يروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وبتخفيفها وضم التاء، والتشديد أكثر وكلها له معنى صحيح، ووجه الأكثر أنه مضارع مبني لما لم يسم فاعله أصله تضاررون أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية وأصل ماضيه ضورر، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل بمعنى تضاررون بكسر الراء إلَّا أنها سكنت الراء وأدغمت وكله من الضر المشدد، وأما التخفيف فهو من ضاره يضيره ويضوره ضيرًا مخففة فإذا بني لما لم يسم فاعله قلتَ فيه يُضَارُ مخففة، وأما رواية فتح التاء فهي مبنية للفاعل بمعنى تتضارون وحذفت إحدى التاءين استثقالًا لاجتماعهما ومعنى هذا اللفظ أن أهل الجنة إذا امتنَّ الله عليهم برؤيته سبحانه تجلَّى لهم ظاهرًا بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله كما يفعل عند رؤية الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه، وقد حكي ضاررته مضارة إذا خالفته وقد روي (تضامون) بالميم والقول فيه رواية ومعنى كالقول في تضارون غير أن تضامون بالتشديد من المضامة وهي الازدحام أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة، وأما بالتخفيف فمن الضيم وهو الذُّل أي لا يذل بعضكم بعضًا بالمزاحمة والمنافسة

стр. 1753

يَجْمَعَ اللهُ الناسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، ــ والمنازعة، وقوله (فإنكم ترونه كذلك) هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة ولا مزاحمة كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم فقالوا: إنَّ معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وأما اللفظ فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر وهي قد تعدت هنا إلى مفعول واحد فهي للإبصار، ولا يصح أن يقال إنَّ الرؤية بمعنى المعرفة لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى عرفت لكن بمعنى علمت أو أبصرت واستعملت علمت بمعنى عرفت لا رأيت بمعنى عرفت، وأما المعنى فمن وجهين: أحدهما أنه ﷺ شبه رؤية الله تعالى بالشمس وذلك التشبيه لا يصح إلَّا بالمعاينة. وثانيهما أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة فترفع خصوصية المؤمنين بالكرامة وبلذة النظر وذلك التأويل منهم تحريف حَمَلَهُم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة والعقائد الزائغة. وذلك أنه (يجمع الله) (الناس يوم القيامة) في موقف واحد (فيقول) لهم حين أراد فصل القضاء (من كان يعبد) دون الله (شيئًا) من المعبودات (فليتبعه) إلى النار أي فليلحقه إلى النار أمر من الاتباع بتشديد التاء (فيتبع من كان يعبد الشمس) وقوله (الشمس) ثانيًا مفعول يتبع، والأول مفعول يعبد وكذا يقال في القمر مرتين، والطواغيت كذلك في قوله (ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت) جمع طاغوت، قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى حيًّا كان أو ميتًا جمادًا كان أو حيوانًا إنسًا أو جنًّا أو ملكًا أو شيطانًا أو كاهنًا ولكن المراد به في هذا الحديث الأصنام، قال الواحدي: الطاغوت يكون واحدًا وجمعًا ويؤنث ويذكر قال الله تعالى في الواحد: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وفي الجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وهو نظير فلك جمعًا ومفردًا بلفظ واحد، وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا

стр. 1754

وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ، ﵎، فِي صُورَةٍ غَيرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ــ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قال في المصباح: هو في تقدير فَعْلُوت بفتح العين لكن قدمت اللام موضع العين، واللام واو محركة مفتوح ما قبلها فقلبت ألفًا فبقي في فلعوت وهو من الطغيان الذي هو مصدر طغى قاله الزمخشري، وفي الصحاح: والطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت فهو مقلوب لأنه من طغى ولاهوت غير مقلوب لأنه من لاه بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت. اهـ (وتبقى هذه الأمة) المحمدية بعد ذهاب سائر الأمم إلى النار مع معبوداتها حالة كونها متسترون (فيها منافقوها) زاعمين أنهم منهم ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم كما نفعهم في الدنيا جهلًا منهم بأن الله تعالى عالم بهم ومطلع على ضمائرهم وهذا كما قد أقسمت طائفة من المشركين أنهم ما كانوا مشركين توهمًا منهم أن ذلك ينجيهم، ويحتمل أن يكون حشرهم مع المسلمين لما كانوا يظهرونه من الإسلام فحفظ عليهم ذلك حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ويحتمل أنه لما قيل لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فاتبع الناس معبوداتهم ولم يكونوا عبدوا شيئًا فبقوا هنالك حتى ميزوا ممن كان يعبد الله (فيأتيهم الله) سبحانه ﵎ أي يتجلى لهم ويظهر (في صورة) أي بصفة من صفات الحوادث (غير صورته) أي غير صفته (التي) كانوا (يعرفونـ) ـها في الدنيا من كتابه العزيز ومن سنة رسوله الكريم كقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكلمة (في) في قوله (في صورة) بمعنى الباء فيكون معنى الكلام أن الله تعالى يجيئهم ويظهر لهم بصورة كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ أي بظلل ويكون معنى الإتيان هنا يحضر لهم تلك الصورة وهذه الصورة التي لا يعرفونها هي مخلوقة (فيقول) الله لهم بواسطة تلك الصورة (أنا ربكم) فاتبعوني، وفي الأبي: أي يبعث الله لهم صورة يمتحنهم بها فتقول تلك الصورة، وقال النواوي: أو يتخرج على حذف مضاف أي فيأتيهم أحد من الملائكة ويقول لهم ذلك الملك أو تلك الصورة أنا ربكم (فيقولون نعوذ بالله منك) أي من اتباعك (هذا) الموقف (مكاننا) أي مستقرنا (حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا) أي تجلى لنا (عرفناه) أي عرفناه بصفته التي بين لنا في كتابه (فيأتيهم الله) سبحانه

стр. 1755

تَعَالى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ ــ و(تعالى) أي يتجلى ويظهر لهم (في صورنه) أي بصفته (التي يعرفونـ) ـه بها في الدنيا (فيقول) لهم (أنا ربكم) فاتبعوني (فيقولون أنت ربنا فيتبعونه) إلى موقف الحساب، وهذه الصورة الثانية التي يعرفونها عندما يتجلى لهم الحق بها هي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ولا يشبهه بشبهها شيء من المصورات، وهذا الوصف هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا وهو المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولذلك قالوا إذا جاء ربنا عرفناه وفي حديث آخر يقال لهم (وكيف تعرفونه؟ قالوا إنه لا شبيه له ولا نظير) ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة فمن المتداول أن يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته، والإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى ثانيًا هو عبارة عن تجليه لهم فكأنه كان بعيدًا فقرب أو غائبًا فحضر وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب. اهـ مفهم. وقوله (فيتبعونه) أي يتبعون أمره كما يقال اتبعت فلانا على رأيه واتبعت أمره أي انقدت له وامتثلته فيكون من باب الاستعارة أي يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة، ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف أي يتبعون ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة فكأنهم يتقدمون بين أيديهم دلالة وخدمة وتأنيسًا، والله أعلم. وفي المفهم (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) هذا المقام مقام هائل يمتحن الله تعالى فيه عباده ليتميز المحق من المبطل وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراؤون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بمنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله تعالى وأنه منزه عن صفات هذه الصورة إذ سماتها سمات المحدثات ولذلك قال في حديث أبي سعيد (فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا) مرتين أو ثلاثًا حتى إنَّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، وهذا البعض الذي هم بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعل هذه الطائفة هي التي إعتقدت الحق وجزمت عليه من غير بصيرة ولذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب، ثم يقال بعد هذا للمؤمنين هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟

стр. 1756

وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَينَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ. فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، ــ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق ويتجلى لهم فيرونه حقيقة معاينة وعند هذا يسجد الجميع فمن كان مخلصًا في الدنيا صح له سجوده على تمامه وكماله ومن كان منافقًا أو مرائيًا عاد ظهره طبقة واحدة كلما رام السجود خر على قفاه، وعند هذا الامتحان يقع امتياز المحق من المبطل فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة (ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم). (ويضرب الصراط) أي يمد ويبسط (بين ظهري جهنم) أي على ظهر جهنم ومتنها وفي بعض النسخ "ظهراني". والصراط لغة الطريق وفيه لغات الصاد والسين والزاي، وهو هنا الطريق من أرض المحشر إلى الجنة وهو منصوب على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر رواه مسلم عن ثوبان (٣١٥). وفي الأبي: الصراط عرفًا جسر يضرب على ظهر جهنم يمر الناس عليه إلى الجنة فينجو المؤمنون على كيفيات ومنازل تأتي ويسقط المنافقون، قال القاضي: وأجمع السلف على حمل أحاديثه على ظاهرها دون تأويل ويحتمل أن يكون خلق مع جهنم، قال بعضهم: فالضرب على هذا الإذن في المرور ويحتمل أنه خلق الآن والله أعلم بصفته. وقوله (ظهري جهنم) هو بفتح الظاء وسكون الهاء ومعناه يمد الصراط عليها، قال الخليل: يقال هو بين ظهراني القوم وبين ظهريهم أي بينهم (وجهنم) اسم من أسماء النار التي يعذب بها في الآخرة، قال الجوهري: هو ملحق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه ولا ينصرف للتعريف والتأنيث وهو فارسي معرب ورَكَيَّةٌ جهنام أي بعيدة القعر. اهـ مفهم. (فأكون أنا وأمتي) معطوف على الضمير المستتر في أكون بعد تأكيده بالمنفصل (أول من يجيز) ويمر عليه إلى الجنة وهو بضم أوله من أجاز الرباعي أي يمضي عليه ويقطعه، يقال أجزت الوادي وجزته لغتان فصيحتان، وحكي عن الأصمعي أنه قال: أجزته قطعته وجزته مشيت فيه، ويحتمل أن يقال إنَّ الهمزة في أجاز هنا للتعدية من

стр. 1757

وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ. وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. هَلْ رَأَيتُمُ السَّعْدَانَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَال: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ ــ قولهم (أجيزي صوفةُ) أي أجزنا وذلك أن صوفة كان رجلًا معظمًا في قريش يقتدى به في مناسك الحج فلا يجوز أحد في شيء من مواقفه حتى يجوز هو فكان الناس يستعجلونه فيقولون: أجز صوفة، أي ابتدئ بالجواز حتى نجوز بعدك فكان يمنعهم بوقوفه ويجيزهم بجوازه ثم بقي ذلك في ولده فقيل للقبيلة (أجيزي صوفة) فكذلك الرسول ﷺ وأمته على الصراط فلا يجوز أحد حتى يجوز هو وأمته فكأنه يجيز الناس. (ولا يتكلم يومئذ) أي حينئذ أي حين إذ يجوزون على الصراط لشدة الأهوال وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها وتجادل كل نفس عن نفسها ويسأل بعضهم بعضًا ويتلاومون ويخاصم التابعون المتبوعين أي ولا يتكلم حينئذ أحد (إلا الرسل ودعوى الرسل) أي دعاؤهم جاء بالمصدر مؤنثًا (يومئذ) أي يوم إذ يجوزون على الصراط (اللهم سلم سلم) أي سلم المارين من السقوط في جهنم وذلك من كمال شفقتهم ورحمتهم للخلق، وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن فيدعى في كل موطن بما يليق به والله أعلم. (وفي) قعر (جهنم كلاليب) شكلها (مثل) شكل (شوك السعدان) تطلع من جانب الصراط، والكلاليب بزنة المفاعيل جمع كَلُّوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهي حديدة معوجة الرأس يعلق فيها اللحم وترسل في التنور ليقلى اللحم ومثل ما يوجد في دكاكين المقادى، قال صاحب المطالع: هي خشبة في رأسها عقاقة حديد وقد تكون حديدًا كلها، ويقال لها أيضًا كلاب، والسعدان بفتح السين وإسكان العين المهملتين نبت له شوكة عظيمة من كل الجوانب مثل الحسك؛ والحسك بفتحتين جمع حسكة والحسكة كل شجر شائك، وفي المفهم: والسعدان نبت كثير الشوك شوكه كالخطاطيف والمحاجن في الأرمية "قجما". قال النبي ﷺ مخاطبًا للحاضرين (هل رأيتم السعدان) أي شجره (قالوا نعم) رأيناه (يا رسول الله، قال) رسول الله ﷺ (فإنها) أي فإن الكلاليب شكلها (مثل) شكل (شوك السعدان غير أنه) أي غير أن الشأن (لا يعلم ما قدر

стр. 1758

عِظَمِهَا إِلا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، ــ عظمها) أي عظم تلك الشوكة وكبرها (إلا الله) ، وفي المفهم: قيدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء على أن تكون (ما) استفهامًا خبرًا مقدمًا و (قدر) مبتدأ مؤخرًا أو بنصبها على أن تكون (ما) زائدة و (قدر) مفعول يعلم (تخطف) وتأخذ تلك الكلاليب (الناس) المارين على الصراط بسرعة وتسقطهم في قعر جهنم (بـ) سبب (أعمالهم) السيئة (فمنهم) أي فمن الناس المارين على الصراط (المؤمن) بالميم والنون أي كامل الإيمان (بقي) بالباء الموحدة وبالقاف على الصراط بلا خطف ولا سقوط في جهنم (بعمله) أي الصالح أو بقي وحبس على الصراط بعمله السيئ، وفي نسخة (يقي) بالياء التحتانية وبالقاف أي يقيه الله تعالى ويحفظه من السقوط في جهنم بعمله الصالح لأنه من الوقاية بمعنى الحفظ والمعنى يجعل بعمله وقاية لجهنم وسترًا عنه وهذا الوجه للسمرقندي، قال النواوي: وهذا هو الموجود في معظم أصول بلادنا، والوجه الثاني (الموثق) بالثاء المثلثة (بعمله) من الوثاق أي المربوط المحبوس بسبب عمله السيئ على الصراط وهذا الوجه للطبري، والوجه الثالث (الموبق) بالموحدة المفتوحة أي المهلك (بعمله) السيئ في جهنم حتى لا يخرج لكونه منافقًا في الدنيا وهذا الوجه للعذري، قال القاضي: وهذا الوجه أصحها، بل قال صاحب المطالع: بل هذا الثالث هو الصواب، وعبارة المفهم هنا قوله (فمنهم الموبق بعمله) بالباء الموحدة كذا للعذري ومعناه المهلك بعمله السيئ، وللطبري (الموثق بعمله) بالثاء المثلثة من الوثاق، وللسمرقندي (المؤمن بقي بعمله) وكلها صحيح والأول أوضحها (ومنهم المجازى) بفتح الزاي على صيغة اسم المفعول من المجازاة أي ومنهم المجازى أي المعاقب بعمله على الصراط (حتى ينجى) بفتح الجيم المشددة على صيغة المبني للمجهول أي ومنهم المعاقب على الصراط مجازاة له على عمله السيئ حتى ينجيه الله بمروره على الصراط، أو المعنى ومنهم المجزي بعمله السيئ بعد سقوطه في جهنم حتى يحصل له النجاة بخروجه منها. اهـ من بعض الهوامش. وفي المفهم: وروى العذري وغيره (ومنهم المخردل) مكان المجازى ومعناه الذي تقطع الكلاليب لحمه وجسمه، يقال خردلت اللحم خراديل أي قطعته قطعًا وهو بالدال المهملة، وحكى يعقوب أنه يقال بالذال المعجمة وهو أيضًا بالخاء المعجمة، وقد قاله

стр. 1759

حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَينَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، مِمَّن أَرَادَ اللهُ تَعَالى أنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ، حَزمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ. فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا، ــ بعضهم بالجيم والجردلة الإشراف على الهلاك والسقوط فيه. وقوله (حتى إذا فرغ الله) غاية لمحذوف معلوم من جملة إذا تقديره وهم معذبون في جهنم إلى وقت أمر الله سبحانه الملائكة بإخراجهم من جهنم وقت فراغه من القضاء الفاصل بين العباد أي حتى إذا فرغ الله سبحانه (من القضاء) الفاصل (بين العباد) وتمم عليهم حسابهم وكمله وفصل بينهم واستقر كل في محله، لا أن الله سبحانه يشغله شأن عن شأن (وأراد) سبحانه (أن يخرج برحمته) وفضله من النار (من أراد) إخراجه (من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله) في عبادته مثلًا (شيئًا) من المخلوق حالة كونه (ممن أراد الله) سبحانه و (تعالى أن يرحمه) بإخراجه من النار حالة كونه (ممن يقول لا إله إلَّا الله) مع عديلتها محمد رسول الله ﷺ يعني إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وشفع كل من له شفاعة، ألا ترى قوله وأراد أن يخرج برحمته لا بشفاعة أحد من أراد إخراجه من أهل النار، واقتصاره على (لا إله إلَّا الله) ولم يذكر معها الشهادة بالرسالة إما لأنهما لما تلازمتا في النطق اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وإما لأنه لما كانت الرسل كثيرين ويجب على كل أحد أن يعرف برسالة رسوله كان ذكر جميعهم يستدعي تطويلًا فسكت عن ذكرهم علمًا بهم واختصارًا لذكرهم والله أعلم. اهـ من المفهم (فيعرفونهم) أي فتعرف الملائكة من لا يشرك بالله شيئًا (في النار) بسيماهم لأنهم (يعرفونهم بأثر السجود) وموضعه وهو الجبهة أو جميع أعضاء السجود السبعة لأنه (تأكل النار) وتحرق (من) جسم (ابن آدم إلَّا أثر السجود) وموضعه لأنه (حرم الله) (على النار أن تأكل) من ابن آدم (أثر السجود) وموضعه (فيخرجون) على صيغة المجهول أي فيخرج أهل لا إله إلَّا الله (من النار) بإخراج الملائكة (وقد امتحشوا) أي احترقوا وصاروا كالحمم جمع حممة وهي الفحم، وفي المفهم وقوله (قد امتحشوا) صوابه بفتح التاء والحاء ومعناه احترقوا

стр. 1760

فَيُصَبُّ عَلَيهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ ــ يقال امتحش الخبز أي احترق ويقال محشته النار وأمحشته والمعروف أمحشته، والمحش لهب النار يحرق الجلد حتى يبدو العظم، قال صاحب العين: يقال محشته النار وأمحشته والمعروف الرباعي والثلاثي لغة، وقد رواه بعضهم (امتحشوا) مبنيًّا لما لم يسم فاعله أي أحرقوا، والصواب الأول (فيصب عليهم) أي يهراق ويرش على المخرجين من النار (ماء الحياة) أي ماء يحيى به الجسم وهو الماء الذي من شربه أو اغتسل به لم يمت أبدًا. وفي الأبي: هؤلاء الذين أخرجوا من النار برحمة الله من ليس عندهم إلَّا مجرد الإيمان وإنما يخرجون بشفاعة أرحم الراحمين كما أشرنا إليه آنفًا، وقوله (إلَّا أثر السجود) قال القاضي عياض: قيل يعني السبعة الأعضاء، ويرده قوله في الحديث الآخر (إلَّا دارات وجوههم) فإنه يدل على أنه إنما بقي الوجوه إكرامًا لموضع السجود ومكانه من الإيمان وإكرامًا للصورة التي خلق آدم عليها وفضل بها الإنسان على غيره، قال النواوي: لا يرده لأن ذلك في قوم خاصين لا يسلم منهم إلَّا دارات الوجوه وغيرهم تسلم منهم السبعة الأعضاء، قال الأبي: وعلى أنها السبعة فلا يعارض ما يأتي من أن منهم من تأكله النار إلى ركبتيه لأنها قد تأخذهما فتغيرهما ولا تأكلهما (فينبتون منه) أي ينبتون أي فتنبت أجسامهم بسبب ذلك الماء الذي صب عليهم، فمن بمعنى الباء المسببية، ولفظة ما في قوله (كما تنبت الحبة في حميل السيل) مصدرية والكاف صفة لمصدر محذوف والتقدير فينبتون منه نباتًا سريعًا سرعة كسرعة نبات الحبة في حميل السيل والحبة بكسر الحاء هي بذر البقول والعشب تنتشر بالريح فإذا أمطرت السماء من قابل تنبت في البراري وجوابي السيول، وجمعها حبب بكسر أوله وفتح ثانيه نظير قرب وقربة، وأما الحبة بفتحها فهي بذر ما يزرع ويقتات كالحنطة والشعير مثلًا، وقال أبو عمرو: هي اسم لنبت صغار تنبت في الحشيش، وقال الكسائي: هي حب الرياحين، وقال الأصمعي: هي اسم لحب كل نبت له حب قال: وهي بضم الحاء وتخفيف الباء القضيب من الكرم يغرس، والحبة من العنب الواحدة حبة، وأما الحنطة وغيرها فهو الحب لا غير وحميل السيل محموله من طين أو غثاء فإذا اتفق أن يكون فيه حبة فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتًا، شبه ﷺ سرعة نباتهم بسرعة نبات تلك الحبة، وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوع آخر دل عليه ما في حديث أبي سعيد الخدري حيث قال: ألا ترونها تكون إلى الحجر

стр. 1761

ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالى مِنَ الْقَضَاءِ بَينَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ ألنَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: هَلْ عَسَيتَ ــ ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض وهو تنبيه إلى ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسن وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر ذلك النصوع عنه فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحسن والنور ونضارة النعمة عليهم، ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن ما يباشر الماء تشتد سرعة نصوعه وأن ما فوق ذلك يتأخر عنه البياض لكنه يسري إليه سريعًا - (ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد) ثانيًا يعني يكمل خروج الموحدين من النار (ويبقى) بين النار والجنة (رجل مقبل) أي مستقبل (بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولًا الجنة فيقول) ذلك الرجل (أي رب) أي يا رب (اصرف وجهي عن النار) أي حول وجهي من جهة النار إلى جهة الجنة (فإنه) أي فإن الشأن والحال (قد قشبني ريحها) أي قد ملأ خياشيمي ريحها وسمني وأهلكني وغير صورتي وجلدي (وأحرقني ذكاؤها) أي لهبها واشتعالها وشدة وهجها وحرها، قال الليث: القشب بالفتح السم وبالكسر خلط السم بالطعام فالقشب والمقشوب المسموم، وقال عمر لبعض بنيه: قشبك المال أي أذهب عقلك، وقال الخطابي: يقال قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكِظَمِه وهذا أبين وأوضح في معنى الحديث، وقال الداودي: معناه غير جلدي وصورتي وأحرقني، وقال الجوهري: قشبني يقشبني. أي أذابني كأنه قال سمني ريحه، قال: والقشب السم والجمع أقشاب، وعن أبي عمرو: وذكاء بفتح الذال مقصورًا وممدودًا وقد روي هنا بالوجهين شدة حرها ولهبها (فيدعو الله) ذلك الرجل، و (ما) في قوله (ما شاء الله) مصدرية ظرفية ويحتمل كونها موصولة، وجملة (أن يدعوه) مفعول المشيئة أي فيدعو الله سبحانه ذلك الرجل مدة مشيئة الله دعاءه إياه (ثم) بعد فراغه من دعائه (يقول الله ﵎ لذلك الرجل (هل عسيت) بفتح التاء على الخطاب ويقرأ بفتح السين وكسرها لغتان وقرئ بهما في السبع قرأ نافع بالكسر والباقون بالفتح وهو الأفصح والأشهر في اللغة، قال ابن السكيت: هو فعل جامد لا يتصرف منه مضارع ولا أمر ولا غيرهما أي

стр. 1762

إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا أَسْأَلُكَ غَيرَهُ. ويعْطِي للهِ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَاب الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيسَ قَدْ أَعْطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسْأَلُنِي غَيرَ الَّذِي أَعْطَيتُكَ، ويلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيتَ إِنْ أَعْطَيتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا، وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا ــ هل رجوت وظننت (إن فعلت ذلك) المسؤول لك من صرف وجهك عن النار (بك) وأجبته لك (أن تسأل غيره) أي غير ذلك الصرف (فيقول) ذلك الرجل (لا أسالك غيره) أي غير ذلك الصرت (ويعطي) ذلك الرجل (لله) سبحانه، وقوله (من عهود) جمع عهد (ومواثيق) جمع ميثاق وهو العهد المؤكد باليمين بيان مقدم لقوله (ما شاء الله) أي عاهد لله سبحانه على أن لا يسأل غيره وألزم نفسه ذلك وأقسم عليه ما شاءه الله سبحانه وأراد منه من العهود والمواثيق (فـ) بعد ما عاهد على عدم سؤال غيره وأقسم عليه (يصرف الله) سبحانه ويحول (وجهه) أي وجه ذلك الرجل (عن النار) إلى الجنة (فإذا أقبل) ذلك الرجل بوجهه إلى الجنة واطلع (على) ما في (الجنة ورآها) أي ورأى وأبصر ما فيها من النعيم والنضارة (سكت ما شاء الله أن يسكت) أي أمسك عن الكلام وسكت مدة مشيئة الله سبحانه سكوته (ثم) بعد سكوته مدة (يقول) ذلك الرجل (أي رب) أي يا رب (قدمني) أي قربني (إلى باب الجنة، فيقول الله) سبحانه (له) أي لذلك الرجل (أليس) بهمزة الاستفهام التقريري أي أليس الشأن والحال (قد أعطيت) لي أولًا (عهودك ومواثيقك) على أن (لا تسألني غير الذي أعطيتك) من صرف وجهك عن النار (ويلك) أي ألزمك الله الويل والهلاك (يا ابن آم ما أغدرك) أي أي شيء جعلك غادرًا ناقضًا لعهدك خائنًا فيما عاهدت لي أو شيء عجيب جعلك غادرًا ناقضًا للعهد (فيقول) ذلك الرجل (أي رب) أي يا رب (ويدعو الله) تعالى أن يقربه إلى باب الجنة (حتى يقول) الله سبحانه (له) أي لذلك الرجل (فهل عسيت) ورجوت (إن أعطيتك ذلك) التقديم (أن تسأل غيره) أي غير ذلك التقديم (فيقول) الرجل في جواب الرب سبحانه (لا) أسألك غير ذلك التقديم (وعزتك) أي أقسمت لك بعزتك، قال القاضي: فيه جواز الحلف بالصفات، والعزة صفة أثرها اتصافه تعالى بجميع الكمالات (فيعطي) ذلك الرجل (ربه) سبحانه (ما

стр. 1763

شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: أَلَيسَ قَدْ أَعْطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لا تَسْأَلَ غَيرَ مَا أُعْطِيتَ، ويلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أي رَبِّ، لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ. فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَال: ادْخُلِ الْجَّنَةَ، ــ شاء الله) سبحانه (من عهود ومواثيق فيقدمه) الله سبحانه (إلى باب الجنة فإذا قام) ذلك الرجل (على باب الجنة انفهقت) أي انفتحت واتسعت (له الجنة فرأى) أي فيرى (ما فيها من الخير) والنعيم (والسرور) أي والبشارة لأهلها، وقوله (من الخير) هكذا هو بالخاء المعجمة المفتوحة والياء المثناة من تحت الساكنة على الرواية المشهورة فيه، وقد روي (الحبر) بالحاء المهملة المفتوحة والباء الموحدة الساكنة ومعناه السرور المفرط وإفراط التنعم ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي ينعمون ويسرون والحبر بكسر الحاء الذي يكتب به والعالم والجمال ومنه (ذهب حبره وسبره) أي جماله وبهاؤه ويقال في العالم بفتح الحاء (فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب) أي يا رب (أدخلني الجنة) وفي سؤاله بعد أن أعطى عهده جواز حل اليمين بفعل المحلوف عليه كما قال ﷺ : "إلا أتيت الذي هو خير وكفرت"، ولا حجة فيه لأن الله سبحانه قد عذره حين رأى ما لا صبر له بعد أن عاتبه (فيقول الله) سبحانه ﵎ له) أي لذلك الرجل (أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك) على (أن لا تسألـ) ـني (غير ما أعطيت) بفتح التاء على الخطاب وبالبناء للمجهول (ويلك يا ابن آدم ما أغدرك) أي أي شيء جعلك غادرًا (فيقول) الرجل (أي رب لا أكون أشقى خلقك) من رحمتك أي سألتك لئلا أكون من أشقى وأخيب وأحرم خلقك من رحمتك (فلا يزال) أي لا يبرح (يدعو الله) (حتى يضحك الله ﵎ منه) أي من دعاء ذلك الرجل ويظهر أثر رضاه ورحمته له (فإذا ضحك الله) سبحانه (منه) أي من ذلك الرجل أي إذا أراد أن يظهر له أثر رحمته (قال) الله (ادخل الجنة) دار كرامتي ومقر أوليائي، قال القرطبي: والضحك من خواص البشر، وهو تغير أوجبه سرور القلب بحصول كمال لم يكن حاصلًا قبلُ فتثور من القلب حرارة ينبسط لها الوجه ويضيق عنها

стр. 1764

فَإِذَا دَخَلَهَا قَال اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، حَئئتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ ــ الفم فينفتح وهو التبسم فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقهه وذلك كله على الله تعالى محال لكن لما كان دلالة عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا عبر عن سببه به، وقد قالوا تضحك الأرض من بكاء السماء أي يظهر خيرها، وفي بعض الحديث "فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك" يعني السحاب رواه أحمد ومنه قول دعبل بن علي الخزاعي: لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى ومنه قول الآخر: في طعنة تضحك عن نجيع فالضحك في هذه المواضع بمعنى الظهور فيكون معناه في هذا الحديث أن الله تعالى رضي عن هذا العبد وأظهر عليه رحمته وفضله ونعمته ولهذا حمله قوم هنا على أنه تجلى لهذا العبد وظهر له. اهـ منه (قلت) مذهب السلف إثبات الضحك لله تعالى من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه وهو الأسلم فإذًا نقول فالضحك صفة ثابتة لله تعالى نثبته ونعتقده ولا نكيفه ولا نمثله ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهذا هو المذهب الأسلم الأعلم الذي نلقى عليه الرب جل وعلا وكذا يقال في آيات الصفات وأحاديثها كلها. (فإذا دخلها قال الله) سبحانه (له) أي لذلك الرجل (تمنه) بهاء السكت فليست هاء الضمير لعدم المرجع أي اطلب ما ظهر لك من الرغائب واسأله مني، والتمني طلب ما لا طمع فيه أو طلب ما فيه عسر كما هو مقرر في محله (فيسأل) ذلك الرجل (ربه) سبحانه ما يطمعه من المطالب (ويتمنى) أي ويسأله ما لا يطمعه من الرغائب (حتى) انتهت به المطامع والأماني ثم (إن الله) سبحانه (ليذكره) أي ليذكر ذلك الرجل من أنواع الرغائب والأمنيات ليسأله فيقول له سل واطلب (منـ) ـي (كذا وكذا) كناية عن صنوف الرغائب أي يقول له تمن من الشيء الفلاني ومن الشيء الآخر يسمي له ويعدد أجناس ما يتمنى فيسأله جميع ما ذكره الله تعالى (حتى) حصلت له جميع المطامع والرغائب وانزاح عن قلبه ما يتمناه وانقطع تصوره فيه فـ (إذا انقطعت به) وانزاحت عن قلبه (الأماني) أي

стр. 1765

قَال اللهُ تَعَالى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَال عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيئًا، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيرَةَ، أَن اللهَ قَال لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَال أَبُو سَعِيدِ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أَبَا هُرَيرَةَ. قَال أَبُو هُرَيرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: "ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَال أبُو سَعِيدِ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: "ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ". قَال أَبُو هُرَيرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ــ الأمنيات والرغائب جمع أمنية وهو كل ما يتمناه القلب ولم يتصور في قلبه (قال الله) سبحانه و (تعالى) لذلك الرجل الذي انقطعت عنه الأماني (ذلك) الذي سألتنيه حاصل (لك ومثله معه) أي والحال أن مثله وقدره مصحوب معه ومنضم إليه لك (قال عطاء بن يزيد) الليثي الراوي عن أبي هريرة بالسند السابق (وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة) رضي الله تعالى عنهما أي قال عطاء: روى لنا هذا الحديث أبو هريرة، والحال أن أبا سعيد الخدري جالس معه في حلقته حالة كون أبي سعيد (لا يرد عليه) أي على أبي هريرة ولا ينكر عليه (من حديثه) أي من حديث أبي هريرة الذي حدثه لنا عنده (شيئًا) لا قليلًا ولا كثيرًا أي أصغى إليه أبو سعيد الخدري وسكت (حتى إذا حدث) لنا (أبو هريرة) وأكمل حديثه ووصل إلى قوله (أن الله) (قال لذلك الرجل) ذلك لك (ومثله معه، قال أبو سعيد) لأبي هريرة: قل يا أبا هريرة ذلك لك (وعشرة أمثاله معه) فإن الحديث كذلك (يا أبا هريرة، قال أبو هريرة) لأبي سعيد هكذا سمعت الحديث من رسول الله ﷺ وأنا (ما حفظت) ولا سمعت من رسول الله ﷺ (إلا قوله) ﷺ (ذلك لك ومثله معه) وما سمعت منه وعشرة أمثاله معه (قال أبو سعيد) الخدري لأبي هريرة: أما أنا فـ (أشهد) على نفسي (أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله) ﷺ (ذلك لك وعشرة أمثاله) معه، قال القاضي عياض: ويقال في الجمع بين الحديثين بأن يكون النبي ﷺ أوحي إليه بما في حديث أبي هريرة أولًا فحدث به فسمعه أبو هريرة ثم أوحي إليه بما في حديث أبي سعيد فسمعه أبو سعيد ولم يسمعه أبو هريرة، والأظهر في عشرة أمثاله أنها زيادة على مسمى ذلك اهـ (قال أبو هريرة) بالسند السابق (وذلك الرجل) الذي يقول الله له ذلك، وهو مبتدأ خبره قوله (آخر أهل الجنة دخولًا الجنة) كما مر في أول الحديث.

стр. 1766

٣٥٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِيُّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَل نَرَى رَبُّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٦٨] والبخاري [٧٤٣٧] والترمذي [٢٥٥٧]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٥٥) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) أبو محمد السمرقندي ثقة فاضل متقن من الحادية عشرة مات بسمرقند يوم عرفة سنة (٢٥٥) وله (٧٤) سنة روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، قال (أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي البهراني مولاهم الحمصي مشهور بكنيته ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٢٢) اثنتين وعشرين ومائتين بحمص، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة وغيرهما، قال (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة القرشي الأموي مولاهم واسم أبيه دينار أبو بشر الحمصي أحد الأثبات المشاهير ثقة عابد من السابعة مات سنة (١٦٢) روى عن الزهري في الإيمان والصلاة وغيرهما (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (الزهري) المدني ثقة حافظ متقن من (٤) مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابًا تقريبًا (قال) الزهري (أخبرني سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أبو محمد المدني أحد العلماء الأثبات والفقهاء السبعة بالمدينة من كبار الثانية مات بعد التسعين (٩٠) روى عنه في (١٧) بابًا تقريبًا (وعطاء بن يزيد الليثي) المدني ثقة من الثالثة كلاهما رويا (أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله هل نرى) ونبصر (ربنا يوم القيامة) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان شاميان وواحد سمرقندي، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعيب بن أبي حمزة لإبراهيم بن سعد في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدتها بيان كثرة طرقه (وساق) أي ذكر شعيب بن أبي حمزة (الحديث) السابق (بمثل معنى حديث إبراهيم بن سعد) أي بمثله في

стр. 1767

٣٥٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ؛ قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ ــ المعنى دون اللفظ وهو بمعنى قوله في موضع آخر (بمعناه) ولكن الفرق بينهما أن قوله بمعناه يدل على أن معنى الحديثين متحد بعينه، وأن قوله بمثل معناه يدل على أن معنى الحديثين متماثلان متقاربان لا متحدان. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٥٦) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد القشيري مولاهم أبو عبد الله النيسابوري ثقة عابد من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) روى عنه في (١١) بابًا، قال (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (٢١١) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، قال (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري ثقة ثبت فاضل من السابعة مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٩) أبواب (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني أبي عقبة الصنعاني ثقة من الرابعة مات سنة (١٣٢) روى عنه في أبواب كثيرة (قال) همام (هذا) الحديث الذي حدثتكم (ما حدثنا) به (أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) أي من تلك الأحاديث الكثيرة أن أبا هريرة قال (وقال رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم صنعانيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة همام بن منبه لسعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (إن أدنى) أي إنَّ أقل وأنقص وأنزل (مقعد أحدكم من الجنة) مقعد يعطى لأحدكم بعد (أن يقول له) الرب ﷻ وتبارك اسمه (تمن) أيها المؤمن ما شئت من الرغائب (فيتمنى) ويسأل ذلك العبد ما شاء منها (ويتمنى) مرة ثانية وثالثة وما فوقها (فيقول له) الرب تكاثر إحسانه (هل تمنيت) أيها العبد ما ظهر لك من الرغائب (فيقول) العبد (نعم) يا رب

стр. 1768

فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" ــ تمنيت وتمنيت فأعطيتني عطاء لم يعط أحد غيري مثله (فيقول له) الرب (فإن لك) يا عبدي جميع (ما تمنيت) وسألت (ومثله معه) أي والحال أن مثله معه. ***

стр. 1769

٩٨ - (٥٧) بَابُ شَفَاعَةِ الْمَلائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ ٣٥٧ - (١٧٣) (٩٦) وحدّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ "أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ. قَال: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ــ ٩٨ - (٥٧) بَابُ شَفَاعَةِ الْمَلائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ (٣٥٧) - (١٧٣) (٩٦) (وحدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الأنباري نسبة إلى الأنبار بلدة على الفرات ثم الحدثاني بفتح المهملتين والثاء المثلثة آخره نون نسبة إلى الحديثة بلدة أخرى على الفرات صدوق مدلس من العاشرة مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (قال) سويد (حدثني حفص بن ميسرة) العقيلي بالضم نسبة إلى عقيل بن كعب أبو عمر الصنعاني صنعاء الشام أبو عمر العسقلاني، روى عن زيد بن أسلم وموسى بن عقبة وهشام بن عروة والعلاء بن عبد الرحمن، ويروي عنه (خ م س ق) وسويد بن سعيد وابن وهب وسعيد بن منصور وآدم بن أبي إياس، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والزكاة والبيوع والأيمان والجامع وصفة الجنة والنار والزهد، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية، وقال في التقريب: ثقة ربما وهم من الثامنة مات سنة (١٨١) إحدى وثمانين ومائة (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر بن الخطاب أبي أسامة المدني ثقة عالم وكان يرسل من الثالثة مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني أحد الأئمة الأعلام ثقة فاضل من الثالثة مات سنة (٩٤) أربع وتسعين، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (٩) (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه الصحابي المشهور المدني، وهذا السند من خماسياته ثلاثة منهم مدنيون وواحد عراقي وواحد شامي (أن ناسًا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم) ترونه ثم (قال: هل تضارون) وتتعبون (في رؤية الشمس) في السماء (بالظهيرة) أي في وقت الظهيرة أي في وقت وقوف الشمس في كبد

стр. 1770

صَحْوًا لَيسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا. إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ. كَانَ يَعْبُدُ غَيرَ اللهِ سُبحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ، إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ ــ السماء، وقوله (صحوًا) حال من الشمس أو من السماء، وقوله (ليس معها) أي دونها (سحاب) أي غيم تفسير لقوله صحوًا والمعنى هل تضارون في رؤية الشمس الجارية في كبد السماء حالة كونها صحوًا أي صاحية خالية من الحجاب والساتر بينكم وبينها أي ليس دونها سحابة ولا ضبابة ولا غبار (وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر) أي ليلة أربع عشرة ليلة تمامه حالة كون تلك الليلة (صحوًا) أي خالية من السحاب، وقوله (ليس فيها) أي في تلك الليلة أو في السماء (سحاب) أي غيم تفسير لقوله صحوًا (قالوا) أي قال أولئك السائلون (لا) نضار في رؤيتهما في تلك الحالة (يا رسول الله، قال) رسول الله ﷺ (ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة) ضررًا (إلَّا كما تضارون) أي إلَّا ضررًا مثل ضرركم (في رؤية أحدهما) أي أحد الشمس والقمر في هاتين الحالتين، والمعنى لا تضارون في رؤيته تعالى أصلًا كما لا تضارون في رؤيتهما أصلًا، وذلك أنه (إذا كان) وجاء (يوم القيامة أذن مؤذن) أي نادى مناد من الملائكة في عرصات القيامة بأمر الله تعالى برفيع صوته كي يعلم أهل الموقف فيقول في ندائه (ليتبع كل أمة) أي ليلحق كل فرقة من فرق أهل الموقف (ما كانت تعبد) في الدنيا (فلا يبقى) في الموقف (أحد كان يعبد) في الدنيا (غير الله سبحانه) حالة كون ذلك الغير (من الأصنام) جمع صنم وهو كل ما نحت على صورة آدمي أو غيرها وعبد كصورة عيسى ومريم والعجل ويسمى وثنًا (والأنصاب) معطوف على الأصنام جمع نصب بفتح النون بمعنى منصوب وهو كل ما نصب وعبد من دون الله تعالى سواء كان منحوتًا على أي صورة أو غير منحوت كالأحجار المنصوبة حول البيت في الجاهلية وهو من عطف العام على الخاص، وقوله (إلا يتساقطون) استثناء من أعم الأحوال أي لا يبقى أحد يعبد غير الله تعالى في حال من الأحوال إلَّا في حال تساقطهم (في النار) مع معبوداتهم فإذا تساقطوا في النار وخلا الموقف عن عُبَّاد غير الله سبحانه (حتى إذا لم يبق) في

стр. 1771

إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيرَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا، يَا رَبُّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيهِم: أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ ــ الموقف (إلَّا من كان يعبد الله) ظاهرًا وباطنًا فقط، حالة كونه (من بر) أي من مخلص في عبادته وإيمانه (وفاجر) أي منافق من هذه الأمة (و) من (غُبَّر أهل الكتاب) بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة المشددة جمع غابر من غبر بمعنى بقي أي من بقاياهم الذين بقوا في الموقف لا على دين أنبيائهم كما قد يتوهم، والفاء في قوله (فيدعى) زائدة في جواب إذا وفي بعض النسخ تدعى بالتاء أي يدعى (اليهود) وينادى (فيقال لهم) في النداء تفسير لدعائهم (ما كنتم تعبدون) أيها اليهود في الدنيا (قالوا) أي قال اليهود (كنا نعبد) في الدنيا (عزير ابن الله) يعنون به عزير بن سروحا وهو رجل من بني إسرائيل، قيل إنه لما حرق بختنصر التوراة وقتل القائمين بها والحافظين لها قذفها الله تعالى في قلبه فقرأها عليهم فقالت جهلة اليهود عنه: إنه ابن الله (فيقال) لهم (كذبتم) في ادعاء بنوته لله لأنه (ما اتخذ الله) سبحانه (من صاحبة) أي زوجة (ولا) من (ولد) فمن زائدة لوقوعها بعد النفي أي ما اتخذ ولا جعل لنفسه صاحبة ولا ولدًا، قال الأبي: قوله (كذبتم) يعني كذبتم في قولكم إنَّ عزيرًا ابن الله لا في أنكم عبدتموه، والكذب الخبر الغير المطابق (قلت) النسبة المقيدة بقيد إنما تصدق بعد ثبوت ذلك القيد فإذا قلت رأيت زيدًا يشتم عمرًا وأنت إنما رأيته فقط فالخبر كذب لعدم ثبوت الشتم وهم إنما عبدوه من حيث إنه ابن الله، وهذا القيد غير ثابت أو يقال قولهم عبدنا المسيح ابن الله في قوة خبرين كونهم عبدوه وكونه ابن الله فكذبوا على أن خبرهم بمعنى الكل لا بمعنى الكلية. اهـ (فماذا تبغون) أي فأي شيء تطلبون (قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار اليهم) إلى النار فيقال لهم (ألا تردون) هذا المورد فتشربون منه إنَّ كنتم عطاشًا فيرويكم، وذلك أنهم لما ظنوا أنه ماء أسمعوا بحسب ما ظنوا فإن الورود إنما يقال لمن قصد إلى الماء ليشرب (فيحشرون) أي يساقون مجموعين (إلى النار) فيرونها كأنها) أي كان تلك النار (سراب) أي شبيهة بالسراب، والسراب ما يتراءى للناس نصف النهار في الأرض القفر والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعًا مثل

стр. 1772

يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبُّنَا، فَاسْقِنَا. قَال: فَيُشَارُ إِلَيهِمْ: أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا ــ الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئًا، وجملة قوله (يحطم) أي يكسر (بعضها بعضًا) ويهلكه ويأكله في محل الرفع خبر ثان لـ (كأن)، ومعناه لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها كأن بعضها يحطم بعضًا أي يركب بعضها بعضًا ويكثر بعضها على بعض كما يفعل البحر إذا هاج، والحطم الكسر والإهلاك والحطمة اسم لطبقة من طبقات النار سميت بذلك لكونها تحطم ما يلقى فيها وتأكله وتهلكه. وقوله (فيتساقطون في النار) معطوف على يحشرون أي فيتتابعون في السقوط فيها حتى لا يبقى منهم أحد (ثم يدعى) فريق (النصارى) وفي بعض النسخ تدعى بالتاء (فيقال لهم: ما كنتم تعبدون) في الدنيا (قالوا: نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم) أي للنصارى (ماذا تبغون؟ ) أي ماذا تريدون الآن (فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا) ما يزيل عنا هذا العطش الذي أخذنا من زحمة الموقف (قال) رسول الله ﷺ (فيشار إليهم) إلى النار فيقال لهم (ألا تردون) هذا المورد فتشربون منه (فيحشرون) أي يساقون (إلى جهنم) فيرونها (كأنها سراب) لشدة اتقادها وكأنها (يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلَّا من كان يعبد الله تعالى) أي يوحده ويتذلل له (من بر وفاجر) والبر ذو البِرِّ وهو فعل الطاعات والخير والفجور عكسه (أتاهم رب العالمين أي أمر الله ملكًا أو خلقًا من مخلوقاته بإتيانهم (في أدنى صورة) أي في صورة هي أدنى وأنقص (من) الصورة (التي رأوه) سبحانه وعلموه (فيها) أي بها في الدنيا في كتابه العزيز أي ظهر لهم الملك بصفة مخالفة لصفة الله تعالى التي علموه بها في الدنيا من كتابه العزيز من قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال النووي: معنى رأوه فيها علموها له وهي صفته المعلومة للمؤمنين وهي أنه لا يشبهه شيء، وقال

стр. 1773

قَال: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُم ــ القاضي: قيل إنَّ الإتيان هنا فعل من فعل الله تعالى سماه إتيانًا وصف نفسه به، ويحتمل أن يكون الإتيان المعهود فيما بيننا جعله تعالى لغيره من ملائكته فأضافه إلى نفسه كما يقول القائل "قطع الأمير اللص" وهو لم يل ذلك بنفسه إنما أقر به وهذا أشبه الوجوه عندي بالحديث مع ما يأتي بعده ويكون هذا الملك هو الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك والمخلوق. وعبارة المفهم هنا قوله (أتاهم رب العالمين) إتيان الله تعالى هنا هو عبارة عن إقباله عليهم وتكليمه إياهم و (أدنى) بمعنى أقرب و (الصورة) بمعنى الصفة و (رأوه) بمعنى أبصروا غضبه ومعنى ذلك أنهم لما طال عليهم قيامهم في ذلك المقام العظيم الكرب الشديد الخوف الذي يقول فيه كل واحد من الرسل الكرام: إنَّ ربي قد غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله هالهم ذلك وكأنهم يئسوا من انجلاء ذلك فلما كشف الله عنهم ذلك وأقبل عليهم بفضله ورحمته وكلمهم رأوا من صفات لطفه ومن كرمه ما هو أقرب مما رأوه أولًا من غضبه وأخذه، وإلا فهذا أول مقام كلمهم الله فيه مشافهة وأرى من أراد منهم وجهه الكريم إنَّ قلنا إنَّ المؤمنين رأوه في هذا المقام وقد اختلف فيه ولم يكن تقدم لهم قبل ذلك سماع ولا رؤية فتعين ما قلناه والله أعلم. اهـ منه. (قال) رب العالمين أي قال لهم ذلك الملك الذي أتاهم في أدنى صورة (فما تنتظرون) أي فأي شيء تنتظرون في هذا الموقف وقد (تتبع كل أمة) سواكم (ما كانت تعبد) في الدنيا (قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا) لأجل امتثال أمرك ونهيك (أفقر) وأحوج (ما كنا إليهم) أي فارقناهم في الدنيا مدة كوننا أحوج إليهم أي في حالة شدة حاجتنا إليهم في معاشنا (ولم نصاحبهم) في تلك الحالة والآن لا نتبعهم بل ننتظر ربنا، وما في قوله (ما كنا) مصدرية ظرفية وأفقر خبر كان مقدم عليها دماليهم متعلق بأفقر والظرف المقدر متعلق بفارقناهم، والمعنى فارقناهم مدة كوننا أحوج إليهم ولم نصاحبهم في تلك المدة والآن نفارقهم أيضًا كما فارقناهم في الدنيا لأجلك. قال الأبي: قولهم (يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أحوج ما كنا إليهم) لما قيل لتتبع

стр. 1774

فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: ــ كل أمة ما كانت تعبد وعلموا أن القائل أنا ربكم ليس هو سبحانه وإنما هو فتنة بدليل استعاذتهم تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم يا ربنا فارقنا الناس إلخ لا إلى قائل أنا ربكم في كشف هذه الشدة وتوسلوا إليه في ذلك بأفضل الأعمال وهو الإيمان به وتركهم اتباع الناس في عبادتهم غير الله تعالى أحوج ما كانوا إلى اتباعهم للارتفاق بهم في مصالح الدنيا، وهذا كما جرى للصحابة المهاجرين وغيرهم من المؤمنين في جميع الأزمان فإنهم يقاطعون من حاد الله ورسوله ﷺ مع احتياجهم في معايشهم إلى الارتفاق بهم والاعتضاد بمخالطتهم فآثروا رضا الله تعالى على ذلك. قوله (فارقنا الناس) إلخ وعبارة المفهم هنا: والصحيح من الرواية فارقنا ساكنة القاف والناس منصوب على أنه مفعول فارقنا وهو جواب الموحدين لما قيل لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، ومعناه إنا فارقنا الناس في معبوداتهم ولم نصاحبهم على شيء منها اكتفاء بعبادتك ومعاداة فيك ونحن على حال حاجة شديدة إليهم وإلى صحبتهم إذ قد كانوا أهلًا وعشيرة ومخالطين ومعاملين ومع ذلك ففارقناهم فيك وخالفناهم إذ خالفوا أمرك فليس لنا معبود ولا متبوع سواك، وكان هذا القول يصدر من المحق والمتشبه فحينئذ تظهر لهم صورة تقول أنا ربكم امتحانًا واختبارًا فيثبت المؤمنون العارفون ويتعوذون ويرتاب المنافقون والشاكون ثم يؤمر الكل بالسجود على ما تقدم. اهـ قال السنوسي: فقولهم (يا ربنا فارقنا الناس) ابتداء دعاء منهم لربهم الحقيقي وإعراض منهم عن هذه الصورة الظاهرة لا أنهم قصدوا بذلك خطابها، كيف وهم استعاذوا منها وقولهم فارقنا الناس في الدنيا إلى آخره، ويدخل في هذا المعنى كل من هجر وطنه وقرابته لحج أو جهاد أو قراءة علم نافع يقصد به وجه الله تعالى ورضي بالغربة والفقر ابتغاء رضوان الله تعالى وكذلك من ترك كل من حاد الله تعالى وعصاه من سلطان فما دونه وغير عليه المنكر بما يقدر عليه ولو بمجرد عدم إظهار البشر له وتحمل المشقة في ذلك وإن كان يوجب ذلك عليه ضيقًا في دنياه ومعاشه وهذا المعنى ظاهر في هذا الحديث لا شك في حسنه، والعجب من القاضي كيف أنكر ما رواه مسلم مع شدة ظهوره. اهـ (فيقول) الملك الذي ظهر لهم في أدنى صورة من التي رأوه بها (أنا ربكم فيقولون

стр. 1775

نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لَا نُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا (مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا) حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَل بَينَكُمْ وَبَينَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُكشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاء وَرَياءً إِلَّا جَعَلَ اللهُ ــ نعوذ بالله منك) أي من فتنتك (لا نشرك بالله شيئًا) قال الملك ذلك (مرتين أو ثلاثًا) والشك من الراوي في قول الرسول ﷺ يقول الملك لهم أنا ربكم مرتين أو يقول لهم ثلاثًا أي يكرر الملك عليهم قوله أنا ربكم (حتى إن بعضهم) أي بعض الباقين في الموقف (ليكاد أن ينقلب) ويرجع عن الصواب للامتحان الشديد الذي جرى لهم، قال النواوي: قوله (ليكاد أن ينقلب) هكذا في الأصول بإثبات أن وإثباتها مع كاد لغة كما أن حذفها مع عسى لغة وينقلب بياء مثناة من تحت ثم نون ثم قاف ثم لام ثم باء موحدة، والمعنى كرر عليهم ذلك حتى إنَّ بعضهم قارب أن يرجع عن الصواب للامتحان الذي جرى لهم. (فيقول) الملك الذي تصور لهم بصورة أدنى (هل بينكم وبينه) أي بين ربكم (آية) أي علامة وصفة (فتعرفونه) أي فتعرفون ربكم (بها) أي بتلك الآية (فيقولون نعم) بيننا وبينه علامة وصفة نعرفه بها، والآية هي ما علموا من أنه ليس كمثله شيء (فيكشف) قال النواوي: بفتح الياء وضمها وهما صحيحان أي يكشف الله (عن ساق) له تعالى ويتجلى لهم بصفاته الجلالية والجمالية، والمذهب الأسلم الأعلم هنا وفي نظائره من أحاديث الصفات وآياتها مذهب السلف، والساق عندهم صفة ثابتة لله نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ليست كساقنا لقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهذا المذهب هو الذي نلقى عليه الرب سبحانه وقد بسطنا الكلام على صفة الساق في سورة النون في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فراجعه إنَّ أردت الخوض فيه، أي يكشف الله عنهم المانع عن رؤيته ويتجلى لهم بساقه (فلا يبقى من كان يسجد) في الدنيا (لله) مخلصًا (من تلقاء نفسه) أي من جهة نفسه لا لملاحظة مخلوق برياء وسمعة (إلَّا أذن الله) تعالى (له) في الخضوع له ويسر له (بالسجود) كما كان يسجد له في الدنيا (ولا يبقى من كان يسجد) في الدنيا (اتقاء) أي وقاية وحذرًا من شر المؤمنين وعقوبتهم (ورياء) أي إراءة لعبادته وصلاته للناس (إلَّا جعل الله) سبحانه

стр. 1776

ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةَ. كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَال: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ. وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ ــ وتعالى (ظهره طبقة واحدة) أي صحيفة ولوحة واحدة لا يقدر على انحناء ظهره فضيحة له على تزويره في الدنيا، قال الهروي وغيره: الطبق بفتحتين فقار الظهر أي صار ظهره فقارة واحدة كالصحيفة فلا يقدر على السجود. قال النووي: وقد يتوهم من هذا الحديث أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين وقد ذهب إلى ذلك طائفة حكاه ابن فورك لقوله ﷺ وتبقى هذه فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى، وهذا الذي قالوه باطل بل لا يراه المنافقون بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين وليس في هذا الحديث تصريح برؤيتهم لله تعالى وإنما فيه أن الجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون يرون الصورة ثم بعد ذلك يرون الله تعالى وهذا لا يقتضي أن جميعهم يرونه وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على أن المنافق لا يراه ، قال السنوسي: وهذا من باب إسناد الحكم إلى المجموع فيكتفى فيه بالبعض في إثبات الرؤية للجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون ويصدق برؤية البعض وهم المؤمنون. (كلما أراد) وقصد (أن يسجد خر) وسقط (على قفاه) أي على مؤخر رأسه (ثم يرفعون رؤوسهم) من السجود (وقد تحول) أي وقد أزال الصورة الممتحن بها فيرونه (في صورته التي رأوه) وعلموه (فيها) أي بها (أول مرة) أي علموها له أول مرة أي في الدنيا بقوله ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾. قال النواوي: ومعنى قوله (وقد تحول في صورته) أي وقد أزال المانع لهم من رؤيته وتجلى لهم في صورته التي علموها له في كتابه العزيز أول مرة. اهـ بتصرف. قال الخطابي: وهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي هي في الجنة لكرامة أولياء الله تعالى وإنما هذه للامتحان (فقال) لهم سبحانه (أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر) الذي هو الصراط أي يمد ويبسط (على) متن (جهنم) وظهرها وفوقها والجسر بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان وهو في الأصل القنطرة فوق الأنهار (وتحل) بكسر الحاء وقيل بضمها أي تقع (الشفاعة) ويؤذن فيها للشافعين

стр. 1777

وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَال: دَحْضٌ مَزَلَّةٌ. فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَينِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيرِ وَكَأَجَاويدِ الْخَيلِ وَالرِّكَابِ، ــ من الأنبياء وغيرهم، والشفاعة هي طلب الخير للغير من الغير (ويقولون) أي يقول المارون على الصراط (اللهم سلمـ) ـنا من السقوط وخطف الكلاليب، وقوله ثانيًا (سلم) توكيد لفظي للأول (قيل يا رسول الله وما الجسر؟ ) أي ما حقيقته لأن (ما) يسأل بها عن الحقيقة (قال) رسول الله ﷺ الجسر شيء (دحض) ومكان أملس وموضع (مزلة) أي مكان تزل فيه الأقدام، قال النواوي: هو بتنوين دحض وفتح داله وسكون حائه، ومزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان الفتح والكسر، والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر فيه ومنه دحضت الشمس أي مالت وحجة داحضة لا ثبات لها (فيه) أي في ذلك الدحض الأملس (خطاطيف) على زنة مفاعيل جمع خطاف بضم الخاء المعجمة، وقوله (وكلاليب) بمعنى الخطاطيف وقوله (وحسك) بفتح الحاء والسين جمع حسكة وهو شوك صلب من حديد والحسكة في الأصل الشجر الشائك والكلام على التشبيه البليغ، والمعنى فيه خطاطيف وكلاليب على صورة حسكة وهي شجرة (تكون) أي توجد (بنجد) وهو ضد تهامة (فيها) أي في تلك الحسكة (شويكة) تصغير شوكة أي فيها شِيَكٌ صغار (يقال لها) أي لتلك الحسك (السعدان) وهو اسم شجر له شوك معوج في الأرمية "قجما" (فيمر) ويجوز (المؤمنون) عليه وهم في مرورهم على ثلاثة أقسام: القسم الأول ناج مسلم لا يناله شيء من العذاب وتختلف آحاده في السرعة على اختلاف مراتبهم، فذكرهم بقوله ومنهم من يمر (كطرف العين) أي كلمحتها وطرف العين فتحها بعد غلقها (و) منهم من يمر (كالبرق) الخاطف ولمعانه (و) منهم من يمر (كالريح) المرسلة (و) منهم من يمر (كالطير) المسرع في طيرانه (و) منهم من يمر (كأجاويد الخيل) المسرعة (و) كـ (ـالركاب) والجمال المادة عنقها، وإضافة أجاويد إلى الخيل من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأجاويد جمع جياد وهو جمع جيد فهو جمع الجمع وهو الجيد الجري من المطي، والركاب بكسر الراء الإبل المركوبة وهو اسم جمع واحدتها راحلة من غير لفظها وهو معطوف على الخيل، والخيل

стр. 1778

فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَة للهِ، فِي اسْتِقصَاءِ الْحَقِّ، مِنَ الْمُؤمِنِينَ للهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ. يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا ويصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُم عَلَى النَّارِ ــ جمع الفرس من غير لفظه (فـ) هؤلاء قسم (ناج) من العذاب (مسلم) من خطف الكلاليب (و) القسم الثاني (مخدوش) أي مخطوف مجروح بالكلاليب (مرسل) أي مطلق بعد خدشها لم يسقط في جهنم، من خدشه الشوك إذا خطفه وجرحه (و) القسم الثالث (مكدوس) أي مدفوع (في نار جهنم) مرمي فيها من تكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، قال النواوي: قوله (مكدوس) بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عن أكثر الرواة، ورواه العذري بالشين المعجمة ومعناه بالمعجمة السوق الشديد وبالمهملة كون الأشياء بعضها على بعض، ومنه تكدست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضًا، وقوله (حتى إذا خلص المومنون) غاية لمحذوف وجواب إذا محذوف والتقدير فيمرون على الصراط على هذه الهيئات المختلفة بحسب مراتبهم حتى إذا خلصوا من السقوط ونجوا (من النار) يتشفعون لإخوانهم الذين بقوا في النار. (فـ) أقسمت لكم بالإله (الذي نفسي) وروحي (بيده ما منكم) أيها المؤمنون في الدنيا (من أحد بأشد مناشدة) أي مسألة (لله) سبحانه باسمه أي ما أحد منكم أشد مسألة لله تعالى (في استقصاء الحق) أي في طلب قضاء حقه ووفائه من خصمه المتعدي عليه (من) مناشدة (المؤمنين) ومسألتهم (لله) (يوم القيامة لإخوانهم الذين) بقوا (في النار) ومعنى الحديث أن مناشدة الرجل لله تعالى في الدنيا أن يخلص له حقه من خصمه المتعدي عليه ليست بأشد من مناشدة المؤمنين لله تعالى أن يخلص إخوانهم (يقولون) أي يقول الذين خلصوا من النار (ربنا كانوا) أي كان إخواننا الذين بقوا في النار (يصومون معنا) في الدنيا (ويصلون) معنا (ويحجون) معنا (فيقال لهم) من جهته تعالى (أخرجوا) من النار (من عرفتمـ) ـوه في الدنيا من المؤمنين فيدخل الشافعون النار لإخراج من عرفوه من النار (فتحرم صورهم) أي ذوات الشافعين (على النار) فلا تحرقهم إذا دخلوها لإخراجهم.

стр. 1779

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيهِ وَإِلَى رُكبَتَيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال دِينَارٍ مِنْ خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثقَال نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ ــ وعبارة المفهم هنا قوله (فتحرم صورهم) يعني صور المخرجين من النار بصيغة اسم المفعول وهذا كما قال فيما تقدم (حرم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود) وآثار السجود تكون في أعضائه السبعة ولا يقال فقد قال عقيب هذا: فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه، وهذا ينص على أن النار قد أخذت بعض أعضاء السجود لأنا نقول تأخذ فتغير ولا تأكل فتذهب ولا يبعد أن يقال إنَّ تحريم الصور على النار إنما يكون في حق هذه الطائفة المشفوع لهم أولًا لعلو مرتبتهم على من يخرج بعدهم فتكون النار لم تقرب صورهم ولا وجوههم بالتغيير ولا الأكل والله تعالى أعلم. (فيخرجون) منها (خلقًا كثيرًا) من الموحدين بعضهم (قد أخذتـ) ـه (النار إلى نصف ساقيه و) بعضهم (إلى ركبتيه ثم يقولون) أي الشافعون للرب ﷻ يا (ربنا ما بقي فيها) أي في النار (أحد ممن أمرتنا به) أي بإخراجه من النار (فيقول) الرب سبحانه لهم (ارجعوا) إلى النار (فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار) أي وزنه (من خير) أي من يقين (فأخرجوه) منها، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الخير هنا اليقين قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا التجزؤ لشيء زائد عليه من عمل صالح أو ذكر خفي أو عمل من أعمال القلب من شفقة على مسكين أو خوف من الله تعالى ونية صادقة (فيخرجون) ثانيًا أيضًا (خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر) أي لم نترك (فيها) أي في النار (أحدًا ممن أمرتنا) بإخراجهم (ثم يقول) الرب سبحانه (ارجعوا) إلى النار (فمن وجدتم في قلبه مثقال) أي وزن (نصف دينار من خير فأخرجوه) منها (فيخرجون) ثالثًا (خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر) ولم نترك (فيها) أي في النار (ممن أمرتنا) بإخراجهم (أحدًا ثم يقول) الرب سبحانه (ارجعوا) إليها (فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة) أي وزن نملة صغيرة

стр. 1780

مِنْ خَيرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيرًا". وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَؤُوا إِنْ شَئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ "فَيَقُولُ اللهُ : شَفَعَتِ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، ــ (من خير فأخرجوه فيخرجون) رابعًا (خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرًا) هكذا هو (خيرًا) بإسكان الياء أي صاحب خير ويعرف هؤلاء بعلامات يجعلها فيهم، وقوله (ذرة) قال القرطبي: لم يختلف هنا في أنها بفتح الذال وشد الراء وهي صغيرات النمل، وصحَّفه شعبة في حديث أنس فقال: هو بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء، وصحفه أيضًا العذري والخشني فقالا: بضم الدال المهملة وشد الراء. اهـ (وكان أبو سعيد الخدري يقول) تأكيدًا للكلام لا لاتهامهم له (إن لم تصدقوني) أيها المخاطبون (بهذا الحديث) أي في هذا الحديث (فاقرؤوا إنَّ شئتم) شاهد هذا الحديث من كتاب الله سبحانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ فيقول الله بعد قولهم ربنا لم نذر فيها خيرًا (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون) يقال: شفع من باب فتح يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة والمشفع بفتحها الذي تقبل شفاعته. اهـ نووي (ولم يبق إلَّا أرحم الراحمين) أي إلَّا رحمته وفضله (فيقبض) الله سبحانه (قبضة من) أهل (النار) أي يجمع جماعة من أهل النار يعني من الموحدين فيخرجهم دفعة واحدة بغير شفاعة أحد ولا ترتيب خروج (فيخرج) سبحانه (منها) أي من أهل النار (قومًا لم يعملوا) في الدنيا (خيرًا) أي عملًا صالحًا غير مجرد الإيمان (قط) أي فيما مضى من حياتهم الدنيا، قال السنوسي: وهؤلاء ليس معهم إلَّا مجرد الإيمان لا يخرجون بشفاعة بل بمجرد فضل الله تعالى بلا واسطة، والكل في الحقيقة بفضل الله تعالى (قد عادوا) أي صاروا (حممًا) أي فحمًا أي تحولوا من صورتهم الأصلية إلى صورة فحم، وعاد هنا من أخوات صار نظير قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ فيكون للصيرورة والتحول من حالة إلى حالة أخرى، وليس بمعنى رجوع الشيء إلى ما كان عليه

стр. 1781

فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ. أَلا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ. وَمَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيفِرُ وَأُخَيضِرُ. وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ ــ قبل ذلك، والحمم بضم أوله وفتح ثانيه جمع حممة بوزن حطمة وهي الفحم، والفحم شعلة الحطب التي طفئ عنها النار قبل أن يصير رمادًا ليوقد ثانيًا (فيلقيهم) الله تعالى أي يلقي الأقوام الذين صاروا كالحمم (في نهر) بفتح الهاء وسكونها والفتح أجود وبه جاء القرآن العزيز وهو مجرى الماء الكثير، وإن كان قليلًا فهو عين، وإن كان لا يجري فهو بئر أي فيلقون في نهر جار (في) مسالك (أفواه) قصور (الجنة) والأفواه جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها، قال صاحب المطالع: كان المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها (يقال له) أي لذلك النهر (نهر الحياة) سمي بذلك لأن ماءه إذا مس شيئًا حيي وصار حيوانًا ولو جمادًا (فيخرجون) أي ينبتون أي تنبت أجسامهم التي صارت كالحمم نباتًا سريعًا (كما تخرج) وتنبت (الحبة في حميل السيل) أي في محموله من التراب الناعم والغثاء، والحبة بكسر الحاء بذور البقول وحب الرياحين وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، وحميل السيل هو ما يجيء به السيل من طين أو غثاء وغيره فعيل بمعنى مفعول فإذا اتفقت فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة فشبه بها سرعة عود أبدانهم وأجسامهم إليهم بعد إحراق النار لها، والسيل ما جرى من ماء المطر في الوادي، والهمزة في قوله (ألا ترونها) للاستفهام التقريري أي ألا تنظرونها أي ألا تنظرون تلك الحبة النابتة في حميل السيل إما (تكون) مائلة (إلى الحجر) أي نابتة تحته (أو) تكون نابتة (إلى الشجر) أي تحت الشجر (وما يكون) منها أي والذي يكون منها بارزًا (إلى الشمس) وما الموصولة مبتدأ خبرها قوله (أصيفر وأخيضر) تصغير أصفر وأخضر أي متصف بصفرة قليلة وخضرة قليلة أي متصف بلون مختلط من الصفرة والخضرة وهذا راجع إلى الحجر (وما يكون منها) أي والذي يكون منها مائلًا (إلى الظل) أي نابتًا فيه، وما مبتدأ خبره قوله (يكون أبيض) لعدم طلوع الشمس عليه وهذا راجع إلى الشجر (فقالوا) أي فقال الحاضرون من الصحابة (يا رسول الله كأنك كنت) في الزمن الماضي (ترعى) الإبل والمواشي (بالبادية) أي في

стр. 1782

فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ. يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ. هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ. فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أَعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ. فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَيُّ شَيءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ. فَلَا أَسْخَطُ عَلَيكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا". ٣٥٨ - (٠٠) (٠٠) قَال مُسلِمٌ قَرَأْتُ ــ البادية لأنك تعرف أحوال النباتات، والبادية ضد الحاضرة لأنها محل رعي المواشي (فيخرجون) من ذلك النهر حالة كونهم (كاللؤلؤ) في صفائهم وتلألؤ ألوانهم، والحال أنه (في رقابهم) وأعناقهم (الخواتم) أي الطوابع والعلامات التي بها يعرفون إعلامًا بأنهم دخلوا الجنة بلا عمل عملوه، والخواتم جمع خاتم بفتح التاء لا غير، قال صاحب التحرير: والمراد بالخواتم أشياء من ذهب أو غيره تعلق في أعناقهم علامة يعرفون بها (يعرفهم أهل الجنة) بتلك العلامة ويقولون فيما بينهم (هؤلاء عتقاء الله) من النار (الذين أدخلهم الله) سبحانه (الجنة بغير عمل عملوه) في الدنيا (ولا خير قدموه) في حياتهم الدنيا إلَّا مجرد الإيمان وإلَّا فالجنة عليهم حرام (ثم يقول الله) لهم (ادخلوا الجنة فما رأيتموه) من نعيمها وزخارفها (فهو لكم) لا حجر عليكم فيها (فيقولون ربنا أعطيتنا) من نعيم الجنة وزخارفها (ما لم تعط أحدًا من العالمين) فأي شيء بقي عنا (فيقول) الله سبحانه لهم (لكم عندي أفضل) وألذ (من هذا) الذي أعطيتكموه (فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل) وألذ (من هذا) الذي أعطيتناه (فيقول) سبحانه أفضل من هذا (رضاي) عنكم (فلا أسخط عليكم بعده) أي بعد رضائي عنكم (أبد) الآبدين وأمد الآمدين ودهر الداهرين. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري رواه في التفسير وفي التوحيد، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٥٨) - (٠٠) (٠٠) (قال) الإمام (مسلم) رحمه الله تعالى وهذه الجملة يحتمل كونها من كلام مسلم على سبيل التجريد، ومن كلام بعض رواة الكتاب عنه (قرأت) أنا

стр. 1783

عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذا الْحَدِيثِ عَنْكَ؛ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَال: نَعَمْ. قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ: أَخْبَرَكُمُ اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبِي هِلالٍ، ــ (على عيسى بن حماد) وقوله (زغبة) بضم الزاي وإسكان الغين المعجمة بعدها باء موحدة بدل من حماد -لأنه لقب له- مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث بالتاء، والزغبة في الأصل معناه الشعر الكثيف لقب به لكون لحيته كثيفة، أو بدل من عيسى مجرور بالفتحة أيضًا لأنه لقب له أيضًا كأبيه؛ أي قرأت على عيسى بن حماد بن مسلم الأنصاري التجيبي مولاهم الملقب بزغبة أبي موسى (المصري) روى عن الليث بن سعد وابن وهب، ويروي عنه (خ م د س ق) ووثقه النسائي وابن أبي داود وأحمد بن عيسى الوشا، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين أي قرأت على عيسى (هذا الحديث) الذي رواه أبو سعيد الخدري (في الشفاعة وقلت له) أي لعيسى بن حماد (أحدث) بضم الهمزة وتشديد الدال المكسورة أي هل أحدث (بهذا الحديث عنك) يا عيسى بـ (ـأنك سمعت من الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبي الحارث المصري ثقة ثبت فقيه مشهور من السابعة مات سنة (١٧٥) روى عنه في (١٥) بابا (فقال) عيسى بن حماد (نعم) حدث عني عن ليث بن سعد، قال مسلم (قلت لعيسى بن حماد أخبركم الليث بن سعد عن خالد بن يزيد) الجمحي مولاهم أبي عبد الرحيم المصري، روى عن سعيد بن أبي هلال في الإيمان والنكاح والبيوع والذبائح والضحايا والفضائل والقدر والأطعمة، ويروي عنه (ع) والليث بن سعد وحيوة بن شريح والمفضل بن فضالة، وقال في التقريب: ثقة فقيه من السادسة مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم أبي العلاء المصري قيل مدني الأصل، وقال يونس: بل نشأ بها، روى عن زيد بن أسلم في الإيمان وآخر الكتاب، ونعيم المجمر في الوضوء، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع وأبي الرجال في الصلاة، وأبي بكر بن المنكدر في الصلاة والذبائح، ونبيه بن وهب في النكاح، وعوف بن عبد الله في البيوع والتفسير، وأبي حازم سلمة بن دينار في الجهاد، وعمرو ويقال عمر بن مسلم الجندعي في الضحايا، وعمارة بن غزية في الفضائل،

стр. 1784

عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهُ قَال: "قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟ قُلْنَا: لا" ... وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيسَرَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِغَيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ: "فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ" ــ ويروي عنه (ع) وجابر بن زيد وسعيد المقبري ويحيى بن أيوب والليث بن سعد، وقال في التقريب: صدوق من السادسة مات سنة (١٣٠) ثلاثين ومائة فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر بن الخطاب أبي أسامة المدني أو أبي عبد الله ثقة عالم من الثالثة مات سنة (١٣٦) ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني ثقة فاضل من الثالثة (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك المدني، وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد بن أبي هلال لحفص بن ميسرة في رواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم (أنه) أي أن أبا سعيد الخدري (قال قلنا) معاشر الصحابة (يا رسول الله أنرى ربنا) أي هل نرى ربنا (قال رسول الله ﷺ هل تضارون) أي هل يصيبكم الضرر (في رؤية الشمس إذا كان يوم صحو) أي إذا حصل يوم خال من السحاب مثلًا، فـ (كان) تامة (قلنا) معاشر الصحابة (لا) نضار في ذلك، وقوله (وسقت الحديث) السابق (حتى انقضى) وانتهى (آخره) معطوف على قوله قرأت على عيسى بن حماد أي قال مسلم: قرأت هذا الحديث على عيسى وسقته بتمامه إلى آخره (وهو) أي وهذا الحديث الذي رواه سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم (نحو حديث حفص بن ميسرة) في بعض ألفاظه ومعناه (وزاد) سعيد بن أبي هلال على حفص بن ميسرة (بعد قوله) أي بعد قول النبي ﷺ (بغير عمل عملوه ولا قدم) أي خير (قدموه) أي زاد جملة قوله (فيقال لهم لكم ما رأيتم) من النعيم (ومثله معه) أي والحال أن مثله معه، قال السنوسي: المزيد هو ما بعد قوله قدموه ولما كان في الرواية الأولى (ولا خير) بدل قوله هنا (ولا قدم) لم يمكنه أن يقول (زاد) بعد قوله (ولا خير) والمعنى زاد بعد قوله في روايته ولا قدم قدموه قوله فيقال لهم لكم .. إلخ .. والقدم بفتح القاف والدال بمعنى الخير المقدم.

стр. 1785

قَال أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجَسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعَرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيفِ. وَلَيسَ فِي حَدِيثِ اللَّيثِ "فَيَقُولُونَ: رَبُّنَا أَعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ وَمَا بَعْدَهُ". فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ. ٣٥٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، ــ وقال المؤلف رحمه الله تعالى (قال أبو سعيد) الخدري ﵁ بالسند السابق (بلغني أن الجسر) المذكور في الحديث (أدق) أي أرق (من الشعرة وأحد) أي أشد حدًّا (من السيف) وقال المؤلف رحمه الله تعالى (وليس في حديث الليث) وروايته جملة قوله (فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين) وقوله (وما بعده) أي وما بعد قوله فيقولون ربنا معطوف على قوله فيقولون على كونه اسم ليس أي وليس في رواية الليث قوله فيقولون ولا الذي ذكر بعده من قوله فيقول لكم عندي أفضل من هذا .. إلخ، وقوله (فأقر به عيسى بن حماد) معطوف على قوله قلت لعيسى أي قال مسلم قلت لعيسى بن حماد أأخبركم الليث بن سعد فأقر عيسى به أي بقولي أخبركم الليث إلى آخره أي قال نعم أخبرنا الليث بن سعد .. إلخ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٥٩) - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم الكوفي ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٥) روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (١٦) قال (حدثنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث أبو عون القرشي المخزومي الجرمي أبو عون الكوفي صدوق من التاسعة مات سنة (٢٠٧) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا هشام بن سعد) القرشي مولاهم مولى لآل أبي لهب بن عبد المطلب يتيم زيد بن أسلم أبو سعد المدني روى عن زيد بن أسلم في الإيمان والزكاة والجهاد والاستئذان واللعان، وعثمان بن حيان الدمشقي في الصوم، وأبي الزبير في البيوع، ونافع في الوصايا، وأبي حازم بن دينار في الطب واللعان، ونعيم المجمر والزهري وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وجعفر بن عون وابن

стр. 1786

حَدَّثَنَا زَيدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا ... نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ. وَقَدْ زَادَ وَنَقَصَ شَيئًا ــ وهب والقعنبي وابن أبي فديك وغيرهم، صدوق له أوهام من السابعة مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، روى عنه في (٩) تسعة أبواب تقريبًا، قال (حدثنا زيد بن أسلم) العدوي المدني، والجار والمجرور في قوله (بإسنادهما) أي بإسناد حفص بن ميسرة وإسناد سعيد بن أبي هلال يعني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري متعلق بقوله حدثنا هشام بن سعد وقوله (نحو حديث حفص بن ميسرة إلى آخره) أي إلى آخر حديث حفص بن ميسرة مفعول ثان لقوله حدثنا هشام بن سعد أي حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مثل حديث حفص بن ميسرة في بعض ألفاظه وبعض معناه (وقد زاد) هشام بن سعد على حديث حفص بن ميسرة شيئًا من الزيادة (و) قد (نقص) منه (شيئًا) من النقص. وعبارة السنوسي هنا: قوله (بإسنادهما) يعني إسناد حفص بن ميسرة وإسناد سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم، وقوله (نحو حديث حفص بن ميسرة) يعني في المتن والحاصل أن زيد بن أسلم روى عنه الحديث بإسناده السابق ثلاثة من أصحابه حفص بن ميسرة وسعيد بن أبي هلال وهشام بن سعد وأن هشامًا وافق حفصًا وسعيدًا معًا في السند ووافق في متن الحديث أي لفظه حفصًا فقط. اهـ منه. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم كوفيان وأربعة مدنيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة هشام بن سعد لحفص بن ميسرة وسعيد بن أبي هلال في رواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذا الحديث أعني حديث أبي سعيد الخدري شارك المؤلف في روايته أحمد [٣/ ١٦] والبخاري [٧٤٣٩] والنسائي [٨/ ١١٢ - ١١٣]. ***

стр. 1787

٩٩ - (٥٨) بَابُ: إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ ٣٦٠ - (١٧٤) (٩٧) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَال: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ؛ ــ ٩٩ - (٥٨) بَابُ: إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ (٣٦٠) - (١٧٤) - (٩٧) (وحدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتانية التميمي السعدي مولاهم أبو جعفر نزيل مصر ثقة فاضل من العاشرة مات سنة (٢٥٣) ثلاث وخمسين ومائتين، روى عن ابن وهب في الإيمان وغيره، قال (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني مالك بن أنس) بن مالك الأصبحي أبو عبد الله المدني ثقة ثبت إمام فقيه من السابعة مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٧) بابًا تقريبًا (عن عمرو بن يحيى بن عمارة) بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، روى عن أبيه في الإيمان والزكاة والبيوع والأطعمة وغيرها، وسعيد بن يسار في الصلاة، ومحمد بن يحيى بن حبان في الصلاة، وعباد بن تميم في الزكاة والحج والجهاد، ودينار أبي عبد الله القراظ في الحج، وعباس بن سهل الساعدي في الحج ودلائل النبوة، ومحمد بن عمرو بن عطاء في البيوع، وعبد العزيز بن المختار في الصوم والحج، وسفيان الثوري فجملة الأبواب التي روى عنه فيها تسعة (٩) أبواب تقريبًا، ويروي عنه (ع) ومالك ووهب وخالد بن عبد الله والدراوردي وسليمان بن بلال وزائدة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج وغيرهم، وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في التقريب: ثقة من السادسة مات سنة (١٤٠) أربعين ومائة (قال) عمرو بن يحيى (حدثني أبي) يحيى بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني، روى عن أبي سعيد الخدري في الإيمان والزكاة وغيرهما، وعبد الله بن زيد في الوضوء، وأنس بن مالك في الأطعمة، ويروي عنه (ع) وابنه عمرو وعمارة بن غزية ومحمد بن يحيى بن حبان والزهري، وثقه النسائي وابن خراش ومحمد بن إسحاق، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري المدني، وهذا السند من

стр. 1788

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا. فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ أَو الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ ــ سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد أيلي (أن رسول الله ﷺ قال: يدخل الله) (أهل الجنة الجنة يدخل من يشاء) دخوله (برحمته) وفضله (ويدخل أهل النار النار) بعدله (ثم يقول) الله سبحانه لملائكته (انظروا) في أهل النار وابحثوا عنهم فـ (من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه) منها (فيخرجون) بالبناء للمفعول أي فيخرج الموحدون (منها) أي من النار، حالة كونهم (حممًا قد امتحشوا) واحترقوا، قال القاضي: كذا ضبطناه بفتح التاء والحاء عن متقني شيوخنا وهو وجه الكلام وكذا ذكره الهروي والخطابي قالا: في معناه احترقوا والمحش لهيب من النار يحرق الجلد ويبدي العظم، قال غيره: امتحش الخبز احترق، قال أبو علي والقتبي: محشته النار أي أحرقته، وقال غيرهم: المعروف أمحشته، وقال صاحب العين محشته لغة والمعروف أمحشته، وقد رواه لنا بعض شيوخنا (امتحشوا) بضم التاء وكسر الحاء، قال الإمام: الحمم الفحم واحدتها حممة، قال طرفة: أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه (فيلقون في نهر الحياة) بالتاء أي في نهر يحصل به حياة كل ما مسه (أو) قال عمرو بن يحيى (الحيا) بالقصر أي أو قال الراوي نهر الحيا مقصورًا وهو المطر، سمي حيا لأنه تحيا به الأرض ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون وتحدث فيهم النضارة كما يحدث ذلك المطر في الأرض، قال النواوي: وقوله (الحياة أو الحيا) هكذا وقع هنا، وفي البخاري من رواية مالك وقد صرح البخاري في أول صحيحه بأن هذا الشك من مالك وروايات غيره بالتاء من غير شك. اهـ (فينبتون فيه كما تنبت الحبة إلى جانب السيل) شبههم بها في سرعة نباتهم كما مر، قال ابن شميلى: الحبة بكسر الحاء اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت الريح ثم إذا مطرت من قابل تنبت (ألم تروها) أي الحبة (كيف تخرج) من الأرض حالة كونها (صفراء) أي ذات صفرة

стр. 1789

مُلْتَويَةً". ٣٦١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ ــ ونضارة (ملتوية) أي ملفوفة مجتمعة متلففًا بعضها ببعض. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه هذا فقال: (٣٦١) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي مولاهم الكوفي قال (حدثنا عفان) بن مسلم الأنصاري مولاهم أبو عثمان البصري، قال العجلي: ثقة ثبت من كبار العاشرة مات سنة (٢٢٠) عشرين ومائتين، قال (حدثنا وهيب) - مصغرًا - ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري ثقة ثبت من السابعة مات سنة (١٦٥) خمس وستين ومائة روى عنه في اثني عشر بابا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي المعروف بـ (ابن الشاعر) أبو محمد البغدادي ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٥٩) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد السلمي مولاهم أبو عثمان الواسطي نزيل البصرة، روى عن خالد الحذاء وحماد بن سلمة وطائفة روى عن جابر بن عبد الله في الإيمان والبيوع، ويروي عنه (ع) وحجاج بن الشاعر وابن معين وأبو زرعة وقال: قَلَّ من رأيت أثبت منه، وقال أبو حاتم: ثقة حجة، وقال في التقريب: ثقة ثبت من العاشرة مات بواسط سنة (٢٢٥) خمس وعشرين ومائتين، قال (أخبرنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن المزني مولاهم أبو محمد الواسطي الطحان ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٢) اثنتين وثمانين ومائة، روى عنه في (٧) أبواب، وأتى بحاء التحويل لبيان اختلاف مشايخ شيخيه (كلاهما) أي كل من خالد الطحان ووهيب بن خالد رويا (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المدني (بهذا الإسناد) أي عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري، وهذان السندان أيضًا من سداسياته الأول منهما رجاله واحد كوفي واثنان بصريان وثلاثة مدنيون، والثاني منهما رجاله واحد منهم بغدادي واثنان واسطيان وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوقهما بيان متابعة وهيب وخالد

стр. 1790

وَقَالا: فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ الْحَيَاةُ. وَلَمْ يَشُكّا. وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: "كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيلِ". وَفِي حَدِيثِ وُهَيبٍ: "كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ أَوْ حَمِيلَةِ السَّيلِ" ــ لمالك بن أنس في رواية هذا الحديث عن عمرو بن يحيى، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه (وقالا) أي قال كل من وهيب وخالد (فيلقون في نهر يقال له الحياة) بالتاء (ولم يشكا) أي ولم يشك كل واحد منهما كما شك مالك بقوله (فيلقون في نهر الحياة أو الحيا) (وفي حديث خالد) الطحان وروايته (كما تنبت الغثاءة في جانب السيل) بدل قول مالك كما تنبت الحبة (والغثاءة) بضم الغين المعجمة وبالثاء المثلثة المخففة وبالمد وآخره هاء هو كل ما جاء به السيل، وقيل المراد ما احتمله السيل من البذور، وجاء في غير مسلم (كما تنبت الحبة في غثاء السيل) بحذف الهاء من آخره وهو ما احتمله السيل من الزبد والعيدان ونحوهما من الأقذاء (وفي حديث وهيب كما تنبت الحبة في حمئة أو حميلة السيل) بغير تنوين فيهما كما في السنوسي، أما الحمئة بفتح الحاء وكسر الميم وبعدها همزة فهي الطين الأسود الذي يكون في أطراف النهر، وأما الحميلة فهي واحدة الحميل بمعنى المحمول وهو الغثاء الذي يحتمله السيل، والله أعلم. ***
следующие страницы →