← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[١٩] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ، ــ [١٩] (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَبَّادِ) بن الزَّبْرِقان المكي نزيلُ بغداد. روى عن الدَّرَاوَرْدِيِّ وابنِ عُيَينة ومروان بن معاوية، ويروي عنه (خ م ت س ق) وأحمد بن سعيد الدارمي وسُلَيمان بن تَوْبة وأحمد بن علي المروزي وغيرُهم، قال ابنُ مَعِين: لا بأس به. وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، من العاشرة، مات سنة أربعٍ وثلاثين ومائتين. ثُمَّ عَطَفَ على مُحَمَّد بن عبادٍ سعيدَ بنَ عَمْرٍو مقارنةً بينهما لتقوية السند؛ لأنَّ مُحَمَّدًا صَدُوقٌ، وسعيدٌ ثِقَةٌ، فاحْتَاجَ إِلى تقويةِ مُحَمَّدٍ بذِكْرِ سعيدِ بعدَه، وإِنما لم يَكْتَفِ بسعيدٍ الذي هو ثقةٌ لفواتِ غَرَضِ بيانِ كثرةِ طُرُقِه، ففي هذه المقارنة غرضان: تقويةُ السند، وبيانُ كثرةِ طُرُقِه فقال: (و) حدثني أيضًا (سعيدُ بن عَمْرٍو) الكِنْدِيُّ (الأَشْعَثيُّ) بالثاء المثلثة منسوبٌ إِلى جَدِّه؛ لأنه سعيدُ بن عَمْرو بن سَهْل بن إِسحاق بن محمد بن الأَشْعَث بن قيس الكِنْدِيُّ، أبو عَمْرو أو أبو عثمان الكوفي. روى عن جعفر بن سُلَيمان وابن عُيَينة، ويروي عنه (م) وأبو زرعة وَوَثَّقَه و (س) بواسطة. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاثين ومائتين. وقولُه: (جميعًا) تأكيدٌ لشَيخَيهِ؛ أي: حالةَ كَوْنِهما مجتمعَين في تحديثهما لي هذا الأثَرَ الآتي، وإِنما أَكَّدَ بجميعًا دون كلاهما لِشَكِّه في بقاء من روى له غيرهما أو للتفنُّن، كلاهما حَدَّثاني (عن) سفيانَ (بنِ عُيَينَةَ) بن ميمون الهلالي أبي محمد الأعورِ الكوفيِّ ثم المكيِّ، أحدِ الأئمَّة الأعلام، له نحو سبعة آلاف. قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إِمامٌ حُجَّةٌ، إلا أَنَّه تَغَيَّرَ حِفْظُه بأخَرَةٍ، وكان ربما دَلَّسَ، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله إِحدى وتسعون سنة كما مَرَّ بَسْطُ الكلام في ترجمته.

стр. 212

قَال سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَال: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَباسٍ ــ وإنما أتى المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بقوله: (قال) لنا (سعيدُ) بن عَمْرٍو في صيغة روايتِه لنا: (أخبرنا سُفيانُ) تَوَرُّعًا من الكذب عليه بصيغة العنعنة؛ لأنَّ الذي قال: (عن سفيان) هو مُحَمَّدُ بن عَبَّادٍ فقط لاسعيدٌ، ولو لم يَأْتِ بقوله: (قال سعيدٌ أخبرنا) .. لكان كاذبًا عليه بها. (عن هِشامِ بنِ حُجَيرٍ) بمهملة ثم جيم مصغرًا المكيِّ. روى عن طاوس ومالك بن أبي عامر الأَصْبَحي والحَسَن البصري، ويروي عنه (خ م س) وابنُ جُرَيجٍ ومُحَمَّدُ بن مسلمٍ الطائفيُّ وابنُ عُيَينَةَ وغيرُهم، وَثقَه العِجْلِيُّ، وقال أحمد: ليس بالقَويّ، قَرَنَه (م) بآخر، وله عنده حديثان، وله في (خ) فرد حديث (١). وقال في "التقريب": صدوقٌ له أوهامٌ، من السادسة. (عن طاوسِ) بن كَيسان اليَمَانِيِّ تقدَّمتْ ترجمتهُ قريبًا. وهذا السَّنَدُ من رُباعياته؛ ففيه رواية كوفي عن كوفي عن مكي عن يماني. (قال) طاوسٌ: (جاء هذا إلى) عبد اللهِ (ابنِ عِبَّاسٍ) ﵄، ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف الهاشمي، أبي العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابنِ عمّ رسول الله ﷺ وصاحبِه، وحَبْرِ الأُمَّةِ وفقيهِها، وترجمانِ القرآن. روى ألفًا وستَّ مئةٍ وستين حديثًا، يروي عنه أبو الشعثاء وأبو العالية وسعيدُ بن جُبَيرٍ وابنُ المُسَيِّب وعطاءُ بن يَسَارٍ وأُمَمٌ لا يُحصون. وُلِدَ قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسولُ الله ﷺ بالفَهْم في القرآن، فكان يُسَمَّى البَحْرَ؛ لسَعَةِ عِلْمِه، قال سَعْدُ بن أبي وقاص: ما رأيتُ أحدًا أحضرَ فَهْمًا، ولا ألبَّ لُبًّا، ولا أكثرَ عِلْمًا، ولا أَوْسَعَ حِلْمًا من ابن عَبَّاس، لقد

стр. 213

- يَعْنِي بُشَيرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَال لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ فَقَال لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَال لَهُ: مَا أَدْرِي! أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ ــ رأيتُ عُمَرَ يَدْعُوه للمُعْضِلات وإنَّ حوله لأهل بدر (١). ومناقبُه جَمَّةٌ، مات سنة ثمانٍ وستين بالطائف، وهو أَحَدُ المُكْثِرين من الصحابة، وأَحَدُ العبادلة من فقهاءِ الصحابة. قال هشامُ بن حُجَيْرٍ: (يعني) طاوسٌ بقوله: جاء هذا: (بُشَيرَ) بضمِّ الموحدة، وفتح الشين، مصغّرًا (بنَ كَعْبٍ فَجَعَلَ) بُشَيرُ بن كَعْبٍ؛ أي: شَرَعَ (يُحَدِّثُه) أي: يُحَدِّثُ بُشَيرٌ لابن عباس ويُخْبِرُه عن رسول الله ﷺ أحاديثَ كثيرةً (فقال له) أي: فكُلَّما حَدَّثَ بُشَيرٌ لابن عَباسٍ حديثًا .. يقولُ له (ابنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما: (عُدْ) أَمْرٌ من عادَ يعودُ عودًا إِذا رَجَعَ؛ أي: يقولُ ابنُ عَبَّاسٍ لبُشَيرٍ كُلَّما حَدَّثَ له حديثًا واحدًا: عُدْ وارْجعْ يا بُشَيرُ (لحديثِ كذا وكذا) أي: إِلى روايةِ حديثٍ صفتُه كذا وكذا، ارْجِعْ إِلى رَوايتِه لنا ثانيةً لِنَفْهَمَه ونَتَثَبَّتَ فيه (فعادَ) بُشَيرٌ (له) لذلك الحديث الذي كَنَى عنه بكذا وكذا؛ أي: فيعودُ بُشَيرٌ ويرجعُ إِليه ثانيًا؛ لِيَتَثَبَّتَ فيه ابنُ عباس. (ثُمَّ) بعد ما رجع بُشَيرٌ إِلى الحديثِ الأولِ وكَرَّرَه مرتين (حَدَّثَه) أي: يُحَدّثُ لابن عباس حديثًا آخَرَ جديدًا (فقال) ابنُ عباس (له) أي: لبُشَيرٍ: (عُدْ لحديثِ كذا وكذا) أي: يقولُ له ابنُ عَبَّاسٍ: ارْجِعْ إِلى حديثِ كذا وكذا؛ لِنتَثَبَّتَ فيه ونَفْهَمَه، يعني: إِعادةَ الحديثِ الثاني الذي حَدث له بعدَ ما كَرَّرَ له الحديثَ الأولَ مرتين الذي كَنَى عنه بكذا وكذا الثاني (فعادَ) بُشَيرٌ (له) أي: لهذا الحديث الثاني؛ أي: فَرَجَعَ بُشَيرٌ إِلى هذا الحديث الثاني. (فـ) ـلمَّا سكَتَ عنه ابنُ عَبَّاسٍ فلم يَرُدَّ له جوابًا من القبول أو الإِنكار .. (قال) بُشَيرٌ (له) أي: لابنِ عَبَّاسٍ: (ما أدري) ولا أعلمُ يا ابن عباس (أَعَرَفْتَ حديثي كُلَّه) أي: هل عَرَفْتَ صِحَّةَ أحاديثي كُلِّها وقَبِلْتَها مني (وَأَنكَرْتَ) على صِحَّة

стр. 214

هَذَا؟ ! أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا؟ ! فَقَال لَهُ أبْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ ــ (هذا) الحديثِ الأخيرِ؟ ! ؛ أي: ما أدري أقبلتَ أحاديثي كلَّها مع إنكارك هذا الأخيرَ (أَمْ أَنكرْتَ) وَرَدَدْتَ عَلَيَّ (حديثي كُلَّه وعَرَفْتَ) أي: قَبلْتَ (هذا) الأَخيرَ؟ ! ؛ أي: أم أَنْكَرْتَ أحاديثي كُلَّها مع قبولك هذا الأخير؛ لأنكَ سَكَت عني فلم تَرُدَّ علي شيئًا من الإِنكار أو القبول في جميع أحاديثي، فما بالُك يا ابنَ عباس؟ هل قَبِلْتَ الكُلَّ أم أَنكرْتَ الكُلَّ، أو قَبِلْتَ بعضَها وأنكرتَ بعضَها؟ فَبَيِّنْ لي رأيَك في أحاديثي كُلِّها. (فقال له) أي: لبُشَيرٍ (ابنُ عَبَّاسٍ) ﵄؛ أي: فلمَّا سَألَ بُشَيرٌ بن عَبَّاسٍ بيانَ رأْيِه في أحاديثه .. قال له ابنُ عَبَّاسٍ مُعَرِّضًا لِكَذِبِهِ في أحاديثه: (إنَّا) نحن معاشرَ الصحابةِ رضوان الله تعالى عليهم (كُنَّا) قبلَ هذا العصر الذي كَثُرَ فيه الكَذَّابُون والوَضَّاعون (نُحَدِّثُ) (١) ونَرْوي (عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛

стр. 215

إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ المصَّعْبَ وَالذَّلُولَ .. تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ ــ إذْ لم يكُنْ يُكْذَبُ عليه) ﷺ ؛ أي: كُنّا نُحَدِّثُ ونَرْوي عن رسول الله ﷺ الأحاديثَ الحَقَّةَ الصادقةَ الصحيحةَ في الزمان الذي لا يُرْوَى عنه الكذبُ، ولا يُنْسَبُ إِليه وهو زمانُ الصحابةِ وقَرْنُهم (فلمَّا رَكِبَ النَّاسُ) في هذا العصرِ -يعني زمانَ التابعين وقَرْنَهم- الجَمَلَ (الصَّعْبَ) أي: العَسِرَ الذي لا يُطيع راكبَه، كَنَى به عن الأحاديث الموضوعة (و) الجَمَلَ (الذَّلُولَ) أي: السَّهْلَ الذي يُطِيعُ راكبَه، كَنَى به عن الأحاديثِ الصحيحةِ (١)؛ أي: فلمَّا خَلَطَ الناسُ بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة ( .. تَرَكنا الحديثَ عنه) ﷺ أي: قَلَّلْنا الروايةَ عنه ﷺ ، وتَرَكْنا الإِكْثارَ منها؛ خَوْفًا من وقوعِ الحديثِ في يَدِ مَنْ ليس أهلًا له، لكثرة الوَضَّاعين والكَذَّابين في هذا الزمان (٢). قال النوويُّ: (وقولُه: "الصَّعْب والذَّلُول" هذا مَثَلٌ حَسَنٌ، وأصلُه في الإِبل، فالصَّعْبُ: العَسِرُ المرغوبُ عنه، والذِّلُول: السَّهْلُ الطيِّبُ المحبوبُ المرغوبُ فيه، فمعناه: فلمَّا سَلَكَ الناسُ كُل مَسْلَكِ ممَّا يُحْمَدُ ويُذَمُّ) (٣). قال السنوسيُّ: (وقولُه: "تَرَكْنا الحديثَ عنه" يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ تَرَكْنا حِفْظَه وقبولَه من الناس، ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ إِفادتَه ونشرَه. فإنْ قلتَ: وأيُّ مناسبةٍ في تَرْكِه إِفادةَ الحديثِ ونشرَه لعدم مُحافظة غيره، بل قد يقال المناسبُ عكسُه، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾.

стр. 216

[٢٠] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ــ قلتُ: وَجْهُ المناسبةِ فيه أنه خاف أنْ يُزَادَ عليه، أو يُنْقَصَ منه، فلم يَرَ أمينًا لحَمْلِ الحَقِّ على وجهه: "ولا تؤتوا الحكمةَ غيرَ أهلِها فتظلموها"، وإذا قال هذا ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما في ذلك الزمان العظيم البركة .. فكيف حالُ هذا الزمان الذي فاض فيه على البسيطة عُبَابُ الشرِّ وأهلُه؟ ! والله المستعان، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا بالله) اهـ (١). ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعة في أثَر ابنِ عَبَّاسٍ رحمهما الله تعالى فقال: [٢٠] (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بن رافعٍ) القُشَيرِيُّ أبو عبد الله النيسابوريُّ، ثقةٌ عابدٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمسٍ وأربعين ومائتين. قال: (حَدَّثَنَا عبدُ الرزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافع الحِمْيَرِيُّ الصَّنْعانيُّ، أحدُ الأئمّة الأعلام، من التاسعة، مات سنة إِحدى عشرة ومائتين عن خمس وثمانين سنة. قال: (أخبرنا) وفي بعض النسخ: (أنبأنا) فهو بمعنى أخبرنا كما مَرَّ. (مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد الأَزْدي أبو عُرْوة البصريُّ نزيلُ اليمن، أحدُ الأئمة الأعلام، من كبار السابعة، مات سنة أربعٍ وخمسين ومائة، وله ثمان وخمسون سنة. (عن) عبد اللهِ (بنِ طاوسِ) بن كَيسان اليمانيِّ أبي محمد، ثقة فاضل، من السادسة، مات سنة اثْنتَين وثلاثين ومائة. (عن أبيه) طاوسِ بنِ كَيسان اليمانيِّ أبي عبد الرحمن الحِمْيَرِيّ مولاهم، الفارسي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومائة، وقيل: بعد ذلك. وهذا السَّنَدُ من خُماسياته؛ ففيه رواية نيسابوري عن صَنْعاني عن بصري عن يماني عن يماني، كما مَرَّ هذا السَّنَدُ بعَينِه في أثَر عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄. (عن) عبد اللهِ (بنِ عَبَّاسِ) بن عبد المطلب أبي العبَّاس المكي ثم المدني ثم

стр. 217

قَال: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُل صَعْبٍ وَذَلُولٍ .. فَهَيهَاتَ ــ الطائفي حَبْر الأمة تَرْجُمان القرآن (قال) ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ لبُشَيرِ بنِ كَعْبٍ العَدَويِّ: (إنَّما كُنّا) نحن معاشرَ الصحابة (نَحْفَظُ الحديثَ) ونرْويه (والحديثُ) أي: والحالُ أَنَّ الحديثَ (يُحْفَظُ) ويُنْقَلُ (عن رسولِ اللهِ ﷺ ولا يُكْذَبُ عليه (فأمَّا) تحديثُنا عن رسول الله ﷺ (إذْ رَكِبْتُمْ) أي: في الزمن الذي رَكِبْتُم فيه (كُلَّ) جَمَلٍ (صَعْبٍ) أي: عَسِرٍ لا يُطِيعُ راكبَه (و) كُلَّ جَمَلٍ (ذَلُولٍ) أي: سَهْلٍ يُطِيعُ راكبَه ( .. فهَيهَاتَ) أي: بَعُدَ عن الوقوع فَضْلا عن كَثْرَتِه. والفاءُ في (فهَيْهَاتَ) رابطةٌ لجوابِ (أمَّا) النائبةِ عن اسمِ الشَرْطِ وفِعْلِه واقعةٌ في غير موضعها؛ لأنَّ موضعَها موضعُ (أمَّا). وجملةُ (هَيهَاتَ) في محل الرفعِ خبرُ المبتدإ المُقَدَّرِ بعدَ (أمَّا)، والتقديرُ: فأمَّا تحديثُنا عن رسول الله ﷺ وقتَ ركوبكم الصَّعْبَ والذَّلُولَ .. فبعيدٌ عن الوُقُوع. وجملةُ المبتدإ المُقَدَّرِ مع خبرِه جوابُ (أمَّا) لا مَحَل لها من الإعراب؛ لأنَّ أصلَ الكلام: فمهما يَكُنْ من شيءٍ .. فتحديثُنا عن الرسول ﷺ بعيدٌ عن الوقوع. وجملةُ (أمَّا) الشرطيةِ مع جوابِها في محل النصب مقول لجوابِ (إِذا) المُقَدَّرَةِ؛ لأنَّ الفاءَ في قوله: (فأمَّا) فاءُ الفصيحة، والتقديرُ: إِذا عَرَفْتُم أنما كُنَّا نَحْفَظُ الحديثَ، والحديثُ يُحْفَظُ عن رسول الله ﷺ ، وأردتم بيانَ حالِنا في هذا الزمن الفاسد .. فأقولُ لكم: أمَّا تحديثُنا في هذا الزمن الذي رَكِبْتُم فيه الصَّعْبَ والذَّلُولَ .. فبعيدٌ وقوعُه منا، وجملةُ إِذا المقدَّرةِ مستأنفةٌ. فإنْ قلتَ: ما غَرَضُ المؤلِّفِ بتكْرَارِ هذا الأثَرِ مَتْنًا وسَنَدًا؛ قلتُ: غَرَضُه في تَكْرارِ السَّنَدِ بيانُ متابعة عبد الله بن طاوسٍ لهشامِ بنِ حُجَيرٍ في رواية هذا الأثَرِ عن

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طاوس، وفائدةُ هذه المتابعةِ: تقويةُ السَّنَدِ الأولِ؛ لأن هشامَ بنَ حُجَيرٍ مُخْتَلَفٌ فيه أو صَدُوقٌ، وعبدُ اللهِ بن طاوسٍ ثقةٌ، وبيانُ كثرةِ طُرُقِه أيضًا. وأمَّا تَكْرَارُ المتنِ: فلِمَا في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأُولى في بعض الكلمات (١). قال السنوسيُّ: (ومعنى "هَيهَاتَ" هنا: بَعُدَتْ استقامتُكم، أو بَعُدَ أنْ نَثِقَ بحديثكم ونَسْمَعَ منكم ونعوِّلَ عليكم) (٢). وإِعرابُه: هَيهَاتَ: اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعنى بَعُدَ مبنيٌّ على الفتح لشَبَهِه بالحرف شبهًا استعماليًّا، وإِنما حُرِّك -مع كَوْن الأصلِ في المبني السكونَ- فرارًا من التقاء الساكِنَينِ، أو ليُعْلَمَ أَن له أصلًا في الإعراب، وكانت الحركةُ فتحةَ للخِفّة مع ثِقَلِه؛ لأن مدلولَه الفعلُ الثقيل، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُه: (هو) يعودُ على المبتدإ المُقَدَّر؛ أي: تحديثُنا بَعُدَ عن الوُقُوع، وجملةُ اسمِ الفعلِ في محلِّ الرفع خبرِ المبتدإ كما مَرَّ تقديرُه آنفًا. قال الأهدل: (وكلمة "هَيهَاتَ" مثلَّثة التاء عند الحجازيين، وبكَسْرِها عند التميميين، وبضَمِّها عند جماعةِ من النُّحاة، وفيها قريبٌ من أربعين لُغَةً على ما قيل، بل قيل: تنيف على الأربعين، وكُلُّها يُقَالُ فيها: اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعنى "بَعُدَ" بضم العين. ثم مَنْ فتَحَ التاءَ .. وَقَفَ عليها بالهاء، ومَنْ كَسَرَها .. وَقَفَ عليها بالتاء، ومَنْ

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضمَّها .. فقيل يقف بالهاء، وقيل: يقف بالتاء) اهـ (١) قال النوويُّ: ("وهَيهَاتَ" موضوعةٌ لاستبعادِ الشيء واليَأْسِ منه، قال الإِمام أبو الحسن الواحديُّ: "هَيهَاتَ": اسمٌ سُمِّي به الفعل، وهو بَعُدَ في الخبر لا في الأمر، قال: ومعنى "هيهات": بَعُدَ، وليس له اشتقاقٌ؛ لأنه بمنزلة الأصوات، قال: وفيه زيادةُ معنًى ليستْ في "بَعُدَ"، وهو أَنَّ المتكلِّمَ يُخْبرُ عن اعتقادِه استبعادَ ذلك الذي يُخْبِرُ عن بُعْدِه، فكأنَّه بمنزلة قوله: بَعُدَ جِدًّا، أو ما أشَدَّ بُعْدَه، لا على أنْ يَعْلَمَ المُخَاطَبُ مكانَ ذلك الشيءِ في البُعْد، ففي "هَيهَاتَ" زيادةٌ على "بَعُدَ"، وإِنْ كُنَّا نُفسِّرهُ به، ويُقال: هيهات ما قلتَ، وهيهات لما قلتَ، وهيهات لك، وهيهات أنت. قال الواحديُّ: وفي معنى "هيهات" ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنه بمنزلة "بَعُدَ" كما ذَكَرْناه أولًا، وهو قولُ أبي عليٍّ الفارسيِّ وغيرِه من حُذَّاق النحويين. والثاني: أنه بمنزلة بعيدٍ، وهو قولُ الفَرَّاء. والثالث: أنه بمنزلة البعد .. وفي "هيهات" ثلاثَ عَشْرَةَ لغةً ذَكَرَهُنَّ الواحديُّ: "هيهاتَ" بفتح التاء وكسرها وضمّها مع التنوين فيهن وبحَذْفِه فهذه سِتُّ لُغَات وأَيهات بالألف بدل الهاء الأُولى وفيها اللُّغاتُ الستُّ أيضًا، والثالثةَ عَشْرَةَ: أَيهَا بحذف التاء من غير تنوين. وزادَ غيرُ الواحديِّ: أَيئَاتَ بهمزتين بدل الهاءين، والفصيحُ المستعمَلُ من هذه اللغات استعمالًا فاشيًا: "هَيهَاتَ" بفتح التاء بلا تنوين. قال الأزهريُّ: واتَّفَقَ أهلُ اللغةِ على أَنَّ تاءَ "هيهات" ليستْ أصليةً، واخْتَلَفُوا في الوقف عليها، فقال أبو عَمْرِو والكِسَائيُّ: يُوقَفُ بالهاء، وقال الفَرَّاءُ: بالتاء، وقد بسطتُ الكلامَ في هيهاتَ وتحقيقِ ما قيل فيها في "تهذيب الأسماء واللُّغات"

стр. 220

٢١١، وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ سُلَيمَانُ بْنُ عُبَيدِ اللهِ الْغَيلانِيُّ، حَدَّثنا أَبُو عَامِرٍ -يَعْنِي الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، ــ "٤/ ١٨٥ - ١٨٨"، وأشرتُ هنا إِلى مقاصده، والله أعلم) اهـ (١). ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ ثانيًا فقال: [٢١] (وحَدَّثَنِي أبو أيوبَ سُلَيمَانُ بن عُبَيدِ اللهِ) بنِ عَمْرو بن جابر المازنيُّ (الغَيلانِيُّ) البصريُّ. روى عن أُمَيَّة بنِ خالد وبَهْزِ بنِ أَسَد، ويروي عنه (م س) وجعفرُ بن أحمدَ بنِ سِنان، وَثَّقَه النَّسَائِيُّ. وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة ست أو سبعٍ وأربعين ومائتين. قال: (حَدَّثنَا أبو عَامرٍ) عبدُ الملكِ بن عَمْرٍو البصريُّ (يعني العَقَدِيَّ) قال النوويُّ: (بفتح العين والقاف منسوب إِلى العَقَدِ قبيلةٍ معروفةٍ من بجيلة، وقيل: من قيس وهُمْ من الأَزْد، وذَكَرَ أبو الشيخِ الإِمامُ الحافظُ (٢) عن هارون بن سُلَيمان قال: سُمُّوا العَقَدَ لأنهم كانوا أهلَ بيتٍ لئامًا، فسُمُّوا عَقَدًا، وقيل: إِنه كان مولى للعَقَديين) (٣). رَوَى عن أفلح بن حُمَيد وقُرَّة بن خالد وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وخَلْقٌ، قال النَّسائيُّ: ثقةٌ مأمونٌ. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة أربعٍ أو خمسٍ ومائتين. قال: (حَدَّثنَا رَبَاحٌ) بفتح الراء وبالموحدة، ابن أبي معروف بن أبي سارة المكي. روى عن مجاهدٍ وعطاءٍ، ويروي عنه (م ل س) والثَّوْرِيُّ وأبو على الحَنَفِيّ.

стр. 221

عَنْ قَيسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: جَاءَ بُشَيرٌ الْعَدَويُّ ــ قال في "التقريب": صدوقٌ له أوهامٌ، من السابعة. وليس في مسلم من اسمه (رَبَاح) إِلَّا هذا الصَّدُوق (١). (عن قيسِ بنِ سَعْدٍ) الحَبَشي المكّي أبي عبد الله مفتي مكة. روى عن مجاهدٍ وطاوسٍ وعطاءٍ، ويروي عنه (م دس ق) وسيفُ بن سُلَيمان والحَمَّادانِ وطائفةٌ، وَثَّقَه أحمدُ. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من السادسة، وقال ابنُ سعد: مات سنة تسع عشرة ومائة. (عن مُجَاهِدِ) بن جَبْرٍ بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبي الحَجَّاج المخزومي مولاهم، المكي المُقرئ الإِمام المُفَسِّر. روى عن ابن عباسٍ وقَرَأَ عليه، قال مجاهدٌ: عَرَضْتُ عليه ثلاثين مرة، وعن أبي هريرة وجابرٍ وأمِّ سلمة، ويروي عنه (ع) وعكرمةُ وعطاءٌ وقتادةُ والحكم بن عُتَيبة وأيوبُ وخَلْقٌ، وَثَّقَه ابنُ مَعِينٍ وأبو زُرْعة. وقال في "التقريب": ثقةٌ إِمامٌ في التفسير وفي العِلْم، من الثالثة، مات سنة إِحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة، وله ثلاثٌ وثمانون سنة. وهذا السَّندُ من خُماسياته: اثنان منهم بصريان، وثلاثةٌ مكيون. فإنْ قلتَ: لِمَ كَرَّرَ المؤلِّفُ هذا الأَثَرَ مَتْنًا وسَنَدًا؟ قلتُ: كَرَّرَ المَتْنَ لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأُولى في بعض الألفاظ، وكَرَّرَ السَّنَدَ لغرض بيان متابعة مجاهدٍ لطاوس في رواية هذا الأَثَرِ عن ابن عَبَّاس، وفيه أيضًا بيانُ كَثْرَةِ طُرُقِه. (قال) مجاهدٌ: (جاء بُشَيرٌ) مُصَغَّرًا، ابنُ كَعْبٍ (العَدَويُّ) البصريُّ، يُكْنَى أبا أيوب، حَدَّثَ عن أبي ذَرٍّ وأبي هريرة وأبي الدرداء، وحَدَّثَ عنه عبدُ اللهِ بن بديلٍ (٢) وطَلْقُ بن حَبِيبٍ والعلاءُ بن زياد. اهـ قرطبي (٣).

стр. 222

إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ... ، قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ... ، قَال: فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسِ لَا يَأذَنُ لِحَدِيثِهِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِ، فَقَال: يَا ابْنَ عَبَّاسِ؛ مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثي؟ ! أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا تَسْمَعُ؟ ! ــ (إلى ابنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فجَعَلَ) أي: شَرَعَ بُشَيرٌ، وهو من أفعال الشُّروع، خبرُه جملةُ (يُحَدِّثُ) أي: شَرَعَ مُحَدِّثًا عن رسول الله ﷺ أحاديثَ كثيرةً، وقولُه: (ويقولُ) بُشَيرٌ تفسيرٌ ليُحَدِّثُ: (قال رسولُ اللهِ ﷺ كذا وكذا (قال رسولُ اللهِ ﷺ كذا وكذا، وتكرارُ (قال) كنايةٌ عن إِكثارِه التحديثَ. (قال) مجاهدٌ -وفي بعض النسخ إِسقاطُ قال-: (فجَعَلَ ابنُ عَبَّاسِ) أي: فصار ابنُ عَبَّاسٍ (لا يَأذَنُ) أي: لا يَسْتَمِعُ (لحديثهِ) أي: لحديثِ بُشَير؛ أي: لا يعتني لاستماعه، أي: لا يُصغي إِليه بأُذُنِه ولا يستمعُه، مِنْ أَذِنَ له يَأْذَنُ، من باب طَرِبَ إِذا استمع له وأصغى إِليه، ومنه قولهُ تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، ومنه سُمِّيَت الأُذُنُ أُذُنًا؛ لاستماعها إِلى الكلام والأصوات؛ أي: لا يستمعُ إِليه ولا يُصْغِي. (ولا يَنْظُرُ إليه) أي: لا ينظرُ ببصرِه إِلى بُشَيرٍ كهيئة المُعْرِضِ عن حديثِه ولا يَعْتَنِي به. (فقال) بُشَيرٌ لابن عباس: (يا ابنَ عَبَّاسٍ؛ مالي) أي: أيُّ شيء ثَبَتَ لي حالةَ كوني (لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لحديثي؟ ! ) أي: لا تستمعُ ولا تُصْغِي إِلى حديثي وكلامي. وقولُه: (أُحَدِّثُكَ) مستأنفٌ أَتَى به لتأكيدِ ما قبلَه؛ أي: أُحَدِّثُك حديثًا مأثورًا (عن رسولِ اللهِ ﷺ ولا تَسْمَعُ؟ ! ) أي: ولا تستمعُ ولا تُصْغي إِليه. فإنْ قلتَ: روايةُ مجاهدٍ هذه تَدُلُّ على أنه لا يستمع لحديثه، وروايةُ طاوسٍ السابقةُ تَدُلُّ على أنه يستمع لحديثه حين قال له ابن عباس: عُدْ لحديث كذا وكذا؛ لأنه لو لم يستمع لحديثه .. لم يَقُلْ ذلك، فبَينَ الروايتَينِ معارضةٌ؟ قلتُ: يُجمع بينهما بحَمْلِهما على تَعَدُّدِ الواقعة، أو يُقال: إِنَّ (لا) في قوله: (لا أَرَاكَ) زائدةٌ؛ أي: ما لي أَرَاكَ تَسْمَعُ لحديثي حالةَ كوني أُحَدِّثُك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 223

فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ ولا تَسْتَمِعُ إِليه؛ أي: لا تستمعُ ولا تُصْغي إِليه، فحينئذٍ لا مُعَارَضَةَ، هكذا ظَهَرَ لفَهْمِي السَّقِيم (١). (فقال ابنُ عَبَّاسٍ) لبُشَيرٍ اعتذارًا عن عدم استماعه لحديثه، وإِظهارًا لسببه: (إِنَّا) نحن معاشرَ الصحابة (كُنَّا مَرَّةً) أي: وقتا من الزمان، يعني قبلَ ظُهُورِ الكَذِبِ على رسول الله ﷺ ؛ أي: كنا في الزمانِ الأولِ (إذا سَمِعْنا رجلًا) مفعولٌ به لسَمِعَ؛ أي: كلامَ رجل لأنَّ الذاتَ لا تُسْمَعُ. وجملةُ (يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ كذا وكذا، في محلِّ النصبِ صفة لـ (رجلًا) جَرْيًا على مذهب الجمهور من أَنَّ (يَسْمَعُ) إِذا دَخَلَتْ على ما لا يُسمع .. تَعَدَّتْ إِلى مفعولٍ واحدٍ، وإِنْ كان ذلك المفعولُ معرفةً .. كانت الجملةُ المذكورةُ بعدَه حالًا منه كسَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول، وإِنْ كان نكرةً .. كانت الجملةُ صفةً كَمَا هنا، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾؛ جَرْيًا على القاعدة المشهورة عندهم: إِنَّ الجُمَلَ إِذا وَقَعَتْ بعد المعارف .. تكون حالًا، وإِنْ وَقَعَتْ بعد النكرات .. تكون صفةً، وأمَّا عند الأخفش ومَنْ

стр. 224

ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ .. لَمْ نأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إلا مَا نَعْرِفُ ــ وَافَقَه .. فتكون الجملةُ في محلِّ النصب مفعولًا ثَانِيًا لسَمعَ، ومذهبُ الجمهورِ هو الصحيحُ كما هو مُقَرَّرٌ في مَحَلِّه. وأمَّا إِذا دَخَلَتْ على ما يُسمع .. فإنها تتَعَدَّى إِلى واحدِ فقط بلا خلاف، كسَمِعْتُ القرآنَ، وسَمِعْتُ الحديثَ، وسمعتُ الكلامَ. (ابْتَدَرَتْه أبصارُنا) أي: سَارَعَتْ وبَادَرَتْ إِلى النَّظَرِ إِليه أبصارُنا وأعينُنا محبَّةً لحديث الرسول ﷺ ، وعِشْقًا إِلى سماعه (وأَصْغَينا) أي: اسْتَمَعْنا (إليه) أي: إِلى حديثِه (بآذانِنا) وأسماعِنا، قال القرطبيُّ: (أي: قَبلْنا منه، وأَخَذْنا عنه، هذا الذي قاله ابنُ عَبَّاسِ يَشْهَدُ بصِحَّةِ ما تَأوَّلْنا عليه قولَ ابنَ سيرين؛ فإنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان في أول مَرَّةٍ يُحَدِّثُ عن الصحابة ويأخذُ عنهم؛ لأن سماعَه من رسول الله ﷺ كان قليلًا لِصِغَرِ سِنه، فكان حالُه مع الصحابة كما قال، فلمَّا تلاحق التابعون وحَدَّثُوا وظَهَرَ ما يُوجِبُ الرِّيبةَ .. لم يَأْخُذْ عنهم كما فَعَلَ مع بشُيرٍ العَدَويِّ) اهـ (١). (فلمَّا رَكِبَ الناسُ الصَّعْبَ) أي: الجَمَلَ العَسِرَ الذي لا يُطِيعُ راكبَه؛ أي: أَكْثَرُوا من رواية الأحاديثِ الموضوعةِ والضعيفةِ (و) رَكِبُوا الجَمَلَ (الذَّلُولَ) أي: الذي يُطِيعُ راكبَه؛ أي: وأَكْثَرُوا من رواية الأحاديثِ الصحيحةِ؛ أي: لمَّا أَكْثَرُوا من روايةِ كُلِّ ما سَمِعُوا من الأحاديث من غير تمييزٍ بين الصحيحة والضعيفة .. كُنَّا (لم نَأْخُذْ) ولم نَقْبَلْ (من الناس إلَّا ما نَعْرِفُ) صِحَّتَه ونَقْلَه من النبي ﷺ ؛ حِفْظًا لِلدِّين، واحتياطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وخوفًا من اختلاط الأساطيرِ الباطلةِ والأقاويلِ المُخْتَلَقَةِ بحديثِ رسول الله ﷺ . وفيه دلالةٌ على أنه يَنْبَغِي للمُحَدِّث أن يَتَثَبَّتَ ويَسْتَيقِنَ فيما يَرْويه من أحاديث الرسول ﷺ كما يَدُلُّ على ذلك قراءةُ (٢): (يا أيها الذين آمنوا إِن

стр. 225

(٦) بَابُ اخْتِيَارِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَتَلْخِيصِهَا وَطَرْحِ مَا سِوَاهَا مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيهَا [٢٢] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، ــ جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا﴾ ولا تَعْمَلُوا بِخَبَرِه حتى تتيَقَّنُوا صِدْقَه. قال القرطبيُّ: (قوله: "فلمَّا رَكِبَ الناسُ الصَّعْبَ والذَّلُولَ ... " إِلخ هذا مَثَلٌ، وأصلُه في الإِبل، ومعناه: أَنَّ الناسَ تَسَامَحُوا في الحديث عن رسول الله ﷺ واجْتَرَؤُوا عليه فتحَدَّثُوا بالمَرْضِيِّ عنه الذي مَثَّلَه بالذَّلُول من الإِبل، وبالمُنْكَرِ منه المُمَثَّل بالصَّعْبِ من الإِبل. وقولُه: "لَمْ نأْخُذْ من الناسِ إِلَّا ما نَعْرِفُ" أي: إِلَّا ما نَعْرِفُ ثِقَةَ نَقَلَتِهِ وصِحَّةَ مَخْرَجِه) (١). (٦) باب اختيار الأحاديث الصحيحة وتلخيصها وطرح ما سواها من الكتاب الذي اشتمل عليها وبالسَّنَدِ المُتَّصِلِ قال المؤلفُ رحمه الله تعالى: [٢٢] (حَدَّثنَا داودُ بن عَمْرِو) بن زهير بن عَمْرو بن جَمِيل بالجيم المفتوحة، وقيل: بالحاء المهملة المضمومة (الضَّبِّيُّ) بفتح الضاد المعجمة بعدها باءٌ موحدة مشددة، أبو سُلَيمان البغدادي، كذا نَسَبَه ابنُ سَعْدٍ والبَغَويُّ، وقال الحاكم أبو أحمد: داودُ بن عَمْرو بن المُسَيّب، ويُقال: ابنُ زُهَير (٢). روى عن نافعِ بنِ عُمَر الجُمَحِيِّ وابنِ أبي الزِّناد وحَمَّادِ بنِ زَيدٍ وغيرِهم، ويروي عنه (م) حديثَينِ و (س) والفَضْلُ بن سَهْلٍ وابنُ نَاجِيةَ والبَغَويُّ. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين. قال: (حَدَّثَنَا نافعُ بن عُمَرَ) بنِ عبد الله بن جميل القُرشي الجُمَحِي المكي الحافظ. روى عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ وسعيدِ بن أبي هندِ وعبدِ الملك بن أبي محذورة وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وابنُ المبارك وابنُ مهدي ووَكِيعٌ وخَلْقٌ، وَثَّقَه أبو حاتم والنَّسائيُّ وابنُ مَعِينٍ.

стр. 226

عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَال: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاس أَسْألهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا ويخْفِي عَنِّي، فَقَال: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ، ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من كبار السابعة، مات سنة تسعٍ وستين ومائة. (عن) عَبْد الله بن عُبَيدِ الله -مصغّرًا- (ابنِ أبي مُلَيكَةَ) بضمِّ الميم مصغرًا: زُهَيرِ بن عبد الله بن جُدْعان بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعْد بن تَيمِ بن مُرَّة التَّيمي، أبي بكر المكي، تَوَلَّى القضاءَ والأَذَانَ لابن الزُّبَير ﵃. روى عن عائشةَ وأُمِّ سلمة وابنِ عَبَّاسٍ، وأَدْرَكَ ثلاثين من الصحابة، ويروي عنه (ع) وابنهُ يحيى وعطاءٌ وعَمْرُو بن دينارٍ وغيرُهم، وَثَّقَه أبو حاتم وأبو زُرْعة. وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة. (قال) ابنُ أبي مُلَيكَةَ: (كَتَبْتُ) رسالةً أرسلتُها (إلى ابنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما حالة كوني (أسألُه) أي: أسألُ ابنَ عَبَّاسٍ في تلك الرسالة (أَنْ يَكْتُبَ لي) أي: لأجلي من ديوان قضاء عليٍّ ﵁ (كتابًا) جامعًا للقضاءِ الصحيحِ الواقعِ من عليٍّ، وللأحاديثِ الصحيحةِ المأثورةِ عن النبي ﷺ لا المُفْتَرَياتِ عليهما (ويخْفِي عنِّي) أي: يَكْتُمُ عنِّي ولا يَكْتُب لي ما كان في ذلك الدِّيوان من الأحاديثِ الموضوعة والأَقْضيةِ المُفْتَراة من الشِّيَع على عليٍّ ﵁. (فقال) ابنُ عَبَّاسٍ لمَنْ أرسلتُ إِليه بالرسالة: أنا (ولدٌ ناصحٌ) له؛ أي: أنا له كالولد الناصح لوالديه؛ ففيه تشبيهٌ بليغٌ، والنَّاصِحُ: مَنْ يُرِيدُ الخيرَ للغير، ويُبْغِضُ الشرَّ له، والنصيحةُ: إِرادةُ الخيرِ للغير، والخديعةُ: إِرادةُ الشرِّ للغير من حيثُ لا يَعْلَمُ. وفَسَّرَ النصيحةَ بقوله: (أنا أختارُ له) أي: لابن أبي مُلَيكَة، وأُلَخِّصُ له (الأُمُورَ) المجموعةَ في ذلك الديوان؛ أي: أنا أختارُ له (اختيارًا) وأُلَخِّصُ له تلخيصًا من الأمور المجموعة في ذلك الديوان من الأحاديث والأَقْضية؛ أي: أختارُ له منها الأحاديثَ الصحيحةَ والأقضيةَ الحَقَّةَ لا المُفْتَرَياتِ عليه، وألَخِّصُها له في كتابٍ جامعٍ لها. (وأُخْفِي عنه) أي: عن ابنِ أبي مُلَيكَة وأَسْتُر عنه، وأَكْتُم ما كان في ذلك الديوان

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من الأحاديثِ الموضوعةِ والأَقْضيةِ المُفتراةِ ولا كتبها إِليه نصيحةً له وطلبًا للخيرِ له (١). قوله: (ويُخْفِي عنّي ... وأُخْفِي عنه) قال النوويُّ: (اختلف العلماءُ في ضَبْطِه، فقال القاضي عِيَاضٌ رحمه الله تعالى (٢): ضَبَطْنا هذَينِ الحرفَين وهما: "ويُحْفِي عَنِّي، وأُحْفِي عنه" بالحاء المهملة فيهما عن جميع شيوخنا إلا عن أبي محمد الخُشَنِيّ؛ فإني قرأتُهما عليه بالخاء المعجمة، قال: وكان أبو بَحْرٍ يحكي لنا عن شيخه القاضي أبي الوليد الكِنَاني (٣) أَنَّ صوابه بالمعجمة. قال القاضي عياضٌ: ويَظْهَرُ لي أَنَّ روايةَ الجماعةِ هي الصوابُ (٤)، وأَنَّ معنى "أُحْفِي": أنقص، من إِحْفاءِ الشوارب وهو جَزُّها؛ أي: أَمسك عنّي من حديثك ولا تُكْثِر عليَّ) (٥). وقال في "المشارق" (١/ ٢٠٩): (ويكون الإِحفاءُ بمعنى الإمساكِ من قولهم:

стр. 228

قَال: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، ــ سألني فحَفَوْتُه؛ أي: مَنَعْتُه، أي: أَمْسِكْ عني بعضَ ما معك ممَّا لا أحتملُه. وقد يكون الإِحفاءُ أيضًا بمعنى الاستقصاء أو الإِلحاح، ويكون "عنّي" بمعنى "عَلَيَّ" أي: اسْتَقْصِ ما تُحَدِّثني به وانْخُلْه لي، وجواب ابن عباس يَدُلُّ عليه). قلتُ (١): والظاهرُ: أَن (عَلَيَّ) في هذا الوجه للتعليل وقد صرَّح بذلك في "الإِكمال" (٢). قال النوويُّ: (وذَكَرَ صاحبُ "مطالع الأنوار" قولَ القاضي، ثم قال: وفي هذا نَظَرٌ، قال: وعندي أنه بمعنى المبالغة في البِرِّ به والنصيحةِ له من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾) (٣). واختارَ الشيخُ أبو عَمْرو بن الصلاح رحمه الله تعالى روايةَ الخاء المعجمة (٤)، قال النووي: (وهذا الذي اختاره من الخاء المعجمة هو الصحيحُ، وهو الموجودُ في معظم الأصول الموجودة بهذه البلاد، والله أعلم) (٥). قال ابنُ الصلاح: (ومعنى" ويُخْفِي عنّي" أي: يَكْتُم عنّي أشياءَ ولا يَكْتُبها إِذا كان عليه فيها مقالٌ من الشِّيَعِ المختلفةِ وأهلِ الفتن؛ فإنه إِذا كَتَبَها .. ظَهَرَتْ، وإِذا ظَهَرَتْ .. خُولِفَ فيها وحَصَلَ فيها قال وقِيلَ مع أنها ليستْ مما يَلْزَمُ بيانُها لابن أبي مُلَيكَة، وإِنْ لَزِمَ .. فهو مُمْكِن بالمُشافَهَةِ دون المكاتبة. قال ابنُ الصلاح: وقولُه: "وَلَدٌ ناصحٌ" مُشْعِرٌ بما ذكَرْتُه، والله أعلم) (٦). (قال) ابنُ أبي مُلَيكة: (فَدَعَا) أي: طَلَبَ ابنُ عَبَّاسِ (بقَضَاءَ عَلِيٍّ) أي: بإحضارِ ديوانٍ كُتِبَ فيه قضاءُ عليٍّ ﵁.

стр. 229

فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيءُ فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ ــ (فـ) ـلمَّا أَحْضَرُوه ( .. جَعَلَ) أي: شَرَعَ ابنُ عَبَّاسِ (يَكْتُبُ) أي: يَنْسَخُ وَيَنْقُلُ (منه) أي: من ذلك الديوان الذي جُمعَ فيه قضاءُ عليٍّ ﵁ (أَشياءَ) من الأحاديثِ الصحيحةِ والأَقْضيةِ الحَقَّةِ الصادقةِ (ويَمُرُّ به) أي: يَمُرُّ على ابن عباس في ذلك الديوان (الشَّيءُ) من الأَقْضِيةِ المُفْتَراةِ على عليٍّ ﵁ (فيقولُ: واللهِ) أي: أقسمتُ باللهِ الذي أَنْزَلَ لنا الكتابَ الكريمَ وشَرَعَ لنا الشَرْعَ القَويمَ (ما قَضَى) وحَكَمَ (بهذا) القضاء الذي هو الضلالُ المبينُ والغَيُّ المُسْتَبينُ (عَلِيُّ) بن أبي طالبٍ، وهو فاعلُ قَضَى (إلَّا أنْ يكونَ) عليٌّ ﵁ قد (ضَلَّ) وأخطأَ وخَرَجَ عن الشرع القَويم. قال النووي: (ومعنى هذا الكلام: ما يَقْضِي بهذا القضاءِ إلا ضَالٌّ، ولا يَقْضِي به عَلِيٌّ إلا أنْ يُعْرَفَ أنه ضَلَّ، وقد عُلِمَ أنه لم يَضِلَّ فيُعلم أنه لم يَقْضِ به، والله أعلم) (١). وعبارةُ السنوسي: (قولُه: "إلا أنْ يكونَ ضَلَّ" أي: لكنه قد عُلِمَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لم يَضِلَّ، فإِذًا عُلِمَ أنه لم يَقْضِ به، ويحتملُ أنْ يكونَ ضَلَّ بمعنى: أَخْطَأ أو نَسِيَ، وهو بعيدٌ؛ إِذْ لم يُؤْلَفْ من عليٍّ ﵁ الخطأُ ولا النسيانُ في مِثْلِ هذا) اهـ (٢). ورجالُ هذا الأثَرِ -أعني أثَرَ ابنِ عَبَّاسٍ- كُلُّهم مكيّون إلا واحدًا منهم، وهو داودُ بن عَمْرٍو الضَّبِّيُّ؛ فإنه بغداديٌّ، وهذا السند من ثُلاثياته في الأثَر؛ لأنه ليس له

стр. 230

[٢٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيرٍ، عَنْ طَاوُسٍ ــ ثلاثياتٌ في الأحاديثِ المرفوعةِ، بل أَعْلَى ما فيها الرُّباعيات كما مَرَّ. ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى في هذا الأثَرِ المتابعةَ فقال: [٢٣] (حَدَّثنَا عَمْرُو) بن محمد بن بُكَير بن سابور بمهملة (النَّاقِدُ) بالقاف والدال المهملة، أبو عثمان البغداديُّ نزيلُ الرقَّة، الحافظ. روى عن هُشَيمٍ وابنِ عُيَينَةَ وحاتمِ بنِ إِسماعيل ومُعْتَمِرٍ وغيرِهم، ويروي عنه (خ م د س) والفِرْيابِيُّ والبَغَويُّ، قال أبو حاتم: ثقة مأمونٌ (١). وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ وَهِمَ في حديث، من العاشرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. قال: (حَدَّثَنَا سفيانُ بن عُيَينَةَ) بن ميمون الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي، أحدُ الأئمَّة الأعلام، من الطبقة الثامنة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة في رجب. (عن هشامِ بنِ حُجَيرٍ) بمهملة ثم جيم مصغّرًا، المكيِّ. روى عن طاوسٍ ومالك بن أبي عامر الأصبحي، ويروي عنه (خ م س) وابنُ جُرَيجٍ وابنُ عُيَينَةَ، وَثَّقَه العِجْلِيُّ، وقال أحمدُ: ليس بالقَويّ. وقال في "التقريب": صدوقٌ له أوهامٌ، من السادسة، وقد تقدَّم البسطُ في ترجمته. (عن طاوسِ) بن كيسان اليَمَانِيِّ أبي عبد الرحمن الحِمْيَرِيّ. روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس، ويروي عنه (ع) ومجاهدٌ والزهْرِيُّ وأبو الزُّبَير وهشامُ بن حُجَيرٍ. قال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ، من الثالثة، مات سنة ستٍّ ومائة كما مَرَّ.

стр. 231

قَال: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁ فَمَحَاهُ إلا قَدْرَ ... وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ بِذِرَاعِهِ. [٢٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، ــ (قال) طاوسٌ: (أُتِيَ ابنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، بالبناء للمجهول، (بكتابٍ) أي: بديوانٍ مجموعٍ (فيه قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁ أي: ما قَضَى عليُّ بن أبي طالبٍ في زمن خلافته (فمَحَاهُ) ابنُ عَبَّاسٍ؛ أي: مَسَحَ ابنُ عَبَّاسٍ وأَزَال ما في الكتاب من الأَقْضِيةِ المُفتراةِ على عليٍّ ﵁ (إلَّا قَدْرَ) منصوبٌ غَيرُ مُنَوَّنٍ؛ لنِيَّةِ المضافِ إِليه؛ أي: مَحَى من ذلك الكتاب إِلَّا قَدْرَ ذراعٍ من اليد، وهو شِبْران تقريبًا، وهو من أطراف الأصابع إِلى المِرْفَق (وأَشارَ سفيانُ بن عُيَينَةَ) أي: ولم يَذْكُرْ سفيانُ المضافَ إِليه المحذوفَ في قوله: (إلا قَدْرَ) ولكنْ أشارَ إِليه (بذِرَاعِهِ) أي: بذراعِ يدِه؛ أي: لم يَذْكُرْه بلسانِه، بل أشارَ إِلى ذراعه حين قال: (إلا قَدْرَ). وعبارةُ السنوسي هنا: (قولُه: "إلا قَدْرَ" هو منصوبٌ غيرُ مُنَوَّنٍ مضافٌ إِلى محذوفٍ فَسَّرَه سفيانُ بإِشارته إِلى ذِراعِهِ، والمعنى: محاه إلا قَدْرَ ذراعٍ) (١). قال النوويُّ: (والظاهرُ: أَن هذا الكتابَ كان درجًا مستطيلًا، والله أعلم) اهـ (٢). وغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعة طاوسٍ لابن أبي مُلَيكَة في رواية هذا الأَثَرِ عن ابن عباس، ولكنْ في السند الأول عُلُوٌّ، وفي هذا نُزُولٌ؛ لأنه من رباعياته، ورجالُه فيهم: بغدادي، ثم كوفيٌّ، ثم مكيٌّ، ثم يَمَانِيٌّ. ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لأَثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ بأَثَرِ أبي إِسحاق السَّبِيعيِّ فقال: [٢٤] (حَدَّثنَا حَسَنُ بن عَلِيِّ) بن محمد الهُذلي نسبة إِلى هُذيل بن مُدْرِكة، أبو عليّ الخَلَّالُ (الحُلْوَانِيُّ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون اللام، الريحانيُّ المكيُّ الحافظُ. روى عن عبد الصمد وعبد الرزّاق ووَكِيع وأبي معاوية وخَلْق، ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمد بن إِسحاق السرّاج.

стр. 232

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ ــ قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين. قال: (حَدَّثَنَا يحيى بن آدمَ) بنِ سُلَيمان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي، أحدُ الأئمَّة الأعلام. روى عن فِطْر بن خليفة ومالك بن مِغْوَلٍ وعيسى بن طَهْمان وإِسرائيل وطائفةٍ، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وعليُّ بن المَدِيني ويحيى بن مَعِينٍ وخَلْقٌ. قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين. قال: (حَدَّثنَا) عبدُ اللهِ (بن إدريسَ) بن يَزِيد بن عبد الرحمن الأَوْدِيُّ -بسكون الواو- أبو محمد الكوفيُّ، أحد الأئمَّة الأعلام. روى عن أبيه وعَمِّه داودَ وسُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ مَعِينٍ وعبدُ اللهِ بن أبي شَيبَةَ وخَلْقٌ، قال ابنُ مَعِين: ثقة في كُلِّ شيء. وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ عابدٌ، من الثامنة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ حُجَّةٌ إِمامٌ من أئمَّة المسلمين. ومن كلامِه: عَجِبْتُ ممَّنْ يَنْقَطِعُ إِلى رجلٍ ويَدَع أنْ يَنْقَطِعَ إِلى مَنْ له السماواتُ والأرضُ. مات سنة اثنتين وتسعين ومائة وله بِضْع وسبعون سنة (١). (عن) سُلَيمانَ بنِ مِهْران أبي مُحَمَّدٍ التابعيِّ (الأعمشِ) الكوفيِّ، تقدَّم البسطُ في ترجمته في مبحث أقسام الرواة فراجعْها إنْ شئتَ. (عن أبي اسحاقَ) السَّبِيعيِّ عَمْرِو بنِ عبد الله التابعيِّ الكوفيِّ، تقدّمتْ ترجمتُه أيضًا آنفًا.

стр. 233

قَال: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁ .. قَال رَجُل مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟ ! ــ وهذا السَّنَدُ من خُماسياته، ومن لطائفه: أَن فيه روايةَ تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وهما: الأعمشُ وأبو إِسحاق، وأَن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا الحُلْوانيَّ فإِنه مكيٌّ، وغَرَضُه بسَوْقِ هذا الأثرِ: الاستشهادُ لأَثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما كما مَرَّ آنفًا. (قال) أبو إِسحاق: (لمَّا أَحْدَثُوا) أي: لمَّا أَحْدَثَت الروافِضُ والشِّيعةُ واخْتَلَقوا مِن عندِ أنفسهم (تلك الأشياءَ) المُفْتَرَاةَ على على ﵁ من الأحاديثِ الموضوعةِ والأَقْضيةِ الباطلةِ والأقاويلِ الزائغةِ (بَعْدَ) وفاةِ (عَلِي) بنِ أبي طالب ﵁ .. قال رجل من أصحابِ عَلِيٍّ) أي: ممَّنْ صَاحَبَ عليًّا في حياتهِ ولازَمَهُ وعَرَفَ اقْضِيَتَه الحَقَّةَ وأحاديثَه الصحيحةَ، ولم أَرَ مَنْ عَيَّنَ ذلك الرجلَ، والله أعلم: (قَاتَلَهُمُ اللهُ) تعالى؛ أي: لَعَنَ اللهُ الروافضَ والشِّيعةَ، وبَاعَدَهُمْ عن رحمتهِ؛ جزاءً لهم على ما فعلوه من إِفسادِ أَقْضيةِ عليٍّ وأحاديثهِ بما خَلَطُوه فيها من الأَقْضيةِ المُفْتراةِ عليه والأحاديثِ الموضوعةِ المنسوبةِ إليه، فإنهم (أَيَّ عِلْمٍ) أَي: كاملَ عِلْمٍ وقضاءً صحيحًا (أَفْسَدُوا) بما خَلَطُوا به من الأَقاويلِ المُخْتَلَقَةِ والرواياتِ الموضوعةِ. و(أيَّ) هنا وصفيَّةٌ تَدُلُّ على الكمال، أُضِيفَتْ إِلى موصوفها؛ أي: علما كاملًا صادقًا صحيحًا حقًّا أفسدوه بما خَلَطُوا به من الأباطيلِ المفتراةِ على عليٍّ ﵁. قال النوويُّ: (فأشارَ بقوله: "أَي عِلْمٍ أَفْسَدُوا" إِلى ما أَدْخَلَتْهُ الروافضُ والشيعةُ في عِلْمِ عليٍّ ﵁ وحديثهِ، وتَقَوَّلوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إِليه من الرواياتِ والأقاويلِ المفتعلة والمُخْتَلَقة، وخَلَطُوه بالحق فلم يَتَمَيَّزْ ما هو صحيحٌ عنه ممَّا اخْتَلَقُوه. قولُه: "قَاتَلَهُمُ اللهُ" قال القاضي عِيَاضٌ: معناه: لَعَنَهُم اللهُ، وقيل: بَاعَدَهُم، وقيل: قَاتَلَهُم، قال: وهؤلاء اسْتَوْجَبُوا عنده ذلك لشَنَاعَةِ ما أَتَوْه، كما فَعَلَه كثيرٌ منهم وتَخَطَّوْا إِلى الكُفْرِ بقولهم، وإِلا .. فَلَعْنَةُ المسلمِ غيرُ جائزةٍ" اهـ (١)،

стр. 234

[٢٥] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أبُو بَكْرٍ -يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ- ــ ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثانيًا لأَثَرِ ابن عَبَّاسٍ بأَثَرِ المغيرة بنِ مِقْسَمٍ فقال: [٢٥] (حَدَّثنَا عَلِيُّ بن خَشْرَمٍ) -بمعجمتين الثانية ساكنة والأُولى مفتوحة بزِنَة جَعْفَرٍ- ابن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال المَرْوَزيُّ أبو الحَسَن الحافظ، وهو ابنُ أُخْت بِشْر بن الحارث الحافي (١) رحمهما الله تعالى. روى عن الفَضْلِ بنِ موسى وابنِ عُيَينة وهُشَيمٍ وأبي بكرِ بنِ عَيَّاشٍ وغيرِهم، ويروي عنه (م ت س) وابنُ خُزَيمة ومحمدُ بن يوسف الفِرَبْرِيُّ وأُمَمٌ. قال في "التقريب": ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة سبعٍ وخمسين ومائتين. قال: (أخبرنا أبو بكرٍ -يعني ابنَ عَيَّاشٍ-) أي: يَعْنِي ويَقْصِدُ شيخي عَلِيُّ بن خَشْرمٍ بأبي بكرِ حين قال لنا: (أخبرنا أبو بكر): أبا بكرِ المنسوبَ إِلى عَيَّاش بن سالمَ، وأَتى بالعناية؛ إِشارةً إِلى أَنَّ هذه النِّسْبَةَ لم يَسْمَعْها من شَيخِه عليِّ بنِ خَشْرَمٍ، بل هي مما زادَ مِنْ عند نفسه؛ إِيضاحًا للراوي وَتَوَرُّعًا من الكذب على شيخه بنِسْبةِ ما لم يَقُلْه إِليه؛ لأنه لو أَسْقَطَ العنايةَ وقال: (أخبرنا أبو بكرِ بن عَيَّاش) .. لأَوْهَمَ أنها ممَّا سَمِعَه من شيخه مع أَن الأمرَ ليس كذلك. وفائدةُ العنايةِ ثلاثةٌ: الإِشارةُ إِلى أَنَّ هذه النِّسبة ليستْ من كلام شيخه، وإِيضاحُ الراوي، والتورُّعُ من الكذب على شيخه، وهكذا يقال فيما إِذا فَصَلَ بـ (هُوَ). واختُلف في اسم أبي بكر بن عَيَّاشٍ، فقيل: اسمهُ مُحَمَّدُ بن عَيَّاش بن سالم الكوفيُّ الأَسَدِيُّ مولاهم، الحَنَّاط -بمهملة- المُقْرئ، أحدُ الأئمَّة الأعلام، وقيل: عبد الله بن عَيَّاش، وقيل: سالم، وقيل: شُعْبة، وقيل: رُؤْبة، وقيل: مسلم، وقيل: خِداش، وقيل: مُطَرِّف، وقيل: حَمَّاد، وقيل: حَبيب، والصحيحُ ما قاله المُحَقِّقون: إِنَّ اسمَه كنيتُه، لا اسمَ له غيرها.

стр. 235

قَال: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ ــ قال النوويُّ: (ورُوِّينا عن ابنهِ إِبراهيمَ قال: قال لي أبي: إِنَّ أباكَ لم يَأتِ فاحشةً قَطٌّ، وإِنه يختم القرآنَ منذ ثلاثين سنة كُل يوم مَرَّةً. ورُوِّينا عنه أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ؛ إِيَّاك أنْ تَعْصِيَ اللهَ تعالى في هذه الغُرْفة؛ فإِني خَتَمْتُ فيها اثني عَشَرَ ألفَ ختمة. ورُوِّينا عنه أنه قال لِبنْتِهِ عند موته وقد بَكَتْ: يا بُنَيَّةُ لا تَبْكِي، أتخافين أن يُعَذِّبَني اللهُ تعالى وقد خَتَمْتُ في هذه الزاوية أربعةً وعشرينَ ألفَ ختمة؟ ! ) اهـ (١). روى أبو بكرِ بن عَيَّاشٍ عن حُصَين بن عبد الرحمن وأبي حَصِين عثمان بن عاصم وأبي إِسحاق السَّبيعي وغيرهم، ويروي عنه (خ من دت س ق) والثَّوْرِيُّ وابنُ المبارك ويحيى بن آدمَ وأحمدُ -وقال: ثقةٌ ربما غَلِط- وخَلْقٌ. وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ إلا أنه لمَّا كَبِرَ .. ساءَ حِفْظُه، وكتابُه صحيحٌ، من السادسة، مات سنة أربعٍ وتسعين ومائة وقد قارب المئةَ. (قال: سمعتُ المغيرةَ) بنَ مِقْسم -بكسر الميم وسكون القاف- الضَّبِّيَّ مولاهم، أبا هشامِ الكوفيَّ الفقيهَ الأعمى. روى عن إِبراهيمَ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ ومُجاهدٍ وسِمَاكِ بنِ حَرْبٍ وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشُعْبَةُ والثَّوْرِيُّ وزائدةُ وغيرُهم، وَثَّقَه العِجْلِيُّ وابنُ مَعِين. وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ إلا أنه كان يُدَلِّسُ ولاسِيَّما عن إِبراهيم، من السادسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة على الصحيح. وغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا الأَثَرِ: الاستشهادُ لأَثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، وهذا السَّنَدُ من ثُلاثياته في الأثر، ورجالُه مَرْوَزِيٌّ وكوفيان. أي: سمعتُ المغيرةَ حالةَ كَوْنِه (يقولُ: لم يَكُنْ يَصْدُقُ) أي: لم يَقُلْ أَحَدٌ

стр. 236

على عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ إلا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ــ (عَلَى عَلِيٍّ ﵁ بن أبي طالب (في) روايةِ (الحديثِ) ونَقْلِه (عنه) أي: عن علي كلامًا صادقًا (إلَّا) شخصًا كان (من أصحاب عبد اللهِ بنِ مسعودٍ) ﵁ وملازميه وحَمَلَةِ حديثهِ؛ فإنهم يَرْوُون عن عليِّ بن أبي طالبٍ حديثًا صحيحًا، وغيرُهم يَكْذِبونَ عليه. قال النوويُّ: (وقولهُ: لا يَصْدُقُ" ضُبِطَ على وجهين: أحدهما: بفتحِ الياءِ وإِسكانِ الصاد وضَمِّ الدال. والثاني: بضمِّ الياء وفتحِ الصادِ والدالِ المُشَدَّدة ((١). وقولُه: (إلا مِنْ أصحابِ عبد الله) ضَبَطُوا (مِنْ) على وجهين: أحدهما: أنها لبيان الجنس الذي هو الفاعلُ المحذوفُ. والثاني: أنها زائدةٌ في الفاعل. والمعنى على الأول: لم يَصْدُقْ أحَدٌ على عليٍّ إلا مَنْ كان مِنْ أصحابِ عبد الله، وعلى الثاني: لم يَصْدُقْ على علي إلا أصحابُ عبد الله (٢). قال النوويُّ: (وخلاصةُ فِقْهِ هذه الآثار: أنه لا يُقْبَلُ روايةُ المجهول، وأنه يَجِبُ الاحتياطُ في نَقْلِ الحديثِ وأَخْذِه عمَّنْ رواه، فلا يُقْبَلُ إلَّا مِنْ أهلِه، وأنه لا ينبغي أنْ يُرْوَى عن الضعفاء) (٣)، وأنه يَجِبُ على الراوي أن يُنقي الحديثَ الصحيحَ من الضعيف، إِذا رواه من الكتابِ المختلطةِ أحاديثُه على مَنْ عَرَفَ التمييزَ بينها وصَلُحَ له. ***

стр. 237

(٧) بَابُ بيَانِ أَن الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكُونُ إلا عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأنَّهُ لَيسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ ــ (٧) باب بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذَّب عن الشريعة المكرمة (بابُ بيانِ أَنَّ الإسْنَادَ) أي: رَفْعَ الحديثِ إلى قائله (مِنْ) حِفْظِ (الدِّينِ) والشَّريعةِ. وعبارةُ "المفهم" هنا (١/ ١٢١ - ١٢٢): "أَنَّ الإِسنادَ من الدِّينِ" أي: من أُصُوله؛ لأنَّه لمَّا كان مرجعُ الدِّينِ إِلى الكتاب والسنةِ، والسُّنَّةُ لا تُؤْخَذُ عن كُلِّ أَحَدٍ .. تَعَيَّنَ النَّظَرُ في حالِ النَّقَلَةِ واتِّصَالِ روايتِهم، ولولا ذلك .. لاخْتَلَطَ الصادقُ بالكاذب، والحق بالباطل، ولمَّا وَجَبَ الفَرْقُ بينهما .. وَجَبَ النَّظَرُ في الأسانيد، وهذا الذي قاله ابنُ المبارك قد قاله أنسُ بن مالك وأبو هريرة ونافعٌ مولى ابن عُمَرَ وغيرُهم، وهو أمرٌ واضحُ الوجوبِ لا يُخْتَلَفُ فيه. وقال عقبةُ بن نافعِ لبَنِيه: يا بَنِيَّ؛ لا تَقْبَلُوا الحديثَ إلا من ثِقَةٍ. وقال ابنُ مَعِين: كان فيما أوصى به صُهَيبٌ بَنِيه أَنْ قال: يا بَنِيَّ؛ لا تَقْبَلُوا الحديثَ عن رسول الله ﷺ إلا من ثِقة. وقال ابنُ عَوْنٍ: لا تأخذوا العِلْمَ إلا ممن يُشْهَدُ له بالطلب. وقال سُلَيمان بن موسى: لا يُؤْخَذُ العِلْمُ من صَحَفِيٍّ (١) -وهو مَنْ يُخطئ في قراءة الصحيفة، ومَنْ يَعْتَمِدُ في رواياته على الصُّحُف دون الرجال (٢).

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال أيضًا: قلتُ لطاوسٍ: إِن فُلانًا حَدَّثَني بكذا وكذا، فقال: إِنْ كان مَلِيًّا (١) .. فخُذْ عنه) اهـ (وأَنَّ الروايةَ) أي: وبيانِ أَنَّ روايةَ الحديثِ ونَقْلَه (لا تكونُ إلَّا عن الثِّقاتِ) المُتْقِنين، جَمْعُ ثِقة، وهو عَدْلٌ موثوقٌ به في عِلْمِه وعَمَلِه. (وأَنَّ جَرْحَ الرُّواة) أي: وبيانِ أَن جَرْحَ رُوَاةِ الحديث وتَعْييبَهم وتنقيصَهم (بما) أي: بِشَيءٍ (هو) أي: ذلك الشيءُ موجودٌ (فيهم) أي: في أولئك الرُّواة من العيوب التي تُوجبُ رَدَّ حديثهم وعدمَ قبولِه كالوَضْعِ والكَذِبِ وسُوءِ الحِفْظ وكثرةِ الخطإ والغَفْلَةِ وقِلَّةِ الدِّيانة، مما هو معلومٌ عندهم.

стр. 239

٢٦١، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، ــ وقولُه: (جائزٌ) خبرُ أَنَّ؛ أي: حلالٌ لا حَرَامٌ، وإِنْ صَدَقَ عليه اسمُ الغِيبة التي هي: ذِكْرُ أخيه بما يَكْرَهُ؛ أي: أَنَّ بيانَ عيوبِهم لِيَحْتَرِزَ الناسُ عن حديثهم -لا بقَصْدِ تنقيصِهم وتعييبِهم وفضيحتِهم بين الناس- حلالٌ جائرٌ لا حَرَامٌ، (بل) هو (واجبٌ) أي: بَلْ بيانُ ما فيهم من أسباب الجَرْحِ بالقَصْدِ المذكورِ واجبٌ مُتَحَتِّمٌ على مَنْ عَرَفَ حالهم (و) بيانِ (أَنَّه) أي: أَن جَرْحهم وبيانَ ما فيهم من العيوب (ليس من) نوع (الغِيبةِ المُحَرَّمةِ) أي: الممنوعةِ بنَصِّ الكتابِ والسُّنَّةِ، (بل) ذلك الجَرْحُ وبيانُ ما فيهم من العيوب (من) نوع (الذَّبِّ) والدَّفع لِمَنْ يلعبُ بالشريعة ويُرِيدُ إِفسادَها بخَلْطِ ما ليس منها فيها (عن الشريعةِ المُكَرَّمَةِ) والسُّنَّةِ المُطَهَّرةِ، والمِلَّةِ المحفوظةِ برعاية الله إِلى يوم القيامة. وهذه الترجمةُ الطويلةُ -وهي ترجمة الإِمام النووي (١) وترجمة الإمام السَّنُوسي (٢) - مركبةٌ من أربعة أجزاء، لكُلٍّ منها يُطلب دليل من كلام المؤلِّف ﵀ . قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: [٢٦] (حَدَّثنَا حَسَنُ بن الرَّبيعِ) -بفتح الراء مُكَبَّرًا- البَجَلِيُّ أبو على الكوفي البُورَانِيُّ -بضم الموحدة- الحَصَّارُ الخَشَّابُ. روى عن مهدي بن ميمون وأبي الأحوص وأبي عَوَانة وحَمَّادِ بنِ زيدٍ وغيرِهم، ويروي عنه (خ م د) وعثمان الدارميُّ وعليٌّ البَغَويُّ و (ت س) بواسطة وغيرُهم. قال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة عشرين أو إِحدى وعشرين ومائة. قال: (حَدَّثنَا حَمَّادُ بن زَيدِ) بن دِرْهَم الأَزْدِي الجَهْضَمِيُّ أبو إِسماعيل البصريُّ. قال في "التقريب": قيل: إِنه كان ضريرًا، ولعلَّه طَرَأَ عليه؛ لأنه صَحَّ أنه كان يكتب، ثقةٌ ثَبْتٌ فقيةٌ، من كبار الثامنة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله إِحدى وثمانون سنة، يروي عنه (ع).

стр. 240

عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامِ، عَنْ مُحَمَّدٍ ــ (عن أيوبَ) بنِ أبي تَمِيمة كَيسان السَّخْتِياني العَنَزِيِّ البصريِّ الفقيه، أحدِ الأئمَّة الأعلام. روى عن عَمْرو بن سَلِمة وأبي عثمان النَّهْدِيِّ والحَسَنِ البصريِّ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وابنُ سيرين -وهو من شيوخه- والسُّفْيَانَانِ والحَمَّادانِ وغيرُهم، قال ابنُ عُلَيَّة: كُنَّا نقولُ: عنده ألفا حديثٍ. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ من كبار الفقهاء العُبَّاد، من الخامسة، مات سنة إِحدى وثلاثين ومائة. (وهشامٍ) أي: ابنِ حَسَّان بالجرِّ معطوف على (أيوبَ) أي: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيدٍ عن أيوبَ وهشامٍ كليهما؛ أي: وعن هشامِ بنِ حسَّانَ الأزدي القُرْدُوسي -بضمِّ القاف وسكون الراء وضم الدال المهملة نسبة إِلى القَراديس بَطْنٍ من الأزد، نزلُوا البصرة كما في "اللباب" (٣/ ٢٤) - أبي عبد الله البصريِّ، أَحَدِ الأئمَّة الأعلام. روى عن حفصة ومحمد وأنس أبناء سيرين والحَسَنِ البصريِّ وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وعكرمةُ بن عَمَّارٍ وشُعْبةُ وزائدةُ وغيرُهم. قال في "التقريب": ثقةٌ، من أَثْبَتِ الناسِ في ابن سيرين، وفي روايتهِ عن الحسن وعطاء مَقَالٌ؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمانٍ وأربعين ومائة. وفائدةُ هذه المقارنةِ: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأنَّ الراوَيينِ ثقتان، يَصْلُحُ تَفَرُّدُ كُل منهما بالرواية. كلاهما رويا (عن مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكرٍ البصريُّ، أَحَدُ الأعلام، إِمامُ وقته. روى عن مولاه أنسٍ وزيدِ بن ثابتٍ وعمرانَ بنِ حُصَيْنٍ وأبي هريرة وطائفةٍ من كبار التابعين، ويروي عنه (ع) والشَّعْبِيُّ وثابتٌ وقتادةُ وأيوبُ وغيرُهم. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ عابدٌ، من الثالثة، مات سنة عشرٍ ومائة. وهذا الإِسنادُ من رباعياته، كُلُّهم بصريون إلا حَسَنَ بنَ الرَّبِيع؛ فإنه كوفي.

стр. 241

وَحَدَّثَنَا فُضَيلٌ عَنْ هِشَامٍ، قَال: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَينٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ــ وقال حَسَنُ بن الرَّبِيع: (وحَدَّثنَا) أيضًا (فُضَيْلُ) بن عِيَاضٍ (عن هشامِ) بنِ حَسَّان القُرْدُوسي، عن محمد بن سِيرين، كما حَدَّثَنَا عنه حَمَّادُ بن زيدٍ عن محمد بن سِيرين، فهو معطوفٌ على قوله: (حَدَّثنا حَمَّادُ بن زَيدٍ). و(قال) الحَسَنُ بن الرَّبِيع -وفي بعض النُّسَخِ إِسقاطُ (قال) -: (وحَدَّثنَا مَخْلَدُ بن حُسَينٍ عن هشام عن مُحَمَّدِ بن سِيرينَ) كَمَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيدٍ عن هشامٍ عن مُحَمَّدٍ، فهو معطوفٌ أيضًا على (حَدَّثَنا حَمَّادُ بن زَيدٍ)، فجملةُ مَنْ رَوَى عن هشامٍ ثلاثةٌ: حَمَّادُ بن زَيدٍ، وفُضَيلُ بن عِيَاضٍ، ومَخْلَدُ بن حُسَينٍ، وأمَّا أيوبُ: فلم يَرْو عنه إِلَّا حَمَّادُ بن زَيد. وأمَّا فُضَيلٌ: فهو ابنُ عِيَاض بن مسعود بن بشْر التميمي اليَرْبُوعي، أبو على الخُراساني، أصلُه من خراسان، وسكن مكة، الزاهدُ المشهورُ، شيخُ الحَرَم، وأحدُ أئمَّة الهُدى والسُّنَّة. روى عن منصورٍ والأعمشِ وسُلَيمان التَّيمِيِّ، ويروي عنه (خ م دت س) والسُّفْيانانِ وابنُ المباركِ وخلائق. قال ابنُ المبارك: ما رأيتُ أَوْرَعَ من فُضَيل بن عِياض، وقال النَّسائيُّ: ثقة مأمونٌ، وقال ابنُ سَعْد: كان ثقةً فاضلًا نبيلًا عابدًا وَرِعًا كثيرَ الحديث. ومِنْ كلامِه: مَنْ خاف اللهَ .. لم يَضُرَّه أَحَدٌ، ومَنْ خافَ غيرَ اللهِ .. لم يَنْفَعْه أَحَدٌ. وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ إِمامٌ، من الثامنة، مات بمكة سنة سبعٍ وثمانين ومائة، وله ثمانون سنة. وأمَّا مَخْلَدٌ -بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة بينهنّ-: فهو ابنُ الحُسَينِ -بالضمّ مصغرًا- الأزديُّ المُهَلبِيُّ أبو محمد البصري. روى عن الأوزاعيّ وابنِ جُرَيجٍ وهشامِ بنِ حَسَّانَ وغيرِهم، ويروي عنه (من س) وابنُ المبارك وأبو إِسحاق الفزاري -وهما من أقرانه- والوليدُ بن مسلمٍ وطائفةٌ، وَثَّقَه العِجْلِيُّ.

стр. 242

قَال: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُونَ دِينَكُمْ. [٢٧] حَدَّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من كبار التاسعة، مات سنة إِحدى وتسعين ومائة. (قال) محمدُ بن سِيرين: (إِن هذا العِلْمَ) الحاضرَ بيننا، يعني علمَ الحديثِ روايةً (دِينٌ) أي: مَأخَذُ دِينِ الإِسلامِ وحُجَجُه ودلائلُه وبراهينُه ومُستنبطُه (فانْظُرُوا) وابْحَثُوا (عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينكُمْ) أي: فابْحَثُوا عن أحوال مَنْ تأخذون أدِلَّةَ دِينِكم وحُجَجَه منه هل هو ثقةٌ أم لا؟ فإنْ كان ثقةً .. فخُذُوا عنه، وإِلَّا .. فاطْرَحُوه وارْمُوه بالجدار واجعلوه وراءكم ظِهْرِيًّا؛ لأن هذا الدِّينَ أمانةٌ، والأمانةُ إِنما تُؤْخَذُ من أهلها. وغَرَضُ المؤلِّفِ بذِكْر هذا الأَثَرِ: الاستدلالُ على أَنَّ الروايةَ لا تكون إلا من الثِّقات (١). ثم ذَكَرَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثرِ ابنِ سيرين فقال: [٢٧] (حَدَّثنَا أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بن الصَّباحِ) الدُّولابيُّ مولدًا، الرازيُّ مسكنًا، ثم البغداديُّ البَزَّاز، صاحبُ السُّنَن. روى عن شَرِيك وأبي الأحوص وابن المبارك وهُشَيم وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وابنُ مَعِين، ووَثَّقَه هو والعِجْلِيُّ. وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من العاشرة، مات سنة سبعٍ وعشرين ومائتين. قال: (حَدَّثنَا إِسماعيلُ بن زكرياءَ) بن مُرَّة الخُلْقَاني -بضمِّ الخاء المعجمة وفتح القاف بعد اللام الساكنة وآخره نون، نسبة إِلى بيع الخُلْقان جَمْع خَلَق من الثياب

стр. 243

عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَال: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلونَ عَنِ الإِسْنَادِ، ــ وغيرها كما في "الأنساب" (٥/ ١٧٩) - الأسدي الكوفي أبو زياد، لَقَبُه: شَقُوصا بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة. روى عن عاصم الأحول ومحمد بن سُوقة وعُبَيد الله بن عُمر، ويروي عنه (ع) ومحمد بن الصبَّاح وأبو الرَّبيعِ الزَّهْراني، وقال أحمد: ما به بأس. وقال في "التقريب": صدوقٌ يُخطِئُ قليلًا، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومائة، وقيل: قبلها. (عن عاصمِ) بنِ سُلَيمانَ (الأحولِ) أبي عبد الرحمن البصري التميمي مولاهم، الحافظ. روى عن أنس وعبد الله بن سَرْجِس والشَّعْبي وأبي عثمان النَّهْدِيّ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وقتادة وحَمَّاد بن زَيد وإسماعيل بن زكرياء وغيرُهم، قال ابنُ المَدِيني: له نحو مئةٍ وخمسين حديثًا، وَوَثَّقَه ابنُ مَعِين وأبو زُرْعة، قال أحمدُ: ثقةٌ من الحُفَّاظ. وقال ابنُ سَعْد: مات سنة إِحدى أو اثنتين وأربعين ومائة. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الرابعة، لم يَتكَلَّمْ فيه إِلا القطَّان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية. (عن) محمدِ (ابن سيرين) الأنصاري مولاهم، الحافظ البصري، تقدَّمت ترجمتهُ آنفًا. وهذا السَّنَدُ من رباعياته، وفيه روايةُ بغدادي عن كوفي عن بصري عن بصري، ومن لطائفه: أَنَّ فيه روايةَ تابعيٍّ عن تابعي، وبصريٍّ عن بصري، وغَرَضُه بسَوْقِ هذا السند: بيانُ متابعة عاصمٍ الأحول لهشامٍ وأيوبَ في رواية هذا الأَثَرِ عن محمد بن سيرين، وأمَّا تكرار مَتْنِه: فلِمَا في الرواية الثانية من المخالفة للرواية الأُولى في مُعْظَم الألفاظ، فلا اعتراضَ على المؤلِّف في تكرار هذا الأَثَرِ مَتْنًا وسَنَدًا؛ لأنه كان لغَرَض. (قال) مُحَمَّدُ بن سيرين: (لم يكونوا) أي: لم يَكُن السَّلَفُ الصالحُ من الصحابة والتابعين (يسألون) وَيبْحَثُون (عن الإسنادِ) أي: عن إِسنادِ الحديثِ

стр. 244

فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ .. قَالُوا: سَمُّوا لنا رِجَالكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَمؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وينْظَرُ إِلَن أَهْلِ الْبِدَعِ ــ ويُفَتِّشُون عن رجالهِ ورُواتِه هل هم من الثقات أم من الضعفاء؟ فيقبلون الحديثَ عَمَّن رواه، ولا يقولون له: مَنْ رواه لك؟ حتى كَثُرَت البدعةُ وانتشر أهلُها من الروافضِ والشِّيعةِ ومن المُرْجئة والقَدَرِيَّة. وعبارةُ القرطبي هنا: (قولُه: "لم يَكُونُوا يَسْأَلُون عن الإِسْنَادِ" يعني بذلك: مَنْ أَدْرَكَ من الصحابةِ وكُبراء التابعين. أمَّا الصحابةُ: فلا فَرْقَ بين إِسنادِهم وإِرسالِهم؛ إِذِ الكُلُّ عُدُولٌ على مذهب أهل الحقّ، كما أوضحناه في الأُصول، وكذلك كُلُّ مَنْ خَالفَ في قَبُولِ مراسيلِ غيرِ الصحابةِ .. وَافَقَ على قبول مراسيل الصحابة. وأمَّا كُبَراءُ التابعين ومُتَقَدِّمُوهم: فالظاهرُ مِنْ حالهم أنهم يُحَدِّثُون عن الصحابة إِذا أرسلوا .. فتُقْبَلُ مراسيلُهم، ولا ينبغي أنْ يُخْتَلَفَ فيها؛ لأن المسكوت عنه صحابيٌّ، وهم عُدُولٌ، وهؤلاء التابعون هُمْ كعُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ وسعيدِ بنِ المُسَيّب ونافعٍ مولى ابنِ عُمَرَ ومحمدِ بنِ سيرين وغيرِهم ممَّنْ هو في طبقتهم. وأمَّا مَنْ تأَخَّرَ عنهم ممَّن حَدَّثَ عن مُتَأخّري الصحابة وعن التابعين .. فذلك مَحَلُّ الخلاف، والصوابُ: قبولُ المراسيلِ إِذا كان المُرْسِلُ مشهورَ المَذْهَب في الجَرْح والتعديل، وكان لا يُحَدِّثُ إلا عن العُدُولِ كما أوضحناه في الأُصول) اهـ (١). (فلَمَّا وَقَعَتِ الفتنةُ) وانتشرت البدعةُ وكَثُرَ أهلُها ( .. قالوا) أي: السَّلَفُ الصالحُ مِنْ أهلِ السُّنَّة لكُلِّ مَنْ يروي لهم الحديثَ: (سَمُّوا لنا رِجَالكُمْ) أي: اذْكُرُوا لنا أسماءَ رِجالِكم الذين حَدَّثُوكم هذا الحديثَ وأخذتموه منهم؛ لنَعْرِفَ هل هم من الثِّقاتِ فنأخذَ حديثَهم؟ أو من الضُّعفاءِ فلا نَغْتَرَّ بحديثِهم؟ وهذا معنى قوله: (فيُنْظَرُ إلى) أنهم مِنْ (أهلِ السُّنَّة) والجماعةِ (فيُؤْخَذُ) ويُقْبَلُ حينئذٍ (حديثُهم) ويُعْمَلُ به، (وينْظَرُ إلى) أَنَّهم مِنْ (أهلِ البِدَعِ) والضَّلالةِ من الروافضِ والشِّيعةِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ،

стр. 245

فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ. [٢٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، ــ وهي لُغةً: كُلُّ ما ابْتُدِعَ واخْتُرعَ على غيرِ مثالٍ سابق، واصطلاحًا: كُلُّ ما اسْتُحْدِثَ بعد النبيِّ ﷺ وبعد الخلفاءِ الراشدين في أمورِ الدِّين، ممَّا لا يَنْطَبِقُ عليه قواعدُ الشَّرْعِ وأَدِلَّته، (فـ) ـإنْ كانوا من أهل البدَع والخُرافات فـ (ـلا يُؤْخَذُ حديثُهم) أي: لا يُقْبَلُ منهم ولا يُعْمَلُ به في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية؛ لأنهم ليسوا من أهل الحديث، لعدم أمانتهم وثقَتِهم فيما حَدَّثُوه (١). وعبارةُ "المفهم" هنا (١/ ١٢٢ - ١٢٣): (قوله: "فلمَّا وَقَعَتِ الفتنةُ .. قالوا: سَمُّوا لنا رِجالكم" هذه الفتنةُ يعني بها -واللهُ أعلمُ- فتنةَ قَتْلِ عثمان وفتنةَ خُروجِ الخَوَارِجِ على عليٍّ ومعاوية؛ فإنهم كَفَّرُوهما حتى استحلُّوا الدماءَ والأموال، وقد اختُلف في تكفير هؤلاء، ولا يُشَكُّ في أَنَّ مَنْ كَفَّرَهم .. لم يَقْبَلْ حديثَهم، ومَنْ لم يُكَفِّرْهم .. اختلَفوا في قبول حديثِهم، كما بيَّناه فيما تقدَّم. فيعني بذلك -والله أعلمُ- أَنَّ قتَلَةَ عُثمان والخوارجَ لمَّا كانوا فُسَّاقًا قَطْعًا واخْتَلَطَتْ أخبارُهم بأخبارِ مَنْ لم يكن منهم .. وَجَبَ أنْ يُبْحَثَ عن أخبارِهم فتُرَدّ، وعن أخبارِ غيرِهم ممَّنْ ليس منهم فتُقبل، ثم يجري الحُكْمُ من غيرهم من أهل البدَع كذلك، ولا يَظُنُّ أحَدٌ له فَهْمٌ أنه يعني بـ (الفتنة) فتنة عليّ وعائشة ومعاوية؛ إِذ لا يَصِحُّ أن يُقال في أَحَدٍ منهم: مُبْتَدِعٌ ولا فاسقٌ، بل كُل منهم مُجْتَهِدٌ عَمِلَ على حَسَبِ ظَنِّه، وهُمْ في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة، وهي: أَنَّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ ماجورٌ غيرُ مأثوم، على ما مَهَّدْناه في الأصول) اهـ ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لأَثَرِ ابن سيرين بأَثَرِ طاوس رحمهما الله تعالى فقال: [٢٨] (حَدَّثنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ) بنِ مَخْلَدٍ (٢) (الحَنْظَلِيُّ) أبو يعقوب بن رَاهُويَه (٣)

стр. 246

أَخْبَرَنَا عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- ــ المَرْوَزِيّ، الإِمام الفقيه الحافظ عالِمُ خُراسان، واشْتَهَرَ بـ (ابن رَاهُوْيَه) ومعناه: المولودُ في الطريق؛ لأنَّ أباه وُلدَ في طريق مكة. قال الخَفَّافُ: أَمْلَى علينا أَحدَ عَشَرَ ألفَ حديثٍ من حِفْظه، ثم قرأها -يعني من كتابه- فما زَادَ ولا نَقَصَ. روى عن مُعْتَمِرِ بنِ سُلَيمان والدَّرَاوَرْدِيِّ وابنِ عُيَينَةَ وغيرِهم من أهل الحِجاز والشام والعراق وخُراسان، ويروي عنه (خ م د ت س)، وقال النَّسائيُّ ثقةٌ مأمونٌ أحدُ الأئمَّةِ الأعلام، وقال أحمدُ: لا أعلمُ لإِسحاقَ نظيرًا، إِسحاقُ عندنا من أئمَّة المسلمين، وإذا حَدَّثَك أبو يعقوب أميرُ المؤمنين .. فتَمَسَّكْ به. وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قَرِينُ أحمد بن حنبل، ذَكَرَ أبو داود أنه تَغَيَّرَ قبل موته بيسير، مات سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، وله سبعٌ وسبعون سنة. قال إِسحاقُ بن إِبراهيم: (أخبرنا عيسى) بلا ذِكْر نِسْبَتِه، ثم قال الإِمامُ مسلمٌ المؤلِّفُ: (وهو) أي: عيسى الذي أَخْبَرَ لنا عنه إِسحاقُ هو: عيسى (ابنُ يونسَ) ابنِ أبي إِسحاق السَّبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة أخو إِسرائيل أبو عَمْرٍو الكوفيُّ، أحدُ الأئمَّة الأعلامَ.

стр. 247

حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، ــ أَتَى المؤلِّفُ بـ (هُوَ) إِشعارًا بأنَّ هذه النِّسْبَةَ لم يَسْمَعْها من شيخِه إِسحاقَ، بل إِنما أَتَى بها من عند نفسِه إِيضاحًا للراوي، وتَوَرُّعًا من الكذب على شيخه، كما مَرَّ في مبحث (يعني). روى عيسى عن أبيه وأخيه إِسرائيل، وإسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وحَمَّادُ بن سلمة -وهو أكبرُ منه- وابنُ وَهْبِ وابنُ المَدِيني وعليُّ بن حُجْر، وَثَّقَه أبو حاتم، وقال ابنُ المَدِيني: بخ بخ ثقةٌ مأمونٌ. جاء يومًا إِلى ابن عُيَينة فقال: مرحبًا بالفقيهِ ابنِ الفقيه ابنِ الفقيه. وقال في "التقريب": ثقة مأمونٌ، من الثامنة، مات سنة إِحدى وتسعين ومائة، وقيل: سنة سبعٍ وثمانين ومائة. قال: (حَدَّثنَا) عبدُ الرحمنِ بن عَمْرٍو (الأوزاعيُّ) أبو عَمْرٍو الشاميُّ، الإمام العلم الفقيه، قال النوويُّ: (إِمامُ أهلِ الشام في زمانه بلا مُدافعة ولا مُخالفة، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس - الفاء أخت القاف- ثم تَحَوَّلَ إِلى بيروت فسَكَنَها مُرابطًا إِلى أن مات بها. وقد انعقد الإجماعُ على إِمامتِه وجلالتِه وعُلُوِّ مرتبته وكمالِ فضيلته، وأقاويلُ السلف كثيرةٌ مشهورةٌ في وَرَعِه وزُهْدِه وعبادتهِ، وقيامِه بالحقّ، وكثرةِ حديثهِ وفقْهِه وفصاحتهِ واتباعه للسُّنَّة، وإِجلالِ أعيان أئمّة زمانه من جميع الأقطارِ له، واعترافِهم بمَزِيَّتِه، ورُوِّينا من غيرِ وَجْهٍ أنه أفتى في سبعين ألفَ مسألة. رَوَى عن كبار التابعين عطاءٍ وابنِ سيرين وقتادةَ ونافعٍ وخَلقٍ، ويروي عنه "ع" ويحيى بن أبي كثيرٍ وقتادةُ والزُّهرِيُّ وهُمْ من مشايخه، وهُمْ من التابعين وليس هو من التابعين، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر) اهـ (١). وقال في "التقريب": ثقةٌ جليلٌ، من السابعة، وقال ابنُ سَعْد: كان ثقةً مأمونًا فاضلًا، كثيرَ الحديثِ والعلمِ والفِقْه، وقال إِسحاقُ: إِذا اجتمعَ الأوزاغيُّ والثوريُّ ومالكٌ على الأَمْرِ .. فهو سُنَّة. مات في الحَمَّام سنة سبع وخمسين ومائة.

стр. 248

عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُوسَى قَال: لَقِيتُ طَاوُوسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلان كَيتَ وَكَيتَ، قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا ــ قال النوويُّ: (واخْتَلَفُوا في الأوْزاع التي نُسِبَ إِليها، فقيل: بَطْن مِن حِمْيَر، وقيل: قريةٌ كانتْ عند باب الفراديس من دمشق، وقيل: من أَوْزَاعِ القبائل؛ أي: فِرَقِهم وبقايا مجتمعة من قبائل شَتى. وقال أبو زُرْعة الدمشقي: كان اسمُ الأوزاعي عبدَ العزيزِ فسَمى نفسَه عبدَ الرحمن، وكان ينزل الأوزاعَ فغَلَبَ عليه ذلك، وقال مُحَمدُ بن سَعْد: الأوزاع بَطنٌ من هَمْدان، والأوزاعي من أنفسهم، والله أعلم) اهـ (١). (عن سُلَيمَانَ بنِ موسى) الأموي أبي أيوب الدمشقي الأَشْدَق، أحدِ الأئمة. روى عن جابرٍ مرسلا وطاوسِ وعطاءِ وكُرَيب وغيرِهم، ويروي عنه (من عم) وابنُ جُرَيجِ والأوزاعي وخَلْق. وقال في "التقريب": صدوقٌ فقيهٌ، في حديثه بعض لين وخَلَّط قبل موته بقليل، من الخامسة، وقال ابنُ سَعْدٍ: مات سنة تسع عشرة ومائة. (قال) سُلَيمانُ: (لَقِيتُ) أنا ورأيتُ (طاوسًا) هو ابنُ كَيسان اليماني الحِمْيَرِيُّ مولاهم الفارسي من الثالثة، مات سنة ست ومائة، (فقلتُ) لطاوسٍ: (حَدَّثَنِي فلانٌ) كنايةً عن رجلٍ مُبْهَمٍ (كَيتَ وكَيتَ) اسم مُبْهَمٌ بمعنى كذا وكذا في محل النصبِ مفعولٌ ثانٍ لحدثني مبني على فتح الجزأين؛ لتركبه تركيب خمسة عشر، (وهما بفتحِ التاء وكسرِها لُغَتان نَقَلَهما الجوهري في "صحاحه" عن أبي عبيدة) (٢). (قال) لي طاوسٌ: (إنْ كان صَاحِبك) أي: راويك ومُحَدِّثُك الذي حَدثَكَ الحديثَ (مَلِيًّا) (٣) أي: غَنِيًّا في الحديث، قال النووي: (يعني ثقةَ ضابطًا مُتْقِنًا،

стр. 249

فَخُذْ عَنْهُ. [٢٩] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّد الدِّمَشْقِيَّ- ــ يُوثَقُ بدِينهِ ومعرفتهِ، ويُعْتَمَدُ عليه في الحديث كما يُعْتَمَدُ على المَلِيِّ بالمال في معاملتهِ على ما في الذِّمَّةِ ثقةً بذِمتِه) (١) ( .. فخُذْ عنه) أي: فاقْبَلْ منه حديثَه وارْو عنه؛ لأنه كان من أهل الحديث ومِنْ حَمَلَتِه فَيُرْوَى عنه، وإِلا .. فَارْمِ حديثَه وراءَك ظِهْرِيًّا. وغَرَضُ المؤلفِ بسَوْقِ هذا الأثرِ: الاستشهادُ به لأثرِ ابنِ سيرين الذي اسْتَدَل به أولًا، وهذا السنَدُ من خُماسياته، ومن لطائفه: أَن فيه روايةَ مروزي، عن كوفي، عن شامي، عن دمشقي، عن يماني، ورجالُه كُلهم ثقاتٌ، إِلَّا سُلَيمان بن موسى، فإنه صَدُوق. ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثَرِ طاوسٍ فقال: [٢٩] (وَحَدَّثنا عبدُ الله بن عبد الرحمنِ) بنِ الفَضْلِ بنِ مِهْران أو بَهْرَام (الدَّارِمي) نسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة أحدِ أجداده، أبو محمد السمرقندي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب "المسند" و"التفسير" و"الجامع". روى عن يَزِيد بن هارون، ومروان بن محمد الدمشقي، ويعلي بن عبيد، وجعفر بن عون وجماعة، ويروي عنه (م د ت) والبخاريّ في غير الصحيح، إمام أهل زمانه. وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ متقِنٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة. قال: (أخبرنا مروان) قال الإمامُ مسلمٌ: (يعني) أي: يَقْصِدُ شيخي عبدُ الله حين قال لنا: (أخبرنا مروانُ) مروانَ (بنَ مُحَمَّدِ) بنِ حَسَّان (الدمشقيَّ) الطَاطَري بمهملتين مفتوحتين -قال الطبراني: كُل مَنْ يبيعُ الكرابيسَ بدمشق، يُقال له: الطاطَري- أبو بكرٍ الأسدي.

стр. 250

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُوسَى قَال: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: إِنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا .. فَخُذْ عَنْهُ ــ روى عن سعيد بنِ عبد العزيز ومالكٍ والليث وسُلَيمانَ بنِ بلالٍ وسعيدِ بن بشير وغيرِهم، ويروي عنه (م عم) وسلمةُ بن شَبيبٍ وغيرُهم، وثَّقَهُ أبو حاتم. وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، قال البُخَارِيُّ: مات سنة عشرٍ ومائتين. (حَدَّثنَا سعيدُ بن عبد العزيزِ) التَّنُوخي أبو محمد الدمشقي. روى عن مكحولٍ ونافعٍ والزهْرِي وخَلْقٍ، ويروي عنه (م عم) وشُعْبةُ والثوْرِيُّ وكلاهما من أقرانه وخَلْق، وثقَهُ ابنُ مَعِين وأبو حاتم والنسائي، وقال الحاكم: هو لأهل الشام كمالكٍ لأهل المدينة. وقال في "التقريب": ثقةٌ إمام، سواهُ أحمدُ بالأوزاعي، وقَدمَه أبو مُسْهِرٍ، لكنه اخْتَلَط في آخر عمره، من السابعة، مات سنة سبعٍ وستين ومائة، وقيل: بعدها. (عن سلَيمَانَ بنِ موسى) الأموي الدمشقي، (قال) سُلَيمَانُ بن موسى: (قلتُ لطاوسِ) بنِ كَيسَان اليَمَانِي الحِمْيَرِي مولاهم، الفارسى، وهذا السنَدُ من خُماسياته: ثلاثة منهم دمشقيون، وواحدٌ سمرقندي، وواحدٌ يماني، وغَرَضُه بسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعةِ سعيد بن عبد العزيز للأوزاعي في رواية هذا الأثرِ عن سُلَيمان بن موسى، وكررَ مَتْنَ الأثر لما في الرواية الثانية من المخالفة للرواية الأُولى في بعض الكلمات، فلا اعْتِرَاضَ على المؤلف في تَكْرَارِهِ الأثرَ مَتْنًا وَسَنَدًا؛ لما فيه من الغَرَضِ. (إن فُلانا) كناية عن رجلٍ مُبْهَم (حَدَّثَني بـ) حديثِ (كذا وكذا) كناية عن لفظِ الحديثِ المُبْهَمِ (قال) طاوسٌ: (إنْ كان صاحِبُكَ) الذي حَدثَكَ (مَلِيًّا) أي: غَنِيًّا في الحديث، بأن كان ثِقةً حافظًا مُتْقِنًا ( .. فَخُذْ عنه) أي: فاقْبَلْ منه حديثَه الذي رواه، وارْو عنه؛ فإنه حديث صحيح، وإلا .. فارْمِ [به] وراءَك ظِهْرِيًا. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيا لأثَرِ ابن سيرين بأثَرِ أبي الزناد فقال:
следующие страницы →