← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ". ٥٠٠ - (٢٣٦) (٧٢) (٣٦) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ زَكَرِيَّا بنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيبَةَ، ــ كذا الرواية الصحيحة عند الكافة، ووقع خذوا الشوارب وكأنه تصحيف، قال القاضي: قال الكوفيون وكثير من السلف يستأصل شعر الشارب لظاهر هذه الألفاظ لأنه ورد فيه "قص الشارب" وفي الآخر "وإحفاء الشارب" وفي الآخر "جزوا الشوارب" وفي البخاري (أنهكوا الشوارب) وأباه مالك وكثير منهم وكان مالك رحمه الله تعالى يرى حلقه مُثْلَةً يؤدب فاعله وفُسرت هذه الألفاظ بالأخذ منه حتى يبدو الإطار وهو طرف الشفة، وخَيَّر بعض العلماء بين الفعلين، قال الأبي: ليس في هذه الألفاظ ما هو نص في استئصاله بالموسى والمشترك بين جميعها التخفيف أعم من أن يكون بالأخذ من طول الشعر أو من مساحته والألفاظ ظاهرة في أنه من الطول، وروي أن عمر ﵁ كان إذا أهمه أمر جعل يفتل شاربه وهو يقتضي أنه لم يكن يأخذ من طوله، وإذا كان القصد إنما هو التخفيف لتنظيف مدخل الطعام (وأرخوا اللحى) أي نزِّلوها من الذقن وطَوِّلُوهَا، ووقع لابن ماهان "وأرجوا اللحى" بالجيم وكأنه تصحيف ويحتمل تخريجه على أنه أراد (أرجئوا) من الإرجاء وهو التأخير فسهل الهمزة فيه (خالفوا المجوس) بفعل ما أمرتكم به فإنهم يحلقونها وهذا دليل على اجتناب التشبه بهم في كل الأمور. وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة هذا أحمد [٢/ ٣٦٥ و ٣٦٦]، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على باقي أنواع الفطرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٥٠٠ - (٢٣٦) (٧٢) (٣٦) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البغلاني (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ من (٩) مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابا (عن زكريا بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي ثقة، وكان يدلس من السادسة مات سنة (١٤٩) روى عنه في (١٣) بابا (عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن

стр. 2102

عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيرِ، عَن عَائِشَةَ؛ قَالت: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: ــ طلحة الحجبي المكي الكعبي، روى عن طلق بن حبيب في الوضوء، ومسافع بن عبد الله وعمة أبيه صفية بنت شيبة في اللباس والفضائل، وعن أبيه، ويروي عنه (م عم)، وزكرياء بن أبي زائدة وابنه زرارة وحفيده عبد الله بن زرارة وابن جريج ومسعر، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: لين الحديث من الخامسة (عن طلق بن حبيب) بسكون اللام العنزي البصري الزاهد، روى عن عبد الله بن الزبير في الوضوء، والأحنف بن قيس في العلم، وابن عمر وابن عباس وأنس، ويروي عنه (م عم) ومصعب بن شيبة وسليمان بن عتيق وعمرو بن دينار والأعمش وسليمان التيمي وأيوب وخلق، صدوق عابد رمي بالإرجاء، من الثالثة مات بعد التسعين (٩٠) قتله الحجاج هو وسعيد بن جبير، وكان ممن يخشى الله، وكان لا يركع حتى يبلغ العنكبوت (عن عبد الله بن الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أبي خُبَيب مصغرًا المكي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وهو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة وفارس قريش، له ثلاثة وثلاثون (٣٣) حديثًا، اتفقا على حديث وانفرد (خ) بستة وانفرد (م) بحديثين، روى عن النبي ﷺ في الصلاة، وعن عائشة في الوضوء والحج والنكاح والفتن، وسفيان بن أبي زهير في الحج، وعمر في اللباس، والزبير في صفة النبي ﷺ والفضائل، ويروي عنه (ع) وطلق بن حبيب وابنه عامر بن عبد الله وأبو الزبير في الصلاة، وسعيد بن ميناء وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وابن أبي مليكة وخلق، قتل بمكة سنة (٧٣) ثلاث وسبعين في ذي الحجة وحمل رأسه إلى المدينة وبعث إلى خراسان ودفن بها ﵁. وكان مولده بعد الهجرة بعشرين شهرًا (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد إما بغلاني أو كوفي أو نسائي (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ : عشر) خصال (من الفطرة) أي من الأمور التي تزين فطرة الإنسان، وخلقته أي جسمه أو من السنن القديمة، فمن هنا تبعيضية ولذلك لم يذكر فيها الختان، ولعله هو الذي نسيه مصعب، ولا تعارض بين قوله هنا عشر وفي حديث أبي هريرة خمس لاحتمال أن يكون أعلم بالخمس أولًا ثم زِيدَ عليها قاله عياض، ويحتمل أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة هي أوكد من غيرها. اهـ من

стр. 2103

قَصُّ الشارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ". قَال زَكَرِيَّاءُ: قَال مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ. إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضمَضَةَ. زَادَ قُتَيبَةُ: قَال ــ المفهم (قص الشارب) أي إزالته بالمقص ونحوه (واعفاء اللحية) أي إكثارها بالإنبات (والسواك) أي دلك الأسنان بآلته (واستنشاق الماء) أي إدخال الماء في الخيشوم لإخراج ما فيه من الوسخ (وقص الأظفار) أي إزالتها بالمقص ونحوه حتى تبدو البشرة تحتها (وغسل البراجم) وهي عقد الأصابع من ظهر الكف، والرواجب عقدها من باطن الكف (ونتف) شعر (الإبط) إن كان لا يضره وإلا فيحلقه كما كان الإمام الشافعي يفعل ذلك (وحلق العانة) أي الشعر النابت فوق الفرج وحواليه، والأفضل في حق الرجل حلقها لأن نتفها يضعف شهوته، وفي حق المرأة نتفها لأنه يخفف عنها شهوتها، وذكر الحافظ ابن عدي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة" (وانتقاص الماء) أي انتضاحه على الفرج ليستنجي به، قال (ع): وفسره وكيع في الأم بالاستنجاء، وفسره أبو عبيد بانتقاص البول بسبب غسل المذاكر، وقيل معناه أن ينضح الفرج بعد الوضوء ليطرد الوسواس، قال النواوي: وجاء في الحديث انتضاح بدل انتقاص، وذكر ابن الأثير: بالقاف وقال في فصل الفاء وقيل الصواب بالفاء، قال: والمراد نضحه عن الذكر، وهذا الذي نقله شاذ والصواب ما تقدم، قال الأبي: والانتضاح بالماء أن يأخذ قليل الماء فيرش به مذاكيره ليذهب الوسواس، وكان ﷺ يفعله قطعًا للوسواس وإن كان محفوظًا منه، لكن يفعله تعليمًا للأمة أو كان يفعله ليرتد البول ولا ينزل منه الشيء بعد الشيء. اهـ وهذا المعنى هو الظاهر. (قال زكرياء) بن أبي زائدة بالسند السابق (قال مصعب) بن شيبة: وهذه الخصال تسع (ونسيت العاشرة إلا أن تكون) تلك المنسية (المضمضة) لمناسبتها الاستنشاق، قال القاضي عياض: الأوْلى أن يقال إنها الختان المذكور في الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، وجاء الحديث من طريق عمار في غير الأم فذكر فيه الختان والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب ولم يذكر فيه إعفاء اللحى، فلعله لأنهما كسنة واحدة، وذكر فيه انتضاح الماء مكان انتقاصه وهو بمعنى غسله. اهـ (زاد قتيبة) على قرينيه لفظة (قال

стр. 2104

وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ. ٥٠١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيبَةَ، فِي هَذا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيرَ أنهُ قَال: قَال أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ ــ وكيع انتقاص الماء يعني) به النبي ﷺ (الاستنجاء) بالماء. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة فقال: ٥٠١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) أي حدثنا الحديث المذكور يعني حديث عائشة (أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي ثقة من (١٠) قال (أخبرنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون نُسب إلى جده لشهرته به الهمداني الوادعي مولاهم مولى لامرأة من وادعة أبو سعيد الكوفي، روى عن أبيه في الوضوء، ثقة متقن من (٩) مات سنة (١٨٤) وله (٩٣) سنة، روى عنه في (١٢) بابا (عن أبيه) زكرياء بن أبي زائدة الهمداني الكوفي (عن مصعب بن شيبة) بن جبير الحجبي المكي وكلمة في في قوله (في هذا الإسناد) بمعنى الباء واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع بفتح الباء وهو وكيع وشيخه زكرياء بن أبي زائدة والضمير في (مثله) عائد إلى المتابع المذكور في السند الأول وهو مفعول ثان لما عمل في المتابع بكسر الباء والتقدير حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة عن أبيه زكرياء عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب البصري عن عبد الله بن الزبير المكي عن عائشة المدنية رضي الله تعالى عنها مثله أي مثل ما روى وكيع عن زكرياء بن أبي زائدة، واستثنى من المماثلة بقوله (غير أنه) أي لكن أن يحيى بن زكرياء (قال) في روايته (قال أبوه) زكرياء ابن أبي زائدة (ونسيت العاشرة) بدل قول وكيع قال مصعب: ونسيت العاشرة فجعل يحيى النسيان منسوبًا إلى أبيه زكرياء بخلاف وكيع فإنه جعله منسوبًا إلى مصعب بن شيبة، والإمام مسلم رحمه الله تعالى لدقة فهمه وشدة حفظه وإتقانه يُبين مثل هذا من الدقائق النفيسة المشحونة في جامعه. وهذا السند أيضًا من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مكيان وواحد بصري وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن أبي زائدة لوكيع في رواية هذا الحديث عن زكرياء بن أبي زائدة، وفائدتها بيان كثرة طرقه. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث خمسة: الأول حديث أبي

стр. 2105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هريرة ذكره للاستدلال على بعض خصال الفطرة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال على الجزء الأخير من الترجمة، والثالث حديث ابن عمر ذكره للاستدلال على بعض خصال الفطرة وذكر فيه متابعتين، والرابع حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر، والخامس حديث عائشة ذكره للاستدلال به على باقي خصال الفطرة، وأخَّرَه لأن في سنده مصعب بن شيبة وهو لين الحديث كما ذكره الحافظ في التقريب. (فصل في مباحث خصال الفطرة العشرة) الأول منها في الختان: أما الختان فهو واجب عند الشافعي وكثير من العلماء وسنة عند مالك وأكثر العلماء، وهو عند الشافعي واجب على الرجال والنساء جميعًا ولا يمتنع قرن الواجب بغيره كما في قوله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والإيتاء واجب والأكل ليس بواجب، والله أعلم. ثم إن الواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي تُغطي الحشفة المسماة بالقُلْفَة حتى ينكشف جميع الحشفة، وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج المسماة بالبظرة، والصحيح الذي عليه جمهور الشافعية أن الختان جائز في حال الصغر ليس بواجب ولهم وجه أنه يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه، ووجه أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين، وإذا قلنا بالصحيح استحب أن يختن في اليوم السابع من ولادته، وهل يحسب يوم الولادة من السبع أم تكون سبعة سواه؟ فيه وجهان: أظهرهما يُحسب، واختلفت الشافعية في الخنثى المشكل فقيل يجب ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر، وأما من له ذكران فإن كانا عاملين وجب ختانهما ديان كان أحدهما عاملًا دون الآخر خُتن العامل، وفيما يُعتبر العمل به وجهان أحدهما بالبول والآخر بالجماع، ولو مات إنسان غير مختون ففيه ثلاثة أوجه عند الشافعية: الصحيح المشهور أنه لا يختن صغيرًا كان أو كبيرًا، والثاني يختن الكبير دون الصغير، والثالث لا يُختن مطلقًا، وبالجملة فالختان سنة منتشرة في العرب معمول بها من لدن إبراهيم ﵇ فإنه أول من اختتن، وهو عند مالك وعامة العلماء سنة مؤكدة وشعار من شعائر الإسلام إلا أنه لم يرد من الشرع ذم تاركه ولا توعده بعقاب فلا يكون واجبًا خلافًا للشافعي، واختلف

стр. 2106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيمن وُلد مختونًا؛ فقيل تُمَرُّ عليه الموسى وقيل لا، والحكمة في مشروعيته النظافة لأنه أنقى من البول لأنه إذا لم يختتن لم ينقطع أثر البول عنه وقيل ليحصل كمال لذة الوطء لأن الوطء بذكر ملفوف بخرقة أدنى لذة بكثير من الوطء به وهو مكشوف، ولأجل نقص الإحساس مع الساتر اختلف أهل المذهب في مس الذكر من فوق حائل هل ينقض الوضوء أم لا ثالثها إن كان خفيفًا نقض، والله أعلم. والثاني منها في الاستحداد وهو إزالة العانة وهي الشعر النابت فوق الفرج وحواليه سُمي عانة لما في إزالته من العنت أي المشقة وسُميت إزالته استحدادًا لاستعمال الحديدة وهي الموسى فيها وهو سنة بالإجماع والمراد به نظافة ذلك الموضع والأفضل فيه الحلق ويجوز بالقص والنتف والنورة، والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه وكذلك الشعر الذي حوالي فرج المرأة، ونُقل عن أبي العباس بن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القُبل والدُّبر وحولهما، وأما وقت حلقه فالمختار أنه يضبط بالحاجة وطوله فإذا طال حلق وكذلك الضبط في قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار وأما حديث أنس المذكور في الكتاب "وقَّتَ لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يُترك أكثر من أربعين ليلة، فمعناه لا يُترك تركًا يتجاوز به أربعين لا أنهم وقت لهم الترك أربعين ليلة، والله أعلم. والثالث منها في تقليم الأظفار فهو سنة ليس بواجب وهو تفعيل من القَلْم وهو القطع ويُستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها إلى آخرها ثم يعود إلى الرجلين اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى، قال الأبي: وجه هذا الترتيب المحافظة على البدء بالميامن في الأصابع وبالأشرف منها فبدأ بأصابع اليمنى لشرف الأيمن وبدأ بسبابتها لأنها أشرف أصابعها لأنها المسبحة ومُقْمِعَة الشيطان ثم ذهب في التقليم على الترتيب الذي تقتضيه هيئة اليدين عند نصبهما للدعاء الأيمن فالأيمن ثم يختم بإبهام اليمنى ليكون البدأ بها والختم بها هكذا أعرف لغير النواوي، ويحصل تقليمها بإزالة ما طال منها على اللحم والمطلوب منه تحسين الهيئة، وفي حديث أبي أيوب "قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن خبر السماء فقال

стр. 2107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تسألني عن خبر السماء وتدع أظفارك كأنها أظفار الطير تجمع الخبائث والتفث" ولأنه أقرب إلى حصول الطهارة على الوجه الأكمل إذ قد يحصل تحتها ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة وهذا فيما لم يَطُل منها طولًا غير معتاد فإنه يُعفى عما تعلق به من قليل الوسخ وأما ما زاد طوله على المعتاد فإنه لا يُعفى عما تعلق به قل أو كثر، والله أعلم. والرابع منها في نتف الإبط أما هو فسنة بالاتفاق والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه ويحصل أيضًا بالحلق وبالنورة، وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: علمت أن السنة النتف ولكني لا أقوى على الوجع، ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن، قال (ط) لو حلقه لأجزأه ولا يظهر لأن الأصل ما دلت عليه السنة فإنها فرقت فعبرت في إزالة العانة بالاستحداد، وفي الإبط بالنتف وذلك مما يدل على مراعاة الأمرين وأيضًا فإن الحلق يثير الشعر ويكثره وكثرة الشعر في محل الوسخ يقوي الرائحة الكريهة بخلاف العانة فإنها ليست في محل وسخ، اللهم إلا أن يكون في نتفه ألم. اهـ أبي. والخامس منها في قص الشارب وعبر عنه في بعض الأحاديث بالإحفاء، وفي بعضها بالجز وفي بعضها بالنهك والمعنى واحد، وأما قصه فهو سنة أيضًا ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن وهو مخير بين القص بنفسه وبين أن يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة ولا حرمةِ بخلاف الإبط والعانة، وأما حد ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يُحْفِه من أصله، وأما رواية أحفوا الشوارب فمعناه أحفوا ما طال على الشفتين والقصد منه تنظيف مدخل الطعام ومخالفة المجوس إذ هم يحلقونه فالأحسن ما عليه العرب اليوم من الأخذ من طوله ومساحته حتى يبدو الإطار. والسادس منها في إعفاء اللحية وهو الشعر النابت على الذقن فأما إعفاؤها فهو توفيرها وتكثيرها فهو بمعنى ما في الرواية الأخرى من قوله "أوفوا اللحى" وفي الأخرى "أرخوا اللحى" وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك. وقد ذكر العلماء في اللحية اثنتي عشرة خصالًا مكروهة بعضها أشد قبحًا من بعض إحداها خضابها بالأسود لا لغرض الجهاد، الثانية خضابها بالصفرة تشبهًا بالصالحين لا

стр. 2108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لاتباع السنة، الثالثة تبييضها بالكبريت أو غيره استعجالًا للشيخوخة لأجل الرياسة والتعظيم وإيهام أنه من المشايخ، الرابعة نتفها أو حلقها أول طلوعها إيثارًا للمرودة وحُسن الصورة، الخامسة نتف الشيب، السادسة تصفيفها طاقة فوق طاقة تَصَنُّعًا ليستحسنه النساء وغيرهن، السابعة الزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذار من الصدغين أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس أو نتف جانبي العنفقة وغير ذلك، الثامنة تسريحها تصنعًا لأجل الناس، التاسعة تركها شعثة ملبدة إظهارًا للزهادة وقلة المبالاة، العاشرة النظر إلى سوادها وبياضها إعجابًا وخيلاء وغِرَّة بالشباب وفخرًا بالمشيب وتطاولًا على الشباب، الحادية عشرة عقدها وضفرها، الثانية عشرة حلقها إلا إذا نبت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها لأنها مُثلة في حقها، والله تعالى أعلم. والسابع منها في الاستنشاق فأما معناه فهو جذب الماء بالنَّفَس إلى الأنف لإخراج ما فيه من الوسخ والمخاط فهو سنة في الوضوء وفي غيره وقد تقدم بيان صفته واختلاف العلماء في وجوبه واستحبابه. والثامن منها في غسل البراجم فأما غسلها فسنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء، والبراجم بفتح الباء وبالجيم جمع بُرْجُمَة بضم الباء والجيم وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها كما مر، قال العلماء: ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وهو الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن بالعرق والغبار ونحوهما، والله أعلم. والتاسع منها في انتقاص الماء بالقاف والصاد وقد فسره وكيع في الكتاب بأنه الاستنجاء بالماء، وقال أبو عبيدة وغيره: معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره، وقيل هو الانتضاح، وقد جاء في روايةِ الانتضاح بدل انتقاص الماء، قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج ورشه بماء قليل لينفي عنه الوسواس كما مر البسط فيه فهو سنة مستقلة أيضًا. والعاشر منها في السواك وقد مر البسط فيه بما لا مزيد عليه وهو سنة مستقلة أيضًا بالإجماع.

стр. 2109

١٣٥ - (٤٠) (٢٢) باب الاستنجاء والنهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط وعن الاستنجاء بروث أو عظم وعن الاستنجاء باليمين ٥٠٢ - (٢٣٧) (٧٣) (٣٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو ــ ١٣٥ - (٤٠) (٢٢) باب الاستنجاء والنهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط وعن الاستنجاء بروث أو عظم وعن الاستنجاء باليمين والاستنجاء استفعال من النجو بمعنى القطع، وهو لغةً: طلب قطع الأذى، وشرعًا: إزالة الخارج النجس الملوث من الفرج عن الفرج بماء أو حجر بشروطه من كونه طاهرًا قالعًا غير محترم كما هو مبسوط في الفروع، وشرع مع الوضوء ليلة الإسراء وقيل في أول البعثة، وهو بالحجر رخصة وهو من خصائص هذه الأمة، وأما بالماء فليس من خصائصنا، وأول من استنجى بالماء إبراهيم الخليل ﵇، والحكمة في شرعيته الاستعداد لوطء الحور العين أي طهارة العضو الذي خرج منه البول لوطء الحور العين في الجنة كذا قالوا، والله أعلم. وأخر أحاديثه عن أحاديث الوضوء إشارةً إلى جواز تأخير الاستنجاء عنه بشرط أن يكون هناك حائل يمنع النقض بخلاف التيمم فإنه لا يجوز تأخير الاستنجاء عنه، ومثله وضوء صاحب الضرورة على المعتمد لأن كلًّا منهما طهارة ضعيفة فلا تصح مع قيام المانع. اهـ من البيجوري. ٥٠٢ - (٢٣٧) (٧٣) (٣٧) (حدثنا أبو بكر) عبد الله (بن أبي شيبة) العبسي مولاهم الكوفي، قال (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم الكوفي، ثقة من (٩) (ووكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، ثقة من (٩) (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي، ثقة من (٥) (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي مولاهم أبو زكرياء النيسابوري، ثقة من (١٠) وأتى بجملة قوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي ليحيى بن يحيى تورعًا من الكذب على أبي بكر بن أبي شيبة، قال يحيى (أخبرنا أبو

стр. 2110

مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ؛ قَال: قِيلَ لَهُ: قَد عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُم ﷺ كُل شَيء. حَتَّى الْخِرَاءَةَ ــ معاوية عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمران الكوفي الفقيه، يرسل كثيرًا ثقة من (٥) مات سنة (٩٦) روى عنه في (١١) بابا (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس أخي الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبي بكر الكوفي، روى عن سلمان في الوضوء، وعثمان بن عفان في الصلاة، وأبي مسعود في الصلاة، وعلقمة وعبد الله بن مسعود في الصوم والنكاح والحج والأدب والدعاء والرحمة، والأسود بن يزيد في الزهد، ويروي عنه (ع) وإبراهيم بن يزيد النخعي وعمارة بن عمير وكثير بن مدرك وإبراهيم بن سويد ومالك بن الحارث وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من كبار الثالثة مات سنة (٨٣) ثلاث وثمانين في الجماجم، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، روى عنه في (٩) أبواب كما بينا آنفًا (عن سلمان) الخير الفارسي الكوفي أبي عبد الله ابن الإسلام، أصله من حَيٍّ قرية بأصبهان ويقال من أهل رام هرمز سكن الكوفة وأسلم عند قدوم النبي ﷺ المدينة، وكان قبل إسلامه يقرأ الكتب ويطلب الدين، وكان عبدًا لقوم من بني قريظة فكاتبوه فأدى رسول الله ﷺ كتابته وعتق، وأول مشاهده بالخندق، له صحبة من النبي ﷺ له ستون (٦٠) حديثًا، اتفقا على ثلاثة وانفرد (خ) بواحد و (م) بثلاثة، ويروي عنه (ع) وعبد الرحمن بن يزيد في الوضوء، وشرحبيل بن السمط وأبو عثمان النهدي وأنس، وهو من نجباء الصحابة مات في خلافة عثمان بالمدائن، وقيل في خلافة علي بعد الجمل سنة (٣٦) ست وثلاثين، وله (٥٣) ثلاث وخمسون سنة. وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) عبد الرحمن بن يزيد (قيل له) أي لسلمان الفارسي، وفي النهاية: قال له الكفار، ويأتي رواية قال لنا المشركون، وفي المشكاة: قال بعض المشركين وهو يستهزئ. اهـ. أي قال له بعض المشركين من أهل المدينة استهزاءً للدين وطعنًا فيه وتنقيصًا له ولقلة حيائه (قد علمكم) أيها المؤمنون (نبيكم ﷺ كل شيء) مما تحتاجون إليه (حتى) علمكم (الخِرَاءة) أي كيفية إخراج الغائط وهيئته والتنظف منه، والخراءة بكسر الخاء المعجمة وبالمد والهاء اسم لهيئة إخراج الغائط وهي بالكسر والفتح والمد دون هاء الحدث نفسه، ويقال أيضًا

стр. 2111

قَال: فَقَال: أَجَلْ. لَقَدْ نَهَانَا أَن نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْل ــ فيه بالفتح مع سكون الراء وضمها (قال) عبد الرحمن بن يزيد (فقال) سلمان للقائل المشرك (أجل) أي نعم علمنا ما قلت، وكان من حق سلمان أن يهدده أو يسكت عن جوابه لكنه لم يلتفت إلى ما قال ولا إلى ما فعل من الاستهزاء وأخرج الجواب مخرج جواب المسئول المسترشد المجد في جواب ما يسأل عنه تقديرًا للشرع أي ليس هذا مقام استهزاء، نعم إنه علمنا كل شيء نحتاج إليه في ديننا، حتى الخراءة التي ذكرت أيها القائل فإنه علمنا آدابها و (لقد نهانا أن نستقبل القبلة) أي جهتها (لغائط) أي لإخراج غائط (أو) إخراج (بول) قال النواوي: كذا في مسلم (لغائط) باللام وروي في غيره (بغائط) بالباء وروي (للغائط) باللام والتعريف وهما بمعنى فاللام هنا بمعنى الباء، وأصل الغائط المكان المنخفض من الأرض ثم صار عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمي، قال الأبي: لم يكن عن البول لعدم استقباح لفظه، وكنى عن الآخر بالغائط وهو المنخفض من الأرض، ومنه قيل لموضع الحاجة لأنهم كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة للستر، ثم اتُّسِعَ فيه حتى صار يطلق على الحدث نفسه ومن حديث أبي هريرة "لا يقل أحدكم أهريق الماء ولكن أبول". اهـ. وفي المفهم: قوله (أجل) أي نعم، قال الأخفش: أجل بمعنى نعم إلا أنه أحسن من نعم في الخبر، ونعم أحسن منه في الاستفهام، وهما لتصديق ما قبلهما مطلقًا نفيًا كان أو إثباتًا، فأما بلى فهو جواب بعد النفي عاريًا من حرف الاستفهام أو مقرونًا به، قال الجوهري: بلى إيجاب لما يقال لك لأنها ترد النفي، وربما ناقضتها نعم، فإذا قال: ليس لك عندي وديعة؛ فقولك نعم تصديق له وبلى تكذيب له، وقوله (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) دليل لمن ذهب إلى منع الاستقبال والاستدبار مطلقًا أي في الصحراء والبنيان، وهو أحمد وأبو ثور وأبو حنيفة في المشهور عنه، وزاد النخعي وابن سيرين منع استقبال القبلة المتقدمة واستدبارها وكان هؤلاء لم يبلغهم حديث ابن عمر الآتي يعني قوله (رأيت رسول الله ﷺ قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة) أو لم يصلح عندهم للتخصيص لأنه فعل في خلوة، وذهب ربيعة وداود إلى جواز ذلك مطلقًا أي في الصحراء والبنيان متمسكين بحديث ابن عمر وبما رواه الترمذي عن جابر قال (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول فرأيته

стр. 2112

أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، ــ قبل أن يموت بعام يستقبلها) رواه أبو داود والترمذي قال: وقال فيه البخاري: هو صحيح، وذهب الشافعي إلى التفريق بين القرى والصحاري تعويلًا على أن حديث ابن عمر مخصص لأحاديث النهي بالصحراء، وأما مذهب مالك فهو أنه إذا كان ساترٌ وكُنُفٌ ملجئة إلى ذلك جاز، وإن كان الساتر وحده فروايتان، وسبب هذا الاختلاف اختلاف هذه الأحاديث وبناء بعضها على بعض، أي تُحْمَل أحاديث النهي على الصحراء وعلى ما إذا لم يكن ساتر، وأحاديث الإباحة على البنيان وعلى ما إذا كان ساتر وبهذا يجمع بينها. والحاصل أن حديث سلمان فيه النهي عن الاستقبال فقط، وحديث أبي أيوب الآتي فيه النهي عن الاستقبال والاستدبار جميعًا، وحديث ابن عمر الآتي أيضًا، وحديث الترمذي عن جابر قال: (نهانا أن نستقبل أو نستدبر ثم رأيته قبل موته بعام مستقبلها) وحديث الدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: (ذكر للنبي ﷺ أن أناسًا يكرهون أن تُسْتَقبل القبلة لبول أو غائط فأمر بموضع خلائه أن يستقبل به القبلة) فيها جوازهما، فاختلف العلماء في استقبالها واستدبارها لاختلاف هذه الأحاديث، قال القاضي عياض: فمنعهما النخعي وابن سيرين وأحمد وأبو ثور وأبو حنيفة في المشهور عنه لحديث أبي أيوب في البنيان والصحراء، وأجازهما فيهما ربيعة وداود لحديث ابن عمر ورأياه ناسخًا لتأخره مع ما ورد من فعله، وعن أبي حنيفة أيضًا جواز الاستدبار فقط دون الاستقبال لحديث سلمان هذا قصرًا له على ما ورد، وجمع مالك والشافعي بينهما فحملا حديث أبي أيوب على الصحراء وحديث ابن عمر على المدن، قال الأبي: ومن العلماء من وقف لتعارض الأحاديث وليس بينها تعارض، فإن حديث عائشة وجابر متكَلَّمٌ في سندهما، فلم يبق إلا حديث أبي أيوب ويوافقه حديث سلمان وحديث ابن عمر والجمع بينهما بما قال مالك والشافعي ممكن، والتعارض والنسخ إنما يكونان عند عدم إمكان الجمع، والله أعلم. وكلمة أو في قوله (أو نستنجي باليمين) وفيما بعده بمعنى الواو العاطفة لا للشك، أي ونهانا أن نستنجي وأن نستجمر باليمين صونًا لها من القاذورات لشرفها، والاستنجاء إزالة ما بالمحل من الأذى بالماء، والاستجمار أن يزيله عنه بالأحجار، ونهى هنا عن الاستنجاء باليمين ونهى في الحديث الآتي عن مسه بها، قال المازري: فينبغي

стр. 2113

أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَل مِنْ ثَلاثةِ أَحْجَارٍ ــ للمستجمر أن يمس ذكره بشماله على الحجر ليسلم من الأمرين، قال القاضي: هذا إنما يتأتى في حجر ثابت في الأرض إن أمكنه أن يسترخي ذكره حتى يمسح بها فإن احتاج إلى الاستعانة باليمين أمسك الحجر بها وحرك عليها الذكر بشماله، وهذا كله تنزيه لليمين أن تُستعمل في مستقذر فإن استنجى بها أساء وصح، قال النواوي: وهذا أدب من آداب الاستنجاء، وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا ولا تعويل على إشارتهم، قال أصحابنا: ويُستحب أن لا يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر فإذا استنجى بماء صبه باليمين ومسح باليسار وإاذا استنجى بحجر فإن كان في الدُّبر مسح بيساره كان كان في القُبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتَى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر وإن لم يمكنه ذلك واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها ولا يُحرك اليمنى لئلا يكون مستنجيًا بها وهذا هو الصواب ثم إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيهًا على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها، والله أعلم. اهـ. (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) أي ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، قال النواوي: هذا نص صريح في أن استيفاء ثلاث مسحات واجب لا بد منه وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء فمذهبنا أنه لا بد في الاستنجاء بالحجر من إزالة عين النجاسة واستيفاء ثلاث مسحات فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة وجب مسحه ثالثة وبهذا قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وقال مالك وداود: الواجب الإنقاء فإن حصل بحجر أجزأه وهو وجه لبعض أصحابنا والمعروف من مذهبنا ما قدمناه، قال أصحابنا: ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف فمسح بكل حرف مسحة أجزأه لأن المراد المسحات ولكن الأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف ولو استنجى في القبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات والأفضل أن يكون بستة أحجار، فإن اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه وكذلك الخرقة الصفيقة التي إذا مسح بها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر يجوز أن يمسح بجانبها، قال أصحابنا: وإذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فلا زيادة عليها فإن

стр. 2114

أَوْ أَن نَستَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَو بِعَظيمٍ ــ لم يحصل بثلاثة وجب رابع فإن حصل الإنقاء به لم تجب الزيادة ولكن يستحب الإيتار بخامس فإن لم يحصل بالأربعة وجب خامس فإن حصل به فلا زيادة وهكذا فيما زاد متى حصل الإنقاء بوتر فلا زيادة وإلا وجب الإنقاء بشفع واستحب الإيتار. وأما نصه ﷺ على الأحجار فقد تعلق به بعض أهل الظاهر، وقالوا: الحجر متعين لا يُجزئ غيره، وذهب العلماء كافة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعينًا بل تقوم الخرق والخشب وغير ذلك مقامه وأن المعتبر فيه كونه مزيلًا وهذا يحصل بغير الحجر وإنما قال ﷺ : ثلاثة أحجار لكونها الغالب المتيسر فلا مفهوم له كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ونظائره ويدل على عدم تعين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والبعر والرجيع ولو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا، قال أصحابنا: ويقوم مقام الحجر كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان، قالوا: ولا يُشترط اتحاد جنسه فيجوز في القبل وفي الدبر خرق ويجوز في أحدهما حجر مع خرقتين أو مع خرقة وخشبة ونحو ذلك، والله أعلم. (أو أن نستنجي) أي ونهانا أن نستنجي (برجيع) بوزن أمير أي بروث وعذرة إنسان، قال في المصباح: والرجيع الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا وأرميته فَلْتِي، والروث هو رجيع ذوات الحوافر، وأما عذرة الإنسان فهي داخلة تحت قوله ﷺ "إنها ركس" (أو بعظم) فيه النهي عن الاستنجاء بذلك، ونبه ﷺ بالرجيع على جنس النجس فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعامًا للجن فنبه على جميع المطعومات وتلتحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك، ولا فرق في النجس بين المائع والجامد، فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة عن موضعها، وقيل إن استنجاءه الأول يجزئه مع المعصية، والله أعلم. اهـ نواوي. وعبارة المفهم هنا: وقوله (برجيع أو بعظم) الرجيع العذرة والأرواث ولا يستنجي

стр. 2115

٥٠٣ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ؛ ــ بها لنجاستها ولذلك قال ﷺ لعبد الله بن مسعود حين أتاه بالحجرين. والروثة "إنها رجس" رواه البخاري، وقد جاء أيضًا من حديثه في سنن أبي داود ما يدل على أنه إنما نهى عن الاستنجاء بها وبالعظم لكونهما زادًا للجن، قال: "قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد إِنْهَ أمتَكَ أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة فإن الله جاعل لنا فيها رزقًا" رواه أبو داود، وكذلك جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال: "فقلت: ما بال العظم والروثة، قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نَصِيبِينَ ونِعْمَ الجن فسألوني فدعوت الله أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا" وفي بعض الحديث وأما الروث فعلف دوابهم، رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود. ويؤخذ من هذا الحديث احترام أطعمة بني آدم وتنزيهها عن استعمالها في أمثال هذه القاذورات ووجه هذا الأخذ أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث لأنها زاد الجن وطعامهم فأخرى وأولى زاد الإنس وطعامهم، اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود ٧١، ، والترمذي ١٦١، ، والنسائي [١/ ٣٨ - ٣٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سلمان ﵁ فقال: ٥٠٣ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري قال (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري ثقة من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي ثقة من (٧) (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة من (٥) (ومنصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي ثقة من (٥) كلاهما (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي الفقيه (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي (عن سلمان) ابن الإسلام الفارسي الكوفي. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم كوفيون واثنان بصريان، وغرضه بسوقه بيان متابعة سفيان الثوري لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن

стр. 2116

قَال: قَال لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِني أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ. حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ. فَقَال: أَجَلْ. إِنهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ. أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ. وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ. وَقَال: "لا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ". ٥٠٤ - (٢٣٨) (٧٤) (٣٨) حدثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِياءُ بْنُ إِسْحَاقَ ــ الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في سياق الحديث (قال) سلمان الفارسي (قال لنا) معاشر المسلمين (المشركون) أي بعض مشركي المدينة طعنًا في دين الإسلام وتنقيصًا له (إني أرى) وأظن (صاحبكم) أي نبيكم محمدًا ﷺ (يعلمكم) جميع ما تحتاجون إليه من أموركم الدينية والدنيوية (حتى يعلمكم الخراءة) أي هيئة إخراج الحدث وكيفيتها (فقال) سلمان (أجل) أي نعم يعلمنا جميع ما نحتاج (إنه) أي إن صاحبنا (نهانا) أي زجرنا عن (أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة) ببول وغائط (ونهى عن) الاستنجاء بـ (الروث والعظام) (وقال) صاحبنا أيضًا و (لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار) أي بأقل من ثلاث مسحات، وفي رواية لأحمد "ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار" قال الخطابي: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد الطهرين وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وفيه بيان أن الاقتصار على أقل من ثلاثة لا يجوز وإن وقع الإنقاء بما دونها ولو كان المراد به الإنقاء حَسْبُ لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى إذ كان معلومًا أن الإنقاء يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين فلما اشترط العدد لفظًا وعلم الإنقاء فيه معنى دل على إيجاب الأمرين. انتهى مختصرًا. قال المظهري: الاستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الشافعي رحمه الله تعالى وإن حصل الإنقاء بأقل، وعند أبي حنيفة الإنقاء متعين، لا العدد ولكل منهما حجة كما هو مذكور في المطولات. اهـ. تحفة الأحوذي. ثم استشهد المؤلف لحديث سلمان بحديث جابر ﵄ فقال: ٥٠٤ - (٢٣٨) (٧٤) (٣٨) (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري ثقة من التاسعة مات سنة (٢٠٧) روى عنه في (١٤) بابا، قال (حدثنا زكرياء بن إسحاق) المكي ثقة رمي

стр. 2117

حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بِبَعَرٍ ــ بالقَدَر من (٦) روى عنه في (٦) أبواب، قال (حدثنا أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي ثقة مدلس من (٤) مات سنة (١٢٦) روى عنه في (٩) أبواب (أنه) أي أن أبا الزبير (سمع جابرًا) ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أبا عبد الله المدني الصحابي المشهور مات بالمدينة سنة (٧٨) ثمان وسبعين وله (٩٤) سنة. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نسائي، حالة كون جابر بن عبد الله (يقول نهى رسول الله ﷺ أن يُتَمَسَّح) بضم أوله على صيغة المجهول أي أن يستجمر، وفي رواية أبي داود نتمسح بالنون بدل الياء على صيغة المعلوم أي نستنجي (بعظم) لأنه طعام الجن (أو ببعر) أي بروث بعير لأنه علف دوابهم، قال المازري: عُلِّلَ منع العظم بأنه زاد الجن، والرجيع وهو الروث بأنه علف دوابهم وقيل لأن العظم لا ينقي، والرجيع يزيد المحل نجاسةً، قال القاضي عياض: وقيل لأن العظم طعام إذ يؤكل في الشدائد ويمشمش الرِّخْوَ منه وقيل لأنه لا يخلو عن بقية دسم، والرجع يزيد المحل نجاسةً، وعلل منع الحَمَمَة وهي الفحم بأنها أيضًا من طعام الجن ولأنه لا صلابة لأكثره بل يتفتَّتُ عند الاستنجاء به والضغط ولا يقطع الخارج كالتراب ويسَوِّدُ المحل ويلوثه، وفي هذه الأحاديث أن الجن تأكل، قال ابن العربي: وأجمع عليه المسلمون وأنهم يشربون وينكحون، قال: ولم تأكل الملائكة ﵈ لعادةٍ أجراها الله تعالى فيهم لا لطبيعة خلقها فيهم، فعدم الاستنجاء بذلك على هذا إنما هو لحق الغير. اهـ. ورواية أبي داود مع البذل (نهانا رسول الله ﷺ أن نتمسح) أي نستنجي (بعظم) فإنه ﷺ قال فيه: زاد إخوانكم الجن، وتلتحق به المحترمات كلها كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك (أو بعر) فالنهي عن الاستنجاء به لنجاسته ويلتحق به كل ما كان نجسًا، ولكن إذا استنجى بالنجس يجوز ذلك مع الكراهة عندنا يعني الأحناف، وأما عند الشافعية والحنابلة فلم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء، ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أجنبية، وكذلك إذا استنجى بمطعوم يجوز عندنا ولكن يكره، وعند الشافعية الأصح أنه لا يصح استنجاؤه

стр. 2118

٥٠٥ - (٢٣٩) (٧٥) (٣٩) وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَال: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَينَةَ: سَمعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِي، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ؛ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "إِذَا أَتَيتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، بِبَوْلٍ وَلا بغَائِطٍ ــ ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم تنتقل النجاسة عن موضعها. اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود رواه في الطهارة عن أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة بهذا السند، والله أعلم اهـ تحفة. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث سلمان الفارسي بحديث أبي أيوب الأنصاري ﵄ فقال: ٥٠٥ - (٢٣٩) (٧٥) (٣٩) (وحدثنا زهير بن حرب) أبو خيثمة النسائي (و) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي من (٨) (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي أبو زكرياء النيسابوري ثقة ثبت من (١٠) وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي ليحيى تورعًا من الكذب على زهير وابن نمير لأنهما إنما رويا المعنى (قال) يحيى (قلت لسفيان بن عيينة) هل (سمعت) يا سفيان بفتح التاء للمخاطب، أي هل سمعت محمد بن مسلم (الزهري) المدني بتقدير همزة الاستفهام التقريري، فقال سفيان في جواب استفهام يحيى: نعم؛ سمعت الزهري، كما سيأتي التصريح به في الكتاب (يذكر) أي يحدث (عن عطاء بن يزيد الليثي) الجندعي المدني ثقة من الثالثة (عن أبي أيوب) الأنصاري النَجَّاري خالد بن زيد بن كليب المدني الصحابي المشهور من كبار الصحابة له (١٥٠) حديثًا مات غازيًا بالروم سنة (٥٠) وقيل بعدها. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كوفي ونسائي أو كوفي ونيسابوري (أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط) أراد به المعنى الحقيقي وهو المطمئن من الأرض، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة لأن العادة أن يُقضى في المنخفض من الأرض لأنه أستر له، ثم اتسع حتى أطلق على النجو نفسه أي الخارج تسمية للحال باسم محله (فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها) أي جهة الكعبة المشرفة احترامًا لها (ببول ولا بغائط) أراد بالغائط هنا المعنى المجازي وهو الخارج المعروف وهو النجو

стр. 2119

وَلَكنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". قَال أبُو أَيوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ. فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ ــ والتقدير عند إخراج غائط أو بول، قال ابن رسلان: ظاهره اختصاص النهي بخروج النجس ففي معناه دم الفصد والحجامة والحيض والقيء وغيرها، أو المعنى النهي عن كشف العورة ففي حكمه الوطء والاستحداد وغير ذلك، وقال أيضًا بعد ذلك: ويجوز عندنا معاشر الشافعية الاستقبال والاستدبار حالة الجماع في البنيان والصحراء بلا كراهة وبه قال أبو حنيفة وأحمد واختلف فيه عن مالك. اهـ. وقوله (بغائط) الخ الباء متعلقة بمحذوف حال من ضمير تستقبلوا أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول. وقد أخرج هذا الحديث الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه بألفاظ مختلفة، ولكن الألفاظ التي في رواية أبي داود ومسلم متقاربة (ولكن شرقوا أو غربوا) أي توجهوا إلى جهة المشرق أو المغرب لئلا يقع استقبالكم واستدباركم إلى القبلة، وهذا خطاب مختص لأهل المدينة ومَن في حكمهم من الساكنين في جهة الشمال والجنوب من الكعبة فأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب أو الشرق فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. وعبارة المفهم هنا: (قوله ولكن شرقوا أو غربوا) هذا الحديث قيل لأهل المدينة ومن وراءها من أهل الشام والمغرب لأنهم إذا شَرَّقُوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها، فأما من كانت الكعبة في شرق بلاده أو غربها فلا يُشَرِّق ولا يغرب إكرامًا للقبلة، واختلف أصحابنا في تعليل هذا الحكم فقيل إنه معلل بحرمة القبلة وقيل بحرمة المصلين من الملائكة، والصحيح الأول بدليل ما رواه الدارقطني مرسلًا عن طاووس مرفوعًا "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها" رواه الدارقطني في سننه [١/ ٥٧]. (قال أبو أيوب) بالسند السابق (فقَدِمْنا) معاشر الصحابة (الشام) أي غزاةَ ففتحناها (فوجدنا) فيها (مراحيض) بفتح الميم والحاء المهملة والضاد المعجمة على زنة مصابيح، جمع مرحاض على زنة محراب، وهو مفعال من رحض إذا غسل يقال رحضت الثوب إذا غسلته فهو رحيض أي غسيل، ثم استعير للمُسْتَراح لأنه موضع غسل النجو، قال النواوي: وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان أي التغوط (قد بُنِيَتْ) موجهة (قِبَلَ

стр. 2120

الْقِبْلَةِ. فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ؟ قَال: نَعَمْ. ٥٠٦ - (٢٤٠) (٧٦) (٤٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ــ القبلة) أي جهتها، والظاهر أن قدوم أبي أيوب ﵁ الشام كان عند فتح الشام، وكانت المراحيض التي بنيت فيها من بناء الكفار النصارى الذين يسكنون فيها قبل فتح المسلمين، فبنوها متوجهةً جهة الكعبة، وبعيد غاية البعد أن يكون بناؤها من المسلمين مستقبلة القبلة، قال أبو أيوب (فـ) كنا (ننحرف) أي نعدل (عنها) أي عن القبلة يمنةً أو يسرةً أي نحرص على اجتنابها بالميل عنها بحسب قدرتنا (ونستغفر الله) تعالى يعني كنا مستقبلي القبلة نسيانًا على وفق بناء المراحيض، ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى عنها. فإن (قلت) الساهي لا يأثم فكيف يستغفرون (قلت) أهل الورع والمناصب العلية يستغفرون عن مثل هذا وجَعْلُ الاستغفار لباني الكُنُفِ في غاية البعد. قال القرطبي: وقول أبي أيوب (فننحرف عنها ونستغفر الله) دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر أو لم يره مخصصًا وحمل ما رواه على العموم حتى في المراحيض اهـ (قال) سفيان (نعم) سمعت الزهري يذكر هذا الحديث عن عطاء، هو جواب لقوله أولًا قلتُ لسفيان بن عيينة سمعت الزهري. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٤٢١] والبخاري [٣٩٤]، وأبو داود [٩]، والترمذي [٨]، والنسائي [٨/ ٢١ - ٢٢] كما أشرنا إليه آنفًا. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث سلمان بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٠٦ - (٢٤٠) (٧٦) (٤٠) (وحدثنا أحمد بن الحسن بن خِرَاش) بكسر المعجمة وفتح الراء، الخراساني البغدادي أبو جعفر صدوق من (١١) مات سنة (٢٤٢) قال (حدثنا عمر بن عبد الوهاب) بن رياح بكسر الراء المهملة ثم بالمثناة التحتانية بن عبيدة بفتح أوله الرياحي أبو حفص البصري، روى عن يزيد بن زريع في الوضوء، وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن سعد، ويروي عنه (م س) وأحمد بن الحسن بن خراش وعباس بن محمد وعباس بن عبد العظيم له في (م) فرد حديث، وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، وقال

стр. 2121

حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعنِي ابْنَ زُرَيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ قَال: "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْها" ــ في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٢١) إحدى وعشرين ومائتين، قال (حدثنا يزيد) بن زريع مصغرًا التميمي أبو معاوية البصري ثقة ثبت من (٨) مات سنة (١٨٢) روى عنه في (١٢) بابا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن زريع) لما مرّ مرارًا، قال (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث بكسر المعجمة البصري ثقة من (٦) مات سنة (١٤١) روى عنه في (١١) بابا (عن سهيل) بن أبي صالح السمان أبي يزيد المدني صدوق من (٦) مات في خلافة المنصور، روى عنه في (١٣) بابا (عن القعقاع) بن حكيم الكناني المدني ثقة من الرابعة، روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني ثقة ثبت من الثالثة مات سنة (١٠١) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي هريرة) المدني. وهذا السند من ثمانياته، رجاله أربعة منهم مدنيون وثلاثة بصريون وواحد بغدادي (عن رسول الله ﷺ قال: إذا جلس أحدكم) أي أراد أن يجلس (على) موضع قضاء (حاجته) بولًا كانت أو غائطًا (فلا يستقبل) بحاجته بكسر اللام على الجزم لأنه نهي (القبلة) أي جهتها (ولا يستدبرها) احترامًا وإكرامًا لها، والحاجة لفظ خصصه العرف بالحدث الخارج، قال القاضي عياض: ففيه التجافي عن ذكر ما يقبح سماعه والكناية عنه وهو أدب الشرع وهو أيضًا عادة العرب في صونها ألسنتها عما تصان عنه الأسماع عكس ما قال المشركون "علمهم كل شيء حتى الخراءة"، قال العيني: احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذا الحديث على عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط سواء كان في الصحراء أو في البنيان أخذًا في ذلك بعموم الحديث انتهى، وأجاب عنه ابن رسلان بثلاثة أجوبة: أحسنها أن الغائط حقيقة في المكان الواسع، والثاني أن حقيقة الاستقبال يكون في الصحراء، والرواية الثانية عن الإمام الأعظم رحمه الله تعالى أن الاستدبار غير منهي عنه لحديث ابن عمر الآتي قريبًا "قال: لقد ارتقيت على ظهر بيتٍ لنا .. " الحديث قال الحلبي: والصحيح الأول لأنه إذا تعارض قوله ﷺ وفعله رُجِّحَ القول لأن الفعل يحتمل الخصوص والعذر وغير ذلك، وكذلك إذا تعارض المحرم والمبيح رجح المحرم، انتهى، من بذل المجهود.

стр. 2122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعترض الدارقطني على مسلم بأن هذا الحديث غير محفوظ عن سهيل، وليس لسهيل في هذا الإسناد ذكر، فقد رواه أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع على الصواب عن روح عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قلتُ: مثل هذا لا يقدح فإنه محمول على أن سهيلًا وابن عجلان سمعاه جميعًا عن القعقاع واشتهرت روايته عن ابن عجلان وقَلَّتْ عن سهيل ولم يذكره أبو داود والنسائي وابن ماجه إلا من جهة ابن عجلان، اهـ نواوي بتصرف، وانفرد الإمام مسلم برواية هذا الحديث بهذا اللفظ وبهذا السند عن غيره من أصحاب الأمهات وغيرهم كما علمتَ. وجملة ما ذكره من الأحاديث في هذا الباب أربعة: الأول حديث سلمان الفارسي ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث جابر ذكره للاستشهاد، والثالث حديث أبي أيوب ذكره للاستشهاد أيضًا، والرابع حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد أيضًا. * * *

стр. 2123

١٣٦ - (٤١) (٢٣) باب ما جاء من الرخصة في ذلك ٥٠٧ - (٢٤١) (٧٧) (٤١) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ ــ ١٣٦ - (٤١) (٢٣) باب ما جاء من الرخصة في ذلك أي في استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول. ٥٠٧ - (٢٤١) (٧٧) (٤١) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) بفتح فسكون ففتح التميمي الحارثي القعنبي أبو عبد الرحمن البصري المدني أحد الأعلام في العلم والعمل، روى عن سليمان بن بلال وأفلح بن حميد والمعتمر بن عبد الرحمن ومالك وعيسى بن حفص بن عاصم وإبراهيم بن سعد وخلق لا يحصون، ويروي عنه (خ م دت س) وسليمان بن بلال وعبد بن حميد وأبو زرعة وأبو حاتم وقال: ثقة حجة لم أر أخشع منه وسمع مالك بقدومه فقال: قوموا إلى خير أهل الأرض، وقال عمرو بن علي: كان مجاب الدعوة، وقال في التقريب: ثقة عابد من صغار التاسعة مات بمكة في المحرم سنة (٢٢١) إحدى وعشرين ومائتين، روى عنه المؤلف في الوضوء والصلاة في خمسة مواضع، والحج في موضعين، والصوم في موضعين، والزكاة والجهاد والأطعمة في موضعين، والقدر في موضعين والنكاح، فجملة الأبواب التي روى عنه فيها تسعة، قال (حدثنا سليمان) بن بلال التيمي مولاهم أبو محمد المدني ثقة من الثامنة مات سنة (١٧٧) سبع وسبعين ومائة، روى عنه في (١٣) بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن بلال) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته (عن يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري الحارثي قاضي المدينة أبي سعيد المدني، روى عن محمد بن يحيى بن حبان وسعد بن إبراهيم وأنس بن مالك وعدي بن ثابت وعمرة بنت عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل والأعرج وخلائق، ويروي عنه (ع) وسليمان بن بلال والليث بن سعد وعبد الوهاب الثقفي ويحيى القطان وابن عيينة وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعبد الله بن نمير ويحيى بن أبي زائدة وخلائق لا يحصون، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة ثبتًا، وقال في التقريب: من الخامسة مات بالعراق سنة (١٤٤) روى عنه المؤلف في

стр. 2124

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمهِ وَاسِعِ بْنِ حَبانَ؛ قَال: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. فَلَمَّا قَضَيتُ صَلاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيهِ مِنْ شِقِّي. فَقَال عَبْدُ اللهِ: يَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلا بَيتِ الْمَقْدِسِ. قَال عَبْدُ اللهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيتٍ ــ الوضوء والجهاد في خمسة مواضع، والصلاة في أربعة مواضع، وحق الجار في موضعين، والبيوع في ستة مواضع، والجنائز والزكاة في ثلاثة مواضع، والصوم في ثلاثة مواضع، واللعان والحج في خمسة مواضع، والعتق والطلاق في موضعين، والأحكام والقسامة والأشربة والفضائل في موضعين فجملة الأبواب التي روى عنه فيها ستة عشر بابًا تقريبًا. (عن محمد بن يحيى) بن حبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني أبي عبد الله المدني الفقيه كانت له حلقة في مسجد النبي ﷺ ثقة فقيه من (٤) مات سنة (١٢١) روى عنه في (٨) أبواب (عن عمه واسع بن حبان) بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني المدني وثقه أبو زرعة، وقال في التقريب: صحابي ابن صحابي وقيل ثقة من الثانية وليس عندهم واسع إلا هذا (قال) واسع (كنت أصلي في المسجد) النبوي (وعبد الله بن عمر) بن الخطاب أي والحال أنه (مسند ظهره إلى) عمود في جهة (القبلة فلما قضيت صلاتي) وفرغت منها (انصرفت) أي ذهبت (إليه) أي إلى ابن عمر (من شقي) أي من جانبي لا من قدامي (فـ) لما وصلت إليه (قال عبد الله يقول ناس) من أصحاب رسول الله ﷺ (إذا قعدت) وجلست (لـ) قضاء (الحاجة) التي (تكون) وتحصل (لك) بولًا أو غائطًا (فلا تقعد) أي إذا أردت القعود والجلوس لقضائها وإخراجها فلا تقعد حالة كونك (مستقبل القبلة) أي متوجهًا جهة الكعبة المشرفة وكذا مستدبرًا لها احترامًا لها (ولا) مستقبل (بيت المقدس) ومستدبره (قال) لي (عبد الله) بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا ابن عمر فإنه مكي (و) الله (لقد رقيتُ) وفي رواية أبي داود لقد ارتقيت بكسر القاف على المشهور وفيه أيضًا الفتح مع الهمز ودونه والكسر أفصح أي علوت وصعدت (على ظهر بيتٍ) لحفصة وسطحه كما هو مصرح في الرواية الآتية واختلفت الروايات في هذا اللفظ ففي بعضها على ظهر البيت وفي بعضها على

стр. 2125

فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَينِ مُسْتَقْبِلًا بَيتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ ــ ظهر بيت لنا وفي أخرى على ظهر بيتنا وفي بعضها بيت حفصة وطريق الجمع بينها أن يقال أضاف البيت إلى نفسه على سبيل المجاز إما لسكونه لبيت حفصة أو أضافه لنفسه باعتبار ما آل إليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونه شقيقها وأضافه إلى حفصة لأنه البيت الذي أسكنها فيه رسول الله ﷺ . اهـ من البذل، وأبسط من هذا ما في الفتح (فرأيت رسول الله ﷺ قاعدًا) أي جالسًا لإخراج حاجته (على لَبِنَتَينِ) بفتح اللام وكسر الباء الموحدة وهو ما يُصنع من الطين ونحوه وبُني به قبل أن يُحرق وهذه الرؤية كانت اتفاقية من دون قصد منه ولا من الرسول الله ﷺ ، قال القاضي: ويحتمل أنه قصد ليعلم حكم الجلوس لقضاء الحاجة وذلك يظهر برؤية الوجه دون غيره، قال ابن رسلان: ففيه دلالة على ارتفاع الجالسين لقضاء الحاجة ولم أر أحدًا ذكر هذا الأدب، حالة كونه ﷺ (مستقبلًا بيت المقدس لحاجته) أي متوجهًا بوجهه جهة بيت المقدس مستدبر القبلة كما هو مصرح في الرواية الآتية، استدل به من قال بجواز الاستقبال والاستدبار ورأى أنه ناسخ واعتقد الإباحة مطلقًا وبه احتج من خص عدم الجواز بالصحاري ومن خص المنع بالاستقبال دون الاستدبار في الصحاري والبنيان، وقد عرفت ما فيه من أنها حكاية فعل لا عموم لها فيحتمل أن يكون لعذر وأن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة اهـ تحفة الأحوذي. وفي القرطبي: قول ابن عمر (رقيت على بيت أختي حفصة) هذا الرقي من ابن عمر الظاهر منه أنه لم يكن عن قصد الاستكشاف وإنما كان لحاجة غير ذلك ويحتمل أن يكون ليطّلِع على كيفية جلوس النبي ﷺ للحدث على تقدير أن يكون قد استشعر ذلك وأنه تحفظ من أن يطلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بُعْدٌ وكونه ﷺ على لَبِنَتَين يدل لمالك على قوله إذا اجتمع المرحاض الملجئ والساتر جاز ذلك. وفي بذل المجهود: والحديث لا يطابق الترجمة فإنه عقد الباب في جواز استقبال القبلة والحديث لا يدل عليه بل يدل على جواز استدبار الكعبة إلا أن يقال إنه لما كان

стр. 2126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حكم الاستقبال والاستدبار واحدًا ودل الحديث على جواز الاستدبار فُهم منه جواز الاستقبال أيضًا. اهـ. وقال القرطبي: وقد ذهب بعض من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا إلى أن حديث ابن عمر لا يصلح لتخصيص حديث أبي أيوب لأنه فِعْلٌ في خلوة وهو محتمل للخصوص وحديث أبي أيوب قول قُعِّدَتْ به القاعدة فبقاؤه على عمومه أولى. والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله ﷺ فأقل مراتبه أن يُحمل على الجواز بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله وبدليل قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وبدليل قوله ﷺ لعائشة حين سألتها المرأة عن قُبلة الصائم "أَلَا أَخْبَرْتِهَا أني أفعل ذلك" رواه مالك في الموطإ، وقالت عائشة: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" تعني التقاء الختانين رواه أحمد، وقبل ذلك الصحابة وعملوا عليه، وأما كون هذا الفعل في خلوة فلا يصلح مانعًا من الاقتداء لأن الحدث كله كذلك يُفعل ويُمنع أن يُفعل في الملأ ومع ذلك قد نُقل وتُحُدِّثَ به سيما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور الشرعية، وأما دعوى الخصوص فلو سمعها النبي ﷺ لغضب على مُدَّعيها وأنكر ذلك عليه كما قد غضب على من ادّعى تخصيصه بجواز القُبلة فإنه غضب عليه وأنكر ذلك، وقال: "والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده" رواه مالك في الموطأ، وكيف يجوز توهم هذا وقد تبين أن ذلك إنما شُرع إكرامًا للقبلة وهو أعلم بحرمتها وأحق بتعظيمها وكيف يستهين بحرمة ما حرم الله سبحانه هذا ما لا يصدر توهمه إلا من جاهل بما يقول أو غافل عما كان يحترمه الرسول ﷺ . اهـ من المفهم. وهذا الحديث أعني حديث ابن عمر شارك المؤلف في روايته البخاري [١٤٨] وأبو داود [١٢] والترمذي [١١] والنسائي [١/ ٢٣] وقال الترمذي: وحديث ابن عمر هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب حديث عن جابر قال: نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول أو غائط فرأيته قبل أن يُقبض بعام يستقبلها، وقال الترمذي فيه: حديث حسن غريب، وفي الباب عن أبي قتادة وعائشة وعمار. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 2127

٥٠٨ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشرٍ الْعَبدِيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَن مُحَمّدِ بْنِ يَحْيَى بنِ حَبَّانَ، عَن عَمّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابنِ عُمَرَ؛ قَال: رَقِيتُ عَلَى بَيتِ أُختِي حَفْصَةَ. فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشامِ، مُسْتَدبِرَ الْقِبْلَةِ ــ ٥٠٨ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي مولاهم الكوفي من (١٠) قال (حدثنا محمد بن بشر العبدي) أبو عبد الله الكوفي ثقة من التاسعة مات سنة (٢٠٣) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أبو عثمان المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ثقة ثبت من (٥) مات سنة (١٤٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن محمد بن يحيى بن حبان) الأنصاري المدني (عن عمه واسع بن حبان) الأنصاري المدني (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي المكي. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان وواحد مكي، وغرضه بسوقه بيان متابعة عبيد الله بن عمر ليحيى بن سعيد في رواية هذا الحديث عن محمد بن يحيى بن حبان، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة (قال) بن عمر (رَقِيتُ) أي صعدت وعلوت (على) سطح (بيت أختي حفصة) بنت عمر بن الخطاب (فرأيت رسول الله ﷺ قاعدًا) أي جالسًا على لبنتين (لـ) قضاء (حاجته) وإخراج حدثه حالة كونه (مستقبل الشام) أي متوجهًا بوجهه إلى جهة الشام إقليم معروف (مستدبر القبلة) أي جاعلًا دبره وظهره إلى جهة الكعبة المشرفة، واستقباله بيت المقدس يدل على خلاف ما ذهب إليه النخعي وابن سيرين فإنهما منعا ذلك، وما رُوي من النهي عن استقبال شيء من القبلتين بالغائط لا يصح لأنه من رواية عبد الله بن نافع مولى ابن عمر وهو ضعيف. اهـ مفهم، وحديث ابن عمر هذا موافق لما يقال إن المدينة بين مكة وبيت المقدس وأن استقبال أحدهما استدبار للآخر. اهـ أبي. ولم يذكر المؤلف في هذه الترجمة إلا حديث ابن عمر ﵄ وذكر فيه متابعة واحدة. ***

стр. 2128

١٣٧ - (٤٢) (٢٤) باب النهي عن التمسح باليمين من الخلاء وعن التنفس في الإناء عند الشرب ٥٠٩ - (٢٤٢) (٧٨) (٤٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ ــ ١٣٧ - (٤٢) (٢٤) باب النهي عن التمسح باليمين من الخلاء وعن التنفس في الإناء عند الشرب قال ابن رسلان: الاستطابة والاستنجاء يكونان بالحجارة والماء والاستجمار وكذا التمسح يكون بالحجارة فقط والخلاء هنا بفتح الخاء والمد الغائط، وليس النهي عن التمسح باليمين مقصورًا عليه بل هو عام فيه وفي التمسح من البول، وذكر التنفس في الإناء هنا استطرادي لأن محله باب الأشربة أو لتمام معنى الحديث. ٥٠٩ - (٢٤٢) (٧٨) (٤٢) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي أبو زكرياء النيسابوري ثقة ثبت إمام من (١٠) مات سنة (٢٢٦) روى عنه في (١٩) بابا، قال (أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث من (٩) مات بالبصرة سنة (١٩٨) وله (٦٣) سنة وكان يحج كل سنة، روى عنه في (١٤) بابًا تقريبًا، وقوله (عن همام) تحريف من النساخ والصواب (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي أبي بكر البصري ثقة ثبت رُمي بالقدر من كبار (٧) مات سنة (١٥٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من (٥) مات سنة (١٣٢) روى عنه في (١٦) بابا (عن عبد الله بن أبي قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي أبي إبراهيم المدني، روى عن أبيه في الوضوء والصلاة والحج والجهاد، ويروي عنه (ع) ويحيى بن أبي كثير وعثمان بن عبد الله بن مَوْهَب وأبو حازم سلمة بن دينار في الحج، وعبد العزيز بن رُفيع في الحج، وسعيد المقبري وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة من الثانية مات سنة (٩٥) خمس وتسعين، روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) أبي قتادة الأنصاري السلمي بفتح السين واللام الحارث بن ربعي بن بُلْدُمَة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشم بن الخزرج المدني فارس رسول الله ﷺ له مائة وسبعون

стр. 2129

قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ. وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ" ــ حديثًا (١٧٠) اتفقا على أحد عشر وانفرد (خ) بحديثين و (م) بثمانية، روى عن النبي ﷺ وعن معاذ بن جبل وعمر بن الخطاب، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الله في الوضوء والصلاة، وأبو سلمة في الصلاة، وعمرو بن سليم وعبد الله بن رباح الأنصاري في الصلاة، ومعبد بن كعب بن مالك في الجنائز والبيوع، وعبد الله بن معبد الزِّمَّاني وأبو محمد نافع مولى أبي قتادة في الحج والجهاد، وعطاء بن يسار في الحج، وأبو سعيد الخدري في الفتن فجملة الأبواب التي روى عنه فيها سبعة (٧) وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد نيسابوري (قال) أبو قتادة (قال رسول الله ﷺ لا يُمسكنَّ) أي لا يأخذن كما هو رواية البخاري (أحدكم ذكره بيمينه) أي بيده اليمنى (وهو) أي والحال أنه (يبول) أي يقضي حاجة البول تكريمًا لليمين، وأما في غير حالة البول فمباح (ولا يتمسح) بالأحجار (من الخلاء) أي من الغائط (بيمينه) فيكون مستجمرًا بها. قال السنوسي: "من" الداخلة على الخلاء سببية أي لا يَتَمَسح من أجل الخلاء الذي أصابه بيمينه، ويحتمل وجهين: أحدهما أن يباشر النجاسة بيمينه، والثاني أن يمسك بها الحجر ونحوه مما يزيل به النجاسة، وكلاهما منهي عنه فينبغي حمل الحديث عليهما لصدق لفظه فيهما، والله أعلم (ولا يتنفس) أي لا يُخرِج نفسه (في) داخل (الإناء) عند الشرب وأما التنفس خارج الإناء ثلاثًا فسنة معروفة، وإنما خص النهي عن مس الذكر بحالة البول لأن مجاور الشيء يعطى حكمه فلما منع الاستنجاء باليمين منع من آلته حسمًا للمادة ثم استدل على الإباحة بقوله ﷺ لطلق بن علي حين سأله عن مس ذكره (إنما هو بضعة منك) فدل على الجواز في كل حال فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة، وحديث طلق هذا صحيح أو حسن. اهـ تحفة الأحوذي، وفي الحلية عن عثمان ﵁: "ما مسست ذكري بيميني مذ بايعت بها رسول الله ﷺ " وعن عائشة ﵂: كانت يمنى رسول الله ﷺ لِطَهُورِهِ وطعامه ويُسراه لخلائه وما كان من الأذى والأذى كل ما تكرهه النفس ومنه سُمي الحيض أذى. وعبارة النواوي هنا: قوله (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) أما إمساك الذكر باليمين فمكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما تقدم في الاستنجاء، وقد قدمنا هناك أنه

стр. 2130

٥١٠ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلاءَ فَلَا يَمَسَّ ذكَرَهُ بِيَمِينِهِ" ــ لا يستعين باليمين في شيء من ذلك من الاستنجاء، وأما قوله (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) فليس التقييد بالخلاء للاحتراز من البول بل هما سواء والخلاء بالمد هو الغائط، قال الأبي: والخلاء بفتح الخاء والمد الموضع الخالي وسُمي به موضع الحاجة لخلائه في غير وقتها وإن كَسَرْتَ فيه الخاء فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل وهو بفتح الخاء؛ والقصر الحشيش الرطب، وهو أيضًا حسن الكلام يقال هو حسن الخلاء أي حسن الكلام ذكر ذلك الفارسيُّ في الإيضاح في باب المقصور والممدود والخلاء بالمد هنا هو الغائط، وليس النهي عن التمسح باليمين مقصورًا عليه بل هو عام فيه وفي التمسح من البول. اهـ، قال النواوي: والنهي عن التنفس في الإناء كالنهي عن النفخ في الشراب هو من طريق الأدب مخافةً من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه كالبصاق والمخاط ونحو ذلك، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية حديث أبي قتادة هذا أصحاب الأمهات الخمس بروايات متنوعة وأسانيد مختلفة كما في التحفة. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي قتادة ﵁ فقال: ٥١٠ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي أبو زكرياء النيسابوري قال (أخبرنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة من (٩) (عن هشام) بن أبي عبد الله (الدستوائي) أبي بكر البصري من (٧) (عن يحيى بن أبي كثير) أبي نصر اليمامي من (٥) (عن عبد الله بن أبي قتادة) أبي إبراهيم المدني (عن أبيه) أبي قتادة الأنصاري المدني وهذا السند من سداسياته اثنان منهم مدنيان وواحد يمامي وواحد كوفي وواحد بصري وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة وكيع لعبد الرحمن بن مهدي في رواية هذا الحديث عن هشام، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة. (قال) أبو قتادة (قال رسول الله ﷺ : إذا دخل أحدكم الخلاء) أي محل قضاء الحاجة، سُمي خلاء لخلوه في غير وقتها (فلا يمس ذكره بيمينه) لئلا يكون مساعدًا بها لليسار في الاستنجاء.

стр. 2131

٥١١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) حدَّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا الثَّقَفِي عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَن النَّبِيّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ. وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَستَطِيبَ بِيَمِينِهِ ــ ٥١١ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني أبو عبد الله المكي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٤٣) قال (حدثنا) عبد الوهاب بن عبد المجيد (الثقفي) أبو محمد البصري ثقة من (٨) مات سنة (١٩٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري ثقة ثبت حجة من (٥) مات سنة (١٣١) روى عنه في (١٧) بابا (عن يحيى بن أبي كثير) اليمامي (عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري المدني. وهذا السند أيضًا من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد مكي، وغرضه بسوقه بيان متابعة أيوب لهشام في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر المتن لما في هذه الرواية من المخالفة للسابقة في سَوْقِ الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسأنهى أن يتنفس) الشارب (في) داخل (الإناء) خوفًا من الاستقذار لأن تردد النَّفَس فيه يريحه وهو أحد الوجوه في النهي عن اختناث الأسقية، وقيل للطب وقد أمر النبي ﷺ من أراد أن يتنفس أن يُبِينَ القدح عنه (وأن يمس) أي يمسك ويأخذ (ذكره بيمينه) حالة البول لئلا يكون مساعدًا بها لليسار في الاستنجاء (وأن يستطيب) ويستنجي (بيمينه) تكرمة لها. ولم يذكر المؤلف في هذه الترجمة إلا حديث أبي قتادة وذكر فيه متابعتين. ***

стр. 2132

١٣٨ - (٤٣) (٢٥) باب التيمن في الطهور وغيره ٥١٢ - (٢٤٣) (٧٩) (٤٣) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهّرَ. وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ. وَفِي انْتِعَالِهِ ــ ١٣٨ - (٤٣) (٢٥) باب التيمن في الطهور وغيره والتيمن الابتداء في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن. ٥١٢ - (٢٤٣) (٧٩) (٤٣) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) أبو زكرياء النيسابوري قال (أخبرنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي ثقة متقن من (٧) مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٢) بابا (عن أشعث) بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، قال في التقريب: ثقة من السادسة مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة روى عنه في (٦) أبواب (عن أبيه) أبي الشعثاء سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي أبي الشعثاء الكوفي والد أشعث، روى عن مسروق في الوضوء والصلاة، وأبي هريرة في الصلاة، وعمرو بن مسعود وحذيفة وأبي ذر، ويروي عنه (ع) وابنه أشعث وإبراهيم بن المهاجر في الصلاة، وإبراهيم النخعي وأبو إسحاق، وثقه ابن معين والعجلي والنسائي، وقال في التقريب: ثقة باتفاق من كبار الثالثة مات في زمن الحجاج وأرَّخَه ابن قانع سنة ثلاث وثمانين (٨٣) روى عنه في بابين (٢) (عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي ثقة فقيه مخضرم عابد من الثانية مات سنة (٦٣) روى عنه في (١١) بابا (عن عائشة) الصديقة المدنية زوج رسول الله ﷺ ﵂. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد نيسابوري (قالت) عائشة (أنْ) مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها واسمها ضمير الشأن محذوف وجوبًا أي إن الشأن والحال كان رسول الله ﷺ واللام في قوله (لَيُحِب التيمن) لام الابتداء أي ليحب تقديم اليمين على اليسار (في طُهُورِهِ) بضم الطاء المهملة وضوءًا كان أو غسلًا أو مسحًا إلا ما يُفعل دفعة كمسح الأذنين وغسل الكفين (إذا تطهر) أي أراد التطهر من حدثه أو الاستباحة (وفي تَرَجُّلِهِ) أي في تسريح شعره بالمشط (إذا ترجل) أي أراد الترجل (وفي انتعاله) أي

стр. 2133

إِذَا انْتَعَلَ ــ وفي لبس نعاله (إذا انتعل) أي أراد الانتعال ووقع في بعض الأصول (في نعله) بالإفراد وفي بعضها (نعليه) بالتثنية كما في الرواية الآتية، وهما صحيحان أي في لبس جنس نعله وفي بعضها (في تنعله) بتاء مثناة فوق ثم نون ثم عين مشددة (إذا تنعل) وكله صحيح ووقع في روايات البخاري (يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله) وذكر الحديث .. الخ وفي قوله ما استطاع إشارة إلى شدة المحافظة على التيمن. قال النواوي: والتيمن قاعدة مستمرة في الشرع فيما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر وهو مشطه ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الركنين وغير ذلك من كل ما كان من التكريم، وأما ما كان بضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه. وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة ولو خالفها فاته الفضل وصح وضوءه، وقالت الشيعة: هو واجب ولا اعتداد بخلاف الشيعة. واعلم أن الابتداء باليسار وإن كان مجزئًا فهو مكروه نص عليه الشافعي وهو ظاهر وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بأسانيد جيدة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا لبستم أو توضأتم فابدءوا بأيمانكم" وهذا نص في الأمر بتقديم اليمين ومخالفته مكروهة أو محرمة وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمة فوجب أن تكون مكروهة، ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن وهو الأذنان والكفان والخدان بل يُطَهَّرَان دفعة واحدة فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين. اهـ نواوي. وفي المفهم: قوله (إن كان ليحب التيمن) كان ذلك منه تبركًا باسم اليمين لإضافة الخير إليها كما قال تعالى ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧] وقوله ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ولما فيه من اليُمن والبركة وهو من باب التفاؤل ونقيضه الشمال ويُؤخذ من هذا الحديث احترام اليمين وإكرامها فلا تُستعمل في إزالة شيء من

стр. 2134

٥١٣ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ، عَن أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ ــ الأقذار ولا في شيء من خسيس الأعمال وقد نهى ﷺ عن الاستنجاء ومس الذكر باليمين. اهـ. وعبارة الأبي هنا: قوله (في شأنه كله) عموم شأنه مخصص بما تقدم فيه الشمال، والضابط أن الفعل إن استعملت فيه الجارحتان قُدِّمَت اليمين في فعل الراجح والشمال في فعل المرجوح فيبدأ باليمين في دخول المسجد وبالشمال في الخروج منه واستعمال الجارحتين على هذا النحو إنما هو إن تيسر فإن شق ترك كالركوب فإن البداءة بوضع اليسرى في الركاب أيسر وأسهل وإن كان مما تُستعمل فيه إحداهما خُصت اليمين بالراجح والشمال بالمرجوح فيأكل ويتناول من الغير بيمينه ويستنجي ويتمخط بشماله، وحُكي أن إنسانًا امتخط بحضرة معاوية بيمينه فنهاه وقال: شمالك، وعن عائشة قالت: كانت يمنى رسول الله ﷺ ... الحديث. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٩٤ و ١٣٠ و ١٤٧] والبخاري [٥٨٥٤] وأبو داود [٤٤٤٠]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥١٣ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري أبو عمرو البصري ثقة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٣٧) روى عنه عن أبيه فقط في مواضع كثيرة، قال (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنى البصري قاضي البصرة، قال القطان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، وقال في التقريب: ثقة متقن من (٩) مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري، ثقة متقن حافظ من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابا (عن الأشعث) بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي (عن أبيه) أبي الشعثاء المحاربي الكوفي (عن مسروق) بن الأجدع الهمداني الكوفي (عن عائشة) أم المؤمنين المدنية. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة منهم بصريون وواحد مدني، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعبة لأبي الأحوص في رواية هذا الحديث، عن الأشعث، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر المتن

стр. 2135

قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي نَعْلَيهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِه ــ لما بين الروايتين من المخالفة (قالت) عائشة (كان رسول الله ﷺ يحب التيمن) أي البداية باليمين (في شأنه) وأمره كله) عبادة كان أو غيرها، وقوله (في) لبس (نعليه) بالتثنية بدل من قوله في شأنه بإعادة الجار وما بعده معطوف عليه (و) في (ترجله) أي تسريح شعره (و) في (طهوره) وقول الأبي هنا: والترجل تجفيف الأعضاء بالمنديل سبق قلم أو سهو منه والله أعلم. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث عائشة وذكر فيه متابعة واحدة. ***

стр. 2136

١٣٩ - (٤٤) (٢٦) باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال ٥١٤ - (٢٤٤) (٨٠) (٤٤) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَال ابْنُ أَيوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "اتَّقُوا اللَّعَّانَينِ" قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ــ ١٣٩ - (٤٤) (٢٦) باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال والتخلي التغوط، والطرق جمع طريق والمراد المسلوكة للناس لا المهجورة، والظلال جمع ظل. ٥١٤ - (٢٤٤) (٨٠) (٤٤) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري أبو زكريا البغدادي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٨) أبواب (وقتيبة) بن سعيد بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني ثقة من (١٠) مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب (و) علي (بن حجر) بن إياس السعدي أبو الحسن المروزي ثقة من (٩) مات سنة (٢٤٤) روى عنه في (١١) بابا حالة كونهم (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم أبي إسحاق المدني، ثقة ثبت من (٨) مات سنة (١٨٠) روى عنه في (١٢) بابا، وأتى بقوله (قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل) تورعًا من الكذب عليه، قال إسماعيل (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم أبو شبل المدني صدوق ربما وهم من (٥) مات سنة (١٣٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي المدني ثقة من (٣) روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما بغدادي أو بغلاني أو مروزي (أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا) أي اجتنبوا أيها المؤمنون الأمرين (اللعانين) أي الجالبين للعن الحاملَين الناس عليه والداعيين إليه واحذروهما، ففيه مجاز مرسل وذلك أن من فعلهما شُتِمَ ولُعن يعني عادة لعنه وسبَّه الناس فلما صار سببًا لذلك أُضيف اللعن إليهما، والمعنى اتقوا فعلهما ويصح كونه بمعنى اسم المفعول والمعنى اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما (قالوا) أي قال الحاضرون عنده ﷺ (وما اللعانان يا رسول الله؟ ) أي وأي شيء هما و "ما" استفهامية في محل الرفع مبتدأ

стр. 2137

قَال: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ" ــ واللعانان خبره (قال) رسول الله ﷺ هما تخلي (الذي يتخلى) ويتغوط (في طريق الناس) أي في الطريق المسلوك للناس لا المهجور أي الذي يَتخلى في الموضع الذي يمر فيه الناس و"أو"في قوله (أو في ظلهم) بمعنى الواو أي هما تخلي من يتخلى في موضع مرور الناس وتخلي مَن يتخلى في الموضع الذي يستظلون فيه والمراد بالظل هنا مستظلهم الذي اتخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه وليس كل ظل وطريق يحرم التخلي فيه لأنه ﷺ قضى حاجته تحت حائش نخل أي بستانه ومعلوم أن له ظلًا وكذا الطريق المهجور الآن. وحاصل المعنى اتقوا التخلي والتغوط وكذا التبول في المحل الذي يمر فيه الناس فيتأَذَّوْنَ به ويستقذرونه فيلعنونه فخرج به الطريق المهجور واتقوا التخلي تحت شجر أو حجر أو جُدُر يستظل الناس بظله فيتأذون به وفي حكمه الشجر المثمر وإن لم يستظل به وكذا الموضع الذي يتشمسون فيه في وقت الشتاء ثم النهي للتنزيه نظير ما تقدم من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها والاستنجاء باليمين لكون ذلك من آداب قضاء الحاجة، والظاهر هنا التحريم لما فيه من إيذاء المسلمين وقد بسط فيه ابن رسلان وفي حديث رواه أبو داود عن معاذ بن جبل "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" فزاد موارد الماء وسُميت هذه ملاعن لأنها تجلب اللعن على فاعلها العادي والشرعي لأنه ضرر عظيم بالمسلمين إذ يعرضهم للتنجيس ويمنعهم من حقوقهم في الماء والاستظلال والمرور وغير ذلك ويُفهم من هذا تحريم التخلي في كل موضع كان للمسلمين إليه حاجة كمجتمعاتهم وشجرهم المثمر وإن لم يكن له ظل وغير ذلك. اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٧٢] وأبو داود [٢٥]. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث. * * *

стр. 2138

١٤٠ - (٤٥) (٢٧) باب حمل الإداوة والعَنَزَة مع الإمام والأمراء ليستنجي بمائها ٥١٥ - (٢٤٥) (٨١) (٤٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَن رَسُول اللهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَتَبِعَهُ غُلامٌ ــ ١٤٠ - (٤٥) (٢٧) باب حمل الإداوة والعَنَزَة مع الإمام والأمراء ليستنجي بمائها أما حمل الإداوة وهي المِطْهَرَة فقد ذكر سببه في الحديث، وأما حمل العنزة وهي العصا فلاتخاذها سترة في الصلاة. ٥١٥ - (٢٤٥) (٨١) (٤٥) (حدثنا يحيى بن بحيى) التميمي النيسابوري ثقة من (١٠) قال (أخبرنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن الطحان المزني أبو الهيثم الواسطي ثقة ثبت من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (عن خالد) بن مهران الحذاء الخزاعي أبي المُنازل البصري ثقة يرسل من الخامسة مات سنة (١٤٢) روى عنه في (١٤) بابا (عن عطاء بن أبي ميمونة) مَنِيعٍ مولى أنس وقيل مولى عمران بن حصين أبي معاذ البصري، روى عن أنس في الوضوء، وأبي رافع في الصلاة والأدب، وعمران بن حصين وجابر بن سمرة، ويروي عنه (خ م د س ق) وخالد الحذاء وشعبة وروح بن القاسم وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح لا يُحتج به له في (خ) فرد حديث، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة رُمي بالقدر مات سنة (١٣١) إحدى وثلاثين ومائة، روى عنه في (٣) أبواب (عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري أبي حمزة البصري خادم رسول الله ﷺ . وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد واسطي وواحد نيسابوري (أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا) أي بستانًا من بساتين المدينة سُمي حائطًا لأنه يحاط به (وتبعه) ﷺ أي لحقه (كلام) أي مراهق، وقال الزمخشري في أساس البلاغة: إن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء فإن قيل له بعد الالتحاء غلام فهو مجاز، قيل إنه ابن مسعود ومعنى أصغرنا أي في الحال لقرب عهده بالإسلام ومعنى منا أي من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل هو جابر بن عبد الله ومعنى منا أي من الأنصار هكذا يؤخذ

стр. 2139

مَعَهُ مِيضَأَةٌ، هُوَ أَصْغَرُنَا. فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ. فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَينَا وَقَد اسْتَنْجَى بِالمَاءِ. ٥١٦ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ ــ من الفتح (معه) أي مع ذلك الغلام (مِيضَأة) أي إبريق ماء والميضأة بكسر الميم هو الإناء الذي يتوضأ به كالرِّكْوَةِ والإبريق وكل ما يسع قدر ما يتوضأ به واستحب بعضهم الوضوء من الإناء على الوضوء من المشارع لهذا الحديث ورُدَّ بأنه لم يرد أنه وجدها فعدل عنها إلى الوضوء من الإناء، قال القاضي عياض: ففي الحديث دلالة على خدمة أهل الخير (هو) أي ذلك الغلام (أصغرنا) أي أصغر الغلمان الذين كانوا مع النبي ﷺ (فوضعها) أي فوضع الغلام الميضاة (عند سدرةٍ) كانت هناك، والسدرة شجرة النبق (فقضى رسول الله ﷺ حاجته) أي فرغ منها (فخرج) من محل قضاء الحاجة فأقبل (علينا و) الحال أنه (قد استنجى بـ) ذلك (الماء) الذي في الميضأة، وقد تقدم بيان حقيقة الاستنجاء، قال القاضي: قيل هو فرض في نفسه وهو عند مالك من باب إزالة النجاسة وإزالتها عنده سنة حكاه عنه ابن القصار، وحكى عنه عبد الوهاب الوجوب وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إزالتها فرض والاستنجاء ليس بفرض، وعلى وجوبها عندنا فقيل إنها شرط في صحة الصلاة يعيد تاركها أبدا وقيل شرط مع الذكر دون النسيان، وقال الحافظ في الفتح: وفيه جواز استخدام الأحرار خصوصًا إذا أُرْصِدُوا لذلك ليحصل لهم التمرن على التواضع، وفيه أن في خدمة العالم شرفًا للمتعلم لكون أبي الدرداء مدح ابن مسعود بذلك، وفيه حجة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم لأن ماء المدينة كان عذبًا، واستدل به بعضهم على استحباب التوضؤ من الأواني دون الأنهار والبرك ولا يستقيم إلا إن كان النبي ﷺ وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني. اهـ منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري رواه في الطهارة في باب (١٦) - (١٧) وفي الصلاة وأبو داود في الطهارة عن وهب بن بَقِيَّة، والنسائي في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم. اهـ تحفة. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: ٥١٦ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي

стр. 2140

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن عَطَاءِ بن أَبِي مَيمُونَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحمِلُ أَنَا، وَغُلامٌ نَحْوي، إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ. وَعَنَزَةً. فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. ٥١٧ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) وحدّثني زُهَيرُ بن حَرْبٍ ــ (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (وغندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري (عن شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (واللفظ) الآتي (له) أي لابن المثنى، أتى به تورعًا من الكذب على ابن أبي شيبة، قال ابن المثنى (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري أتى بحاء التحويل لبيان اختلاف صيغتي شيخيه في محمد بن جعفر وفي شعبة، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (عن عطاء بن أبي ميمونة) منيع مولى أنس أبي معاذ البصري (أنه سمع أنس بن مالك يقول) وهذان السندان من خماسياته الأول منهما رجاله اثنان منهم كوفيان وثلاثة بصريون، والثاني منهما رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوقهما بيان متابعة شعبة لخالد الحذاء في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي ميمونة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء) قال في الفتح: المراد به هنا الفضاء لقوله في الرواية الآتية كان يتبرز لحاجته فإن الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة باهله أي كان يدخل المكان الفاضي لقضاء حاجته (فأحمل أنا وغلام نحوي) أي مُقارب لي في السنن (إداوة) بكسر الهمزة أي إناءًا صغيرًا من جلد (من ماء) أي مملوءة من ماء (وعَنَزَةٌ) أي عصا عليه زُج كما في البخاري "أحدنا يحمل الإدواة والآخر العنزة"، وقال القاضي: والعنزة بفتح العين والنون هي رمح صغير وقيل عصا بطرفها زُج، قال المهلب: إنما حملها لأنه كان إذا استنجى توضأ وإذا توضأ صلى فكانت العنزة سُترة له، وقد يكون حملها لما كانت اليهود والمنافقون يؤملون اغتياله ولعل ذلك قبل نزول قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ومنه أخذ الأمراء المشي أمامهم بالحربة (فيستنجي بالماء) أي بماء الإداوة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال: ٥١٧ - (٠٠) (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة
следующие страницы →