Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله ﷺ في حديث أبي هريرة (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من: قال لا إله إلا الله) ويحتمل أن يجري على عمومه ويحتمل على حال ومقام آخر. اهـ قال النواوي: معنى لأخرجن من قال لا إله إلا الله لأتفضلن عليهم بإخراجهم من غير شفاعة أحد. والله أعلم.
وفي المفهم قوله (وعزتي) العزة القوة والغلبة ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني ويقال أيضًا عز الشيء إذا قل فلا يكاد يوجد مثله، يَعزُّ عَزًّا وعَزَازةً وعَزَّ يَعِزُّ عَزًّا إِذا صار قويًّا بعد ضعف وذِلَّة فعزّة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة وهو مع عديم المثل والنظير ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (وكبريائي) والكبرياء والكبر كلاهما مصدر كَبُرَ في نفسه يَكْبُرُ وأصله من كبُر في نفسه لا من كبر السن ولا من كبر الجرم لكن صار ذلك بحُكم عُرفِ الاستعمال عبارةً عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعًا لها على الغير، ومن هاهنا كان الكِبْرُ قبيحًا ممنوعًا في حقنا واجبًا في حق الله تعالى وبيانه أن الكمال الحقيقي المطلق لا يصح إلا لله تعالى وكمال غيره إنما هو غرض نسبي فإذا وصف الحق نفسه بالكبر ونسبه إليه كانت النسبة حقيقة في حقه إذ لا أكمل منه ولا أرفع فكل كامل ناقص وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله، وقوله (وعظمتي) والعظمة بمعنى الكبرياء غير أنها لا تستدعي غيرًا يتعاظم عليه كما يستدعيه الكبر على ما بينَّا، وأيضًا فقد يُستعمل الكبير فيما لا يُستعمل فيه العظيم فيُقال فلان كبير السن ولا يُقال عظيم السن، وقوله (وجبريائي) بكسر الجيم معناه بجبروتي، قال القاضي عياض: جاءت لموازنة الكبرياء كما قالوا الغدايا والعشايا والأصل وجبروتي، والجبروت العظمة والجبار العظيم الشأن الممتنع على من يرومه ومنه نخلة جبارة إذا فاقت الأيدي طولًا، ويُقال منه جبار بين الجبْرِية والجبروت، وقيل القاهر، وقيل في اسم الجبار إنه المُصلح من جبرتُ العَظم أي جبر فقر عباده فيكون بمعنى المحسن والتاء في الجبروت لمبالغة الجبر مثل ملكوت ورحموت ورهبوت من المُلك والرحمة والرهبة، وقال بعضهم: والفرق بين العزة والكبرياء والعظمة والجبرياء أن العزة صفة أثرها غلبته تعالى على غيره، والكبرياء صفة أثرها تَرَفُّعُهُ تعالى على غيره، والعظمة صفة أثرها اتصافه تعالى بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله، والجبرياء صفة أثرها قهره تعالى من شاء بما شاء على ما شاء.
стр. 1857
قَال: فَأَشهَدُ عَلَى الحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أُرَاهُ قَال: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ.
٣٧٧ - (١٧٣) (٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ (وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، إلا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ) قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ
ــ
(قال) معبد بن هلال العنزي (فأشهد على الحسن) البصري (أنه حدثنا به) أي بهذا الحديث المذكور، وجملة قوله: (أنه سمع أنس بن مالك) بدل من الضمير في به قال معبد (أُراه) أي أُرى الحسن وأظنه (قال قبل عشرين سنة وهو) أي والحال أن أنسًا (يومئذ) أي يوم إذ حدثنا (جميع) أي مجتمع الحفظ والقوة لم يأخذ منه السن والكبر.
قال النواوي: قوله: (فأشهد على الحسن أنه حدثنا به) إلى آخره إنما ذكره تأكيدًا ومبالغة في تحقيقه وتقريره في نفس المخاطب وإلا فقد سبق هذا في أول الكلام فلا حاجة إليه. والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بن مالك بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٧٧) - (١٧٣) (٩) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي ثقة من العاشرة (ومحمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني أبو عبد الرحمن ثقة من العاشرة، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (واتفقا) أي واتفق كل منهما (في سياق الحديث) أي في سوق الحديث ونظمه وترتيبه (إلا ما يزيد أحدهما من الحرف) أي من اللفظ المذكور له (بعد الحرت) أي بعد اللفظ الذي ذكره الآخر أي اتفقا في نظم الحديث وتركيبه إلا ما اختلفا فيه من اللفظ الذي زاده أحدهما دون الآخر (قالا) أي قال كل منهما (حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (٢٠٣) روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال (حدثنا أبو حيان) بالتحتانية المشددة يحيى بن سعيد بن حيان التيمي الكوفي المدني من تيم الرّباب ثقة عابد من السادسة مات سنة (١٤٥) روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا (عن أبي زُرعة) هَرِم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من الثالثة روى عنه في (٢) تقريبًا (عن
стр. 1858
أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَال: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ــ
أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني الصحابي المُكثر، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة فإنه مدني (قال) أبو هريرة ﵁ (أُتي) بصيغة المضارع المبني للمجهول (رسول الله ﷺ أي أتاه آت (يومًا) من الأيام (بلحم) شاة (فرُفع إليه) بالبناء للمجهول أيضًا أي رُفع إليه ﷺ (الذراع) أي الكتف أي رفعها إليه أحد من الحاضرين من القصعة ووضعه في يده ﷺ ليأكله (وكانت) الذراع (تعجبه) من بين سائر لحم الشاة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: محبته ﷺ للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبُعدها عن مواضع الأذى والقذر، وقد روى الترمذي بإسناده عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ولكن كان لا يجد اللحم إلا غِبًّا فكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجًا (فنهس) ﷺ أي أخذ بأطراف أسنانه وقطع (منها) أي من لحم الذراع (نهسة) أي أخذة أي مرة وفي المرقاة فنهس أي أخذ بمقدم أسنانه منها أي من الذراع يعني مما عليها من اللحم.
قال القاضي: أكثر الرواة على أنه بالسين المهملة ووقع لابن ماهان (نهش) بالشين المعجمة وكلاهما صحيح بمعنى الأخذ بأطراف الأسنان.
قال الهروي: قال أبو العباس ثعلب: النهس بالمهملة أطراف الأسنان وبالمعجمة الأضراس (فقال) رسول الله ﷺ (أنا سيد الناس يوم القيامة) والسيد الفائق قومه المفزوع إليه عند الشدائد، وعبارة المفهم (أنا سيد الناس) المُقدَّم عليهم والسيد هو الذي يسُودُ قومه أي يفُوقهم بما جمع من الخصال الحميدة بحيث يلجئون إليه ويُعوِّلون في مهماتهم.
قال الشاعر:
فإن كنت سيدنا سُدْتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخُل
وقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبينا محمد ﷺ في ذلك
стр. 1859
وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ،
ــ
المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون ويشهد له بذلك النبيون والمرسلون وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء فكلهم تبرأ منها ودل على غيره إلى أن بلغت محلها واستقرت في نصيبها. وخص يوم القيامة وإن كان سيدهم أيضًا في الدنيا لخُلُوص ذلك اليوم له بلا منازع لأن آدم ﵇ وجميع أولاده تحت لوائه ﷺ .
قال الأبي قوله (أنا سيد الناس) أمره الله سبحانه أن يقول هذا نصيحة للأمة ليعرفوا حقه ﷺ فيُحبوه ويُعظموه ويمتثلوا أمره ويتقربوا إليه بالصلاة عليه والمدح له وإعمال المطي في زيارة مسجده ﷺ والاغتباط بذلك وكثرة حمد الله تعالى على التوفيق لاتباعه فيكثر بذلك ثوابهم وترتفع درجاتهم ويتخلصوا بذلك من أهوال الدنيا والآخرة. اهـ.
(وهل تدرون) أي وهل تعلمون (بم) أي بأي سبب (ذاك) أي سيادتي لجميع الناس يوم القيامة وم اسم استفهام دخل عليها حرف الجر فحُذفت ألفها فرقًا بينها وبين الموصولة وسبب سيادتي لهم أنه (يجمع الله) : (يوم القيامة الأولين والأخرين في صعيد واحد) أي في أرض واسعة مستوية (فـ) لأجل استوائها (يُسمعهم) النداء (الداعي) أي المُنادي الواحد (وينفذهم) أي يخرُقهم ويُجاوزهم (البصر) حتى يرى ما وراءهم.
قال ابن الأثير: أي يبلغهم بصر الناظر أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم لاستواء الصعيد. اهـ نهاية، وقال القرطبي: معناه أنهم مجتمعون مهتمون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد بحيث إن دعاهم داع سمعوه وإن نظر إليهم ناظر أدركهم، ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦].
قال النواوي: (ينفذهم) بالذال المعجمة وبضم الياء وبفتحها.
وقال الكسائي: يُقال نفذني بصره إذا بلغني وجاوزني إلى ما ورائي قال ويقال أنفذت القوم إذا خرقتهم ومشيت في وسطهم فإن جزتهم حتى تخلفتهم قلت نفذتهم بغير ألف، وقال أبو عبيد: والمراد بالبصر بصر الرحمان، وقال صاحب المطالع: بصر
стр. 1860
وَتَدْنُو الشَّمسُ فَيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ. فَيأْتُونَ آدَمَ. فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا
ــ
الرحمان محيط بالجميع في مستوى الأرض وغيرها وإنما المراد بصر الناظر، وقال أبو حاتم والمحدثون يقولون: بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة أي يرى جميعهم من نفدت وأنفدت. اهـ، وقال صاحب المطالع: معناه أنه يحيط بهم الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظرين.
قال السنوسي: والمقصود من هذه العبارة والله أعلم الكناية عن بروز الجميع في أرض مستوية ليس بعضها أخفض من بعض ولا فيها سرب ولا مدخل ولا شجر يستتر به أحد ويخفي نفسه حتى لا ينال حر الشمس ولا يُشاهد تلك الأهوال العظام لأن تعلق البصر بكل واحد من جماعة واستماعهم لداعيهم يستلزم عادة استواءهم في الظهور فعبَّر بهذا الملزوم وأُريد لازمه على ما تقرر في الكناية، وبهذا تَعْرِف ضعف تفسير البصر ببصر الرحمن لفوات الكناية معه وخلو الكلام عن الفائدة، والله تعالى أعلم.
(وتدنو) أي تقرب (الشمس) إليهم (فيبلغ الناس) أي يحصل لهم (من الغم) والهم (والكرب) والشدة (ما لا يطيقون) الصبر عليه (وما لا يحتملون) أي لا يقدرون حمله (فيقول بعض الناس لبعض) على سبيل الشكاية (ألا ترون ما أنتم فيه) من الشدائد والكروب (ألا ترون ما قد بلغكم) وحل بكم من الشدائد التي لا يُطاق حملها (ألا تنظرون) وتطلبون (من يشفع لكم) أي من يطلب لكم الخير والنجاة من هذه الشدائد (إلى ربكم) أي عند ربكم وقد قدَّمنا أن معنى الشفاعة طلب الخير من الغير للغير (فيقول بعض الناس لبعض ائتوا آدم) أبا البشر أي اذهبوا إليه واطلبوا الشفاعة منه (فيأتون آدم فيقولون) له (يا آم أنت أبو البشر) وجدُّهم الأعلى ولك منزلة وخاصية عند ربك لم توجد لغيرك؛ لأنه قد (خلقك الله) وأوجدك (بيده) أي بلا واسطة وَالِدَينِ (ونفخ فيك من روحه) بلا سبق مادة أصل آدمي (وأمر الملائكة) بالسجود لك (فسجدوا لك) ولك خصائص لم توجد لغيرك تُوجب لك منزلة عند ربك (اشفع لنا) أي اطلب لنا الخروج من
стр. 1861
إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِن رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثلَهُ. وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشجَرَةِ فَعَصَيتُهُ، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيرِي،
ــ
هذه الكروب وكشفها عنا (إلى ربك) أي عند ربك (ألا ترى) وتنظر (إلى ما نحن فيه) من الشدائد (ألا ترى إلى ما بلغنا) أي وصل إلينا وحل بنا من الأهوال (فيقول آدم) ﵇ (إن ربي) قد (غضب) وسخط (اليوم غضبًا لم يغضب) قَطُّ (قبله) أي قبل هذا اليوم (مثله) أي مثل ذلك الغضب (و) غضب اليوم غضبًا (لن يغضب) عَوْضُ (بعده) أي بعد هذا اليوم (مثله) أي مثل ذلك الغضب. قال النواوي: والمراد بغضب الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يرونه من أليم عذابه وما يُشاهده أهل المجمع من الأهوال التي لم تكن قبل ولن يكون مثلها بعد ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله، وهذا معنى غضب الله تعالى كما أن رضاءه ظهور رحمته ولطفه بمن أراد به الخير والكرامة لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضاء، والله أعلم.
قلت: والمذهب الأسلم في أحاديث الصفات وآياتها إمرارها على ظاهرها وعدم تأويلها، وعليه فالحق أن يقال هنا غضب الله تعالى صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها والله تعالى أعلم وكذا يقال في رضائه تعالى.
قال السنوسي: (فإن قلت) كون ما وُجد من الانتقام في ذلك اليوم لم يُوجد قبلُ ظاهرٌ وأما كونه لا يُوجد بعده فليس بظاهر كيف وعذاب الكافرين بعده لا ينقطع (قلت) إن المخاوف في ذلك اليوم عظمت حتى خاف المطيع، بل ورد إن جهنم حين تزفر لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه وبعد هذا اليوم وانقضائه باستقرار كل فريق في منزله لا يكون الحال هكذا بل أهل الجنة يأمنون ويحل عليهم الرضوان الذي لا سخط بعده أبدًا فالخوف العام والهول الأعظم الذي خاف من أجله البرآء أن ينالهم توبيخ أو ملام لم يكن قبل ذلك اليوم ولا يكون بعده على الدوام، اهـ منه.
(وإنه) (نهاني عن) أكل ثمر (الشجرة) التي هي الموز أو غيرها على ما قيل كما بسطت الكلام عليها في الحدائق (فعصيته) أي فعصيت نهيه بأكلها تُهمُّني اليوم (نفسي نفسي) مرتين على التأكيد (اذهبوا إلى غيري) ممن يصلح لهذه الشفاعة
стр. 1862
اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأرضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِن رَبِّي قُدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ،
ــ
(اذهبوا إلى نوح) تخصيص بعد إطلاق لأنه أوقع في النفس (فيأتون نوحًا فيقولون) له (يا نوح أنت أول الرسل) بالدعوة إلى التوحيد (إلى) أهل (الأرض وسماك الله عبدًا شكورًا) أي كثير الشكر لنعم ربه صيغة مبالغة من الشكر، حيث قال في كتابه العزيز ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾. (اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ) من الشدائد والأهوال (ألا ترى ما قد بلغنا؟ ) أي وصل إلينا من المخاوف (فيقول لهم) نوح (إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه) أي وإن الشأن والحال (قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) بقولي ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ فاستجيب لي ولا أدري ما يفعل بي ربي بسببها فاليوم تُهمُني (نفسي نفسي اذهبوا إلى إبراهيم ﵇) خليل الرحمن (فيأتون إبراهيم فيقولون) له (أنت) يا إبراهيم (نبي الله وخليله) أي صفيّه (من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى) وتنظر (إلى ما نحن فيه) من الأهوال العظام (ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ ) ووصل إلينا من الشدائد (فيقول لهم إبراهيم إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وذكر) لهم (كذباته) اعتذارًا عن نفسه. وقد فسرها في الطريق الثاني بأنها قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم، وقوله عن زوجته سارة: هي أختي، وليست بكذبات حقيقة لأن الأولى على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري أي أهذا الكوكب ربي أي ليس ربي، نظير قول الشاعر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبع رميت الجمر أم بثمان
стр. 1863
نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسى. فَيَأْتُونَ مُوسى ﷺ فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. فَضَّلَكَ اللهُ، بِرِسَالاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ﷺ . فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ
ــ
أي أبسبع، والثانية قالها توطئة للاستدلال على أنها ليست آلهة وقطعًا لدعواهم أنهما تضر وتنفع ولذا عقبه بقوله فاسألوهم إن كانوا ينطقون، والثالثة إنما قالها تعريفًا لأنه سيسقم في المستقبل واسم الفاعل يكون بمعنى المستقبل، والرابعة إنما عنى أنها أخته في الإسلام كما نص عليه بقوله لها أنت أختي في الإسلام، تُهمُّني اليوم (نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﷺ فيقولون) له (يا موسى أنت رسول الله) قد (فضلك الله برسالاته وبتكليمه) إياك، وقوله (على الناس) متعلق بفضلك، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾، قال القرطبي: ولا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك، إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المُشرك كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ]، واستيفاء الكلام على هذه المسألة سؤالًا وجوابًا في كتب الكلام. اهـ. (اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قتلت نفسًا لم أُومَرْ بقتلها) فلا أدري ما يعاملني ربي فيها وهو قتل القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي وهو كافر، تُهمُني اليوم (نفسي نفسي اذهبوا إلى عيسى ﷺ فيأتون عيسى فيقولون) له (يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في) زمن (المهد) والسرير الذي يُمهَّد لك لتضجع عليه لصغرك أي حالة كونك صغيرًا في تلك الحالة (وكلمة منه) سماه كلمة لأنه كان بكلمة كن من غير أن يتقلب في أطوار الخلق كما تقلب غيره
стр. 1864
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ. فَاشفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيه؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى ﷺ : إِن رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغضَبْ قَبلَهُ مِثلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيرِي، اذهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . فَيَأتُونِي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغَفَر اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشَفْعَ لَنَا إِلَى رَبًكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَاقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي،
ــ
(ألقاها) أي ألقى تلك الكلمة (إلى مريم) أي أبلغها وأوصلها إليها (وروح منه) قد تقدم البسط في هذا المقام فلا عود ولا إعادة (فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ) من الشدائد والأهوال (ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر) عيسى في هذه الرواية (له ذنبًا) يعتذر به، تُهمُني (نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتوني فيقولون) لي (يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء) قد خُتِمُوا بك، كما نص عليه في سورة الأحزاب وكما أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا، ولا اعتبار بما قاله بعض الزنادقة محتجًا بما وقع في الحديث المشهور من زيادة قوله وسيكون بعدي ثلاثون وكلهم يدَّعِي أنه نبي لا نبي بعدي إلا من شاء الله، وهذه الزيادة باطلة زادها محمد بن سعيد الشامي المصلوب على الزندقة وإنما زادها لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة ولم تحفظ إلا من طريقه، وتأولها بعضهم إن صحت بعيسى ﵇ للإجماع على نزوله ولكنه لا ينزل رسولًا إلى أهل الأرض حينئذ (ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي) قد زاد عليه في حديث أنس (فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد ثم أَخِرُّ ساجدًا) قال القرطبي: وبمجموع الحديثين يكمل المعنى، ويُعْلم مراعاة النبي ﷺ لآداب الحضرة العلية، ثم اعلم أن هذا الانطلاق من النبي ﷺ إنما هو إلى جنة الفردوس التي هي أعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن كما جاء في الصحيح بناء على أن لا محل له هناك إلا الجنة والنار وعلى أن العرش محيط بأعلى الجنة. والله تعالى أعلم.
стр. 1865
ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُفهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسنِ الثَّنَاءِ عَلَيهِ شَيئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي. ثُمَّ قَال: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأسَكَ، سَل تُعْطَه، اشفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي. أُمَّتِي. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ، مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيهِ، مِنَ الْبَابِ الأَيمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ. وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ
ــ
ولا شك في أن دخول الجنة هو المحل الكريم لا بد فيه من استئذان الخزنة، وعن هذا عثر بقوله ﷺ : (فأستأذن على ربي) ولا يُفهم من هذا ما جرت به عاداتنا في أن المستأذِنَ عليه قد احتجب بداره وأحاطت به جهاته فإذا استُؤذن عليه فأذن دخل المستأذن معه فيما أحاط به إذ كل ذلك على الله تعالى محال فإِنه منزه عن الجسمية ولوازمها.
(ثم يفتح الله) ويُفيض (عليَّ ويُلهمني) أي يُلقي في رُوعِي (من محامده) جمع محمدة بمعنى الثناء والوصف الجميل (وحُسْن الثناء عليه) تعالى عطف تفسير لما قبله وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي والثناء الحسن (شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي) تنبيه: في حديث أبي هريرة إن المحامد كانت بعد السجود، وفي حديث أنس قبل السجود في حالة القيام، وذلك يدل على أنه ﷺ أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كله في قيامه وسجوده إلى أن أُسعف في طلبته. اهـ ط (ثم قال) لي (يا محمد ارفع رأسك) من السجود و (سل) ما شئت (تعطه) و (اشفع) لمن شئت بما شئت (تُشفع) أي تُقبل شفاعتك فيه (فـ) بعد هذا القول (أرفع رأسي فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدْخِل الجنة من أمتك من لا حساب) ولا مناقشة (عليه) يعني والله أعلم السبعين ألفًا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون (من الباب الأيمن) وهو الذي على يمين القاصد إلى الجنة بعد جواز الصراط والله أعلم (من أبواب الجنة) الثمانية وكأنه أفضل الأبواب، والضمير في قوله (وهم شركاء الناس) أي في دخولهم (فيما سوى ذلك من الأبواب) أي لا يُمنعون منها، يحتمل أن يعود إلى الذين لا حساب عليهم وهو الظاهر ويكون معناه أنهم لا يُلجؤون إلى الدخول من الباب الأيمن بل يدخلون من أي باب شاؤوا تكرمة لهم كما جاء في حديث أبي بكر الصديق ﵁ حيث قال: (فهل على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فقال صلى
стр. 1866
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِن مَا بَينَ الْمِصْرَاعَينِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ
ــ
الله عليه وسلم: لا وأرجو أن تكون منهم) متفق عليه، وكما قال ﷺ : (فيمن أسبغ الوضوء وهلل بعده أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) رواه مسلم وأصحاب السنن إلا أبا داود من حديث عمر بن الخطاب ﵁، ويحتمل أن يعود الضمير إلى الأمة، وفيه بُعد. اهـ من المفهم.
وفي المفهم قوله: (يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه) هذا يدل على أنه شفع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقف فإنه لَمَّا أُمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم ولذلك قال في الرواية الأخرى (فيُؤذن له وتُرسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط) وهذا المساق أحسن من مساق حديث معبد عن أنس فإِنه ذكر فيه عَقِيبَ استشفاعه لأهل الموقف أنه أجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامة التي طلب منه أهل الموقف، وكأن هذا الحديث سكت فيه عن هذه الشفاعة فذُكرت شفاعته لأمته لأن هذه الشفاعة هي التي طُلبت عن أنس أن يُحدِّث بها في ذلك الوقت وهي التي أنكرها أهل البدع. والله تعالى أعلم. قال القاضي رحمه الله تعالى: شفاعات سيدنا محمد ﷺ يوم القيامة أربع: الأولى: شفاعته العامة لأهل الموقف ليُعجِّل حسابهم ويُراحوا من هول موقفهم وهي الخاصة به ﷺ . الثانية: في إدخال قوم من أمته الجنة دون حساب. الثالثة: في قومٍ من مُوحِّدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيُخرجون من النار ويُدخلون الجنة بشفاعته وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة فمنعتها على أصولهم الفاسدة وهي الاستحقاق الأصلي المبني على التحسين والتقبيح العقليَّينِ وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم أنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة عَلِمَ على الضرورة صحة ذلك وفساد قول من خالف في ذلك. الرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها والله أعلم. اهـ من إكمال المعلم.
(والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين) أي إن ما بين طرفي المصراعين (من مصاريع الجنة) والمصراع من الباب أحد غلقتيه يُجمع على مصاريع. اهـ منجد.
стр. 1867
لَكَمَا بَينَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ. أَوْ كَمَا بَينَ مَكَّةَ وَبُصْرَى".
٣٧٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛
ــ
والباب هو الذي يُغلق من مجموع المصراعين إلى عضادتي الباب وعُضادتا الباب خشبتاه من جانبيه المتصلتان بالجدار. اهـ منه. والمصراعان الشُّقتان من الباب المغلقتان بالغلق، أي إن بُعد ما بين طرفيِّ المصراعين من مصاريع الجنة وطرفاه هما المتصلتان بالعُضادتين (لكما بين مكة وهجر) أي لكبُعد مسافة ما بين مكة المكرمة وبين هجر التي من بلاد البحرين (أو) قال (كـ) بُعد (ما بين مكة) المكرمة (وبصرى) الشامية، يحتمل أن يكون هذا شكًّا من بعض الرواة ويحتمل أن يكون تنويعًا كأنه ﷺ قال: إذا رأى ما بينهما راء قدَّره بكذا وقدَّره آخر بكذا ويصح أن يقال سلك بها مسلك التخيير فكأنه قال قدِّروها إن شئتم بكذا وإن شئتم بكذا. وهجر هذه مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، قال الجوهري في صحاحه: هجر اسم بلد مذكر مصروف والنسبة إليه هاجري، قال النووي: وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث (إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر) لأن تلك قرية من قرى المدينة المنورة كانت القلال تُصنع بها وهي غير مصروفة، وبُصْرَى بضم الباء وسكون الصاد وبألف مقصورة هي مدينة مشهورة من مدن الشام بينها وبين مكة شهر وهي على ثلاث مراحل من دمشق.
وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة شارك المؤلف في روايته البخاري [٣٣٤٠] والترمذي [٢٤٣٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٧٨) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٠) بابًا تقريبًا (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الثامنة مات سنة (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (عن عمارة بن القعقاع) بن شُبْرُمةَ الضبي الكوفي ثقة من السادسة روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من الثالثة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد
стр. 1868
قَال: "وُضِعَتْ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ. فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ. وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيهِ. فَنَهَسَ نَهْسَةً فَقَال: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ نَهَسَ أُخرَى فَقَال: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ قَال: أَلا تَقُولُونَ كَيفَهْ؟ قَالُوا: كَيفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال:
ــ
نسائي، وغرضه بسوقه بيان متابعة عمارة بن القعقاع لأبي حيان في رواية هذا الحديث عن أبي زرعة، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قال) أبو هريرة (وُضعت بين يدي رسول الله ﷺ أي قُدامه (قصعة) أي إناء يُشْبع ثلاثة أنفار (من ثريد) أي من خبز فُتِّت وبُلَّ بالمرق (ولحم) شاة (فتناول) أي أخذ من اللحم (الذراع) أي ذراع الشاة ويدها (وكانت) الذراع (أحب) لحم (الشاة إليه) أي عنده ﷺ (فنهس) أي أخذ من الذراع بأطراف مقدم أسنانه (نهسة) أي أخذة (فقال أنا سيد الناس) ورئيسهم (يوم القيامة) والسيد من يُفْزع إليه عند الشدائد (ثم نهس) من اللحم نهسة (أخرى فقال أنا سيد الناس يوم القيامة) مرة ثانية (فلما رأى) وعلم (أصحابه لا يسألونه) عن سبب ذلك (قال) رسول الله ﷺ (ألا تقولون) أي أتسكتون عنِّي ولا تقولون (كيفه) أي كيف تكون سيد الناس يوم القيامة أي في أي حال تكون سيدهم لأن كيف استفهام عن الحال والهاء في كيفه هاء السكت ليست ضميرًا يؤتى بها عند الوقف حفظًا للحركة (قالوا) أي قال الحاضرون من الأصحاب (كيفه) بهاء السكت أيضًا أي كيف تكون سيدهم (يا رسول الله) في ذلك اليوم، قال القاضي قوله (ألا تقولون كيفه) الهاء للسكت تلحق الاسم والفعل والحرف وإنما تلحق لتصحيح الحركة قبلها وحفظها من السقوط نحو غُلاميه وكتابيه ولم يتسنه على قولٍ وأينه وكيفه على قول بعضهم، أو لتمام المنقوص نحو عَمَّهْ ولِمَهْ وقِه، أولمد الصوت في النداء والنُّدبة، وفيه من الفوائد تنبيه العالم الطالب على موضع السؤال إذا انقبض الطالب عنه وتعظيم القوم العالم أن يسألوه عن كل شيء ولعل هذا كان بعد نهيهم عن السؤال إلا فيما أُذن لهم فيه. اهـ. قال النواوي: وأما قول الصحابة (كيفه يا رسول الله) فأثبتوا الهاء في حالة الدرج ففيها وجهان حكاهما صاحب التحرير وغيره: أحدهما أن من العرب من يُجْري الدَّرْجَ مجرى الوقف، والثاني: أن الصحابة قصدوا اتباع لفظ النبي ﷺ الذي حثهم عليه فلو قالوا كيف لما كانوا سائلين عن اللفظ الذي حثهم عليه. والله أعلم اهـ (قال)
стр. 1869
يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ. وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبرَّاهِيمَ فَقَال. وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: هَذَا رَبِّي. وَقَوْلَهُ لآلِهَتِهِمْ: بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. وَقَوْلَهُ: إِنِّي سَقِيمٌ. قَال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيَدِهِ، إِن مَا بَينَ الْمِصْرَاعَينِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيِ انبَابِ لَكَمَا بَينَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ".
قَال: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَال.
٣٧٩ - (١٧٤) (١٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ البَجَلِيُّ،
ــ
رسول الله ﷺ (يقوم الناس) كلهم من الأولين والآخرين في عرصات القيامة (لـ) عرض (رب العالمين) وحسابهم على أعمالهم (وساق) عمارة بن القعقاع (الحديث) السابق أي ذكره على سياقه ونظمه وترتيبه من كير تغيير (بمعنى حديث أبي حيان عن أبي زرعة و) لكن (زاد) عمارة بن القعقاع على حديث أبي حيان (في قصة إبراهيم) ﷺ أي زاد لفظة (فقال) رسول الله ﷺ (وذكر) إبراهيم في اعتذاره إليهم (قوله) أي قول إبراهيم (في الكوكب هذا ربي) في صورة الأنعام (وقوله لآلهتهم) في صورة الأنبياء (بل فعله كبيرهم هذا، وقوله) في سورة الصافات (إني سقيم قال) رسول الله ﷺ (والذي نفس محمد بيده أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة) جمع مصراع (إلى عضادتي الباب) والمصراعان ما بين العضادتين والعضادتان خشبتا الباب من جانبيه ذكره الجوهري (لكما بين مكة) المكرمة (و) بين (هجر) بلدة من بلاد البحرين (أو) قال الراوي أو من دونه لكما بين (هجر ومكة) بتقديم هجر على مكة (قال) أبو هريرة أو أبو زرعة (لا أدري) ولا أعلم (أي ذلك) أي أيَّ التركيبين (قال) النبي ﷺ أو قال أبو هريرة، والشك من أبي هريرة فيما قاله النبي ﷺ ، ومن أبي زرعة فيما قال أبو هريرة هل قال تقديم مكة على هجر أو قال بتقديم هجر على مكة. والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة والاستشهاد لحديث أنس أيضًا بحديث حذيفة ﵁ فقال:
(٣٧٩) - (١٧٤) (١٠) (حدثنا محمد بن طريف بن خليفة البجلي) أبو جعفر الكوفي روى عن محمد بن فضيل في كتاب الإيمان في باب الشفاعة وعمر بن عبيد وأبي
стр. 1870
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. وَأَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ قَالا: قَال: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ. فَيقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ:
ــ
معاوية ويروي عنه (م د ت ق) وعبد الله بن زيدان، وقال في التقريب: صدوق من صغار العاشرة مات اليوم الأول أو اليوم الثاني من صفر يوم الجمعة سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين بالكوفة، قال (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق عارف رُمي بالشيع من التاسعة مات سنة (١٩٥) روى عنه في (٢٠) بابا تقريبًا، قال (حدثنا أبو مالك) سعد بن طارق بن أشيم (الأشجعي) الكوفي ثقة من الرابعة مات في حدود سنة (١٤٠) روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي ثقة من الثالثة مات على رأس المائة روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة فإنه مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي حازم لأبي زرعة (و) قال محمد بن فضيل أيضًا حدثنا (أبو مالك) الأشجعي (عن ربعي) بن حِرَاش العبسي أبي مريم الكوفي عابد من الثانية مات سنة (١٠٠) مائة روى عنه في (٦) أبواب تقريبًا (عن حذيفة) بن اليمان العبسي أبي عبد الله الكوفي حليف الأنصار الصحابي الجليل من السابقين صاحب سِرِّ رسول الله ﷺ مات سنة (٣٦) في خلافة علي روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا، وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وغرضه الاستشهاد بحديث حذيفة لحديث أبي هريرة السابق رضي الله تعالى عنهما (قالا) أي قال كل من أبي هريرة وحذيفة بن اليمان (قال رسول الله ﷺ يجمع الله ﵎ الناس) في عرصات القيامة (فيقوم المؤمنون) من بين الكفار (حتى تُزلَفَ) وتُقَرَّب (لهم الجنة) من أزلف الرباعي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ أي قُربِّت ﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ قال المازري: قوله (حتى تُزلف) بضم التاء وسكون الزاي وفتح اللام على صيغة المبني للمجهول أي يقومون من بين الكفار ويجتمعون في موضع قريب إلى الجنة حتى قُرِّبت لهم الجنة وتُدْنَى لهم للمشاورة في طلب من يشفع لهم عند ربهم (فيأتون آدم) ﵇ (فيقولون) له
стр. 1871
يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إلا خَطيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْني إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ. قَال: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ،
ــ
(يا أبانا) ويا جَدَّنَا (استفتح لنا الجنة) أي اطلب لنا من الله سبحانه فتح أبواب الجنة (فيقول) آدم (وهل أَخْرَجَكُم من الجنة إلا خطيئة أبيكم) وذنبه حين أكل الشجرة التي نُهي عن أكلها، وقوله (آدم) بالفتحة عطف بيان من أبيكم أو بدل منه وفي بعض النسخ التشكيل بالضم وهو خطأ إلا أن يقال بدل اشتمال من خطيئة على ما قيل (لست) أنا (بصاحب ذلك) المقام أي أهلًا لذلك المطلوب الذي طلبتموه من الشفاعة (اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله) فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت خليل الرحمن وصفيُّه استفتح لنا الجنة (قال) رسول الله ﷺ (فيقول) لهم (إبراهيم لست بصاحب ذلك) الاستفتاح (إنما كنت خليلًا من وراء) موسى ﵇ الذي كان من (وراء) محمد ﷺ فأنا من الخُلّة في المرتبة الثالثة. قال (ع) وفي هذا حجة لمزيته ﷺ في القُرب على إبراهيم ﵇، وليس ذلك إلا بالرؤيا والمناجاة، والله أعلم بقوله وراء وراء، وقال القرطبي: معناه أنا متأخر عن غيري في الخُلَّة وإنما كمال الخُلَّة لمن خُص بالمقام المحمود في ذلك اليوم، قال النووي: قال صاحب التحرير: هذه كلمة تُذكر على سبيل التواضع أي لست بتلك الدرجة الرفيعة، قال: وقد وقع لي معنى مليح فيه وهو أن معناه أن المكارم التي أُعطيتُها كانت بوساطة سفارة جبريل ﵇ ولكن ائتوا موسى فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة، قال: وإنما كرر وراء وراء لكون نبينا محمد ﷺ حصل له السماع بغير واسطة وحصل له الرؤية، فقال إبراهيم: أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد ﷺ وعليهم أجمعين هذا كلام صاحب التحرير وأما ضبط وراء وراء فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين فحينئذ تقول في إعرابها من حرف جر مبني بسكون على النون المُدغمة في واو وراء، وراء وراء ظرف مركب من الظروف المكانية في محل الجر بمن مبني على فتح الجزأين بُني الجزء الأول لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا لافتقاره إلى الجزء الثاني وبُني الجزء الثاني لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا لتضمنه معنى حرف العطف وهو نظير خمسة عشر وإنما حُرِّك ليُعلم أن له أصلًا في الإعراب وكانت الحركة فتحةً للخِفَّةِ
стр. 1872
اعْمِدُوا إِلَى مُوسى ﷺ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيمًا. فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. اذْهَبُوا إِلَى عِيسى كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ. فَيَقُولُ عِيسى ﷺ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ . فَيَقُومُ فَيُؤذَنُ لَهُ. وتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ. فَتقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَال: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي،
ــ
مع ثِقَلِ التركيب والجار والمجرور متعلق بواجب الحذت لوقوعه صفة لخليلًا أي إنما كنتُ خليلًا كائنًا من وراء وراء أي خليلًا وراءَ منزلتَين، وما ذكره النواوي هنا كلام لا طائل له عند النحاة (اعمدوا) أي اقصدوا (إلى موسى ﷺ الذي كلمه الله) (تكليمًا) بلا واسطة (فيأتون موسى ﷺ فيقول) موسى (لست بصاحب ذلك) المقام (اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه) فيأتون عيسى (فيقول) لهم (عيسى ﷺ لست بصاحب ذلك) أي صاحب ذلك المقام المحمود ولا أهلًا له ولكن اذهبوا إلى محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين فإِنه صاحب ذلك المقام (فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم) محمد ﷺ استئذانًا لربه في الشفاعة (فيُوذن له) ﷺ في الشفاعة فَيشفَع في فصل القضاء (وتُرسل الأمانة) ضِدُّ الخيانة (والرحم) أي القرابة أي تطلقان وتصوران مشخصتين على الصفة التي أرادها الله تعالى، قال النواوي: إرسالهما لعِظَم شأنهما وكثير موقعهما فتُصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى (فتقومان جنبتي الصراط) بفتح الجيم والنون أي تقومان على جانبي الصراط (يمينًا وشمالًا) لتطالبا كُل من يريد الجوازَ على الصراط بحقوقهما، والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة أمرهما مما يلزم العباد من رعاية حقهما تمثلان هنالك للأمين والخائن والواصل والقاطع فتُحَاجَّان عن المحق الذي راعاهما وتشهدان على المبطل الذي أضاعهما ليتميز كل منهما، وفي الحديث حث على رعاية حقهما والاهتمام بأمرهما، وجنبتا الصراط ناحيتاه اليمنى واليسرى. اهـ من المرقاة.
(فيمر أولكم) أيتها الأمة مرورًا على الصراط كالبرق) أي كلَمَعَانِ البرق أي يمر مرورًا كمرور البرق الخاطف على العين أو حالة كون مروره كمرور البرق (قال) الراوي أبو هريرة أو حذيفة (قلت بأبي أنت وأمي) أي أنت يا رسول الله مفديُّ من كل مكروه
стр. 1873
أَيُّ شَيءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَال: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَينٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ. وَنَبِيّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ، سَلِّمْ سَلِّمْ. حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبادِ. حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيرَ إلا زَحْفًا"
ــ
بأبي وأمي (أيُّ شيء) من المخلوق يمر مرًا (كمر البرق) أي كمرور البرق ورجوعه استفهام تعجب (قال) رسول الله ﷺ (ألم تروا) وتنظروا (إلى البرق كيف يمر) بسرعة (ويرجع) إلى المحل الذي بدأ منه بسرعة (في) قدر (طرفة عين) ولمحتها وطرفة العين غلق الجفن على العين وفتحه (ثم) يمر ثانيهم مرًا كمر الريح) أي كمرور الريح المطلقة المرسلة (ثم) يمر ثالثهم (كمر الطير) المُسْرع في طيرانه (و) يشتد فريق منهم في مروره شدًّا كـ (شد الرجال) بكسر الراء وفتح الجيم أي كَعَدْو الرجال الأقوياء المبالغين في عَدْوهم، والشد هو العدو المبالغ والجري كما في حديث السعي (لا تقطع الوادي إلا شدًّا) أي إلا عدوًا كما في النهاية، قال القاضي: والصحيح المشهور فيه الجيم -أي كسرعة جريهم وعدوهم الشديد- جمع رجل وعند ابن ماهان كشد الرحال بالحاء المهملة وكأنه سُميت الراحلة بالرَّحْل ثم جُمع وشدُّها عدوها البالغ وجريها والمعنى متقارب أي كشد الرواحل جمع راحلة وفيه بُعد.
وقوله (تجري) وتسرع (بهم أعمالهم) تفسير لقوله فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الريح إلخ يعني أن سرعة مزهم على الصراط بقدر أعمالهم ألا تراه كيف قال داحتى تعجز أعمال العباد" والمعنى أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتهم وأعمالهم، بمعنى سرعة مرورهم إنما هي بقدر أعمالهم وهذا بعدل الله تعالى وإلا فكُل برحمته وفضله وفي رواية بعضهم (تجري بهم أعمالهم) ولا وجه لزيادة الباء في هذه الرواية. اهـ أبي (ونبيكم) أيتها الأمة المحمدية (قائم) يومئذ (على الصراط) حالة كونه (يقول) داعيًا الله يا (رب سلم) المارين على الصراط من السقوط في جهنم و (سلمـ) هم من خطف الكلاليب وقوله (حتى تعجز أعمال العباد) غاية لقوله تجري بهم أعمالهم بحسب تفاوت مراتبها حتى تعجز وتقصر أعمال بعض العباد عن الجري بهم لغلبة ما ارتكبوا من السيئات، وحتى في قوله (حتى يجيء الرجل) بمعنى الفاء أي فيجيء الرجل منهم للمرور على الصراط (فلا يستطيع السير) والمرور على الصراط (إلا زحفًا) أي إلا سير زحف
стр. 1874
قَال: "وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَة. مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ".
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيرَةَ بِيَدِهِ، إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا
ــ
ومشي على دُبُره لا يقدر القيام على رجليه كالصبي الذي يزحف على دُبُره، وفي المرقاة قوله (حتى تعجز) إلخ متعلق بتجري، وقوله (حتى يجيء الرجل) بدل من قوله حتى تعجز وتوضيح له. اهـ، وفي المفهم و (الزحف) مشيُ الضعيف يقال زحف الصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي وزحف البعير إذا أعيا فَجَرَّ فِرْسَنَهُ "خُفَّهُ" (قال) رسول الله ﷺ (وفي حافتي الصراط) بتخفيف الفاء أي جانبيه (كلاليب) جمع كَلُّوبٍ على وزن فَعُّول نظير سَفُّود وهي التي سماها فيما تقدم خطاطيف وهي حديدة مُعْوَجَّة الرأس مِثْل ما في المقادي (معلَّقة) في هواء جهنم (مأمورة) من الله تعالى (بأخذ من أُمرت به) أي بأخذ من أُمرت بخطفه (فـ) منهم (مخدوش) أي فمن المارين على الصراط مخدوش أي مخطوف بالكلاليب مقطّع بها (ناج) من السقوط في جهنم (و) منهم (مكدوس) أي مدفوعٌ مَرْمِيٌّ (في النارِ) قال في النهاية: أي مدفوع، وتكدس الإنسان إذا دُفع من ورائه فسقط، وفي رواية (مكردس) وهو بمعنى مكدوس يقال كردس الرجل خيله إذا جمعها كراديس أي قطعًا كبارًا، ويحتمل أن يكون معناه المكسور فقار الظهر، ويحتمل أن يكون من الكردسة وهو الوثاق يقال كُرْدِسَ الرجل جُمعت يداه ورجلاه حكاه الجوهري، قال أبو هريرة (والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم) أي إن بُعد عمقه (لسبعون خريفًا) أي لمسافة سبعين عامًا من إطلاق الجزء وإرادة الكل، يفسره ما في الحديث الآخر حيث قال فيه (إن الصخرة العظيمة لتُلقى في شفير جهنم فتهوي فيه سبعين عامًا) رواه الترمذي [٢٥٧٨] من حديث عتبة بن غزوان ﵁، والخريف أحد فصول السنة كما قال بعضهم:
ربيع صيف من الأزمان ... خريف شتاء فخذ بياني
وهو الذي تُخترفُ فيه أي تُجنى وتُقْطف فيه الثمار والعرب تذكره كما تذكر المساناة والمشاهرة يقال عاملته مُخارفة أي إلى الخريف، والأجود رفع (لسبعون) على الخبر، وبعضهم يرويه (لسبعين) وهو صحيح أيضًا مخفوضًا بالإضافة على مذهب من يُبقي المضاف إليه مخفوضًا بعد حذف المضاف فيكون التقدير إن قعر جهنم لسير سبعين
стр. 1875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خريفًا أو على أن قعر جهنم مصدر قَعَرْتُ الشيء إذا بلغت قعره ويكون سبعين ظرف زمان في موضع خبر إن، والتقدير إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفًا والخريف السنة كما مر آنفًا والله أعلم. وهذا الحديث انفرد به مسلم في روايته عن حذيفة ﵁.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة: الأول حديث أنس ذكره للاستدلال وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثالث حديث حذيفة وذكر للاستشهاد أيضًا.
***
стр. 1876
١٠٢ - (٧) باب: كون النبي ﷺ أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم شفاعة وكونه أول من تفتح له الجنة منهم
٣٨٠ - (١٧٥) (١١) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُختَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا"
ــ
١٠٢ - (٧) باب: كون النبي ﷺ أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم شفاعة وكونه أول من تفتح له الجنة منهم
(٣٨٠) - (١٧٥) (١١) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) (وإسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي أبو يعقوب المروزي المعروف بابن راهويه ثقة حافظ مجتهد من العاشرة مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابًا تقريبًا، وأتى بجملة قوله (قال قتيبة) إلخ تورعًا من الكذب على أحد شيخيه (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيُّ أبو عبد الله الكوفي من الثامنة مات سنة (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (عن المختار بن فُلفُل) بفاءين مضمومتين ولامين الأولى ساكنة مولى عمرو بن حُريث الكوفي صدوق له أوهام من الخامسة روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا (عن أنس بن مالك) الأنصاري الخزرجي النجاري البصري خادم رسول الله ﷺ .
وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد بصري وواحد نسائي أو مروزي (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ أنا أول الناس يشفع في) دخول (الجنة) قال الأبي: ليست هذه الشفاعة زائدة على الخمس المتقدمة لأن الدخول المذكور إن كان بعد الجزاء رجعت إلى شفاعة الإخراج وإن كانت قَبْلُ رجعت إلى شفاعة الإدخال. اهـ وعبارة المفهم هنا قوله (أنا أول الناس يشفع في الجنة) أي في دخول الجنة قبل الناس ويدل على هذا المعنى قوله في الآخر (أنا أول من يقرع باب الجنة) وقول خازن الجنة له (بك أُمرتُ لا أفتح لأحد قبلك) وقوله في حديث آخر (فأنطلق معي برجال فأُدْخِلُهم الجنة) وهذا إحدى شفاعاته ﷺ المتقدمة الذكر (وأنا أكثر الأنبياء تبعًا) أي أتباعًا (يوم القيامة) لكثرة من آمن بي لأن ديني غير منسوخ مستمر إلى يوم القيامة.
стр. 1877
٣٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاويةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قِال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوَّمَ الْقِيَامَةِ. وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ".
٣٨٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ،
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري فقط [٦٣٠٥] ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
(٣٨١) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٨) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا معاوية بن هشام) القصَّار الأسدي مولاهم أبو الحسن الكوفي روى عن الثوري في الإيمان والحدود، وهشام بن سعيد في اللعان، ويروي عنه (م عم) وأبو كريب وابن أبي شيبة وأحمد وإسحاق والقاسم بن زكرياء ومحمود بن غيلان وعبدة وثَّقَه أبو داود، وقال في التقريب: صدوق له أوهام من صغار التاسعة مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري أبي عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه حجة من السابعة مات سنة (١٦١) روى عنه في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا (عن مختار بن فلفل) مولى عمرو بن حُريث الكوفي (عن أنس بن مالك) وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أنس بن مالك فإنه بصري، وغرضه بسوقه بيان متابعة سفيان الثوري لجرير بن عبد الحميد في رواية هذا الحديث عن مختار بن فلفل، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (قال: قال رسول الله ﷺ أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة وأنا أول من يَقْرَعُ) ويَدُقُّ باب الجنة) طلبًا للاستفتاح. قال الأبي (فإن قلت) تقدم في الحديث الذي قبله أنه يتأخر عند الصراط حتى تَجُوزَ الأمة يقول: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّم وذلك مناف لكونه أول من يقرع باب الجنة (قلت) لا ينافيه لأن الناس محبوسون عن الدخول حتى يأتي رسول الله ﷺ كما دل عليه قوله (أمرتُ أن لا أفتح لأحد قبلك) اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
(٣٨٢) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن
стр. 1878
حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ؛ قَال: قَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ. لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ. وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إلا رَجُلٌ وَاحِدٌ".
٣٨٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا:
ــ
عثمان العبسي مولاهم الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (١٦) بابا تقريبًا، قال (حدثنا حسين بن علي) بن الوليد الجُعفي مولاهم أبو محمد الكوفي ثقة من التاسعة مات سنة (٢٠٣) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي ثقة ثبت من السابعة مات سنة (١٦٠) مائة وستين وروى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا (عن المختار بن فلفل) مولى عمرو بن حُريث الكوفي صدوق من الخامسة (قال) المختار (قال أنس بن مالك) ﵁، وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم كوفيون إلا أنس بن مالك فإنه بصري، وغرضه بسوقه بيان متابعة زائدة بن قدامة لجرير بن عبد الحميد في رواية هذا الحديث عن المختار بن فلفل، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (قال النبي ﷺ أنا أول شفيع في) دخول (الجنة) وأنا أكثر الأنبياء تبعًا لأنه (لم يُصدَّق) ولم يُتبع (نبي من الأنبياء) فيما أُرسل به، و (ما) في قوله (ما صُدِّقت) مصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر مجرور بإضافة مثل إليه منصوب على كونه صفة لمصدر محذوف، والتقدير لم يُصدَّق نبي من الأنبياء تصديقًا مثل تصديقي ولذلك كنت أكثرهم تبعًا (وإن من الأنبياء نبيًّا ما يُصدِّقه) أي لم يُصدِّقه (من أمته إلا رجل واحد) أو رجلان كلوط ﵇ لم يُؤمن به إلا زوجا ابنتيه، وفي المفهم: وقوله في هذه الرواية (أنا أول شفيع في الجنة) يمكن حمله على ما تقدم ويحتمل أن يراد به أنه يشفع في رفع منازل بعض أهل الجنة والأول أظهر. اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
(٣٨٣) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٢) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٠) بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال
стр. 1879
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَسْتَفْتِحُ. فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ"
ــ
كل من عمرو وزهير (حدثنا هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مِقْسَم الليثي مولاهم أبو النضر البغدادي خراساني الأصل كان أهل بغداد يفتخرون به ثقة ثبت من التاسعة مات سنة (٢٠٧) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت من السابعة مات سنة (١٦٥) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا (عن ثابت) بن أسلم بن موسى البُناني مولاهم أبي محمد البصري ثقة عابد من الرابعة مات سنة (٢٢٣) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان بغداديان أو نسائي وبغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ثابت البناني للمختار بن فلفل في رواية هذا الحديث عن أنس بن مالك، وفائدتها تقوية السند الأول لأن المختار صدوق له أوهام، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سياق الحديث ولما فيها من الزيادة عليها، وغرضه الاستدلال بها على الجزء الأخير من الترجمة.
(قال) أنس (قال رسول الله ﷺ آتي) مضارع أتى الثلاثي أي آتي أنا وأجيء (باب الجنة يوم القيامة فأستفتح) بضم الحاء مضارع استفتح السداسي أي أطلب فتحه من خازن الجنة (فيقول الخازن) لي (من أنت؛ ) أيها المستفتح (فأقول) له أنا (محمد) خاتم الأنبياء والمرسلين (فيقول) الخازن لي (بك) أي بالفتح لك (أُمرت) من جانب ربي (لا أفتح) أي وأُمرت أن لا أفتح (لأحد قبلك) تكرمة من الله سبحانه لك يا محمد.
وشارك المؤلف في هذه الرواية أحمد فقط [٣/ ٣٦] ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الترجمة إلا حديث أنس بن مالك وذكر له ثلاث متابعات، والله أعلم.
стр. 1880
١٠٣ - (٨) باب: اختباء النبي ﷺ دعوته شفاعة لأمته
٣٨٤ - (١٧٦) (١٢) حدّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا
ــ
١٠٣ - (٨) باب: اختباء النبي ﷺ دعوته شفاعة لأمته
أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان الأحاديث الواردة في ادخار النبي ﷺ دعوته المحققة الإجابة بوعده تعالى التي أعطاها لكل نبي من الأنبياء وجَعْلِها شفاعةٌ لأمته بدل ما يدعوها في الدنيا.
(٣٨٤) - (١٧٦) (١٢) (حدثني يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص الصَّدَفي منسوب إلى صدف قبيلة معروفة أبو موسى المصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٦٤) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا، قال (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا (قال) عبد الله بن وهب (أخبرني مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني ثقة ثبت إمام فقيه حجة من السابعة مات سنة (٩٠) روى عنه في (١٧) بابًا تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) القرشي الزهري أبي بكر المدني ثقة متقن حافظ من الرابعة مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابًا تقريبًا (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف بن عبد عوف الزهري المدني ثقة فقيه كثير الحديث من الثالثة مات سنة (٩٤) روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان (أن رسول الله ﷺ قال لكل نبي) من الأنبياء (دعوة) واحدة محققة الإجابة بوعده تعالى (يدعوها) أي يدعو ذلك النبي تلك الدعوة متيقنًا إجابتها وأما غير تلك الدعوة التي اختارها من دعواته فمرجوة الإجابة لعدم وعده تعالى إجابتها بعينها وتلك الدعوة كدعوة نوح ﵇ بقوله ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ فأُجيب بالطوفان، يعني أن لكل نبي دعوة أوحي إليه أنها تُقبل
стр. 1881
فَأُرِيدُ أَنْ أَختَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامةِ".
٣٨٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
ــ
منه وإلا فأكثر أدعيتهم مقبولة لكنهم عند الدعاء بغير هذه الدعوة ليسوا على يقين من قبولها. اهـ سنوسي.
قال القاضي: فإن قيل كيف هذا وقد أُجيب لهم دعوات؟ قيل المعنى دعوة محققة الإجابة بإعلان الله وغيرها مرجو الإجابة وفي المفهم قوله (لكل نبي دعوة) معناه أنهم عليهم الصلاة والسلام لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى ثم خيَّرهم في تعيينها، وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها وإلا فكم قد وقع لهم من الدعوات المجابة وخصوصًا نبينا ﷺ فقد دعا لأمته بأن لا يُسلط عليهم عدوًا من غيرهم وأن لا يُهلكهم بسَنَةٍ عَامَّةٍ فأُعطيهما وقد مُنع أيضًا بعض ما دعا لهم به إذ قد دعا أن لا يجعل بأسهم بينهم فمُنعها، وهذا يحقق ما قلناه من أنهم في دعواتهم راجون الإجابة بخلاف هذه الدعوة الواحدة، والله تعالى أعلم.
(فأُريد) أنا (أن أختبئ) وأدخر (دعوتي) التي وُعدت إجابتها وأجعلها (شفاعة لأمتي يوم القيامة) ولا أريد أن أدعو بها في الدنيا لأمتي أو على أمتي كغيري من الأنبياء، وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة فأَخَّرَ دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم. وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة شارك المؤلف في روايته أحمد [٢/ ٢٧٥] والبخاري [٦٣٠٤] والترمذي [٣٥٩٧] وابن ماجه [٤٣٠٧]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٨٥) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة من العاشرة (وعبد بن حميد) بن نصر أبو محمد الكسِّي نسبة إلى كسٍّ مدينة فيما وراء النهر ثقة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) روى عنه في (١٢) بابًا تقريبًا، وأتى بقوله: (قال زهير حدثنا) تورعًا من الكذب على أحد شيخيه، وأما عبد فروى بالعنعنة ولم يُصرح بصيغة السماع (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو يوسف المدني ثقة فاضل من التاسعة مات سنة
стр. 1882
حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَن عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ. وَأَرَدْتُ، إِنْ شَاءَ اللهُ، أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
٣٨٦ - (٠٠) (٠٠) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ
ــ
(٢٠٨) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، قال يعقوب (حدثنا) محمد (بن) عبد الله بن مسلم (أخي) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني صدوق له أوهام من السادسة مات سنة (١٥٢) قتله غلمانه بأمر ابنه روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (عن عمه) محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري المدني ثقة من الرابعة مات سنة (١٢٥) قال عمه ابن شهاب (أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) الزهري المدني (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي وعبد بن حميد فإنه كسِّي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن أخي ابن شهاب لمالك بن أنس في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وإلا فابن أخي ابن شهاب لا يصلح لتقوية مالك بن أنس لأنه صدوق له أوهام ومالك من أوثق الناس. (قال: قال رسول الله ﷺ لكل نبي) من الأنبياء (دعوة) واحدة وُعد بإجابتها سواء دعا لأمته أو عليها وأما غير تلك الدعوة الموعودة بإجابتها فمرجو الإجابة إن شاء أجاب وإلا فلا (وأردت أن شاء الله) اختبائي لها (أن أختبئ) وأدخر (دعوتي) التي وُعدت بإجابتها عند الله ليعوضني عنها (شفاعة لأمتي يوم القيامة) قيل وقد عُوض عن ذلك الشفاعة فيهم، وأتى بالمشيئة على جهة التبرك والامتثال لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لا للتعليق، وفي سنن أبي داود (أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الزلازل والفتن) قال القاضي: ودعوة كل نبي خاصة بأمته كما دل عليه قوله الآخر (دعا بها في أمته فاستعجلها وخَبَّأْتُ دعوتي شفاعةً لأمتي) قال الإمام: أي ادخرتها لأمتي، والمعنى أن كل نبي له دعوة متيقنة الإجابة وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها وبعضها يُجاب وبعضها لا يُجاب. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٨٦) - (٠٠) (٠٠) (حدثني زهير بن حرب) الحرشي النسائي (وعبد بن حميد)
стр. 1883
قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَن عَمِّهِ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيةَ الثَّقَفِيُّ، مِثْلَ ذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٣٨٧ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ
ــ
الكسي (قال زهير حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري المدني (حدثنا) محمد (بن) عبد الله بن مسلم (أخي) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (عن عمه) محمد بن مسلم الزهري، قال ابن شهاب (حدثني عمرو بن أبي سفيان بن أَسِيد) بفتح أوله وكسر ثانيه (بن جارية) بالجيم (الثقفي) حليف بني زهرة المدني روى عن أبي هريرة في الإيمان، وابن عمرو وأبي موسى ويروي عنه (خ م د س) والزهري وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وثَّقه ابن حبان، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة (مثل ذلك) أي مثل ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلا زهيرًا وعبد بن حميد، وغرضه بسوقه بيان متابعة عمرو بن أبي سفيان لأبي سلمة بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٨٧) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التُّجيبِي أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٤) روى عن عبد الله بن وهب في مواضع كثيرة، قال (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، قال (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي أبو يزيد الأموي مولاهم ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وَهْمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ من كبار السابعة مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (أن عمرو بن أبي سفيان بن أَسِيد بن جارية الثقفي) المدني (أخبره) أي أخبر لابن شهاب (أن أبا هريرة) الدوسي المدني. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان
стр. 1884
قَال لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: إِن نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَال: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا. فَأنَا أَرِيدُ، إِنْ شَاءَ اللهُ، أَنْ أَختَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَقَال كَعْبٌ لأبِي هُرَيرَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال أَبُو هُرَيرَةَ: نَعَمْ.
٣٨٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيبٍ)
ــ
وواحد أيلي، وغرضه بسوقه بيان متابعة يونس بن يزيد لابن أخي ابن شهاب في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدتها تقوية السند الأول (قال لكعب الأحبار) هو كعب بن مَاتِع بكسر التاء المثناة فوق وبالعين المهملة الحِمْيَرِي أبو إسحاق الحمصي ثقة مخضرم الحَبْرِ المعروف بكعب الأحبار من مسلمة أهل الكتاب، والأحبار العلماء واحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها لغتان أي كعب العلماء كذا قاله ابن قتيبة وغيره، وقال أبو عبيد: سُمي كعب الأحبار لكونه صاحب كتب الأحبار جمع حِبر وهو ما يُكتب به وهو مكسور الحاء، وكان كعب من علماء أهل الكتاب ثم أسلم في خلافة أبي بكر ﵁ وقيل بل في خلافة عمر ﵁ توفي بحمص سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁ وقد جاوز المائة وهو من فضلاء التابعين روى عن عمر وصهيب، ويروي عنه (خ م د ت س) وأبو هريرة وابن عباس ومعاوية وجماعة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين (إن نبي الله ﷺ قال لكل نبي دعوة) محققة الإجابة (يدعوها) أي يختارها من بين الدعوات ويُعينها بالدعاء بها فتُجاب له لا محالة بمقتضى وعده (فأنا أريد إن شاء الله أن أختبئ) وأدخر (دعوتي) وأجعلها (شفاعة لأمتي يوم القيامة فقال كعب لأبي هريرة) أ (أنت) بتقدير همزة الاستفهام (سمعت) يا أبا هريرة (هذا) الحديث (من رسول الله ﷺ قال أبو هريرة نعم) سمعته منه ﷺ .
ثم ذكر المؤلف ﵀ المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٨٨) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة ثبت من العاشرة (وأبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي ثقة من العاشرة، وأتى بقوله (واللفظ) الآتي (لأبي كريب) تورعًا من الكذب على أبي
стр. 1885
قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُل نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ. وَإِنِّي اخْتَبَأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَهِيَ نَائِلَةٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيئًا"
ــ
بكر (قالا) أي قال كل من أبي بكر وأبي كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي ثقة ثبت من التاسعة (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي ثقة من الخامسة (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني ثقة ثبت من الثالثة (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي صالح لأبي سلمة بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من الزيادة التي لا تقبل الفصل (قال: قال رسول الله ﷺ لكل نبي دعوة مستجابة) أي مُجابة فالسين والتاء زائدتان، يقال أجاب واستجاب قال الشاعر:
فلم يستجبه عند ذاك مُجيب
أي لم يُجبه، والمعنى أنهم ﵈ لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى ثم خيَّرهم في تعيينها وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها ليسوا على يقين في إجابتها كما مر (فتعجل) في الدنيا أي فاستعجل (كل نبي دعوته) التي وُعد إجابتها بتعيينها لربه وسؤالها إياه (وإني اختبأتُ) وادخرت (دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي) أي فتلك الدعوة المدخرة لي (نائلة) أي شاملة (إن شاء الله) تعالى شمولها، أتى بالمشيئة امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (من مات من أمتي) أي عامة جميع من مات من أمتي حالة كونه (لا يشرك باله شيئًا) من المخلوق، قال النواوي: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب أهل الحق على أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مُصِرًّا على الكبائر وقد تقدمت دلائله وبيانه في مواضع كثيرة. اهـ. قال في المفهم: وقوله (فهي نائلة) أصله من نال الشيء إذا ظفر به وحصل عليه ودخول الاستثناء هنا بقوله (إن شاء الله) نظير دخوله في قوله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ وسيأتي
стр. 1886
٣٨٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ (وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ) عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُل نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهُ فَيُؤْتَاهَا. وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
٣٩٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مَعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي،
ــ
القول فيه عند قوله ﷺ : (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ثم ذكر المؤلف المتابعة خامسًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٨٩) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني ثقة من (١٠) مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرْطٍ الضبي الكوفي ثقة من (٨) مات سنة (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (عن عُمارة) بن القعقاع بن شُبْرُمة الضبي الكوفي ثقة من (٦) روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا، وأتى بقوله (وهو ابن القعقاع) إشارةً إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه كما مر مرارًا (عن أبي زرعة) هَرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من (٣) روى عنه في (٢) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بغلاني، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي زرعة لأبي سلمة بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيُستجاب له) فيها (فيؤتاها) أي فيُؤتى ذلك النبي مسؤول تلك الدعوة ويعطاها (وإني اختبأت) وادخرت (دعوتي) عند الله تعالى لتكون (شفاعة لأمتي يوم القيامة) ولذلك كنت أكثر الأنبياء شفاعة يوم القيامة، ثم ذكر المؤلف المتابعة سادسًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٣٩٠) - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان (العنبري) أبو عمرو البصري ثقة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٣٧) روى عن أبيه فقط في الإيمان وفي غيره قال (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ التميمي العنبري أبو المثنى البصري، قال القطان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، وقال في
стр. 1887
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ - (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ) قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُل نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ.
وَإِنِّي أُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللهُ، أنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
٣٩١ - (١٧٧) (١٣) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ
ــ
التقريب: ثقة متقن من (٩) مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة حافظ متقن من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابًا تقريبًا (عن محمد) بن زياد القرشي الجُمَحيِّ مولاهم مولى عثمان بن مظعون، ويقال مولى قدامة بن مظعون أبي الحارث البصري روى عن أبي هريرة في الإيمان والصلاة والزكاة وغيرها، وعبد الله بن الزبير في الفتن، وعن عائشة وابن عمر وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبة والربيع بن مسلم والحَمَّادان ويونس بن عبيد وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة ثبت ربما أرسل من الثالثة، وأتى بجملة (وهو ابن زياد) إيضاحًا للراوي وإشعارًا بأن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه لغرض الإيضاح.
(قال) محمد بن زياد (سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة فإنه مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن زياد لمن روى عن أبي هريرة في رواية هذا الحديث عنه، وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة للروايات السابقة.
(لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له) في الدنيا كدعوة نوح ﵇ استجيب له بالطوفان (وإني أُريد) وأقصد (إن شاء الله أن أؤخر) بصيغة المبني للفاعل المسند لضمير المتكلم وهو مِنْ أَخَّرَ المضعَّف الهمزةُ الأولى فيه همزة المضارعة والثانية فَاء الكلمةِ، أي أَدَّخِرُ (دعوتي) عند الله تعالى لتكون (شفاعة لأمتي يوم القيامة) إن شاء الله تعالى. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
(٣٩١) - (١٧٧) (١٣) (حدثني أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المِسْمَعِي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة البصري ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٠) روى عنه في (٩) أبواب (ومحمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي أبو موسى البصري
стр. 1888
بَشَّارٍ حَدَّثَانَا -وَاللَّفْظُ لأَبِي غَسَّانَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -يَعْنُونَ ابْنَ هِشَامٍ- قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنس بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَال: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَاهَا لأمَّتِهِ. وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
ــ
ثقة من (١٠) مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابًا (و) محمد (بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري ثقة من (١٥) مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٣) بابا، وقوله ومحمد بن المثنى مبتدأ، وابن بشار معطوف عليه، وجملة قوله (حدَّثانا) بألف الفاعل وضمير المفعول خبر المبتدأ أي حدث لنا كل من الشيخين معنى الحديث الآتي، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله حدثني أبو غسان، وجملة قوله (واللفظ لأبي غسان) أتى بها تورعًا من الكذب على الشيخين. وعبارة السنوسي هنا قوله (حدثانا) بألف الاثنين ونون المتكلمين خبر عن قوله محمد بن المثنى وابن بشار وإنما لم يعطفهما على أبي غسان لشدة احتياطه وإتقانه رحمه الله تعالى لأن أبا غسان سمع منه وحده ولهذا قال: حدثني وهذان سمع منهما مع غيره فلهذا قال: حدثانا، فقوله محمد بن المثنى مبتدأ لا معطوف على أبي غسان فتنبه لهذه اللطيفة. اهـ منه. وجملة قوله (قالوا) أي قال كل من أبي كسان ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار مستأنفة أي قال كل من الثلاثة (حدثنا معاذ) بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري صدوق من التاسعة مات سنة (٢٠٠) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعنون) أي يعني كل من مشايخي الثلاثة بمعاذ معاذ (بن هشام) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته إيضاحًا للراوي وتورعًا من الكذب على مشايخه (قال) معاذ (حدثني أبي) هشام بن سنبر الدستوائي، ثقة ثبت من (٧) مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه، ثقة ثبت مُفسِّر مدلس من (٤) مات سنة (١١٧) روى عنه في (٢٥) بابا، قال (حدثنا أنس بن مالك) الأنصاري البصري.
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، (أن نبي الله ﷺ قال لكل نبي دعوة) محققة الإجابة (دعاها لأمته) أي على أمته (وإني) قد (اختبأت) أي خَبَّأْتُ وادخرت عند الله سبحانه، وافتعل هنا بمعنى فَعَّلَ المُضعَّف (دعوتي) لتكون (شفاعة لأمتي يوم القيامة) وحديث أنس هذا انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات وغيرهم.
стр. 1889
٣٩٢ - (٠٠) (٠٠) (وَحَدَّثنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ. قَالا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٣٩٣ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثنَاه أَبُو كُرَيبٍ،
ــ
ثم ذكر المؤلف ﵀ المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
(٣٩٢) - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة من العاشرة (و) محمد بن أحمد (بن أبي خلف) السُّلمي مولاهم أبو عبد الله البغدادي القطيعي بفتح القاف نسبة إلى محلة ببغداد تُدعى قطيعة، روى عن روح بن عبادة في الإيمان والصوم والحج وغيرها، وموسى بن داود في الصلاة، وزكريا بن عدي في الزكاة وغيرها، وإسحاق بن يوسف في الصوم، ومنصور بن سلمة الخزاعي في البيوع، ومَعْنِ بن عيسى في الصيد، ويحيى بن أبي بكير في اللباس والقَدَر، وجملة الأبواب التي روى عنه فيها تسعة، ويروي عنه (م د) والسَّرَّاج وطائفة، ثقة من العاشرة مات سنة سبع وثلاثين ومائتين (٢٣٧) وله سبع وستون سنة ووُلد في سنة سبعين ومائة واسم أبي خلف محمد مولى بني سليم.
وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من زهير وابن أبي خلف (حدثنا روح) بن عبادة بن العلاء القيسي أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف من التاسعة مات سنة (٢٠٧) روى عنه في (١٤) بابًا، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري، ثقة متقن من (٧) روى عنه في (٣٠) بابا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري، وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بحديث شعبة لأنه العامل في المتابع أي حدثنا شعبة عن قتادة بهذا الإسناد أي عن أنس عن النبي ﷺ مثل حديث هشام عن قتادة، وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد إما نسائي أو بغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعبة لهشام الدستوائي في رواية هذا الحديث عن قتادة، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
(٣٩٣) - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) أي حدثنا هذا الحديث يعني حديث أنس وفي بعض النسخ (ح وحدثنا) بحاء التحويل وحَذْفِ الضمير والأولى أوضح وأَوْلَى لأن المقام ليس مقام التحويل لأنه بداية سند المتابعة، (أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني
стр. 1890
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قَال: قَال: "أُعْطِيَ" وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
الكوفي قال (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسيُّ أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ من (٩) مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابًا تقريبًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنيه) أي حدثني الحديث المذكور يعني حديث أنس بن مالك (إبراهيم بن سعيد الجوهري) الطبري أبو إسحاق البغدادي ثقة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٤٩) روى عنه في (٣) أبواب قال (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي مشهور بكنيته ثقة ثبت ربما دلس من (٩) مات سنة (١٠١) روى عنه في (١٧) بابا، وفائدة التحويل بيان اختلاف شيخي شيخيه وإن كان شيخهما واحدًا وقوله (جميعًا) حال من وكيع وأبي أسامة أي حالة كونهما مجتمعَينِ أي مُتَّفِقَينِ في الرواية (عن مِسْعَرِ) بن كِدَام الهلالي أبي سلمة الكوفي ثقة ثبت فاضل من (٧) مات سنة (١٥٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن قتادة) بن دعامة البصري وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بما علم في المتابع وهو مسعر أي روى مسعر عن قتادة بهذا الإسناد يعني عن أنس عن النبي ﷺ وهذان السندان من خماسياته الأول منهما رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان والثاني منهما رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان بصريان وواحد بغدادي، وغرضه بسوقهما بيان متابعة مسعر لهشام الدستوائي في رواية هذا الحديث عن قتادة وفائدتها بيان كثرة طرقه (غير أن في حديث وكيع) وروايته عن مسعر (قال) أنس (قال) رسول الله ﷺ (أُعطي) كل نبي دعوة دعاها لأمته الحديث بصيغة تدل على السماع (وفي حديث أبي أسامة) وروايته عن مسعر عن أنس (عن النبي ﷺ بصيغة العنعنة، وفي هامش بعض المتون قوله غير أن حديث وكيع ... إلخ يعني أن روايتهم اختلفت في كيفية لفظ أنس ففي الأول أن النبي ﷺ وفي رواية وكيع قال النبي ﷺ أُعطي لكل نبي دعوة، وفي رواية أبي أسامة عن النبي ﷺ ، واختلف متن الحديث أيضًا في رواية وكيع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
стр. 1891
٣٩٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ؛ أن نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَال ... فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ.
٣٩٥ - (١٧٨) (١٤) وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. قَال: أَخبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ
ــ
(٣٩٤) - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن عبد الأعلى) القيسي أبو عبد الله الصنعاني ثم البصري روى عن المعتمر بن سليمان في الإيمان والبيوع وغيرهما، ويزيد بن زريع وعثام بن علي وابن عيينة ومعتمر، ويروي عنه (م ت س ق) وابن خزيمة وابن بُجير، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين روى عنه في (٣) أبواب، قال (حدثنا المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي أبو محمد البصري ثقة من (٩) مات سنة (١٨٧) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي نزل في التيم فنُسب إليهم أبي المعتمر البصري ثقة من (٤) مات سنة (١٤٣) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس) بن مالك، وهذا السندُ من رباعياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة سليمان بن طرخان لقتادة في رواية هذا الحديث عن أنس، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن نبي الله ﷺ قال فذكر) سليمان بن طرخان (نحو حديث قتادة عن أنس) ﵁ ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ثانيًا بحديث جابر ﵄ فقال:
(٣٩٥) - (١٧٨) (١٤) (وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف) اسمه محمد مولى بني سليم السلمي أبو عبد الله البغدادي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٧) روى عنه في (٩) أبواب، قال (حدثنا روح) بن عبادة بن العلاء القيسي البصري من (٩) قال (حدثنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أبو الوليد المكي ثقة فقيه يدلس ويرسل من السادسة مات سنة (١٥٠) خمسين ومائة، روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (قال) ابن جريج (أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي صدوق يدلس من الرابعة مات سنة (١٢٦) روى عنه في (٩) أبواب (أنه سمع جابر بن عبد الله يقول) ويروي (عن النبي ﷺ قوله (لكل نبي دعوة) محققة الإجابة (قد
стр. 1892
دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ. وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
ــ
دعا بها) أَي بتلك الدعوة (في أمته وخبأت) أنا (دعوتي) وأخرتها لتكون (شفاعة لأمتي يوم القيامة).
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد بغدادي وحديث جابر هذا انفرد به الإمام مسلم، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث.
الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه ست متابعات.
والثاني حديث أنس وذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة وذكر فيه ثلاث متابعات.
والثالث حديث جابر وذكره للاستشهاد أيضًا ولم يذكر فيه متابعةً. والله أعلم.
***
стр. 1893
١٠٤ - (٩) باب: دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم
٣٩٦ - (١٧٩) (١٥) حدّثني يُونُسُ بن عَبْدِ الأَعلَى الصدَفِي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أن بَكْرَ بنَ سَوَادَةَ حَدثَهُ عَنْ عَبْدِ الرحمنِ بْنِ جُبَيرٍ،
ــ
١٠٤ - (٩) باب: دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم
(٣٩٦) - (١٧٩) (١٥) (حدثني يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص (الصَّدَفي) أبو موسى المصري ثقة من (١٠) مات سنة (٢٦٤) روى عنه في (٣) أبواب، قال النووي: أما يونس ففيه ست لغات ضم النون وفتحها وكسرها مع الهمز فيهن وتركه، وأما الصدفي فبفتح الصاد والدال المهملتين وبالفاء منسوب إلى الصَّدِف بفتح الصاد وكسر الدال قبيلة معروفة، قال أبو سعيد: يونس نسبته إلى الصدِف وليس من أنفسهم ولا من مواليهم، ففي هذا الإسناد رواية مسلم عمن عاش بعده لأن مسلمًا مات سنة (٢٦١) ويونس مات في ربيع الأول سنة (٢٦٤) وكان مولده في ذي الحجة سنة (١٧٠) قال (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة من (٩) مات سنة (١٩٧) روى عنه في (١٣) بابأ (قال) عبد الله (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم مولى قيس بن سعد بن عبادة أبو أمية المصري الفقيه المقرئ ثقة فقيه حافظ من (٧) مات سنة (١٤٨) روى عنه في (١٣) بابا (أن بكر بن سَوَادة) بفتح السين وتخفيف الواو ابن ثُمَامة الجُذَامِي أبا ثمامة المصري روى عن عبد الرحمن بن جبير في الإيمان والأدب، وأبي سالم الجيشاني في الأحكام، ويزيد بن رباح في الزهد، ويروي عنه (م عم) وعمرو بن الحارث والليث، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي، وقال في التقريب: ثقة فقيه من الثالثة مات بإفريقية في خلافة هشام بن عبد الملك وقيل غرق في بحار الأندلس سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨). (حدثه) أي حدث لعمرو (عن عبد الرحمن بن جبير) مصغرًا القرشي مولاهم مولى نافع مولى ابن عمر بن الخطاب الفقيه المؤذن أبي حُميد المصري، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الإيمان والصلاة والأدب وعن أبيه في الجنائز والنكاح والجهاد
стр. 1894
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ "أَن النبِيَّ ﷺ تَلا قَوْلَ الله فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية. وقَال عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَال: اللهُم، أُمتِي أمتِي. وَبَكَى
ــ
والصيد والفتن وعقبة بن عامر، وعن أبي ذر مرسلًا، ويروي عنه (م د ت س) وبكر بن سوادة ومعاوية بن صالح وأبو حمزة بن سليم ويزيد بن حمير وصفوان بن عمرو والزبيدي ويحيى بن جابر الطائي، وقال في التقريب: ثقة عارف بالفرائض من الثالثة مات سنة (٩٧) سبع وتسعين وقيل بعدها (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن سهم القرشي السهمي أبي محمد المصري كان بينه وبين أبيه ثلاث عشرة سنة يقال إنه أسلم قبل أبيه وكان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام وأقام بها إلى أن مات بمصر، وقال في التقريب: والأصح أنه مات بالطائف ليالي الحرة سنة (٦٥) خمس وستين، وقال الليث: سنة ثمان، أحد السابقين إلى الإسلام وأحد المكثرين من الصحابة، وتقدم البسط في ترجمته له سبعمائة حديث يروي عنه (ع) وعبد الرحمن بن جبير وابن المسيب وعروة وطاوس وخلائق روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (أن النبي ﷺ تلا) وقرأ (قول الله في) قصة ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية) في سورة إبراهيم رقم [٣٦]، (و) قرأ (قال عيسى) أي قول عيسى ﵇ وقال هنا مصدر سماعي لقال لا فعل ماض كما يُتوهم يُقال قال قولًا وقيلًا وقالًا كلها مصادر لِقال يعني وتلا قول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ في سورة المائدة آية رقم [١١٨]، (فرفع) رسول الله ﷺ معطوف على تلا (يديه و) دعا و (قال) في دعائه (اللهم) تُهِمُّنِي (أمتي أمتي) بالتكرار مرتين، وفي بعض النسخ (اللهم أمتي اللهم أمتي) بتكرار الجلالة والأمة مرتين مرتين (وبكى) خوفًا عليهم وشفقة بهم، وفي المفهم معنى هاتين الآيتين أن كل واحد من إبراهيم وعيسى لم يجز ما في الدعاء لعصاة أممهما ولم يجهدا أنفسهما في ذلك ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان ينبغي لهما ألا ترى أنهما في الآيتين كأنهما تبَرّءا من عصاة أممهما ولما فهم نبينا ﷺ ذلك انبعث بحكم ما يجده من شدة شفقته ورأفته وكثرة حرصه على تجاة أمته وبحكم ما وهبه الله تعالى من رفعة مقامه على
стр. 1895
فَقَال الله : يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمدٍ، وَرَبكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ. فَأخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِمَا قَال، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَال الله: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمدِ فَقُلْ: إِنا سَنُرْضِيكَ فِي أُمتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ"
ــ
غيره جازمًا في الدعاء مجتهدًا فيه لهم متضرعًا باكيًا مُلِحًا يقول: أمتي أمتي فِعْلَ المُحِبّ المولع بمحبوبه الحريص على ما يرضيه الشفيق عليه اللطيف به ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله سبحانه فيهم وبَشَّرَه بما بشره من مآل حالهم حيث قال إنه سيرضيه فيهم. قال الأبي: قيل إن مقام إبراهيم أرقى لأنه قرن معصيتهم بمغفرة الله حيث قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ اهـ (فقال الله لجبريل ﵇ (يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك) يا جبريل (أَعْلَمُ) بما يبكيه (فَسَلْهُ) أي فسل محمدًا وقل له في سؤاله (ما يبكيك) يا محمد أي أي شيء وأي هَمٍّ يبكيك (فأتاه) ﷺ (جبريل ﵇ فسأله) ﷺ عما يبكيه (فأخبره) (رسول الله ﷺ بواسطة جبريل الأمين (بما قال) ﷺ في حال بكائه من قوله اللهم أمتي أمتي (وهو) سبحانه (أعلم) بما قاله ﷺ بلا إخبار منه له (فقال الله) مرة ثانية لجبريل (يا جبريل اذهب إلى محمد فقل) له لا تَبْكِ (إنا سنرضيك في أمتك) يوم القيامة فوعده بما يرضيه فيهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ قيل هي أرجى آية لأنه ﷺ لا يرضى وواحد من أمته في النار، ومعنى (ولا نسوءك) أي لا نحزنك وهو تأكيد لمعنى الإرضاء لدفع إيهام أن يرضيه في البعض دون البعض لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار فقال تعالى نرضيك ولا نُدْخِلُ عليك حزنًا بل نُنجي الجميع. والله أعلم، وبعث جبريل ﵇ إظهارا لشرفه ﷺ وإلا فالله أعلم بما يبكيه وبما قال، اهـ سنوسي. قال بعض العلماء: والله ما يرضى محمد وواحد من أمته في النار، وهذا كله يدل على أن الله تعالى خص نبينا محمدًا ﷺ من كرم الخُلُق ومن طيب النفس ومن مقام الفُتُوةِ "حُسن الخُلُق وبذل المعروف بما لم يخص به أحدًا غيره وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
следующие страницы →