أَخْبَرَنَا عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ-
ــ
المَرْوَزِيّ، الإِمام الفقيه الحافظ عالِمُ خُراسان، واشْتَهَرَ بـ (ابن رَاهُوْيَه) ومعناه: المولودُ في الطريق؛ لأنَّ أباه وُلدَ في طريق مكة.
قال الخَفَّافُ: أَمْلَى علينا أَحدَ عَشَرَ ألفَ حديثٍ من حِفْظه، ثم قرأها -يعني من كتابه- فما زَادَ ولا نَقَصَ.
روى عن مُعْتَمِرِ بنِ سُلَيمان والدَّرَاوَرْدِيِّ وابنِ عُيَينَةَ وغيرِهم من أهل الحِجاز والشام والعراق وخُراسان، ويروي عنه (خ م د ت س)، وقال النَّسائيُّ ثقةٌ مأمونٌ أحدُ الأئمَّةِ الأعلام، وقال أحمدُ: لا أعلمُ لإِسحاقَ نظيرًا، إِسحاقُ عندنا من أئمَّة المسلمين، وإذا حَدَّثَك أبو يعقوب أميرُ المؤمنين .. فتَمَسَّكْ به.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قَرِينُ أحمد بن حنبل، ذَكَرَ أبو داود أنه تَغَيَّرَ قبل موته بيسير، مات سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، وله سبعٌ وسبعون سنة.
قال إِسحاقُ بن إِبراهيم: (أخبرنا عيسى) بلا ذِكْر نِسْبَتِه، ثم قال الإِمامُ مسلمٌ المؤلِّفُ: (وهو) أي: عيسى الذي أَخْبَرَ لنا عنه إِسحاقُ هو: عيسى (ابنُ يونسَ) ابنِ أبي إِسحاق السَّبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة أخو إِسرائيل أبو عَمْرٍو الكوفيُّ، أحدُ الأئمَّة الأعلامَ.
стр. 247
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ،
ــ
أَتَى المؤلِّفُ بـ (هُوَ) إِشعارًا بأنَّ هذه النِّسْبَةَ لم يَسْمَعْها من شيخِه إِسحاقَ، بل إِنما أَتَى بها من عند نفسِه إِيضاحًا للراوي، وتَوَرُّعًا من الكذب على شيخه، كما مَرَّ في مبحث (يعني).
روى عيسى عن أبيه وأخيه إِسرائيل، وإسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وحَمَّادُ بن سلمة -وهو أكبرُ منه- وابنُ وَهْبِ وابنُ المَدِيني وعليُّ بن حُجْر، وَثَّقَه أبو حاتم، وقال ابنُ المَدِيني: بخ بخ ثقةٌ مأمونٌ.
جاء يومًا إِلى ابن عُيَينة فقال: مرحبًا بالفقيهِ ابنِ الفقيه ابنِ الفقيه.
وقال في "التقريب": ثقة مأمونٌ، من الثامنة، مات سنة إِحدى وتسعين ومائة، وقيل: سنة سبعٍ وثمانين ومائة.
قال: (حَدَّثنَا) عبدُ الرحمنِ بن عَمْرٍو (الأوزاعيُّ) أبو عَمْرٍو الشاميُّ، الإمام العلم الفقيه، قال النوويُّ: (إِمامُ أهلِ الشام في زمانه بلا مُدافعة ولا مُخالفة، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس - الفاء أخت القاف- ثم تَحَوَّلَ إِلى بيروت فسَكَنَها مُرابطًا إِلى أن مات بها.
وقد انعقد الإجماعُ على إِمامتِه وجلالتِه وعُلُوِّ مرتبته وكمالِ فضيلته، وأقاويلُ السلف كثيرةٌ مشهورةٌ في وَرَعِه وزُهْدِه وعبادتهِ، وقيامِه بالحقّ، وكثرةِ حديثهِ وفقْهِه وفصاحتهِ واتباعه للسُّنَّة، وإِجلالِ أعيان أئمّة زمانه من جميع الأقطارِ له، واعترافِهم بمَزِيَّتِه، ورُوِّينا من غيرِ وَجْهٍ أنه أفتى في سبعين ألفَ مسألة.
رَوَى عن كبار التابعين عطاءٍ وابنِ سيرين وقتادةَ ونافعٍ وخَلقٍ، ويروي عنه "ع" ويحيى بن أبي كثيرٍ وقتادةُ والزُّهرِيُّ وهُمْ من مشايخه، وهُمْ من التابعين وليس هو من التابعين، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر) اهـ (١).
وقال في "التقريب": ثقةٌ جليلٌ، من السابعة، وقال ابنُ سَعْد: كان ثقةً مأمونًا فاضلًا، كثيرَ الحديثِ والعلمِ والفِقْه، وقال إِسحاقُ: إِذا اجتمعَ الأوزاغيُّ والثوريُّ ومالكٌ على الأَمْرِ .. فهو سُنَّة. مات في الحَمَّام سنة سبع وخمسين ومائة.
стр. 248
عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُوسَى قَال: لَقِيتُ طَاوُوسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلان كَيتَ وَكَيتَ، قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا
ــ
قال النوويُّ: (واخْتَلَفُوا في الأوْزاع التي نُسِبَ إِليها، فقيل: بَطْن مِن حِمْيَر، وقيل: قريةٌ كانتْ عند باب الفراديس من دمشق، وقيل: من أَوْزَاعِ القبائل؛ أي: فِرَقِهم وبقايا مجتمعة من قبائل شَتى.
وقال أبو زُرْعة الدمشقي: كان اسمُ الأوزاعي عبدَ العزيزِ فسَمى نفسَه عبدَ الرحمن، وكان ينزل الأوزاعَ فغَلَبَ عليه ذلك، وقال مُحَمدُ بن سَعْد: الأوزاع بَطنٌ من هَمْدان، والأوزاعي من أنفسهم، والله أعلم) اهـ (١).
(عن سُلَيمَانَ بنِ موسى) الأموي أبي أيوب الدمشقي الأَشْدَق، أحدِ الأئمة.
روى عن جابرٍ مرسلا وطاوسِ وعطاءِ وكُرَيب وغيرِهم، ويروي عنه (من عم) وابنُ جُرَيجِ والأوزاعي وخَلْق.
وقال في "التقريب": صدوقٌ فقيهٌ، في حديثه بعض لين وخَلَّط قبل موته بقليل، من الخامسة، وقال ابنُ سَعْدٍ: مات سنة تسع عشرة ومائة.
(قال) سُلَيمانُ: (لَقِيتُ) أنا ورأيتُ (طاوسًا) هو ابنُ كَيسان اليماني الحِمْيَرِيُّ مولاهم الفارسي من الثالثة، مات سنة ست ومائة، (فقلتُ) لطاوسٍ: (حَدَّثَنِي فلانٌ) كنايةً عن رجلٍ مُبْهَمٍ (كَيتَ وكَيتَ) اسم مُبْهَمٌ بمعنى كذا وكذا في محل النصبِ مفعولٌ ثانٍ لحدثني مبني على فتح الجزأين؛ لتركبه تركيب خمسة عشر، (وهما بفتحِ التاء وكسرِها لُغَتان نَقَلَهما الجوهري في "صحاحه" عن أبي عبيدة) (٢).
(قال) لي طاوسٌ: (إنْ كان صَاحِبك) أي: راويك ومُحَدِّثُك الذي حَدثَكَ الحديثَ (مَلِيًّا) (٣) أي: غَنِيًّا في الحديث، قال النووي: (يعني ثقةَ ضابطًا مُتْقِنًا،
стр. 249
فَخُذْ عَنْهُ.
[٢٩] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّد الدِّمَشْقِيَّ-
ــ
يُوثَقُ بدِينهِ ومعرفتهِ، ويُعْتَمَدُ عليه في الحديث كما يُعْتَمَدُ على المَلِيِّ بالمال في معاملتهِ على ما في الذِّمَّةِ ثقةً بذِمتِه) (١) ( .. فخُذْ عنه) أي: فاقْبَلْ منه حديثَه وارْو عنه؛ لأنه كان من أهل الحديث ومِنْ حَمَلَتِه فَيُرْوَى عنه، وإِلا .. فَارْمِ حديثَه وراءَك ظِهْرِيًّا.
وغَرَضُ المؤلفِ بسَوْقِ هذا الأثرِ: الاستشهادُ به لأثرِ ابنِ سيرين الذي اسْتَدَل به أولًا، وهذا السنَدُ من خُماسياته، ومن لطائفه: أَن فيه روايةَ مروزي، عن كوفي، عن شامي، عن دمشقي، عن يماني، ورجالُه كُلهم ثقاتٌ، إِلَّا سُلَيمان بن موسى، فإنه صَدُوق.
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثَرِ طاوسٍ فقال:
[٢٩] (وَحَدَّثنا عبدُ الله بن عبد الرحمنِ) بنِ الفَضْلِ بنِ مِهْران أو بَهْرَام (الدَّارِمي) نسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة أحدِ أجداده، أبو محمد السمرقندي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب "المسند" و"التفسير" و"الجامع".
روى عن يَزِيد بن هارون، ومروان بن محمد الدمشقي، ويعلي بن عبيد، وجعفر بن عون وجماعة، ويروي عنه (م د ت) والبخاريّ في غير الصحيح، إمام أهل زمانه.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ متقِنٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة.
قال: (أخبرنا مروان) قال الإمامُ مسلمٌ: (يعني) أي: يَقْصِدُ شيخي عبدُ الله حين قال لنا: (أخبرنا مروانُ) مروانَ (بنَ مُحَمَّدِ) بنِ حَسَّان (الدمشقيَّ) الطَاطَري بمهملتين مفتوحتين -قال الطبراني: كُل مَنْ يبيعُ الكرابيسَ بدمشق، يُقال له: الطاطَري- أبو بكرٍ الأسدي.
стр. 250
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُوسَى قَال: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: إِنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا .. فَخُذْ عَنْهُ
ــ
روى عن سعيد بنِ عبد العزيز ومالكٍ والليث وسُلَيمانَ بنِ بلالٍ وسعيدِ بن بشير وغيرِهم، ويروي عنه (م عم) وسلمةُ بن شَبيبٍ وغيرُهم، وثَّقَهُ أبو حاتم.
وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، قال البُخَارِيُّ: مات سنة عشرٍ ومائتين.
(حَدَّثنَا سعيدُ بن عبد العزيزِ) التَّنُوخي أبو محمد الدمشقي.
روى عن مكحولٍ ونافعٍ والزهْرِي وخَلْقٍ، ويروي عنه (م عم) وشُعْبةُ والثوْرِيُّ وكلاهما من أقرانه وخَلْق، وثقَهُ ابنُ مَعِين وأبو حاتم والنسائي، وقال الحاكم: هو لأهل الشام كمالكٍ لأهل المدينة.
وقال في "التقريب": ثقةٌ إمام، سواهُ أحمدُ بالأوزاعي، وقَدمَه أبو مُسْهِرٍ، لكنه اخْتَلَط في آخر عمره، من السابعة، مات سنة سبعٍ وستين ومائة، وقيل: بعدها.
(عن سلَيمَانَ بنِ موسى) الأموي الدمشقي، (قال) سُلَيمَانُ بن موسى: (قلتُ لطاوسِ) بنِ كَيسَان اليَمَانِي الحِمْيَرِي مولاهم، الفارسى، وهذا السنَدُ من خُماسياته: ثلاثة منهم دمشقيون، وواحدٌ سمرقندي، وواحدٌ يماني، وغَرَضُه بسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعةِ سعيد بن عبد العزيز للأوزاعي في رواية هذا الأثرِ عن سُلَيمان بن موسى، وكررَ مَتْنَ الأثر لما في الرواية الثانية من المخالفة للرواية الأُولى في بعض الكلمات، فلا اعْتِرَاضَ على المؤلف في تَكْرَارِهِ الأثرَ مَتْنًا وَسَنَدًا؛ لما فيه من الغَرَضِ.
(إن فُلانا) كناية عن رجلٍ مُبْهَم (حَدَّثَني بـ) حديثِ (كذا وكذا) كناية عن لفظِ الحديثِ المُبْهَمِ (قال) طاوسٌ: (إنْ كان صاحِبُكَ) الذي حَدثَكَ (مَلِيًّا) أي: غَنِيًّا في الحديث، بأن كان ثِقةً حافظًا مُتْقِنًا ( .. فَخُذْ عنه) أي: فاقْبَلْ منه حديثَه الذي رواه، وارْو عنه؛ فإنه حديث صحيح، وإلا .. فارْمِ [به] وراءَك ظِهْرِيًا.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيا لأثَرِ ابن سيرين بأثَرِ أبي الزناد فقال:
стр. 251
[٣٠] حَدثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِي الْجَهْضَمِي، حَدثَنَا الأَصْمَعِي،
ــ
[٣٠] (حَدَّثَنا نَصْرُ بن عَلِي) بن نَصْر بن علي بن صُهْبان -بضم المهملة وسكون الهاء- الأزدي (الجَهْضَمِي) قال النووي: (بفتح الجيمِ وسكون الهاءِ وفتح الضاد المعجمة، قال السَّمْعَاني في كتابه "الأنساب" (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦): هذه النسَبةُ إلى الجهاضمة وهي محلة بالبصرة.
وكان من العلماء المُتْقِنين، وكان المستعينُ باللهِ بَعَث إليه ليُشخصه للقضاء، فدعاه أميرُ البصرة لذلك فقال: أرجعُ فأستخيرُ اللهَ تعالى، فرَجَعَ إلى بيته نصفَ النهار فَصَلَّى ركعتين، وقال: اللهمّ إنْ كان لي عندك خير فاقْبِضْني إليك، فنام، فأنْبَهُوهُ .. فإذا هو ميتٌ، وكان ذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين) اهـ (١).
وهو أحَدُ أئمة البصرة.
روى عن المُعْتَمِر وَيزِيدَ بنِ زُريعٍ وابنِ عُيَينَةَ وَوَكِيعٍ وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأبو زُرْعة وأبو حاتم وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومائتين أو بعدها.
قال: (حَدثنَا) عبدُ الملكِ بن قُرَيب -مصغرًا- ابن عبد الملك بن علي بن أصْمَع الباهلي (الأصمعي) منسوب إلى الجد المذكور أبو سعيد البصري، أحدُ الأئمة الأعلام.
روى عنِ أبي عَمْرو بنِ العلاء ومِسْعَرٍ ومالكٍ وخلائقَ، ويروي عنه (مق دت) وابنُ مَعِينٍ ونصْرُ بن علي وعُمر بن شَبَّةَ وخَلْق، وثقَهُ ابنُ مَعِين.
وقال في "التقريب": صدوق سُني، من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومائتين.
قال النووي: (وكان الأصْمَعِيُّ من ثِقَاتِ الرُّواة ومُتْقِنِيهم، وكان جامعًا للّغة والغريب والنحو والأخبار والمُلَح والنوادر، قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى: ما رأيتُ
стр. 252
عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبيهِ
ــ
بذلك العسكر أصْدَقَ لهجة من الأصمعي، وقال الشافعيُّ أيضًا: ما عَبَّرَ أحَدٌ من العرب بأحْسَنَ من عبارة الأصمعي، ورُوِّينا عن الأصمعي قال: أحْفَظُ سِت عشرةَ ألفَ أرجوزةٍ) (١).
(عن) عبد الرحمن (ابنِ أبي الزنادِ) عبد الله بن ذَكْوان القُرَشِي الأموي مولاهم، أبي محمد المدني، ولأبي الزناد ثلاثةُ بنين يَرْوُون عنه: عبدُ الرحمنِ هذا، وقاسم، وأبو القاسم.
روى عن أبيه وزَيدِ بنِ عَلِيٍّ وشُرَحْبِيلَ بنِ سَعْدٍ وغيرِهم، ويروي عنه (من عم) وابنُ جُرَيجٍ وابنُ وَهْبٍ وسعيدُ بن منصورٍ وخَلْق، وقال ابنُ مَعِين: ما حدثَ بالمدينة صحيح (٢).
وقال في "التقريب": صدوقٌ، من السابعة، ولما قَدِمَ بغدادَ تَغَيَّرَ حِفْظُه، وكان فقيهًا، مات سنة أربعٍ وسبعين ومائة.
(عن أبيه) عبد الله بنِ ذَكْوان أبي عبد الرحمن المُلَقَّبِ بأبي الرناد بكسر الزاي.
قال النووي: (وكان يَكْرَهُ هذا اللَّقبَ، واشْتَهَرَ به (٣)، القرشي الأموي
стр. 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مولاهم، المدني، وكان الثوْرِي يُسَمِّي أبا الزنادِ أميرَ المؤمنين في الحديث، قال البخاري: أصَحُّ أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وقال مصعبٌ: كان أبو الزِّناد فقيهَ أهلِ المدينة) اهـ (١).
وأبوه ذكوان هو أخو أبي لؤلؤة قاتل عُمر ﵁.
روى عن أنسٍ وابنِ عُمَرَ وعُمَرَ بنِ أبي سلمة مرسلا، وعن الأعرج فأكْثَرَ، وابنِ المُسَيب وطائفةٍ، ويروي عنه (ع) وموسى بن عقبة وعُبَيدُ الله بن عُمَرَ ومالكٌ والليثُ والسفْيانانِ وخلقٌ.
стр. 254
قَال: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِئَةً كُلُّهُمْ مَأمُونٌ مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيسَ مِنْ أَهْلِهِ
ــ
قال أحمدُ: ثِقةٌ، كان سفيان يُسمِّيه أمير المؤمنين في الحديث، وقال الليثُ: رأيتُ أبا الزِّنادِ وخَلْفَهُ ثلاثُ مئةِ طالب.
وقال في "التقريب": ثقة فقيه، من الخامسة، مات فجاةً سنةَ ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها.
وَغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْق هذا الأثَرِ: الاستشهادُ لأثَرِ ابنِ سيرين كما مَر آنفًا، وهذا الإسنادُ من رباعياته، وفيه رواية بصريينِ عن مدنيين.
(قال) أبو الزِّنادِ: (أدْرَكْتُ بالمدينةِ) المُنَوَّرَةِ (مئةً) من الصالحين (كُلُّهم مأمون) أي: موصوف بالأمانة في دينهِ ودُنْياه ومع ذلك (ما يُؤخَذُ) ولا يُرْوَى (عنهم الحديثُ) النبويُّ (يُقالُ) في سبب ذلك: إن كُلَّهم (ليس من أهلِهِ) أي: من أهل الحديث؛ أي: ليسوا من الثقات الحفاظ المُتْقِنين، فأمانتُهم وصلاحُهم في دِينهِم لا يَنْفَعُهم في رواية الحديث عنهم؛ لعدم ضَبْطِهم وإتقانِهم (١).
стр. 255
[٣١] حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدثَنَا سُفْيَانُ، ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ الْبَاهِلِي
ــ
ثم استشهد المؤلِّفُ ثالثًا لأثَرِ ابن سيرين بأثَرِ سَعْدِ بنِ إبراهيم فقال:
[٣١] (حَدثَنا محمدُ) بن يحيى (بن أبي عُمَر) العَدَني أبو عبد الله (المكي) الحافظُ نزيلُ مكة.
روى عن فُضَيل بنِ عِيَاضٍ وأبي معاوية ومُعْتَمِرٍ وَخَلْقٍ، ويروي عنه (م ت س ق) وهلالُ بن العلاء ومُفَضَّلُ بن محمد الجَنَدِيُّ وغيرُهم، وثَّقَهُ ابنُ حِبان.
وقال في "التقريب": صدوقٌ صَنَّفَ "المسند"، وكان لازَمَ ابنَ عُيَينَةَ، لكنْ قال أبو حاتم: كانتْ فيه غَفْلَةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاثٍ وأربعين ومائتين.
قال: (حدثنا سُفْيان) بن عُيَينَةَ بنِ ميمون الهلالي مولاهم، أبو محمدٍ الأعورُ الكوفي ثم المكي، أحدُ الأئمة الأعلام، ثقة حافظٌ فقيه إمامٌ حُجةٌ إلا أنه تَغَيرَ حِفْظُه بأخَرَةٍ، وكان ربما دَلَّسَ لكنْ عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.
وإنما فَسَّرْنا (سفيان) بـ (ابن عُيَينَة)؛ لأن الإمامَ مسلمًا إذا ذكَرَ (سفيان) وأطْلَقَ وكان ثانيَ السَّنَدِ .. فهو ابنُ عُيَيْنَةَ كما هنا، أو وَقَعَ ثالثَه .. فهو الثورِي، وهذا في أغلب اصطلاحاته كما يَدُلُّ عليه التصريحُ به بعد التحويل.
ثم أتى المؤلِّفُ بحاء التحويل فقال: (خ) أي: حَوَّلَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى السَّنَدَ (و) قال: (حَدَّثَنِي أبو بكرِ) محمدُ (بن خَلَّادِ) بن كثير (الباهلي) البصري.
روى عن ابنِ عُيَينة ومُعْتَمِرِ بن سُلَيمَانَ وابنِ فُضَيلٍ وخَلْقٍ، ويروي عنه (م د س ق) وأبو حاتم الرازي وعبدُ الله بن أحمد وغيرُهم.
قال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربعين ومائتين على الصحيح.
стр. 256
-وَاللَّفْظُ لَهُ- قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَال: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ
ــ
وإنما عدل عن المقارنة إلى التحويل، مع أن شيخَ شيخَيه واحد وهو سفيان؛ تورعًا من الكذب على أحَدِ شَيخَيهِ لو جمَعَهما، فلو قال: (حدثنا محمد بن أبي عُمَرَ، وأبو بكرِ بن خَلَّادٍ قالا: حدثنا سفيانُ) .. لكان كاذبا على أبيِ بكر بنِ خَلاد؛ لأنه إنما سَمِعَهُ وهو مُنْفَرِدٌ، وأبو بكرٍ أيضًا إنما سمع سفيانَ وهو مُنْفرِدٌ؛ لأن قولَه: (سَمِعْتُ سفيانَ) بمعنى (حدثني سفيان).
ولو قال: (حَدَّثَني محمد بن أبي عُمَرَ وأبو بكرٍ) .. لكان كاذبًا على محمد بن أبي عُمَرَ؛ لأنه إنما سمعه منه ومعه غيرُه، ففائدةُ التحويلِ هنا التورُّع من الكذب على أحَدِ شَيخَيهِ، مع بيان كثرة طُرُقِهِ، فانتَبهْ لهذه الدقيقة؛ فإنها كثيرة في "جامع الإمام مسلم".
وأتَى بقوله: (واللفْظُ له) أَي: واللفْظُ الآتي لأبي بكرِ بنِ خَلادٍ لا لمحمد بن أبي عُمَرَ؛ لأنه إنما رَوَى معناه لا لفظَه تَحَرُّزًا من الكذب على محمد بن أبي عُمر، لأنه لو لم يَأتِ بهذه الجملةِ .. لأوْهَمَ أن الشيخَينِ كليهما رَوَيا اللَّفظَ الآتي، مع أن الراويَ له هو أبو بكرٍ فقط. فتَدَبرْ.
(قال) أبو بكرِ بن خلَّاد: (سَمِعْتُ سفيانَ بنَ عُيَينةَ) الكوفي الأعورَ يَرْوي (عن مِسْعَرِ) -بكسر الميم وسكونِ السين المهملة وفتحِ العين المهملة- ابن كِدَام -بكسر أوله وتخفيفِ ثانيه- ابن ظهير بن عبيدة الهلالي أبي سلمة الكوفي، أحد الأئمة الأعلام.
روى عن عطاء وسعيد بن أبي بُرْدة والحَكَم وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وسُلَيمَانُ التَّيمِي -وهو أكبر منه- وشعبةُ والثورِي -وهما من أقرانه- وخَلْق، قال محمد بن بشر: كان عنده ألفُ حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فاضلٌ، من السابعة، مات سنة ثلاثٍ أو خمسٍ وخمسين ومائة، وليس في مسلم (مِسْعَرٌ) إلا هذا.
(قال) مِسْعَرُ بن كِدَام: (سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ إبراهيمَ) بنِ عبد الرحمن بن عوف الزهْريَّ المدنيَّ قاضيَ المدينة.
стр. 257
يَقُولُ: لَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا الثِّقَاتُ.
[٣٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ -مِنْ أَهْلِ مَرْوَ-
ــ
روى عن أنس وعبدِ الله بن جعفر وعبدِ الله بن شَداد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنُه إبراهيمُ والحَمادانِ والسُّفْيانانِ وأبو عَوَانة وغيرُهم، قال شعبةُ: كانَ ثَبْتًا فاضلًا، يصومُ الدهر، ويختمُ في يوم وليلة.
وقال في "التقريب": كان ثقة فاضلًا عابدًا، من الخامسة، مات سنة خمسٍ وعشرين ومائة، وقيل: بعدها، وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنة.
حالةَ كَوْنهِ (يقولُ: لا يُحَدِّثُ عن رسولِ الله ﷺ إلا الثقاتُ) أي: لا يُقْبَلُ حديثُ رسولِ الله ﷺ إلا من الحُفاظِ الثقاتِ المُتْقِنين الضابطين العُدُولِ؛ لأنَّ هذا الحديث دِينٌ، والدِّينُ أمانةٌ، والأمانةُ لا تُؤْخَذُ إلا من أهلها.
وهذا السَّنَدُ من خُماسياته: واحدٌ منهم مكي أو بصري، وثلاثةٌ كوفيون، وواحدٌ مدني.
ثم استدل المؤلِّفُ على الجزء الأول من الترجمة وهو قوله: (أَن الإسنادَ من الدِّينِ) بأثَرِ عبد الله بن المبارك فقال:
[٣٢] (وحَدَّثَني محمدُ بن عبد الله بنِ قُهْزَاذَ) قال النووي: (بقاف مضمومة، ثم هاء ساكنة، ثم زاي، ثم ألف، ثم ذال معجمة، هذا هو الصحيحُ المشهورُ المعروفُ في ضَبْطه، وحَكَى صاحب "مطالع الأنوار" (١) عن بعضهم: أنه قيَّده بضمِّ الهاء وتشديد الزاي وهو غيرُ منصرفٍ للعلمية والعجمة) (٢).
أبو جابرٍ المَرْوَزِيُّ، ولهذا قال المؤلِّفُ: (من أهل مَرْوَ) بلدةٍ من بلاد العجم مشهورةٍ، قال النووي: (ومَرْوُ غيرُ مصروفة -للعلمية والتأنيث- وهي مدينةٌ عظيمةٌ بخُراسان، وأُمهاتُ مدائنِ خُراسان أربع: نيسابورُ، ومَرْوُ، وبَلْخُ، وهَرَاةُ، والله أعلم) اهـ (٣).
стр. 258
قَال: سَمِعْتُ عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ
ــ
روى عن جعفرِ بنِ عَوْنٍ ويعلى بنِ عُبَيدٍ والنضْرِ بنِ شُمَيلٍ، ويروي عنه (م) وزكريا خَيَّاطُ السنةِ وابنُ أبي داود وغيرُهم، قال ابنُ أبي حاتم: ثقة.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومائتين.
قال النووي: (وقال ابنُ ماكولا (١): مات محمدُ بن عبد الله بنِ قُهْزَاذَ يوم الأربعاء لعشرٍ خَلَوْنَ من المحرم سنة اثنتين وستين ومائتين، فتحَصَّلَ من هذا أن مسلمًا رحمه الله تعالى مات قبل شيخه هذا بخمسةِ أشهرٍ ونصفٍ كما قدمناه من تاريخ وفاة مسلم رحمه الله تعالى) (٢).
(قال) محمدُ بن عبد الله: (سَمِعْتُ عَبْدَانَ) بفتح العين وسكون الباء، وهو لَقَبٌ له ويُسَمَّى عبدَ الله (بنَ عثمانَ) بن جَبَلَةَ -بفتح الجيم والموحدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء وتشديد الواو- الأزدي العَتكي -بفتحتين- نسبة إلى العَتيك بَطْنٍ من الأزد، أبا عبد الرحمن المَرْوَزي الحافظ المشهور.
روى عن شُعْبة ومالكٍ وابنِ المبارك، ويروي عنه (خ م د ت س) والذُّهْليُّ وخَلْق.
قال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين في شعبان.
حالةَ كونه (يقولُ: سَمِعْتُ عبدَ الله بنَ المُبَارَكِ) بن واضح الحَنْظَلي مولاهم، أبا عبد الرحمن المروزي، أحدَ الأئمةِ الأعلام وشيوخ الإسلام.
روى عن حُمَيدٍ وإسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ وحُسَينٍ المُعَلم وسُلَيمَانَ التيمي وهشامِ بنِ عُرْوة وجماعاتٍ من التابعين، ويروي عنه (ع) والسفْيانان -وهما من شيوخه- ومُعْتَمِرٌ وابنُ مهدي وسعيدُ بن منصورٍ وجماعاتٌ من كبارِ العلماء وأئمة عصره.
وقد أَجْمَعَ العلماءُ على جلالتِهِ وإمامتِهِ وكبر محلِّه وعُلُوِّ مرتبتِه، قال ابنُ المبارك: كَتَبْتُ عن أربعةِ آلافِ شيخٍ فرَوَيتُ عن ألفِ شيخٍ.
стр. 259
يَقُولُ: الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ .. لَقَال مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
وَقَال مُحَمدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدثَنِي الْعَباسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ،
ــ
وقال ابنُ عُيَينَة: ابنُ المباركِ عالِمُ المشرقِ والمغربِ وما بينهما.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهد، جُمِعَتْ فيه خصالُ الخير (١)، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة.
حالة كونهِ (يقولُ: الإسنادُ) أي: رَفْعُ الحديثِ إلى راويه والقَوْلِ إلى قائله (من) حِفْظِ (الدِّينِ) والسنة والشريعة، (ولولا الإسنادُ) مشروطٌ في قَبُولِ الحديثِ عن راويه ( .. لَقَال مَنْ شاءَ) مِنْ أهلِ الأهواءِ والأغبياءِ (ما شَاءَ) من الأحاديثِ الموضوعةِ والأقاويلِ المُفْتَراةِ على رسول الله ﷺ ، مُسْتَدِلًا على شهواتهِ ومسالكِه الباطلةِ ومذاهبِه الزائغة، كما فعَلَه كثيرٌ من أهل البدَعِ والخُرافات.
وغَرَضُ المؤلِّفِ بِسَوْقِ هذا الأثَرِ: الاستدلال على الجزء الأَول من الترجمة كما مر آنفًا. وهذا الإسنادُ من ثُلاثياته في الأثرِ.
قال النووي: (وفيه لطيفةٌ غريبةٌ من لطائف الإسناد وهي: أن رجاله -أعني هؤلاء الثلاثةَ المذكورين: محمدًا وعَبْدان وابنَ المبارك- كلهم خُرَاسانِيون مَرْوَزِيُّون، وهذا قَل أنْ يَتفِقَ مِثْلُه في هذه الأزمان) (٢).
ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى المتابعة في أثَرِ عبد الله بن المبارك فقال:
(وقال) لنا (محمدُ بن عبد اللهِ) بن قُهْزَاذَ: (حَدثَني العَباسُ بن أي رِزْمَةَ) بكسر الراء وسكون الزاي، وفي "التقريب" يُقال: صوابُه عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، اليَشْكُري مولاهم، أبو محمد المَرْوَزِي ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين.
يروي عنه (د ت)، واسمُ أبي رِزْمة: غَزْوانُ، وليس في كتب الرِّجال: العباسُ بن أبي رِزْمة.
стр. 260
قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: بَينَنَا وَبَينَ الْقَوْمِ: الْقَوَائِمُ، يَعْنِي الإِسْنَادَ
ــ
(قال) عبدُ العزيزِ بن أبي رِزْمَةَ: (سَمِعْتُ عبدَ الله) بنَ المباركِ (يقولُ: بينَنا) معاشر المُحَدِّثين المتأخِّرين (وبينَ القومِ) السابقين، يعني الصحابةَ الذين نَقَلُوا الحديثَ من النبي ﷺ بلا واسطة (القوائمُ) أي: الوسائطُ الذين هُمْ مِثْلُ القوائمِ للحيوان؛ أي: مِثْلُ الأرجُلِ والأيدي التي يقومُ بها الحيوانُ، فكَمَا أنه لا يُمْكِنُ وجودُ الحيوانِ إلا بالقوائم .. لا يُمْكِنُ وصولُ الحديثِ إلينا إلا بواسطتهم، ففيه استعارة تصريحية، حيث استعارَ قوائمَ البهائمِ للرُّواة.
قال عبدُ العزيزِ بن أبي رزمَةَ: (يعني) عبدُ الله بن المباركِ بالقوائم: (الإسنادَ) أي: الرجال المُسلسلين بينه وبينَ الصحابةِ الناقلين عن النبي ﷺ .
وعبارةُ النووي هنا: (ومعنى هذا الكلام: إنْ جاء الحديثُ بإسنادٍ صحيحٍ .. قَبلْنَا حديثَهُ، وإلا .. تَرَكْنَاه، فجعل الحديثَ كالحيوان لا يقومُ بغيرِ إسنادٍ، كما لَا يقومُ الحيوانُ بغير قوائم) (١).
وعبارةُ السنوسى هنا: (جعل الحديثَ كالحيوانِ أو كالبيتِ لا يقومُ بغيرِ قوائم، وقوائمُ الحديثِ إسنادهُ) اهـ (٢).
قال النووي: (ثم إنه وَقَعَ في بعض الأُصول: "العَباسُ بن رزْمَة" (٣)، وفي بعضها: "العَبَّاسُ بن أبي رِزْمَةَ"، وكلاهما مُشْكِلٌ، ولم يَذْكر البُخاري في "تاريخه" وجماعة من أصحاب كتُبِ أسماء الرجال "العَباسَ بن رزْمَة"، ولا "العَباسَ بن أبي رِزْمة"، وإنما ذَكَرُوا عبد العزيز بن أبي رِزْمة أَبا محمد المَرْوَزِي، سمع عبد الله بن المبارك، ومات في المُحَرم سنة ست ومائتين، واسمُ أبي رِزْمَة: غَزْوَان، والله أعلم) اهـ (٤).
стр. 261
وَقَال مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالقَانِي
ــ
وغرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا السنَدِ: بيانُ متابعة عبد العزيز بن أبي رِزْمَةَ لعَبْدان بن عثمان في رواية هذا الأثَرِ عن عبد الله بن المبارك، وإنما كَرَّرَ المَتْنَ لِمَا في الرواية الثانية من المُخالفة للرواية الأُولى.
ورجالُ هذا السنَدِ ثلاثة أيضًا كُلُّهم مَرْوَزيُّون.
ثم ذَكَرَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثَرِ عبد الله بن المبارك ثانيًا فقال:
(وقال) لنا (محمدُ) بن عبد اللهِ بنِ قُهْزَاذَ: (سمعتُ أبا إسحاقَ إبراهيمَ) بنَ إسحاق (بنَ عيسى) البُنَاني مولاهم -بضم الباء وتخفيف النون- نِسْبة إلى بنانة من بني سَعْد بن لُؤَيّ بن غالب كما في "اللباب" (١/ ١٧٨) (١) (الطالقَانِي) بفتح الطاء، وسكون اللام وفتحها، وقاف، نسبة إلى طالقان: اسمِ بَلَدِ بين مَرْوَ الرُّوذ وبَلْخَ مما يلي الجبلَ من بلاد خُراسان، وإليها يُنْسَبُ إبراهيم هذا، وليس منسوبًا إلى طالقان قَزْوين، نزيل مَرْو، وربما نُسِبَ إلى جَده عيسى كما هنا في "صحيح مسلم".
روى عن ابن المبارك ومالكٍ والدَّرَاوَرْدي والوليدِ بن مسلم ومُعْتَمِرِ بنِ سُلَيمَانَ وابنِ عُيَينَة وغيرهم، ويروي عنه (د ت مق) وأحمدُ بن حنبل ويحيى بن مَعِين والحُسَينُ بن محمد البَلْخِي ومحمدُ بن عبد الله بن قُهْزَاذَ وعِدة.
قال ابنُ مَعِين: ثقةٌ، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وقال يعقوب بن شَيبة: ثقةٌ ثَبْت يقولُ بالإرْجاء، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابنُ حِبان في "الثقات": يُخْطِئُ ويُخَالِفُ، وقال إبراهيم بن عبد الرحمن الدارمي: روى عن ابن المبارك أحاديثَ غرائبَ.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يُغرب، من التاسعة، مات بمَرْوَ سنة خمس عشرة ومائتين. وغَرَضُه بسَوْقِ هذا السند: بيانُ متابعةِ الطَالقاني لعَبْدان بن عثمان.
стр. 262
قَال: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرحْمنِ؛ الْحَدِيثُ الذِي جَاءَ: "إِن منَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ: أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيكَ مَعَ صَلاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ"، قَال: فَقَال عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إسْحَاقَ؛ عَمنْ هَذَا؟ قَال: قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ،
ــ
(قال) أبو إسحاق: (قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ) الحنظلي المَرْوزيّ: (يا أبا عبد الرحمنِ) كُنْية عبد الله بن المبارك (الحديثُ) مبتدأ (الذي جاء) ورُويَ عن النبي ﷺ ، والموصولُ صفة للمبتدإ؛ أي: رُويَ عن النبي ﷺ بلَفْظِ: ("إن من البِرِّ) الكامل المطلوبِ، والإحسانِ الجميل المندوب لك أيها الإنسانُ (بعدَ البِر) والخيرِ الذي فَعَلْتَهُ لنفسك، والجازُ والمجرورُ في قوله: (إن من البِر) خبر مُقَدم لإن، واسمُها المصدرُ المُنْسَبِكُ من جملةِ قوله: (أنْ تُصَلِّيَ) الصلاةَ الشرعيةَ المندوبةَ (لأبَويكَ) أي: لوالِدَيكَ (مَعَ صَلاتكَ) الصلاةَ الشرعيةَ لنفسك، أو المرادُ بالصلاةِ: الصلاةُ اللغوية وهي الدعاءُ، وهذا لا خلافَ فيه في مطلوبيته.
(و) إن من البر بعدَ البِر أنْ (تَصُومَ لهما) أي: للوالدَين الصومَ الشرعي (مَعَ صَوْمكَ") لنفسِكَ، أو المعنى: إن من البِر للوالدَينِ بعدَ موتهما -بعدَ البِرِّ والإحسان إليهما في حياتِهما- أنْ تُصَلِّي لهما مع صلاتك وتصومَ لهما مع صَوْمِك، وخبرُ المبتدإ في قوله: (الحديثُ الذي جاءَ) محذوف تقديرُه: الحديثُ الذي جاءَ عن النبي ﷺ بهذا اللفظ هل هو صحيح أم لا؟ فأجابه بقوله: ليس بصحيحٍ في ضِمْنِ قوله: (قال يا أبا إسحاق ... ) إلخ.
(قال) أبو إسحاق: (فقال) لي (عبدُ اللهِ) بن المباركِ في الجواب: (يا أبا إسحاقَ؛ عَمَّنْ) رُويَ (هذا) الحديثُ؟ (قال) أبو إسحاق: (قلتُ له) أي: لعبدِ اللهِ بنِ المبارك: (هذا) الحديثُ (من حديثِ شِهابِ بنِ خِرَاشٍ) بالخاء المعجمة المكسورة؛ أي: من حديثٍ رواه شِهَابُ بن خِرَاشِ بنِ حَوْشَبٍ الشيباني أبو الصَّلْتِ الواسطي، ابنُ أخي العَوام بن حَوْشَب، نزل الكوفة.
стр. 263
فَقَال: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَال: قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، قَال: ثِقَةٌ، عَمنْ؟ قَال: قُلْتُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَال: يَا أَبَا إِسْحَاقَ؛ إِن بَينَ الْحَجاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَينَ النبي ﷺ مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلكِنْ لَيسَ فِي الصدَقَةِ اخْتِلافٌ
ــ
قال في "التقريب": له ذِكْرٌ في مقدمة مسلم، صدون يُخْطِئُ، من السابعة، يروي عنه (د).
(فقال) عبدُ اللهِ بن المبارك لأبي إسحاق: شِهَابُ بن خِراشٍ هو (ثِقة) في نفسه فـ (عَمنْ) رَوَى شهابٌ هذا الحديثَ وعمَّنْ أخَذَ منه؟ (قال) أبو إسحاق: (قلتُ) لعبدِ اللهِ بنِ المبارك: شِهَابُ بن خِرَاشٍ رَوَى هذا الحديثَ (عن الحَجاجِ بنِ دِينارِ) الواسطي.
قال في "التقريب": لا بأسَ به، وله ذِكْر في مقدمة مسلم، من السابعة، يروي عنه (د ت سي ق).
(قال) عبدُ اللهِ: حَجَّاجُ بن دينارٍ هو (ثِقَةٌ) في نفسه فـ (عَمَّنْ) رَوَى هذا الحديثَ؟ (قال) أبو إسحاق: (قلتُ) لعبدِ اللهِ بنِ المباركِ: فإنه يقولُ في راويته (قال رسولُ اللهِ ﷺ بلا ذِكْر واسطةٍ بينَه وبينَ رسولِ الله ﷺ ! (قال) عبدُ اللهِ بن المبارك: (يا أبا إسحاقَ؛ إن بينَ الحَجاج بن دينارِ وبينَ النبي ﷺ مَفَاوزَ) أي: مسافاتٍ بعيدةً (تَنْقَطعُ) وتعجزَ (فيها) أي: في تلك المَفَاوزِ (أعناقُ المَطِي) أي: أعناقُ الإبلِ المركوبَةِ عن مَدِّها الذي يَحْصُلُ لها عند النشاط وتَنْثَنِي وَتعْطِفُ؛ لعَجْزِهَا عن السيرِ لطول المسافة.
والأعناقُ: جمعُ عُنُقٍ، وهو الرقبة، والمَطِي: المركوبُ سواء كان من إبلٍ أو غيرِها، والأكثرُ استعمالُها في الإبل، سُمِّيَتْ مَطِيَّةً لأنها تُطْوَى بها المسافةُ في السير.
فليس هذا الحديثُ بصحيحٍ؛ لانقطاعِ سَنَده، فلا يَصِح الاحتجاجُ به على صِحةِ الصلاةِ للوالدَينِ أو الصومِ لهما (ولكنْ ليس في) وُصُولِ ثوابِ (الصدَقَةِ) عنهما إليهما وانتفاعِهما بها (اختلاف) ونِزَاعٌ بين المسلمين؛ لثبوتِ جواز التصدقِ عنهما بالنص الصحيح.
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال النووي: (معنى هذه الحكايةِ: أنه لا يُقْبَلُ الحديثُ إلا بإسنادٍ صحيحٍ.
وقولُه "مَفَاوزَ": جمعُ مَفَازَةٍ، وهي الأرضُ القَفْرُ البعيدةُ عن العمارةِ وعن الماء التي يُخَافُ الهلاكُ فيها.
قيل: سُمِّيَتْ مَفَازَةً للتفاؤُلِ بسلامةِ سالِكها كما سمّوا اللدِيغَ سليمًا، وقيل: لأن مَنْ قَطَعَهَا .. فازَ ونجا، وقيل: لأنها تُهْلِكُ صاحبَها، يقال: فَوزَ الرجلُ إذا هَلَكَ.
ثُمَّ إن هذه العبارةَ التي استعملها هنا استعارة حَسَنة، وذلك لأن الحَجاجَ بنَ دينارٍ هذا من تابعي التابعين، فأقَلُّ ما يُمْكِنُ أن يكون بينَهُ وبينَ النبي ﷺ اثنان: التابعي والصحابيُّ، فلهذا قال "بينهُما مَفَاوزُ" أي: انقطاع كثير.
وأمَّا قولُه: "فليس في الصدَقَةِ اختلافٌ" فمعناه: أن هذا الحديث لا يُحْتَج به ولكنْ مَنْ أرادَ بِرَّ والديهِ .. فليتصدق عنهما؛ فإن الصدقة تَصِلُ إلى الميت، ينتفعُ بها بلا خلافٍ بين المسلمين؛ وهذا هو الصواب.
وأما ما حكاه أقضى القُضاةِ أبو الحسن المَاوَرْدِي البصري الفقيهُ الشافعي في كتابه "الحاوي" عن بعض أصحاب الكلامِ مِنْ أن الميتَ لا يَلْحَقُه بعد موته ثواب .. فهو مذهبٌ باطلٌ قَطْعًا، وخَطَأٌ بيِّن مُخَالِف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا التفاتَ إليه ولا تعريجَ عليه.
وأما الصلاةُ والصومُ: فمذهبُ الشافعي وجماهيرِ العلماء: أنه لا يَصِلُ ثوابُهما إلى الميت، إلا إذا كان الصومُ واجبًا على الميت فقَضَاهُ عنه وَليه أو مَنْ أذِنَ له الوَلي .. فإن فيه قولَينِ للشافعي، أشهرُهما عنه: أنه لا يَصِح، وأصَحهما عند مُحَقِّقي متأخري أصحابهِ: أنه يصِح، وستأتي المسألةُ إنْ شاء الله تعالى في كتاب الصيام.
وأمَّا قراءةُ القرآنِ: فالمشهورُ من مذهب الشافعي أنه لا يصِلُ ثوابُها إلى الميت، وقال بعضُ أصحابِه: يصِل ثوابُها إلى الميت، وذَهَبَ جماعاتٌ من العلماء إلى أنه يصِلُ إلى الميت ثوابُ جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءةِ وغير ذلك.
وفي "صحيح البخاري" في "باب مَنْ مات وعليه نَذْرٌ" (١): أن ابنَ عُمَرَ أمَرَ مَنْ
стр. 265
(٨) بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُواةِ الْحَدِيثِ ونَقَلَةِ الأَخْبَارِ وَقَوْلِ الأَئِمةِ فِي ذَلِكَ
ــ
مَاتَتْ أمُّها وعليها صلاة أنْ تُصَلِّي عنها.
وحكى صاحبُ "الحاوي" عن عطاء بنِ أبي رَبَاح وإسحاقَ بنِ رَاهُويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت، ومال الشيخُ أبو سَعْدٍ عبدُ الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه "الانتصار" إلى اختيارِ هذا.
وقال الإمام أبو محمدٍ البَغَويُّ من أصحابنا في كتابه "التهذيب": لا يَبْعُدُ أنْ يُطْعَم عن كل صلاةٍ مُدٌّ من طعام، وكُل هذه المذاهب ضعيفةٌ، ودليلُهم: القياسُ على الدُّعاء والصدقةِ والحجِّ، فإنَّها تَصِلُ بالإجماع.
ودليلُ الشافعيِّ ومُوافقِيهِ: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ وقولُ النبي ﷺ : "إذا مات ابنُ آدمَ .. انْقَطَعَ عملهُ إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ أو عِلْم يُنتفَعُ به أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له".
واختلف أصحابُ الشافعيِّ في ركعتي الطواف في حَج الأجير هل تَقَعَانِ عن الأجيرِ أم عن المستأجر؟ والله أعلم) اهـ من "النووي" رحمه الله تعالى (١).
(٨) باب الكشف عن معايب رواة الحديث ونقلة الأخبار وقول الأئمة في ذلك
أي: هذا بابٌ في الاستدلال على جواز كَشْفِ وبيانِ عُيُوبِ رُواةِ الحديث من الأُمور التي تُوجِبُ عدمَ قبولِ حديثهم وتَرْكَ الاحتجاجِ به، كالخَطَإ والغفلةِ والوَضْعِ والكَذِب والاختلاطِ والاضطرابِ ممَّا يُوجبُ ضَعْفَهم، كسَب الصحابة رضوان الله عليهم.
يُقال: كَشَفَ عن الشيء إذا بيَّنَه وأظْهَرَه للغير، والمَعَايِب: جَمْعُ مَعَاب، والمَعَابُ كالمَعَابة والمَعِيب، والعَابِ: الوَصْمَةُ والنقِيصةُ والرذيلة.
وبابُ بيانِ حالِ نَقَلَةِ الأخبارِ وحُمَّالِ الآثارِ ورُوَاةِ الأحاديث من الضبْط والإتقان والحِفْظِ والثباتِ، ممَّا يُوجِبُ صِحَّةَ حديثهم وقَبُولَه وقُوَّتَهُم في أنفسهم، والنَّقَلَةُ:
стр. 266
وَقَال مُحَمد: سَمِعْتُ عَلِي بْنَ شَقِيقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ عَلَى رُؤوسِ النَّاسِ: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ؛
ــ
جمعُ ناقِل ككَامِلٍ وكَمَلَة، وهو: مَنْ يَنْقُلُ الحديثَ ويرويه عن غيرِه، وبيانِ قول أئمةِ الحديث وحُفَّاظِه ونُقَّادِه في ذلك؛ أي: في كَشْف وبيانِ معايب الضعفاء والمتروكين من رُواة الحديث.
ثم استدل المؤلِّفُ على الترجمة بقول عبد الله بن المبارك فقال:
(وقال) لنا (محمدُ) بن عبد اللهِ بنِ قُهْزَاذَ المَرْوَزِي: (سمعتُ عَلِي) بنَ الحَسَنِ (بنَ شَقِيقِ) بن دينار بن مِشْعَب العبدي مولاهم -شُهِرَ بنِسْبَتِه إلي جَده شَقِيق- أبا عبد الرحمن المروزي، أحَدَ المشايخِ المشهورين.
روى عن الحُسَينِ بن واقد وابنِ المبارك وعبدِ الوارث بن سعيد وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وابنُ مَعِين ومحمدُ بن عبد اللهِ بنِ قُهْزَاذَ وخَلْق، قال أحمدُ: لم يكن به بأس، رَجَعَ عن الإرجاء.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: قبل ذلك.
حالةَ كونِه (يقولُ: سمعتُ عبدَ الله بنَ المُبَارَكِ) بن واضح المَرْوَزِي، حالةَ كونهِ (يقولُ على رؤوس الناسِ) وأعيانِهم وأشرافِهم وعلمائِهم: (دَعُوا) أيها المُحَدِّثُون، أمْرٌ من وَدَعَ بمعنى تَرَكَ؛ أي: اتْرُكُوا أيُها الناسُ (حديثَ عَمْرِو بنِ ثابتٍ) هو عَمْرو بن ثابت بن هُرْمُز البكريُّ أبو محمد الكوفي، وهو عَمْرُو بن أبي المقدام الحَداد، مولى بَكْر بن وائل.
روى عن أبيه وأبي إسحاق السَّبِيعي والأعمشِ وغيرِهم، وذَكَرَ أنه رأى راعيًا رأى النبي ﷺ ، ويروي عنه أبو داود الطيالسي ويحيى بن أبي بُكَيرٍ ويحيى بن آدم وعبدُ اللهِ بن صالح العِجْلِي وسعيدُ بن منصورٍ وآخرون.
قال الحَسَنُ بن عيسى: تَرَكَ ابنُ المبارك حديثَه، وقال هَنَادُ بن السَّرِي: لم يُصَلِّ عليه ابنُ المبارك، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيفُ الحديث، وزاد أبو حاتم: كان رديءَ الرأْيِ شديدَ التشيع.
стр. 267
فَإِنهُ كَانَ يَسُبُّ السلَفَ.
[٣٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النضْرِ بْنِ أَبِي النضْرِ،
ــ
وقال الآجُرِّيُّ عن أبي داود: رافضي خبيث.
وتوفي في خلافة هارون سنة اثنتين وسَبْعِين ومائة، وبالجملة فهو مُتفَق على ضَعْفِهِ.
أي: سمعتُ ابنَ المبارك يقول: اتْرُكُوا أيها الناسُ روايةَ حديثِ عَمْرِو بنِ ثابتٍ الكوفي (فإنه) أي: فإنَّ عَمْرَو بنَ ثابتٍ رافضي خبيث من شِرَارِ الناس؛ لأنه (كان يَسُب) ويَشْتِمُ (السلَفَ) الصالحَ من الصحابة والتابعين، فسَب السلفِ من أسباب الجَرْح، فلا ترْوُوا حديثَه؛ فإنه غيرُ مقبول.
ورُوَاةُ هذا الأثَرِ كُلُّهم مرْوَزِيُون، وغَرَضُه: الاستدلالُ به على جوازِ كَشْفِ معايب الرُّواة والتحذيرِ عن رواية أحاديث الضعفاء، وعلى وجوب الرواية عن الثقات بطريق المفهوم، وعلى قول الأئمة فيهم، فدَلَّ على أجزاء الترجمة كُلها.
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لأثَرِ عبد الله بن المبارك بالنظر إلى الجزء الثاني من الترجمة، وهو بيانُ حالِ نَقَلَةِ الأخبار بأثَرِ القاسمِ بن عُبَيد الله فقال:
[٣٣] (وحَدثني أبو بكرِ) كنيتُه اسمُه على المشهور، وقال عبدُ اللهِ بن أحمد الدَّوْرَقِي: اسمُه أحمد، وقال الحافظُ أبو القاسم ابنُ عساكر: اسمُه محمد (١) الحافظُ البغدادي (بن النضْر بنِ أبي النضْر) هاشم بن القاسم.
قال النووي: (هكذا وَقَع في الأُصول: "أبو بكر بن النضْر بن أبي النضْر" منسوبًا إلى أبيه النضْر، وأكثرُ ما يُستعمل "أبو بكر بن أبي النضْر" منسوبًا إلى جَدّه أبي النضْر، واسمُ أبي النضْرِ: هاشمُ بن القاسم، ولَقَبُهُ قَيصَر (٢)).
روى عن جَدِّه أبي النضْر ومحمد بن بِشْر وحَجاج بن محمد وغيرهم، ويروي عنه
стр. 268
قَال: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثنا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةَ
ــ
(م ت س) وأبو قُدامة السرخسيُّ وابنُ أبي خيثمة وأبو يَعْلَى والسَّرَّاجُ -وقال: سألتُه عن اسمِه فقال: اسمي وكُنْيتي أبو بكر- وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقة، من الحادية عشرة، وقال السراجُ: مات سنة خمسٍ وأربعين ومائتين.
(قال) أبو بكر: (حَدَّثني) جَدِّي (أبو النَّضْرِ هاشمُ بن القاسمِ) بن مسلم بن مقسم الليثي مولاهم، الحافظُ البغدادي، مشهور بكُنْيته ولَقَبُه: قَيصَر) كما مَر آنفًا، خُراساني الأصل.
روى عن شُعْبَةَ (١) وابن أبي ذئب وحَرِيزِ بنِ عثمان وعكرمة بنِ عَمَّارٍ ووَرْقَاء بن عُمر وزُهَيرِ بنِ معاوية والليثِ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وابنُه أو حفيدُه أبو بكر بن أبي النضْر وأحمدُ بن حَنبل وإسحاقُ بن رَاهُويه وعلي بن المَديني ويحيى بن مَعِين وآخرون، قال العِجْلِي: ثِقةٌ صاحبُ سُنَّة، كان أهلُ بغداد يَفْخَرُون به.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ، من التاسعة، مات سنة سبعٍ ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.
قال أبو النضْر: (حَدثنا أبو عَقِيلٍ) بفتح العين وكسر القاف، يحيى بن المتوكل الضريرُ المدنيُّ، وقيل: الكوفي (صاحبُ بُهَيةَ) ومولاها.
قال النوويُّ): (ضَعَّفَهُ يحيى بن مَعِين وعليُّ بن المَدِيني وعَمْرُو بن علي وعثمانُ بن سعيدِ الداري وابنُ عَمَّارٍ والنسائي، ذَكَرَ هذا كُله الخطيبُ البغداديُّ في "تاريخ بغداد" (١/ ١٠٩ - ١١٠) بأسانيده عن هؤلاء) اهـ (٢).
وقال في "التقريب": ضعيفٌ، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومائة.
يروي عنه (من د).
و(بُهَيَّة) هذه بضم الباء الموحدة وفتحِ الهاء وتشديد الياء، تصغير بَهْيَة بفتح الباء
стр. 269
قَال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ
ــ
وسكون الهاء وفتح الياء المخففة، وهي امرأة تَرْوي عن عائشة أُم المؤمنين ﵂، وهي التي سَمَّتْهَا بهذا الاسم، ذَكَرَه أبو علي الغَسَّاني في "تقييد المهمل" (١/ ١١٤) و (٢/ ٣٤٩)، وكانتْ مولاةً لها، وكان أبو عَقِيل هذا مولى بُهَيَّة، فرَوَى عنها وعُرِفَ بها فنُسِبَ إلى صُحْبَتِها، وقد خَرجَ عنها أبو داود (١).
وفي "تهذيب التهذيب" (١٢/ ٤٠٥): بُهَيَّة مولاةُ أبي بكر، رَوَتْ عن عائشة في الاستحاضة، وعنها أبو عقيل، قلتُ: قال ابنُ عَمار: ليستْ بحُجَّة.
قال النووي: (فإنْ قيلَ: فإذا كان حالُ أبي عَقِيل الضعْفَ فكيف رَوَى له مسلم؟ فجوابه من وجهين:
أحدُهما: أنه لم يذكره أصلًا ومقصودًا بل ذَكَرَه استشهادًا لما قبله.
والثاني: أنه لم يَثْبُتْ جَرْحُه عنده مُفَسرًا، ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ عنده إلا مُفَسرًا.
وقيل: يُقْبَلُ مطلقًا.
ثالثها: يُقبل من العالِم وإنْ لم يَذْكُرِ السَّبَبَ بخلاف غيره) اهـ بزيادة من السنوسي (٢).
ولعلَّ تقييدَ المؤلِّفِ له بـ (صاحبِ بُهَيَّة) احتراز عن أبي عَقِيلٍ -بفتح العين أيضًا- الدَّوْرَقيِّ اسمه بَشِير بن عُقْبَة الناجي السَّامي البصري؛ فإنه ثِقةٌ من السابعة، روى عن مجاهدٍ والحَسَنِ، ويروي عنه (خ م) والقَطَّانُ والأصْمَعِي.
(قال) أبو عَقِيل: (كنتُ) أنا (جالسًا) أي: قاعدًا (عندَ القاسمِ بنِ عُبَيدِ اللهِ) ابنِ عَبْدِ الله بن عُمر بن الخَطَّاب العُمري أبي محمد المدنيِّ.
روى عن أبيه وعَمِّه سالم، ويروي عنه (م س) ويحيى بن المتوكل أبو عقيل وعاصمُ بن محمد، وَثَّقَهُ ابنُ حِبَّان.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من السادسة، مات في حدود الثلاثين ومائة.
стр. 270
وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَال يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؛ إِنهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ أَنْ تُسْألَ عَنْ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا فَرَجٌ،
ــ
(و) عندَ (يحيى بنِ سعيدِ) بن قيس الأنصاري النجاري أبي سعيدٍ المدني القاضي.
روى عن أنسِ بن مالك وأبي سلمة بنِ عبد الرحمن وسعيدِ بنِ المُسَيّب والقاسمِ بن محمد وغيرهم، ويروي عنه (ع) والزهْرِيُّ -وهو من شيوخه- والأوزاعي ومالك والسُّفْيانانِ والحَمَّادان وخلائق، قال ابنُ سَعْد: كان ثقةً كثيرَ الحديثِ حُجَّةً ثَبْتًا.
وقال في "التقريب": من الخامسة، مات سنة أربعٍ وأربعين ومائة أو بعدها.
(فقال يحيى) بن سعيدٍ الأنصاري (للقاسمِ) بنِ عُبَيد الله العُمَرِي: (يا أبا مُحَمدٍ) وهي كُنْيَةُ القاسمِ كما مَر آنِفًا، سَماه بالكُنْيَة إكرامًا له؛ لأنَّ الخِطابَ بها خطابٌ بصيغة الإكرام كما هي العادةُ المعروفةُ.
(إنه) أي: إن الشَّأنَ والحال، وقولُه: (قبيحٌ) مبتدأ ليس له خبرٌ، بل اكْتَفَى بمرفوعه، وهو صفةٌ مشبهةٌ عَمِلَتْ فيما بعدها الرفعَ؛ لاعتمادِها على مخبر عنه من القُبْحِ، وهو ضِد الحُسْن.
(على مِثْلِكَ) متعلِّق بقَبيح.
وقولُه: (عظيم) صفةٌ لقَبيح، وجملةُ قوله: (أنْ تُسْألَ عن شيء من أمْرِ هذا الدينِ) الإسلاميّ في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على الفاعلية لـ (قَبِيح) أي: إن الشَّأْنَ والحال قبيحٌ عظيم علي مِثْلِكَ، وعارٌ كبيرٌ وعَيبٌ شَنِيع أنْ تُسْألَ وتُسْتَفْتَى عن حُكْمِ من أحكام هذا الدِّين، وتُسْتَخْبَرَ عن أمرٍ من أُمُور هذا الدين (فلا يُوجَدَ) ولا يَحْصُلَ (عندَك) يا أبا محمد جواب (منه) أي: من ذلك الأمرِ الذي سُئِلْتَ عنه ولا يكون عندك (عِلْم) ومعرفةٌ بذلك الأمْرِ الذي هو من أُمُور هذا الدّين الإسلامي فروعًا وأُصولًا، كتابًا وَسُنَّةً.
(ولا فَرَجٌ) أي: ولا كَشف وحَل لمشكلاتِه بالجواب الشافي والدليل الكافي.
والفاءُ في قوله: (فلا يُوجَدَ) عاطفةُ للجملة الفعليةِ على جملةِ قوله: (تُسْأل) على كَونها مرفوعةً للمبتدإ الذي هو (قَبِيحٌ)، وجملةُ المبتدإ في محلّ الرفع خبرِ إن،
стр. 271
أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ، قَال: فَقَال لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَ ذَاكَ؟ قَال: لِأَنكَ ابْنُ إِمَامَي
هُدَىً، ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ،
ــ
والتقديرُ: يا أبا محمّدٍ؛ إنّه عار عظيم وعَيبٌ شديدٌ كونك مسؤولًا عن أمْرٍ من أُمور هذا الدِّين وعن حُكْمٍ من أحكامه فعدم وجدان عِلْمه عندك، وعدم حلّ مشكلاته منك.
(أو) قال يحيى بن سعيدٍ بَدَلَ قوله: (عِلْم ولا فَرَج): فلا يُوجَد عندك منه (عِلْم ولا مَخْرَج) أي: فلا يُوجَد عندك سَبَبُ مَخْرَجٍ من مُشكلاته، وهو الجوابُ الكافي والحَلُّ الشافي، و (المَخْرَج) مصدرٌ ميمي بمعنى الخروج؛ أي: سبب خروج من مشكلاته وجهله وهو الجواب الوافي، والبيان الصافي، والشك من أبي عَقِيل فيما قاله يحيى بن سعيدٍ من كلمتَي (فَرَج) و (مَخْرَج)، والمعنى واحد.
(قال) أبو عَقِيل -وفي بعض النُّسَخ إسقاطُ (قال) من هنا- (فقال له) أي: ليحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (القاسمُ) بن عُبَيد الله مُسْتَفْهِمًا عن سبب كون ذلك عَيبًا عنده: (وعَمَّ) أي: ولأجْلِ ما (ذاك؟ ) أي: كون عدم وجدان عِلْم أو مَخْرجٍ منه عندي عَيْبًا عظيمًا على مثلي، وعَمَّ قلتَ ذلك الكلام؟
وقولُه: (عَمَّ) جارٌّ ومجرورٌ خبر مُقَدَّم لـ (ذاك)، و (ما) استفهامية حُذِفَتْ ألِفُها؛ فَرْقًا بينها وبين ما الموصولة إذا دَخَل عليها حرفُ الجَر، نظيرُ قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
(وذاك): اسمُ إشارةٍ للمفرد المذكر القريب أو المتوسّطِ في محل الرفع مبتدأ مؤخر وجوبًا؛ لكون الخبر مما يلزمُ الصدارة؛ أي: كون ذلك المذكور عيبًا على مثلي بأي سبب ولأجلّ أيّ عِلّة؟
(قال) يحيى بن سعيدٍ: وإنما كان عَدَمُ وجدانِ عِلْمٍ أو مَخْرَجٍ منه عَيبًا عظيمًا على مِثْلِكَ (لأنّك) يا أبا محمّدٍ (ابن إمامَي) ورئيسي (هُدىً) هذا الذين وأحكامه وابنُ مرجعَيْ مشكلات هذا الدين.
وقولُه: (ابنُ أبي بكرٍ) الصديق (و) ابن (عُمَرَ) بن الخطاب بواسطةِ والدَيْكَ: بدلٌ من (ابنُ إمامَي هُدى)، بدلَ تفصيلٍ من مُجْمَل.
стр. 272
قَال: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيرِ عِلْم، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيرِ ثِقَةٍ،
ــ
قال القرطبي: (إنما صَحَّت النسبتانِ على القاسم لأن أباه هو عُبَيدُ اللهِ بن عبد الله بن عُمر، وأُمه هي ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر، وباسم جَدِّه هذا كان يُكنى، فعُمَرُ جَدُّه لأبيه الأعلى، وأبو بكرٍ جَده الأعلى لأُمه، فصَدَقَتْ عليه النِّسْبتان) (١).
(قال) أبو عَقِيل: (يقول له) أي: ليحيى الأنصاري (القاسمُ) أي: يقول القاسمُ ليحيى، فالمضارعُ هنا بمعنى الماضي، وعَبَّرَ بالمضارع حكايةً للحال الماضية، والمعنى: قال أبو عَقِيل: فقال القاسمُ ليحيى في الجواب: (أقْبَحُ) واللهِ وأشْنَعُ (من ذاك) الذي قُلْتَه من كَوْنِ فِقْدانِ فَرَجٍ ومَخْرَجٍ وجوابٍ لمَا سُئِلْتُ عنه عندي قَبيحًا، وقوله: (أقْبَحُ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، وأتَى بالقَسَم تَأكيدًا للكلام، وقولُه: (من ذاك) مُتَعَلِّقٌ بأقْبَحَ، وكذلك قولُه: (عندَ مَنْ عَقَلَ) وعَرَفَ معرفةً حَقَّةً صادقةً صادرةً (عنِ اللهِ) .. متعلِّق به.
والمصدرُ المُنْسَبِكُ عن جملة قوله: (أنْ أقولَ) وأُفتيَ وأُحَدِّثَ وأُجِيبَ (بغيرِ عِلْم) جازمٍ ومعرفةٍ يقينيةٍ .. مبتدأ مؤخر، والتقدير: وقولي في جوابِ ما سُئِلْتُ عنه منَ أمْرِ هذا الذين بغير عِلْمٍ ومعرفةٍ عندي، وجوابي عنه بغير دليلٍ من الكتاب والسُّنَّة .. أشَدُّ قُبْحًا وأشَدُّ شَناعَةً وأخوفُ عُقوبةً من قُبْحِ عدم وجْدانِ الجواب عندي عندَ مَنْ عَرَف بحُكْمِ شَرْعِ الله تعالى معرفةً صادرة عن معرفة كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رسوله ﷺ ؛ لدخولي حينئذٍ في وعيد قوله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعمدًا .. فليتبوأْ مقعدَه من النار"؛ لأني إنما أُجيبُ حينئذٍ بادعاء معرفة كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رسوله ﷺ ، وليس عندي معرفتُهما، فأكون حينئذ كاذبًا على رسوله ﷺ ، فيكون ذلك الوعيدُ منطبقًا عَلَيَّ، ولأن قولَ المَرْء فيما لا يعْلَمُ: (واللهُ أعلمُ) من مَئِنةِ عِلْمِه.
وقولُه: (أو آخُذَ عن غيرِ ثِقَةٍ) معطوفٌ على (أنْ أقولَ)، فهو في تأويلِ مصدرٍ
стр. 273
قَال: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَه.
[٣٤] وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِي، قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ يَقولُ: أَخْبَروني عَنْ أَبي عَقِيلٍ صَاحِبِ بُهَيّةَ:
ــ
معطوفٍ على مصدرٍ منسبكٍ من جملةِ (أنْ أقولَ)، والتقديرُ: وقولي في جوابِ ما سُئِلْتُ عنه من أمر هذا الذين بغير شبهة علم، أو أخذي ما هو شبهة علم عن غير ثقةٍ مأمون، فجوابي به ذلك السؤال أقْبَحُ عندَ مَنْ عَقَلَ عن الله من ذاك؛ أي: من قبح عدم وجْدان جواب ما سُئلت عنه من أمر هذا الذين عندي؛ لكوني ابنَ إمامَيِ الهدى والشريعة؛ لأنَّ العِلْمَ ليس بالنَسَب بل بالتعلُّم.
(قال) أبو عَقِيل: (فَسَكَتَ) يحيى بن سعيد.
وقولُه: (فما أجَابَهُ) تأكيد لقوله: (فَسَكَتَ) أي: فما أجاب يحيى للقاسم بن عُبَيد الله شيئًا من الكلام، ولا رَد عليه كلامَه، بل سكت عنه.
وغَرَضُ المؤلِّف بسَوْقِ هذا الأثَرِ: الاستشهادُ لأثَرِ عبد الله بن المبارك الدال بمفهومه على أن هذا العِلْمَ لا يُؤْخَذُ إلا عن ثقةٍ حيث قال: (دَعُوا حديثَ عَمْرِو بنِ ثابتٍ ... ) إلخ، ورجالُ هذا الأثرِ أربعة: بغداديان ومدنيان.
ثم ذكر المؤلّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ لأثَرِ القاسم بن عُبَيد الله فقال:
[٣٤] (وحَدثني بشْرُ بن الحَكَمِ) بن حبيب بن مِهْران بكسر الميم (العَبْدِي) أبو عبد الرحمن النيسابوري الزاهدُ الفقيهُ.
روى عن مالكٍ وهُشَيم وابن عُيَينَةَ وجماعةٍ، ويروي عنه (خ م س) والحَسَنُ بن سفيان وخَلْق.
قال في "التقريب": ثقة زاهدٌ فقيه، من العاشرة، مات سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومائتين.
(قال) بِشْرُ بن الحَكَمِ: (سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة) بن ميمون الهلالي أبا محمدٍ الأعورَ الكوفي ثم المكيَّ، أحدَ الأئمة الأعلام -قد تقدَّم البسط في ترجمته فرَاجِعْها- أي: قال بِشْرُ بن الحَكَم: سمعتُ سفيانَ حالةَ كَوْنه (يقول: أخْبَروني) أي: أخْبَرَني الناسُ (عن أبي عَقِيل صاحبِ بُهَيَّة) ومولاها، واسمه يحيى بن المتوكل.
стр. 274
أَنَّ ابْنًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ سَألوهُ عَنْ شَيءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَال لَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِني لأُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيِ الْهُدَي -يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ-
ــ
قال النوويُّ: (وأما قولُ سفيان في الرواية الثانية: "أخْبَرُوني عن أبي عَقِيل" فقد يُقال فيه: هذه رواية عن مجهولين فكيف أدخله مسلم في جامعه؟ فيُجابُ عنه: بأن هذا في المُتابعة، والمتابعةُ وكذا الاستشهادُ يَذْكُرُون فيهما مَنْ لا يُحْتَج به على انفراده؛ لأنَّ الاعتمادَ في الاستدلال على ما قبلهما لا عليهما) اهـ بتصرف (١).
(أن ابْنًا لعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) وهو القاسمُ بن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبد الله بن عُمَر، وفي بعض النُّسَخ: (أن أبناءً) بصيغة الجَمْع وهو تحريف من النُّسَّاخ (٢) (سألوه) أي: سأل الناسُ ذلك الابنَ (عن شيء) أي: عن أمرٍ من أُمورِ الدِّين (لم يَكُنْ عندَه) أي: عندَ ذلك الابنِ (فيه) أي: في ذلك الشيءِ (عِلْم) ومعرفة (فقال له) أي: لذلك الابنِ الذي لم يكن عنده عِلْم بذلك الشيء الذي سُئِلَ عنه (يحيى بن سعيد) الأنصاريُّ: (واللهِ) أي: أقسمتُ بالله الذي لا إله إلا هو (إنّي) أنا (لأعظِمُ) بضمِّ الهمزة مضارع لأَعْظَمَ الرباعي؛ أي: إني لأعُد عيبًا عظيمًا (أنْ يكونَ مِثْلُكَ) من أولادِ العُلماء الكبارِ والأصحابِ الأخيار (وأنتَ) أي: والحالُ أنك (ابنُ إمامَيِ الهُدَى) وقُدْوتَي الشريعة (يعني) يحيى بن سعيدٍ. ويَقْصِدُ بإمامَيِ الهُدَى: (عُمَر) بنَ الخَطَّابِ الذي هو جَدُّه الأعلى من جهة الأب (و) عبدَ اللهِ (بنَ عُمَرَ) بنِ الخَطَّابِ الذي هو جَدُّه الأقربُ من جهة الأب أيضًا.
قال النووي: (وأما قولُ يحيى في الرواية الأُولى للقاسم بن عُبَيدِ الله: "لأنَّكَ ابنُ إمامَي هُدىً، ابنُ أبي بكرٍ وعُمَرَ" ﵄، وفي الرواية الثانية: "وأنْتَ ابْنُ إمامَيِ الهُدَى يعني عُمَرَ وابن عُمَرَ" ﵄ .. فلا مُخالفَة بينهما، فإن
стр. 275
تُسْألُ عَنْ أَمْر لَيسَ عنْدَكَ فيه علْمٌ؟ ! فَقَال: أَعْظَمُ منْ ذَلكَ وَالله عنْدَ الله وَعنْدَ مَنْ عَقَلَ عَن الله أَنْ أَقُولَ بغَير علْم، أَوْ أُخْبرَ عَنْ غَير ثقَة،
ــ
القاسم هذا هو ابنُ عُبَيد الله بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب فهو ابنُهما، وأُمُ القاسم هي أُمُّ عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، فأبو بكر جَده الأعلى لأُمه، وعُمَرُ جَده الأعلى لأبيه، وابنُ عُمَرَ جَده الحقيقي لأبيه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين) اهـ (١).
وجملةُ قوله: (تُسْألُ) أنتَ يا قاسمُ، -وفيه التفاتٌ أو (مثْلُ) مقحمٌ- (عن أمْر) أي: عن حُكْم من أحكام هذا الذين (ليس عندَك) يا قاسمُ (فيه) أي: في ذلك الأمْر (علْمٌ) ومعرفة بذلك الأمر: خبر ليس، والمعنى: أقسمتُ بالله! إني لأَعُدُّ وأحْسبُ عَيبًا وعارًا قبيحًا أنْ يكونَ مثْلُك مسؤولًا عن أمرٍ ليس عنده فيه علْمٌ فتجهل؛ أي: كَوْن مثْلك مسؤولًا عن أمْر هذا الذين فجاهلًا فيه، وقيل: (المثْلُ) مُقْحَمٌ في قوله: (أنْ يكونَ مثْلُكَ) نظير قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمثْله شَيءٌ﴾، والمعنى عليه واضح، أي: والله إني لأُعْظمُ أنْ تكونَ مسؤولًا عن أمْر هذا الذين فتجهل فيه والحالُ أنك ابنُ إمامَي الهُدى والشريعة.
(فقال) القاسمُ ليحيى: (أَعْظَمُ من ذلك) الذي قُلْتَ عيبا وأشَد عَارًا (والله عندَ الله) (وعنْدَ مَنْ عَقَل) وعَرَفَ معرفةَ صادرةً (عن الله) ، وقولُه: (أَعْظَمُ) مبتدأٌ أو خبرٌ مُقَدمٌ للمصدر المُنْسَبك من جملة قوله: (أنْ أقولَ بغير علْم) أي: أَعْظَمُ من ذلك الذي قُلْتَ عقوبةً عند الله تعالى وأشَد عارًا عندَ مَنْ عَقَل عن الله تعالى قولي وجوابي عن ذلك الأمر الذي سُئلْتُ عنه بغير شبهة علْم ولا مُسْتَنَد دليل؛ أي: جوابي عنه برَأْيٍ مَحْضٍ وظَن لا مُسْتَنَدَ له.
(أو أُخْبِرَ) في جواب سؤال ذلك الأمر بشبهة علم صادرةٍ (عن غير ثقَة) مأمونٍ وعَدْل ضابطٍ موثوقٍ؛ لأن في الأول إنشاءَ أمْرٍ لم يكن من الذين، وفي الثاني كَذبًا على رسول الله ﷺ ، وهما أشَد عقوبةً عند الله تعالى وأعْظَمُ عارًا عند
стр. 276
قَال: وَشَهدَهُمَا أَبُو عَقيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكل حينَ قَالا ذَلكَ.
[٣٥] وَحَدثنا عَمْرُو بْنُ عَلي أَبُو حَفْصٍ،
ــ
الناس من إظهار جَهْلي فيما سُئلْتُ عنه من أمْر هذا الدّين؛ لأن النَّسَبَ ليس مَنَاطَ العلْم بل مَناطُهُ التعلمُ.
قال بِشْر بن الحَكَمِ: (قال) لي سفيانُ بن عُيَينَة: (وشَهدَهُما) أي: وحَضَرَ عند يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ والقاسم بن عُبَيد الله (أبو عَقيلٍ يحيى بن المُتَوَكِّل) صاحبُ بُهَيَّة (حين قالا) أي: حين قال الأنصاري والقاسمُ بن عُبَيد الله وتَكَلَّمَا (ذلك) الكلامَ المذكورَ سابقًا، وهذا السَّنَدُ من رُباعياته: واحد منهم نيسابوري، وواحدٌ مكي، واثنان مدنيان.
وغَرَضُ المؤلّف بسَوْق هذا الأثَر ثانيًا مَتْنًا وسَنَدًا: بيانُ متابعة سفيان بن عُيَينَة لهاشم بن القاسم في رواية هذا الأثَر عن أبي عَقيل، وأما تكرارُ المتن .. فلِمَا في الرواية الثانية من المخالفة للرواية الأُولى في بعض الكلمات زيادةً ونقصًا، فللمؤلّف رحمه الله تعالى غَرَضٌ في التكرار فلا اعتراضَ عليه، وفائدةُ هذه المتابعة بيانُ كثرة طُرُقِه فقط؛ لأن المُتَابع والمُتَابَعَ كلاهما ثقتان.
ثم استدل المؤلّف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة -وهو جوازُ جَرْحِ الرُّواة بما هو فيهم بالأثَر المأثور عن الأئمة الآتية فقال:
[٣٥] (وحَدثنا عَمْرُو بن عَلي) -وفي بعض النُّسَخ إسقاطُ الواو في (وحَدثنا) - ابن بَحْر بن كَنيزٍ بنون وزاي (أبو حَفْصٍ) الفَلَّاسُ (١) الصيرفي الباهلي البصريُّ الحافظُ، أحَدُ الأئمّة الأعلام.
روى عن مُعْتَمر بن سُلَيمان وابن عُيَينَة ويحيى بن سعيد القطان وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابنُ جريرٍ الطبريُّ وغيرُهم.
стр. 277
قَال: سَمعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعيدٍ قَال: سَالْتُ سُفْيَانَ الثَّوْريَّ وَشُعْبةَ وَمَالكا
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من العاشرة، مات سنة تسعٍ وأربعين ومائتين.
(قال) أبو حفص: (سمعتُ يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخَ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم خاء معجمة- التميمي أبا سعيدٍ القطانَ البصري الأحولَ، الحافظَ الحُجة، أحدَ أئمّة الجرح والتعديل.
روى عن سُلَيمَان التيمي وحُمَيدٍ الطويل ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ وهشام بن عُرْوة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبةُ وابنُ مهدي وأحمدُ وإسحاقُ وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقة مُتْقنٌ حافظ إمامٌ قُدْوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة.
(قال) يحيى القطَّانُ: (سألتُ سفيانَ) بنَ سعيد بن مسروق بن حبيب (الثوْري) أبا عبد الله الكوفي، أحَدَ الأئمة الأعلام.
روى عن زيادِ بن علاقة وحبيب بن أبي ثابت والأسود بن قيس وزيد بن أسْلَم وخلائق، ويروي عنه (ع) والأعمشُ وابنُ عجلان وشعبةُ ومالكُ بن أنسٍ وغيرُهم.
وقال في "التقريب": ثقة حافظ فقيه عابدٌ إمام حُجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دَلس، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.
وقولُه: (وشُعْبةَ) بنَ الحَجاج العتكي مولاهم، أبا بسْطام الواسطي البصري، أحَدَ أئمة الإسلام.
روى عن معاويةَ بن قُرَّة وأنس بن سيرين وثابتٍ البُنَانيّ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأيوبُ والثوري وابنُ المبارك وخلائق.
قال في "التقريب": ثقة حافظ مُتْقن، من السابعة، مات سنة ستين ومائة.
معطوف على (سفيانَ الثوْريَّ) وكذا ما بعدَه.
(ومالكًا) هو ابنُ أنس أبو عبد الله، الفقيهُ المدني، إمامُ دار الهجرة، وأَحَدُ أئمّة الإسلام.
стр. 278
وَابْنَ عُيَينَةَ عَن الرجُل لَا يَكُونُ ثَبْتًا في الْحَديث فَيَأتيني الرجُلُ فَيَسْألُني عَنْهُ، قَالُوا: أَخْبرْ عَنْهُ أَنهُ لَيسَ بثَبْتٍ
ــ
روى عن نافع ونعيم بن عبد الله وابن المُنكَدر وغيرهم، ويروي عنه (ع) والزُّهْري ويحيى الأنصاري وشعبةُ والثوريُّ.
وقال في "التقريب": من السابعة، بلغ تسعين سنةً، ومات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، ودُفن بالبقيع.
(و) سألتُ سفيانَ (بنَ عُيَينةَ) بن ميمون الهلالي أبا محمدٍ الأعورَ الكوفي ثم المكي، من الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.
أي: قال يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ: سألتُ هؤلاء الأئمّةَ الأربعةَ كُلهم عَمَّا أقولُ في جواب مَنْ سَألَني (عن) حال (الرجل) أي: عن حال الشخص الذي (لا يكون ثَبْتًا) متْقنًا (في) علْم (الحديث، فيأتيني الرجلُ) الآخَرُ (فيسألُني) ذلك الآخَرُ (عنه) أي: عن حال الرجل الأول هل هو ثَبْت في الحديث أم لا، فماذا أُخبر السائل؟ هل أكشفُ عن حاله نصيحةً للدّين، أم أستره خَوْفًا من الوقوع في الغيبة؟ (قالوا) أي: قال كُل من هؤلاء الأئمة الأربعة لي: (أَخْبر عنه) أي: أَخْبر السائل عن حال ذلك الرجل الضعيف، وبَيِّن له منزلتَه في علْم الحديث، واكْشفْ له عن حاله بقَصْد النصيحة والذبِّ عن الدِّين، لا بقَصْد الغيبة وإظهار معايبه، وأخْبرْهُ (أنّه) أي: أن ذلك الرجلَ المسؤولَ عنه (ليس بثَبْتٍ) ولا قَوي ولا مُتْقنٍ في الحديث لينْكَفَّ عن الرواية عنه.
قال القرطبي: (وفُتْيا سفيان الثوْري ومَنْ بعدَه هي التي يَجبُ العملُ بها، ولا يختلفُ المسلمون في ذلك، وحاصلُه: أن ذكْرَ مساوئ الراوي والشاهد القادحَة في عدالتهما وفي روايتهما أمْر ضروري فيَجبُ ذلك؛ فإنه إنْ لم يُفْعَلْ ذلك .. قُبلَ خَبَرُ الكَذَاب وشهادةُ الفاسق، وغُشَّ المسلمون، وفَسَدَت الدنيا والدِّين، ولا يُلْتَفَتُ لقَوْل غَبيٍّ جاهلٍ يقول: ذلك غيبة؛ لأنها وإنْ كانت من جنس الغيبة فهي واجبة بالأدلّة القاطعة والبراهين الصادعة، فهي مستثناةٌ من تلك القاعدة للضرورة الداعية) (١).
стр. 279
[٣٦] وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ الله بْنُ سَعيد، قَال: سَمعْتُ النضْرَ يَقُولُ: سُئلَ ابْنُ عَوْنٍ
ــ
وقد سَبقَ أن غَرَض المؤلف بسَوْق هذا الأثَر الاستدلالُ على الجزء الأخير من الترجمة، ورجالُه كُلُّهُم بصريون بالنظَر إلى شُعْبة، وأمَّا الثَّوْري فكُوفي، ومالك مَدَني، وابنُ عُيَينَةَ مَكيٌّ.
ثم استشهد المؤلفُ لأثر هؤلاء الأئمّة الأربعة بأثَر ابن عَوْنٍ فقال:
[٣٦] (وحَدثنا عُبَيدُ الله بن سعيد) بن يحيى اليَشْكُري مولاهم، أبو قُدامة السرخسي، نزيلُ نيسابور، الحافظُ.
روى عن ابن عُيَينَة وحفص بن غياث وأبي معاوية وخَلْق، ويروي عنه (خ م س) وابنُ خُزَيمة والسراج.
قال في "التقريب": ثقة مأمون سُني، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين.
(قال) عُبَيدُ الله: (سمعتُ النضْرَ) بنَ شُمَيل المازني أبا الحَسَن البصريَّ النحْوي نزيلَ مَرْوَ وشيخَها.
روى عن حُمَيدٍ الطويل وابن عَوْن وشعبةَ وهشام بن عُرْوة وابن جُرَيح وحَمَّاد بن سلمة وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) ويحيى بن يحيى النيسابوري وإسحاق بن رَاهُويه ويحيى بن مَعينٍ وعليُّ بن المَديني وإسحاقُ بن منصورٍ الكَوْسَجُ وغيرُهم، وثَّقَهُ النسائي وأبو حاتم وابنُ مَعين.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ، من كبار التاسعة، مات سنة أربعٍ ومائتين، وله اثنتان وثمانون سنة.
حالة كَوْن النَّضْر (يقولُ: سُئلَ) عبدُ الله (بن عَوْن) بن أرْطَبان -بفتح فسكونٍ ففتح- المزني مولاهم، أبو عَوْن البصري، أحدُ الأئمّة الأعلام.
روى عن عطاءٍ ومجاهد وسالم والحَسَن والشعْبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والثَّوْريُّ وابنُ عُلَيَّةَ ويحيى القطان وخلائق، قال ابنُ مهدي: ما أحد أعلم بالسُّنَّة بالعراق من ابن عَوْن، وقال رَوْح بن عُبادة: ما رأيتُ أعْبَدَ منه.
стр. 280
عَنْ حَديثٍ لشَهْرٍ وَهُوَ قَائمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَاب فَقَال: إن شَهْرًا نزكُوهُ، إن شَهْرًا نَزَكُوه.
قَال مُسْلمٌ ﵀:
ــ
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة على الصحيح.
ورجالُ هذا الأثَر ثلاثة: نيسابوري كوفي بصري، وكُلهم ثقات أثبات، وغَرَضُ المؤلِّف بذكْره: الاستشهادُ كما مَر.
(عن حديثٍ لشَهْر) بن حَوْشَب؛ أي: عن حال حديث منسوب لشَهْر بن حَوْشَب هل هو صحيح أم ضعيف؟ (وهو قائمٌ) أي: والحالُ أن شَهْرا قائم (على أسْكُفة الباب) أي: على عتبة دار ابن عَوْن.
قال النووي: (والأُسْكُفة -بضم الهمزة والكاف بينهما سين ساكنة وتشديد الفاء المفتوحة-: هي العَتَبةُ السفلى التي تُوطأ) (١).
(فقال) عبدُ الله بن عَوْنٍ وَشهْرٌ يسمعُه: (إن شَهْرًا) ابنَ حَوْشَب (نَزَكُوه) أي: نَزَكَه أهلُ الحديث، وطَعَنُوه وتَكَلَّمُوا فيه بالجَرْح، فكأنه يقول: طَعَنُوه بالنيزَك، وهو الرمْحُ القصير.
وقوله: (إن شَهْرًا نَزَكُوه) توكيد لفظي للجملة الأُولى.
وعبارةُ السنوسي هنا: (قولُه: (نزَكُوه) هو بالنون والزاي المفتوحتَين، ومعناه: طَعَنُوا فيه وتَكَلَّمُوا بجَرْحه، فكأنه يقول: طَعَنوه بالنيزَك -بفتح النون والزاي والياء المثناة من أسفل بينهما- وهو الرمْحُ القصير.
وهذه هي الروايةُ الصحيحةُ المشهورةُ، ورُويَ "تَرَكُوه" بالتاء الفوقية والراء المهملة وضَعَّفَهُ القاضي عيَاض (٢)، وقال غيره: هي تصحيف، وتفسيرُ مسلم الآتي يَرُدُّها) (٣) حيث (قال مسلمٌ ﵀ ، وقولُه هذا يُسَمَّى عند
стр. 281
يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسنَةُ الناس، تَكَلَّمُوا فيه
ــ
البديعيين تجريدًا، وهو أنْ يُجَرِّدَ المتكلِّمُ من نفسه شخصًا مُماثلًا له ويُخْبرَ عنه كأنّه غيرُه، أو (يقولُ: أَخَذَتْهُ ألسنةُ الناس تَكَلَّمُوا فيه) هو من كلام بعض رُواة جامعه عنه (يقولُ) أي: يُريدُ عبدُ الله بن عَوْنٍ بقوله: (نزكُوه): (أَخَذَتْه) أي: أَخَذَتْ شَهْرًا وَعَيَّبَتْه (ألسنةُ الناس) و (تكلمُوا فيه) أي: تَكَلمَ الناسُ في شَهْرٍ بالجَرْح وأسبابه.
قال النووي: (والألسنةُ: جمعُ لسان على لُغَةِ مَنْ جَعَلَ اللسانَ مذَكَّرًا، وأما مَنْ جَعَلَهُ مُؤَنَّثًا .. فجَمْعُهُ ألْسُن، قاله ابن قتيبة) (١).
وقال أيضًا: (ويَردُّ أيضًا روايةَ التاء: أن شَهْرًا ليس متروكًا، بل وَثَّقَه كثيرٌ من أئمة السلف كابن حَنْبلٍ وابن مَعينٍ، وقال أبو زُرْعة: لا بأسَ به، وقال الترمذي عن البُخَاريّ: "شَهْرُ بن حَوْشَبٍ حَسَنُ الحديث" (٢).
وأما ما ذُكِرَ من جَرْحِه أنه أخَذَ خريطةً من بيت المال .. فقد حَمَلَه العلماء المُحَقِّقُون على مَحْمَلٍ صحيحٍ، وقولُ أبي حاتم بن حبَّان (٣): "إنه سَرَق من رفيقه في الحج عَيْبةً" غيرُ مقبولٍ عند المحققين بل أنكروه، والله أعلم) اهـ (٤).
وأما ترجمته: فهو شَهْرُ بن حَوْشَب -بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة- مولى أسماء بنت يَزِيد بن السكن، أبو سعيد ويُقال: أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن وأبو الجَعد، الشامي الحمْصي -وقيل: الدمشقي- الأشعري، أَرْسَلَ عن مولاته أسماءَ وابن عَباسٍ وعائشة وأُمّ سلمة وجابرٍ وطائفةٍ، ويروي عنه (م عم) وقتادةُ وثابتٌ
стр. 282
[٣٧] وَحَدَّثنا حَجاجُ بْنُ الشَّاعر،
ــ
والحَكَمُ وعاصمُ بن بَهْدَلة، وَثَّقَهُ ابنُ مَعين وأحمدُ.
وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومائة.
وقال النوويُّ: (إنَّ شَهْرًا وَثَّقَهُ كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرُهم، فَممنْ وَثَّقَه أحمدُ بن حنبل ويحيى بن مَعين وآخرون، وقال أحمدُ بن حنبل: ما أحْسَنَ حديثَه! ووَثَّقَهُ، وقال أحمدُ بن عبد الله العجْلي: هو تابعيّ ثقة، وقال ابنُ أبي خيثمة عن يحيى بن مَعين: هو ثقَةٌ، ولم يذكر ابنُ أبي خيثمة غيرَ هذا، وقال أبو زرعة: لا بأسَ به، وقال الترمذي: قال محمدٌ يعني البُخَاري: شَهْرٌ حَسَنُ الحديث، وقَوَّى أمْرَه، وقال: إنما تَكَلَّمَ فيه ابنُ عَوْن، ثم روى عن هلال بن أبي زينب عن شَهْر، وقال يعقوبُ بن شيبة: شَهْرٌ ثقةٌ.
وقال صالحُ بن محمد: شَهْرٌ روى عنه الناسُ من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، ولم يُوقَفْ منه على كَذِب، وكان رجلا يَنْسُكُ -أي: يَتَعَبَّدُ- إلّا أنه روى أحاديثَ لم يَشْرَكْهُ فيها أحدٌ، فهذا كلامُ هؤلاء الأئمة في الثناء عليه) اهـ (١).
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى ثانيا بأثَر شُعْبَةَ فقال:
[٣٧] (وحَدثنا حَجاجُ بن الشاعر) وفي بعض النسخ: (وحَدثني).
قال النووي: (هو حَجَّاجُ بن يوسف بن حَجَّاج الثقفي، أبو محمد البغدادي المعروفُ بابن الشاعر، الحافظ الرحَّال، كان أبوه يوسفُ شاعرًا صَحبَ أبا نُواس، وحَجَّاجٌ هذا يُوافقُ الحَجَّاجَ بنَ يوسف بن الحكم الثقفي أبا محمد الواليَ الجائرَ المشهورَ بالظُّلْمِ وسَفْك الدِّماء، فيُوافقُه في اسمه واسم أبيه وكُنْيته ونَسَبه، ويُخَالفُهُ في جَدِّه وعَصْره وعدالته وحُسن طريقته) (٢).
روى عن يونس المؤدِّب ورَوْح بن عُبادة وأبي النَّضْر وأبي علي الحنفي وعبد الرزاق
стр. 283
حَدثنا شَبَابَةُ قَال: قَال شُعبَةُ: وَقَدْ لَقيتُ شَهْرًا فَلَمْ أَعْتَدَّ به.
[٣٨] وَحَدَّثَني مُحَمدُ بْنُ عَبْد الله بْن قُهْزَاذَ -منْ أَهْل مَرْوَ-
ــ
وشَبَابَة، ويروي عنه (م د) وقال (١): هو خيرٌ من مائة مثل الرمادي، ويروي عنه أيضًا المحاملي وابنُ أبي حاتم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسعٍ وخمسين ومائتين.
قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثنا شَبَابةُ) -بفتح الشين المعجمة وبالباءين الموحدتين- ابن سَوَّار أبو عَمْرو الفزَاري مولاهم، المدائني، أصلُه من خُراسان، قيل: اسمُه مروان وشَبَابَةُ لَقَبُه.
روى عن يونس بن أبي إسحاق وحريز بن عثمان، ويروي عنه (ع) وأحمد وعَبَّاس الدوري.
قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ رُميَ بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربعٍ أو خمس أو ستّ ومائتين.
(قال) شَبَابَةُ بن سَوَّار: (قال شُعْبةُ) بن الحَجاج العتكي البصريُ: (وقد لَقيتُ) أي: رأيتُ (شهْرًا) ابنَ حَوْشَب وعَلمْتُ حالهُ (فلم أَعْتد به) أي: فلم أهْتَمَّ برواية حديثه ولم أعْتَنِ به؛ لأنه ليس ممَّن يُكتب حديثه ولا ممَّن يُوثَقُ به في الحديث، ولم أحسب حديثَه من الأحاديث الصحيحة.
ورجالُ هذا السَّنَد ثلاثةٌ: واحدٌ منهم بغدادي، وواحدٌ مدائني، وواحد بصري.
وغرَض المؤلِّف منه: الاستشهادُ لمَا قَبله، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لمَا قبلَه بأثَر سفيان الثَّوْري فقال:
[٣٨] (وحَدَّثني محمدُ بن عبد الله بن قُهْزَاذَ) المَرْوَزي أبو جابرٍ، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومائتين (من أهل مَرْوَ) بلدةٍ عظيمةٍ بخُراسان.
стр. 284
قَال: أَخْبَرَني عَليُّ بْنُ حُسَين بْن وَاقدٍ، قَال: قَال عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَك: قُلْتُ لسُفْيَانَ الثوْري: إن عَبَّادَ بْنَ كَثير
ــ
(قال) محمدُ بن عبد الله: (أخبرني عَلي بن حُسَين بن وَاقدٍ) بقاف القُرَشي أبو الحَسَن المَرْوَزي.
روى عن أبيه وهشام بن سَعْد وابن المبارك، ويروي عنه (من عم) وسوَيد بن نَصْر وعلي بن خَشْرَم وغيرُهم، قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهمُ، من العاشرة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
(قال) علي بن حُسَين: (قال عبدُ الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن المَرْوَزي، أحدُ الأئمة الأعلام: (قلتُ لسفيانَ) بن سعيد بن مسروق (الثوْري) أبي عبد الله الكوفي أحَد الأئمة الأعلام: (إن عَبادَ بنَ كثيرٍ) الثقفي البصري.
روى عن أيوبَ السخْتياني ويحيى بن أبي كثير وعَمْرو بن خالد الواسطي وثابت البُناني وعبد الله بن طاوس وأبي الزبير وأبي الزناد وغيرهم، ويروي عنه إبراهيمُ بن طَهْمان وأبو خيثمة -وهما من أقرانه- وإسماعيلُ بن عَياش وغيرُهم.
قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوَأُ حالًا من الحَسَن بن عمارة وأبي شَيبة، رَوَى أحاديثَ كذب لم يَسْمَعْهَا، وكان صالحًا، قلتُ: فكيف روى ما لم يَسْمَعْ؟ قال: البَلَهُ والغَفْلَةُ (١).
وقال الدُّوري عن ابن مَعين: ضعيف الحديث وليس بشيء، وقال ابنُ أبي مريم
стр. 285
مَنْ تَعْرِفُ حَالهُ، وإذَا حَدَّثَ .. جَاءَ بأمْرٍ عَظيمٍ، فتَرَى أَنْ أَقُولَ للناس: لَا تأخُذُوا عَنْهُ؟ قَال سُفْيَانُ: بَلَى، قَال عَبْدُ الله: فَكُنْتُ
ــ
عن ابن مَعِين: لا يُكتب حديثه، وقال ابنُ أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة، ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكارٌ، وعن أبي زُرْعة: لا يُكتب حديثه، كان شيخًا صالحًا، لا يضبط الحديث.
وذَكَرَه البخاري في "الأوسط" (٢/ ٨١) في فصل: مَنْ مات ما بين الأربعين إلى الخمسين ومائة، وقال: سكتوا عنه، وقال العجْلي: ضعيفٌ متروكُ الحديث، وكان رجلا صالحًا.
- وقال في "التقريب": من السابعة، مات بعد الأربعين ومائة، وروى عنه (د ق).
ورجالُ هذا السَّنَد أربعةٌ، ومن لطائفه: أن رجاله كُلهم مَرْوَزيُّون إلا سفيان الثوْري فهو كوفي.
(مَنْ تَعْرِفُ حالهُ) وضَعْفَه، بالتاء المُثَنَّاة فوقُ خطابًا لسفيان، يعني أنتَ عارفٌ بضَعْفه. (وإذا حَدَّثَ) للناس حديثًا ( .. جاءَ) عَبادٌ (بأمر عظيم) أي: بكَذبٍ عظيمٍ وافتراءٍ شديدٍ، فهو لا يَتَوَرَّعُ عن الكَذب ولا يُبالي في حديثه أَصَدَقَ أم كَذَب، أَ (فَتَرَى) يا سفيانُ، بتقدير همزة الاستفهام من الرأْي؛ أي: أفتَعْتَقدُ رَأْيًا سديدًا وقولًا حقًّا (أنْ أقولَ للناس) الذين يَرْوُون عنه الحديثَ (لا تَأخُذُوا) أيها الناس (عنه؟ ) أي: عن عَبَّاد بن كثير، ولا تَرْوُوا عنه الأحاديثَ؛ لأنه ليس من أهل الحديث؛ لئلّا يَغْتَرُوا بحديثه ويَضِلُّوا به، نصيحةً لهم وذَبًّا عن الذين وحفْظًا للسُّنَّة المطَهَّرة.
(قال سفيانُ) الثوْري: (بلى) أي: نَعَمْ أرى ذلك رأيا سديدًا وقولا حقًّا، (بَلَى) هنا بمعنى (نَعَمْ) التي للتصديق لا لنفي النفي؛ لعدم سبقها بالنفي.
قال عليُّ بن الحُسَين: (قال) لنا (عبدُ الله) بن المبارك: (فكنتُ) أنا بعد ذلك