Полный текст (11 982 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
فَيَقُولُ: وَهَل تَدْرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ؟ ".
٤٧٩ - (٢٢٣) (٥٩) (٢٣) وحدّثنا عُثمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ
ــ
الموحدة في معظم الأصول من الجواب، وفي بعضها (فيجيئني) بالهمز من المجيء والأول أظهر وللثاني وجه (فيقول) الملك (وهل تدري) وتعلم يا محمَّد (ما أحدثوا) وأبدعوا (بعدك) أي بعد وفاتك، ولذلك مُنِعُوا عن الوصول إليك، قال النواوي: وفي الرِّواية الأخرى "قد بدلوا بعدك فأقول سحقًا سحقًا" وقد اختلف العلماء في المراد بهم على أقوال: الأوَّل: أن المراد بهم المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النَّبيُّ ﷺ للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء مما وعدت بهم إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم، والثاني: أن المراد بهم من كان في زمن النَّبيِّ ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم النَّبيُّ ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم فيقال له ارتدوا بعدك، والثالث: أن المراد بهم أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يُقْطَع لهؤلاء الذين يُذَادون بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله فيدخلهم الجنَّة بغير عذاب قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكونوا في زمن النَّبيِّ ﷺ وبعده لكن عرفهم بالسيما، وقال ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الحديث والله أعلم. اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤٧٩ - (٢٢٣) (٥٩) (٢٣) (وحدثنا عثمان) بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي أبو الحسن الكوفيّ ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٩) روى عنه في (١٣) بابا، قال (حدَّثنا علي بن مسهر) بصيغة اسم الفاعل القرشي أبو الحسن الكوفيّ ثقة من
стр. 2067
عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن حَوْضِي لأَبعَدُ مِن أيلَةَ مِن عَدَن، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَذودُ عَنْهُ الرِّجَال كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الغَرِيبَةَ عَنْ حَوضِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَتَعْرِفُنَا؟ قَال: "نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الوُضُوءِ، لَيسَتْ لأَحَدٍ غَيرِكُمْ"
ــ
(٨) مات سنة (١٨٩) روى عنه في (١٤) بابا (عن سعد بن طارق) الأشجعي أبي مالك الكوفيّ ثقة من (٤) (عن ربعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة العبسي أبي مريم الكوفيّ ثقة مخضرم من الثَّانية مات سنة (١٠٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن حذيفة) بن اليمان العبسي بموحدة أبي عبد الله الكوفيّ صاحب رسول الله ﷺ له (١٠٠) حديث مات سنة (٣٦) روى عنه في (٥) أبواب، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) حذيفة (قال رسول الله ﷺ إن) ما بين طرفي (حوضي لأبْعَدُ) أي لأزيد بُعْدًا (من) بُعْد (أيلة من عدن) بلدتان معروفتان كما مر (و) أقسمت لكم بـ (الذي نفسي) وروحي (بيده) أي بيده المقدسة، ففي هذا دلالة على جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة ودلائله كثيرة. اهـ. نواوي (إنِّي لأذود) وأطرد وأمنع (عنه) أي عن حوضي (الرجال) الذين لم يكونوا من أمتي لئلا يزدحموا عليهم (كما يذود) ويطرد (الرجل) الذي يسقي إبله (الإبل الغريبة عن حوضه) الذي هيأه لإبله لئلا تزدحم عليها أي أذود عنه ذودًا كذود صاحب الإبل الإبلَ الغريبة عن حوضه والغريبة التي ضلت عن صاحبها، وهذا كقوله في رواية أخرى "كما يذاد البعير الضال" ووجه التشبيه أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود فيكون فيها الضال والغريب وكل واحد من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله حتَّى تشرب إبله فيكثر ضاربوه ودافعوه حتَّى صار مثلًا شائعًا كما قال الحجاج لأهل العراق "لأضربنكم ضرب غرائب الإبل" كما مر قريبًا (قالوا) أي قال الحاضرون (يا رسول الله) أتذودهم (و) هل (تعرفنا) يومئذٍ (قال) رسول الله ﷺ (نعم) أعرفكم لأنكم (تردون علي) عند الحوض (غرًا محجلين من آثار) ماء (الوضوء ليست) تلك السيما من الغرة والتحجيل (لأحد) من الأمم (غيركم) وهذا الحديث أعني حديث حذيفة شارك المؤلف في روايته ابن ماجة رواه في كتاب الزهد كما في التحفة.
стр. 2068
٤٨٠ - (٢٢٤) (٦٠) (٢٤) حدَّثنا يَحْيَى بن أَيُّوبَ وَسُرَيجُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَال: "السَّلامُ عَلَيكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ،
ــ
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأوَّل بحديثه من رواية أخرى ﵁ فقال:
٤٨٠ - (٢٢٤) (٦٠) (٢٤) (حدَّثنا يَحْيَى بن أيوب) المقابري أبو زكرياء البغدادي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٨) أبواب (وشريج بن يونس) بن إبراهيم المروزي الأصل البغدادي ثقة عابد من (١٠) مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (١١) بابا (وقتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثَّقفيُّ مولاهم أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا (وعلي بن حجر) بضم المهملة وسكون الجيم بن إياس السعدي أبو الحسن المروزي نزيل بغداد ثقة من (٩) مات سنة (٢٤٤) روى عنه في (١١) بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه حالة كونهم (جميعًا) أي مجتمعين في الرِّواية (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزُّرَقِي مولاهم أبي إسحاق المدني ثقة ثبت من (٨) مات سنة (١٨٠) روى عنه في (١٢) بابا، وأتى بقوله (قال ابن أيوب: حدَّثنا إسماعيل) تحرزًا من الكذب، قال إسماعيل بن جعفر (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم أبو شبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة المدني صدوق من (٥) مات سنة (١٣٣) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني أبي العلاء المدني ثقة من (٣) روى عن أبي هريرة في الإيمان والوضوء وغيرهما (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما بغدادي أو بغلاني (إن رسول الله ﷺ أتى المقبرَة) بتثليث بائها والكسر قليل (فقال: السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين) وإتيانه ﷺ المقبرة يدل على جواز زيارة القبور ولا خلاف في جوازه للرجال وأن النَّهي عنه قد نسخ، واختلف فيه للنساء على ما سيأتي في الجنائز، قال الأبي: والأظهر أنَّه إنما أتاها للزيارة ففيه استحباب الزيارة لا جوازها لأنه ﷺ إنَّما يفعل الأفضل، واحتمال أن يكون أتاها لدفن أو غيره بعيد اهـ.
стр. 2069
وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله، بِكُمْ لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أنَّا قَدْ رَأَينَا إِخْوَانَنَا"
ــ
وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك وفيه معنى الدعاء لهم ويدل أيضًا على حسن التعاهد وكرم العهد وعلى دوام الحرمة. اهـ ط. وقال (ع) تسليمه ﷺ يحتمل أن الأجساد أُحْيِيَتْ له ورُدَّت إليها أرواحها فيسمعون كلامه كما سمعه أهل القليب ويردون عليه سلامه، وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة مرفوعًا قال وإما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدُّنيا فيسلم عليه إلَّا رد ﵇ من قبره" ويحتمل أنَّها لم تُحْيَ، وفعله دليل على الجواز فالسلام على هذا بمعنى الدعاء، قال المازري: وسلامه ﷺ عليهم حجة لمن يقول الأرواح بقية لا تفنى بفناء الأجساد وجاء في غير مسلم أنَّها تزور القبور اهـ. قال الأبي: القول ببقاء الأرواح لم يختلف فيه أهل السنة وإنَّما يقول بفنائها لا الأجساد المبتدعة، والصحيح ما ذهب إليه بعض علماء المتقدمين من أن الروح جسم لطيف مُشَكَّلٌ بصورة الجسد، وقوله "دار قوم" بالنصب على الاختصاص اللغوي لا الاصطلاحي لفقدان شرط الاصطلاحي وهو تقديم ضمير المتكلم أر المخاطب أو على النداء على تقدير مضاف أي يا أهل دار قوم، والأول أظهر ويجوز خفضه على البدل من الضمير في عليكم، والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين الجماعة أو أهل الدار وعلى الأوَّل مثله أو المنزل.
وقوله (وأنا إن شاء الله بكم لاحقون) في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه أقوال للعلماء: أحدها: أنَّه امتثال لقول الله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] فكان يكثر من ذلك حتَّى أدخله فيما لا بد منه وهو الموت. وثانيها: أنَّه أراد إنا بكم لاحقون في الإيمان ويكون هذا قبل أن يُعْلَم بمآل أمره كما قال تعالى ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. وثالثها: أن يكون استثناء في الواجب كما قال تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وتكون فائدته التفويض المطلق. ورابعها: أن يكون أراد لاحقون بكم في هذه البقعة الخاصة فإنَّه وإن كان قد علم أنَّه يموت بالمدينة ويدفن فيها فإنَّه قد قال للأنصار "المحيا محياكم والممات مماتكم" رواه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة لكن لم تُعَيَّن له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك. وهذا الوجه أولى وأظهر من كل ما ذُكر. اهـ من المفهم.
(وددت) أي أحببت وتمنيت (أنا قد رأينا) أي إنا تمنينا رؤية (إخواننا) الذين
стр. 2070
قَالُوا: أَوَلَسنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: "أَنْتُمْ أَصحَابِي. وإخْوَانُنَا الذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعدُ". فَقَالُوا: كَيفَ تَعْرِفُ مَن لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِن أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ الله؟
ــ
سيلحقون بنا من بعدنا (قالوا) أي قال الحاضرون عنده ﷺ (أ) تقول ذلك (ولسنا) نحن (إخوانك يا رسول الله) والهمزة للاستفهام التعجبي المضمن للإنكار (قال) رسول الله ﷺ (أنتم أصحابي) أي أنتم إخواني الذين فازوا بشرف صحبتي (و) أما (إخواننا) الذين تمنيتُ رؤيتهم هم (الذين لم يأتوا بعد) أي لم يوجدوا الآن (فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد) أي من لم يوجد الآن (من أمتك يا رسول الله) والاستفهام فيه للتعجب، قال القرطبي: وقوله (وددت أنا قد رأينا إخواننا) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني والحب الصَّحيح للرسول ﷺ ، وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث أنَّه ﷺ قال: "إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" وقد أخذ ابن عبد البر رحمه الله تعالى من هذا الحديث ومن قوله ﷺ "إن من ورائكم أيامًا الصبرُ فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين منكم" رواه أبو داود [٤٣٤١] والترمذي [٣٠٦٠] وابن ماجه [٤٠١٤] من حديث أبي أمامة ﵁ أنَّه يكون فيمن يأتي بعد الصّحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصّحابة وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا وأن من صحب النَّبيَّ ﷺ ورآه ولو مرَّة من عمره أفضل من كل من يأتي بعد، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره لأمور:
أولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله ﷺ .
وثانيها: فضيلة السبق للإسلام.
وثالثها: خصوصية الذب عن حضرة رسول الله ﷺ .
ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة.
وخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله ﷺ .
وسادسها: تبليغها لمن بعدهم.
وسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام.
стр. 2071
فَقَال: "أَرَأَيتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ. بَينَ ظَهرَي خَيلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ،
ــ
وثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فُعِلَ في الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أكمل حظ وثوابهم فيه أجزل ثواب لأنهم سَنُّوا سنن الخير وافتتحوا أبوابه وقد قال ﷺ "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
رواه أحمد [٤/ ٣٥٧] ومسلم [١٠١٧] والنَّسائيُّ [٥/ ٧٥ و ٧٦] من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن وسابقوا إلى المكارم ولو عُدِّدت مكارمهم وفسرت خواصهم وحصرت لملأت أسفارًا ولكلت الأعين بمطالعتها حيارى، وعن هذه الجملة قال ﷺ فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار من أصحابي أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا فجعلهم أصحابي" وقال "في أصحابي كلِّهم خير" وكذلك قال ﷺ "اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" رواه البُخاريّ ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلًا وتعيينًا وإبهامًا ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم فأمَّا استدلال المخالف بقوله ﷺ "إخواننا" فلا حجة فيه لأنَّ الصّحابة قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظ الأوفر لأنَّها الأخوة اليقينية العامة وانفردت الصّحابة بخصوصية الصحبة، وأمَّا قوله "فللعامل منهم أجر خمسين منكم" فلا حجة فيه لأنَّ ذلك إن صح إنَّما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنَّه قد قال ﷺ في آخره "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون" ولا بُعْد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث والله أعلم اهـ من المفهم.
(فقال) رسول الله ﷺ (أرأيت) أي أخبرني أيها المخاطب (لو) ثبت (إن رجلًا له خيل) أي أفراسٌ (غرٌّ) أي بيض الوجوه (محجلة) أي بيض الأيدي والأرجل كائنة تلك الخيل (بين ظهري خيل) أي بين خيل (دُهْمٍ) أي سود (بُهْم) أي
стр. 2072
أَلا يَعْرِفُ خَيلَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ الله، قَال: "فَإِنَّهُمْ يَأتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضوءِ. وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوضِ. أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ
ــ
خالصة السواد صافيته (ألا يعرف) ذلك الرجل (خيله) الغر المحجلة، والهمزة فيه للاستفهام التقريري، وقوله (بين ظهري خيل) قيل الظهر مقحم وفي الحديث "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غِنىً" والمراد نفس الغني والمعنى هنا بين أفراس دُهْم، قال الأصمعي: تقول العرب "نحن بين ظهريهم وظهرانيهم" على لفظ الاثنين أي بينهم، والعرب تضع الاثنين موضع الجمع، وقوله (دهم) جمع أدهم أي سود من الدهمة وهي السواد، وقال الهروي: (البهم) جمع بهيم وهو الذي لا يخالط لونه لون آخر بل لونه لاشية فيه سوادًا كان أو بياضًا أو حمرة يقال: أسود بهيم وأبيض بهيم ونحوه، وقال القرطبي: والدُّهم جمع أدهم وهو الأسود من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة، والبهم جمع بهيم وهو الذي لا لون فيه سوى الدهمة أن (قالوا: بلى يا رسول الله) يعرف خيله بالغرة والتحجيل (قال) رسول الله ﷺ (فإنهم) فإن إخواننا الذين لم يأتوا بعد (يأتون) علي (غرًا محجلين من) آثار ماء (الوضوء وأنا فرطهم على الحوض) أي متقدمهم إليه يقال: فرطتُ القوم إذا تقدمت عليهم لترتاد لهم الماء وتهيئ لهم الدلاء والرشا وافترط فلان ابنًا له أي تقدم له ابن، وعلى هنا بمعنى إلى ويحتمل أن يكون متعلقًا بمحذوف دل عليه السياق تقديره فيجدونني على الحوض (ألا) والله (ليذادن) أي يطردن (رجال) من أمتي ويمنعن (عن) ورود (حوضي كما يذاد) ويطرد (البعير الضال) عن صاحبه من حوض النَّاس، قال الإمام: وقع في بعض طرق هذا الحديث "فلا يذادن" على صيغة النَّهي ومعناه على هذا لا يفعلون فعلًا يكون سببًا لذودهم عن حوضي وأكثر الروايات "فليذادن" بلام التأكيد ومعناه فَلَيُبْعَدَنَّ وليُطردن، قال زهير:
ومَن لا يَذُدْ عن حوضه بسلاحه ... يُهَدَّمْ ومَن لا يَظْلِمِ النَّاس يُظْلَمِ
قال القاضي: ويصحح رواية "فلا يذادن" حديث سهل بن سعد عن النَّبيِّ ﷺ بمعناه وفيه "فلا يردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم" وهذا مثل قوله تعالى ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أي لا تفعلا فعلًا يخرجنكما. اهـ. إكمال المعلم.
стр. 2073
أُنَادِيهِمْ: أَلا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَذَلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا"
ــ
(أناديهم ألا) أي انتبهوا واستمعوا لما أقول (هلم) أي تعالوا وأقبلوا إلي وأنا منتظر لكم هنا، قال أهل اللغة: في هلم لغتان أفصحهما هلم للرجل والرجلين والمرأة والمرأتين والجماعة من المصنفين بصيغة واحدة، وبهذه اللفظة جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا﴾ واللغة الثَّانية إلحاق العلامة بها تقول: هلم يا رجل وهلما يا رجلان وهلموا يا رجال، وللمرأة هلمي وللمرأتين هلمتا وللنسوة هَلْمُمْنَ (فيقال) لي أي تقول الملائكة لي (إنهم) أي إن هؤلاء المطرودين (قد بدلوا) دينك وغَيَّرُوه (بعدك) أي بعد وفاتك (فأقول سحقًا سحقًا) الثَّاني مؤكد للأول أي بعدًا وهلاكًا، ويروى زيادة "لمن غَيَّرَ بعدي"، وعبارة النواوي: قوله (سحقًا سحقًا) معناه بعدًا بُعدًا والمكان السحيق البعيد، ونصب على تقدير ألزمهم الله سحقًا أوسحقهم سحقًا أن. قال الأبي: وفي الحديث من أعلام نبوته ﷺ المتعلقة بالإخبار عن المغيبات أربعة: صفة أمته في الآخرة، وتبديلهم بعده، والثالث حالهم في الآخرة وتقرير الحكم فيهم، والرابع أن له ﷺ حوضًا في الآخرة، ويأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى.
وفي المفهم: اختلف العلماء في تأويله فالذي صار إليه الباجي وغيره وهو الأشبه بمساق الأحاديث أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا وارتدوا من الصّحابة وغيرهم فيحشرون في أمة محمَّد ﷺ كما تقدم من قوله "وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها" وعليهم فيما هذه الأمة من الغرة والتحجيل فإذا رآهم النَّبيُّ ﷺ عرفهم بالسيما ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم: ألا هَلُمَّ، فإذا انطلقوا نحوه حِيل بينهم وبينه وأُخِذ بهم ذات الشمال، فيقول النَّبيُّ ﷺ : يا رب أمتي ومن أمتي، وفي لفظ آخر أصحابي فيقال له إذ ذاك: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وإنهم لن يزالوا مرتدين منذ فارقتهم فإذ ذاك تذهب عنهم الغرة والتحجيل ويطفأ نورهم فيبقون في الظلمات فيقطع بهم عن الورود وعن جواز الصراط فحينئذ يقولون للمؤمنين ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فيقال لهم ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] مكرًا وتنكيلًا ليتحققوا مقدار ما فاتهم فيعظم أسفهم وحسرتهم أعاذنا الله من أحوال المنافقين وألحقنا بعباده المخلصين، وقال الداوودي وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم وبعد ذلك يتلافاهم الله سبحانه برحمته
стр. 2074
٤٨١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبدُ العَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَردِيَّ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ. جَمِيعًا عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ إِلَى المَقبُرَةِ فَقَال: "السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ. وإنَّا إِن شَاءَ الله، بِكُم لاحِقُونَ" ... بِمِثلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعفَرٍ. غَيرَ
ــ
وشفع لهم النَّبيُّ ﷺ قال القاضي عياض: والأول أظهر. اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٧٥] ثم ذكر المتابعة فيه فقال:
٤٨١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثَّقفيُّ أبو رجاء البغلاني ثقة من (١٠) قال (حدَّثنا عبد العزيز) بن محمَّد بن عبيد الدراوردي أبو محمَّد الجهني المدني صدوق من (٨) وأتى بالعناية في قوله (يعني الدراوردي) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني إسحاق بن موسى) بن عبيد الله بن موسى (الأنصاري) الخطمي أبو موسى المدني ثقة متقن من (١٠) مات بأرض حمص راجعًا من الحج سنة (٢٤٤) روى عنه في (٥) أبواب تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لاختلاف صيغة شيخيه قال (حدَّثنا معن) بن عيسى بن يَحْيَى بن دينار الأشجعي مولاهم أبو يَحْيَى المدني ثقة ثبت من كبار العاشرة مات سنة (١٩٨) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدَّثنا مالك) بن أنس الأصبحي أبو عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه إمام حجة من (٧) مات سنة (٩٠) روى عنه في (١٧) بابا، حالة كون عبد العزيز ومالك (جميعًا) أي مجتمعين في الرِّواية (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني الحرقي المدني (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (عن أبي هريرة) الدوسي المدني، وهذان السندان الأوَّل منهما من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بغلاني، والثاني منهما من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله مدنيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة عبد العزيز ومالك لإسماعيل بن جعفر في رواية هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأنا أن شاء الله بكم لاحقون) وساقا عبد العزيز ومالك (بمثل حديث إسماعيل بن جعفر) واستثنى من المماثلة بالنسبة إلى رواية مالك بقوله (غير
стр. 2075
أَن حَدِيثَ مَالِكٍ: "فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوضِي"
ــ
أن حديث مالك) بن أنس (فليذادن رجال عن حوضي) بفاء الاستئناف بدل حرف التنبيه والاستفتاح، وجملة ما ذكر في هذه الترجمة ثلاثة أحاديث: الأوَّل حديث أبي هريرة الأوَّل ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث حذيفة وذكره للاستشهاد، والثالث حديث أبي هريرة الثَّاني وذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 2076
١٣١ - (٣٦) (١٨) باب بلوغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء
٤٨٢ - (٢٢٥) (٦١) (٢٥) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا خَلَفٌ، يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٌ الأشجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِم؛ قَال: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيرَةَ وَهُو يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ. فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَال: يَا بَنِي فَرُّوخَ،
ــ
١٣١ - (٣٦) (١٨) باب بلوغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء
٤٨٢ - (٢٢٥) (٦١) (٢٥) (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) قال (حدَّثنا خلف) بن خليفة بن صاعد الأشجعي مولاهم أبو أحمد الكوفيّ ثم الواسطيِّ ثم البغدادي، روى عن أبي مالك الأشجعي في الوضوء، والوليد بن سريع في الصَّلاة، ويزيد بن كيسان في الأطعمة وصفة النَّار، ويروي عنه (م عم) وقتيبة بن سعيد ومحرز بن عون وابن أبي شيبة ويحيى بن أيوب وهشيم وسعيد بن منصور، ويقال إنه رأى عمرو بن حريث صاحب النَّبيَّ ﷺ ، وقال في التقريب: صدوق اختلط في الآخر من الثامنة مات سنة إحدى وثمانين ومائة (١٨١) وهو ابن (١٠١) مائة سنة وسنة واحدة، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن خليفة) لما مر مرارًا (عن أبي مالك) سعد بن طارق بن أشيم (الأشجعي) الكوفيّ ثقة من (٤) مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الأعرج مولى عزة الأشجعية الكوفيّ جالس أبا هريرة خمس سنين ثقة من (٣) مات سنة (١٠٠) مائة، روى عنه في (٥) أبواب (قال) أبو حازم (كنت خلف أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بغلاني (وهو) أي والحال أن أبا هريرة (يتوضّأ للصلاة فكان) أبو هريرة (يمد) ويبسط (يده) المغسولة (حتَّى تبلغ) يده الغاسلة (إبطه) أي إبط يده المغسولة، والإبط بكسر الهمزة وسكون الباء الموضع المنخفض تحت منتهى العضد وفيه الضُّنَان غالبًا وينبت فيه الشعر، قال أبو حازم (فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء) البالغ إلى الإبط وما رأيت أحدًا يتوضَّأ مثل هذا الوضوء (فقال) أبو هريرة لأبي حازم (يا بني فروخ) بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وبالخاء المعجمة قيل إنه كان من ولد إبراهيم الخليل ﵇ بعد إسماعيل وإسحاق أكثر نسله، والعجم الذي في وسط البلاد من ولده وكنى أبو هريرة بذلك عن الموالي وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأعرج
стр. 2077
أَنْتُمْ ههُنَا؟ لَوْ عَلِمْتُ أَيُّكُمْ ههُنَا مَا تَوَضَّأتُ هذَا الْوُضُوءَ. سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ"
ــ
الأشجعي الكوفيّ مولى عزَّة الأشجعية وليس بأبي حازم سلمة بن دينار الفقيه الزَّاهد المدني مولى بني مخزوم، وكلاهما خُرِّجَ عنه في الصحيحين (أنتم ها هنا) أي في موضع جهل سُنِّية المبالغة في التحجيل وإنكارهم على أبي هريرة واعتذاره عن إظهار ذلك الفعل يدل على انفراده بذلك الفعل (لو علمت) أنا أوّلًا (أنكم) يا بني فروخ (ها هنا) أي في موضع جهل سنية المبالغة في التحجيل (ما توضأت هذا الوضوء) الذي بالغت فيه في التحجيل حتَّى لا تتوهموا أن ما فعلت من الإشراع هو فرض لازم.
قال القاضي عياض: فيه أنَّه لا ينبغي لمن يُقتدى به إذا ترخص في شيء لضرورة أو شدد فيه لوسوسة أن يفعله بحضرة العوام خوف أن يترخصوا فيه لغير ضرورة أو يعتقدوا أن ما شدَّد فيه واجب، ومنه قول عمر ﵁ "أيها الرُّهَيطُ إنكم يقتدى بكم" قال الأبي: قد تقدم أنَّه إنَّما استند في الإشراع لفعله ﷺ فليس الحديث من ذلك الباب (سمعت خليلي ﷺ وقوله خليلي ليس بمعارض لحديث "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" لأن الممتنع أن يتخذ النَّبيُّ ﷺ أحدًا خليلًا لا أن يتخذه ﷺ أحدٌ خليلًا وليست الخلة من النسب المنعكسة من الطرفين حتَّى يلزم ذلك فيها (يقول تبلغ الحلية) يوم القيامة أراد بها النور (من المؤمن) أي النور الشبيه بالحلية بجامع أن كلا منهما يزين العضو الواقع فيه (حيث يبلغ الوَضوء) بفتح الواو أي المحل الذي يصل إليه ماء الوضوء.
قال الأبي: ولا يخفى عليك ما في احتجاجه بالحديث من النظر لأنَّه إنَّما دل على فضل الوضوء في نفسه بظهور أثره لا على الإكثار من التحلية، وقد قال أبو عبيد: المراد بالحلية هنا التحجيل من أثر الوضوء، وقال غيره: الأوْلَى أنَّه من قوله تعالى ﴿وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ورد بأنه لا ربط بين الحلية والتحلِّي فإن الحلية السيماء والتحلي التزيين إلَّا أن في النهاية حليته ألبسته الحلية. واحتجاجه بهذا الحديث يدل على أن قوله "من استطاع منكم أن يطيل غرتها ليس من لفظ النَّبيّ ﷺ وإلا كان يحتج به لأنَّه أبين اهـ.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٢/ ٣٧١] والنَّسائيُّ [١/ ٩٣] ولم يذكر في هذه الترجمة إلَّا حديث أبي هريرة هذا ﵁.
стр. 2078
١٣٢ - (٣٧) (١٩) باب فضل إسباغ الوضوء مع المكاره
٤٨٣ - (٢٢٦) (٦٢) (٢٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابنُ حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَال ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. أَخْبَرَنِي العَلاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحو الله بِهِ الْخَطَايَا ويرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ الله. قَال: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ مع الْمَكَارِهِ
ــ
١٣٢ - (٣٧) (١٩) باب فضل إسباغ الوضوء مع المكاره
والمكاره جمع المكره بمعنى الكره والمشقة يعني به إتمامه بإيصال الماء إلى مواضع الفرض حال كراهة فعله لشدة البرد أو ألم الجسم كما سيأتي قريبًا.
٤٨٣ - (٢٢٦) (٦٢) (٢٦) (حدَّثنا يَحْيَى بن أيوب) المقابري أبو زكريا البغدادي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٨) أبواب (وقتيبة) بن سعيد البغلاني الثَّقفيُّ (و) علي (بن حجر) السعدي أبو الحسن المروزي ثقة من (٩) (جميعًا عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني ثقة من (٨) وأتى بقوله (قال ابن أيوب حدَّثنا إسماعيل) تورعًا من الكذب عليه، قال (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن الجهني المدني صدوق من (٥) (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مروزي وواحد إما بغدادي أو بغلاني أو مروزي (أن رسول الله ﷺ قال: ألا أدلكم) جوابهم ببل يدل على أن لا نافية دخلت عليها همزة الاستفهام التقريري ويحتمل كونها للاستفتاح بناء على أن حرف الاستفتاح يدخل على الجملة الفعلية. اهـ أبي بتصرف (على ما يمحو الله) ويمسح (به) أي بسببه (الخطايا) والذنوب من صحف الملائكة (ويرفع به الدرجات) في الجنَّة، قال الأبي: ومحو الخطايا كناية عن غفرانها، ويحتمل أنَّه حقيقة من صحف الملائكة، والخطايا جمع خطيئة وهي الذنوب مطلقًا ورفع الدرجات إعلاء المنازل في الجنَّة (قالوا) أي قال الحاضرون عنده ﷺ (بلى) دُلنا على ذلك (يا رسول الله، قال) رسول الله ﷺ ذلك (إسباغ الوضوء) أي إكماله واستيعابه جميع محل الفرض والمسنون (مع المكاره) أي مع المشاق والمتاعب بأن يتوضّأ مع البرد الشديد والعلل
стр. 2079
وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ. وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ"
ــ
التي يتأذى معها بمس الماء، وفي الأبي: إسباغ الوضوء إكماله وإتمامه، والمكاره جمع مَكْرَهٍ بفتح الميم والراء وقد تكون المشقة لشدة البرد وألم الجسم وفوت المحبوب وتكَلُّفِ طلب الماء وشرائه بثمن غال وغير ذلك وتسخين الماء لدفع برده ليقوى على العبادة لا يمنع من حصول الثواب المذكور (وكثرة الخُطَا إلى المساجد) قال القاضي: تكون ببعد الدار عن المسجد وبكثرة التكرار إليه، والخُطا جمع الخطوة وهي بضم الخاء ما بين القدمين وبفتحها المصدر ويكون للمرة، وكثرتها أعم من أن يكون ببُعد الدار وبكثرة التكرار. اهـ مبارق، وفي الأبي: قال عز الدين بن عبد السَّلام: ولا يمر إلى المسجد من أبعد طريقيه لتكثر الخُطا لأن الغرض الحصول في المسجد، والحديث إنَّما هو تنشيط لمن بعُدت داره أن لا يكسل وإمام المسجد لا يمنعه أخذ المرتب من ثواب تكرره إليه، وكان الشَّيخ ابن عرفة إمام الجامع الأعظم بتونس ولداره بُعْدٌ منه فكان يقول وقد نِيفَ عمره على الثمانين سنة: منعني من النُّقلة إلى قُرب الجامع حديث بني سلمة يعني قوله ﷺ لهم حين أرادوا التحول إلى قُرب المسجد "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" ومن نحو ما ذُكر في المنع أن يؤثر أبعد المسجدين منه بالصلاة فيه لكثرة الخُطا مع ما جاء "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت يا رسول الله إنِّي بين جارين فإلي أيهما أُهدي؟ قال: إلى أقربهما دارًا. اهـ من الأبي (وانتظار) وقت (الصَّلاة) الثَّانية بمراقبته ليفعلها في الوقت الأفضل (بعد) فعل (الصَّلاة) الأولى وأدائها في وقتها كانتظار وقت العصر بعد الظهر والعشاء بعد المغرب، وقيل المراد بالانتظار الجلوس في المسجد ليفعلها جماعة، قال ابن العربي: ويحتمل أن يريد بالانتظار تعلق القلب بالصلاة فيَعُمُّ الخمس، وقال ابن عرفة: جلوس الإمام في المسجد ينتظر الصَّلاة يدفع بذلك مشقة الرجوع لمطر أو بُعد دار لا يمنع من نيل الثواب المذكور (فذالكم) المذكور أيها المخاطبون من الأمور الثلاثة هو (الرباط) المرغب فيه الكامل الأجر الذي ينبغي حبس النَّفس عليه، وأصل الرباط بكسر الراء الحبس على الشيء وكأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، قال الأبي: والرباط لغة الحبس والحصر، وعُرفًا الإقامة بأطراف بلاد المسلمين لحراسة العدو يعني على حدودهم منعًا من دخولهم بلاد المسلمين بالسيطرة والغلبة، والمقصود هنا المعنى اللغوي، قال ابن العربي: المعنى فذالكم الرباط المأمور به في قوله تعالى ﴿اصْبِرُوا﴾ الآية.
стр. 2080
٤٨٤ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. جَمِيعًا عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَيسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّبَاطِ. وفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَينِ: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ"
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٧٧] والترمذي [٥١] والنَّسائيُّ [٨٩ - ٩٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤٨٤ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثني إسحاق بن موسى) بن عبيد الله (الأنصاري) الخطمي أبو موسى المدني ثم الكوفيّ ثقة متقن من (١٠) مات بأرض حمص سنة (٢٤٤) روى عنه في (٥) أبواب، قال (حدَّثنا معن) بن عيسى الأشجعي أبو يَحْيَى المدني ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (١٩٨) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدَّثنا مالك) بن أنس الأصبحي أبو عبد الله المدني ثقة إمام حجة من (٧) مات سنة (١٧٩) ودُفن بالبقيع (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدَّثنا محمَّد بن المثني) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري ثقة من (١٠) قال (حدَّثنا محمَّد بن جعفر) الهذلي البصري المعروف بغُندر، قال (حدَّثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام الكوفيّ (جميعًا) أي كل من مالك وشعبة رويا (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن أبي هريرة، وهذان السندان من سداسياته الأوَّل منهما رجاله كلهم مدنيون، والثاني منهما ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة بصريون، وغرضه بسوقهما بيان متابعة شعبة ومالك لإسماعيل بن جعفر في رواية هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن، وفائدتها بيان كثرة طرقه (و) لكن (ليس في حديث شعبة) وروايته (ذكر الرباط) بل اقتصر على تعداد الثلاثة ولم يقل فذالكم الرباط (وفي حديث مالك) وروايته ذكر الرباط (ثنتين) أي تكراره مرتين حيث قال (فذالكم الرباط فذالكم الرباط) أي قال هذه الكلمة مرتين، وحكمة تكرارها الاهتمام بها وتعظيم شأنها وقيل كررها على عادته في تكرار الكلام لِيُفْهَم عنه والأول أظهر، وأصل الرِّبَاط بكسر الراء أن يربط الفريقان خيولهم في ثُغْرِ كل منهما مُعَدًّا لصاحبه يعني أن المواظبة على الطهارة ونحوها كالجهاد وقيل معناه أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفُّهُ عن المحارم كذا في المجمع، وقيل إنه أفضل
стр. 2081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرباط كما قيل الجهاد جهاد النَّفس، ويحتمل أنَّه الرباط المتيسر الممكن أي إنه من أنواع الرباط، وقال القاضي: إن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية لأنَّها تسد طرق الشَّيطان على النَّفس وتَقْهَر الهوى وتمنعها من قبول الوساوس فيغلِبُ بها حزب الله تعالى جنود الشَّيطان وذلك هو الجهاد الأكبر. اهـ تحفة الأحوذي.
ولم يذكر في هذا الباب إلَّا حديث أبي هريرة وذكر فيه متابعة واحدة، والله سبحانه أعلم.
* * *
стр. 2082
١٣٣ - (٣٨) (٢٠) باب السواك
٤٨٥ - (٢٢٧) (٦٣) (٢٧) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ قَال: "لَولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (وَفِي حَدِيثِ زُهَيرٍ، عَلَى أُمَّتِي)
ــ
١٣٣ - (٣٨) (٢٠) باب السواك
والسواك بكسر السِّين يُجمع على سُوُكٍ ككتاب وكتب، وهو لغة: الدلك وآلته، وشرعًا: استعمال عود ونحوه في الأسنان وما حواليها لإذهاب التغير ونحوه بنيةٍ، وأركانه ثلاثة مستاك ومستاك به ومستاك فيه، وهو من الشرائع القديمة كما يدل له قوله ﷺ "هذا سواكي وسواك الأنبياء من قبلي" أي من عهد إبراهيم ﵇ لا مطلقًا لأنَّه أول من استاك، ونص بعضهم على أنَّه من خصائص هذه الأمة بالنسبة للأمم السابقة لا للأنبياء لأنَّه كان للأنبياء السابقين من عهد إبراهيم دون أممهم. اهـ بيجوري على ابن قاسم.
٤٨٥ - (٢٢٧) (٦٣) (٢٧) (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثَّقفيُّ البغلاني من (١٠) (وعمرو) بن محمَّد بن بكر (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة من (١٠) (وزهير بن حرب) بن شداد الحَرَشِيُّ أبو خثيمة النَّسائيّ، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدَّثنا سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمَّد الكوفيّ ثم المكيِّ ثقة حافظ فقيه حجة وكان ربَّما دلس من الثامنة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني ثقة من الخامسة (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود المدني القارئ ثقة ثبت عالم قارئ من (٣) (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد منهم إما بغلاني أو بغدادي أو نسائي.
(عن النَّبيِّ ﷺ قال: لولا أن أشق على المؤمنين، وفي حديث زهير) وروايته (على أمتي) بدل على المؤمنين أي لولا أن أثقل عليهم من المشقة وهي
стр. 2083
لأمرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاةٍ"
ــ
الشدة قاله في النهاية يقال شق عليه أي ثقل أو حمله من الأمر الشديد ما يشق ويشتد عليه، والمعنى لولا خوف وقوع المشقة عليهم أو أن مصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء والخبر محذوف وجوبًا على كلا التقديرين أي لولا خوف المشقة عليهم موجود أو لولا المشقة عليهم موجودة (لأمرتهم) أمر وجوب (بالسواك) أي باستعمال السواك لأنَّ السواك هو الآلة ويُستعمل أيضًا في الفعل أي لأمرتهم بالاستياك (عند كل صلاة) فرضًا كانت أو نفلًا ولكن خوف المشقة منعني من أمرهم بالاستياك أمر وجوب، ولكن مأمورون به أمر استحباب، قال القارئ في المرقاة: قوله (عند كل صلاة) أي عند وضوئها لما روى ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا في كتاب الصوم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" ولخبر أحمد وغيره "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور) فتَبَيَّن من حديث الباب أن موضع السواك عند كل صلاة، والشافعية يجمعون بين الحديثين بالسواك عند ابتداء كل منهما. اهـ تحفة الأحوذي، والحاصل أنَّه ﷺ همَّ بإيجاب السواك على أمته ورأى المشقة لضعفهم وعجزهم، فقال: لولا خوف المشقة لأوجبت عليهم السواك فلفظة لولا لامتناع الثَّاني لوجود الأوَّل فإذا ثبت وجود الأوَّل وهو خوف المشقة ها هنا ثبت امتناع الثَّاني وهو وجوب السواك فبقي السواك على نَدْبِيَّتِه في حقهم فهذا يرد مذهب الظاهرية القائلين بالوجوب. اهـ بذل المجهود. وأمَّا هو ﷺ فالسواك لكل صلاة كان واجبًا عليه دون أمته لأنَّه كان يُناجي ملائكة الله تعالى لأنَّ مناجاتهم يقتضي أن يبتعد عن الرائحة النتنة ولهذا كره أكل الطَّعام الذي فيه البقول النتنة، وفي هذا الحديث دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وفيه بيان ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من الرفق بأمته وفيه دليل على فضيلة السواك عند كل صلاة.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٥/ ٤١٠] والبخاري [٧٢٤٠] وأبو داود [٤٦] والترمذي [٢٢] والنَّسائيُّ [١/ ١٢].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
стр. 2084
٤٨٦ - (٢٢٨) (٦٤) (٢٨) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيحٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ. قُلْتُ: بِأَيِّ شَيءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيتَهُ؟ قَالتْ: بِالسِّوَاكِ
ــ
٤٨٦ - (٢٢٨) (٦٤) (٢٨) (حدَّثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء) بن كريب الهمداني ثقة من (١٠) قال (حدَّثنا) محمَّد (بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفيّ ثقة من (٩) مات سنة (٢٠٣) (عن مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي أبي سلمة الكوفيّ ثقة ثبت من (٧) مات سنة (١٥٣) (عن المقدام بن شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفيّ، روى عن أبيه في الوضوء والفضائل وغيرهما، وقميرٍ مصغرًا امرأةِ مسروق، ويروي عنه (م عم) ومسعر والثوري وإسرائيل وشعبة والأعمش وشريك وابنه يزيد وغيرهم، وثقه أبو حاتم وأحمد والنَّسائيُّ، وقال في التقريب: ثقة من السادسة (عن أبيه) شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي المَذْحِجِيّ أبي المقدام اليمنى نزيل الكوفة من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، روى عن عائشة في الوضوء والدعاء وغيرهما، وعن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص في الفضائل، وأبي هريرة في الدعاء وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وابنه المقدام بن شريح والقاسم بن مخيمرة والشعبي والحكم بن عتيبة، مخضرم معمر ثقة عابد قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان سنة ثمان وسبعين (٧٨) عن مائة (١٠٠) سنة أو أكثر (قال) شريح (سألت عائشة) رضي الله تعالى عنها فـ (قلت: بأي شيء كان يبدأ النَّبيُّ ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: ) كان النَّبيُّ ﷺ يبدأ (بالسواك) لأجل السلام على أهله فإن السَّلام اسم شريف فاستعمل السواك للإتيان به أو ليطيب فيه لتقبيل زوجاته. اهـ مناوي. فيكون على أطيب حالة ليكون أدعى لمحبة زوجاته له وهذا تعليم للأمة وإلا فرائحة فيه ﷺ أطيب من رائحة الطَّيِّب. اهـ حفني، وخص البيت لأنَّه لا يفعله ذو المروءة بحضرة النَّاس ولا بالمسجد لما فيه من إلقاء ما يستقذر.
قال القرطبي: وهذا الحديث يدل على استحباب تعاهد السواك لما يكره من تغير رائحة الفم من الأبخرة والأطعمة وغيرها، وعلى أنَّه يُتَجَنَّب استعمال السواك في المساجد والمحافل وحضرة النَّاس، ولم يُرو عنه ﷺ أنَّه تسوك في المسجد ولا في محفل من النَّاس لأنَّه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر النَّاس ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملإِ من النَّاس، ويحتمل أن
стр. 2085
٤٨٧ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدَّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيِّ. حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيح، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيتَهُ بَدَأَ بالسِّوَاكِ
ــ
يكون ابتداء النَّبيِّ ﷺ عند دخول بيته بالسواك لأنَّه كان يبدأ بصلاة النافلة فقلما كان يتنفَّلُ في المسجد. اهـ.
قال الأبي: وقيل لأنَّ الغالب أنَّه لا يتكلم بالطريق والسكوت يُغَيِّر رائحة الفم فكان يستاك ليزيل ذلك، وفعله هذا تعليم للأمة وهو ﷺ المنزّه المبرّأ أن يلحقه شيء من ذلك، فمن سكت ثم أراد أن يتكلم مع صاحبه فليستك لئلا يتأذى صاحبه برائحة فيه. والله أعلم.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٦/ ٤١] وأبو داود [٥١ و ٥٦ و ٥٧] والنَّسائيُّ [١/ ١٧]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٤٨٧ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو بكر) محمَّد بن أحمد (بن نافع العبدي) البصري صدوق من (١٠) مشهور بكنيته مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٩) أبواب، قال (حدَّثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسَّان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري الإمام العلم ثقة ثبت من (٩) مات سنة (١٩٨) بالبصرة، روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري أبي عبد الله الكوفيّ ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من (٧) وكان ربَّما دلس مات سنة (١٦١) روى عنه في (٢٤) بابا (عن المقدام بن شريح) بن هانى بن يزيد الحارثي الكوفيّ (عن أبيه) شريح بن هانئ الكوفيّ (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة سفيان الثوري لمسعر بن كدام في رواية هذا الحديث عن المقدام بن شريح، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما فيه من بعض المخالفة للرواية الأولى (إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك) فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث أبي موسى الأشعري ﵁ فقال:
стр. 2086
٤٨٨ - (٢٢٩) (٦٥) (٢٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ عَنْ غَيلانَ، (وَهُوَ ابْنُ جَرِيرِ الْمِعْوَليُّ) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ
ــ
٤٨٨ - (٢٢٩) (٦٥) (٢٩) (حدَّثنا يَحْيَى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) أبو زكرياء البصري ثقة من (١٠) مات سنة (٢٤٨) روى عنه في (٥) أبواب، قال (حدَّثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت فقيه من (٨) مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٤) (عن غيلان) بن جرير الأزدي المِعْوَلي، بكسر الميم وفتحها وسكون العين المهملة وفتح واوه نسبة إلى معولة بطن من الأزد البصري، روى عن أبي بردة في الوضوء والإيمان وحُرمة المؤمن، ومطرف بن الشِخِّير في الصَّلاة والصوم، وعبد الله بن معبد الرُّمَّاني في الصوم، وأبي قيس زياد بن رباح في الجهاد، ويروي عنه (ع) وحماد بن زيد ومهدي بن ميمون وشعبة وأبان العطار وأيوب السختياني وجرير بن حازم وشداد أبو طلحة الراسبي، وثَّقَه أحمد، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة، وأتى بهو في قوله (وهو ابن جرير المعولي) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته لا مما سمعه من شيخه (عن أبي بردة) عامر بن عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري الكوفيّ ثقة من الثَّانية، روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفيّ الصحابي الجليل ﵁ له (٣٦٠) حديثًا مات سنة (٥٠) روى عنه في (٨) أبواب. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان (قال) أبو موسى (دخلت على النَّبيِّ ﷺ نستحمله في غزوة تبوك (وطرت السواك على لسانه) والمراد بالسواك هنا الشيء المستاك به، وكان المراد به في الأحاديث المتقدمة الاستياك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخاريّ في الطهارة عن أبي النُّعمان وأبو داود عن مسدد وأبي الرَّبيع، والنَّسائيُّ في الطهارة عن أحمد بن عبدة أربعتهم عن حماد بن زيد. أن تحفة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث حذيفة ﵁ فقال:
стр. 2087
٤٨٩ - (٢٣٠) (٦٦) (٣٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا هُشَيمْ عَنْ حُصَينٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ
ــ
٤٨٩ - (٢٣٠) (٦٦) (٣٠) (حدَّثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفيّ قال (حدَّثنا هشيم) بن بشير السلمي أبو معاوية الواسطيِّ ثقة ثبت من (٧) مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٨) بابا (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفيّ ثقة مات سنة (١٣٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفيّ ثقة مخضرم مات سنة (١٠٠) روى عنه في (٩) أبواب (عن حذيفة) بن اليمان العبسي أبي عبد الله الكوفيّ الصحابي الجليل صاحب سر رسول الله ﷺ مات سنة (٣٦) روى عنه في (٥) أبواب (قال) حذيفة كان رسول الله ﷺ إذا قام) من نومه في الليل واستيقظ (ليتهجد) أي ليصلِّي صلاة التهجد في الليل (يَشُوص فاه) أي يدلك فيه (بالسواك).
وقوله (إذا قام ليتهجد) أي ليصلي بالليل امتثالًا لقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ والتهجد الصَّلاة بالليل بعد النوم، يقال هجد الرجل إذا نام وتهجد إذا خرج من الهجود وهو النوم بالصلاة كما يقال تحنث وتأثم وتحرج إذا اجتنب الحنث والإثم والحرج، وقال (ع): تهجد إذا نام وتهجد إذا قام من الليل فهي من الأضداد، قوله (يشوص فاه بالسواك) أي يدلك أسنانه وينَقِّيهَا، قال المازري: شاص وماص استاك عرضًا، وقال الهروي: شاص إذا غسل يده أوفيه وكل شيء غسلته فقد شُصْتَهُ ومُصْتَهُ، وقيل لأعرابية: اغسلي ثوبي قالت: نعم وأموصه أي أغسله ثانية برفق، وقال ابن الأعرابي: الشَّوْصُ الدَّلك والمَوْصُ الغسل، وقال وكيع: الشوص وبالطول والسواك بالعرض، وقال ابن دريد: الشوص الاستياك من سُفل إلى عُلو ومنه الشُّوصَةُ ريح يرفع القلب عن محله، وقال الداودي: يشوصه أي يُنقيه كما قال فيه "مطهرة للفم" وقال ابن حبيب: يشوص فاه أي يحكُّه، وفي الصحاح: الشوص الغسل والتنظيف، قال الأبي: هذه المقالات كلها تفسير لمدلول اللفظ لغة، وأمَّا تفسير ما في الحديث فقيل المعنى يغسله وقيل يدلكه. اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث حذيفة شارك المؤلف في روايته البُخاريّ [٢٤٥] وأبو داود [٥٥] والنسائي [١/ ٨].
стр. 2088
٤٩٠ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أخبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاويةَ عَنِ الأَعْمَشِ. كِلاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ. بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُولا: لِيَتَهَجَّدَ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حذيفة ﵁ فقال:
٤٩٠ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي أبو يعقوب المروزي ثقة حافظ مجتهد من (١٠) مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابا، قال (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفيّ ثقة من (٨) مات سنة (١٨٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي أبي عتاب الكوفيّ ثقة ثبت من (٥) مات سنة (١٣٢) روى عنه في (١٩) بابا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدَّثنا) محمَّد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفيّ ثقة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدَّثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني أبو هشام الكوفيّ ثقة صاحب حديث من (٩) مات سنة (١٩٩) روى عنه في (١٧) بابا (وأبو معاوية) محمَّد بن خازم الضَّرير التميمي الكوفيّ ثقة من (٩) مات سنة (١٩٥) روى عنه في (١٤) بابا جميعًا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمَّد الكوفيّ ثقة حافظ قارئ ورع لكنَّه يدلس من (٥) مات سنة (١٤٨) روى عنه في (١٣) بابا (كلاهما) أي كل من منصور وسليمان الأعمش رويا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفيّ (عن حذيفة) بن اليمان الكوفيّ. وهذان السندان من خماسياته الأوَّل منهما رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مروزي، والثاني منهما رجاله كلهم كوفيون، وغرضه بسوقهما بيان متابعة منصور والأعمش لحصين بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي وائل، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قال) حذيفة بن اليمان (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل) وساقا أي ساق كل من منصور والأعمش الحديث السابق (بمثله) أي بمثل ما ساق حصين بن عبد الرحمن (ولم يقولا) أي لم يقل الأعمش ومنصور أي لم يذكرا في روايتهما لفظة (ليتهجد) كما ذكره حصين وهذا استثناء من المماثلة، وفي بعض النسخ (ولم يقولوا) بضمير الجمع وهو تحريف من النساخ.
стр. 2089
٤٩١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ. وَحُصَينْ والأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
٤٩٢ - (٢٣١) (٦٧) (٣١) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ،
ــ
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث حذيفة ﵁ فقال:
٤٩١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدَّثنا محمَّد بن المثني) العنزي أبو موسى البصري (و) محمَّد (بن بشار) العبدي البصري (قالا حدَّثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسَّان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت من (٩) مات سنة (١٩٨) روى عنه في (١٤) بابا، قال (حدَّثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفيّ ثقة من (٧) روى عنه في (٢٤) بابا (عن منصور) بن المعتمر الكوفيّ (وحصين) بن عبد الرحمن الكوفيّ (و) سليمان (الأعمش) الكوفيّ (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الكوفيّ (عن حذيفة) بن اليمان الكوفيّ. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم بصريان وأربعة كوفيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة سفيان الثوري لجرير بن عبد الحميد وهشيم بن بشير وعبد الله بن نمير وأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن منصور وحصين والأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل) واستيقظ ليتهجد (يشوص فاه) أي يدلكه وينقيه (بالسواك) أي بآلة الاستياك ولم يذكر سفيان لفظة ليتهجد.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة رابعًا بحديث ابن عباس ﵄ فقال:
٤٩٢ - (٢٣١) (٦٧) (٣١) (حدَّثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر ثقة من (١١) مات سنة (٢٤٩) روى عنه في (١٢) بابا، قال (حدَّثنا أبو نعيم) الفضل بن دُكين التميمي مولاهم الأحول الكوفيّ مشهور بكنيته ثقة ثبت من (٩) مات سنة (٢١٩) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدَّثنا إسماعيل بن مسلم) العبدي أبو محمَّد البصري قاضي جزيرة قيس، روى عن أبي المتوكل في الوضوء والبيوع والأشربة،
стр. 2090
حَدَّثَنَا أبُو الْمُتَوَكِّلِ؛ أَن ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ بَاتَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ. فَقَامَ نَبِيُّ الله ﷺ مِن آخِرِ اللَّيلِ. فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضأ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى،
ــ
ومحمد بن واسع في الحج، وسعيد بن مسروق في الضحايا والحسن البصري، ويروي عنه (م د س) وأبو نعيم وعبيد الله بن عبد المجيد ووكيع وابن عيينة وروح بن عبادة وابن المبارك وابن مهدي قال ابن المديني: روى نحوًا من ثلاثين حديثًا، وثقه أبو حاتم والنَّسائيُّ وأحمد ويحيى وأبو زرعة، وقال في التقريب: ثقة من السادسة (حدَّثنا أبو المتوكل) علي بن داود، ويقال: ابن دؤاد بضم الدال بعدها واو بهمزة الناجي بنون وجيم البصري من بني سامة بن لؤي، روى عن ابن عباس في الوضوء، وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله في البيوع، ويروي عنه (ع) وإسماعيل بن مسلم وعاصم الأحول وسليمان الربعي وبشير بن عقبة والمثنى بن سعيد وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية وقتادة وثابت، قال ابن المديني: ثقة مشهور بكنيته له خمسة عشر حديثًا (١٥) وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات سنة (١٠٨) ثمان ومائة، وقيل قبل ذلك (أن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي حجر الأمة وترجمان القرآن رضي الله تعالى عنهما المدني المكيِّ الطائر، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد طائفي وواحد كوفي وواحد كسي (حديثه) أي حدث لأبي المتوكل (أنه) أي أن ابن عباس (بات) أي نام (عند النَّبيِّ ﷺ في بيت خالته ميمونة بنت الحارث الهلالية (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي فلفظة ذات مقحمة ليحفظ كيفية صلاته ﷺ في الليل (فقام) أي استيقظ (نبي الله ﷺ من آخر الليل) أي في بعض ساعات آخر الليل (فخرج) من بيته (فنظر في السماء) ليتفكر في مخلوقاتها (ثم تلا) أي قرأ ﷺ بعد الاستياك (هذه الآية) الآتية المثبتة (في) سورة (آل عمران) التي هي قوله تعالى (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) وما فيهما من العجائب (﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾) بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان ﴿لآيَاتٍ﴾ أي لدلالات على قدرته تعالى ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي لذوي العقول الكاملة أي قرأها (حتَّى بلغ) أي وصل قوله تعالى (﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ ثم قام فصلَّى)
стр. 2091
ثُمَّ اضطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَلا هَذهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضأ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى
ــ
ركعتين (ثم اضطجع) ونام (ثم قام) أي استيقظ (فخرج) من البيت (فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ثم رجع) إلى البيت (فتسوك فتوضأ ثم قام فصلَّى) ركعتين ثم رجع إلى فراشه فنام ثم استيقظ ففعل مثل ذلك مرات فصار مجموع صلاته ست ركعات ثم أوتر بثلاث ركعات كما هو مصرح في رواية أبي داود، قال ابن بطال ومن تبعه: في هذا الحديث دليل على رد من كره قراءة القرآن على غير طهارة لأنَّه ﷺ قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضّأ، وتعقبه ابن المنير وغيره بأن ذلك مُفَرَّع على أن النوم في حقه ينقض الوضوء وليس كذلك لأنَّه قال "تنام عيني ولا ينام قلبي" وأمَّا كونه توضأ عقب ذلك فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ كذا في فتح الباري.
قال النواوي: وفيه دليل على أنَّه يستحب للمستيقظ أن ينظر إلى السماء ويقرأ هذه الآيات لما في ذلك من عظيم التدبر وإذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكريره قراءة هذه الآيات كما ذكر في الحديث، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٢٠ و ٣٥٤]، والبخاري [١١٧]، وأبو داود [٥٨]، والنَّسائيُّ [٢/ ٣٠] وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأوَّل حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال، والثاني حديث عائشة وذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أبي موسى وذكره أيضًا للاستشهاد، والرابع حديث حذيفة وذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والخامس حديث ابن عباس وذكره للاستشهاد، والله أعلم.
[تتمة]
وأعلم أن السواك مستحب في جميع الأوقات ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابًا: أحدها عند الصَّلاة سواء كان متطهرًا بماء أو بتراب أو غير متطهر كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، الثَّاني عند الوضوء، الثالث عند قراءة القرآن، الرابع عند الاستيقاظ من النوم، الخامس عند تغير الفم وتغيره يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب ومنها أكل ما لَهُ رائحة كريهة ومنها طول السكوت ومنها كثرة الكلام، ومذهب الشَّافعي أن السواك يكره للصائم بعد زوال الشَّمس لئلا يزيل رائحة الخُلُوف المستحبة، ويستحب أن
стр. 2092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يستاك بعود من أراك وبأي شيء استاك مما يزيل التغير حصل السواك كالخرقة الخشنة والأُشْنَان، وأمَّا الإصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السواك، وإن كانت خشنة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: المشهور لا تُجزئ، والثاني تجزئ، والثالث تُجزئ إن لم يجد غيرها ولا تُجزئ إن وجد، والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليُبس يجرح ولا رطب لا يزيل، والمستحب أن يستاك عرضًا ولا يستاك طولًا لئلا يُدمي لحم أسنانه فإن خالف واستاك طولًا حصل السواك مع الكراهة، ويستحب أن يُمِرَّ السواك أيضًا على طرف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارًا لطيفًا، ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فيه ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه، ويستحب أن يُعَوِّدَ الصبي السواك، ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصَّلاة ولا في غيرها بإجماع، وما حُكي عن داود الظاهري وإسحاق بن راهويه من وجوبه عندهما فليس بنقل صحيح بل هو سنة عندهما أيضًا فالإجماع على سنيته صحيح لا مخالف فيه. اهـ نواوي.
***
стр. 2093
١٣٤ - (٣٩) (٢١) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها
٤٩٣ - (٢٣٢) (٦٨) (٣٢) حدَّثنا أَبو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَال أَبُو بَكرٍ: حَدَّثَنَا ابنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ،
ــ
١٣٤ - (٣٩) (٢١) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها
أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الواردة في بيان الخصال والأمور التي يُزين فعلها الفطرة والخلقة أي الجسم لأن هذه الخصال مُتَّفِقَةٌ في أنها محافظة على حسن الهيئة والنظافة وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خُلق الإنسان عليها وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يُشَوِّهُ الإنسان ويُقبحه بحيث يُستقذر ويُجتنب فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى فسُميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى والله أعلم. اهـ قرطبي. والفطرة على ما ذكره ابن الملك هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء وانقضت عليها الشرائع وكانها أمر جِبليٌّ فُطِرُوا عليها. اهـ منه.
٤٩٣ - (٢٣٢) (٦٨) (٣٢) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي ثقة من (١٥) (وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة من العاشرة (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة من (١٠) حالة كونهم (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم أبي محمد الأعور الكوفي ثقة من (٨) (قال أبو بكر: حدثنا ابن عيينة، عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (الزهري) أبي بكر المدني ثقة من (٤) (عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أبي محمد المدني أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كوفي وبغدادي أو كوفي ونسائي (عن النبي ﷺ قال: الفطرة) أي الخصال التي تُزين الفطرة والخلقة وتنظِّفُها وتحسِّنُها ويُشوه تركها الخلقة أو المعنى السنن التي فُطرت وجُبلت عليها الأنبياء المتقدمة من لدن إبراهيم ﵇ أي اعتادوها حتى صارت جبلة وخلقة لهم (خمس) خصال أي محصورة في خمس خصال لأن المبتدأ معرَّف بأل الجنسية فيُفيد الحصر، كما قال علي الأجهوري:
стр. 2094
(أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ)، الْخِتَانُ، وَالاستِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَار، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ".
٤٩٤ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ
ــ
مبتدأ بلام جنس عُرِّفا ... منحَصَر في مُخبرٍ به وَفَا
وإن عَرَى عنها وعُرِّف الخبر ... باللام مطلقًا فبالعكس استقر
والمعنى الفطرة منحصرة في خمس (أو) قال النبي ﷺ (خمس) خصال (من الفطرة) أي من الأمور التي تُزين الخلقة أو من السنن القديمة، ومن تبعيضية أي خمس خصال بعض السنن القديمة فلا تُعارِض رواية الحصر لأن المعنى عليها أصول الفطرة ومؤكداتها خمس، والشك من الراوي هل قال النبي ﷺ الأول أو الثاني؟ وقد جزم في الرواية الثانية فقال: الفطرة خمس ثم فسر النبي ﷺ الخمس فقال: أحدها (الختان) وهو في الذكر قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة، وفي الأنثى قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج (و) ثانيها (الاستحداد) وهو حلق العانة سُمي استحدادًا لاستعمال الحديدة وهي الموسى فيه، والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه وكذلك الشعر الذي حوالي فرج المرأة (و) ثالثها (تقليم الأظفار) أي قطعها وإزالتها بالموسى ونحوها وهي جمع ظفر وهي العظام التي تنبت على أطراف الأصابع (و) رابعها (نتف الأبط) أي إزالة شعر الإبط بنتف أو حلق لأن الإبط موضعه، وخُرِّج نتف الإبط وحلق العانة على المتيسر فيهما، ولو عكس فحلق الإبط ونتف العانة جاز لحصول النظافة بكل ذلك، وقيل لا يجوز في العانة إلا الحلق لأن نتفها يؤدي إلى استرخائها وضعف الشهوة ذكره أبو بكر بن العربي (و) خامسها (قص الشارب) أي إزالته بالمقص ونحوه وهو الشعر النابت على الشفة العليا سُمي بذلك لدخوله الشراب عند الشرب إذا طال، ويُسمى النابت على الشفة السفلى بالعنفقة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٨٩١]، وأبو داود [٤١٩٨]، والترمذي [٢٧٥٧]، والنسائي [١/ ١٤ - ١٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤٩٤ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي
стр. 2095
وَحَرْمَلَةُ بن يَحيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهَاب، عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "الْفِطرَةُ خَمسٌ: الاختِتَانُ، وَالاستِحدَادُ، وَقصُّ الشارِبِ، وَتَقلِيمُ الأَظفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ".
٤٩٥ - (٢٣٣) (٦٩) (٣٣) حدَّثنا يَحيَى بْنُ يَحيَى وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَن جَعْفَرٍ
ــ
المصري ثقة من (١٠) (وحرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري ثقة من (١١) (قالا) أي قال كل من أبي الطاهر وحرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي أبو محمد المصري ثقة من (٩) قال (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي أبو يزيد الأموي ثقة من (٧) (عن) محمد (بن شهاب) الزهري المدني ثقة من (٤) (عن سعيد بن المسيب) بن حزن المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، وغرضه بسوقه بيان متابعة يونس بن يزيد لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات وفي نسقها (عن رسول الله ﷺ أنه قال: الفطرة) أي الأمور التي تُزين خلقة الإنسان وتُنظِّفها وتُحسِّنها (خمس) ذكَّرَ اسم العدد لأن المعدود مؤنث (الاختتان) أي خَتْنُ الرجل نفسه أو الصبي (والاستحداد) أي إزالة العانة بالحديد كالموسى وسُمي الشعر عانة لما في إزالته من العنت وهو المشقة (وقص الشارب) أي إزالته بالمقص حتى يبدو طرف الشفة (وتقليم الأظفار) أي إزالتها ويُسمى المُزال قُلامة (ونتف الأبط) أي إزالة شعره حلقًا أو نتفًا والأَوْلى نتفه وسيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى في الفصل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أنس استدلالًا على الجزء الأخير من الترجمة واستشهادًا لحديث أبي هريرة ﵁ في ذكر بعض الفطرة فقال:
٤٩٥ - (٢٣٣) (٦٩) (٣٣) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي الحنظلي مولاهم أبو زكريا النيسابوري ثقة من (١٥) روى عنه في (١٩) بابا (وقتيبة بن سعيد) بن طريف البغلاني أبو رجاء الثقفي مولاهم ثقة من (١٥) روى عنه في (٧) أبواب كلاهما عن جعفر) بن سليمان الضُبَعِيّ بضم المعجمة وفتح الموحدة نسبة إلى ضُبيعة نزل فيهم
стр. 2096
قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: قَال أَنسٌ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيلَةً
ــ
أبو سليمان البصري صدوق من (٨) روى عنه في (٨) أبواب، وأتى بقوله (قال يحيى أخبرنا جعفر بن سليمان) تورعًا من الكذب عليه (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي البصري (الجوني) بفتح الجيم نسبة إلى جون بن عوف بطن من الأزد ثقة من (٤) روى عنه في (١٢) بابا (عن أنس بن مالك) الأنصاري الخزرجي البصري خادم رسول الله ﷺ .
وهذا السند من رباعياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد إما نيسابوري أو بغلاني (قال) أبو عمران الجوني (قال أنس) بن مالك (وُقِّت) بضم الواو وكسر القاف المشددة على صيغة المبني للمجهول ونائب فاعله المصدر المنسبك من قوله أن لا نترك وهو في حكم المرفوع نظير قولهم أُمرنا نُهينا كما تقدم في أوائل الكتاب، وقد جاء في غير صحيح مسلم وَقَّتَ لنا رسول الله ﷺ أي ذكر (لنا في) تحديد وقت (قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الأبط وحلق العانة أن لا نترك) إزالتها أي ذُكر لنا في تعيين وقت إزالتها عدم تركها زمانًا (أكثر من أربعين ليلة) تقريبًا، ومن المعلوم أن الذاكر لهم هو رسول الله ﷺ كما هو معلوم من فن الاصطلاح، قال القاضي عياض: قال العقيلي: في حديث جعفر هذا نظر، قال: وقال ابن عبد البر لم يروه إلا جعفر بن سليمان وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه (قلت) وقد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر بن سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به وقد تابعه غيره. اهـ نواوي. وهذا الحديث تحديد لأكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا أكثر ذلك أزيل. والله أعلم. اهـ قرطبي.
قال القاضي عياض: وهذا حد لأكثر الترك أي لا يترك أكثر من ذلك ولا حد لأقله عند العلماء، والمستحب من الجمعة إلى الجمعة. اهـ. وذكر النيسابوري من حديث أنس قال: وقت رسول الله ﷺ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يومًا، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربه يطول، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى
стр. 2097
٤٩٦ - (٢٣٤) (٧٠) (٣٤) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحيَى، (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. جَمِيعًا عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ قَال: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى"
ــ
الجمعة، وأن يتعاهد البراجم كلما توضأ فإن الوسخ إليها سريع، فالضابط بحسب هذا الحديث الحاجة والطول، فإذا طال شيء من ذلك أزيل. اهـ من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أنس أحمد [٣/ ١٢٢ و ٢٠٣، وأبو داود [٤٢٠٠]، والترمذي [٢٧٥٩]، والنسائي [١/ ١٥ - ١٦].
ثم استدل المؤلف على بعض أنواع الفطرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤٩٦ - (٢٣٤) (٧٠) (٣٤) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري ثقة من (١٠) قال (حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري الأحول ثقة متقن إمام قدوة من (٩) وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن سعيد) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي ثقة من (١٥) قال (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي ثقة من (٩) حالة كون يحمى وعبد الله بن نمير (جميعأ) أي مجتمعين في الرواية (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري أبي عثمان المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ثقة ثبت من (٥) (عن نافع) الفقيه العدوي مولاهم مولى ابن عمر أبي عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مشهور من (٣) (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي أبي عبد الرحمن المدني الصحابي الجليل. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو بصريان (عن النبي ﷺ قال: أحفوا الشوارب) بهمزة قطع مفتوحة من الإحفاء وهو الإزالة أي أزيلوا ما طال على الشفتين من الشوارب جمع شارب وهو الشعر النابت على الشفة العليا كما مر، وقال ابن دريد: يقال حفا شاربه يحفوه حَفْوًا إذا استأصل أخذ شعره فهو على هذا ثلاثي وألفه للوصل فيبتدأ بالضم لضم ثالثه (وأعفوا اللِّحَى) بهمزة قطع مفتوحة من الإعفاء، وإعفاؤها توفيرها وتكثيرها أي أنبتوها وأطيلوها، قال أبو عبيد: يقال عفا
стр. 2098
٤٩٧ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
ــ
الشيء إذا كثُر وإذا دَرَسَ فهو من الأضداد، وفي الحديث "فعلى الدنيا العفاء" أي الدروس، وقال القاضي عياض: يقال عفوت الشيء وأعفيتة لغتان، وسنة بعض العجم حلقها وتوفير الشارب وهي كانت سنة الفرس ويُكره حلقها وقصها وجاء الحديث بذم فاعله ويُكره أيضًا تعظيمها كما يُكره قصها، والأخذ منها طولًا وعرضًا حسن، وبعض السلف لم يحد ما يؤخذ منها وقال: لا تتركها إلى حد الشهرة، وبعضهم حده بما زاد على القبضة وبعضهم كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة، وكره مالك تطويلها جدًّا، قال النواوي: المختار تركها وعدم أخذ شيء منها البتة.
(قلت) في الحديث إن الله تعالى زين بني آدم باللحى وإذا كانت زينة فالأحسن تحسينها بالأخذ منها طولًا وعرضًا وتحديد ذلك بما زاد على القبضة كما كان ابن عمر يفعل ذلك وهذا فيمن تزيد لحيته وأما من لا تزيد لحيته فياخذ من طولها وعرضها بما فيه تحسين فإن الله تعالى جميل يحب الجمال.
(فإن قلتَ) تحسينها بالأخذ منها طولًا وعرضًا مناف لقوله ﷺ "أعفوا اللحى".
(قلت) الأمر بالإعفاء إنما هو لمخالفة المشركين لأنهم كانوا يحلقونها ومخالفتهم تحصل بعدم أخذ شيء البتة أو بأخذ اليسير الذي فيه تحسين فالصواب ما ذكرنا.
وأما الشعر النابت على الخد فكان الشيخ الفقيه الصالح أبو الحسن المنتصر لا يزيله وكان غيره يزيله ممن هو في طبقته واختاره الشيخ ابن عرفة ويزال النابت على الحلق بخلاف النابت على اللحى الأسفل. اهـ أبي، واللحى بكسر اللام جمع لحية وهو الشعر النابت على الذقن والذقن مجتمع اللحيين فلا يدخل فيها شعر الخد وشعر الحلق وشعر العنفقة. اهـ.
وهذا الحديث أعني حديث ابن عمر شارك المؤلف في روايته البخاري [٥٨٩٢]، وأبو داود [٤١٩٩]، والترمذي [٢٧٦٤]، والنسائي [١/ ١٦].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤٩٧ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) أي حدثنا الحديث المذكور يعني حديث ابن عمر (قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني ثقة من (١٠)
стр. 2099
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ نَافِع، عَن أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النبِي ﷺ ؛ أَنهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ، وَإِعْفَاءِ اللِّحيَةِ.
٤٩٨ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمدٍ. حَدَّثَنَا نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَر؛
ــ
(عن مالك بن أنس) الأصبحي المدني ثقة إمام من (٧) (عن أبي بكر بن نافع) العدوي المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، روى عن أبيه في الوضوء فقط، وسالم بن عبد الله بن عمر، ويروي عنه (م دت) ومالك بن أنس ويحيى بن عبد الله بن سالم والدراوردي وغيرهم، قال أحمد: هو أوثق ولد نافع له في (م) فرد حديث، وقال الحاكم: لم أقف على اسمه، وقال في التقريب: صدوق من كبار السابعة مات سنة (١٧٣) ثلاث وسبعين ومائة (عن أبيه) نافع العدوي مولى ابن عمر أبي عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مشهور من (٣) مات سنة (١١٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي أحد المكثرين. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بغلاني، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي بكر بن نافع لعبيد الله بن عمر في رواية هذا الحديث عن نافع، وفائدتها بيان كثرة طرقه (عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب) وإزالتها واستئصالها حتى تبدو حمرة الشفة (واعفاء اللحية) وإنباتها وإكثارها وتوفيرها بلا إزالة شيء منها، فلا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قص الكثير منها فأما أخذ ما تطاير منها وما يُشَوِّهُ ويدعو إلى الشهرة طولًا وعرضًا فحسن عند مالك وغيره من السلف، وكان ابن عمر يأخذ من طولها ما زاد على القبضة. اهـ مفهم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤٩٨ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثنا سهل بن عثمان) بن فارس الكندي أبو عثمان العسكري نزيل الري ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (٦) أبواب، قال (حدثنا يزيد بن زريع) مصغرًا التميمي العيشي أبو معاوية البصري ثقة ثبت من (٨) مات سنة (١٨٢) روى عنه في (١٢) بابا (عن عمر بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني ثقة من (٦) مات سنة (١٥٠) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب أبي عبد الرحمن المدني.
стр. 2100
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ. أَحْفُوا الشوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى".
٤٩٩ - (٢٣٥) (٧١) (٣٥) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جُزُّوا الشَّوَارِبَ،
ــ
ــ
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد عسكري، وغرضه بسوقه بيان متابعة عمر بن محمد لعبيد الله بن عمر في رواية هذا الحديث عن نافع، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قال) ابن عمر (قال رسول الله ﷺ : خالفوا) أيها المؤمنون (المشركين) في فطرتكم ف (أحفوا الشوارب) أي أزيلوها واستاصلوها حَلْقًا أو قصًا أو نتفًا (وأوفوا اللحى) أي أنبتوها وأكثروها ولا تزيلوا منها شيئًا فإن المشركين يحلقون اللحية وينبتون الشوارب وأول من فعل ذلك مجوس الفرس.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم فقال:
٤٩٩ - (٢٣٥) (٧١) (٣٥) (حدثني أبو بكر) محمد (بن إسحاق) الصاغاني نزيل بغداد ثقة ثبت من الحادية عشرة مات سنة (٢٧٠) سبعين ومائتين، روى عنه في (٨) أبواب، قال (أخبرنا ابن أبي مريم) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي مولاهم أبو محمد المصري ثقة ثبت فقيه من (١٠) مات سنة (٢٢٤) روى عنه في (٥) أبواب، قال (أخبرنا محمد بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقِي مولاهم المدني ثقة من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الجهني (مولى الحُرَقة) بطن من جهينة أبي شبل المدني صدوق من (٥) مات سنة (١٣٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي المدني ثقة من (٣) روى عنه في (٢) بابين (عن أبي هريرة) الدوسي المدني. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد بغدادي (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : جزوا الشوارب) أي قصوها بالمقص وأزيلوها بالموسى
стр. 2101
وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ".
٥٠٠ - (٢٣٦) (٧٢) (٣٦) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ زَكَرِيَّا بنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيبَةَ،
ــ
كذا الرواية الصحيحة عند الكافة، ووقع خذوا الشوارب وكأنه تصحيف، قال القاضي: قال الكوفيون وكثير من السلف يستأصل شعر الشارب لظاهر هذه الألفاظ لأنه ورد فيه "قص الشارب" وفي الآخر "وإحفاء الشارب" وفي الآخر "جزوا الشوارب" وفي البخاري (أنهكوا الشوارب) وأباه مالك وكثير منهم وكان مالك رحمه الله تعالى يرى حلقه مُثْلَةً يؤدب فاعله وفُسرت هذه الألفاظ بالأخذ منه حتى يبدو الإطار وهو طرف الشفة، وخَيَّر بعض العلماء بين الفعلين، قال الأبي: ليس في هذه الألفاظ ما هو نص في استئصاله بالموسى والمشترك بين جميعها التخفيف أعم من أن يكون بالأخذ من طول الشعر أو من مساحته والألفاظ ظاهرة في أنه من الطول، وروي أن عمر ﵁ كان إذا أهمه أمر جعل يفتل شاربه وهو يقتضي أنه لم يكن يأخذ من طوله، وإذا كان القصد إنما هو التخفيف لتنظيف مدخل الطعام (وأرخوا اللحى) أي نزِّلوها من الذقن وطَوِّلُوهَا، ووقع لابن ماهان "وأرجوا اللحى" بالجيم وكأنه تصحيف ويحتمل تخريجه على أنه أراد (أرجئوا) من الإرجاء وهو التأخير فسهل الهمزة فيه (خالفوا المجوس) بفعل ما أمرتكم به فإنهم يحلقونها وهذا دليل على اجتناب التشبه بهم في كل الأمور.
وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة هذا أحمد [٢/ ٣٦٥ و ٣٦٦]، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على باقي أنواع الفطرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥٠٠ - (٢٣٦) (٧٢) (٣٦) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البغلاني (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ من (٩) مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابا (عن زكريا بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي ثقة، وكان يدلس من السادسة مات سنة (١٤٩) روى عنه في (١٣) بابا (عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن
стр. 2102
عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيرِ، عَن عَائِشَةَ؛ قَالت: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ:
ــ
طلحة الحجبي المكي الكعبي، روى عن طلق بن حبيب في الوضوء، ومسافع بن عبد الله وعمة أبيه صفية بنت شيبة في اللباس والفضائل، وعن أبيه، ويروي عنه (م عم)، وزكرياء بن أبي زائدة وابنه زرارة وحفيده عبد الله بن زرارة وابن جريج ومسعر، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: لين الحديث من الخامسة (عن طلق بن حبيب) بسكون اللام العنزي البصري الزاهد، روى عن عبد الله بن الزبير في الوضوء، والأحنف بن قيس في العلم، وابن عمر وابن عباس وأنس، ويروي عنه (م عم) ومصعب بن شيبة وسليمان بن عتيق وعمرو بن دينار والأعمش وسليمان التيمي وأيوب وخلق، صدوق عابد رمي بالإرجاء، من الثالثة مات بعد التسعين (٩٠) قتله الحجاج هو وسعيد بن جبير، وكان ممن يخشى الله، وكان لا يركع حتى يبلغ العنكبوت (عن عبد الله بن الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أبي خُبَيب مصغرًا المكي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وهو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة وفارس قريش، له ثلاثة وثلاثون (٣٣) حديثًا، اتفقا على حديث وانفرد (خ) بستة وانفرد (م) بحديثين، روى عن النبي ﷺ في الصلاة، وعن عائشة في الوضوء والحج والنكاح والفتن، وسفيان بن أبي زهير في الحج، وعمر في اللباس، والزبير في صفة النبي ﷺ والفضائل، ويروي عنه (ع) وطلق بن حبيب وابنه عامر بن عبد الله وأبو الزبير في الصلاة، وسعيد بن ميناء وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وابن أبي مليكة وخلق، قتل بمكة سنة (٧٣) ثلاث وسبعين في ذي الحجة وحمل رأسه إلى المدينة وبعث إلى خراسان ودفن بها ﵁. وكان مولده بعد الهجرة بعشرين شهرًا (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد إما بغلاني أو كوفي أو نسائي (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ : عشر) خصال (من الفطرة) أي من الأمور التي تزين فطرة الإنسان، وخلقته أي جسمه أو من السنن القديمة، فمن هنا تبعيضية ولذلك لم يذكر فيها الختان، ولعله هو الذي نسيه مصعب، ولا تعارض بين قوله هنا عشر وفي حديث أبي هريرة خمس لاحتمال أن يكون أعلم بالخمس أولًا ثم زِيدَ عليها قاله عياض، ويحتمل أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة هي أوكد من غيرها. اهـ من
стр. 2103
قَصُّ الشارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ".
قَال زَكَرِيَّاءُ: قَال مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ. إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضمَضَةَ.
زَادَ قُتَيبَةُ: قَال
ــ
المفهم (قص الشارب) أي إزالته بالمقص ونحوه (واعفاء اللحية) أي إكثارها بالإنبات (والسواك) أي دلك الأسنان بآلته (واستنشاق الماء) أي إدخال الماء في الخيشوم لإخراج ما فيه من الوسخ (وقص الأظفار) أي إزالتها بالمقص ونحوه حتى تبدو البشرة تحتها (وغسل البراجم) وهي عقد الأصابع من ظهر الكف، والرواجب عقدها من باطن الكف (ونتف) شعر (الإبط) إن كان لا يضره وإلا فيحلقه كما كان الإمام الشافعي يفعل ذلك (وحلق العانة) أي الشعر النابت فوق الفرج وحواليه، والأفضل في حق الرجل حلقها لأن نتفها يضعف شهوته، وفي حق المرأة نتفها لأنه يخفف عنها شهوتها، وذكر الحافظ ابن عدي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة" (وانتقاص الماء) أي انتضاحه على الفرج ليستنجي به، قال (ع): وفسره وكيع في الأم بالاستنجاء، وفسره أبو عبيد بانتقاص البول بسبب غسل المذاكر، وقيل معناه أن ينضح الفرج بعد الوضوء ليطرد الوسواس، قال النواوي: وجاء في الحديث انتضاح بدل انتقاص، وذكر ابن الأثير: بالقاف وقال في فصل الفاء وقيل الصواب بالفاء، قال: والمراد نضحه عن الذكر، وهذا الذي نقله شاذ والصواب ما تقدم، قال الأبي: والانتضاح بالماء أن يأخذ قليل الماء فيرش به مذاكيره ليذهب الوسواس، وكان ﷺ يفعله قطعًا للوسواس وإن كان محفوظًا منه، لكن يفعله تعليمًا للأمة أو كان يفعله ليرتد البول ولا ينزل منه الشيء بعد الشيء. اهـ وهذا المعنى هو الظاهر.
(قال زكرياء) بن أبي زائدة بالسند السابق (قال مصعب) بن شيبة: وهذه الخصال تسع (ونسيت العاشرة إلا أن تكون) تلك المنسية (المضمضة) لمناسبتها الاستنشاق، قال القاضي عياض: الأوْلى أن يقال إنها الختان المذكور في الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، وجاء الحديث من طريق عمار في غير الأم فذكر فيه الختان والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب ولم يذكر فيه إعفاء اللحى، فلعله لأنهما كسنة واحدة، وذكر فيه انتضاح الماء مكان انتقاصه وهو بمعنى غسله. اهـ (زاد قتيبة) على قرينيه لفظة (قال
стр. 2104
وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ.
٥٠١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيبَةَ، فِي هَذا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيرَ أنهُ قَال: قَال أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ
ــ
وكيع انتقاص الماء يعني) به النبي ﷺ (الاستنجاء) بالماء.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة فقال:
٥٠١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) أي حدثنا الحديث المذكور يعني حديث عائشة (أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي ثقة من (١٠) قال (أخبرنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون نُسب إلى جده لشهرته به الهمداني الوادعي مولاهم مولى لامرأة من وادعة أبو سعيد الكوفي، روى عن أبيه في الوضوء، ثقة متقن من (٩) مات سنة (١٨٤) وله (٩٣) سنة، روى عنه في (١٢) بابا (عن أبيه) زكرياء بن أبي زائدة الهمداني الكوفي (عن مصعب بن شيبة) بن جبير الحجبي المكي وكلمة في في قوله (في هذا الإسناد) بمعنى الباء واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع بفتح الباء وهو وكيع وشيخه زكرياء بن أبي زائدة والضمير في (مثله) عائد إلى المتابع المذكور في السند الأول وهو مفعول ثان لما عمل في المتابع بكسر الباء والتقدير حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة عن أبيه زكرياء عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب البصري عن عبد الله بن الزبير المكي عن عائشة المدنية رضي الله تعالى عنها مثله أي مثل ما روى وكيع عن زكرياء بن أبي زائدة، واستثنى من المماثلة بقوله (غير أنه) أي لكن أن يحيى بن زكرياء (قال) في روايته (قال أبوه) زكرياء ابن أبي زائدة (ونسيت العاشرة) بدل قول وكيع قال مصعب: ونسيت العاشرة فجعل يحيى النسيان منسوبًا إلى أبيه زكرياء بخلاف وكيع فإنه جعله منسوبًا إلى مصعب بن شيبة، والإمام مسلم رحمه الله تعالى لدقة فهمه وشدة حفظه وإتقانه يُبين مثل هذا من الدقائق النفيسة المشحونة في جامعه. وهذا السند أيضًا من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مكيان وواحد بصري وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن أبي زائدة لوكيع في رواية هذا الحديث عن زكرياء بن أبي زائدة، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث خمسة: الأول حديث أبي
стр. 2105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هريرة ذكره للاستدلال على بعض خصال الفطرة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال على الجزء الأخير من الترجمة، والثالث حديث ابن عمر ذكره للاستدلال على بعض خصال الفطرة وذكر فيه متابعتين، والرابع حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر، والخامس حديث عائشة ذكره للاستدلال به على باقي خصال الفطرة، وأخَّرَه لأن في سنده مصعب بن شيبة وهو لين الحديث كما ذكره الحافظ في التقريب.
(فصل في مباحث خصال الفطرة العشرة)
الأول منها في الختان: أما الختان فهو واجب عند الشافعي وكثير من العلماء وسنة عند مالك وأكثر العلماء، وهو عند الشافعي واجب على الرجال والنساء جميعًا ولا يمتنع قرن الواجب بغيره كما في قوله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والإيتاء واجب والأكل ليس بواجب، والله أعلم. ثم إن الواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي تُغطي الحشفة المسماة بالقُلْفَة حتى ينكشف جميع الحشفة، وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج المسماة بالبظرة، والصحيح الذي عليه جمهور الشافعية أن الختان جائز في حال الصغر ليس بواجب ولهم وجه أنه يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه، ووجه أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين، وإذا قلنا بالصحيح استحب أن يختن في اليوم السابع من ولادته، وهل يحسب يوم الولادة من السبع أم تكون سبعة سواه؟ فيه وجهان: أظهرهما يُحسب، واختلفت الشافعية في الخنثى المشكل فقيل يجب ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر، وأما من له ذكران فإن كانا عاملين وجب ختانهما ديان كان أحدهما عاملًا دون الآخر خُتن العامل، وفيما يُعتبر العمل به وجهان أحدهما بالبول والآخر بالجماع، ولو مات إنسان غير مختون ففيه ثلاثة أوجه عند الشافعية: الصحيح المشهور أنه لا يختن صغيرًا كان أو كبيرًا، والثاني يختن الكبير دون الصغير، والثالث لا يُختن مطلقًا، وبالجملة فالختان سنة منتشرة في العرب معمول بها من لدن إبراهيم ﵇ فإنه أول من اختتن، وهو عند مالك وعامة العلماء سنة مؤكدة وشعار من شعائر الإسلام إلا أنه لم يرد من الشرع ذم تاركه ولا توعده بعقاب فلا يكون واجبًا خلافًا للشافعي، واختلف
следующие страницы →