Полный текст (11 982 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
١١٠ - (١٥) باب من لم يؤمن لن ينفعه عمل صالح في الآخرة
٤١٥ - (١٩٢) (٢٨) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيةِ يَصِلُ الرَّحِمَ
ــ
١١٠ - (١٥) باب من لم يؤمن لن ينفعه عمل صالح في الآخرة
أي هذا باب معقود في بيان الدليل على أن من لم يؤمن بالله تعالى في الدنيا لا ينفعه عمله الصالح في الآخرة أي لا يُثاب عليه في الآخرة لأن شرط قبول الأعمال الصالحة وصحتها الإيمان بالله تعالى وهو أساسها لأن القُربة لا تصح إلا بمعرفة المتُقرب إليه وتسمية عمله عملًا صالحًا مجاز لكونه على صورة العمل الصالح الواقع من المؤمن.
٤١٥ - (١٩٢) (٢٨) (حدثني أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي قال (حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي ثقة فقيه من الثامنة مات سنة (١٩٥) روى عنه في (١٤) بابا (عن داود) بن أبي هند اسمه دينار القشيري مولاهم أبي بكر أو أبي محمد البصري ثقة متقن من الخامسة مات سنة (١٤٠) أربعين ومائة روى عنه في (٨) أبواب (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري أبي عمرو الكوفي الإمام العَلَمِ ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة مات سنة (١٠٣) روى عنه في (١٩) بابا (عن مسروق) بن عبد الرحمن ويقال ابن الأجدع وهو لقب عبد الرحمن بن مالك الهمداني أبي عائشة الكوفي، قال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله، وقال في التقريب: ثقة فقيه مخضرم عابد من الثانية مات سنة (٦٣) ثلاث وستين، روى عنه في (١١) بابا (عن عائشة) الصديقة رضي الله تعالى عنها، وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بصري (قالت) عائشة (قلت يا رسول الله ابن جُدْعَان) بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين المهملة اسمه عبد الله وكان من رؤساء قريش وإنما سألت عائشة عنه لأنه كان من فخذها من بني تيم بن مرة بن قتيبة وكان من أقربائها، أي سألَتْ عائشةُ رسول الله ﷺ عنه فقالت: يا رسول الله عبد الله بن جدعان التيمي (كان في الجاهلية) أي في زمن الأمة الجاهلية وهو ما كان قبل النبوة سُموا بذلك لكثرة جهالاتهم (يصل الرحم) أي يُحسن إلى الرحم
стр. 1927
وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَلكَ نَافِعُهُ؟ قَال: "لَا يَنْفَعُهُ، إِنهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَب اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدينِ"
ــ
والأقارب بالصلات والعطايا (ويُطعم المسكين) والفقير والمحاويج (فهل ذلك) الذي فعله من صلة الرحم وإطعام المساكين (نافعه) في الآخرة برفع العذاب عنه أو تخفيفه عليه (قال) رسول الله ﷺ (لا ينفعه) عمله ذلك (إنه) أي لأن ابن جدعان (لم يقل يومًا) من أيام حياته (رب اغفر لي خطيئتي) وذنبي (يوم الدين) أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة، وهذا يدل على أنه لم يؤمن باليوم الآخر فهو كافر، فالكافر لا يُثاب على حسناته لعدم شرط قبولها وهو الإيمان.
وعبارة المفهم (قول عائشة هل ذلك نافعه؟ ) معناه هل ذلك مخلصه من عذاب الله المستحق بالكفر؟ فأجابها بنفي ذلك وعَلَّلَهُ بأنه لم يؤمن، وعئر عن الإيمان ببعض ما يدل عليه وهو قوله (لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ويُقتبس منه أن كل لفظ يدل على الدخول في الإسلام اكتُفي به ولا يلزم من أراد الدخول في الإسلام صيغة مخصوصة مثل كلمتي الشهادة بل أي شيء دل على صحة إيمانه ومجانبة ما كان عليه اكتُفي به في الدخول في الإسلام ولابد له مع ذلك من النطق بكلمتي الشهادة فإن النطق بهما واجب مرة في العمر، انتهى منه.
قال النواوي: معنى هذا الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا وهو معنى قوله ﷺ (لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي لم يكن مُصدقًا بالبعث ومن لم يُصدق به فهو كافر ولا ينفعه عمل، قال القاضي عياض: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يُثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض بحسب جرائمهم هذا آخر كلام القاضي، وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر، قال البيهقي: وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون له موقع التخلص من النار وإدخال الجنة ولكن يُخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات هذا كلام البيهقي، قال العلماء: وكان ابن جدعان كثير الإطعام وكان اتخذ للضيفان جَفْنَة يُرْقى إليها بسُلم، اهـ.
стр. 1928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال السهيلي: كان ابن جدعان في بدئه صعلوكًا شديدًا فاتكًا لا يزال يجني وقومه يعقلون عنه فطرده أبوه وعشيرته لثقل ما حملهم من الديات فخرج في شعاب مكة صابرًا يتمنى أن يموت فيستريح فرأى شَقًّا في جبل فتعرض للشق يرجو أن تكون فيه حية تقتله فلم ير شيئًا فدخل فيه فإذا فيه ثعبان عظيم عيناه تَتَّقِدَان كالسراج فحمل عليه الثعبان ففَرَج له فانساب عنه مستديرًا بدائرة عند باب بيته فخطا خطوة أخرى فصغر له الثعبان وأقبل عليه كالسهم فأفرج فانساب قَدَمًا لا ينظر إليه فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيده فإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت فإذا طُوَال على سرير لم ير مثلهم طُولًا وعظمًا وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم وإذا هم رجال من ملوك جُرهم وإذا عليهم ثياب لا يُمس شيء منها إلا انتثر لطول الزمان، وفي الطُول مكتوب: أنا نفيل بن عبد الدار بن خشرم بن عبد يا ليل بن جُرهم بن قحطان بن هود نبي الله ﵇ عشت خمسمائة سنة وقطعت وُعُور الأرض ظاهرها وباطنها في طلب الثروة والمجد والمُلك فلم يكُ ذلك يُنجي من الموت، وتحتها أبيات فيها عظات آخر بيت منها:
صاح هل رَيْتَ أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب
وإذا في وسط البيت كوم من ذهب وياقوت ولؤلؤ وزبرجد فأخذ منه ما أخذ وعلم الشق وأغابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي أخرج فرَضِيَهُ ووصل عشيرته فسادهم وجعل يُنفق من ذلك الكنز ويُطعم الناس ويفعل المعروف (قال ابن قتيبة) كانت جفنة طعامه يأكل منها الراكب على بعيره، قال في غريب الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان، انتهى من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٢٣ و ٢٨٣] ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
***
стр. 1929
١١١ - (١٦) باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم
٤١٦ - (١٩٣) (٢٩) حدثني أَحمدُ بن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمدُ بن جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أبِي خَالِدٍ، عَن قَيْسٍ، عَن عَمرِو بنِ العَاصِ؛ قَال: سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ ، جِهَارًا غَيرَ سِرٍّ، يَقُولُ: "أَلا إِن آلَ أَبِي (يَعنِي فُلانًا) لَيسُوا لِي بِأوليَاءَ، إِنمَا وَلِيِّيَ الله وَصالِحُ المؤمِنِينَ"
ــ
١١١ - (١٦) باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم
٤١٦ - (١٩٣) (٢٩) (حدثني أحمد) بن محمد (بن حنبل) بن هلال بن أسد الشيباني المروزي نزيل بغداد أبو عبد الله الإمام الفقيه ثقة فقيه مجتهد من (١٠) مات سنة (٢٤١) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري ثقة من (٩) مات سنة (١٩٣) روى عنه في (٦) أبواب، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري ثقة متقن من السابعة مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابًا (عن إسماعيل بن أبي خالد) اسمه سعد وقيل هرمز وقيل كثير البجلي الأحمسي مولاهم أبي عبد الله الكوفي ثقة ثبت من الرابعة مات سنة (١٤٦) روى عنه في (٨) أبواب (عن قيس) بن أبي حازم اسمه عبد عوف بن الحارث البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي ثقة مخضرم من الثانية مات سنة (٩٨) روى عنه في (١٠) أبواب (عن عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم القرشي السهمي أبي محمد المكي الصحابي المشهور له (٣٩) حديثًا اتفقا على (٣) انفرد (خ) بطرف حديث و (م) بحديثين مات سنة (٤٣) روى عنه في (٣) أبواب، وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مكي وواحد مروزي (قال) عمرو (سمعت رسول الله ﷺ وقوله (جهارًا غير سر) أي علانية لم يُخفه، مفعول مطلق مقدم لقوله (يقول) أي سمعته حالة كونه يقول قولًا جهارًا غير سر، وقوله غير سر صفة كاشفة لقوله جهارًا أي قولًا مجاهرًا مغايرَ سرّ (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (أن آل أبي) العاص (يعني) النبي ﷺ بآل أبي العاص (فلانًا) أي الحكم بن العاص (ليسوا لي) أي ليس آلُ أبي العاص (بأولياء) وأقرباء لي وأنصارًا في الدين وإن كانوا أوليائي في النسب (إنما وَليِّيَ) وناصري ومُتَوَلِّي أموري (الله) (وصالح المؤمنين) أي المؤمنون المُراعون لحقوق الله تعالى وحقوق العباد بامتثال أوامر الشرع واجتناب نواهيه.
стр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعبارة المفهم هنا: قوله (ألا إن آل أبي فلان) كذا للسمرقندي ولغيره ألا إن آل أبي (يعني فلانًا) وفي رواية فلانٍ على الحكاية، وهذا كناية عن قوم معينين كره الراوي تسميتهم لما يُخاف مما يقع في نفوس ذراريِّهم المؤمنين وقيل إنَّ المَكْنِيَّ عنه هو الحكم بن أبي العاص ووقع في أصل كتاب مسلم موضع فلان بياض لم يُكتب فيه شيء وكُتبت لفظة فلان في ذلك المكان الأبيض من أصل صحيح مسلم مِلأ للفراغ وإصلاحًا للكتابة وفلان كناية عن اسم علم استحق الكتابة في ذلك البياض، اهـ.
وفقه الحديث الإخبار أن الولاية إنما هي بالدين والصلاح وإن بَعُد في النسب ومن ليس بمؤمن ولا صالح فليس بولي وإن قرُب نسبه، وعبارة السنوسي: والمقصود من الحديث الإخبار أن ولايته ﷺ إنما هي بالدين والصلاح وإن بَعُد النسب منه ومن ليس بمؤمن ولا صالح فليس له بولي وإن قرُب نسبه، ويستفاد من قوله (جهارًا) إشاعة التبري من الفسقة والكفرة وإن قرُبوا في النسب والإعلان بذلك ما لم يخف ترتب فتنة، والله أعلم. اهـ.
وعبارة النواوي هنا: وهذه الكناية بقوله يعني فلانًا هو من بعض الرواة خشي أن يُسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة إما في حق نفسه إنما في حقه وحق غيره فكَنَى عنه، والغرض من الحديث إنما هو قوله ﷺ إنما وليي الله وصالح المؤمنين ومعناه إنما وليِّيَ من كان صالحا وإن بعُد نَسَبُهُ مني وليس وليِّيَ من كان غير صالح وإن كان نسبه قريبًا مني، وأما قوله جهارًا فمعناه علانية لم يُخفه بل باح به وأظهره وأشاعه ففيه التبرؤ من المخالفين وموالاة الصالحين والإعلان بذلك ما لم يخف ترتُّبُ فتنةٍ عليه، والله أعلم. اهـ.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٤/ ٢٠٣] والبخاري [٥٩٩٠] ولم يذكر في هذه الترجمة إلا هذا الحديث، والله أعلم.
***
стр. 1931
١١٢ - (١٧) باب كم يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ بغير حساب ولا عذاب
٤١٧ - (١٩٤) (٣٠) حدَّثنا عَبْدُ الرحمنِ بْنُ سَلامِ بْنِ عُبَيدِ الله الْجُمَحِي، حَدَّثَنَا الربِيعُ، يَعْنِي ابنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أن النَّبِي ﷺ قَال: "يَدْخُلُ مِنْ أُمتِي الْجَنةَ سَبعُونَ أَلْفا بِغَيرِ حِسَابٍ
ــ
١١٢ - (١٧) باب كم يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ بغير حساب ولا عذاب
أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث التي تكون جوابًا لاستفهام قولك أي عدد يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ بغير محاسبة على أعمالهم ولا سبق عذاب لهم، فكم هنا استفهامية وهي التي تكون بمعنى أي عدد بخلاف الخبرية وهي التي تكون بمعنى عددٍ كثير كما بسطنا الكلام عليه في كتابنا نزهة الألباب على ملحة الإعراب بما لا مزيد عليه فراجعه إن شئت.
٤١٧ - (١٩٤) (٣٠) (حدثنا عبد الرحمن بن سلَّام) بتشديد اللام (بن عبيد الله) مصغرًا بن سالم القرشي (الجمحي) مولاهم أبو حرب البصري، روى عن الربيع بن مسلم في الإيمان والصلاة وغيرهما، وحماد بن سلمة، ويروي عنه (م) صدوق من العاشرة مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين (٢٣١) روى عنه في (٣) أبواب، قال (حدثنا الربيع) وأتى بقوله (يعني ابن مسلم) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته القرشي الجمحي أبو بكر البصري روى عن محمد بن زياد في الإيمان والوضوء والصلاة وغيرها، والحسن ويروي عنه (م د ت س) وعبد الرحمن بن سلام، وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع ابن ابنه، ويزيد بن هارون، ويحيى القطان، وابن المبارك، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة مات سنة (١٦٧) (عن محمد بن زياد) الجمحي مولاهم أبي الحارث المدني ثقة ثبت ربما أرسل من الثالثة، روى عنه في خمسة أبواب (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان (أن النبي ﷺ قال: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغبر حساب) أي بغير محاسبة على أعمالهم ولا سَبْقِ عذاب، قال الأبي: والأظهر أن السبعين ألفًا حقيقة لا كناية عن كثرة العدد لقوله في الحديث الآخر مع
стр. 1932
فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، ادع اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم. قَال: اللهُم اجعلهُ مِنهم ثُم قَامَ آخَرُ. فَقَال: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَن يجعَلَنِي مِنهم. قَال: سَبَقَكَ بِهَا عُكاشَةُ"
ــ
كل واحد سبعون (فقال رجل) من الحاضرين (يا رسول الله ادع الله) لي (أن يجعلني منهم) أي من أولئك السبعين (قال) رسول الله ﷺ (اللهم اجعله) أي اجعل هذا الرجل القائل (منهم) أي من أولئك السبعين والرجل هو عُكَاشة بن محصن (ثم قام) رجل (آخر فقال يا رسول الله ادع الله) لي (أن يجعلني منهم قال) رسول الله ﷺ (سبقك بها) أي بهذه الدعوة (عكاشة) بن محصن بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها لغتان مشهورتان ذكرهما جماعة من العلماء منهم ثعلب والجوهري وآخرون، وقال صاحب المطالع: التشديد أكثر وأما محصن فبكسر الميم وفتح الصاد، وفي الأبي قال السهيلي: وعكاشة من عكش على القوم إذا حمل عليهم وقيل من العُكَّاشة وهي العنكبوت، قال القرطبي: وقد يكون من عكاشة بالتخفيف اسم لبيت النمل أو من عَكَشَ الشَعر إذا التوى.
وعكاشة هذا من أفاضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وفيه قال ﷺ : (منا خير فارس في العرب، قيل: ومن هو؟ قال: عُكَاشَة بن محصن) وله ببدر المقام المشهور ضرب بسيفه حتى انقطع فأعطاه رسول الله ﷺ جَزْلَ حطب فهزه فعاد سيفًا فقاتل حتى وقع الفتح وكان ذلك السيف يُسمى العون ولم يزل يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ وبقي عنده حتى قُتل في جهاد المرتدين وهو عنده، ولرغبته ﵁ فيما عند الله تعالى سبق غيره من الصحابة. قال القاضي عياض: قيل إن الرجل الثاني لم يكن يستحق تلك المنزلة ولا كان بصفة أهلها بخلاف عكاشة، وقيل بل كان منافقًا فأجابه النبي ﷺ بكلام محتمل ولم ير ﷺ التصريح له بأنك لست منهم لما كان ﷺ عليه من حسن العُشرة، وقيل قد يكون سبق عكاشة بوحي أن يُجاب فيه ولم يحصل ذلك للآخر، قلت: وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه في الأسماء المبهمة أنه: يقال إن هذا الرجل هو سعد بن عبادة ﵁ فإن صح هذا بطل قول من زعم أنه منافق ويكون سبقك بها عكاشة سدًا لباب أن يقوم كل واحد ويطلب الدعاء، قال
стр. 1933
٤١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا مُحَمدُ بن بَشارٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، قَال: سَمِعتُ مُحَمدَ بنَ زَيادٍ، قَال: سَمِعتُ ابَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ... بِمِثلِ حَدِيثِ الربِيعِ.
٤١٩ - (٠٠) (٠٠) حدثني حَرمَلَةُ بن يَحْيَى، أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهَابٍ، قَال:
ــ
النواوي: وهو الأظهر المختار وبطل قول من قال: إن الرجل الآخر منافق، قلت لوجهين: أحدهما: أن الأصل في الصحابة صحة الإيمان فلا يُظن بأحد منهم شيء يقتضي خلاف ذلك الأصل ولا يُسمع ما لا يصح نقله ولا يجوز تقديره، والثاني أنه قَلَّ أن يصدر مثل ذلك السؤال عن منافق إذ ذلك السؤال يقتضي تصديقًا صحيحًا ويقينًا ثابتًا، والله أعلم.
وحديث أبي هريرة هذا انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عَن غيره من أصحاب الأمهات وغيرهم، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة فقال:
٤١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري قال (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (قال) شعبة (سمعت محمد بن زياد) الجمحي المدني (قال) محمد (سمعت أبا هريرة) الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعبة للربيع بن مسلم في رواية هذا الحديث عن محمد بن زياد، وفائدتها تقوية السند الأول لأن شعبة أوثق من الربيع بن مسلم وفيها أيضًا تصريح السماع في موضعين لم يُصرح فيهما في السند الأول، حالة كون أبي هريرة (يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول) يدخل من أمتي الجنة .. الحديث، وقوله (بمثل حديث الربيع) متعلق بحدثنا شعبة لأنه العامل في المتابع وهو شعبة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤١٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري قال (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله (بن شهاب) الزهري المدني (قال) ابن
стр. 1934
حَدثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيبِ؛ أَن أَبَا هُرَيرَةَ حَدَّثَهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ مِنْ أمتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا. تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ".
قَال أَبُو هُرَيرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسدِي، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيهِ. فَقَال: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "اللهُم اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُم قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ فقَال: يَا رَسُولَ الله ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : سَبَقَكَ بِهَا عُكاشَةُ"
ــ
شهاب (حدثني سعيد بن المسيب) بن حَزْن القرشي المخزومي المدني (أن أبا هريرة) الدوسي المدني (حدثه) أي حدث لسعيد بن المسيب الحديث الآتي.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد شامي، وغرضه بسوقه بيان متابعة سعيد بن المسيب لمحمد بن زياد في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها تقوية السند الأول لأن سعيد بن المسيب أوثق وأوسع من محمد بن زياد وبيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من الزيادة التي لا تقبل الفصل.
(قال) أبو هريرة في تحديثه لي (سمعت رسول الله ﷺ يقول يدخل من أمتي) الجنة كما هو مذكور في بعض النسخ (زمرة) أي جماعة (هم) أي عددهم (سبعون ألفًا) بلا حساب وهذه الجملة الاسمية صفةٌ أُولى لزمرة وجملة قوله (تضيء وجوههم إضاءة القمر) أي إضاءة كإضاءة القمر (ليلة البدر) أي ليلة أربع عشرة صفة ثانية لها (قال أبو هريرة) بهذا السند المذكور (فقام عكاشة) بوزن رُمانة (بن محصن) بوزن منبر (الأسدي) حالة كونه (يرفع) ويشد (نمرة) أي مئزرة له (عليه) أي على حِقْوه، والنمِرة كساء فيه خطوط بيض وسُود وحُمر كأنها أُخذت من جلد النمر لاشتراكهما في التلون من ألوان، وهي من مآزر الأعراب (فقال) عكاشة معطوف على قام (يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ اللهم اجعله منهم) ولقوة يقينه وشدة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله سبحانه سبق عكاشة الصحابة كلهم بقوله ادع الله أن يجعلني منهم (ثم قام رجل) آخر (من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ لذلك الرجل (سبقك بها) أي بهذه المقالة (عكاشة) بن محصن، فلما لم يكن عند القائم بعده من تلك الأحوال الشريفة
стр. 1935
٤٢٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيوَةُ قَال: حَدثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "يَدْخُلُ الْجَنةَ مِنْ أُمتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، زُمْرَة وَاحِدَة مِنْهُمْ، عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ".
٤٢١ - (١٩٥) (٣١) حدثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَاهِلِي،
ــ
ما كان عند عكاشة قال له سبقك بها عكاشة، وأيضًا فَلِئَلَّا يطلب كل من هنالك ما طلبه عكاشة والرجل ويتسلسل الأمر فسدّ رسول الله ﷺ الباب بما قال لعكاشة، وهذا أولى من قول من قال إن ذلك الرجل كان منافقًا كما مر.
وهذه الرواية من حديث أبي هريرة شارك المؤلف فيها البخاري رواها في الرقاق والنسائي أيضًا، ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤٢٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري قال (حدثني عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، قال (أخبرني حيوة) بن شريح بن صفوان التجيبي أبو زرعة المصري أحد الأئمة الأعلام ثقة ثبت فقيه من السابعة مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب (قال) حيوة (حدثني أبو يونس) سليم بن جبير بالتصغير فيهما الدوسي مولى أبي هريرة المصري ثقة من الثالثة مات سنة (١٢٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي هريرة) الدوسي المدني.
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون إلا أبا هريرة فإنه مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي يونس لسعيد بن المسيب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (أن رسول الله ﷺ قال يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا) بلا حساب ولا عذاب بدليل الرواية الأخرى (زمرة واحدة) مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة وصفها بما بعدها، والزمرة الجماعة في تفرقة بعضها في إثر بعض (منهم) أي من أولئك السبعين كائنة (على صورة القمر) ليلة أربع عشرة في الاستعارة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث عمران بن حصين ﵁ فقال:
٤٢١ - (١٩٥) (٣١) (حدثنا يحيى بن خلف الباهلي) أبو سلمة البصري المعروف
стр. 1936
حَدَّثَنَا الْمُعتَمِرُ عَنْ هِشَام بنِ حَسَّانَ، عَن مُحَمد -يَعْنِي ابنَ سِيرِينَ- قَال: حَدثَنِي عِمْرَانُ قَال: قَال نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بَغَيرِ حِسَابٍ قَالُوا: وَمَن هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: هُمُ الذِينَ لَا يَكتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ
ــ
بالجُوبَارِي بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة روى عن المعتمر في الإيمان وعبد الأعلى في النذور والطب وبشر بن المفضل وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم ويروي عنه (م د ت ق) وأبو بكر بن أبي عاصم وأبو بكر البزار وغيرهم، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة مات سنة (٢٤٢) مائتين واثنتين وأربعين، روى عنه في ثلاثة أبواب تقريبًا كما بيناها، قال (حدثنا المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي أبو محمد البصري ثقة من التاسعة مات سنة (١٨٧) روى عنه في (١٠) أبواب (عن هشام بن حسان) الأزدي القُرْدُوسِي نسبة إلى القراديس بطن من الأزد نزلوا البصرة ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال من السادسة مات سنة (١٤٨) روى عنه في (٧) أبواب (عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم مولى أنس بن مالك أبي بكر البصري ثقة ثبت عابد من الثالثة مات سنة (١١٠) عشر ومائة روى عنه في (١٦) بابا وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن سيرين) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته إيضاحًا للراوي (قال) محمد (حدثني عمران) بن حصين بن عبيد الخزاعي أبو نجيد مصغرًا البصري أسلم عام خيبر له مائة وثلاثون حديثًا (١٣٠) وكان من علماء الصحابة مات سنة اثنتين وخمسين (٥٢) بالبصرة (قال) عمران (قال نبي الله ﷺ يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب) أي من غير محاسبة على أعمالهم (قالوا) أي قال الحاضرون من الصحابة (ومن هم) أي ومن أولئك السبعون (يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ (هم) أي أولئك السبعون الذين ليس عليهم حساب هم (الذين لا يكتوون) أي لا يحرقون أبدانهم بحديدة محماة طلبًا للشفاء من الأمراض من الاكتواء، وهو استعمال الكي في البدن وهو إحراق الجلد بالمكواة، وفي بعض هامش المتون والاكتواء استعمال الكي في البدن وهو إحراق الجلد بحديدة محماة وكان الكي علاجًا معروفًا عندهم في كثير من الأمراض ويرون أن يحسم الداء ثم نهوا عنه في الحديث راجع في صحيح البخاري في باب الطب.
(ولا يسترقون) أي ولا يطلبون الرقية بالقراءة أي لا يقرؤون على أبدانهم بأسماء
стр. 1937
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكاشَةُ فَقَال: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنهُم. قَال: أَنْتَ مِنْهُمْ قَال: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا نَبِيَّ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُم. قَال: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"
ــ
الله تعالى وبآياته طلبًا للشفاء من الأمراض أي لا يُعالجون أنفسهم بالكي ولا الرُقية توكلًا على ربهم في حصول الشفاء لهم من الأمراض، والأصح أن الحديث محمول على ظاهره كما ذكره الخطابي وأن هؤلاء اختصوا بغاية التوكل والرضا بشفاء الله تعالى وهو أرفع درجات المؤمنين وما فعله النبي ﷺ من ذلك إنما هو للاقتداء وتوسعة على ضعفة المؤمنين، قال القاضي عياض: وهذا هو الصواب وليس في الحديث ما يُحوج إلى التأويل لأنه لم يَذُمَّ من قال بالكي والرقى وإنما فيه أنه أخبر عن كرامة السبعين ألفًا وفسّرهم بما ذكر، اهـ من السنوسي (وعلى ربهم) لا على الكي ولا الرقى وسائر الأسباب (يتوكلون) أي يعتمدون في حصول الشفاء (فقام عكاشة) بن محصن (فقال: ادع الله أن يجعلني منهم) أي من أولئك السبعين ألفًا (قال) رسول الله ﷺ (أنت) يا عكاشة (منهم) أي من أولئك السبعين (قال) عمران بن حصين (فقام رجل) آخر (فقال) ذلك الآخر (يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال) رسول الله ﷺ (سبقك) أيها الرجل (بها) أي بهذه الدعوة (عكاشة) بن محصن سدًّا لباب السؤال لئلا يتسلسل عليه.
وهذا الحديث أعني حديث عمران بن حصين شارك المؤلف في روايته أحمد [١/ ٢٧١] والبخاري [٦٥٤١] والترمذي [٢٤٤٨١].
(تتمة في مباحث تتعلق بهذا الحديث)
البحث الأول في الكي: أما هو فالمأمون منه جائز وقد كوى النبي ﷺ أُبيًّا يوم الأحزاب على أكحله لما رُمي، وفي البخاري: عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الشفاء في ثلاث في شرطة معجم أو شَربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي"، رواه البخاري وابن ماجه وفي حديث جابر "وما أحب أن أكتوي" رواه البخاري ومسلم، وعلى هذا فالمأمون من الكي إن كان نافعًا جائز إلا أن تركه خير من فعله وهذا معنى نهيه ﷺ عنه وسببه أنه تعذيب بعذاب الله وقد قال ﷺ "لا تعذبوا بعذاب الله" يعني النار وبهذا ينفرد الكي ولا
стр. 1938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يلحق به التطبب بغير ذلك في الكراهة فإن النبي ﷺ قد تطبب وطيب وأحال على الطبيب وأرشد إلى الطب بقوله" يا عباد الله تَدَاوَوا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء" رواه أبو داود والترمذي من حديث أسامة بن شريك.
والبحث الثاني في الرُّقى والاسترقاء: فما كان منه من رُقى الجاهلية أو بما لا يُعرف فواجب اجتنابه على سائر المسلمين وفعله حرام واعتقاد حله كُفر فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا ولا اجتناب الرقى باسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله ﷺ لأنه التجاء إلى الله تعالى وتبرك باسمائه بل المراد ترك ما يحل منها توكلًا على الله تعالى ورضاء بقضائه وبلائه.
والبحث الثالث في التوكل: والتوكل لغة: إظهار العجز عن أمر ما والاعتماد فيه على الغير والاسم التكلان يقال منه اتكلت عليه في أمري، وأصله إوتكلت قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ثم أبدلت منها التاء وأُدغمت في تاء الافتعال، ويقال وكلته بأمر كذا توكيلًا والاسم الوكالة بكسر الواو وفتحها، واختلفوا في معناه اصطلاحًا فقالت طائفة من الزهاد: التوكل أن لا يخالط القلبَ خوفُ غيرِ الله تعالى من سَبُعٍ وغيره وتركُ السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى، وقال عامة الفقهاء والمحدثين: هو الثقة بالله تعالى والإيقان بأن قضاءه ماض واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحزز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة وإلى هذا ذهب محققوا الزهاد لكنه لا يستحق اسم المتوكل على الله عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب فإنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا بل السبب والمُسبب فعل الله تعالى والكل منه وبمشيئته ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم، ثم المتوكلون على حالين: الحال الأول حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ولا يتعاطاها إلا بحكم الأمر، والحال الثاني حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية والبراهين والأذواق الحالية فلا يزال كذلك إلى أن يُرقيه الله بجوده إلى مقام المتمكنين ويُلحقه بدرجات العارفين. اهـ ط بتصرف.
وقال القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب وأما الحركة بالظاهر فلا تتنافى مع التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد الثقة من قِبَلِ الله تعالى فإن تعسر شيء فبتقديره تعالى
стр. 1939
٤٢٢ - (٠٠) (٠٠) حدثني زُهَيرُ بن حَربٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ بن عُمَرَ أَبُو خُشَينَةَ الثقَفِي، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ الأَعْرَجِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينِ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "يَدْخُلُ الجنةَ مِنْ أُمتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيرِ
ــ
وإن تيسر فبتيسيره، وقال سهل بن عبد الله التستُري: التوكل الاسترسال مع الله تعالى على ما يَرِدُ، وقال أبو عثمان الجبري: التوكل الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه، وقيل: التوكل أن يستوي عنده الإكثار والتقلل، اهـ نووي.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الحديث أحمد فقط [٤/ ٤٤٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمران بن حصين ﵁ فقال:
٤٢٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحَرَشِي النسائي من العاشرة قال (حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد العنبري مولاهم أبو سهل البصري، قال في التقريب: صدوق ثبت من (٩) مات سنة (٢٥٧) روى عنه في (١٦) بابا، قال (حدثنا حاجب بن عمر) البصري (أبو خُشينة) بمعجمتين ثم نون مصغرا (الثقفي) وهو أخو عيسى بن عمر النحوي الإمام المشهور، روى عن الحكم بن الأعرج في الإيمان والصوم، ويروي عنه (م دت) وعبد الصمد بن عبد الوارث ووكيع بن الجراح وثَّقَه أحمد وابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة من السادسة مات سنة (١٥٨) ثمان وخمسين ومائة، قال (حدثنا الحكم) بن عبد الله بن إسحاق (بن الأعرج) الثقفي البصري روى عن عمران بن حصين في الإيمان، وابن عباس في الصلاة، ومعقل بن يسار في الجهاد، ويروي عنه (م دت س) وحاجب بن عمر، ومعاوية بن عمر، وخالد الحذاء، وقال في التقريب: ثقة ربما وهِمَ من الثالثة (عن عمران بن حصين) الخزاعي أبي نُجيد البصري، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي، وغرضه بسوقه بيان متابعة الحكم لابن سيرين في رواية هذا الحديث عن عمران بن حصين، وفائدتها بيان كثرة طرقه لأن ابن سيرين من الأئمة الأعلام فلا يصلح الحكم لتقويته لأنه ربما وَهِم.
(أن رسول الله ﷺ قال: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير
стр. 1940
حِسَابٍ قَالُوا: مَنْ هُم؟ يَا رَسُولَ الله، قَال: هُمُ الذِينَ لَا يَسترقُونَ، وَلَا يَتَطَيرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَي رَبهِمْ يَتَوَكلُونَ".
٤٢٣ - (١٩٦) (٣٢) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أبِي حَازِمٍ،
ــ
حساب، قالوا) أي قال الحاضرون (من هم؟ ) أي من أولئك السبعون (يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ (هم الذين لا يسترقون) أي لا يطلبون الرقية من الأمراض توكلًا على الله تعالى، والرُّقية مداواة المريض والمأووف بالنفث بنحو قراءةٍ (ولا يتطيرون) أي لا يتشاءمون بمرور بعض الطير قدَّامهم في نحو السفر فيتركون سفرهم، قال القرطبي: قد فسر الطيرة في الحديث بأنها شيء يجدونه في صدورهم فدَفْعُها ضَرْب من التوكل فإذ صُرِفت وفُوض الأمر إلى الله ذهب ما يُوجد منها كله. اهـ.
قال ابن الأثير: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسكن هي التشاؤم بالشيء وهو مصدر تطير يقال تطير طِيَرَة وتخير خيرة ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يُقال التطير بالسوانح والبوارح من الظير والظباء وغيرهما وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر وقد تكرر ذكرها في الحديث اسمًا وفعلًا، اهـ منه (ولا يكتوون) أي لا يُعالجون أنفسهم بالكي (وعلى ربهم يتوكلون) أي يعتمدون عليه في جلب نفع أو دفع ضُر ولا يعتقدون تأثير شيء من الأسباب ولا يفعلونها ألْبَتَة.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث سهل بن سعد ﵃ فقال:
٤٢٣ - (١٩٦) (٣٢) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي أبو رجاء البغلاني من العاشرة، قال (حدثنا عبد العزيز) بن أبي حازم سلمة بن دينار المخزومي مولاهم أبو تمام المدني صدوق فقيه من الثامنة مات وهو ساجد في الحرم النبوي سنة (١٨٤) روى عنه في (٤) أبواب، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن أبي حازم) إشعارًا بأن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه بل من زيادته إيضاحًا (عن) أبيه (أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج مولى الأسود بن سفيان التَمار المدني ثقة عابد من (٥) مات في خلافة المنصور
стр. 1941
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لَيَدخُلَن الجنةَ مِنْ أُمتِي سَبْعُونَ أَلفًا، أَو سَبعُمائةِ أَلْفٍ (لَا يَدرِي أبُو حَازِمٍ أَيهُمَا قَال) مُتَمَاسِكُونَ. آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. لَا يَدخُلُ أَولُهُمْ حَتى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ".
٤٢٤ - (١٩٧) (٣٣) حدَّثنا سَعِيدُ بن مَنْصُور،
ــ
سنة (١٣٣) روى عنه في (١٢) بابا (عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني الصحابي المشهور له ولأبيه صحبة له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا اتفقا على ثمانية وعشرين حديثًا وانفرد البخاري بأحد عشر مات سنة إحدى وتسعين (٩١) عن مائة سنة (١٠٠) روى عنه في (٣) أبواب، وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بغلاني (أن رسول الله ﷺ قال) والله (ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو) قال سهل بن سعد: قال رسول الله ﷺ : ليدخلن الجنة من أمتي (سبعمائة ألفٍ) والشك من أبي حازم فيما قاله سهل، قال عبد العزيز (لا يدري أبو حازم أيهما قال) أي أي الكلمتين قال سهل بن سعد، وقوله (متماسكون) صفة لسبعون، وقوله (آخذ بعضهم بعضًا) تفسير لمتماسكون وهو هكذا في معظم الأصول متماسكون بالواو وآخذ بالرفع ووقع في بعضها متماسكين بالياء وآخذًا بالنصب وكلاهما صحيح، ومعنى متمايسكين ممسك بعضهم بيد بعض ويدخلون معترضين صفًا واحدًا بعضهم بجنب بعض، وهذا تصريح بعظم سعة باب الجنة نسأل الله الكريم رضاه والجنة لنا ولأحبابنا ولسائر المسلمين، اهـ نووي (لا يدخل أولهم) في الجانب الأيمن (حتى يدخل آخرهم) في الجانب الأيسر مثلًا (وجوههم) في الإضاءة والاستنارة والجمال (على صورة القمر) وهيئته (ليلة البدر) أي في ليلة أربع عشرة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعنى حديث سهل بن سعد البخاري فقط رواه في الزقاق عن قتيبة أيضًا.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٤٢٤ - (١٩٧) (٣٣) (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة أبو عثمان الخراساني نزيل
стр. 1942
حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا حُصَينُ بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ، قَال: كُنتُ عِندَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ فَقَال: أَيكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُم قُلْتُ: أَمَا إِني لَمْ أَكُنْ فِي صَلاةٍ. وَلكِني لُدِغْتُ. قَال: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيتُ. قَال: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيث حَدثَنَاهُ الشعْبِي. فَقَال: وَمَا حَدثَكُمُ الشَّعْبي؟ قُلْتُ:
ــ
مكة ثقة مصنف من العاشرة مات سنة (٢٢٧) روى عنه في (١٥) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي نزيل بغداد ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٨) بابًا تقريبًا (أخبرنا حصين بن عبد الرحمن) السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة تغير حفظه في الآخر من الخامسة مات سنة (١٣٦) وله (٩٣) سنة (قال) حصين بن عبد الرحمن (كنت عند سعيد بن جبير) الوالِبِيّ مولاهم أبي محمد الكوفي ثقة إمام حجة فقيه من الثالثة قتله الحجاج سنة (٩٥) فما أُمهل بعده روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (فقال) سعيد بن جبير (أيكم) أيها الحاضرون (رأى الكوكب) والنجم (الذي انقض) وسقط من السماء (البارحة) أي الليلة الماضية القريبة إلينا، والبارحة أقرب ليلة مضت، قال ثعلب: يقال قبل الزوال رأيت الليلة وبعد الزوال رأيت البارحة وهي مُشتقة من برح إذا زال، وفي مسلم "أنه ﷺ كان إذا صلى الصبح قال: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ "، فهذا يَرُد على ثعلب، قال حصين بن عبد الرحمن (قلت) لسعيد (أنا) الذي رأى الكوكب المُنقضّ، قال حصين (ثم قلت) لسعيد خشية أن أوصف بما لم أفعله، قال الأبي: قالت امرأة لأبي حنيفة أنت أبو حنيفة الذي يقال: إنه يحيى الليل كله؟ قال: ولم أكن أحييه فصرت أحييه حياء أو كراهة أن أُوصف بما لم أفعل (أما) حرف تنبيه واستفتاح (إني لم أكن في صلاة) حينما رأيت الكوكب المُنقضّ (ولكني لُدغت) وأصبت بإبرة العقرب، يقال: لدغَتْهُ العقربُ وذوات السموم إذا أصابته بسُمها وذلك بأن تَأبَرَه بشوكتها، وفي هامش بعض المتون واللدغ إصابة العقرب بإبرة ذنبها والحية بنابها (قال) سعيد بن جبير (فماذا صنعت) يا حصين بلدغتها، قال حصين (قلت) لسعيد (استرقيتـ) ـها أي داويتها بالنفث عليها بالقراءة (قال) سعيد (فما حملك) وبعثك (على ذلك) الاسترقاء، قال حصين (قلت) لسعيد حملني على ذلك (حديث حدثناه الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الكوفي (فقال) لي سعيد (وما حدثكم الشعبي) قال حصين (قلت) لسعيد
стр. 1943
حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيدَةَ بْنِ حُصَيبٍ الأَسلَمِيِّ؛ أنَّهُ قَال: لا رُقْيَةَ إِلا مِنْ عَينٍ أَوْ حُمَةٍ. فَقَال: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ
ــ
(حدثنا) الشعبي (عن بُريدة بن حصيب الأسلمي) البصري ثم المروزي ﵁ مات بمرو سنة ثلاث وستين وهو آخر من مات بخراسان من الصحابة (أنه) أي أن بُريدة (قال لا رُقية) أي لا مداواة بالقراءة (إلا من) إصابة (عين) عائن إنس أو جن، والعين هي إصابة العائنِ غيرَه بعينه، والعين حق (أو) إلا من لدغة أو لسعة حيوان ذي (حُمَة) أي سمٍّ، والحُمة بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة سم العقرب والحية والزنبور ونحوها من كل ذوات السموم كالنحل، وقيل: الحُمة فُوقَةُ السم وهي حِدَّته وحرارته، والكلام هنا على حذف مضاف كما قدرنا أي لا رُقية إلا من لدغ ذي حُمة، واللدغ من نحو العقرب والحية واللسع من نحو الزنبور، قال الفيومي: والحُمة محذوفة اللام سم كل حيوان يلدغ أويلسع. اهـ. وأصلها حُمَوٌ أو حُمَيٌ على وزان صُرَد والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة أو الياء ذكره ابن الأثير، قال الخطابي: والمعنى لا رُقية أشفى وأولى من رُقية العين ورُقية الحُمة وهي بكتاب الله تعالى وأسمائه جائزة وتحرم بالأسماء الأعجمية والملائكة والأنبياء والجن والأولياء والصالحين لأنها قد تكون كفرًا واختُلف عن مالك في رُقية الكتابي المسلم فأجازها مرة إذا رقى بكتاب الله تعالى ومنعها مرة لأنا لا نعلم ما الذي رقى الكتابي به، اهـ أبي.
(فقال) لي سعيد بن جبير (قد أحسن) وأجاد (من انتهى) ووصل (إلى ما سمع) به من الرسول ﷺ وعمل به ولم يُجاوز إلى غيره وسيأتي الكلام على الرُّقية والعين والطيرة في كتاب الطب بأشبع من هذا إن شاء الله تعالى (ولكن حدثنا) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم الطائفي (عن النبي ﷺ وسلسلة هذا السند هكذا أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ .. الخ فيكون السند من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد مكي وواحد واسطي وواحد خراساني (قال) النبي ﷺ (عُرضت علي الأمم) السابقة وأمتي على ترتيب أزمنتها أي أُظهرت لي على سبيل المكاشفة كما كُشفت له بيت المقدس حين سألته قريش عن أماراتها أو عُرضت عليّ في المنام، والله تعالى أعلم بكيفية العرض له ولكن في رواية الترمذي "لما أسرى النبي
стр. 1944
فَرَأَيتُ النَّبيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيطُ. وَالنَّبيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ. وَالنَّبيَّ لَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ. إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أُمَّتِي. فَقِيلَ لِي: هذَا مُوسَى ﵇ وَقَوْمُهُ. وَلكنِ انْظُرْ إِلَى الأَفُقِ. فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هذِهِ أُمَّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ
ــ
ﷺ جعل يمر بالنبي والنبيين ومعهم القوم والنبي والنبيين ومعهم الرهط فذكره بطوله وقال: حسن صحيح، وهذا نص في أن العرض في ليلة الإسراء والله أعلم (فرأيت النبي) من الأنبياء (ومعه الرهيط) تصغير الرهط وهي الجماعة دون العشرة أي رأيته والحال أن معه الجماعة القليلة من أمته (و) رأيت (النبي) الآخر منهم (ومعه الرجل والرجلان) من أمته لم يؤمن به إلا واحد أو اثنان كلوط ﵇ (و) رأيت (النبي) الآخر منهم، والحال أنه (ليس معه أحد) من أمته لم يؤمن به واحد منهم كيحيى ﵇ وقد تقدمت معارضة ما هنا لحديث "ما من نبي بعثه الله إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب" فيقال في الجمع بينهما بأن ما تقدم باعتبار أغلبهم وما هنا باعتبار أقلهم كما مر هناك، وكلمة (إذ) في قوله (إذ رُفع) وكُشف (لي سواد عظيم) أي أشخاص كثيرة يُجمع على أسودة ويُطلق على الواحد ومنه قولهم "لا فارق سوادي سوادَك" فجائية والتقدير: بينما أنا أنظر إلى الأنبياء المذكورين ومن معهم فاجأني مكاشفة سواد عظيم من الأفق (فظننت أنهم) أي أن أولئك السواد (أمتي فقيل لي) في تلك الحالة (هذا) السواد (موسى) بن عمران (﵇ وقومه) أي أمته (ولكن) إن أردت النظر إلى أمتك (انظر إلى الأفق) أي إلى نواحي السماء (فنظرت) إلى الأفق (فإذا سواد عظيم) أي فاجأني رؤية سواد عظيم أي أشخاص كثيرة (فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر) أي إلى الجانب الآخر من السماء (فإذا سواد عظيم) أي فاجأني رؤية سواد عظيم (فقيل لي هذه) الأسودة العديمة النظير (أمتك) أيضًا يا محمد (ومعهم) أي ومع هذه الأسودة العظيمة التي هي أمتك أي منهم (سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب) أي بغير محاسبة على أعمالهم (ولا) سبق (عذاب) لهم، وهذا محل الاستشهاد من حديث ابن عباس ﵄، قال القاضي عياض: ظاهره أن السبعين زائدة على المرئي والصحيح أنها منها لقوله في البخاري "هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا" قال النواوي:
стр. 1945
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أولئِك الذين يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. فَقَال بَعْضُهُم: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ . وَقَال بَعضُهُم: فَلَعَلَّهُمُ الَّذين وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيهِمْ رَسُولُ الله ﷺ فَقَال ما الذي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ فأخبروه. فقال: هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ،
ــ
ويحتمل أن يكون معناه سبعون ألفًا من أمتك غير هؤلاء، ويحتمل أن يكون معناه في جملتهم سبعون ألفًا ويؤيد هذا الثاني ما في صحيح البخاري من قوله: "هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا" والله تعالى أعلم (ثم) بعد ما حدّث هذا الحديث (نهض) رسول الله ﷺ أي قام من مجلسه ذلك بسرعة (فدخل منزله) أي حجرته (فخاض الناس) الحاضرون لذلك المجلس أي دخلوا أشد الدخول (في) التكلم في شأن (أولئك) السبعين ألفًا (الذين) سـ (يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) أي تكلموا وتناظروا في تعيينهم وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق (فقال بعضهم) أي بعض الحاضرين في تعيين أولئك السبعين (فلعلهم) أي فلعل أولئك السبعين هم (الذين صحبوا) ولازموا (رسول الله ﷺ وقال بعضهم فلعلهم) أي فلعل أولئك السبعين هم (الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله) شيئًا أي لم يدركوا الجاهلية فيقع منهم الإشراك (وذكروا) أي وذكر الناس الحاضرون (أشياء) أي أنواعًا مختلفة وأقوالًا متنوعة في تعيين أولئك السبعين فقالوا: فلعلهم الذين سبقوا إلى الإسلام ولعلهم الذين شهدوا بيعة الرضوان، ولعلهم الذين شهدوا المشاهد كلها إلى غير ذلك (فخرج عليهم رسول الله ﷺ من منزله (فقال) لهم (ما) الأمر (الذي تخوضون) وتتكلمون (فيه فأخبروه) ﷺ ما خاضوا وتكلموا فيه (فقال) لهم رسول الله ﷺ في بيان أولئك السبعين (هم) أي السبعون الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب هم (الذين لا يرقون) ولا يعالجون أنفسهم ولا غيرهم من الأمراض بالقراءة عليهم، وفي هامش بعض المتون قوله (لا يرقون) لم يُرَ في روايات البخاري ولم ير في المصابيح ولا في المشارق اهـ (ولا يسترقون) أي ولا يطلبون الرقية لأنفسهم ولا لغيرهم (ولا يتطيرون) أي ولا يتشاءمون بمرور بعض الطيور أو الحيوانات قدامهم عند سفرهم لحوائجهم
стр. 1946
وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ. فَقَال: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَال: أَنْتَ مِنْهُم ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَال: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُم. فَقَال: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ".
٤٢٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ عَنْ حُصَينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ". ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثِ هُشَيمٍ
ــ
فيرجعون من ذلك السفر لاعتقادهم عدم قضاء حوائجهم في ذلك السفر (وعلى ربهم) لا على غيره (يتوكلون) في قضاء حوائجهم ويعتمدون عليه في نفوذ أمورهم لا على الأسباب (فقام عكاشة بن محصن) بسرعة (فقال: ادع الله) لي يا رسول الله (أن يجعلني منهم) أي من أولئك السبعين ألفًا (فقال) رسول الله ﷺ (أنت) يا عكاشة (منهم) أي من أولئك السبعين (ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله) لي (أن يجعلني منهم فقال) رسول الله ﷺ (سبقك بها) أي بهذه الدعوة أي إليها (عكاشة) سدًا لباب السؤال فيتسلسل الأمر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث ابن عباس البخاري أخرجه في الطب وفي أحاديث الأنبياء وفي الرقاق وفي مواضع كثيرة، والترمذي في الزهد، والنسائي في الطب اهـ تحفة. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
٤٢٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي مولاهم الكوفي من (١٠) قال (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق من (٩) مات سنة (١٩٥) روى عنه في (٢٠) بابا (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي الكوفي من (٥) (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي من (٣) قال (حدثنا ابن عباس) الهاشمي المكي ثم الطائفي، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا ابن عباس، وغرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن فضيل لهشيم في رواية هذا الحديث عن حصين بن عبد الرحمن، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قال) ابن عباس (قال رسول الله ﷺ : عُرِضت عليّ الأمم) أي الأمم السابقة وأمتي ليلة أُسري بي كما في رواية الترمذي (ثم ذكر) محمد بن فضيل (باقي الحديث نحو حديث هشيم
стр. 1947
وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ
ــ
ولم يذكر) محمد بن فضيل (أول حديثه) أي أول حديث هشيم من قصة حصين بن عبد الرحمن مع سعيد بن جبير، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أربعة: الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني حديث عمران بن حصين ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث سهل بن سعد ذكره للاستشهاد ولم يذكر فيه متابعة، والرابع حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 1948
١١٣ - (١٨) باب أمة محمد ﷺ نصف أهل الجنة
٤٢٦ - (١٩٨) (٣٤) حدَّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَثَنَا أَبُو الأحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمرِو بْنِ مَيمُونٍ، عن عَبْدِ الله؛ قَال: "قَال لَنَا رَسُولُ الله ﷺ : أَمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَال فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَال: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلٍ الْجَنَّةِ؟ قَال: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَال: إِنِّي لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
ــ
١١٣ - (١٨) باب أمة محمد ﷺ نصف أهل الجنة
أي هذا باب معقود في بيان الأحاديث الدالة على كون أمة محمد ﷺ نصف أهل الجنة.
٤٢٦ - (١٩٨) (٣٤) (حدثنا هناد بن السَّرِي) بفتح المهملة وكسر الراء المخففة بعدها ياء مشددة بن مصعب التميمي الدارمي أبو السري الكوفي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٤٣) روى عنه في (٦) أبواب قال (حدثنا) سلام بن سليم الحنفي مولاهم (أبو الأحوص) الكوفي ثقة متقن من (٧) مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٢) بابا (عن) عمرو بن عبد الله الهمداني (أبي إسحاق) السَّبِيعي الكوفي ثقة عابد من الثالثة مات سنة (١٢٩) روى عنه في (١١) بابا (عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله الكوفي ثقة عابد مخضرم مشهور مات سنة (٧٤) وقيل بعدها (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي الصحابي المشهور مات سنة (٣٢) روى عنه في (٣) أبواب، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال) عبد الله (قال لنا رسول الله ﷺ أما ترضون أن تكونوا) أيتها الأمة المحمدية (ربع أهل الجنة) والهمزة فيه للاستفهام التقريري وما نافية، والمقصود من هذا الكلام تبشير آحاد الأمة بدخول الجنة لأن ظن الواحد بدخولها مع أكثرة داخليها من هذه الأمة أجدر من ظنه دخولها مع قلة داخلها منهم. اهـ أبي (قال) عبد الله (ف) تعجبنا من ذلك وفرحنا به و (كَبَّرنا) شكرًا على تلك البشارة العظيمة (ثم قال) رسول الله ﷺ (أما ترضون أن تكونوا ثلث اهل الجنة قال) عبد الله (فكبرنا ثم قال) رسول الله ﷺ (إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) أي نصفهم يعني أن نسبة هذه الأمة إلى جملة من يدخل الجنة الشطر أي النصف، ومنه يقال شاطرته مشاطرة
стр. 1949
وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ. مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلا كَشَعْرَةٍ بَيضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أبْيَضَ"
ــ
إذا قاسمته فأخذتَ نصف ما في يديه. قال القرطبي: وهذا المرجو محقق الحصول لقوله تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ ولحديث "إنا سنرضيك في أمتك" وإنما قال ﷺ : أرجو أدبًا ووقوفًا مع العبودية اهـ، قال الأبي: المحقق حصوله إنما هو دخول الجنة وكونهم الشطر غير محقق فلا يمتنع أن يكون الرجاء على بابه، قال النواوي: ولم يخبرهم أنهم النصف ابتداءَ لأن التدريج أوقع في النفس وأبلغ في الإكرام لأن الإعطاء مرة بعد أخرى دليل الاعتناء بالمعطى أو ليتكرر منهم عبادة الشكر أو لعله كذلك أوحي إليه ووجه الوحي به كذلك ما ذكر اهـ.
(وسأخبركم عن ذلك) أي عن سبب كونكم شطر أهل الجنة وأقول لكم في بيانه (ما المسلمون) أي ما نسبة المسلمين (في الكفار) أي بالنسبة إلى كثرة الكفار (إلا كـ) نسبة (شعرة بيضاء في) جلد (ثور أسود) إلى سائر شعوره (أو) قال النبي ﷺ أو الراوي عنه إلا (كـ) نسبة (شعرة سوداء في) جلد (ثور أبيض) بالنسبة إلى سائر شعوره، والشك من الراوي أو ممن دونه، قال الأبي: أتى بهذه الجملة توجيهًا لكونهم الشطر (فإن قلت) لا يتوجه به بل يُبعده لأنهم إذا كانوا كالشعرة المذكورة فكيف يكونون الشطر (قلت) أسقط الراوي في هذا الطريق ما يتم به التوجيه وهو قوله في الطريق الآخر لا يدخل الجنة إلا المؤمنون أي لا تستبعدوا كونهم الشطر مع أنهم كالشعرة المذكورة لأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وهم من المؤمنين الشطر. اهـ. وعبارة النواوي هنا (وأما قوله ﷺ ربع أهل الجنة ثم ثلث أهل الجنة ثم الشطر) ولم يقل أولًا شطر أهل الجنة فلفائدةٍ حسنةٍ وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته، وفيه فائدة أخرى هي تكرير البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضًا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه والله أعلم.
ثم إنه وقع في هذا الحديث شطر أهل الجنة، وفي الرواية الأخرى: نصف أهل الجنة، وقد ثبت في الحديث الآخر أن أهل الجنة عشرون ومائة صفِّ هذه الأمة منها ثمانون صفًّا فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة فيكون النبي صلى الله علية
стр. 1950
٤٢٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمدُ بْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ الله قَال: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي قُبَّةٍ، نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَقَال: أَتَرْضَوْنَ
ــ
وسلم أخبر أولًا بحديث الشطر ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة، فأعْلَمَ بحديث الصفوف فأخبر به النبي ﷺ بعد ذلك ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة كحديث (صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة وبخمس وعشرين درجة) على إحدى التأويلات فيه كما سيأتي تقريرها في موضعها، وهذا الحديث أعني حديث عبد الله بن مسعود شارك المؤلف في روايته البخاري أخرجه في الرقاق وفي النذور والإيمان، والترمذي في صفة الجنة، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الزهد. اهـ تحفة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
٤٢٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٤) بابا (ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري ثقة من العاشرة مات سنة (٢٥٢) روى عنه في (١٢) وأتى بقوله (واللفظ الابن المثنى) تورعًا عن الكذب على محمد بن بشار (قالا) أي قال كل من المحمدين (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري ثقة من التاسعة مات سنة (١٩٣) روى عنه في (٦) أبواب، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (عن عمرو بن ميمون) الأودي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعبة لأبي الأحوص في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (قال) عبد الله (كنا مع رسول الله ﷺ في قبة) من أَدم كما هو مصرح به في الرواية الآتية أي في خيمة من جلد مدبوغ، قال ابن الكلبي: بيوت العرب ستة أنواع قبة من أدم، وأبنية من حجز، وخيمة من شجر، ومظلة من شعر، وبجاد من وبر، وخباء من صوف، حالة كوننا (نحوًا) أي قريبين (من أربعين رجلًا فقال) رسول الله ﷺ (أترضون
стр. 1951
أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَال: قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَال: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ. فَقَال: وَالَّذِي نَفْسِي بَيدِهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَذَاكَ أَن الْجَنَّةَ لا يَدْخُلهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ. أَوْ كَالشَعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ".
٤٢٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ الله؛
ــ
أن تكونوا ربع أهل الجنة قال) عبد الله (قلنا) معاشر الحاضرين (نعم) نرضى ذلك (فقال) رسول الله ﷺ ثانيًا (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فقلنا: نعم) نرضى ذلك (فقال) رسول الله ﷺ (والذي نفسي بيده إني لأرجو) وأطمع (أن تكونوا نصف أهل الجنة وذاك) أي وسبب ذاك أي سبب كونكم نصف أهل الجنة (أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة) أي مؤمنة منقادة لأوامر الشرع ونواهيه (وما أنتم في أهل الشرك) أي بالنسبة إلى أهل الشرك في القِلَّةِ (إلا كالشعرة البيضاء) أي إلا كنسبة الشعرة البيضاء إلى الشعر الأسود (في جلد الثور الأسود) في القلة (أو) قال النبي ﷺ أو الراوي (كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر) بدل الأسود، والمراد بالأحمر هنا الأبيض كما في حديث "بعثت إلى الأحمر والأسود" ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله ﵁ فقال:
٤٢٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) مصغرًا الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي ثقة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني أبو هشام الكوفي ثقة من التاسعة مات سنة (١٩٩) روى عنه (١٧) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا مالك) وأتى بهوفي قوله (وهو ابن مغول) بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه البجلي أبو عبد الله الكوفي إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته إيضاحًا للراوي ثقة ثبت من السابعة مات سنة (١٥٩) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (عن عمرو بن ميمون) الأزدي أبي عبد الله الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي،
стр. 1952
قَال: "خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ، فَقَال: أَلا لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ، اشْهَدْ، أَتُحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله. فَقَال: أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ الله. قَال: إِني لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ إِلَّا كَالشَّعْرةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأسوَدِ".
٤٢٩ - (١٩٩) (٣٥) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ
ــ
وغرضه بسوقه بيان متابعة مالك بن مغول لأبي الأحوص وشعبة في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق السبيعي وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للروايتين السابقتين في بعض الكلمات (قال) عبد الله بن مسعود (خطبنا رسول الله ﷺ ووعظنا يومًا (فأسند ظهره) عقب الخطبة (إلى قبة أدم) أي إلى خشبها، والأدم بفتحتين جمع أديم وهو الجلد المدبوغ كما مر، ويستنبط منه جواز إسناد الخطيب ظهره إلى عمود المنبر أو إلى جدار المسجد ليستريح (فقال) أي رسول الله ﷺ (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم وهو قوله (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة) قال النواوي: هذا النص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلًا وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين (اللهم هل بلغت) ما أمرتني بتبليغه (اللهم اشهد) لي على تبليغي، والمعنى أن التبليغ واجب عليَّ وقد بلغت فاشهد لي به (أتحبون) بهمزة الاستفهام التقريري أي أتودون (أنكم ربع أهل الجنة) أي كونكم ربع أهل الجنة (فقلنا: نعم يا رسول الله فقال) ثانيًا (أتحبون أن تكونوا ثلث أهل الجنة، قالوا: نعم يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ (إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) أي نصفهم (مما أنتم) أيتها الأمة المحمدية في القلة (في سواكم) أي بالنسبة إلى غيركم (من الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض) أي إلا كنسبة الشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض في القِلَّةِ (أو) قال النبي ﷺ (كالشعرة البيضاء في) جلد (الثور الأسود)، ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عبد الله بحديث أبي سعبد الخدري ﵄ فقال:
٤٢٩ - (١٩٩) (٣٥) (حدثنا عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان
стр. 1953
الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَقُولُ الله : يَا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيكَ وَسَعْدَيكَ وَالْخَيرُ فِي يَدَيكَ. قَال: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ
ــ
(العبسي) مولاهم أبو الحسن الكوفي أخو أبي بكر بن أبي شيبة أكبر منه بسنتين ثقة حافظ له أوهام من العاشرة مات سنة (٢٣٩) روى عنه في (١٣) بابا، قال (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الثامنة مات سنة (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبي محمد الكوفي ثقة ثبت من (٥) مات سنة (١٤٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن أبي صالح) ذكوان السمان مولى جويرية بنت قيس المدني ثقة من (٣) مات سنة (١٠١) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان الصحابي الجليل مات بالمدينة سنة (٦٥) روى عنه في (٨) أبواب تقريبًا، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ يقول الله : ياآدم، فيقول) آدم (لبيك) يا إلهي أي أجبت لك إجابة بعد إجابة (وسعديك) أي أسعدتك إسعادًا بعد إسعاد، والمقصود منه تأكيد معنى لبيك ولذلك لا يذكر إلا بعده وكلاهما منصوب بعامل محذوف وجوبًا على المصدرية، ولم تستعمل العرب له فعلًا يكون مصدرًا له (والخير) كله (في يديك) أي تملكه أنت لا يملكه غيرك، وهذا كقوله "بيدك الخير إنك على كل شيء قدير" أي بيدك الخير والشر ولكن سكت عن نسبة الشر إليه تعالى مراعاة للأدب مع الله سبحانه ولم ينسب الله لنفسه الشر تعليمًا لنا مراعاة الأدب معه واكتفى بقوله "إنك على كل شيء قدير" إذ قد استغرق كل الموجودات الممكنات (قال) رسول الله ﷺ (يقول) الله لآدم (أَخْرِجْ) وميز من ذريتك (بعث النار) أي الفريق المبعوث إلى النار، والبعث هنا بمعنى المبعوث كالخلق بمعنى المخلوق، واللفظ بمعنى الملفوظ والمعنى مَيِّزْ أهلَ النار المبعوثين إليها من غيرهم وبعثُ النار مَن يبعث إليها وكذلك بعث أهل الجنة، ومعنى أَخْرِج هنا مَيِّز فَيُخرج ويميز بعضهم عن بعض وذلك يكون في المحشر حين يجتمع الناس ويختلطون والله تعالى أعلم، ويحتمل أن يكون معنى أَخْرِج أي احضُر إخراجهم فكأنهم يُعرضون عليه بأشخاصهم وأسمائهم كما عُرِضت عليه نسمهم وإنما خَصَّ آدم بذلك القول لأنه أب
стр. 1954
قَال: وَمَا بعْثُ النَّار؟ قَال: مِنْ كُلِّ أَلفٍ تِسْعَمائَةٍ؟ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ. قَال: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ قَال: فَاشْتدَّ ذَلِكَ عَلَيهِمْ. قَالُوا: أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُل؟
ــ
للجميع ولأن الله تعالى قد جمع له نسم بنيه في السماء بين يديه وهم الأسودة التي رآها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء عن يمين آدم وهم أهل الجنة وعن يساره وهم أهل النار (قال) آدم (وما بعث النار) يا رب أي كم بعثها يا رب فليست ما هنا للسؤال عن الحقيقة كما هو أصل معناها وإنما هي هنا بمعنى كم لجوابها بالعدد (قال) الله سبحانه أَخْرِج (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) نفرًا (قال) رسول الله ﷺ (فذاك) الوقت الذي قيل فيه لآدم ذلك (حين يشيب) أي وقت ينبت فيه (الصغير) الشيب والشعر الأبيض (وتضع) أي تسقط فيه (كل ذات حمل) أي صاحبة حمل وجنين (حملها) لشدة الهول، قال النواوي: وضع الحمل هنا مجاز إذ لا حمل في الآخرة وإنما هو تقدير أي لو قدر هنالك الحمل لوضع (وترى) أيها المخاطب في ذلك اليوم (الناس) أي أهل الموقف (سكارى) أي حيارى من شدة الموقف والسكارى بضم أوله وفتحه جمع سكران وهو الذي ثَمِلَ وسكر مِن شُرْبِ المسكر (وما هم بسكارى) حقيقة أي ليسوا بسكارى من الشراب (ولكنَّ عذاب الله) في ذلك اليوم (شديد) ولذلك تحيَّروا ودَهِشوا حتى كأنهم سكارى حقيقة (قال) الراوي أبو سعيد الخدري (فاشتد ذلك) القول الذي أخبره الرسول ﷺ من قول الله تعالى لآدم أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين أي شَقَّ وعَظُمَ ذلك القول (عليهم) أي على أصحاب رسول الله ﷺ فـ (قالوا: أَيُّنَا) أي أيُّ واحد منا (ذلك الرجل) الواحد الذي ينجو من الألف أي فهموا أن ذلك بالنسبة إلى كل أمة أي الناجي من كل أمة واحد من كل ألف فقالوا: أينا ذلك الرجل الواحد فبَشَّرَهُم بأنه ليس المراد كذلك وإنما المراد بيان قلة أهل الجنة بالنسبة إلى أهل النار من بني آدم لا من كل أهلها وهذا هو الظاهر اهـ أبي.
وعبارة المفهم هنا: قوله (وما بعث النار) وُضِعَتْ هنا ما موضع كم التي يُستفهم بها عن العدد لأنه أجيب عنها بعددٍ، وأصل "ما" أن يسأل بها عن ذوات الأشياء وحدودها ولما سمع أصحاب النبي ﷺ أن ألفًا إلا واحدًا للنار وواحدًا للجنة اشتد خوفهم لذلك واستَقلُّوا عدد أهل الجنة منهم واستبعد كل واحد منهم أن يكون
стр. 1955
فَقَال: أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. وَمِنْكُمْ رَجُلٌ قَال: ثُمَّ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَحَمِدْنَا الله وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَحَمِدْنَا الله وَكبَّرْنَا. ثُمَّ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ"
ــ
هو ذلك الواحد فسكَّنَ النبي ﷺ خوفهم وطيب قلوبهم (فقال) لهم (أبشروا) أي كونوا في بشارة من الله تعالى ولا تهتموا لذلك (فإن مِنْ يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل) يعني بالألف هنا التسعمائة والتسعة والتسعين المتقدمة الذكر و"يأجوج ومأجوج" خلق كفار وراء سد ذي القرنين كما يدل على كفرهم هذا الحديث وقد استوفينا الكلام عليهما في تفسيرنا بما لا مزيد عليه فراجعه، والمراد بهم في هذا الحديث هم ومن كان على كفرهم أي كل من كفر بالله تعالى كما أن المراد بقوله "منكم" أصحابه ومن كان على إيمانهم أي كل من آمن بالله تعالى لأن مقصود هذا الحديث الإخبار بقلة أهل الجنة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم ألا ترى أن قوله ﷺ "إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع الحمار" يدل على ذلك المقصود والله أعلم، وأما نسبة هذه الأمة إلى من يدخل الجنة من الأمم فهذه الأمة شطر أهل الجنة كما نص عليه. اهـ.
(قال) أبو سعيد الخدري (ثم قال) رسول الله ﷺ (والذي نفسي بيده إني لأطمع) وأرجو (أن تكونوا ربع أهل الجنة فحمدنا الله) وشكرناه على هذه البشارة العظيمة (وكبَّرْنا) الله سبحانه تعجبًا من هذه البشارة (ثم قال) رسول الله ﷺ (والذي نفسي بيده إني لأطمع) وأرجو (أن تكونوا ثلث أهل الجنة فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع) وأرجو (أن تكونوا شطر أهل الجنة) ونصفهم، وهذه الطَّمَاعِيَة قد حُقِّقَتْ له بقوله تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ وبقوله "إنا سنرضيك في أمتك" كما تقدم، لكن عَلَّقَ هذه البشرى على الطمع أدبًا مع الحضرة الإلهية ووقوفًا مع أحكام العبودية (إن مثلكم) وصفتكم (في الأمم) السابقة (كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود) في القِلَّةِ (أو) قال النبي ﷺ أو الراوي والشك منه أو ممن دونه (كالرقمة في ذراع الحمار) ويده
стр. 1956
٤٣٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُمَا قَالا: "مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأسْوَدِ أوْ
ــ
أي الأثر في باطن ذراعه اليسرى، وفي رواية (في ذراع الدابة) كما في النهاية، قال: الرقمة هنا الهَنَةُ الناتئة في ذراع الدابة من داخل وهما رقمتان في ذراعيهما اهـ. قال القرطبي: والرقمتان للفرس أو الحمار الأثران بباطن أعضادهما، والرقمتان للشاة هيئتان في قوائمها متقابلتان كالظُّفُرَين اهـ. قال النواوي: قال أهل اللغة الرقمتان في الحمار هما الأثران في باطن عضديه، وقيل هي الدائرة في ذراعيه، وقيل هي الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخلٍ اهـ، ومفاد العبارات كلها واحد، وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٣، ٣٢] والبخاري [٦٥٣٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٤٣٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة من (١٠) قال (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة من (٩) (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته ثقة من (١٠) وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه وإن اتحد شيخهما، قال أبو كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الضرير الكوفي ثقة من (٩) (كلاهما) أي كل من وكيع وأبي معاوية رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبي محمد الكوفي ثقة من (٥) وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع وهو رويا المقَدَّرُ، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع أي كلاهما رويا عن الأعمش عن أبي صالح المدني عن أبي سعيد الخدري، وهذان السندان من خماسياته رجالهما ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان، وغرضه بسوقهما بيان متابعة وكيع وأبي معاوية لجرير في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه (غير أنهما) أي لكن أن وكيعًا وأبا معاوية (قالا) في روايتهما (ما أنتم) أيتها الأمة المحمدية (يومئذ) أي يوم إذ أُخْرِجَ بَعْثُ النار (في الناس) أي بالنسبة إلى الناس أي إلى سائر الأمم (إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو) قال النبي ﷺ أو
стр. 1957
كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ" وَلَم يَذْكُرَا: "أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ"
ــ
الراوي (كالشعرة السوداء في الثور الأبيض ولم يذكرا) أي ولم يذكر وكيع وأبو معاوية (أو) قال النبي ﷺ أو الراوي (كالرقمة) بفتح الراء وسكون القاف (في ذراع الحمار) وهذا بيانٌ قال المخالفة بين المتابَع والمتابع.
وجملة ما ذكره المؤلف فيه هذا الباب من الأحاديث اثنان الأول حديث عبد الله بن مسعود ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، وجملة ما ذُكر في كتاب الإيمان من الأبواب مع ما زدت عليه في بعض الأحاديث كما حذفته عن بعضها لعلَّة هناك مائة وثلاثة عشر بابا، ومن الأحاديث الأصولِ غير المكررة مائة وتسعة وتسعون حديثًا، وجملتها مع المكرر أربعمائة وسبعة وعشرون حديثًا، وجملة ما في كتاب الإيمان من رباعياته التي هي أعلى ما وقع من أسانيده خمسة وعشرون سندًا ولم يقع في كتاب الإيمان من التُّسَاعِيات التي هي أنزل ما في صحيح مسلم من الأسانيد إلا سند واحدٌ وهو قوله في ((باب كون النهي عن المنكر من الإيمان)) (٢٠) رقم الباب (٥٠) رقم الحديث ((حدثني عمرو الناقد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثني أبي، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن المِسْور، عن أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب .. )) الحديث وهو أنزَلُ ما في صحيح مسلم وكذا صحيح البخاري وهو أندر ما يوجد فيهما من الأسانيد، وجملة ما وقع في كتاب الإيمان من الأسانيد الثُّمانيات ستة أسانيد فقط وهي تلي التساعيات في الندور، وأغلب ما في صحيح مسلم من الأسانيد الخماسيات ثم السداسيات ثم السباعيات وهي على هذا الترتيب في الكثرة كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المقاصد الوفية في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأسانيد الرباعية والتساعية والثمانية والله أعلم.
стр. 1958
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سبحانك ربِّ لا علمَ لنا ... إلا مَا ألْهَمْتَ وعَلَّمتَ لنا
العلمُ علمُك يا أهلَ الثَّنا ... فعِلْمُنَا إن لم تُرِدْ هَبَا
تَسَاوَى الكلُّ منا في المسَاوي ... فأفْضَلُنَا فَتِيلًا ما يسَاوي
فقلَّ مَن جَد في أمْرٍ تَطَلَّبَهُ ... واستعمل الصبرَ إلا فاز بالظفر
إلى هنا وصلت الأقلام، وانشرحت الصدور والأفهام، لشرح ما بقي من صحيح الإمام، منتصف الليلة المباركة الليلة السادسة من شهر شوال الحرام، الشهر العاشر من شهور سنة ألف وأربعمائة وعشرين: ٦/ ١٠ / ٤٢٠ ١ هـ من الهجرة المصطفية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التحيات، وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى والهدايات، ولما فرغ المؤلف رحمه الله تعالى من أحاديث الطهارة من الأرجاس المعنوية التي هي الإيمان أخذ يتكلم في أحاديث الطهارة من الأنجاس الحسية فقال واضع الترجمة له:
стр. 1959
(٢) كتاب الطهارة
١١٤ - (١٩) (١) باب فضل الوضوء
ــ
(٢) كِتَابُ الطَّهَارَةِ
١١٤ - (١٩) (١) باب فضل الوضوء
(المناسبة) مناسبة كتاب الطهارة لكتاب الإيمان أن الطهارةَ النَّظافةُ عن الأنجاس الحسية كما أن الإيمان الخلوص عن الأرجاس المعنوية، ولأن الطهارة مفتاح الصلاة التي هي ثاني أركان الإسلام بعد الإيمان بالله تعالى، والكتاب لغةَ: مصدرٌ بمعنى الضمِّ والجمْعِ لِكَتَبَ من باب نصر تقول؛ كتب بالقلم يكتب كَتْبًا وكتابًا وكتابة إذا خط بالقلم لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف وانضمام بعضها إلى بعض وتَكَتَّبَتْ بنو فلان إذا اجتمعوا وانضم بعضهم إلى بعض، واصطلاحًا: اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبًا، والباب لغة: فُرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج وعكسه، واصطلاحًا: اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة مشتملة على فصول ومسائل غالبًا كما مر، والطَّهارة بفتح الطاء لغة: النظافة من الأقذار ولو طاهرة كالمخاط والبُصاق حسية كانت كالأنجاس أو معنوية كالأدناس الباطنية وهي العيوب من الحقد والحسد وغيرهما، وشرعًا فعل ما تستَباح به نحو الصلاة من وضوء وغسل وتيمم وإزالة نجاسة، وأما الطُّهارة بضم الطاء: فاسم لبقية الماء أي لما فَضَل من طهارته كالذي يبقى في نحو الإبريق، وأما الطِّهارة بكسر الطاء فاسم لما يضاف إلى الماء من سدر ونحوه كذا قاله بعض الفقهاء، وأما الوُضوء فهو بضم الواو: اسم لاستعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحًا بنية، وبفتحها اسم لما يُعَدُّ ويهيأ للوُضوء به كالماء الذي في الإبريق أو في الميضأة، لا لما يصح منه الوضوء كماء البحر وماء البئر خلافًا لبعضهم لأنه لم يُسْمَع إطلاقه على ماء البحر مثلًا وهذا
стр. 1960
٤٣١ - (٢٠٠) (٣٦) (١) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ. حَدَّثَنَا أَبَانٌ
ــ
القول هو الأشهر، وقيل بالضم فيهما، وقيل بالفتح فيهما، وقيل بعكس الأول وهذه الأقوال تجري في كل ما جاء على وزن فُعُول كالوُقود والسحور والفطور والطهور والوجور الدواء الذي يُصبُّ في الحلق وهو بالضم اسم مصدر لتوضأ، وقياس المصدر التَّوَضُّؤُ لأن فعله تَوَضَّأ نظير تكلم من الوضاءة وهي الحسن والنظافة والخلوص من ظلمة الذنوب.
وفُرض الوضوء مع الصلاة ليلة الإسراء لكن مشروعيته سابقة على ذلك لأنه روي أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ في ابتداء البعثة فعلمه الوضوء ثم صلى به ركعتين وهو من الشرائع القديمة لخبر "هذا وُضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" والخاصُّ بنا الكيفيةُ المخصوصة أو الغرة والتحجيل لخبر "أنتم الغر المحَجَّلُون يوم القيامة من آثار الوضوء ومن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
أي هذا كتاب معقود في ذكر الأحاديث الواردة في الطهارة إزالة ورفعًا واستباحةً غسلًا ووضوءًا، وهذا باب معقود في ذكر الأحاديث الواردة في فضل الطهارة التي من أفرادها الوضوء فعطف الوضوء على الطهارة في الترجمة من عطف الخاص على العام اهتمامًا به وإظهارًا لمزِيَّتِه وفي بيان اشتراطهما في الصلاة.
٤٣١ - (٢٠٠) (٣٦) - (١) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي أبو يعقوب المروزي ثم النيسابوري ثقة ثبت من (١١) مات سنة (٢٥١) روى عنه في (١٧) بابًا تقريبًا، قال (حدثنا حبان) بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة المشددة (بن هلال) الباهلي أو الكناني أبو حبيب البصري ثقة ثبت من (٩) مات سنة (٢١٦) روى عنه في (٨) أبواب قال (حدثنا أبان) بالصَّرْفِ ومَنْعِهِ والمختارُ الصرفُ، بن يزيد العطار أبو يزيد البصري روى عن يحيى بن أبي كثير في الوضوء والصلاة وغيرهما، وقتادة في الصلاة والجنائز والبيوع وصفة النار، وغيلان بن جرير في الصوم، وأبي عمران الجَونِي في العلم، ويروي عنه (خ م د ت س) وحبان بن هلال ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم وأبو داود الطيالسي وعبد الصمد بن عبد الوارث وابن المبارك ويحيى القطان، وقال في التقريب: ثقة من السابعة مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وجملة الأبواب التي روى عنه
стр. 1961
حَدَّثَنَا يَحْيَى؛ أَنَّ زيدًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلَّام حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِي؛ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "الطهُورُ
ــ
فيها سبعة (٧)، قال (حدثنا يحيى) بن أبي كثير اسمه صالح بن المتوكل، وقيل اسمه دينار الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي سكن اليمامة البصري ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من (٥) مات سنة (١٣٢) روى عنه في (١٦) (أن زيدًا) ابن سلَّام بتشديد اللام بن أبي سلَّام الأسود الحبشي أبا معاوية الدمشقي، روى عن جده أبي سلَّام في الوضوء والزكاة والجهاد وغيرها، ويروي عنه (م عم) ويحيى بن أبي كثير، وقيل لم يسمع منه بل نسخ كتابه، وأخوه معاوية بن سلام، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة (حدثه) أي حدث ليحيى بن أبي كثير (أن) جده (أبا سلَّام) ممطورًا الباهلي الأسود الحبشي الأعرج الدمشقي، قيل النوبي، وقيل نسبة إلى حيٍّ من حمير من اليمن لا إلى الحبشة، روى عن أبي مالك الأشعري في الوضوء والجنائز، وأبي أسماء الرحبي عمرو بن مرثد وأبي أمامة الباهلي في الصلاة، والحَكَمِ بن مِيناء في الصلاة، وعبد الله بن فرُّوخ في الزكاة، وحذيفة في الجهاد، والنعمان بن بشير، ويروي عنه (م عم) وزيد بن سلام ومكحول والأوزاعي وغيرهم، وثّقه العجلي، وقال في التقريب: ثقة يرسل من الثالثة (حدثه) أي حدث لزيد بن سلام (عن أبي مالك الأشعري) له صحبة مختلف في اسمه قيل اسمه الحارث بن الحارث، وقيل عبيد، وقيل عبيد الله، وقيل كعب بن عاصم، وقيل عمرو، وقيل غير ذلك الدمشقي له (٢٧) سبعة وعشرون حديثًا، روى عنه أبو سلَّام ممطور الحبشي في الوضوء، وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم شاميون وثلاثة بصريون وواحد مروزي، قال النواوي: وهذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطني وغيره فقالوا: سقط عنه رجل بين أبي سلام وأبي مالك والساقط عبد الرحمن بن غُنم، قالوا: والدليل على سقوطه أن معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري، وهكذا أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، ويمكن أن يجاب عن مسلم عن هذا الاعتراض بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك فرواه مرة عنه ومرة عن عبد الرحمن، وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه والله أعلم.
(قال) أبو مالك (قال رسول الله ﷺ : الطُّهور) في طائه الضم
стр. 1962
شَطْرُ الإِيمَانِ
ــ
والفتح، قال النواوي: والمعروف أنها بالضمِّ الفعلُ وبالفتح الماءُ، وقال الخليل: ليس في طائه إلا الفتح في الأمرين ولا يعرف الضم، قال القرطبي: وهذه الوجوه كلها لغات، وأما الحديث فإنما الرواية فيه بالفتح ولا يستقيم إلا على قول الخليل ولا يستقيم على المعروف إلا بتقدير مضاف أي استعمال الطهور اهـ سنوسي بتصرف. أي التنزه والتجنب عن المستخبثات الشرعية الظاهرة والباطنة (شطر الإيمان) أي نصف الإيمان منحصر في امتثال المأمورات والمستحسنات الشرعية وفعلها والتلبس بها، وفي اجتناب المستخبثات والمنهيات الشرعية بالتنزه والتطهر منها فهذان الصنفان عُبِّر عن أحدهما بالطهارة في استعمال اللغة، وفي المفهم: والطُّهور والطهارة مصدران بمعنى النظافة تقول العرب: طَهُرَ الشيء بفتح الهاء وضمها يَطْهُر بضمها لا غير طهارةً وطُهورًا كما تقول: نَظُفَ ينظُف نظافة ونَزُه يَنْزُهُ نَزَاهَةً بضمها لا غير، وهي التنزه من المستخبثات المحسوسة والمعنوية كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ والشطر النصف وقد تقدم ويأتي أيضًا بمعنى الجهة ومنه ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي جهته، ويقال: شَطَرَ عنه أي بعد وشطر إليه أي أقبل، والشاطر من الشبان البعيد من الخير، وقد اختلف في معنى قوله ﷺ (الطهور شطر الإيمان) على أقوال كثيرة أحسنها أن يقال: إنه أراد بالطهور الطهارة من المستخبثات الظاهرة والباطنة، وبالشطر النصف، وبالإيمان المعنى العام كما يدل عليه قوله ﵊ (الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان) رواه الخطيب في تاريخه [٩/ ٣٨٦] وفيه عبد الله بن أحمد الطائي ليس بالمرضي، ولا شك أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة وأحكام متعددة غير أنها منحصرة فيما ينبغي التنزه والتطهر منه وهو كل ما نهى الشرع عنه وفيما ينبغي التلبس والاتصاف به وهو كل ما أمر الشرع به فهذان الصنفان عُبر عن أحدهما بالطهارة على مُسْتَعْمَل اللغة، وهذا كما قد روي مرفوعًا "الإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر" رواه الديلمي في الفردوس، والقضاعي في الشهاب، والبيهقي في الشعب من حديث أنس ﵁ وفيه عتبة بن السكن متروك ويزيد بن أبان متروك أيضًا، وقيل الطهارة هنا بمعنى التطهر بالماء، والشطر بمعنى الجزء والمعنى الطهارة بالماء جزء من الإيمان أي شعبة منه كقوله النظافة من الإيمان أي شعبة منه وهذا أوضح الأقوال، وقيل إن الطهارة الشرعية لمَّا كانت تكفِّرُ الخطايا السابقة
стр. 1963
وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمدُ للهِ تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأُ، مَا بَينَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ
ــ
كانت كالإيمان الذي يَجُبُّ ما قبله فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى محو الخطايا، وهذا فيه بعدٌ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة تكفر الخطايا فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنىً ثم لا يصح أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار لأنها إنما تكون مِثْلًا له في التكفير ولا يطلق على المثل للشيء شطره، وقد أطال القرطبي الكلام في ذكر الأقوال وقال في آخره: فالأولى التأويل الأول ما أشرنا إليه، وقال النواوي: اختلف في معنى قوله ﷺ الطهور شطر الإيمان فقيل معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل معناه إن الإيمان يجبُّ ما قبله من الخطايا وكذلك الوضوء لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر وقيل المراد بالإيمان هنا الصلاة كما في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًّا وهذا القول أقرب الأقوال، ويحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر وهما الشطران للإيمان، والطهارةُ متضمنةٌ الصلاةَ فهي انقياد في الظاهر، والله أعلم اهـ كلامه، وعلى كل الأقوال فقوله (الطهور شطر الإيمان) هو موضع الجزء الأول من الترجمة (والحمد لله) أي كلمة الحمد لله (تملأ) ثوابًا (الميزان) أي ميزان الحسنات لو كان جسمًا يظهر بالعيان، وقال القرطبي: والحمد الثناء على مُثْنىً مَّا بأوصاف كمالِهِ، فإذا حمد الله حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات فإذا أضاف إلى ذلك (وسبحان الله) الذي معناه تبرئة الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من النقائص ملأت حسناته، وثوابها زيادة على ذلك (ما بين السماوات والأرض) إذ الميزان مملوء بثواب التحميد وذكر السماوات والأرض على جهة الإغياء -من أغيا الرجلُ إذا بلغ الغاية- على العادة العربية، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدًّا بحيث لو كان أجسامًا لملأ ما بين السماوات والأرض، قال النواوي: وأما قوله (والحمد لله تملأ الميزان) بالتاء المثناة فوق على معنى كلمة الحمد لله لا على معنى السورة، وبالياء المثناة تحتُ على معنى الذِّكر ومعنى ذلك لعظم أجرها يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخِفَّتِها، قال الأبي: يريد هذا الذكر فقط لا كل السورة، وامتلاءُ الكفة لا يستلزم رجحانها بل عدم
стр. 1964
وَالصَّلاةُ نُورٌ. وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ. وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ
ــ
مرجوحيتها لأن الأخرى إن كانت ملأى ساوتها وإلا رجحت هذه، والمعنى أنها لو كانت أجسامًا لملأته، قال النواوي: وأما قوله (وسبحان الله والحمد لله تملآن) ضبطناه بالتاء المثناة من فوق أي هاتان الكلمتان، ويالياء المثناة من تحت أي هذان الذكران (أو) قال النبي ﷺ أو الراوي والشك من الراوي أو ممن دونه (تملأ) أي جملة الذكرهرين فالألف في تملآن بالتاء يعود إلى المؤنثتين الغائبتين أي تملأ الكلمتان، وبالياء إلى المذكرين الغائبين أي يملأ الذكران، وفي (تملأ) بالتاء ضمير المؤنثة الغائبة أي تملأ جملة الكلمتين، وبالياء ضمير المذكر الغائب أي يملأ كل من الذكرين، والمقصود من هذا الكلام تفخيم شأن هذه الكلمات على معنى أنها لو قدر أن تكون أجسامًا لبلغت من كثرتها هذا المبلغ ويجوز أن يراد به أجرها وثوابها أفاده ابن الأثير في النهاية.
والمعنى لو قُدِّر ثوابهما جسمًا لملأ ما بين السماوات والأرض وسبب عظم فضلها ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله (سبحان الله) والتفويضِ والافتقارِ إلى الله تعالى بقوله (والحمد لله) والله أعلم اهـ من النواوي بتصرف، يعني أن الحمد إذا أُفْرِد يملأ الميزان وإذا قُرِن بالتسبيح يملأ ما بين السماوات والأرض (والصلاة نور) قال القاضي عياض: أي أجرها نور يسعى بين يدي صاحبها يوم القيامة أو أن الصلاة سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لتفرغ القلب فيها والإقبال بالجسم والقلب على الله تعالى وشغل الجوارح بها عما سواه كما قال ﷺ "وجُعِلَتْ قرَّةُ عيني في الصلاة" رواه النسائي وأحمد والحاكم (والصدقة برهان) أي دليل على إيمان صاحبها لأن شأن المنافقين اللمزُ فيها، ألا ترى ضعف إيمان من منعها في الردة أيام أبي بكر ﵁، وعبارة المفهم هنا: قوله (والصدقة برهان) أي على صحة إيمان المتصدق أو على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات أو على صحة محبة المتصدق لله تعالى ولما لديه من الثواب إذ قد آثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه على ما جبل عليه من حب الذهب والفضة حتى أخرجه لله تعالى (والصبر) أي الصبر على العبادات ومشاقِّها وعلى المصائب والصبر عن المخالفات والمنهيات كاتباع هوى النفس والشهوات وغير ذلك (ضياء) أي مُضيء لصاحبه في عواقب أحواله فمن كان صابرًا في تلك الأحوال متثبتًا فيها مقابلًا لكل حال
стр. 1965
وَالْقرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو. فَبَايعٌ نَفْسَهُ. فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا"
ــ
بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله ووَضَحَتْ له مصالح أعماله فظفر بمطلوبه وحصل له من الثواب على مرغوبه كما قيل:
فقل مَن جدَّ في أمرٍ تَطَلَّبَهُ ... واستَعْمَل الصبرَ إلا فاز بالظفرِ
قال النووي: يعني أن الصبر المحبوب في الشرع ضياء وهو الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضًا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا يعني أن الصبر محمود لا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا على الصواب، قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة، وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بِحُسْن الأدب، وقال أبو علي الدقّاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينُافي الصبر، قال الله تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مع أنه قال ﴿إني مسني الضر﴾ والله أعلم. اهـ (والقرآن حجة) أي شاهد (لك) بالإيمان إن صدقته وعملت بما فيه (أو) شاهد (عليك) إن خالفته ولم تعمل بما فيه، قال القرطبي: يعني أنك إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه كان حجة لك في المواقف التي تُسأل عنه فيها كمسألة الملكين في القبر والمسألة عند الميزان وفي عقبات الصراط وإن لم تمتثل ذلك احتُجَّ به عليك، ويحتمل أن يُراد به أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية والوقائع الحُكمية فبه تَسْتَدِلُّ على صحة دعواك وبه يستدل عليك خصمك (كل الناس يغدو) أي يُبكرُ في أشغاله (فبائع) أي فمنهم بائع (نفسه) بطاعات الله تعالى (فمُعتقها) أي فيُعتقها من العذاب (أو) بائع نفسه للهوى والنفس والشيطان أي بائع بمعصية الله تعالى فـ (مُوبقها) أي يُهلكها بالعذاب باتباع ما ذُكر أي بالمعاصي، وفي المفهم: (كل الناس يغدو) أي يُبكِّر يقال غَدَا إذا خرج صباحًا في مصالحه يغدو غدوًا وراح إذا رجع بعَشيِّ، ومعنى ذلك أن كل إنسان يُصبح ساعيًا في أموره متصرفًا في أغراضه ثم إما تكون تصرفاته بحسب دواعي الشرع والحق فهو الذي يبيع نفسه من الله تعالى وهو بيع آيل إلى عتقٍ وحرِّية، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها أي أهلكها، ومنه قوله تعالى ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] ومنه قول ابن مسعود: "الناس
следующие страницы →