Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
كَذَا وَكَذَا. وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَم. لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْكِرَ. وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشيَاءَ لَا أَرَاهَا هاهُنَا.
قَال فَلَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ.
٣٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ؛
ــ
عن الأسماء المبهمة كأن يقال له هل عملت يوم كذا وشهر كذا (كذا وكذا) في مكان كذا وكذا، وقوله (وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا) توكيد لفظي لما قبله (فيقول) الرجل (نعم) عملته لأنه (لا يستطيع أن ينكر) عمله لشهادة أعضائه عليه (وهو) أي فيقول نعم والحال أنه (مشفق) أي خائف (من كبار ذنوبه أن تعرض) وتظهر (عليه فيقال له فإن لك مكان) أي بدل (كل سيئة) من صغار ذنوبك (حسنة فيقول) ذلك الرجل بعد معرفة نجاته يا (رب قد عملت) وارتكبت (أشياء) كثيرة (لا أراها) الآن ولا أبصرها (هاهنا) أي في موقف المحاسبة ومعرض المناقشة استكثارًا منه لفضل الله تعالى ولكثير حسناته إذ علم أنه لا يؤاخذ بسيئة وأنها تبدل له بحسنات (قال) أبو ذر (فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك) أي تبسم (حتى بدت) وظهرت (نواجذه) أي أنيابه تعجبًا من حال الرجل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي فقط، رواه في باب صفة جهنم وقال: حسن صحيح.
ثم ذكر المتابعة في حديث أبي ذر ﵁ فقال:
٣٦٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) العبسي الكوفي قال (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، قال (حدثنا وكيع) بن الجراح (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، قال (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الكوفي، وأتى بحاء التحويل في الموضعين لاختلاف مشايخ
стр. 1822
كِلاهُمَا عَنِ الأعمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
ــ
مشايخه (كلاهما) أي كل من وكيع وأبي معاوية (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع، والإشارة راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع أي روى كل منهما عن الأعمش عن المعرور عن أبي ذر.
وهذه الأسانيد الثلاثة كلها من خماسياته ورجاله كلهم كوفيون إلا أبا ذر فإنه مدني، وغرضه بسوقها بيان متابعة أبي معاوية ووكيع لعبد الله بن نمير في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أبي ذر وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 1823
١٠٠ - (٥) باب انطفاء نور المنافقين على الصراط ونجاة المؤمنين على اختلاف أحوالهم والإذن في الشفاعة وإخراج من قال لا إله إلا الله من النار
٣٦٦ - (١٧٠) (٦) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ؛ كِلاهُمَا عَنْ رَوْحٍ. قَال عُبَيدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيسِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ جُرَيجٍ قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛
ــ
١٠٠ - (٥) باب انطفاء نور المنافقين على الصراط ونجاة المؤمنين على اختلاف أحوالهم والإذن في الشفاعة وإخراج من قال لا إله إلا الله من النار
٣٦٦ - (١٧٠) (٦) (حدثنا عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم أبو قدامة السرخسي نزيل نيسابور ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤١) روى عنه في (٨) أبواب (وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي أبو يعقوب النيسابوري ثقة ثبت من الحادية عشرة مات سنة (٢٥١) روى عنه في (١٧) بابًا تقريبًا (كلاهما عن روح) بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي أبي محمد البصري، روى عن ابن جريج وشعبة وزكرياء بن إسحاق ومالك بن أنس وعبيد الله بن الأخنس وحماد بن سلمة وحسين المعَلِّم وسعيد بن أبي عروبة وخلق، ويروي عنه (ع) وعبيد الله بن سعيد وإسحاق بن منصور وزهير بن حرب ومحمد بن أبي خلف ومحمد بن عبد الله بن نمير وحجاج بن الشاعر ويحيى بن حبيب وجماعة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والصوم في أربعة مواضع والجنائز والحج في ثلاثة مواضع والضحايا والرحمة واللباس وسن النبي ﷺ والأشربة في موضعين والجهاد وصفة النار والفتن فجملة الأبواب التي روى عنه فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال عبيد الله حدثنا روح ابن عبادة القيسي) تورعًا من الكذب على عبيد الله لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أنه روى بالعنعنة كإسحاق ولم يذكر النسبة، وقال في التقريب: ثقة فاضل له تصانيف من التاسعة مات سنة (٢٠٧) قال (حدثنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أبو الوليد المكي ثقة فقيه من السادسة مات سنة (١٥٠) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (قال) ابن جريج (أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي صدوق من الرابعة إلا أنه يدلس من الرابعة مات سنة (١٢٦)
стр. 1824
أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ، فَقَال: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَي ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ. قَال: (فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: "مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ لَهُ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ"
ــ
روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا (أنه) أي أن أبا الزبير (سمع جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نيسابوري حالة كون جابر (يسأل عن الورود) أي عن معنى الورود المذكور في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١] (فقال) جابر (نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق الناس قال) اتفق العلماء والشُرَّاح على أن هذا الكلام كله تصحيف وتغيير من النُّساخ وصوابه (سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال) جابر للسائلين له (نجيء نحن) معاشر الأمة المحمدية (يوم القيامة) حالة كوننا (على كَوْمٍ) أي على محل مرتفع (فوق الناس) أي فوق سائر الأمم، والكوْمُ بفتح الكاف على ما ذكره ابن الأثير المواضع المشرفة واحدها كومة، قالوا: فكان الراوي أظلم عليه هذا الحرف فعبر عنه بكذا وكذا وفسره بقوله أي فوق الناس وكتب عليه انظر تنبيهًا فجمع النَّقلة الكُلّ ونسقوه على أنه من متن الحديث كما تراه. اهـ وليس كذلك والصواب كما قلنا هكذا (فقال نحن يوم القيامة على كوم) أي على تَلٍّ مرتفع (فتُدعى الأمم) العابدة غير الله سبحانه (بأوثانها) أي تُنادى بأوثانها وأصنامها فيقال: يا عُباد اللات ويا عُباد العزى مثلًا (و) تُنادى بـ (ـما كانت تعبد) هـ من دون الله تعالى كان يقال يا عُباد العزير ويا عُباد المسيح ويا عُباد الملائكة ويا عُباد الشمس ويا عُباد الكواكب مثلًا، وقوله (الأول فالأول) عطف بيان من الأمم أو بدل منه أو صفة له أي يُدعى الأول والأسبق منها في الدنيا كأمة نوح وأمة إبراهيم وأمة موسى وعيسى مثلًا، فالأول أيضًا على الترتيب الزماني في الدنيا (ثم يأتينا ربنا بعد ذلك) أي بعد ذهاب الأمم مع معبوداتها إلى النار (فيقول) لنا قد ذهبت سائر الأمم مع معبوداتها فـ (ـمن تنظرون) أي فمن تنتظرونه (فيقولون) له نحن (ننظر ربنا) أي ننتظر ربنا (فيقول) سبحانه (أنا ربكم فيقولون له) لا نقبل كونك ربنا (حتى ننظر إليك) أي حتى نراك وننظر إلى وجهك المقدس (فيتجلى لهم) أي يظهر لهم ويرفع الحجاب عنهم والحال أنه (يضحك) بهم، والضحك
стр. 1825
قَال: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ؛ مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ
ــ
صفة ثابتة لله نعتقده ولا نمثله، وقيل المعنى يظهر لهم وهو راض عنهم (قال) جابر (فينطلق) الرب (بهم) إلى موقف المحاسبة أو إلى جهة الصراط أي يأمر الملك بالذهاب بهم (ويتبعونه) إلى موقف المحاسبة (ويُعطى كل إنسان منهم) سواء كان من (منافق أو مؤمن نورًا) يستضيئون به على ظلمات الصراط، قال القاضي عياض: وذلك في المنافق بظاهر إيمانه الذي دخل بسببه في جملة المؤمنين كما يُحشرون غُرًا محجلين حتى يُفتضحوا بإطفاء النور وتساقطهم على الصراط وكما يُصدّون عن الحوض ويُطردون ذات الشمال ومعنى (ويتبعونه) أي يتبعون أمره. اهـ (ثم يتبعونه) إلى جهة الصراط (وعلى جسر جهنم) أي وعلى جانبي الصراط الذي هو جسر جهنم وقنطرته (كللاليب وحَسَكٌ) تطلع من قعر جهنم (تأخذ) أي تخطف (من شاء الله) خطفه وترميه إلى قعر جهنم.
قال القاضي: ثم إن هذا الحديث جاء كله من كلام جابر موقوفًا عليه وليس هذا من شرط مسلم رحمه الله تعالى إذ ليس فيه ذكر النبي ﷺ وإنما ذكره مسلم وأدخله في المسند لأنه رُويَ مسندًا من غير هذا الطريق فذكر ابن أبي خيثمة عن ابن جريج يرفعه بعد قوله يضحك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فينطلق بهم، وقد نبه على هذا مسلم بعد هذا في حديث ابن أبي شيبة وغيره في الشفاعة وإخراج من يُخرج من النار، وذكر إسناده وسماعه من النبي ﷺ بمعنى بعض ما في هذا الحديث والله أعلم. اهـ.
(ثم يطفأ نور المنافقين) بفتح الياء على صيغة المعلوم أي ينطفأ وبضمها على صيغة المجهول أي يُطفؤه الله تعالى فيتساقطون ويهلكون في جهنم (ثم ينجو المؤمنون) أي يمرون على الصراط ناجين من نار جهنم على اختلاف نور وجوههم (فتنجو أول زمرة) أي جماعة منهم (وجوههم) أي حالة كون وجوههم (كالقمر ليلة البدر) أي ليلة أربعة عشر في الإضاءة والجمال وهم (سبعون ألفًا لا يُحاسبون) على أعمالهم (ثم) ينجو
стр. 1826
الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَءِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ, ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مِنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيهِمُ الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيءِ فِي السَّيلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ
ــ
(الذين يلونهم) حالة كونهم (كأضوء نجم في السماء) أي كأشدها وأكثرها ضوءًا ونورًا (ثم) يمر الذين يلونهم (كذلك) أي مختلفين في السرعة والضياء بعضهم كالبرق الخاطف وبعضهم كالريح المرسلة وبعضهم كجواد الفرس وبعضهم كشديد العَدْو من الرجال (ثم تحل الشفاعة) للشافعين (ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله) مع عديلتها محمد رسول الله (وكان في قلبه من الخير) زائدًا على مجرد الإيمان كالحب في الله والبغض في الله (ما يزن شعيرة) أي حبة واحدة من حبوب الشعير القوت المعروف (فيُجعلون) أي فيُجعل أولئك المُخرجون (بفِناء الجنة) أي قدامه وأمامه وفِناء الدار بكسر الفاء الفضاء الذي كان قدامه (ويُجْعل أهل الجنة) جعل هنا من أفعال الشروع أَي ويشرع أهل الجنة (يرشون) أي يصبون (عليهم) صبًا خفيفًا (الماء) أي ماء الحياة الذي قدام باب الجنة فَأَلْ للعهد (حتى ينبتوا) نباتًا سريعًا كـ (ـنبات الشيء) من الحِبَّة (في) حميل (السيل) وغُثائه، قال النواوي قوله (نبات الشيء) هكذا هو في جميع الأصول الموجودة ببلادنا (نبات الشيء) وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين وعن بعض رواة مسلم (نبات الدِّمْنِ) بكسر الدال وسكون الميم، وهذه الرواية هي الموجودة في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق وكلاهما صحيح لكن الأول هو المشهور الظاهر وهو بمعنى الروايات السابقة (نبات الحبة في حميل السيل) وأما نبات الدمن فمعناها أيضًا كذلك، فإن الدمن البعر والتقدير نبات المحل ذي الدمن في السيل أي كما ينبت الشيء الحاصل في البعر والغثاء الموجود في أطراف النهر، والمراد التشبيه به في السرعة والنضارة، وأشار صاحب المطالع إلى تصحيح هذه الرواية حيث قال: وعندي رواية صحيحة ومعناه سرعة نبات الدمن مع ضعف ما ينبت فيه وحسن منظره والله أعلم. اهـ منه. (ويذهب حُرَاقُه) بضم الحاء وتخفيف الراء، والضمير في حراقه يعود على المُخرج من النار وعليه يعود أيضًا الضمير في قوله ثم يسأل، ومعنى حراقه أثر النار أي ويذهب عنه بعد صب الماء عليه أثر حرق النار إياه من سواد الجسم وتغيره بالنار (ثم يسأل) ذلك المُخرج من النار من صنوف نعيم الجنة فيُعطى ثم يُعطى ثم يُعطى (حتى تُجعل) وتُعطى
стр. 1827
لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا.
٣٦٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ
عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأُذُنِهِ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ".
٣٦٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، قَال: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ "إِن اللهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشفَاعَةِ؟ " قَال: نَعَمْ
ــ
(له الدنيا) أي قدر مُلك ملِك الدنيا كما مر (وعشرة أمثالها) أي والحال أن عشرة أمثال الدنيا تُعطى له (معها) أي مع إعطاء قدر الدنيا له، وحديث جابر هذا انفرد به الإمام مسلم لم يشاركه فيه غيره كما في التحفة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٦٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي قال (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي (عن عمرو) بن دينار الجمحي مولاهم أبي محمد المكي أنه (سمع جابرًا) ابن عبد الله المدني (يقول سمعه) أي سمع هذا الحديث الآتي (من النبي صلى الله عليه وسم بأُذُنِه) وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد مكي وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة عمرو بن دينار لأبي الزبير في رواية هذا الحديث عن جابر حالة كون النبي ﷺ (يقول إن الله) (يُخرج ناسًا من النار فيُدخلهم الجنة).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٦٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو الربيع) سليمان بن داود العتكي الزهراني البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت فقيه من كبار الثامنة مات سنة (١٧٩) روى عنه في أربعة عشر بابا (قال) حماد (قلت لعمرو بن دينار) الجمحي المكي (أسمعتَ) أي هل سمعت (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي الجليل حالة كونه (يُحدِّث عن رسول الله ﷺ أنه يقول (إن الله يُخرج قومًا) من المُوحِّدين (من النار بالشفاعة) أي بشفاعة الشافعين (قال) جابر (نعم) سمعته
стр. 1828
٣٦٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيسُ بْنُ سُلَيمٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إلا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ،
ــ
يقول ذلك، وهذا السند أيضًا من رباعياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد مكي وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة حماد بن زيد لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٦٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمد المعروف بـ (ـابن الشاعر) البغدادي ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٥٩) روى عنه في (١٣) بابا، قال (حدثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي (الزبيري) مولاهم الكوفي وليس من ولد الزبير بن العوام ثقة ثبت إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوري من التاسعة مات سنة (٢٠٣) روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال (حدثنا قيس بن سليم) مصغرًا التميمي (العنبري) الكوفي روى عن يزيد الفقير في الإيمان وجماعة، ويروي عنه (م س) وأبو أحمد الزبيري وأبو نعيم، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: ثقة من السادسة، (قال) قيس (حدثني يزيد) بن صهيب الكوفي أبو عثمان (الفقير) بفتح الفاء بعدها قاف، قيل له ذلك لأنه أُصيب في فقار ظهره يألم منه حتى ينحنيَ له، روى عن جابر بن عبد الله في الإيمان والصلاة، وأبي سعيد وابن عمر، ويروي عنه (م د س ق) وقيس بن سليم والمسعودي والحكم بن عتيبة وغيرهم، ثقة من الرابعة، قال (حدثنا جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد بغدادي وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة يزيد الفقير لعمرو بن دينار في رواية هذا الحديث عن جابر، وفائدتها بيان كثرة طرقه لأن يزيد لا يصْلُح لتقوية عمرو لأن عمرًا أوثق منه (قال) جابر (قال رسول الله ﷺ إن قومًا) من المُوحِّدين (يُخرجون من النار) قرئ بضم الياء على البناء للمجهول وبفتحها على البناء للمعلوم، حالة كونهم (يحترقون فيها) أي محروقة فيها أجسادهم (إلا دارات وجوههم) جمع دارة وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه أن النار لا تأكل دارة
стр. 1829
حَتى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ".
٣٧٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا حَجَّاجُ بن الشاعِرِ، حَدَّثَنَا الْفَضلُ بْنُ دُكَينٍ، حَدَّثَنا أَبُو عَاصِمٍ -يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أبِي
ــ
الوجه لكونها محل السجود، والمراد بالدارة الوجه كله لأن فيه محل السجود ويحتمل أن يكون المراد محل السجود منه فقط وهو الجبهة والأنف وجُمعت الدارات بحسب الأشخاص. اهـ سنوسي، ولا يعارضه ما تقدم في حديث أبي هريرة من أن الله حرّم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود أي الأعضاء السبعة لأن ذلك في قوم خاصِّين (حتى يدخلون الجنة) بإثبات النون على أنه معطوف على يخرجون، وحتى هنا لمجرد العطف بمعنى الفاء العاطفة التي للتعقيب أو جارَّة، فأنْ مضمرة بعدها وإثبات النون للمشاكلة أو لغة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٧٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا حجاج بن الشاعر) الثقفي البغدادي ثقة من الحادية عشرة، قال (حدثنا الفضل بن دكين) أبو نعيم وهو الفضل بن عمرو بن حماد بن زهير القرشي الأحول مولاهم كان مولى لآل طلحة بن عبيد الله، ودكين لقب أبيه عمرو المُلائي بضم الميم مشهور بكنيته الحافظ الكوفي، وكان مولده سنة ثلاثين ومائة (١٣٠) روى عن أبي عاصم محمد بن أبي أيوب الثقفي في الإيمان، وإسماعيل بن مسلم في الوضوء، وسيف بن أبي سليمان في الصلاة، وأبي العُميس عتيبة في الصلاة، وموسى بن علي في الصلاة، وأبي شهاب موسى بن رافع في الحج، وسفيان في الحدود والتوبة والزهد، وهشام بن سعد في الطب، وعبد الواحد بن أيمن في الفضائل، وإسرائيل في الزهد، ويروي عنه (ع) وحجاج بن الشاعر وعبد بن حُميد وابن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج وابن نمير وعبد الله الدارمي وزهير بن حرب وأحمد وخلق، ثقة ثبت من التاسعة مات سنة (٢١٩) تسع عشرة ومائتين روى عنه في عشرة (١٠) أبواب تقريبًا، قال الفضل (حدثنا أبو عاصم) محمد بن أبي أيوب أو ابن أيوب الثقفي الكوفي روى عن يزيد الفقير في الإيمان والشعبي، ويروي عنه (م) والفضل بن دكين ووكيع، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: صدوق يُخطئ من السابعة وأتى بالعناية في قوله (يعني محمد بن أبي
стр. 1830
أَيُّوبَ- قَال حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ, قَال: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْي الْخَوَارِجِ. فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ. ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ. قَال: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ , جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَال فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ قَال: فَقُلْتُ لَهُ
ــ
أيوب) إشعارًا بأن هذه التسمية لم يسمعها من شيخه بل زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، (قال) أبو عاصم (حدثني يزيد) بن صهيب (الفقير) الكوفي ثقة من الرابعة (قال) يزيد (كنت قد شغفني) وأحبني وعشقني حتى دخل شغاف قلبي وغلافه (رأي) أي مذهب واعتقاد (من رأي الخوارج) أي من مذهبهم واعتقادهم وهو أنهم يرون ويعتقدون أن أصحاب الكبائر يُخلَّدون في النار ولا يخرج منها من دخلها، وقوله (قد شغفني) رُوي بالغين المعجمة وبالعين المهملة وهما بمعنى، ومعناه لصق بشغاف قلبي وهو غلافه، وقيل سويداؤه وهو كناية عن شدة محبته و ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] قُرئ أيضًا بالغين وبالعين المهملة أي ما برح به حبه، وقيل أخذ حُبه قلبها من أعلاه وشغاف كل شيء أعلاه، وقيل بلغ داخل قلبها (فخرجنا) من الكوفة إلى مكة (في عصابة) أي مع جماعة من الحجاج (ذوي عدد) أي أصحاب عدد كثير حالة كوننا (نريد) ونقصد (أن نحج) ونرجع (ثم نخرج) عن مذهب أهل السنة ظاهرين (على الناس) أي على أهل السنة غالبين عليهم مظهرين مذهب الخوارج داعين إليه حاثين عليه، والخوارج قوم خرجوا على علي بن أبي طالب أول ظهورهم في قرية تُسمى بالحرورية موضع من بلاد جُهينة (قال) يزيد الفقير (فمررنا) في سفرنا (على المدينة) المنورة فدخلنا المسجد النبوي (فإذا جابر بن عبد الله) بن عمرو الأنصاري (يُحدِّث القوم) بحديث رسول الله ﷺ ، وإذا هنا فجائية أي دخلنا المسجد ففاجأنا حالة كونه (جالسًا) مستندًا (إلى سارية) من سواري المسجد، وفي بعض النسخ جالس بالرفع على أنه خبر ثان لجابر، والجار والمجرور في قوله (عن رسول الله ﷺ متعلق بيُحدِّث، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد بغدادي وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي عاصم لقيس بن سليم في رواية هذا الحديث عن يزيد الفقير، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قال) يزيد الفقير (فإذا هو) أي جابر بن عبد الله (قد ذكر الجهنميين) أي خروج أهل جهنم من جهنم بشفاعة محمد ﷺ (قال) يزيد (فقلت له) أي
стр. 1831
يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وَ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَال: فَقَال: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَال فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ. قَال: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيهِ. قَال: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ
ــ
لجابر بن عبد الله (يا صاحب رسول الله) ﷺ (ما هذا الذي تحدِّثون) به عن رسول الله ﷺ مخالفًا للكتاب العزيز (والله يقول) أي فإن الله يقول في كتابه العزيز (﴿إِنَّكَ﴾) يا رب (﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾) الأُخروية (﴿فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾) وخذلته وأهنته، والخزي ضد الإحسان بإخراجه من النار والإكرام بإدخاله الجنة، والآية في آل عمران (و) قال أيضًا في سورة السجدة (﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾) الآية وهذا صريح في أنهم لا يخرجون منها (فما هذا الذي تقولون) وتُحدِّثون عن رسول الله ﷺ فهل هو صحيح أم لا؟ (قال) يزيد (فقال) لي جابر بن عبد الله (أتقرأ القرآن) يا يزيد أي أتعرف قراءته وتفسيره (قلت) لجابر (نعم) أقرأه وأفسره (قال) لي جابر (فهل سمعت) يا يزيد (بمقام محمد ﷺ أي بجاهه ودرجته ورفعته على سائر الأولين والآخرين (يعني) جابر بمقام محمد ﷺ الذي سأل عنه يزيد الفقير المقام والجاه (الذي يبعثه الله) تعالى أي يبعث الله سبحانه محمدًا ﷺ ويظهره (فيه) أي في ذلك المقام والجاه في عرصات القيامة، قال يزيد (قلت) لجابر (نعم) سمعت في القرآن المقام المحمود الذي يعطاه محمد ﷺ (قال) جابر (فإنه) أي فإن إخراج الجهنميين منها (مقام محمد ﷺ أي جاهه ودرجته وشفاعته (المحمود) أي الذي يحمده فيه الأولون والآخرون (الذي يُخرج الله) (به) أي بمقامه وجاهه (من يُخرج) أي من أراد أن يُخرجه من النار من المُوحِّدين (قال) يزيد الفقير (ثم نعت) أي ذكر جابر (وَضْعَ الصراط) ومَدَّهُ على متن جهنم وظهرانيها (و) وصف (مر الناس عليه) أي مرورهم عليه على حسب أعمالهم (قال) يزيد (وأخاف) أي أظن (أن لا أكون) أنا (أحفظ ذاك) الكلام الذي ذكره جابر في وصف مرورهم على
стр. 1832
ذَاكَ. قَال: غَيرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. قَال: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قَال: فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ. فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ. فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيحَكُمْ , أَتُرَوْنَ الشَّيخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَرَجَعْنَا. فَلَا وَاللَّهِ , مَا خَرَجَ مِنَّا غَيرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ
ــ
الصراط (قال) يزيد (غير أنه قد) أي لكن أن جابرًا (زعم) والزعم هنا بمعنى القول أي قال وأخبر (أن قومًا) من الجهنميين (يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها) أي في النار (قال) يزيد (يعني) جابر بخروجهم الذي ذكر أولًا (فيخرجون) أي أنهم يخرجون، والفاء زائدة لا معنى لها (كأنهم) أي كأن أجسامهم (عيدان السَّمَاسِم) في تغير لونها ونحافتها لأكل النار إياها، وفي بعض الرواية (كأنها) بضمير المؤنثة فالضمير حينئذ عائد على الصور والتقدير كأن صورهم عيدان السماسم والعيدان أصولها وساقها التي تقوم عليها جمع عود والسماسم بالسينين المهملتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة جمع سمسم بسينين مكسورتين بينهما ميم ساكنة الحَبُّ المعروف والذي يُستخرج منه الشَّيرج، قال ابن الأثير: والسماسم جمع سمسم وعيدانه تراها إذا قُلعت وتُركت في الشمس ليؤخذ حبُّها دقاقًا سوداء كأنها محترقة فشُبه بها هؤلاء (قال) جابر (فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه) أي في ذلك النهر (فيخرجون) منه حالة كونهم (كأنهم القراطيس) أي الأوراق البِيضُ أي حالة كونهم مُشبهين بالصحائف، والقراطيس جمع قرطاس بكسر القاف وضمها لغتان وهو الصحيفة التي يُكتب فيها شَبَّهَهم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد، قال يزيد الفقير (فرجعنا) أنا ورفقتي إلى منزلنا في المدينة فـ (قلنا) فيما بيننا (ويحكم) أي ألزمكم الله الويح والرحمة (أتُرَون) بهمزة الاستفهام الإنكاري، وضم التاء المثناة فوق؛ أي أتظنون أن (الشيخ) جابر بن عبد الله ﵄ (يكذب) أي يضع الكذب ويختلقه (على رسول الله ﷺ أي لا يُظَن به الكذب بلا شك قال يزيد أيضًا (فرجعنا) من حجنا إلى الكوفة (فلا والله) لا زائدة لتأكيد النفي المستفاد من ما في قوله فوالله (ما خرج) ولا رَأى رَأيُ الخوارج أحد (منا غير رجل واحد) مِنَّا معناه رجعنا من حجنا ولم نتعرض لرأي الخوارج بل كففنا عنه وتُبنا منه إلا رجلًا منا فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه وتمذهب بمذهبهم،
стр. 1833
أَوْ كَمَا قَال أَبُو نُعَيمٍ
ــ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الحجاج: هكذا لفظ الحديث الذي رويته عن شيخِي أبي نعيم الفضل بن دكين (أو) لفظه (كما قال أبو نعيم) والشك من حجاج بن الشاعر شيخ المؤلف وهذا أدب معروف من آداب الرُّواة وهو أنه ينبغي للراوي إذا روى الحديث بالمعنى أن يقول في آخره عقب روايته أو الحديث: كما قال شيخي احتياطًا وخوفًا من تغيير وتحريف.
قال الأبي: واعلم أن الخوارج تُكفِّر بالذنوب وهو سبب خروجهم عن الناس وتقول بتخليد العاصي في النار محتجين على التكفير بالآية الأولى يعني قوله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾ ووجه الدليل منها أنه يتركَّب منها مع غيرها قياس من الشكل الأول فيقال العاصي يدخل النار وكل داخل النار مخزي، فينتج العاصي مخزي ثم يركَّب من هذه النتيجة قياس ثان من الشكل الثاني فيقال العاصي مخزي ولا شيء من المخزي بمؤمن، والصغرى صادقة لأنها نتيجة الشكل الأول والكبرى كذلك لقوله تعالى ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يُنتج لا شيء من العاصي بمؤمن، وأجيب بأن والذين آمنوا ليس بمعطوف على النبي ﷺ وإنما هو مبتدأ مستأنف خبره نورهم يسعى، واحتجوا على التخليد بالآية الثانية، والجواب أنها في الكفار أو أنها مخصوصة بهذه الأحاديث، ولمَّا كان الحديث نصًّا في إبطال الأمرين وعلم يزيد أن جابرًا لا يكذب على النبي ﷺ رجع عن رأي الخوارج.
قال القاضي: واختلفَت الأحاديث في المقام المحمود فذكر جابر في هذا الحديث أنه خروج العصاة بشفاعته ﷺ ويأتي من حديث ابن عمر ما ظاهره أنه الشفاعة في تعجيل الحساب، وفي حديث جابر: يُنادى يوم القيامة والناس سكوت يا محمد فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك .. الخ، وفي حديث كعب بن مالك يُحشر الناس على تل فنكْسَى حُلَّة خضراء ثم يُنادى بي: فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود، وعن عبد الله بن سلام: محمد على كرسي الرب بين يدي الله ، ورُوي عن مجاهد في ذلك قول منكر لا يصح ولو صح يُتأول ويَقْرُبُ من قول عبد الله بن سَلَام ويُخرَّج من جملة الأحاديث أن المقام المحمود كون آدم ﵇ وذريته تحت لوائه في عرصات القيامة من أول اليوم إلى دخول الجنة وخروج من يخرج من النار وأوَّل ذلك إجابة المنادي وحمده الله بما ألهمه ثم الشفاعة في تعجيل
стр. 1834
٣٧١ - (١٧١) (٧) حدَّثنا هَدَّابُ بن خالِدٍ الأَزدِيُّ, حَدَّثَنا حمَّادُ بن سَلَمةَ عَنْ أَبي عِمْرانَ وثابِتٍ , عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "يخْرُجُ مِنَ النَّارِ أرْبَعَةٌ فَيُعرَضونَ عَلَى اللهِ. فيَلْتَفِتُ أحَدُهُم فيَقُولُ: أَي رَبِّ, إِذْ أَخْرَجْتَني مِنْها فَلا تُعِدْني فِيهَا. فَيُنجِيهِ اللهُ مِنْها"
ــ
الحساب وإراحة الناس من كرب المحشر وهو مقامه المحمود الذي حمده فيه الأولون والآخرون ثم شفاعته فيمن لا حساب عليه من أمته ثم فيمن يُخرج من النار حتى لا يبقى فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ثم يأمر الله بإخراج من قال لا إله إلا الله حتى لا يبقى في النار إلا المخلدون وهو آخر عرصات القيامة. اهـ.
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث أنس فقال:
٣٧١ - (١٧١) (٧) (حدثنا هداب بن خالد) بن الأسود بن هُدبة (الأزدي) القيسي الثوباني أبو خالد البصري، ويقال له هُدبة بضم الهاء وسكون الدال وهو اسمه وهداب لقبه، ثقة عابد تفرد النسائي بِتَلْيِينِه من صغار التاسعة مات سنة (٢٤١) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي أبو سلمة البصري ثقة عابد أثبت الناس في ثابت من كبار الثامنة مات سنة (١٦٧) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (عن أبي عمران) بكسر العين عبد الملك بن حبيب الأزدي الجوني نسبة إلى جون بن عوف بطن من الأزد ثقة من كبار الرابعة مات سنة (١٢٨) روى عنه في (١٢) بابا (وثابت) بن أسلم بن موسى البُناني أبي محمد البصري ثقة عابد من الرابعة مات سنة (١٢٣) وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (عن أنس بن مالك) الأنصاري (أن رسول الله ﷺ قال) وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون (يُخرج من النار) بشفاعة الشافعين (أربعة) أنفار (فيُعرضون على الله) إظهارًا لمنِّه وفضله عليهم (فيلتفت أحدهم) إلى جهة النار (فيقول أي رب) أي يا رب (إذ أخرجتني منها) أي من النار، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مضمَّن معنى الشرط فهي بمعنى إذا التي للاستقبال متعلق بجوابه وهو قوله (فلا تُعِدني فيها) أي في النار أي فلا تُعِدني فيها وقت إخراجك إياي منها وهو بالجزم بلا الدعائية (فينجيه الله منها) أي فيخلِّصه الله تعالى منها، رُوي بالتخفيف من الإنجاء وبالتثديد من التنجية، وهذا الحديث أعني حديث أنس هذا انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات وغيرهم كما في التحفة.
стр. 1835
١٠١ - (٦) باب ما خُصَّ به نبينا محمد ﷺ من الشفاعة العامة لأهل المحشر (المسماة بالشفاعة العظمى)
٣٧٢ - (١٧٢) (٨) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيلُ بْنُ حُسَين الْجَحْدَرِيُّ , ومُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الْغُبَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ)، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ، (وقَال ابْنُ عُبَيدٍ: فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ)
ــ
١٠١ - (٦) باب ما خُصَّ به نبينا محمد ﷺ من الشفاعة العامة لأهل المحشر (المسماة بالشفاعة العظمى)
٣٧٢ - (١٧٢) - (٨) (حدثنا أبو كامل فُضيل بن حسين الجحدري) بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة ثم دال مهملة مفتوحة نسبة إلى جدٍّ له اسمه جحدر البصري ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٧) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا (ومحمد بن عبيد) بن حِساب بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة وباء موحدة (الغُبَري) بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة أبو عبد الله البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأبي كامل) تورعًا من الكذب على محمد بن عبيد (قالا) أي قال كل من الجحدري والغبري (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري البزاز الواسطي مشهور بكنيته ثقة ثبت من السابعة مات سنة (١٧٦) روى عنه في (١٩) بابا، وليس عندهم وضاح إلا هذا الثقة (عن قتادة) بن دِعامة الأكمه السدوسي أبي الخطاب البصري ثقة ثبت من الرابعة مات كهلًا سنة (١١٧) روى عنه في (٢٥) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) البصري خادم رسول الله ﷺ ، وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا أبا عوانة فإنه واسطي (قال قال رسول الله ﷺ يجمع الله) (الناس) من الأولين والآخرين (يوم القيامة) لرب العالمين والمُجازاةِ على عمل العاملين (فيهتمون) أي فيعتنون ويصرفون همَّتهم إلى طلب الشفاعة (لـ) شدة الكرب والازدحام في (ذلك) الموقف الرهيب هذا لفظ أبي كامل (وقال ابن عبيد) الغُبري (فيُلهَمُون) أي يُلقون في قلوبهم طلب الشفاعة (لذلك) الموقف الرهيب، قال النواوي: ومعنى اللفظين متقارب معنى الأول أنهم يعتنون بسؤال الشفاعة وإزالة
стр. 1836
فَيَقُولُونَ: لَو اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَال: فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْخَلْقِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ,
ــ
الكرب الذي هم فيه، ومعنى الثاني أن الله سبحانه يلهمهم سؤال ذلك والإلهام أن يُلقي الله تعالى في النفس أمرًا يحمل على فعل الشيء أو تركه (فيقولون) أي يقول بعضهم لبعض (لو استشفعنا على ربنا) أي لو طلبنا الشفاعة والواسطة إلى ربنا (حتى يُريحنا) أي لكي يُحَصَّل لنا الراحة (من) تعبنا وازدحامنا في وقوفنا في (مكاننا) وموقفنا (هذا) الموقف الرهيب أو ليزيلنا من موقفنا هذا ولو إلى النار (قال) رسول الله ﷺ (فيأتون آدم) أبا البشر (﵇) قال الأبي: إتيانهم آدم ﵇ مع علمهم في الدنيا أن المختص بهذه الشفاعة محمد ﷺ يحتمل أنه ممن لم يعلم ذلك أو علم ولكنه علم أن الأمر هكذا يقع إظهارًا لشرفه ﷺ فإنه لو بُدئ به لقيل لو بُدئ بغيره لاحتمل أن يشفع أما بعد امتناع الجميع وسُئل هو فأجاب فهو النهاية في الشرف وعلو المنزلة ويحتمل أنه ممن علم ولكنه دَهِشَ. اهـ منه (فيقولون) لآدم (أنت آدم أبو الخلق) أي أبو البشر فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص، قال السنوسي: هذا الكلام من باب قول الشاعر:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وهو مبهم فيه معنى الكمال لا يعلم بما يراد منه ففُسر بما بعده من قوله أبو الخلق خلقك الله بيده إلى آخره (خلقك الله) (بيده) التامة القدرة يعني بلا واسطة أب وأم وإلا فالكل مخلوق بيده تعالى (ونفخ فيك من رُوحه) والإضافة فيه للتشريف لا للتخصيص وإلا فأرواح الخلائق له تعالى. قال القاضي عياض: قوله (من روحه) الإضافة فيه إضافة مُلك أي مملوك إلى مالك وتخصيص وتشريف (قلت) مذهب السلف أن لله تعالى يدًا أثبتها لنفسه فنثبتها كما أثبتها لنفسه ونعتقدها من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه وهذا هو الأسلم، وتكون فائدة الاختصاص بآدم أنه تعالى خلقه بيده ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوارٍ قَلَبه فيها وذلك بخلاف غيره من ولده ويحتمل أن يكون شرفه بالإضافة إليه كما قال ﴿بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وقوله (ونفخ فيه من روحه) والروح هنا جبريل ﵇ كما في قوله تعالى ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ وقوله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ وشرَّفه بالإضافة كما في قوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وهو جبريل على قول أكثر
стр. 1837
وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا, أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ
ــ
المفسرين أي كان كل واحد من آدم وعيسى ﵈ من نفخة الملك فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته ولا يلتفت إلى ما يقال من غير هذا. اهـ من المفهم.
(وأمر الملائكة) الكرام بالسجود لك (فسجدوا لك) أي سجدت الملائكة لك وأنت لك منزلة عند ربك فـ (اشفع لنا عند ربك) أي فاطلب لنا الخير والفرج عند ربك (حتى يُريحنا) وينقلنا (من مكاننا) وموقفنا (هذا) الموقف الهائل ولو إلى النار. قال القرطبي: والشفاعة أصلها الضم والجمع ومنه ناقة شَفُوعٌ إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة وناقة شافع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها والشفع ضم واحد إلى واحد، والشُّفعة ضم مِلك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة إذن ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع له، وسيأتي أقسامها إن شاء الله تعالى. اهـ منه (قلت) الشفاعة طلب الخير من الغير للغير. (فيقول) آدم (لست) أنا (هناكم) أي محلًا لمطلوبكم وأهلًا لذلك أي لست مطلبًا للشفاعة ولا أهلًا لها. قال السنوسي: يحتمل أنه تواضع أو لعلمه أنها لغيره على الجملة، أو لعلمه أنها لمحمد ﷺ خصوصًا ولكن عَلِم أنه كذا يقع (قلت) ومعنى لست هناكم لست في المكان والمنزل الذي تحسبوني فيه يريد مقام الشفاعة. اهـ، وذكر ملا علي: أن هنا إذا ألحق به كاف الخطاب يكون لبعد المكان المشار إليه فالمعنى لست في مكان الشفاعة أنا بعيد منه. اهـ. (فيذكر) آدم اعتذارًا إليهم (خطيئته) ومخالفته لربه (التي أصاب) وفعل بها (فيستحيي ربه) أي ويذكر أنه يستحى ويخاف ربه (منها) أي من أجل تلك الخطيئة التي هي أكل الشجرة بعدما نهى عنها. قال القاضي عياض: قوله (ويذكر خطيئته) تسمية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هذه الأشياء خطايا إنما هو إشفاق إذ ليست بخطايا آدم ﵇ أكَل نسيانًا، ونوح ﵇ دعا على قوم كفار، وموسى ﵇ قتل كافرًا، وإبراهيم ﵇ دفع بقول هو بحسب مراده صِدْق وعتب الله على بعضهم لعلو منزلتهم. اهـ. (ولكن ائتوا نوحًا) أي جيئوا نوحًا (أول رسول بعثه الله) إلى جميع أهل عصره واذهبوا إليه ليشفع لكم إلى ربكم
стр. 1838
قَال: فَيَأْتُونَ نُوحًا ﷺ ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ ﷺ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا
ــ
(قال) رسول الله ﷺ (فيأتون نوحًا ﷺ فيقولون له: ألا ترى إلى ما نحن فيه اشفع لنا إلى ربك (فيقول) نوح ﷺ (لست هناكم) أي في المكان الذي تحسبونه فيه من الشفاعة لكم عند ربكم (فيذكر) نوح (خطيئته التي أصابـ) ـها وارتكبها اعتذارًا إليهم وهي دعوته التي أغرقت أهل الأرض حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (فيستحيي ربه منها ولكن) أقول لكم نصيحة (ائتوا إبراهيم) الخليل ﷺ الذي اتخذه الله) سبحانه (خليلًا) أي جعله مُحبًا له كامل المحبة غير ناقصها أو محبوبًا له كامل المحبة غير ناقصها فهو فعيل بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، والخليل الصديق المخلص، والخُلة بضم الخاء الصداقة والمودة، ويقال فيها أيضًا خلالة بالضم والفتح والكسر، والخَلة بفتح الخاء الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها واحدة خِلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخَلل الفُرجة بين الشيئين والجمع الخِلال، واختلف في الخليل اسم إبراهيم ﵇ من أي هذه المعاني والألفاظ أُخذ فقيل إنه مأخوذ من الخُلة بمعنى الصداقة وذلك إنه صَدَقَ في محبة الله تعالى وأخلص فيها حتى آثر محبته على كل محبوباته فبذل ماله للضيفان وولده للقربان وجسده للنيران، وقيل من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه ولجأ إليه في فاقته حتى لم يلتفت إلى غيره بحيث آلَتْ حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رُمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وقيل من الخَلل بمعنى الفُرجة بين الشيئين وذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
قد تخلَّلتَ مَسلك الرُّوح مني ... ولذا سُمِّي الخليل خليلا
ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخُلة إنها صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار والغنى عن الأغيار. اهـ من المفهم.
стр. 1839
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ﷺ , الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، قَال: فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ . عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ"، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
ــ
(فيأتون إبراهيم ﷺ فيقول) إبراهيم (لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب) وارتكب (فيستحيي ربه منها) وهي كذباته الثلاث (ولكن ائتوا موسى ﷺ الذي كلمه الله) في الدنيا بلا واسطة (وأعطاه التوراة) دفعة (قال) رسول الله ﷺ (فيأتون موسى ﷺ فيقول) موسى (لست هناكم) أي في المنزلة التي حسبتموني فيها (ويذكر خطيئته التي أصابـ) ـها (فيستحيي ربه منها ولكن ائتوا عيسى) ﷺ (روح الله) سبحانه والإضافة فيه للتشريف والملك (وكلمته) سبحانه أي المخلوق بكلمة كن بلا واسطة أب من غير أن يتقلب في أطوار الخلق كما تقلب غيره (فيأتون عيسى روح الله وكلمته فيقول لست هناكم) أي في منزلة الشفاعة التي حسبتموني فيها (ولكن ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا قد غُفر له) بالبناء للمفعول أي غفر الله له (ما تقدم من ذنبه وما تأخر) قيل المتقدم ما قبل النبوة والمتأخر عصمته بعدها، وقيل المتقدم ما وقع والمتأخر ما لم يقع على طريق الوعد، وقيل المراد بذلك أمته، وقيل المراد ما وقع سهوًا أو غفلة أو تأويلًا واختاره القشيري، وقيل المعنى ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك، وقيل المراد أنه مغفور له من ذنب أن لو كان، وقيل هو تنزيه له عن الذنوب. اهـ من الإكمال.
وقال النووي: فعلى أن المراد أمته فالمراد بعضهم أو يعني عدم الخلود في النار، وقال القاضي عياض إتيان الناس آدم أولًا وإحالة آدم على نوح ﵉ فيه تقديم الآباء وذوي الأسنان في الأمر المهم. اهـ.
(قال) الراوي أنس بن مالك ﵁ (قال رسول الله ﷺ )
стр. 1840
"فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا , فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ , سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ
ــ
وقد اختلف العلماء في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافًا كثيرًا والذي ينبغي أن يقال إن الأنبياء معصومون مما يُناقض مدلول المعجزة عقلًا كالكفر بالله تعالى والكذب عليه والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر وعن الصغائر التي تُزْرِي بفاعلها وتَحُطُّ منزلته وتُسقط مروءته إجماعًا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم، واختلفت أئمتنا في وقوع الصغائر منهم فمن قائل بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها وإن قيل ذلك في آحادها. (فيأتوني) إياي (فأستأذن) أنا في الإقبال (على ربي) في طلب الشفاعة أي أطلب منه تعالى الإذن لي في طلب الشفاعة العظمى التي وعدنيها بقوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (فيؤذن لي) في الإقبال عليه لطلب الشفاعة ومن هذا الكلام يُعلم مراعاة النبي ﷺ لآداب تلك الحضرة العلية (فإذا أنا رأيته) (وقعتُ) أي خررتُ وسقطتُ على وجهي حالة كوني (ساجدًا) له تعالى (فيدعني) أي يتركني في السجود (ما شاء الله) تعالى أن يتركني (فيُقال) لي (يا محمد ارفع رأسك) من السجود و (قل) ما شئت (تُسمَع) في قولك و (سل) ما شئت (تُعطه) أي تعط مسئوولك فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو بمعنى المفعول ويحتمل كون الهاء للسكت كما في المرقاة، و (اشفع) أي اطلب الشفاعة فيما شئت (تُشَفَّع) أي تقبل في شفاعتك (فأرفع رأسي) من السجود (فأحمد ربي بتحميدٍ يُعلِّمنيه) أي يُلهمنيه (ربي) يومئذ (ثم أشفع) في إخراج المُوحِّدين من النار (فيحُدُّ لي) ربي، ضبطه ملا علي بوجهين وقد اقتصر القسطلاني على وجه واحد، أي يقدِّر لي (حدًّا) أي قدرًا معينًا من المُوحِّدين (فأُخرجهم) أي أُخرج القدر المعين لي من المُوحِّدين (من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود) أي أرجع إلى الموضع الذي سجدت فيه أولًا (فأقع)
стр. 1841
سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ , سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي قَدْرًا فَأُخْرِجَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، (قَال: فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ) قَال: فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَي وَجَبَ عَلَيهِ الْخُلُودُ"، (قَال ابْنُ عُبَيدٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَال قَتَادَةُ: أَي وَجَبَ عَلَيهِ الْخُلُودُ)
ــ
أي أسقط (ساجدًا) لله تعالى (فيدعني) أي يتركني في السجود (ما شاء الله أن يدعني) ويتركني (ثم يُقال ارفع رأسك) من السجود (يا محمد) و (قل) من طلباتك ما شئت (تُسمع) في قولك و (سل) ما شئت (تُعطه) و (اشفع) فيما شئت (تُشفع) أي تُقبل في شفاعتك (فأرفع رأسي) من السجود الثاني (فأحمد ربي بتحميد يُعلِّمنيه) يومئذ (ثم أشفع) أي أطلب الشفاعة في إخراج من بقي في النار من المُوحِّدين (فيحُدُّ لي) أي يُعيَّن لي من المُوحِّدين (قدرًا) أي قدرًا معلومًا (فأخرجهم) أي أخرج هؤلاء المعينين لي (من النار وأُدخلهم الجنة قال) أنس بن مالك (فلا أدري) أي لا أعلم (في) المرة (الثالثة أو في الرابعة قال) النبي ﷺ (فأقول) أنا لربي (يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن) ومنعه من الخروج أي من حكم عليه القرآن بحبسه في النار أبدًا (أي) إلا (من وجب عليه الخلود) في النار لكفره وشركه، قال الإمام مسلم (قال) لنا محمد (بن عبيد) الغُبري (في روايته) هذا الحديث لنا (قال قتادة أي وجب عليه الخلود) فبيَّن أن هذا التفسير كلام مدرج من قتادة، والمعنى أي دل القرآن على خلوده وهم الكفار، قال ملا علي: ومعنى وجب أي ثبت وتحقق أو وجب بمقتضى إخباره تعالى فإنه لا يجوز فيه التخلف أبدًا.
قوله (ثم أشفع فأُخرِجُ من النار) قال القاضي عياض: جاء في هذا الحديث وفي حديث أبي هريرة الآتي ﵁ أن الذي يبدأ به بعد الإذن له شفاعةُ الإخراج، ويأتي في هذا الحديث نفسه من طريق حذيفة ﵁ فيأتون محمدًا فيقوم ويُؤذن له وتُرسل الأمانة والرحم بجنبتي الصراط وبهذا يتصل الحديث لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ فيها الخلق لتُريحهم من الموقف ثم بعد ذلك تحل شفاعته ﷺ وشفاعة غيره، وجاء في أحاديث الرؤية والمحشر المتقدمة الأمر باتباع كل أمة ما كانت
стр. 1842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعبد ثم يُميز بين المؤمنين والمنافقين ثم تحل الشفاعة ويوضع الصراط، وبين هذه الأحاديث معارضة في بيان الشفاعة العظمى فيجمع بين هذه الأحاديث بأن يكون الأمر بالإتباع هو أول الفصل وأول مقامه المحمود والشفاعة المذكورة فيه هي الشفاعة في المجيزين على الصراط وهي له ﷺ لا لغيره كما نص عليه في الأحاديث ثم بعدها شفاعة الإخراج، قال الأبي: قوله وبهذا يتصل الحديث يعني أن الراوي أسقط ذلك في هذا الطريق ويحتمل أن يكون شَفَعَ في الأمرين واكتفى في حديث أنس بشفاعة الإخراج لأنها تستلزم الأخرى لأن الإخراج فرعُ وقوع الحساب. اهـ.
قال السنوسي: قوله (فيَحُدُّ لي حدًّا) يريد أنه يبين له في كل طور من أطوار الشفاعة حدًّا أقف عنده فلا أتعداه مثل أن يقول: شَفعتُك فيمن أخل بالجماعات، ثم يقول: شَفعتُك فيمن أخل بالصلوات ومثله فيمن شرب الخمر ثم فيمن زنى وعلى هذا ليُريه علو الشفاعة في عظم الذنب، وقال أيضًا قوله (فأخرجهم من النار) قال الطيبي: فإن قلت دل أول الكلام على أن المستشفعين هم الذين حُبِسوا في الموقف وهَمُّوا وحزِنوا لذلك وطلبوا أن يُخلِّصهم من ذلك الكرب، ودل قوله (فأخرجهم من النار) على أنهم من الداخلين فيها، فما وجهه؟ (قلت) فيه وجهان: أحدهما لعل المؤمنين صاروا فرقتين فرقة سِيرَ بهم إلى النار من غير توقف وفرقة حُبسوا في المحشر واستشفعوا به ﷺ فخلصهم مما فيه وأدخلهم الجنة ثم شرع في شفاعة الداخلين في النار زُمرًا بعد زُمر كما دل عليه قوله (فيحُدُّ لي حدًّا) إلى آخره فاختصر الكلام وثانيهما أن يُراد بالنار الحبس والكُربة وما كانوا عليه من الشدة ودُنُوِّ الشمس إلى رؤوسهم وحرها وسفعها وإلجامهم بالعرق وبالخروج الخالص منها، والله أعلم.
وقوله (في الثالثة أو في الرابعة) قال: قد جزم في الطريق الآخر أنه في الرابعة وفسر فيها من حبسه القرآن بأنه من وجب عليه الخلود ويأتي في زيادة الحسن في حديث أنس فيقول في الرابعة ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول: ليس ذلك إليك والجمع بينهما متناف لأن من قال لا إله إلا الله لا يُخَلَّد في النار، ويُجاب بأنه اختلف فقيل يعني من قالها من أمته، وقيل يعني من قالها من غير أمته فالمعنى على الأول، فأقول في الرابعة بعد إخراج أهل تلك المقادير لم يبق من أمتي أي من أتباعي إلا من قال لا إله إلا
стр. 1843
٣٧٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَهْتَمُّونَ بِذلِكَ (أَوْ يُلْهَمُونَ ذلِكَ) "
ــ
الله فائذن لي فيه، فيقال: ليس ذلك إليك إنما ذلك لأرحم الراحمين، فيقول: لم يبق بعدُ إلا من وجب عليه الخلود، والمعنى على الثاني فأقول لم يبق من أمتي أي من أهل دعوتي إلا من وجب عليه الخلود فائذن فيمن قال لا إله إلا الله من غير أمتي فقال: ليس ذلك إليك قد استوفيتَ حقك في أمتك وإنما ذلك لله، وتقدم أن أمته تُطلق تارة على أتباعه وتارة على عموم أهل دعوته. اهـ.
وحديث أنس هذا شارك المؤلف في روايته البخاري فقط ذكره في التفسير وفي التوحيد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٧٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا (ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من المحمَّدَين (حدثنا) محمد (بن) إبراهيم (أبي عدي) السلمي مولاهم أبو عمرو البصري ثقة من التاسعة مات بالبصرة سنة (١٩٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن سعيد) بن مهران أبي عروبة اليشكري مولاهم أبي النضر البصري ثقة حافظ لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة مات سنة (١٥٦) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري ثقة ثبت أكمَهُ من الرابعة مات سنة (١١٧) روى عنه في (٢٥) بابًا تقريبًا (عن أنس) بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري خادم رسول الله ﷺ أبي حمزة البصري مات سنة (٩٣) روى عنه في (١٢) بابا تقريبًا، وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة لأبي عوانة في رواية هذا الحديث عن قتادة (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ : يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون) أي يعتنون (بذلك) أي بسؤال الشفاعة وطلب من يشفع لهم عند ربهم (أو) قال قتادة (يُلهمون ذلك) أي
стр. 1844
بِمِثلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ. وَقَال فِي الْحَدِيثِ: "ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ (أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ) فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ إِلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ".
٣٧٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام. قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَال:
ــ
يُلقون في قلوبهم طلب من يشفع لهم عند ربهم، والشك من سعيد بن أبي عروبة أو ممن دونه، وساق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (بمثل حديث أبي عوانة) عن قتادة (و) لكن (قال) سعيد بن أبي عروبة (في الحديث ثم آتيه) أي آتي المقام الذي قُمت فيه أولًا وسألت فيه الشفاعة وهو مقام الشفاعة (الرابعة) أي في المرة الرابعة (أو) قال قتادة ثم (أعود) إليه (الرابعة) أي المرة الرابعة (فأقول يا رب ما بقي) في النار (إلا من حبسه القرآن) أي وجب عليه الخلود بنص القرآن، قال القاضي: فيه تصريح بما عليه أهل السنة من عدم تخليد العصاة وردٌّ على المعتزلة والخوارج لأن فيه إخراج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان (فإن قلت) الناس في الوزن ثلاثة: من رجحت حسناته ومن تساوت كفتاه فهذان إلى الجنة الأول يدخلها ابتداء والثاني بعد حبسه في الأعراف مدة والثالث من رجحت سيئاته فهذا إنما يُعاقب ببقائه في النار مقدار ذلك الرُّجحان ثم يُخرج إذ لا يُخلد أحد من أهل القبلة في النار فأين أثر الشفاعة؛ (قلت) أثرها في إخراجه قبل مكثه القدر الذي يستحق إذ لو وقعت الشفاعة عند تمامه لم تكن شفاعة، والله أعلم. اهـ من الأبي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٧٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري قال (حدثنا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري صدوق ربما وهِم من التاسعة مات سنة (٢٠٠) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا (قال) معاذ (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر المعروف بالدستوائي كما سيأتي في المتن أبو بكر البصري ثقة ثبت من كبار السابعة مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة البصري (عن أنس بن مالك) الأنصاري خادم رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة هشام الدستوائي لأبي عوانة وسعيد بن أبي عروبة في رواية هذا الحديث عن قتادة، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن نبي الله ﷺ قال
стр. 1845
"يَجْمَعُ اللهُ الْمُؤمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْهَمُونَ لِذلِكَ" ... بِمِثلِ حَدِيثِهِمَا. وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ "فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ"، أَي وَجَبَ عَلَيهِ الْخُلُودُ.
٣٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ،
ــ
يجمع الله) (المؤمنين يوم القيامة فيُلهمون لذلك) أي يُلقون في قلوبهم طلب الشفاعة لذلك الكرب الذي نزل بهم في الموقف من الازدحام ودُنُوِّ الشمس إليهم والجام العرق لهم، وساق هشام (بمثل حديثهما) أي بمثل حديث أبي عوانة وسعيد بن أبي عروبة (و) لكن (كر) هشام (في الرابعة) بلا شك (فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه) ومنعه (القرآن) من الخروج (أي وجب عليه الخلود) في النار أي ثبت واستقر عليه الخلود في النار بمقتضى وعيده تعالى وهم الكفار.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن منهال الضرير) التميمي المجاشعي أبو عبد الله أو أبو جعفر البصري ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣١) روى عنه المؤلف في الإيمان وغيره، قال (حدثنا يزيد بن زُريع) مصغرًا التيمي من بني تيم الله العائشيُّ أبو معاوية البصري ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٢) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري أبو النضر البصري. قال النواوي: قد قدَّمنا أن سعيد بن أبي عروبة هكذا يُروى بلا ألف ولا لام في كتب الحديث وأن ابن قتيبة قال في كتابه أدب الكاتب الصواب ابن أبي العروبة بالألف واللام، وقد قدَّمنا أيضًا أن سعيد بن أبي عروبة ممن اختلط في آخر عمره وأن المختلط لا يُحتج بما رواه في حال الاختلاط أو شككنا هل رواه في حال الاختلاط أم في الصحة؟ وقد قدَّمنا أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين محمول على أنهما رويا عنهم قبل الاختلاط (وهشام) بن أبي عبد الله سنبر أبو بكر البصري (صاحب) البَزِّ (الدستوائي) بفتح الدال وإسكان السين المهملتين ثم تاء مثناة من فوق مفتوحة ثم واو بعدها ألف ليِّنة ثم همزة مكسورة بعدها ياء نسبة من غير نون، وهذا هو المشهور في كتب الحديث ومنهم من يزيد نونًا بين الألف والياء نسبة إلى دستواء كُورَةٌ مِن كُوَرِ الأهواز كان يبيع الثياب التي تُجلب منها، فمعنى
стр. 1846
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إِلَةَ إلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً،
ــ
هشام صاحب الدستوائي هشام صاحب البَزِّ والقماش المنسوب إلى دستواء، وفي المُنجد الكورة بضم الكاف وسكون الواو يُجمع على كور بضم الكاف وفتح الواو البقعة التي تجتمع فيها المساكن والقرى والأهواز بلدة معروفة في العجم فهو صفة مخصوصة بهشام فلا تُطلق على ولده معاذ كما وهِمه صاحب المطالع فيما سيأتي في باب صفة الأذان، والله أعلم. كلاهما (عن قتادة) بن دعامة البصري (عن أنس بن مالك) البصري (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته أيضًا ورجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة يزيد بن زُريع لابن أبي عدي ومعاذ بن هشام في رواية هذا الحديث عن سعيد وهشام، وفائدتها تقوية السند الأول لأن معاذًا صدوق وابن أبي عدي وإن كان ثقة فيزيد أوثق منه (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني أبو غسان) بالصرف وعدمه مالك بن عبد الواحد (المِسْمَعِي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة نسبة إلى مسمعٍ أبي القبيلة البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٠) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا (ومحمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري كلاهما (قالا حدثنا معاذ) البصري، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن هشام) الدستوائي إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته وليست مما سمعه من شيخه، وإنما كررتُ هذا وأشباهه إيضاحًا وتسهيلا على الطالب فإنه إذا طال العهد به ربما ينسى الطالب وقد يقف عليه من لا خبرة له بالموضع السابق (قال) معاذ (حدثني أبي) هشام بن سنبر البصري (عن قتادة) بن دعامة البصري قال (حدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال) وهذا السند من خماسياته أيضًا ورجاله كلهم بصريون (يخرج) بالبناء للمعلوم أو للمجهول (من النار في قال لا إله إلا الله) مع عديلتها محمد رسول الله (وكان في قلبه من الخير) كنِيَّة صلة الرحم أو نية أيِّ طاعة كانت كالصلاة والحج والصوم (ما يزن) ويعدل (شعيرة) أي حبة شعير، قال الأبي قوله (وكان في قلبه من الخير) هذا ظاهر في
стр. 1847
ثُمَّ يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلا اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيرِ مَا يَزِنُ بُرَّة، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إلهَ إلا اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً".
زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَال يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ فَقَال شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَدِيثِ. إلا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ، مَكَانَ الذَّرَّةِ، ذُرَةً. قَال يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامٍ
ــ
أن هذه الأقدار زائدة على الإيمان ويأتي في الرواية الآتية أن هذه الأقدار من الإيمان لأنه قال فيها مثقال كذا من إيمان ويجمع بينهما بان ما سيأتي على تقدير مضاف تقديره مثقال كذا من طاعات إيمانٍ ثم يحتمل أن هذه الزيادة من الطاعات الظاهرة أو من الخفية كالخشوع والشفقة على مسلم (ثم) بعد خروج من ذكر (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله) مع عديلتها (وكان في قلبه) أي في قصده (من الخير) غير الإيمان (ما يزن) ويعدل (بُرة) بضم الباء الموحدة وتشديد الراء المفتوحة أي حبة من بُر وقمح (ثم) بعد خروج ذلك (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير) غير الإيمان (ما يزن) ويعدل (ذرة) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء المفتوحة واحد الذر وهو الحيوان المعروف الصغير من النمل (زاد) محمد (بن منهال في روايته) لهذا الحديث على غيره جملة قوله (قال) لنا (يزيد) بن زريع (فلقيت شعبة) بن الحجاج (فحدثته) أي فحدثت شعبة (بالحديث) الذي سمعته من سعيد بن أبي عروبة (فقال) لي (شعبة حدثنا به) أي بهذا الحديث (قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بالحديث) المذكور، والجار والمجرور في قوله بالحديث بدل من الجار والمجرور في قوله حدثنا به لأنه يجوز إبدال الظاهر من المضمر كعكسه، قال يزيد بن زُريع (إلا أن شعبة) أي لكن إن شعبة (جعل) في روايته (مكان الذرة) بفتح الذال المعجمة التي هي النمل الأحمر الصغير أي ذكر بدلها (ذُرة) بضم الذال وفتح الراء المخففة الحب المعروف من القوت ولكنه أراد نوعًا منها التي هي أصغرها المسمَّاة بالدُّخُن لأن غيرها من أنواعها لا يليق بهذا المقام لكبر حجمها كالذُرة الحبشية والذُرة الشامية لأن أنواعها تبلغ الآن نحو ثلاثين نوعًا كما هو معروف في الأُرُميا لأنها قُوتُهم واتفقوا على أنه تصحيف من شعبة وأوقعه في هذا التصحيف مجانسة الذرة لما قبلها من الحبوب، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى (قال يزيد) بن زُريع (صحَّف) وغير (فيها) أي في لفظ ذرة من الفتح إلى الضم (أبو بسطام)
стр. 1848
٣٧٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلالٍ الْعَنَزِيُّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلالٍ الْعَنَزِيُّ. قَال: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ
ــ
كنية شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم الحافظ البصري، ووقع عند العُذْرِي وغيره دُرَّة بضم الدال المهملة وتشديد الراء وهو من تصحيف التصحيف. اهـ أبي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٧٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو الربيع) سليمان بن داود (العتكي) الزهراني البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، وقال القاضي عياض: ونسبه مسلم مرة زهرانيًا ومرة عتكيًا ومرة جمع بينهما ولا يجتمعان بوجه وكلاهما يرجع إلى الأزد إلا أن يكون للجمع بينهما سبب من جِوَار أو حِلف، والأزد من أعظم قبائل العرب وأشهرها تُنسب إلى الأزد بن الغوث بن نَبْتِ بن مالك بن كهلان من القحطانية، راجع معجم قبائل العرب ١/ ١٥، وزهران هم بنو زهران بن كعب بن الحارث بطن من شنوءة من الأزد والعتكي نسبة إلى العتيك وهم بنو العتيك بن الأسد بن عمران بطن من الأزد كانوا يقطنون عُمان السابق. اهـ منه مع ما في هامشه، قال أبو الربيع (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت ففيه من الثامنة مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا معبد بن هلال العنزي) بفتح العين المهملة والنون بعدها زاي البصري، روى عن أنس بن مالك في الإيمان والفتن وبعض الحديث عن الحسن عن أنس وعُقبة بن عامر الجهني وغيرهم ويروي عنه (خ م س) وحماد بن زيد وسليمان التيمي ومعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة وجماعة، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثناه) أي حدثنا الحديث المذكور يعني حديث أنس بن مالك (سعيد بن منصور) بن شعبة أبو عثمان الخراساني نزيل مكة ثقة مصنف من العاشرة مات سنة (٢٢٧) روى عنه في (١٥) بابا تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لغرض بيان قوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي لسعيد بن منصور لا لأبي الربيع، قال سعيد (حدثنا حماد بن زبد) البصري، قال (حدثنا معبد بن هلال العنزي قال) معبد (انطلقنا) أي ذهبنا مع رهط من أهل البصرة (إلى أنس
стр. 1849
ابْنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ، فَانْتَهَينَا إِلَيهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأذَنَ لَنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَال لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ. قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَال: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَغضٍ. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا. وَلكِنْ عَلَيكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇،
ــ
ابن مالك) الأنصاري (وتشفعنا) أي طلبنا الاتصال (بـ) ـواسطة (ثابت) بن أسلم البُناني (فـ) توجهنا إليه و (انتهينا إليه) أي وصلنا إلى بيته (وهو) أي والحال أن أنسًا (يصلي) صلاة (الضحى) أي في وقت الضحوة (فاستأذن) أي طلب الإذن (لنا) في الدخول عليه في مجلسه (ثابت) بن أسلم البُناني (فـ) أذن لنا و (دخلنا عليه) في مجلسه (وأجلس) أنس (ثابتًا على سريره) أي على كرسيه، وفيه أنه ينبغي للعالم وكبير المجلس أن يكرم فضلاء الداخلين عليه ويميزهم بمزيد إكرام في المجلس وغيره، وهذا السند أيضًا من خماسياته ورجاله كلهم بصريون.
قال النواوي: وهذه الأسانيد الخمسة من قوله وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار إلى هنا رجالها كلهم بصريون وهذا الاتفاق في غاية من الحُسْنِ ونهايةِ من الندور أعني اتفاق خمسة أسانيد متوالية في صحيح مسلم جميعهم بصريون، والحمد لله على ما هدانا له. اهـ.
(فقال له) ثابت (يا أبا حمزة) كُنية أنس (أن إخوانك من أهل البصرة) جاؤوك (يسألونك) ويرجون منك (أن تُحدثهم) عن النبي ﷺ (حديث الشفاعة) أي حديثًا ورد في شفاعة النبي ﷺ الشفاعة العظمى العامة لجميع الأمم (قال) أنس ﵁ (حدثنا محمد ﷺ حديث الشفاعة (قال) محمد في حديثه (إذا كان) أي حصل وجاء (يوم القيامة ماج الناس) واجتمع (بعضهم إلى بعض) أي اختلطوا واضطربوا متحيرين أفاده ملا علي، وفي المصابيح (بعضهم في بعض) (فيأتون آدم) ﵇ (فيقولون اشفع) إلى ربك أي اطْلُب الخير منه (لذريتك) أي لأولادك ليُريحهم من هذا الموقف الرهيب (فيقول) آدم (لستُ) أهلًا (لها) أي لهذه الشفاعة (ولكن) أقول لكم كلمة نصيحةٍ (عليكم بإبراهيم) الخليل (﵇) أي
стр. 1850
فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا. وَلكِنْ عَلَيكُمْ بِمُوسَى ﵇، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ. فَيُؤْتَى مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا. وَلَكِنْ عَلَيكُمْ بَعِيَسى ﵇، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ. فَيُؤْتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا. وَلَكنْ عَلَيكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأذِنُ عَلَى رَبِّي. فَيُؤْذَنُ لِي، فَأقُومُ بَينَ يَدَيهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيهِ الآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللهُ،
ــ
الزموه واطلبوا منه الشفاعة لكم إلى ربكم (فإِنه خليل الله) وحبيبه فله وَجَاهةٌ ومنزلة عند الله تعالى (فيأتون إبراهيم) فيقولون له يا إبراهيم أنت خليل الله وصفيه فاشفع لنا إلى ربك (فيقول) لهم إبراهيم (لست) اليوم أهلًا (لها) فيعتذر إليهم ببعض ما وقع له في الدنيا (ولكن عليكم بموسى ﵇) أي اذهبوا إليه واطلبوا منه الشفاعة (فإِنه كليم الله) تعالى أي سامع كلامه تعالى في الدنيا فله منزلة عند الله تعالى (فيُؤتى موسى) أي يأتي الناس إليه ويقولون له اشفع لنا إلى ربك يا موسى (فيقول) موسى لهم (لست) أهلًا (لها) أي أهلًا للشفاعة مستحقًا واعتذر إليهم ببعض المعاذير (ولكن) أقول لكم (عليكم بعيسى ﵇) أي اذهبوا إليه والزموه حتى يشفع لكم عند ربكم (فإِنه) أي فإن عيسى (روح الله وكلمته) ألقاها إلى مريم بنت عمران، وتقدم تفسيرهما لك بما لا مزيد عليه (فيُؤتى عيسى) أي يأتون عيسى ويقولون له أنت روح الله وكلمته ولك منزلة عند ربك فاشفع لنا عنده (فيقول) عيسى لهم (لست) أهلًا (لها) ومستحقًا بها (ولكن عليكم بمحمد ﷺ أي الزموه واطلبوا منه الشفاعة لكم عند ربكم (فاُوتَى) أنا بصيغة المبني للمجهول أي يأتون ويطلبون مني الشفاعة عند ربهم (فأقول) لهم (أنا) أهلٌ (لها) مستحق بها (فأنطلق) أي فأذهب إلى مقام المناجاة (فأستأذن) في إظهار شكواي (على ربي فيُؤذن لي) في ذلك (فأقوم بين يديه) (فأحمده) سبحانه (بمحامد لا أقدر عليه) أي أصفه بأوصاف لا أستطيع عليها (الآن) أي في الدنيا، وفي بعض النسخ (إلا أن يُلهمنيه الله) على الاستثناء بدل الآن، قال النواوي: هكذا هو في الأصول (لا أقدر عليه) بتذكير الضمير وهو صحيح ويعود الضمير في عليه إلى الحمد وكان الظاهر أن يقال (عليها) بتأنيث الضمير فيعود إلى المحامد (يُلهمنيه) أي يُلقي ذلك الحمد (الله) في قلبي في ذلك الوقت وكان الظاهر أيضًا أن يقال (يُلهمنيها) بتأنيث الضمير الرابط لأن الجملة صفة لمحامد
стр. 1851
ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: رَبِّ، أُمَّتِي، أُمَّتِي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ. فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفعْ. فَأَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِيَ: انْطَلِقْ. فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ
ــ
(ثم) بعدما وصفته بمحامد (أَخِرُّ) وأسقط على وجهي (له ساجدًا) أي ساجدًا له سبحانه (فيقال لي) أي يُنادي منادٍ من الله سبحانه قائلًا (يا محمد ارفع رأسك) من السجود (وقل) ما شئت من الكلام (يُسْمَعْ لك) قولك سماع قبولٍ (وسل) أي اطلب ما شئت من الله سبحانه في خاصة نفسك وفي أمتك (تُعْطَه) بإسكان الهاء على السكت أو على الوقف أي تعط مسئولك (واشفع) لمن شئت (تُشفَّع) أي تُقبل في شفاعتك (فأقول) أنا يا (رب) يُهمني (أمتي أمتي) بالتكرار مرتين، وفي بعض النسخ يا رب أمتي أمتي بزيادة حرف النداء (فيقال) لي من جنابه سبحانه (انطلق) أي اذهب يا محمد إلى النار (فمن كان في قلبه) من أهل النار (مثقال حبة) أي عدل حبة واحدة ووزنها (من بُرة) أي قمح بضم الباء وتشديد الراء المفتوحة (أو) قال من (شعيرة) واحدة الشعير كلاهما قوت معروف (من إيمان) تمييزُ ذاتٍ لمثقال (فأخرجه منها) أي من النار، قال النواوي: هكذا في بعض الأصول، وفي بعضها فأخرجوه بالضمير مع واو الجمع فالضمير راجع إلى النبي ﷺ ومن معه من الملائكة، وفي بعضها فأخرجوا بحذف الضمير لأنه فضلة فيجوز حذفها (فأنطلق) أي فأذهب إلى النار (فأفعل) ذلك الذي أمرني به ربي (ثم أرجع) ثانيًا (إلى) موضع مناجاة (ربي فأحمده) أي فأصفه (بتلك المحامد) والأوصاف أي بمثلها (ثم) بعد حمده (أَخِرُّ) أي أسقط (له ساجدًا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول) يارب يُهمني (أمتي أمتي فيقال لي انطلق) أي اذهب إلى النار (فمن كان في قلبه مثقال حبة) أي وزن حبة (من خردل) حب معروف من الأبازير (من إيمان) تمييز مثقال (فأَخْرِجْهُ) بالإفراد والضمير في جميع الأصول كما أومأ إليه النواوي (منها) أي من النار (فأنطلق) إلى النار (فأفعل) ما أمرني
стр. 1852
ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُل يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَة، وَاشفَعْ تُشَفعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي، أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِيَ: انْطَلِقْ. فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ"
ــ
به ربي من الإخراج (ثم أعود) وأرجع (إلى) موضع مناجاة (ربي) ثالثًا (فأحمده بتلك المحامد ثم أَخِرُّ له ساجدًا فيقال لي) مِن ذلك الجناب (يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع لك وسل تُعطه واشفع تُشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق) إلى النار (فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى) بالتكرار ثلاثًا أي أقل أقل أقل (من مثقال حبة من خردل) صفة لحبة (من إيمان) تمييز لمثقال (فأخرجه من النار فأنطلق) إلى النار (فأفعل) ذلك الذي أمرني به ربي، قال النواوي: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلِّمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثير، وفي المفهم قوله: (فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من بُرةٍ أو شعيرةٍ من إيمان فأخرجه منها) إلى أن قال (أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان) اختلف الناس في هذا الإيمان المقدَّر بهذه المقادير فمنهم من قال هو اليقين ورأى أن العلم يصح أن يقال فيه إنه يزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن وباعتبار دوام حضوره وأنه ينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن، وهذا معقول غير أن حَمْل هذا الحديث عليه فيه بُعْدٌ لما جاء من حديث أبي سعيد الخدري السابق حيث قال الشافعون: لم نَذَرْ فيها خيرًا مع أنه تعالى مُخرج بعد ذلك جموعًا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله وهم مؤمنون قطعًا، ولو لم يكونوا مؤمنين لما خرجوا بوجه من الوجوه، ولذلك قال تعالى: لأُخْرِجنَّ من قال لا إله إلا الله وعن إخراج هؤلاء عبَّر بقوله فيَقْبِضُ قبضةً فيُخْرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط.
فإذًا فالأصح في تأويل هذا الحديث أن يكون الإيمان هنا أطلق على أعمال القلوب كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشِبْهِ ذلك، وسماها إيمانًا لكونها في محل الإيمان أو من الإيمان على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب وإنما قلنا: أراد به أعمال القلوب هنا دون أعمال الأبدان لقوله: (من كان في قلبه) و (وجدتم في قلبه) فخصه بالقلب، ولا جائز أن يكون التصديق على ما تقدم فتعين ما قلنا، والله أعلم.
стр. 1853
هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي أَنْبَأَنَا بِهِ. فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ. فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ قُلْنَا: لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ فَسَلَّمْنَا عَلَيهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَارِ أَبِي حُذَيفَةَ. قَال: فَدَخَلْنَا عَلَيهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيهِ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ. فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثٍ حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ. قَال: هِيهِ،
ــ
وذكر الحبة ونصفها والمثقال ونصفه وأدنى من ذلك هي كلها عبارات عن كثرة تلك الأعمال وقِلَّتِهَا. اهـ.
(هذا) المذكور (حديث أنس) أي لفظ حديث أنس بن مالك (الذي أنبأنا) وأخبرنا (به) في ذلك اليوم، وهذا من كلام معبد بن هلال العنزي أي قال معبد: هذا المذكور حديث أنس الذي سمعنا منه (فخرجنا من عنده) أي من عند أنس (فلما كنا بظهر الجَبَّان) أي بظاهر مقابر البصرة وأعلاها المرتفع منها، والجبَّان مقابر البصرة كالحجون لمكة والبقيع للمدينة، قال أهل اللغة: الجبَّان والجبَّانة بفتح الجيم والباء المشددة الصحراء، وسُمي بذلك المقابر لأنها في الصحراء وهي من تسمية الشيء باسم موضعه (قلنا) أي قال بعضنا لبعض (لو مِلْنَا) وعَدَلْنا (إلى الحسن) بن أبي الحسن البصري وذهبنا إليه (فسلمنا عليه) لكان خيرًا لنا فجواب لو محذوف (وهو) أي والحسن يومئذ (مُسْتَخْفٍ) أي مستتر ومُتغَيِّب عن الناس (في دار أبي حذيفة) خوفًا من فتنتهم، قال النواوي: وكان استخفاؤه من الحجاج الثقفي الجائر المشهور، قال الأبي: كان يتخوَّف من الحجاج فدخل الدار مستترًا فيها ودعا الله سبحانه أن يستره عنهم فدخلوا الدار ست مرات فلم يجدوه وهو فيها، وكان الحسن يُعرّض بالحجاج وكان الحجاج يقول في الحسن: عِلْجٌ يَنْزِلُ خِصَاصَ البصرة له خطابة وبيان يخطب الناس إن شاء وإن شاء سكت لقد هممتُ أن أسقي الأرض من دمه (قال) معبد (فدخلنا عليه) أي على الحسن (فسلمنا عليه فقلنا) له (يا أبا سعيد) كنية الحسن (جئنا من عند أخيك أبي حمزة) أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله ﷺ (فلم نسمع) من أحد من الناس (مثل حديثٍ حدثناه) أبو حمزة اليوم (في الشفاعة) أي في شفاعة محمد ﷺ فـ (قال) الحسن لنا (هيه) أي حَدِّثُونيهِ، قال القاضي: (هيه) بسكر الهاء الأولى وإسكان الياء وكسر الهاء الثانية وتقال بالهمزة بدل الهاء الأولى، قال ابن السَّرِيِّ: بكسر الهاء إذا استزدته من حديث مُعيَّن فإن وصلْت نَوَّنْتَ، فقلت: إيهٍ يا فتى، وإن استزدته من حديث
стр. 1854
فَحَدَّثْنَاهُ الْحَدِيثَ. فَقَال: هِيهِ، قُلْنَا: مَا زَادَنَا. قَال: قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ جَمِيعٌ وَلَقَدْ تَرَكَ شَيئًا مَا أَدْري أَنَسِيَ الشَّيخُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا. قُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا. فَضَحِكَ وَقَال: "خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ. مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا إلا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ. "ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ،
ــ
غير معيَّن نونتَ فقلت: إيهٍ أي حدِّث أي حديث كان، فإن أسكتَّه قلت: إِيهًا عنَّا اهـ.
(فحدثناه) أي حدثنا الحسن (الحديث) الذي سمعناه من أنس (فقال) الحسن لنا (هيه) أي زيدوه لي (قلنا) للحسن (ما زادنا) أنس على هذا الحديث الذي حدَّثْنَاكَهُ (قال) الحسن والله (قد حدثنا) أنس (به) أي بهذا الحديث (منذ عشرين سنة) أي من قبل عشرين سنة (وهو) أي والحال أن أنسًا (جَمِيع) بفتح الجيم وكسر الميم بعدها ياء ساكنة أي مجتمع القوة والحفظ كاملهما لم يأخذ منه الكِبَر (ولقد ترك) أي والله لقد ترك أنس (شيئًا) من هذا الحديث الذي حدثكموه (ما أدري) ولا أعلم (أَنَسِيَ الشيخ) ذلك الشيء الذي تركه من الحديث (أو كره) الشيخ (أن يُحدثكم) ذلك الشيء (فتتكلوا) عليه وتقصروا في أعمالكم اتكالًا واكتفاءً عنها بذلك الشيء، قال معبد بن هلال (قلنا له) أي للحسن (حدثنا) يا أبا سعيد ذلك الشيء الذي تركه أنس منا (فضحك) الحسن من قولنا، وفيه ضحك العالِمِ بحضرة أصحابه إذا كان بينه وبينهم أُنس ولم يخرج بضحكه إلى حد يعد تركًا للمروءة (وقال ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾) أي ملتبسًا بعجل أي باستعجال (ما ذكرتُ لكم هذا) الذي تركه منكم في حال من الأحوال (إلا وأنا) أي إلا والحال أنا (أريد) وأقصد (أن أُحدثكموه) أي أُحدثكم ذلك الشيء الذي تركه عنكم، قال النواوي: قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا، وجاء مثله في الصحيح أنه ﷺ طرق فاطمة وعليًّا ﵄ ليلًا فانصرف وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾ قال الحسن: وذلك الشيء الذي تركه أنس قوله ﷺ (ثم) بعد إخراج من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان (أرجع إلى) موضع مناجاة (ربي في) المرة (الرابعة) قال السنوسي: وهذا ابتداء تمام الحديث بقوله (ثم أرجع) أي قال رسول الله ﷺ ثم أرجع الرابعة (فأحمده بتلك المحامد ثم أَخِرُّ له ساجدًا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك
стр. 1855
وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللهُ. قَال: لَيسَ ذَاكَ لَكَ أَوْ قَال: لَيسَ ذَاكَ إِلَيكَ) وَلَكِنْ، وَعِزَّتِي، وَكِبْرِيَائِي، وَعَظَمَتِي، وَجِبْرِيَائِي، لأُخْرِجَنَّ مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللهُ"
ــ
وقل يُسمع لك وسل تُعط) بدون هاء السكت (واشفع تُشفع فأقول يا رب ائذن لي في) إخراج (من قال لا إله إلا الله) محمد رسول الله قال الأبي: قال الحميدي: يعني من قالها من أمتي، وقال أبو طالب عقيل بن أبي طالب: يحتمل ذلك ويحتمل من قالها من كل أمة، ويؤيد العموم طلب الإذن في الشفاعة لأنه قد كان أَذِنَ له في الشفاعة في أمته وما كان له أن يُقْدِمَ على الشفاعة في ذلك دون إذن لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ الآية، وحالات المشفوع فيه أربع: من عنده مثقال بُرةٍ، ومن عنده مثقال ذرة، ومن عنده أدنى من ذرة، والرابع: من قال لا إله إلا الله مرة واحدة صدقًا من قلبه ثم غفل عن استصحابها، قال الحميدي: لأنه إن قالها مرتين فالثانية خير زائد على الإيمان فيرجع إلى أحد المقادير الأُوَل.
(قال) (ليس ذاك) أي إخراج من قال لا إله إلا الله مرة واحدة مستحقًا (لك) يا محمد (أو قال) النبي ﷺ قال الله (ليس ذاك) الإخراج مفوَّضًا (إليك) يا محمد والشك من الراوي، قال الأبي: أطلق له في السؤال ووعد الإعطاء حيث قال (سل تُعط) ووعده تعالى صِدْقٌ، ثم لما سأل قيل: ليس ذلك لك ويُجاب بأنه إنما وعد إعطاء ما يمكن إعطاؤه، وإعطاؤه هذا غير ممكن لأنه مما استأثر الله به، والنبي ﷺ إنما سأل ذلك ظنًّا أن إعطاءَه ممكن ولا يُعترض بأنه ﷺ قد علم في الدنيا أنه مما استأثر الله به لأنا نقول وإن عَلِمَه في الدنيا فيجوز أن يكون نسي ذلك في الآخرة والنسيان عليه جائز لا سيما في ذلك اليوم وقد يتعين هذا التأويل أعني الحمل على النسيان إذ لا يجوز أن يسأل نبي ما يعلم أنه غير ممكن. والله أعلم. اهـ منه (ولكن وعزتي) أي ولكن يا محمد أقسمت لك بعزتي (وكبريائي وعَظَمَتي وجبريائي لأخرجن) من النار (من قال لا إله إلا الله) محمد رسول الله في عمره مرة صدقًا من قلبه.
قال السنوسي: معنى ليس ذلك إليك ليس إخراج من ليس معه إلا كلمة التوحيد إليك وإنما الذي يفعل ذلك "أنا تعظيمًا لاسمي وإجلالًا لتوحيدي" وهو مخصص لعموم
стр. 1856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله ﷺ في حديث أبي هريرة (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من: قال لا إله إلا الله) ويحتمل أن يجري على عمومه ويحتمل على حال ومقام آخر. اهـ قال النواوي: معنى لأخرجن من قال لا إله إلا الله لأتفضلن عليهم بإخراجهم من غير شفاعة أحد. والله أعلم.
وفي المفهم قوله (وعزتي) العزة القوة والغلبة ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني ويقال أيضًا عز الشيء إذا قل فلا يكاد يوجد مثله، يَعزُّ عَزًّا وعَزَازةً وعَزَّ يَعِزُّ عَزًّا إِذا صار قويًّا بعد ضعف وذِلَّة فعزّة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة وهو مع عديم المثل والنظير ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (وكبريائي) والكبرياء والكبر كلاهما مصدر كَبُرَ في نفسه يَكْبُرُ وأصله من كبُر في نفسه لا من كبر السن ولا من كبر الجرم لكن صار ذلك بحُكم عُرفِ الاستعمال عبارةً عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعًا لها على الغير، ومن هاهنا كان الكِبْرُ قبيحًا ممنوعًا في حقنا واجبًا في حق الله تعالى وبيانه أن الكمال الحقيقي المطلق لا يصح إلا لله تعالى وكمال غيره إنما هو غرض نسبي فإذا وصف الحق نفسه بالكبر ونسبه إليه كانت النسبة حقيقة في حقه إذ لا أكمل منه ولا أرفع فكل كامل ناقص وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله، وقوله (وعظمتي) والعظمة بمعنى الكبرياء غير أنها لا تستدعي غيرًا يتعاظم عليه كما يستدعيه الكبر على ما بينَّا، وأيضًا فقد يُستعمل الكبير فيما لا يُستعمل فيه العظيم فيُقال فلان كبير السن ولا يُقال عظيم السن، وقوله (وجبريائي) بكسر الجيم معناه بجبروتي، قال القاضي عياض: جاءت لموازنة الكبرياء كما قالوا الغدايا والعشايا والأصل وجبروتي، والجبروت العظمة والجبار العظيم الشأن الممتنع على من يرومه ومنه نخلة جبارة إذا فاقت الأيدي طولًا، ويُقال منه جبار بين الجبْرِية والجبروت، وقيل القاهر، وقيل في اسم الجبار إنه المُصلح من جبرتُ العَظم أي جبر فقر عباده فيكون بمعنى المحسن والتاء في الجبروت لمبالغة الجبر مثل ملكوت ورحموت ورهبوت من المُلك والرحمة والرهبة، وقال بعضهم: والفرق بين العزة والكبرياء والعظمة والجبرياء أن العزة صفة أثرها غلبته تعالى على غيره، والكبرياء صفة أثرها تَرَفُّعُهُ تعالى على غيره، والعظمة صفة أثرها اتصافه تعالى بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله، والجبرياء صفة أثرها قهره تعالى من شاء بما شاء على ما شاء.
стр. 1857
قَال: فَأَشهَدُ عَلَى الحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أُرَاهُ قَال: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ.
٣٧٧ - (١٧٣) (٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ (وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، إلا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ) قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ
ــ
(قال) معبد بن هلال العنزي (فأشهد على الحسن) البصري (أنه حدثنا به) أي بهذا الحديث المذكور، وجملة قوله: (أنه سمع أنس بن مالك) بدل من الضمير في به قال معبد (أُراه) أي أُرى الحسن وأظنه (قال قبل عشرين سنة وهو) أي والحال أن أنسًا (يومئذ) أي يوم إذ حدثنا (جميع) أي مجتمع الحفظ والقوة لم يأخذ منه السن والكبر.
قال النواوي: قوله: (فأشهد على الحسن أنه حدثنا به) إلى آخره إنما ذكره تأكيدًا ومبالغة في تحقيقه وتقريره في نفس المخاطب وإلا فقد سبق هذا في أول الكلام فلا حاجة إليه. والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بن مالك بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٧٧) - (١٧٣) (٩) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي ثقة من العاشرة (ومحمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني أبو عبد الرحمن ثقة من العاشرة، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (واتفقا) أي واتفق كل منهما (في سياق الحديث) أي في سوق الحديث ونظمه وترتيبه (إلا ما يزيد أحدهما من الحرف) أي من اللفظ المذكور له (بعد الحرت) أي بعد اللفظ الذي ذكره الآخر أي اتفقا في نظم الحديث وتركيبه إلا ما اختلفا فيه من اللفظ الذي زاده أحدهما دون الآخر (قالا) أي قال كل منهما (حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (٢٠٣) روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال (حدثنا أبو حيان) بالتحتانية المشددة يحيى بن سعيد بن حيان التيمي الكوفي المدني من تيم الرّباب ثقة عابد من السادسة مات سنة (١٤٥) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا (عن أبي زُرعة) هَرِم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من الثالثة روى عنه في (٢) تقريبًا (عن
стр. 1858
أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَال: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ــ
أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني الصحابي المُكثر، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة فإنه مدني (قال) أبو هريرة ﵁ (أُتي) بصيغة المضارع المبني للمجهول (رسول الله ﷺ أي أتاه آت (يومًا) من الأيام (بلحم) شاة (فرُفع إليه) بالبناء للمجهول أيضًا أي رُفع إليه ﷺ (الذراع) أي الكتف أي رفعها إليه أحد من الحاضرين من القصعة ووضعه في يده ﷺ ليأكله (وكانت) الذراع (تعجبه) من بين سائر لحم الشاة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: محبته ﷺ للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبُعدها عن مواضع الأذى والقذر، وقد روى الترمذي بإسناده عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ولكن كان لا يجد اللحم إلا غِبًّا فكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجًا (فنهس) ﷺ أي أخذ بأطراف أسنانه وقطع (منها) أي من لحم الذراع (نهسة) أي أخذة أي مرة وفي المرقاة فنهس أي أخذ بمقدم أسنانه منها أي من الذراع يعني مما عليها من اللحم.
قال القاضي: أكثر الرواة على أنه بالسين المهملة ووقع لابن ماهان (نهش) بالشين المعجمة وكلاهما صحيح بمعنى الأخذ بأطراف الأسنان.
قال الهروي: قال أبو العباس ثعلب: النهس بالمهملة أطراف الأسنان وبالمعجمة الأضراس (فقال) رسول الله ﷺ (أنا سيد الناس يوم القيامة) والسيد الفائق قومه المفزوع إليه عند الشدائد، وعبارة المفهم (أنا سيد الناس) المُقدَّم عليهم والسيد هو الذي يسُودُ قومه أي يفُوقهم بما جمع من الخصال الحميدة بحيث يلجئون إليه ويُعوِّلون في مهماتهم.
قال الشاعر:
فإن كنت سيدنا سُدْتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخُل
وقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبينا محمد ﷺ في ذلك
стр. 1859
وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ،
ــ
المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون ويشهد له بذلك النبيون والمرسلون وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء فكلهم تبرأ منها ودل على غيره إلى أن بلغت محلها واستقرت في نصيبها. وخص يوم القيامة وإن كان سيدهم أيضًا في الدنيا لخُلُوص ذلك اليوم له بلا منازع لأن آدم ﵇ وجميع أولاده تحت لوائه ﷺ .
قال الأبي قوله (أنا سيد الناس) أمره الله سبحانه أن يقول هذا نصيحة للأمة ليعرفوا حقه ﷺ فيُحبوه ويُعظموه ويمتثلوا أمره ويتقربوا إليه بالصلاة عليه والمدح له وإعمال المطي في زيارة مسجده ﷺ والاغتباط بذلك وكثرة حمد الله تعالى على التوفيق لاتباعه فيكثر بذلك ثوابهم وترتفع درجاتهم ويتخلصوا بذلك من أهوال الدنيا والآخرة. اهـ.
(وهل تدرون) أي وهل تعلمون (بم) أي بأي سبب (ذاك) أي سيادتي لجميع الناس يوم القيامة وم اسم استفهام دخل عليها حرف الجر فحُذفت ألفها فرقًا بينها وبين الموصولة وسبب سيادتي لهم أنه (يجمع الله) : (يوم القيامة الأولين والأخرين في صعيد واحد) أي في أرض واسعة مستوية (فـ) لأجل استوائها (يُسمعهم) النداء (الداعي) أي المُنادي الواحد (وينفذهم) أي يخرُقهم ويُجاوزهم (البصر) حتى يرى ما وراءهم.
قال ابن الأثير: أي يبلغهم بصر الناظر أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم لاستواء الصعيد. اهـ نهاية، وقال القرطبي: معناه أنهم مجتمعون مهتمون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد بحيث إن دعاهم داع سمعوه وإن نظر إليهم ناظر أدركهم، ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦].
قال النواوي: (ينفذهم) بالذال المعجمة وبضم الياء وبفتحها.
وقال الكسائي: يُقال نفذني بصره إذا بلغني وجاوزني إلى ما ورائي قال ويقال أنفذت القوم إذا خرقتهم ومشيت في وسطهم فإن جزتهم حتى تخلفتهم قلت نفذتهم بغير ألف، وقال أبو عبيد: والمراد بالبصر بصر الرحمان، وقال صاحب المطالع: بصر
стр. 1860
وَتَدْنُو الشَّمسُ فَيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ. فَيأْتُونَ آدَمَ. فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا
ــ
الرحمان محيط بالجميع في مستوى الأرض وغيرها وإنما المراد بصر الناظر، وقال أبو حاتم والمحدثون يقولون: بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة أي يرى جميعهم من نفدت وأنفدت. اهـ، وقال صاحب المطالع: معناه أنه يحيط بهم الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظرين.
قال السنوسي: والمقصود من هذه العبارة والله أعلم الكناية عن بروز الجميع في أرض مستوية ليس بعضها أخفض من بعض ولا فيها سرب ولا مدخل ولا شجر يستتر به أحد ويخفي نفسه حتى لا ينال حر الشمس ولا يُشاهد تلك الأهوال العظام لأن تعلق البصر بكل واحد من جماعة واستماعهم لداعيهم يستلزم عادة استواءهم في الظهور فعبَّر بهذا الملزوم وأُريد لازمه على ما تقرر في الكناية، وبهذا تَعْرِف ضعف تفسير البصر ببصر الرحمن لفوات الكناية معه وخلو الكلام عن الفائدة، والله تعالى أعلم.
(وتدنو) أي تقرب (الشمس) إليهم (فيبلغ الناس) أي يحصل لهم (من الغم) والهم (والكرب) والشدة (ما لا يطيقون) الصبر عليه (وما لا يحتملون) أي لا يقدرون حمله (فيقول بعض الناس لبعض) على سبيل الشكاية (ألا ترون ما أنتم فيه) من الشدائد والكروب (ألا ترون ما قد بلغكم) وحل بكم من الشدائد التي لا يُطاق حملها (ألا تنظرون) وتطلبون (من يشفع لكم) أي من يطلب لكم الخير والنجاة من هذه الشدائد (إلى ربكم) أي عند ربكم وقد قدَّمنا أن معنى الشفاعة طلب الخير من الغير للغير (فيقول بعض الناس لبعض ائتوا آدم) أبا البشر أي اذهبوا إليه واطلبوا الشفاعة منه (فيأتون آدم فيقولون) له (يا آم أنت أبو البشر) وجدُّهم الأعلى ولك منزلة وخاصية عند ربك لم توجد لغيرك؛ لأنه قد (خلقك الله) وأوجدك (بيده) أي بلا واسطة وَالِدَينِ (ونفخ فيك من روحه) بلا سبق مادة أصل آدمي (وأمر الملائكة) بالسجود لك (فسجدوا لك) ولك خصائص لم توجد لغيرك تُوجب لك منزلة عند ربك (اشفع لنا) أي اطلب لنا الخروج من
следующие страницы →