٦٠٥ - (٢٧٣)(١١٩)(٨٣) حدَّثنا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ أُمَّ سُلَيمٍ حَدَّثَتْ؛
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث أم سليم رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦٠٥ - (٢٧٣)(١١٩)(٨٣) (حدثنا عباس بن الوليد) بن نصر النَّرْسِي بفتح النون وسكون الراء بعدها مهملة أبو الفضل البصري مولى باهلة ابن عم عبد الأعلى بن حماد، روى عن يزيد بن زريع في الوضوء وأبي عوانة والحمادين، ويروي عنه (خ م س) وأبو يعلى، قال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال ابن معين: صدوق، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين. قال النواوي: (قوله عباس بن الوليد) بالباء الموحدة والسين المهملة وصحفه بعض الرواة لكتاب مسلم فقال عياش: بالياء التحتانية والشين المعجمة وهو غلط صريح فإن عياشًا بالمعجمة هو عياش بن الوليد الرَّقَّام البصري، ولم يرو عنه مسلم شيئًا، وروى عنه البخاري، وأما عباس بالمهملة فهو عباس بن الوليد البصري النَّرْسيّ، روى عنه البخاري ومسلم جميعًا، وهذا مما لا خلاف فيه وكان غلط هذا القائل وقع له من حيث إنهما مشتركان في الأب والنسب والعصر، والله أعلم اهـ منه. قال (حدثنا يزيد بن زريع) بزاي مصغرًا التيمي العيشي بتحتانية أبو معاوية البصري، روى عن سعيد بن أبي عروبة، ويروي عنه عباس بن الوليد، وثقه أبو حاتم وابن معين، وقال الزهري عن عفان: كان أثبت الناس، وقال إبراهيم بن محمد بن عرعرة: لم يكن أحد أثبت من يزيد بن زريع، وقال في التقريب: ثقة ثبت من (٨) مات سنة (١٨٢) روى عنه في (١٢) بابا، قال (حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري ثقة مدلس مختلط من (٦) مات سنة (١٥٦) روى عنه في (٧) أبواب (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه، قال ابن حبان في الثقات: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه ومن حفاظ أهل زمانه، وقال في التقريب: ثقة ثبت رأس الطبقة الرابعة مات كهلا سنة (١١٧) روى عنه في (٢٥) بابا (أن أنس بن مالك) الأنصاري أبا حمزة البصري (حدثهم) أي حدث لقتادة ومن معه وهو بمعنى حدثنا (أن أم سليم) بنت ملحان الأنصارية أم أنس (حدثت) لهم. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم بصريون إلا أم سليم فإنها مدنية
стр. 2312
أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ. فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ فَلْتَغتَسِلْ" فَقَالتْ أُمُّ سُلَيمٍ: وَاسْتَحْيَيتُ مِنْ ذَلِكَ. قَالت: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَال نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ. فَمِنْ أَينَ يَكُونُ الشَّبَهُ. إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ. وَمَاءَ الْمَرْأةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلا، أَوْ سَبَقَ، يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ"
ــ
(أنها سألت نبي الله ﷺ عن) غسل (المرأة) التي (ترى في منامها ما يرى الرجل) أي مثل ما يرى الرجل في منامه من الحلم (فقال رسول الله ﷺ إذا رأت ذلك) أي مثل ما يرى الرجل في منامه من الحلم وأنزلت المني، والرؤية حُلْمِيَّة، واسم الإشارة مفعول مقدم للاهتمام به، وقوله (المرأة) فاعل مؤخر أي إذا رأت المرأة مثل ذلك وأنزلت (فلتغتسل) من الجنابة لأنها أجنبت بالاحتلام، وقوله (فقالت أم سليم) تحريف من النساخ، والصواب (فقالت أم سلمة) لأن السائلة هي أم سليم والرادة عليها هي أم سلمة في هذا الحديث، وقوله (واستحييت من ذلك) الذي سألت عنه أم سليم من مقول أم سلمة، وقوله (قالت) أم سلمة، والصواب أيضًا فقلت عطفًا على استحييت أي قالت أم سلمة واستحييت أنا من ذلك الذي سألته أم سليم فقلت لرسول الله ﷺ منكرة على أم سليم (وهل يكون) ويوجد (هذا) الذي سألت عنه أم سليم يا رسول الله من احتلام المرأة إنزالها المني (فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة (نعم) يوجد ذلك المذكور من احتلامها وإنزالها المني إن لم يكن لها مني (فمن أين يكون الشِّبْهُ) بكسر الشين وسكون الباء، وفتح الشين والباء لغتان كما يقال مِثْلُ ومَثَلُ أي إن لم يكن للمرأة مني فمن أي سبب حصل شبه الولد لها فإذًا لها مني فإذا كان لها مني فإنزاله وخروجه منها ممكن (إن ماء الرجل) ومنيه (غليظ) أي ثخين (أبيض) ينعقد منه العظام والأعصاب (وماء المرأة) أي منيها بالنصب أو بالرفع (رقيق أصفر) ضد مني الرجل ينعقد منها العروق واللحوم والشعور (فمن أيهما) أي فباي الماءين ماء الرجل وماء المرأة (علا) أي غلب وكثر (أو سبق) إلى الرحم، وأو للتقسيم وقيل للشك (يكون منه الشبه) أي يكون شبه الولد به، قال ملا علي قوله (فمن أيهما علا) أي فالمني من أيهما غلب فيما إذا وقع منيهما في الرحم معًا، وقوله (أو سبق) أي مني أيهما وقع في الرحم قبل وقوع مني صاحبه فأو للتقسيم لا للترديد. اهـ.
стр. 2313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القرطبي: أي فمن أجل علو أو سبق أحدهما يكون الشبه ويحتمل أن تكون من زائدة على قول بعض الكوفيين أنها تزاد في الإثبات فيكون أيهما مبتدأ ويحتمل أن تكون أو شكًّا من بعض الرواة وأن تكون للتنويع أي أي نوع كان منهما كان منه الشبه (وسبق) أي بادر بالخروج.
قال النواوي: قوله (فقالت أم سليم واستحييت) هكذا هو في الأصول، وقال أبو علي الغساني: هكذا هو في أكثر النسخ أم سليم، وفي بعضها أم سلمة وهو المحفوظ من طرق شتى، وقال القاضي عياض: هذا هو الصواب لأن السائلة هي أم سليم والرادة عليها أم سلمة في هذا الحديث وعائشة في الحديث المتقدم، ويحتمل أن عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا عليها، وإن كان أهل الحديث يقولون الصحيح هنا أم سلمة لا عائشة، والله أعلم.
قوله (فمن أين يكون الشبه) معناه أن الولد مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة فأيهما غلب كان الشبه له وإذا كان للمرأة مني فإنزاله وخروجه منها ممكن، قوله (إن ماء الرجل غليظ أبيض) .. الخ قال القرطبي: وما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر واعتدال الحال وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض. اهـ. وعبارة النواوي: وهذه صفته في حال السلامة وفي الغالب، قال العلماء: مني الرجل في حال الصحة أبيض ثخين يتدفق في خروجه دفقة بعد دفقة يخرج بشهوة ويتلذذ بخروجه وإذا خرج استعقب خروجه فتورًا ورائحة كرائحة طلع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العجين، وقيل تشبه رائحته رائحة الفصيل، وقيل إذا يبس كانت رائحته كرائحة البول فهذه صفاته الغالبة، وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يَسْتَقِلُّ بكونه منيًّا، وذلك بأن يمرَضَ فيصير منيه رقيقًا أصفر، أو يسترخي وعاء المني فيسيل من غير التذاذ وشهوة، أو يستكثر من الجماع فيحمر ويصير كماء اللحم وربما خرج دمًا عبيطًا، وإذا خرج المني أحمر فهو طاهر موجب للغسل كما لو كان أبيض، ثم إن خواص المني التي عليها الاعتماد في كونه منيًّا ثلاث؛ أحدها: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، والثانية: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع كما مر آنفًا، والثالثة: الخروج بزريق ودفق ودفعات وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيًّا ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم يحكم بكونه منيًّا وغلب على الظن كونه ليس بمني هذا كله في مني الرجل، وأما مني المرأة فهو
стр. 2314
٦٠٦ - (٢٧٤)(١٢٠)(٨٤) حدَّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيدٍ. حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ : عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ؟ فَقَال: "إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ،
ــ
أصفر رقيق وقد يَبْيَضُّ لفضل قوتها، وله خاصيتان يعرف بواحدة منهما؛ إحداهما: أن رائحته كرائحة مني الرجل، والثانية: التلذذ بخروجه وفتور شهوتها عقب خروجه، قالوا: ويجب الغسل بخروج المني بأي صفةٍ وحالٍ كان. اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث عن أم سليم أحمد [٣/ ٢٨٢].
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
٦٠٦ - (٢٧٤)(١٢٠)(٨٤) (حدثنا داود بن رشيد) مصغرًا الهاشمي مولاهم أبو الفضل البغدادي، قال الدارقطني: ثقة نبيل، وقال في التقريب: ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٩) روى عنه في (٧) أبواب، قال (حدثنا صالح بن عمر) الواسطي ثم الحلواني (١) روى عن أبي مالك الأشجعي في الوضوء وعاصم بن كليب، ويروي عنه (م) وداود بن رشيد فرد حديث في مسلم وعلي بن حجر وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وثَّقه أبو زرعة، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن معين: هو ثقة، ووثقه ابن الأعرابي وابن نمير، روى عنه في (١) باب واحد باب الوضوء، قال (حدثنا أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق بن أشيم الكوفي ثقة من (٤) مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٦) أبواب (عن أنس بن مالك) الأنصاري أبي حمزة البصري خادم رسول الله ﷺ . وهذا السند من رباعياته رجاله واحد منهم بصري وواحد كوفي وواحد واسطي وواحد بغدادي (قال) أنس (سألت امرأة) لم أر من ذكر اسمها (رسول الله ﷺ عن) حكم (المرأة) التي (ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه) من الحلم هل يجب عليها الغسل أم لا؟ (فقال) رسول الله ﷺ مجيبًا لها (إذا كان) وَوُجِدَ (منها ما يكون من الرجل) أي مثل ما يكون من
стр. 2315
فَلْتَغْتَسِلْ".
٦٠٧ - (٢٧٥)(١٢١)(٨٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُم سَلَمَةَ؛ قَالتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيمٍ إِلَى النبِيِّ ﷺ : فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن اللهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
ــ
الرجل في منامه يعني إذا خرج منها المني (فلتغتسل) من جنابتها لأنها صارت بخروج المني منها جنبًا مثل الرجل لأنهن شقائق، فلهن مثل ما للرجال، وعليهن مثل ما على الرجال في أغلب الأحكام، وهذا الحديث تفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى كما في تحفة الأشراف.
قال النواوي: قوله (فلتغتسل) معناه إذا خرج منها المني فلتغتسل كما أن الرجل إذا خرج منه المني اغتسل، وهذا من حُسْنِ العشرة ولطف الخطاب واستعمال اللفظ الجميل موضع اللفظ الذي يُسْتَحْيَا منه في العادة. اهـ.
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس الأول ثالثًا بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦٠٧ - (٢٧٥)(١٢١)(٨٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) أبو زكرياء النيسابوري قال (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي ثقة من (٩) مات سنة (١٩٥) روى عنه في (١٤) بابا (عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي أبي المنذر المدني ثقة حجة من (٥) روى عنه في (١٦) بابا (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور من (٣) مات سنة (٩٤) روى عنه في (٢٠) بابا (عن زينب بنت أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومية صحابية مشهورة ماتت سنة (٧٣) روى عنها في (٩) أبواب (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية زوج النبي ﷺ واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة، ماتت سنة (٦٢) روى عنها في (١٠) أبواب. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نيسابوري (قالت) أم سلمة (جاءت أم سليم) بنت ملحان أم أنس رضي الله تعالى عنهن (إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله) إلا يستحيي من الحق) أي لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه أو
стр. 2316
فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ. إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" فَقَالتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَال: "تَرِبَتْ يَدَاكِ. فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا"
ــ
لا يمتنع من بيان الحق بضرب المثل بالبعوضة وشبهها، فكذا أنا لا أمتنع من سؤال عما أنا محتاجة إليه، وإنما قالت هذا اعتذارًا بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحيي النساء في العادة من السؤال عنه وذكره بحضرة الرجال. اهـ نووي. قال الأبي: قدمت هذا تمهيدًا للعذر في ذكرها ما يستحيا منه وهو أصل فيما يضعه الكُتَّابُ من التمهيدات بين يدي ما يُذْكَرُ بعد لأن العذر إذا تقدم أدركت النفس المعتذر سالمًا من العيب ولو تأخر لم يأت إلا وقد تأثرت النفس، فتقدم العذر مانع من العيب وتأخره رافع، يقال استحيا بياء قبل الألف يستحيي بياءين ويقال أيضًا يستحي بياء واحدة في المضارع، قال القاضي عياض: ومعنى لا يستحيي من الحق لا يبيح الحياء في الحق، وقيل معناه: إن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق أي إن من حكم الله أن لا يستحي أحد من الحق استفتاء وإفتاء، قال الأبي: وإنما احتيج في الآية إلى التأويل لأن التقييد بالحق يقتضي بحسب المفهوم أنه يستحي من غير الحق، والحياء: تغير وانكسار يلحق من فعلِ أو تركِ ما يعاقب عليه أو يذم، وذلك على الله سبحانه مُحَالٌ، والمراد بالحق ضد الباطل وأرادت بالحق ما دعت الحاجة إلى ذكره من احتلام المرأة.
(قلت): والأسلم الذي هو مذهب السلف ونعتقده في معنى الآية إن الله سبحانه لا يُوصف بالحياء في بيان المثل ببعوضة وشبهها، والحياء صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها كما ثبتت في الأحاديث الصحيحة والآيات الكريمة، وقد بسطنا الكلام عليها في تفسيرنا بما لامزيد عليه فراجعه (فهل على المرأة من كسل) من زائدة في المبتدأ (إذا احتلمت) أي إذا رأت الحُلُمَ في النوم (فقال رسول الله ﷺ نعم) عليها غسل (إذا رأت الماء) أي أنزلت المني في ذلك الحلم (فقالت أم سلمة) زوج النبي ﷺ راوية الحديث ففيه التفاتٌ من التَّكَلُّم إلى الغيبة لأن مقتضى السياق فقلت (يا رسول الله) أَ (وَتحتلم المرأة) وترى الماء بتقدير همزة الاستفهام (فقال) رسول الله ﷺ (تربت يداك) أي افتقرت يداك ولصقت بالتراب، تقدم ما فيه من البحث في الحديث المار (فبم) أي فبأي سبب (يشبهها ولدها)
стр. 2317
٦٠٨ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
ــ
إذا لم يكن لها مني فالمرأة كالرجل لها مني كما مر التصريح بذلك في الحديث المار، قال الأبي: قولها (وتحتلم المرأة) يدل على أنها لم تكن عَلِمَتْ ذلك إذ ليس كل النساء تحتلم، وقال أيضًا: الاحتلام لغة هو رؤية اللذة في النوم أنزلت أم لا، وهو في العُرف الإنزال، فسؤالها إن كان عن الاحتلام لغة فجوابه برؤية الماء تخصيص فلا تغتسل إذا رأت أنها احتلمت ولم تنْزِل وهي في هذا كالرجل، وإن سألت عنه عُرفًا فجوابه بذلك بيان للحكم. اهـ.
قال النواوي: ففي الحديث دلالة على أنه ينبغي لمن عرضت له مسألة أن يسأل عنها ولا يمتنع من السؤال عنها حياء من ذِكْرِها، فإن ذلك ليس بحياء حقيقي لأن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير بل هو شر فكيف يكون حياءً، وقد تقدم إيضاح هذه المسألة في أوائل كتاب الإيمان، وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٦/ ٢٩٢ و ٣٠٢] والنسائي [١/ ١١٢].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أم سلمة ﵂ فقال:
٦٠٨ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة من (١٠) (وزهير بن حرب) بن شداد الحَرَشِيُّ أبو خيثمة النسائي ثقة من (١٠) (قالا حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة من (٩) (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني أبو عبد الله المكي، وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: صدوق من (١٠) مات سنة (٢٤٣) قال (حدثنا سفيان) بن عيينة بن ميمون الهلالي مولاهم أبو محمد الكوفي ثقة مدلس من (٨) مات سنة (١٩٨) وقوله (جميعًا) حال من وكيع في السند الأول وسفيان في السند الثاني، أي قال كل منهما حالة كونهما مجتمعَينِ في الرواية (عن هشام بن عروة) الأسدي أبي المنذر المدني، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع،
стр. 2318
مِثْلَ مَعْنَاهُ. وَزَادَا: قَالتْ: قُلْتُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ.
٦٠٩ - (٢٧٦)(١٢٢)(٨٦) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيبِ بْنِ اللَّيثِ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيلُ بْنُ خَالِدٍ
ــ
واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع وقوله (مثل معناه) مفعول ثان لما عمل في المتابع، والضمير عائد إلى المتابَع المذكور في السند السابق، والتقدير حدثنا وكيع وسفيان جميعًا عن هشام بن عروة بهذا الإسناد يعني عن أبيه عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مثل معنى حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة وزاد لفظ مثل تأكيدًا لاتحاد الروايتين في المعنى (و) لكن (زادا) وفي بعض النسخ إسقاط ألف التثنية أي زاد كل من وكيع وسفيان على أبي معاوية كلمة (قالت) أم سلمة (قلت) لأم سليم حين سألت رسول الله ﷺ عن حكم احتلام المرأة (فضحت) أنت يا أم سليم (النساء) في شؤونهن أي كشفت أسرارهن فيما يكتمنه من الحاجة إلى الرجال لأن ذلك الاحتلام يدل على شدة حاجتهن إلى الرجال. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو مكيان أو كوفي ونسائي، وغرضه بسوقه بيان متابعة وكيع وسفيان لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان زيادتهما.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أنس بحديث عائشة ﵄ فقال:
٦٠٩ - (٢٧٦)(١٢٢)(٨٦) (وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي بفتح الفاء وسكون الهاء نسبة إلى فهم بن عمرو مولاهم أبو عبد الله المصري ثقة من (١١) مات سنة (٢٤٨) روى عن أبيه وابن وهب في الإيمان والوضوء والفتن وغيرها، قال عبد الملك (حدثني أبي) شعيب بن الليث بن سعد الفهمي أبو عبد الملك المصري ثقة فقيه من (١٠) مات سنة (١٩٩) (عن جدي) ليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبي الحارث المصري، قال ابن بكير: هو أفقه من مالك، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من (٧) مات سنة (١٧٥) روى عنه في (١٥) بابا، قال (حدثني عُقَيل) مصغرًا (ابن خالد) ابن عَقِيل بفتح أوله مكبَّرًا الأموي مولاهم مولى عثمان بن عفان أبو خالد المصري ثقة ثبت من (٦) مات سنة (١٤٤) روى عنه في ثلاثة
стр. 2319
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيمٍ، (أُمَّ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ)، دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ. غَيرَ أَنَّ فِيهِ قَال: قَالتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: أُفٍّ لَكِ، أَتَرى الْمَرْأَةُ ذَلِكِ؟
ــ
أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني ثقة من (٤) مات سنة (١٢٥) (أنه) أي أن ابن شهاب (قال أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي أبو عبد الله المدني (أن عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ﷺ أخبرته) أي أخبرت لعروة بن الزبير. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون وثلاثة مدنيون (أن أم سليم) سهلة بنت ملحان أم أنس (أم بني أبي طلحة) الأنصاري (دخلت على رسول الله ﷺ وسالتي ابن شهاب عن عروة بن الزبير (بمعنى حديث هشام) عن عروة عن زينب عن أم سلمة، وهذا الكلام مخالف لاصطلاحاته لأن مثل هذا لا يقول في الشواهد إنما يقوله في المتابعات، وما هنا من الشواهد، لأن راويَي الحديثين مختلفان لأن راوي الأول أم سلمة وراوي هذا عائشة (غير أن فيه) أي لكن أن في حديث ابن شهاب (قال) عروة (قالت عائشة فقلت لها) أي لأم سليم (أُت لك) أي قبحًا لك ولما قلت (أترى المرأة) أي هل ترى المرأة في منامها (ذلك) الحلم والإنزال، والاستفهام للإنكار بمعنى النفي أي ما ترى ذلك وما يُعْقَلُ منها، وفي الأبي قوله (أم بني أبي طلحة) كذا في أكثر الأصول، قال القاضي ولابن الحداد (امرأة أبي طلحة) وكل صحيح لأن أبا طلحة تزوجها بعد مالك بن النضر والد أنس فولدت لأبي طلحة أبا عمير ومات صغيرًا وعبد الله وهو الذي حنكه النبي ﷺ ودعا له فكبر، وإخوته عشرة كلهم حمل عنهم العلم، ومنهم إسحاق الفقيه كل ذلك بركة دعائه ﷺ ، قوله (أَوَ ترى المرأة ذلك) وهذا يدل على أنها لم تكن علمت ذلك إذ ليس كل النساء يحتلم كما تقدم في أم سلمة لاسيما وكانت عائشة صغيرة، قوله (أف لك) قال النواوي: معناه استحقارًا لك ولما تكلمت به، وهي كلمة تستعمل في الاحتقار والاستقذار والإنكار، قال الباجي: والمراد بها هنا الإنكار، وأصل الأف وسخ الأظفار، وفيها عشر لغات ضم الهمزة مع الحركات الثلاث في الفاء مُنَوَّنَة، وإِفَّ بكسر الهمزة وفتح الفاء، وأُفْ بضم الهمزة وسكون الفاء، وأُفَا بضم الهمزة والقصر، وأُفَّتْ
стр. 2320
٦١٠ - (٢٧٧)(١٢٣)(٨٧) حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيبٍ، وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيبٍ (قَال سَهْلٌ: حَدَّثَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ)، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
(قلت) قال أبوالبقاء هي اسم لجملة خبرية أي كرهتُ وضجرت، قال أبو حيان: فظاهر هذا أنها اسم فعل للماضي فموجب البناء فيها قائم وهو وقوعها موقع المبني، قال أبو البقاء: فمن بناه على السكون فعلى الأصل، ومن فتح طلب التخفيف، ومن نَوَّنَ أراد التنكير، ومن لم يُنَوِّن أراد التعريف، وذكر الرُّمَّاني فيها أربعين لغة. اهـ أبي.
وهذا الحديث تفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى كما في تحفة الأشراف [ج ١٢ - ص ٦٨]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس خامسًا بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦١٠ - (٢٧٧)(١٢٣)(٨٧) (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء أبو إسحاق (الرازي) يُعْرف بالصغير، وكان أحمد ينكر على من قال الصغير ويقول هو كبير في العلم والجلالة، روى عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة في الوضوء والحج، وعيسى بن يونس في الصلاة، والوليد بن مسلم في الصلاة، وشعيب بن إسحاق الدمشقي في اللباس، وأبي الأحوص سلام بن سليم وخالد الطحان وغيرهم، ويروي عنه (خ م د) والذهلي وأبو حاتم، قال أبو زرعة: كتبت عنه مائة ألف حديث وهو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة، قال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة مات بعد العشرين ومائتين، روى عنه في (٤) أبواب (وسهل بن عثمان) بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري نزيل الرَّيّ، روى عنه في (م) فقط، ووثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال في التقريب: أحد الحفاظ له غرائب من (١٠) مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (٦) أبواب (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٤٨) روى عنه في (١٠) أبواب، وأتى بقوله (واللفظ لأبي كريب) تورعًا من الكذب على الآخرين، وأتى بقوله (قال سهل حدثنا وقال الآخران أخبرنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي مولاهم أبو سعيد الكوفي ثقة متقن من (٩) مات سنة (١٨٤) لبيان اختلاف كيفية سماع مشايخه (عن أبيه) زكرياء بن أبي زائدة خالد بن ميمون الهمداني أبي يحيى الكوفي ثقة مدلس من (٦) مات سنة (١٤٩) روى عنه في (١٣) بابا
стр. 2321
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيبَةَ، عَنْ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ؛ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتِ الْمَاءَ؟ فَقَال "نَعَم" فَقَالتْ لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَت يَدَاكِ. وَأُلَّتْ
ــ
(عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة الحجبي المكي الكعبي، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: لين الحديث من (٥) (عن مُسَافِع بن عبد الله) بن شيبة بن عثمان العبدري (١) أبي سليمان الحجبي (٢) المكي وقد ينسب إلى جده روى عن عروة بن الزبير في الوضوء، وأبيه وجده وعمته صفية وعبد الله بن عمرو بن العاص، ويروي عنه (م د ت) ومصعب بن شيبة وابن عمته منصور بن صفية وجويرية بن أسماء والزهري وهو من أقرانه وغيرهم، وثقه العجلي، وقال مكي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات له عندهم ثلاثة أحاديث، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة وليس عندهم مسافع إلا هذا الثقة (عن عروة بن الزبير) الأسدي أبي عبد الله المدني (عن عائشة) أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ . وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان واثنان مكيان (أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ هل تغتسل المرأة إذا احتلمت) أي رأت في منامها الحلم (وأبصرت الماء) أي أنزلت المني، وهذه المرأة المبهمة إن كانت أم سليم فغرض المؤلف بذكر هذا السند بيان متابعة مسافع بن عبد الله للزهري في رواية هذا الحديث عن عروة بن الزبير، وإن كانت غير أم سليم فالحديث مستقل بنفسه لا متابعة فيه، والله أعلم (فقال) رسول الله ﷺ (نعم) عليها غسل (فقالت لها) أي للمرأة (عائشة تربت يداك) أي افتقرت ولصقت بالتراب (وأُلَّتْ) يداك، قال المازري: هو بضم الهمزة وفتح اللام المشددة أي أصيبت بالأَلَّة، والألة بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة الحربة يقال أَلَّهُ يَؤُلُّهُ إلّا من باب شد أي طعنه بها، قال ابن السكيت: وجمعها أُلّ بفتح الهمزة وتشديد اللام، ومنه قولهم ماله أَلٌّ ولا عَلٌّ ومعنى أُلَّت طُعنت أي يداك وقيل معناه افتقرت يقال عُلَّت وأُلَّت بإبدال العين همزة وتُؤَوَّلُ بما تؤول به تربت، وقيل: معناه دُفعت، اهـ أبي بتصرف وضبطه صاحب النهاية بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة على صيغة المبني
стр. 2322
قَالتْ: فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعِيهَا. وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلا مِنْ قِبَلِ ذَلِكِ. إِذَا عَلا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالهُ. وَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ"
ــ
للفاعل، وفسره بقوله أي صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام فيكون معطوفًا على قالت ولا يحتاج إلى تأويل، قال وروي بضم الهمزة مع التشديد أي طعنت بالألة وهي الحربة العريضة النصل، وفيه بعد لأنه لا يلائم لفظ الحديث، اهـ من هامش بعض المتون.
(قالت) عائشة (فقال) لي (رسول الله ﷺ دعيها) أي اتركي المرأة على سؤالها فإن كلامها صدق وسؤالها حق (وهل يكون الشبه) أي شبه الولد بامه أو بأخواله أو بأقاربها (إلا من قِبَل ذلك) أي إلا من قِبَلِ كون المني لها وبسببه فإنه (إذا علا) وغلب وكثر (ماؤها) أي ماء المرأة ومنيها (ماء الرجل) أي منيه (أشبه الولد) بسبب علو منيها على مني الرجل (أخواله) أي إخوة أمه (وإذا علا) وغلب (ماء الرجل ماءها) أي ماء المرأة (أشبه) الولد (أعمامه) أي إخوة أبيه، وشبه الولد لأحد الجانبين أمر معروف مشاهد، وذلك بسبب كون المني لها فلا ينكر احتلامها ولا إنزالها المني فإذا أنزلت المني في الحلم يجب عليها الغسل كما يجب على الرجل إذا احتلم وأنزل منيًّا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٩٢]، وأبو داود [٢٣٧] والنسائي [١/ ١١٢ - ١١٣].
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الغسل إنما هو في الاحتلام من رؤية الماء لا من رؤية الفعل وعلى أن الولد يكون من مجموع ماء الرجل وماء المرأة معًا خلافًا لمن ذهب إلى أن الولد إنما هو من ماء المرأة وأن ماء الرجل له عاقد كالأنفحة للبن والله أعلم، قال القرطبي: قوله (إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله) الخ، مقتضى هذا أن العلو يقتضي الشبه، وقد جعل العلو في حديث ثوبان الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى هذا مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه بالأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، وكذلك يلزم إذا علا مني المرأة اقتران الشبه بالأخوال والأنوثة لأنهما معلولا علةٍ واحدة وليس الأمر كذلك بل الوجود بخلاف ذلك، لأنا نجد الشبه بالأخوال والذكورة معًا والشبه بالأعمام والأنوثة معًا، فتعين تأويل أحد الحديثين لئلا يتعارضا،
стр. 2323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذي يتعين تأويل العلو الذي يأتي في حديث ثوبان، فيقال إن ذلك العلو معناه سبق الماء إلى الرحم يقتضي الأنوثة والذكورة، ووجهه أن العلولما كان معناه الغلبة كما فسرناه، وكان السابق عاليًا في ابتدائه بالخروج، قيل عليه علا ويؤيد هذا التأويل أنه روي في غير كتاب مسلم إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَا، وإذا سبق ماء المرأة آنَثَا.
وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على اختلاف هذه الأحاديث بناء فقال: إن للماءين أربعة أحوال: (١) الأول أن يخرج ماء الرجل أولًا و (٢) الثاني أن يخرج ماء المرأة أولًا و (٣) الثالث أن يخرج ماء الرجل أولًا ويكون أكثر و (٤) الرابع أن يخرج ماء المرأة أولًا ويكون أكثر، ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أولًا ثم يخرج ماء المرأة بعده فيكون أكثر أو بالعكس وبالعكس، فإذا خرج ماء الرجل أولًا وكان أكثر جاء الولد ذكرًا بحكم السبق وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أولًا وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرج ماء الرجل أولًا لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر كان الولد ذكرًا بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق المرأة وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل وقال: وبانتظام هذه يستقيم الكلام ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث، اهـ من المفهم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث واحد للاستدلال وخمسة للاسثشهاد كما مرت الإشارة إليه، وذكر في حديث أم سلمة ﵂ متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 2324
١٦٢ - (٦٧)(٤٩) باب بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما
٦١١ - (٢٧٨)(١٢٤)(٨٨) حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ (وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) حَدَّثَنَا مُعَاوَيةُ (يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ) عَنْ زَيدِ (يَعْنِي أَخَاهُ)؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ
ــ
١٦٢ - (٦٧)(٤٩) باب بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما
٦١١ - (٢٧٨)(١٢٤)(٨٨) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي الخلال (الحلواني) المكي، قال أبو حاتم: كان صدوقًا، وقال النسائي: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة حافظًا، وقال الحافظ: ثقة حافظ، له تصانيف من (١١) مات سنة (٢٤٢) روى عنه في (٨) أبواب، قال (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع الحلبي الطرسوسي، روى عن معاوية بن سلام في الوضوء والصلاة والزكاة وغيرها، وأبي الأحوص وإبراهيم بن سعد وخلق، ويروي عنه (خ م د س ق) والحسن الحلواني والدارمي وأبو حاتم، قال أحمد: لم يكن به باس، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق حجة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وقال الحافظ: ثقة حجة عابد من العاشرة، مات سنة (٢٤١) إحدى وأربعين ومائتين، وأتى بهو في قوله (وهو الربيع بن نافع) إشارة إلى أن هذه التسمية لم يسمعها من شيخه، قال (حدثنا معاوية) بن سلام بالتشديد ابن أبي سلام ممطور الحَبَشِي بفتح المهملة أبو سلام الدمشقي الشامي، وكان يسكن حمص، قال ابن معين: ثقة، وقال دُحَيم: جيد الحديث ثقة، وقال الحافظ: ثقة، من (٧) مات سنة (١٧٠) وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن سلام) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه (عن زيد) بن سلام بتشديد اللام بن أبي سلام الأسود ممطور الحَبَشِي بالمهملة والموحدة المفتوحتين الدمشقي، قال العجلي: شامي لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: ثقة، من (٤) وأتى بالعناية في قوله (يعني أخاه) إيضاحًا للراوي (أنه) أي أن زيد بن سلام (سمع) جده (أبا سلَّام) ممطورًا الأسود الحبشي الأعرج الدمشقي، وقيل النَّوْبِي، وقيل إن الحبشي نسبة إلى حي من حمير، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال الحافظ: ثقة يرسل، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب، وليس عندهم
стр. 2325
قَال: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ؛ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُ قَال: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَال: السَّلامُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ،
ــ
ممطورٌ إلا هذا الثقة (قال) أبو سلام (حدثني أبو أسماء) عمرو بن مرثد (الرَّحَبِي) بفتح المهملتين نسبة إلى رحبة دمشق؛ قرية بينها وبين دمشق مِيل الشامي، وقيل اسمه عبد الله، روى عن ثوبان في الوضوء والصلاة والزكاة والجهاد والصلة والفتن، وأبي ذر في الظلم، ويروي عنه (م عم) وأبو سلام وشداد بن عبد الله أبو عمار وأبو قلابة وأبو الأشعث الصنعاني، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: ثقة من الثالثة، مات في خلافة عبد الملك بن مروان (أن ثوبان) بن بُجْدَد بضم الموحدة وسكون الجيم وفتح الدال الأولى، القرشي الهاشمي مولاهم (مولى رسول الله ﷺ أبو عبد الله أو عبد الرحمن الشامي أصله من اليمن أصابه سِبَاءٌ فمنَّ عليه رسول الله ﷺ له صحبة منه، ويقال إنه من أهل السراة؛ والسراة موضع من اليمن ويذكرون أنه من حمير اشتراه النبي ﷺ ثم أعتقه، خدم النبي ﷺ إلى وفاته ﷺ ولازمه حضرًا وسفرًا، ثم نزل الشام له بها دار له (١٢٧) مائة وسبعة وعشرون حديثًا، روى له (م) عشرة أحاديث، ويروي عنه (خ م عم) وأبو أسماء الرحبي في الوضوء والصلاة، ومعدان بن أبي طلحة في الصلاة، وجبير بن نفير في الضحايا وخلق، مات بحمص في ولاية معاوية سنة (٥٤) أربع وخمسين. وهذا السند من سباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم شاميون إلا الحسن الحلواني فإنه مكي، وفيه رواية الأبناء عن الآباء (حدثه) أي حدث لأبي أسماء (قال) ثوبان كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر) قال في المصباح الحِبْرُ بكسر المهملة وسكون الباء الموحدة العالم، يجمع على أحبار نظير حمل وأحمال، وفتح الحاء لغةٌ فيه، وجمعه حُبُور كفَلْسٍ وفُلُوس، واقتصر ثعلب على الفتح، وبعضهم أنكر الكسر وقال: إنه بالكسر اسم للمداد الذي يُكتب به لا غير أي عالم (من أحبار اليهود) أي من علماء اليهود (فقال) الحبر عند مجيئه (السلام عليك يا محمد) قال الأبي: وبداءته بالسلام وسؤاله عن سبب دفعه دون أن يُعَنِّفَه من أدب العلم الذي اتصف به، وكذا قوله إنما ندعوه باسمه الذي سماه أهله وهو أقرب إلى
стр. 2326
فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا. فَقَال: لِمَ تَدْفَعُنِي؛ فَقُلْتُ: أَلا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَال الْيَهُودِيُّ: إِنمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بهِ أَهْلِي" فَقَال الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيَنْفَعُكَ شَيءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " قَال: أَسْمَعُ بَأُذُنَيَّ فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ
ــ
طريق العلم من قول قريش في الحديبية لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ويحتمل عدم تعنيفه لأنه لا يقدر، اهـ منه. قال ثوبان (فدفعته) أي ضربت ذلك الحبر بِجُمْعِ الكفِّ في صدره (دفعة) أي ضربة (كاد) أي قرب ذلك الحبر (يُصْرَع منها) أي يسقط منها، وهو بصيغة المبني للمجهول لإساءته أدب الرسول ﷺ حيث ناداه باسمه (فقال) الحبر لي (لِمَ تدفعني) أي لم تضربني (فقلت) له (ألا تقول يا رسول الله، فقال اليهودي إنما ندعوه) أي ندعوا محمدًا (باسمه الذي سماه به أهله) أي آباؤه (فقال رسول الله ﷺ لليهودي نعم (إن اسمي محمد) هذا كلام تام اشتمل على إن ومعموليها، وقوله (الذي سماني به أهلي) صفة لاسم إن، ففيه تقديم وتأخير أي إن اسمي الذي سماني به أهلي هو محمد كما قلتَ، وهذا من إنصافه ﷺ وحسن خلقه واستئلافه الخلق إلى الإيمان، فأخْبِرْني عن حاجتك (فقال اليهودي جئتـ) ـك لكي (أسألك) عن أمور يحتمل أن سؤاله ليعلم صدْقَه فيؤمن، ويحتمل أن لا فإن الظاهر أنه لم يؤمن (فقال له رسول الله ﷺ أينفعك شيء) من حديثي (إن حدثتك قال) اليهودي (أسمع) منك (بأُذُنَيَّ) بفتح النون وتشديد الياء لأنه مثنى أضيف إلى ياء المتكلم أي بأذنين لي أي وانظر في دلالة ما أسمع على صدقك وليس المعنى أسمع وأنصرف فقط (فنكت) أي خط (رسول الله ﷺ وضرب (بعود) أي بمِخْصَرَةٍ (معه) خطوطًا في الأرض كهيئة المفكر في مهمات الأمر. وفي المفهم: ونكت النبي ﷺ الأرض بعود معه هو ضربه فيها، وهذا العود هو المسمى بالمخصرة وهو الذي جرت عوائد رؤساء العرب وكبرائهم باستعمالها بحيث تصل إلى خصره ويشغل بها يديه من العبث وإنما يفعل ذلك النَّكْتَ المتفَكِّرُ، اهـ. وعبارة الأبي (فنكت) أي ضرب، قال (ع): هذا العود هو المسمى بالمخصرة الذي جرت عادة الرؤساء والكبراء باستعماله تصل به كلامها وتنكت به عند التفكر في الأمر
стр. 2327
فَقَال: "سَلْ" فَقَال الْيَهُودِيُّ: أَينَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَال رَشولُ اللهِ ﷺ : "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجَسْرِ" قَال: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَال:
ــ
ففيه جواز ذلك، اهـ (فقال) له رسول الله ﷺ (سل) عما بدا لك (فقال اليهودي أين يكون الناس) والخلق (يوم تبَدَّل الأرض) التي يُحشر عليها (غير الأرض) التي كانوا عليها في الدنيا (و) تبدل (السماوات) التي كانت في الدنيا بغيرها، قال الأبي: سؤال الحبر والجواب بأنهم في الظلمة يدلان على أن تبديلَها إزالتُها والإتيانُ بغيرها، لا ما قيل إنه تبديل صفاتها بأن تُمَدَّ وتُسَوَّى وتزال آكامها، إذ لو كان كذلك لم يُشْكِل على الحبر ولا على عائشة فإنها سألت عن ذلك أيضًا، ولم يُحْتَجْ إلى أن يكونوا في الظلمة، والظلمة الجسر؛ والجسر بفتح الجيم وكسرها مع سكون السين فيهما ما يعبر عليه وهو هذا الصراط كما جاء في جوابه لعائشة (إنهم على الصراط) رواه مسلم [٢٧٩١] والأرض المبدلة هي الأرض التي ذكرها في حديث سهل بن سعد حيث قال (يُحشر الناس على أرضٍ بيضاءَ عفراء ليس فيها علم لأحدٍ) رواه البخاري [٦٥٢١] ومسلم [٢٧٩٠] أي ليلى فيها ما يستتر به، وهذا الحشر هو جمعهم فيها بعد أن كانوا على الصراط، وجاء تمد الأرض الثانية مد الأديم ثم يزجر اللهُ تعالى الخلقَ زجرة واحدة فإذا هم في الأرض الثانية في مثل مواضعهم من الأرض الأولى، والله أعلم بكيفية ذلك.
قال السنوسي: انظر تفسيره الظلمة بالجسر، والحديث صرح أنها دون الجسر بل الظاهر أن المراد بالجسر ها هنا القنطرة التي يحبس عليها المؤمنون بعد الصراط حتى يُقْتَصَّ بينهم المظالمَ على ما صح في الحديث، ويصح حينئذ تفسير الظلمة بالصراط أو بجسم يكون من ظلمةِ فوق الصراط، فيبقى اللفظ على ظاهره إذ الظلمة جسم عند المحققين، ولا ينافي مع ذلك جوابه ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها بأنهم على الصراط، والله أعلم. اهـ.
(فقال رسول الله ﷺ هم في الظلمة دون الجسر) أي فوق الجسر، والجسر بفتح الجيم وكسرها ما يعبر عليه وهو هنا الصراط كما مر آنفًا، ودون بمعنى فوق كما قال في حديث عائشة (على الصراط) (قال) اليهودي (فمن أول الناس إجازة) أي جوازًا على الصراط وعبورًا إلى الجنة (قال) رسول الله ﷺ أولهم
стр. 2328
فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ. قَال الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنةَ؟ قَال: زِيادَةُ كَبِدِ النُّونِ. قَال: "فَمَا غِذَاؤُهُم عَلَى إِثْرِهَا؟ قَال: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا"
ــ
مرورًا على الصراط (فقراء المهاجرين) قال الأبي: ولا يدل هذا على أن فقراء المهاجرين أفضل من أغنيائهم للإجماع على أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أفضل من أبي هريرة وأبي ذر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقد يختص المفضول بخاصية ليست في الفاضل ولا يكون بسببها أفضل، ولهذا المعنى لا يحتج به لترجيح الفقراء، ولا يشترط في فقر المهاجرين دوامه بل فقرهم في زمنه ﷺ (قال اليهودي فما تحفتهم) أي نُزُلُهم (حين يدخلون الجنة) والتحْفة بإسكان الحاء وفتحها لغتان مشهورتان وهي ما يُكرم به الإنسان ويُهدى إليه ويخص به ويلاطف من الفواكه وغيره من نفيس الطعام وغيره (قال) رسول الله ﷺ تحفتهم ونزلهم (زيادة كَبِدِ النون) وزيادة الكبد قطعة منه كالإصبع وطرفه وهو أطيبه، وفي الصحاح: النون الحوت وجمعه أنوان ونينان، وذو النون لقب يونس ﵇، قال الأبي: والأصل في الأداة التي في لفظ النون أنها للعهد، وانظر هل هو الحوت الذي عليه الأرض ولم يات أنها عليه من طريق صحيح، قال ابن الجوزي: علماء التاريخ يقولون إن الأرض على صخرة، والصخرة على مَنْكِبَي مَلَكٍ، والملك على الحوت، والحوت على الماء، والماء على متن الريح. اهـ. والأطباء يقولون: إن الكبد من ألذ الطعام، وقد جاء مفسرًا في حديث أبي سعيد قال اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم، قال: بلى، قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: ما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفًا. رواه مسلم [٢٧٩٢] (قال) اليهودي (فما غذاؤهم) أي غذاء أهل الجنة وطعامهم (على إثرها) أي عقب زيادة كبد النون، قال القاضي عياض: قوله (غداؤهم) هو بفتح الغين المعجمة والدال المهملة وهو في الأصل ما يؤكل أول النهار، وللسمرقندي بكسرها وبالذال المعجمة؛ وليس بشيء ولا يدل المعنى عليه، قال القرطبي: والأظهر أنه تصحيف، قال النواوي: وله وجهٌ تقديره ما غذاؤهم في ذلك الوقت، والإثر بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة وبفتحهما معًا بمعنى عقبها وبعدها (قال) رسول الله ﷺ (يُنْحَر) ويذبح (لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها) أي من أغصان أشجارها، والأطراف جمع طرف والطرف من النبات ما كان في أكمامه. اهـ م ج أرميَّته
стр. 2329
قَال: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيهِ؟ قَال: "مِنْ عَيني فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا" قَال: صَدَقْتَ. قَال: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيءٍ لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، إِلا نَبِيٌّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلانِ. قَال: "يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثتُكَ؟ " قَال: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَال: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟ قَال: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجتَمَعَا، فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ، أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللهِ. وَإِذَا عَلا مَنِى الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ، آنثَا
ــ
غعا، والثور ذكر البقر يجمع على أثوار وثيران، قال الأبي: كأنه معهود، وليس الذي عليه الأرض لقوله (يأكل من أطرافها) قال السنوسي: وكونه معهودًا بأنه ثور الجنة لعله بانفراده بصفات لا يماثله فيها غيره من ثيرانها من ذلك كون الأكل من زيادة كبده عامًّا لأهل الجنة إلى غير ذلك مما انفرد به حتى أوجب شهرته بهذه الإضافة دون غيره (قال) اليهودي (فما شرابهم) أي شراب أهل الجنة (عليه) أي على غدائهم الذي هو لحم الثور (قال) رسول الله ﷺ شرابهم عليه (من) ماء (عين فيها) أي في الجنة، والعين النهر الصغير الجاري (تُسَمَّى) تلك العين (سلسبيلًا) أي سَلِسَة السبيل سهلة المشرع، يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وقيل شديدة الجِرْيَة قاله مجاهد، قال حسان بن ثابت:
يَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عليهم ... كأسًا تُصَفَّقُ بالرحيق السَّلْسَلِ
وقال قتادة؛ السلسبيل عين تنبع من تحت العرش من جنة عدن إلى الجنان (قال) اليهودي (صدقتَ) يا محمد في جميع ما أخبرت (قال) اليهودي (وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي) مرسل (أو رجل) عالم (أو رجلان) يعني قليل من يعلمه (قال) رسول الله ﷺ هل (ينفعك) حديثي (إن حدثتك قال) اليهودي (أسمع) كلامك (بأذني) وأنظر في دلالة ما أسمع منك على صدقك فيما تَدَّعِي (قال) اليهودي (جئت أسألك عن الولد) أي عن أصل الولد وسبب اختلافه ذكورة وأنوثة (قال) رسول الله ﷺ (ماء الرجل) أي منيه (أبيض) ثخين، وهذا موضع الترجمة من الحديث (وماء المرأة) أي منيها (أصفر) رقيق (فإذا اجتمعا) في الرحم (فَعَلَا) أي فغلب (مني الرجل) بكثرته أو بسبقه إلى الرحم على ما مر من الخلاف (مني المرأة أَذْكَرَا بإذن الله) تعالى أي صار المنيان ولدًا ذكرًا لغلبة ماء الرجل (وإذا علا) وعلت بكثرته أو بسبقه (مني المرأة مني الرجل آنثا) بالمد وتخفيف النون، وقد روي
стр. 2330
بِإِذْنِ اللهِ" قَال الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ. وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ.
فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ سَأَلَنِي هَذا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ. وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيءٍ مِنْهُ. حَئى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ".
٦١٢ - (٠٠)(٠٠)) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ
ــ
بالقصر وتشديد النون "أنثا" أي صار المنيان ولدًا أنثى (بإذن الله) تعالى بسبب غلبة ماء المرأة (قال اليهودي لقد صدقتَ) يا محمد في جميع ما أخبرت (وإنك لنبي) حقًّا، وهذا يدل على أن مجرد التصديق اللساني من غير التصديق القلبي ولا التزام الشريعة ولا دخولٍ فيها لا ينفع إذ لم يحكم له بالإسلام (ثم انصرف) اليهودي وفرغ من سؤاله (فذهب) أي مشى من عند النبي ﷺ (فقال رسول الله ﷺ لقد سألني هذا) اليهودي (عن الذي سألني عنه وما لي) أي والحال أنه ليس لي (علم بشيء منه حتى أتاني الله) أي ألهمني (به) أي بجوابه فضلًا منه، وفي الحديث من أعلام نبوته ﷺ واطلاعه على المغيَّبَات ما لا يخفى، والله أعلم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال القاضي عياض: وفي هذا الحديث من علامات نبوته ﷺ وإخباره بالمغيبات واطلاعه على أسرار علوم الناس ومعارف الدنيا والآخرة ما هو غير خفي، واعترف له به العدو اليهودي حين قال له (صدقت وإنك لنبي) وفيه أن من قال مثل هذا من أهل الكتاب من غير التزام الشريعة لا يُحْسَبُ قوله إيمانًا حتى يعتقده ويلتزمه، وفيه جواز استعمال المخاصر على عادة العرب، وجواز النَّكْتِ بها في الأرض عند التفكر في الأمور والتدبير لها. والله أعلم. اهـ بتصرف.
٦١٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنيه) أي حدثني الحديث المذكور يعني حديث ثوبان (عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) أبو محمد السمرقندي أحد الأئمة الأعلام صاحب المسند والتفسير والجامع، ثقة متقن، من (١١) مات سنة (٢٥٥) روى عنه في (١٤) بابا، قال (أخبرنا يحيى بن حسان) بن حيان بتحتانية مشددة التِنِّيسِي بكسر الفوقانية وكسر النون المشددة وسكون التحتية ثم سين مهملة البكري أبو زكرياء البصري من أهل بصرة سكن تنيس، روى عن معاوية بن سلام في الوضوء
стр. 2331
حَدَّثَنَا مُعَاويةُ بْنُ سَلَّامٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَال: زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ. وَقَال: أَذْكَرَ وَآنَثَ. وَلَمْ يَقُلْ: أَذْكَرَا وَآنثَا
ــ
والصلاة والنكاح وغيرها، ووهيب في الصلاة، وعبد الرحمن بن زياد وسليمان بن بلال في الصلاة والأطعمة والفضائل، وحماد بن سلمة في الجهاد، وهشيم وجماعة، ويروي عنه (خ م د ت س) وعبد الله الدارمي في الوضوء والصلاة، وقال مسلم في باب الصلاة: حدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب وغيرهما عن عبد الواحد ومحمد بن سهل التميمي ومحمد بن مسكين اليمامي. اهـ. والشافعي ودُحَيم وأحمد بن صالح وخلق، وثقه أحمد، وقال العجلي: كان ثقة مأمونًا عالمًا بالحديث، وقال الحافظ: ثقة، من التاسعة مات سنة (٢٠٨) ثمان ومائتين وله (٦٤) أربع وستون سنة، روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، قال (حدثنا معاوية بن سلام) الدمشقي، وقوله (في هذا الإسناد) في بمعنى الباء متعلقة بقوله أخبرنا يحيى لأنه العامل في المتابع، واسم الإشارة راجع إلى مابعد شيخ المتابَع وهو أبو توبة، وقوله (بمثله) متعلق باخبرنا يحيى أيضًا، والضمير فيه عائد إلى المتابَع المذكور في السند السابق وهو أبو توبة، والتقدير: أخبرنا يحيى بن حسان عن معاوية بن سلام بهذا الإسناد يعني عن زيد بن سلام الدمشقي عن أبي سلام الدمشقي عن أبي أسماء الرحبي الدمشقي عن ثوبان الدمشقي بمثله أي بمثل ما روى أبو توبة عن معاوية بن سلام. وهذا السند أيضًا من سباعياته رجاله خمسة منهم شاميون وواحد بصري وواحد سمرقندي، وغرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن حسان لأبي توبة في رواية هذا الحديث عن معاوية بن سلام، وفائدتها بيان كثرة طرقه، ثم بيَّن محل المخالفة بقوله (غير أنه) أي لكن أن يحيى بن حسان (قال) في روايته (كنت قاعدًا عند رسول الله ﷺ بدل قول أبي توبة (كنت قائمًا) (وقال) يحيى بن حسان أيضًا (زائدة كبد النون) بدل قوله (زيادة) والزائدة والزيادة شيء واحد وهو طرف الكبد وهو أطيبها (وقال) يحيى أيضًا (أَذْكَرَ) أي جاء الولد ذكرًا بلا ألف (وآنَثَ) أي جاء الولد أنثى (ولم يقل) يحيى (أذْكَرَا وآنثا) بالألف.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث ثوبان ﵁ وذكر فيه متابعة واحدة، والله أعلم.
***
стр. 2332
١٦٣ - (٦٨)(٥٠) باب في بيان صفة غسله ﷺ من الجنابة
٦١٣ - (٢٧٩)(١٢٥) ٨٩١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيهِ. ثُمَّ يُفْرغُ بِيَمِينِه عَلَى شِمَالِهِ. فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ
ــ
١٦٣ - (٦٨)(٥٠) باب في بيان صفة غسله ﷺ من الجنابة
٦١٣ - (٢٧٩)(١٢٥)(٨٩) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) أبو زكرياء النيسابوري ثقة من (١٠) قال (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي ثقة من (٩) (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي أبي المنذر المدني ثقة من (٥) (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدني ثقة من (٢) (عن عائشة) زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نيسابوري (قالت) عائشة كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل) أي إذا أراد الغسل (من الجنابة) أي لأجل حدث الحنابة أو بسبب الجنابة، فمن إما تعليلية أو سببية، والجنابة اسم مصدر لأجنب الرباعي يقال أجنب الرجل إجنابًا وجنابة إذا التبس بحدث الجنابة والجنب الذي يجب عليه الغسل بالجماع أو بخروج المني، ويقع على الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث والمذكر بلفظ واحد، والجنابة في الأصل معناها البعد وسُمي الإنسان جنبًا لأنه نُهِيَ أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر وقيل لمجانبته الناس حتى يغتسل وفي القاموس الجنابة المني، اهـ.
أي إذا أراد أن يغتسل من الجنابة كما في رواية الترمذي (يبدأ) بغسل كفيه (فيغسل يديه) أي كفيه قبل ادخالهما الإناء فهو تفسير ليبدأ (ثم يُفْرغ) الماء من الإناء (بيمينه) ويصبه (على شماله) ليستنجي بها (فيغسل فرجه) بشماله، قال الحافظ: قوله (فيغسل كفيه) يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما من مُسْتَقْذَر، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث (قبل أن
стр. 2333
ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ. فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعَرِ. حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ. ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ
ــ
يُدْخِلَهما في الإناء) رواه الشافعي والترمذي. اهـ. قال القاضي عياض: قد تقدم أن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء سنة، ويجب على مَن بيده أذى، اهـ (ثم) أي ثم بعد الفراغ من غسل اليدين والاستنجاء (يتوضأ وضوءه للصلاة) بالنصب أي وضوءًا مثل وضوئه للصلاة أي يتوضأ وضوءًا كاملًا، وفي البذل: ظاهره أنه كان يغسل رجليه قبل غسل سائر البدن، وسيأتي في آخر الحديث (ثم يغسل رجليه) أي يغسل رجليه بعد التَّنَحِّي عن ذلك المكان إلا أن يجمع بينهما بأنه كان يفعل أحيانًا كذا وأحيانًا كذا، أو يؤول بأنه كان يغسل رجليه لإزالة الحدث أولًا ثم يغسل بعد ذلك للنظافة وإزالة الطين ثانيًا هكذا قرره بعضهم، اهـ (ثم) بعد فراغه من الوضوء الكامل (يأخذ الماء) بكفيه (فيدخل أصابعه) العشر (في أصول الشعر) أي في منابت الشعر فيُخَلِّلُها حتى يصل الماء إلى بشرتها، والمراد بالشعر شعر رأسه، قال ابن العربي: خلل شعر رأسه خاصة، وتخليل اللحية اختلفت الرواية فيه عن إمامنا، وقال الزرقاني: وهذا التخليل غير واجب اتفاقًا إلا أن يكون رأسه مُلَبَّدًا بشيء، وقال عياض: احتج به بعضهم على تخليل اللحية إما بالعموم أو بقياسه على الرأس. اهـ ابن رسلان. قال القرطبي: قيل إنما فعل ذلك ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر وقل ليتَأَنَّسَ بذلك حتى لا يجده بعده من صب الماء الكثير نفرة، اهـ؛ أي يخلل أصول شعر رأسه (حتى إذا رأى) وظن أو علم (أن قد استبرأ) أي استقصى وبالغ في التخليل من قولهم استبرأ الخبر إذا استقصاه وتتبع أي أنه قد بالغ وأوصل البلل إلى جميعه (حَفَن) أي أخذ الماء بيديه جميعًا وصب (على رأسه ثلاث حفنات) أي ثلاث غرفات جمع حفنة على زنة سجدة وسجدات، والحفنة ملء الكفين من أي شيء كان سواء كان من الطعام أو غيره، وأصلها من الشيء اليابس كالدقيق والرمل والحب ونحوها، يقال حفنت له حفنة أي أعطيته قليلًا قاله في الصحاح، ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات، لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذلك من المشقة، دهانما كان ذلك العدد لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم على وسط رأسه كما جاء في حديث عائشة الآتي بعد هذا وكما وقع في البخاري أيضًا من حديثها (ثم أفاض) الماء أي صبه صبًا كثيرًا (على سائر جسده) أي
стр. 2334
ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ
ــ
على باقي بدنه، قال القرطبي: استدل به من لا يشترط التدليك في الغسل وهو الشافعي ولا حجة له فيه لأن معنى أفاض غسل كما جاء في حديث ميمونة الآتي بعد هذا، والغسل إجادة التطهير وهو يفيد أن مجرد الإفاضة والغمس لا يُكْتَفَى به في مسمى الغسل بل لا بد مع ذلك من مبالغة إما بالدلك أو بما يَتَنَزَّل منزلته، وقد تواردت الأحاديث عن النبي ﷺ بأنه كان يغسل أعضاء وضوئه ويدلكها بيديه، ولا فرق في ذلك بين الغسل والوضوء، اهـ (ثم) بعد ما أفاض الماء على سائر جسده وفرغ من غسله (غسل رجليه) أي يعيد غسل رجليه لإزالة الطين لا لأجل الجنابة، قال القرطبي: وفي حديث ميمونة (ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه) استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث وذلك ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، وقد روي عن مالك ليس العمل على تأخير غسل الرجلين وليتم وضوءه في أول غسله فإن أخرَهما أعاد وضوءه عند الفراغ وكأنه رأى أن ما وقع هنا كان لما ناله من تلك البقعة من الطين والأذى، ورُوي أنه واسع، والأظهر الاستحباب لدوام النبي ﷺ على فعل ذلك، اهـ من المفهم.
قال النواوي: واعلم أنه جاء في روايات عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح البخاري ومسلم أنه ﷺ توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه فظاهر هذا أنه ﷺ أكمل الوضوء بغسل الرجلين، وقد جاء في أكثر روايات ميمونة توضأ ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل رجليه، وفي رواية من حديثها في البخاري توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه ثم أفاض الماء عليه ثم نحى قدميه فغسلهما، وهذا تصريح بتأخير القدمين. وللشافعي رضي الله تعالى عنه قولان: أصحهما وأشهرهما والمختار منهما أنه يكمل وضوءه بغسل القدمين، والثاني أنه يؤخر غسل القدمين بتأويل روايات عائشة وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين كما بينته ميمونة في رواية البخاري فهذه الرواية صريحة في تأخير غسل الرجلين وتلك الرواية محتملة للتأويل فيجمع بينهما بما ذكرناه، وأما على المشهور الصحيح فيعمل بظاهر الروايات المشهورة المستفيضة عن عائشة وميمونة جميعًا في تقديم وضوء الصلاة فإن ظاهره كمال الوضوء فهذا كان الغالب، والعادة المعروفة لرسول الله ﷺ وكان يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين لا لأجل الجنابة
стр. 2335
٦١٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِى بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيسَ فِي حَدِيثِهمْ غَسْلُ الرِّجْلَينِ
ــ
فتكون الرجل مغسولةً مرتين، وهذا هو الأكمل والأفضل فكان ﷺ يواظب عليه، وأما رواية البخاري عن ميمونة فجرى ذلك مرة أو نحوها بيانًا للجواز وهذا كما ثبت أنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ومرة مرة فكان الثلاث في معظم الأوقات لكونه الأفضل، والمرة في نادرٍ من الأوقات لبيان الجواز ونظائر هذا كثيرة، والله أعلم. وأما نية هذا الوضوء فينوي به رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبًا غير محدث فإنه ينوي حينئذ سنة الغسل، والله أعلم. اهـ منه.
وهذا الحديث أعني حديث عائشة شارك المؤلف في روايته أحمد [٦/ ٢٣٧] والبخاري [٢٥٨] وأبو داود [٢٤٠ - ٢٤٤] والترمذي [١٠٤] والنسائي [١/ ١٣١].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦١٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثناه) أي وحدثنا الحديث المذكور يعني حديث عائشة (قتيبة بن سعيد) البغلاني الثقفي (وزهير بن حرب) الحرشي النسائي (قالا حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (ح وحدثنا علي بن حجر) السعدي المروزي، قال (حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي (ح وحدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي قال (حدثنا) عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (كلهم) أي كل من جرير وعلي بن مسهر وابن نمير رووا (عن هشام) بن عروة الأسدي أبي المنذر المدني، والجار والمجرور في قوله (في هذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابعين، و"في"بمعنى الباء واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع أي كل من الثلاثة رووا عن هشام بهذا الإسناد يعني عن عروة عن عائشة مثل ما روى أبو معاوية عن هشام، وغرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة (و) لكن (ليس في حديثهم) أي في حديث هؤلاء الثلاثة وروايتهم (غسل الرجلين) أي ذكر هذا اللفظ بل هو زيادة تفرد بها أبو معاوية. وهذه الأسانيد الثلاثة كلها من خماسياته وثلاثة من رجالها مدنيون واثنان من الأول كوفي وبغلاني أو كوفي ونسائي
стр. 2336
٦١٥ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النبِي ﷺ اغْتَسَلَ مِن الْجَنَابَةِ. فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفيهِ ثَلاثًا ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاويةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَينِ.
٦١٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ،
ــ
واثنان من الثاني واحد كوفي وواحد مروزي واثنان من الثالث كوفيان. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦١٥ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة من (١٠) قال (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، قال (حدثنا هشام) بن عروة بن الزبير الأسدي المدني (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة وكيع لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن هشام، وكرر محل المخالفة بين الروايتين من الحديث (أن النبي ﷺ اغتسل) أي أراد الاغتسال (من الجنابة فبدأ) أي فأراد البداية بالكفين (فغسل كفيه ثلاثًا) من المرات (ثم ذكر) وكيع (نحو حديث أبي معاوية و) لكن (لم يذكر) وكيع (غسل الرجلين) كما لم يذكره جرير وعلي بن مسهر وعبد الله بن نمير بل تفرد به أبو معاوية. قال الأبي: وخلاصة ما هنا أن المغتسل إن لم يُرِد أن يتوضأ فالأكمل له أن يغسل الأذى ثم يعيد غسل محل الأذى بنية الجنابة ثم يكمل غسله ويجزيه عن الوضوء باتفاق لأن موانع الأكبر أكثر من موانع الأصغر فاندرج الأقل تحت الأكثر، وإن مس ذكره في أثناء غسله أعاد ما كان غسله من أعضاء الوضوء، قال ابن العربي: يُعيدها بنية الوضوء لأن اللمس لم يؤثر في الغسل وإنما أثر في الوضوء، وإن شاء نوى الجنابة عند غسل الأذى، ولا يعيد غسل محله على المشهور في أن طهارة الحدث ليس من شرطها أن تَرِدَ على الأعضاء والأعضاء طاهرة. اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦١٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثناه عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ وَهِمَ في حديثٍ من (١٠) مات سنة (٢٣٢) روى عنه في
стр. 2337
حَدَّثَنَا مُعَاويةُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ. قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلاةِ
ــ
(١٠) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا معاوية بن عمرو) بن المهلب الأزدي أبو عمرو الكوفي ثم البغدادي المعروف بابن الكرماني، قال أحمد: صدوق ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة من (٩) مات سنة (٢١٤) روى عنه في (٤) أبواب، قال (حدثنا زائدة) بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي ثقة ثبت من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه في (١٠) أبواب (عن هشام) بن عروة (قال) هشام (أخبرني) أبي (عروة) بن الزبير (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بغداديان وواحد كوفي، وغرضه بسوقه بيان متابعة زائدة بن قدامة لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات (أن رسول الله ﷺ كان) في أغلب أحواله (إذا اغتسل) أي إذا أراد الاغتسال (من الجنابة بدأ) بغسل كفيه، وقوله (فغسل بديه) أي كفيه، تفسير لما قبله (قبل أن يُدخل يده) اليمنى (في الإناء) المشتمل على ماء دون القلتين (ثم) بعد غسل الكفين (توضأ) وضوءًا كاملًا (مثل وضوئه للصلاة) والله أعلم.
[فصل في صفة غسل الجنابة]
قال النواوي: قال أصحابنا كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل فيغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء ثم يغسل ما على فرجه وسائر بدنه من الأذى ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله ثم يُدْخِل أصابعه كلها في الماء فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات ويتعاهد معاطف بدنه كالأبطين وداخل الأذنين والسرة وما بين الأليتين وأصابع الرجلين وعُكَنِ البطن وغير ذلك فيوصل الماء إلى جميع ذلك ثم يفيض على رأسه ثلاث حثيات ثم يفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات يدلك في كل مرة ما تصل إليه يداه، وإن كان يغتسل في نهر أو بركة انغمس فيها ثلاث مرات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته والشعور الكثيفة والخفيفة، ويعم بالغسل ظاهر الشعر وباطنه وأصول منابته، والمستحب أن يبدأ بميامنه وأعالي بدنه وأن يكون
стр. 2338
٦١٧ - (٢٨٠)(١٢٦)(٩٠) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
ــ
مستقبل القبلة وأن يقول بعد الفراغ أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه، ويستصحب النية إلى أن يفرغ من غسله فهذا كمال الغسل، والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء وتعميم البدن شعره وبشره بالماء، ومن شرطه أن يكون البدن طاهرًا من النجاسة وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة، وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها وهي أنه إذا استنجى وطَفَرَ محل الاستنجاء بالماء فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك فلا يصح غسله لترك ذلك وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوؤه أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده والله أعلم، هذا مذهبنا ومذهب كثيرين من الأئمة ولم يوجب أحد من العلماء الدلك في الغسل ولا في الوضوء إلا مالك والمزني، ومن سواهما يقول: هو سنة لو تركه صحت طهارته في الوضوء والغسل، ولم يوجب أيضًا الوضوء في غسل الجنابة إلا داود الظاهري، ومن سواه يقولون: هو سنة فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله واستباح به الصلاة وغيرها، ولكن الأفضل أن يتوضأ كما ذكرنا، وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده وإذا توضأ أولًا لا يأتي به ثانيًا فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوءان فهذا مختصر ما يتعلق بصفة الغسل، وأحاديث الباب تدل على معظم ما ذكرناه وما بقي فله دلائل مشهورة، والله أعلم. اهـ منه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث ميمونة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦١٧ - (٢٨٠)(١٢٦)(٩٠) (وحدثني علي بن حجر السعدي) أبو الحسن المروزي ثقة حافظ من صغار التاسعة مات سنة (٢٤٤) روى عنه في (١١) بابا، قال (حدثني عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو الكوفي ثقة مأمون من (٨) مات سنة (١٩١) روى عنه في (١٧) بابا، قال (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي ثقة حافظ قارئ ورع لكنه يدلس، من (٥) مات سنة
стр. 2339
عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَال: حَدَّثَتْنِي خَالتِي مَيمُونَةُ قَالتْ: أَدنَيتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ
ــ
(١٤٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، روى عن كريب في الوضوء والنكاح، والنعمان بن بشير في الصلاة، ومعدان بن أبي طلحة وجابر بن عبد الله في الصلاة والبيوع والجهاد، وأنس بن مالك في المرء مع من أحب، وأبيه في ذكر الجن، ويروي عنه (ع) والأعمش وعمرو بن مرة في الصلاة وقتادة في الصلاة وحصين بن عبد الرحمن ومنصور والحكم بن عتيبة وخلق، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وكذا قال ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨) في ولاية سليمان بن عبد الملك، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة تابعي، وقال إبراهيم الحربي: مجمع على توثيقه (عن كريب) مصغرًا ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم مولى ابن عباس أبي رشدين المدني ثقة من الثالثة مات سنة (٩٨) بالمدينة، روى عنه في (٧) أبواب (عن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي أبي العباس الطائفي ابن عم رسول الله ﷺ مات سنة (٦٨) بالطائف، روى عنه في (١٧) بابا (قال) ابن عباس (حدثتني خالتي ميمونة) بنت الحارث بن حزن الهلالية زوج النبي ﷺ ، تزوجها سنة سبع، روت عن النبي ﷺ لها ستة وأربعون (٤٦) حديثًا اتفقا على سبعة (٧) وانفرد (خ) بحديث و (م) بخمسة، ويروي عنها (ع) وعبد الله بن عباس في الوضوء، وكريب في الصوم، وعبد الله بن شداد ويزيد بن الأصم وإبراهيم بن عبد الله بن معبد وجماعة، قال الزهري: هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، قال في التقريب: وتزوجها بِسَرِفَ موضع بين مكة والمدينة قريب من التنعيم سنة سبع وماتت بها ودفنت هناك سنة (٥١) إحدى وخمسين على الصحيح. وهذا السند من سباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وثلاثة منهم كوفيون وواحد طائفي وواحد مروزي (قالت) ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها (أدنيت) أي قربت (لرسول الله ﷺ غُسله) بضم الغين المعجمة أي الماء الذي يغتسل به (من الجنابة) ويطلق الغُسل بالضم على الماء الذي يغتسل به وهو المراد هنا، وأما الغِسل بالكسر فاسم لما يضاف إلى الماء من سدر وأُشْنَان وصابون ونحوها، وبالفتح فاسم لاستعمال
стр. 2340
فَغَسَلَ كَفَّيهِ مَرَّتَينِ أوْ ثَلاثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ. ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ. ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمالِهِ الأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا. ثُمَّ تَوَضأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ. ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ. ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ. فَغَسَلَ رِجْلَيهِ
ــ
الماء في جميع البدن، وهو مصدر قياسي لغسل الثلاثي كما يقتضيه قول الخلاصة:
فعلٌ مَقِيسُ مصدر المعدَّى ... من ذي ثلاثة كَرَدَّ رَدَّا
(فغسل كفيه مرتين أو) قال سالم: غسلهما (ثلاثًا) قال ابن رسلان: الشك من الأعمش كما في البخاري، وأخرج أبو عوانة عن فضيل عن الأعمش ثلاثًا بدون الشك فعُلِم أن الأعمش شك أولًا ثم جزم لأن سماع فضيل متأخر اهـ (ثم أدخل يده) اليمنى (في الإناء) لياخذ الماء فأخذه (ثم أفرغ) وصب (به) أي بالماء (على فرجه) ومذاكيره (وغسله) أي غسل فرجه (بشماله، ثم ضرب) ومسح (بشماله الأرض فدلكها) أي دلك شماله على الأرض (دلكًا شديدًا) لما لعله تعلق بها من رائحة ولزوجة، قال النواوي: وفي هذا دلالة على أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب أو أُشْنَان أو يدلكها بالتراب أو بالحائط ليذهب الاستقذار منها (ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ) أي صب الماء (على رأسه ثلاث حفنات) أي ثلاث غرفات، وقوله (ملء كفه) أي ماليء جنس كفه أي ماءً مالئًا كفيه، قال النواوي: هكذا هو في الأصول التي ببلادنا (ملء كفيه) بلفظ الإفراد وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وفي رواية الطبري (ملء كفيه) بالتثنية وهي مفسرة لرواية الأكثرين، والحفنة ملء الكفين جميعا وقد عرفتَ تأويلنا، وفي بعض النسخ (ملء كفيه) كرواية الطبري (ثم غسل سائر جسده) أي باقي جسده، قال في القاموس: السائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات وقد يستعمل له، وقال الجزري في النهاية: والسائر مهموزًا الباقي، والناس يستعملونه بمعنى الجميع وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث وكلها بمعنى باقي الشيء انتهى. اهـ تحفة الأحوذي بتصرف (ثم تنحى) أي تحول (عن مقامه ذلك) أي عن مكانه الذي اغتسل فيه إلى ناحية أخرى (فغسل رجليه) قال الحافظ: وفيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة أن النبي ﷺ أكان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يُدْخِل أصابعه في الماء .. ،
стр. 2341
ثُمَّ أَتَيتُهُ بِالمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ
ــ
الحديث، ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز بأن المراد يتوضأ أكثر الوضوء كما يتوضأ للصلاة وهو ما سوى الرجلين، وبحمله على حالة أخرى وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل، وعن مالك إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم، وعند الشافعية ففي الأفضل قولان كما مر عن النواوي، قالت ميمونة رضي الله تعالى عنها (ثم) بعد فراغه من غسله (أتيته) أي جئته ﷺ (بالمنديل) بكسر الميم وهو ما يُنَشَفُ به البدن أو يُتَمَسَّح به من الوسخ (فردَّه) أي رد المنديل عليَّ فلم يأخذه مني أي أتيته بالمنديل ليتمسح به فرده أي لم يأخذه مني كما في رواية البخاري، قال ملا علي: إما لأنه أفضل إبقاءً لأثر العبادة أو لكونه مستعجلًا أو لأن الوقت كان حَرًّا والبلل مطلوب، ومع هذه الاحتمالات فالحديث لا يصلح أن يكون دليلًا على سنية ترك التنشيف أو كراهة فعله. اهـ لأنه ارتدى ثوب الاحتمال.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري [٢٥٧] وأبو داود [٢٤٥] والترمذي [١٠٣] والنسائي [١/ ١٣٧].
قال النواوي: قولها (ثم أتيته بالمنديل فرده) فيه استحباب ترك تنشيف الأعضاء وقد اختلف أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل على خمسة أوجه: أشهرها أن المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه، والثاني مكروه، والثالث إنه مباح يستوي فعله وتركه وهذا هو الذي نختاره فإن المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر، والرابع أنه مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ، والخامس يكره في الصيف دون الشتاء، هذا ما ذكره أصحابنا وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب: أحدها أنه لا باس به في الوضوء ولا في الغسل وهو قول أنس بن مالك والثوري، والثاني مكروه فيهما وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى، والثالث يكره في الوضوء دون الغسل وهو قول ابن عباس ﵄، وقد جاء في ترك التنشيف هذا الحديث والحديث الآخر في الصحيح أنه ﷺ اغتسل وخرج ورأسه يقطر ماءا، وأما فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أوجه لكن أسانيدها ضعيفة، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. اهـ.
стр. 2342
٦١٨ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَأَبُو كُرَيبٍ، وَالأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعِ. ح وَحدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حدثنا أَبُو مُعَاويَةَ. كِلاهُمَا عَنِ الأعمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيسَ في
ــ
وفي المفهم: قولها (فأتيته بالمنديل فرده) يتمسك به من كره التمندل بعد الوضوء والغسل وبه قال ابن عمر وابن أبي ليلى وإليه مال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى وقال: هو أثر عبادةٍ فتكره إزالته كدم الشهيد وخلوف فم الصائم، ولا حجة في الحديث لاحتمال أن يكون رده إياه لشيء رآه في المنديل أو لاستعجاله للصلاة أو تواضعًا أو مجانبة لعادة المترفهين، وأما القياس فلا نسلِّمُه لأنا نمنع الحكم في الأصل، إذ الشهيد يحرم غسل دمه فضلًا عن الكراهة، ولا تكره إزالة الخلوف بالسواك، وروي عن ابن عباس أنَّه يكره التمندل في الوضوء دون الغسل، والصحيح أن ذلك واسع كما ذهب إليه مالك تمسكًا بعدم الناقل عن الأصل، وأيضًا فقد روي عن عائشة: "أن النبي ﷺ كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء" رواه الترمذي [٥٣] ومن حديث معاذ: "أن النبي ﷺ كان يمسح وجهه من وضوئه بطرف ثوبه" رواه الترمذي [٥٤] ذكرهما الترمذي وقال: لا يصح في الباب شيء. اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦١٨ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا محمد بن الصباح) الدولابي مولدًا أبو جعفر الرازي ثم البغدادي صاحب السنن ثقة من (١٠) مات سنة (٢٢٧) روى عنه في (٧) أبواب (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (والأشج) عبد الله بن سعيد الكندي الكوفي (واسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزي (كلهم) أي كل من هؤلاء الخمسة رووا (عن وكيع) بن الجراح الكوفي (ح وحدثناه يحيى بن يحيى) التميمي أبو زكرياء النيسابوري (وأبو غريب قالا حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (كلاهما) أي كل من وكيع وأبي معاوية رَوَيَا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن سالم بن أبي الجعد عن غريب عن ابن عباس عن ميمونة، وغرضه بسوق هذين السندين متابعة وكيع وأبي معاوية لعيسى بن يونس في رواية هذا الحديث عن الأعمش (و) لكن (ليس في
стр. 2343
حَدِيثِهمَا إِفْرَاغُ ثَلَاثِ حَفَنَاتِ عَلَى الرَّأْسِ. وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَصْفُ الْوُضُوءِ كُلِّهِ، يَذْكُرُ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ فِيهِ. وَلَيسَ في حَدِيثِ أَبِي مُعَاويَةَ ذِكْرُ الْمِنْدِيلِ.
٦١٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ؛ أَن النبِي ﷺ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ. فَلَمْ يَمَسَّهُ. وَجَعَلَ يَقُولُ "بِالْمَاءِ هَكذَا" يَعْنِي يَنْفُضُهُ
ــ
حديثهما) أي في حديث وكيع وأبي معاوية (إفراغ) أي ذكر صب (ثلاث حفنات على الرأس) كما ذكره عيسى بن يونس (وفي حديث وكيع) وروايته (وصف الوضوء) أي ذكر أفعال الوضوء (كله) حالة كونه (يذكر المضمضة والاستنشاق) وما بعدهما من أفعاله (فيه) أي في الوضوء، وفي بعض النسخ ذكر المضمضة بلفظ الماضي (وليس في حديث أبي معاوية) وروايته (ذكر المنديل) وهذا بيان للمخالفة بين المتابعين والمتابَع تورعًا من الكذب عليهما.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦١٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، قال (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد من (٨) مات سنة (١٩٢) روى عنه في (١٧) بابا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن سالم) بن رافع أبي الجعد الأشجعي الكوفي (عن غريب عن ابن عباس عن ميمونة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم كوفيون وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة عبد الله بن إدريس لعيسى بن يونس في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وكرر محل المخالفة بين الروايتين تورعًا من الكذب على المتابع (أن النبي ﷺ أتي) بصيغة المبني للمجهول أي جيء (بمنديل) بعد غسله ليتمسح به (فلم يمسه) أي فلم يأخذه ليتمسح به بل رده (وجعل) أي شرع (يقول) أي يفعل (بالماء هكذا) وفي بعض النسخ هكذا وهكذا بالتكرار مرتين (يعني) الراوي بقوله يقول بالماء (ينفضه) أي ينفض الماء عن جسده أي يزيله عن جسده بالكفين، ونَفْض الشيء تحريكه ليزول عنه نحو الغبار ففي الحديث إطلاق القول على الفعل، وهو كثير في كتب الحديث كما في حديث عائشة الآتي قريبًا (فقال بهما على رأسه) وفي قوله
стр. 2344
٦٢٠ - (٢٨١)(١٢٧)(٩١) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَفمَ، إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيءٍ نَحْو الْحِلابِ،
ــ
(يعني ينفضه) رد على من كره التمندل، وقال: لأن الوضوء نور إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه لأن النفض كالمسح في إتلاف ذلك الماء. اهـ مفهم.
قال النواوي: فيه دليل على أن نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به، وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه: أشهرها أن المستحب تركه ولا يقال إنه مكروه، والثاني أنَّه مكروه، والثالث أنَّه مباح يستوي فعله وتركه وهو الأظهر المختار، فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ولم يثبت في النهي شيء أصلًا.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة الأول ثانيًا بحديث آخر لها فقال:
٦٢٠ - (٢٨١)(١٢٧)(٩١) (وحدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد (العنزي) بفتح العين والنون وبالزاي أبو موسى البصري ثقة من (١٠) قال (حدثني أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري ثقة ثبت من (٩) مات في ذي الحجة سنة (٢١٢) روى عنه في (١٢) بابا (عن حنظلة بن أبي سفيان) القرشي الجمحي الأموي المكي واسم أبي سفيان الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية ثقة حجة، من (٦) مات سنة (١٥١) روى عنه في (٩) أبواب (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة وأحد الأئمة الأعلام ثقة من كبار الثالثة، مات سنة (١٠٦) على الصحيح (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد مكي (قالت) عائشة رضي الله تعالى عنها كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل) أي إذا أراد الاغتسال (من الجنابة دعا) أي طلب (بشيء) أي بماءٍ ملءِ شيءٍ (نحو الحِلَاب) ونحو بالجر بدل من شيء أي طلب بماء قدر ملء الحلاب، وبالنصب بدل منه أيضًا على أن الباء زائدة أي طلب ماءًا قدر ما يملأ الحلاب، والحلاب بكسر الحاء المهملة لا غير إناء يسع قدر حلبة ناقة قاله الخطابي، وقال غيره: إناء ضخم
стр. 2345
فَأَخَذ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِق رَأْسِهِ الأَيمَنِ. ثم الأيسَرِ ثُمَّ أَخَذَ بِكَفيهِ. فَقَال بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ
ــ
يُحْلَبُ فيه، ويقال له أيضًا: المحلب بكسر الميم وفتح اللام، قال الشاعر:
صَاحِ هل ريتَ أو سمعْتَ بِرَاعٍ ... ردَّ في الضَّرْعِ ما ثَوَى في الحِلاب
(فأخذ) من مائه شيئًا (بكفه) اليمنى فصبه على رأسه، حالة كونه (بدأ) أي مبتدئًا في الصب (بشق رأسه) أي بالشق (الأيمن) من رأسه (ثم) بـ (ـالأيسر) من رأسه (ثم أخذ) الماء واغترت (بكفيه) جميعًا (فقال بهما) أي فصب وأفاض الماء بالكفين (على) جميع (رأسه) بلا ترتيب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري فقط [٢٦٢] وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول حديث عائشة المذكور أولًا ذكره للاستدلال، وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني حديث ميمونة ذكره للاستشهاد، وذكر فيه متابعتين، والثالث حديث عائشة الأخير ذكره للاستشهاد أيضًا.
***
стр. 2346
١٦٤ - (٦٩)(٥١) باب بيان القدر المستحب في ماء الغسل والوضوء وجواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد وغسل أحدهما بفضل الآخر
٦٢١ - (٢٨٢)(١٢٨)(٩٢) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ. هُوَ الْفَرَقُ. مِنَ الْجَنَابَةِ
ــ
١٦٤ - (٦٩)(٥١) باب بيان القدر المستحب في ماء الغسل والوضوء وجواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد وغسل أحدهما بفضل الآخر
٦٢١ - (٢٨٢)(١٢٨)(٩٢) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري أبو زكرياء الحنظلي ثقة ثبت إمام من (١٠) مات سنة (٢٢٦) روى عنه في (١٩) بابا (قال) يحيى (قرأت) وحدي (على مالك) بن أنس بن أبي عامر الأصبحي أبي عبد الله المدني وهو بمعنى أخبرني مالك، ثقة ثبت حجة فقيه إمام من (٧) مات سنة (١٧٩) وقد بلغ (٩٥) سنة ودفن بالبقيع، روى عنه في (١٧) بابا، حالة كونه راويًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني أحد الأئمة الأعلام ثقة حافظ متقن متفق على جلالته وإتقانه من (٤) مات سنة (١٢٥) روى عنه في (٢٣) بابا (عن عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة ثقة فقيه مشهور من (٢) مات سنة (٩٤) روى عنه في (٢٠) بابا (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلَّا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من) ماء (إناء هو الفَرَق) أي المسمى بالفرق، ومن تبعيضية متعلقة بيغتسل، وقال النووي: بيانية لبيان جنس الإناء الَّذي يستعمل منه الماء، وقال الأبي: من لبيان الإناء أو للتبعيض، اهـ. وكذا تتعلق به مِن في قوله (من الجنابة) ولكنها تعليلية أو سببية كما مر فلا يلزم حينئذ تعلق حرفي جر متحدي المعنى واللفظ بعامل واحد وهو ممنوع عندهم، والفَرَقُ بفتحتين وبفتح فسكون لغتان ما يسع ثلاثة آصع كما سيأتي عن سفيان.
قال النووي: أجمع المسلمون على أن الماء الَّذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على
стр. 2347
٦٢٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ،
ــ
الأعضاء، قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع، وفي الوضوء عن مد، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، والمد رطل وثلث، وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد، وهذا هو الصواب المشهور، وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر والأظهر أنَّه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعضهم: الإسراف حرام. اهـ بتصرف. والمد الواحد بالوزن العصري (٩٢٥) غرامًا، والصاع (٢٥٠٠) غرام هكذا قالوا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٦١] والبخاري [٢٥٠] وأبو داود [٢٣٨] والنسائي [١/ ١٢٧].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦٢٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف البغلاني أبو رجاء الثقفي ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب تقريبًا، قال (حدثنا ليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه من (٧) مات سنة (١٧٥) روى عنه في (١٥) بابًا (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا) محمد (ابن رمح) بن المهاجر التجيبي أبو عبد الله المصري ثقة ثبت من (١٠) مات سنة (٢٤٢) روى عنه في (٥) أبواب، قال (أخبرنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (ح وحدثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٢) روى عنه في (١٠) أبواب (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (٢٥) بابا، وأتى بحاء التحويل في الموضعين لبيان اختلاف مشايخ مشايخه واختلاف كيفية سماعهم (قالوا) أي قال كل من الأربعة الأخيرة (حدثنا سفيان) بن عيينة بن ميمون الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي ثقة إمام فقيه مدلس من (٨) مات سنة (١٩٨) روى عنه في (٢٥) بابا (كلاهما) أي كل من سفيان بن عيينة وليث بن سعد رويَا (عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني (عن عروة) بن
стр. 2348
عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ في الْقَدَحِ. وَهُوَ الْفَرَقُ. وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ في الإِنَاءِ الْوَاحِدِ.
وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
قَال قُتَيبَةُ: قَال سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ
ــ
الزبير الأسدي المدني (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذان السندان أيضًا من خماسياته، وغرضه بسوقهما بيان متابعة ليث بن سعد وسفيان بن عيينة لمالك بن أنس في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قالت) عائشة كان رسول الله ﷺ يغتسل) من الجنابة (في القدح) أي من ماء القدح ففي بمعنى مِنْ (و) القدح بفتحتين فسره بقوله (هو الفَرَق) المذكور في الرواية السابقة (و) قالت عائشة أيضًا (كنت أغتسل أنا وهو) ﷺ معطوف على فاعل اغتسل بعد تأكيده بضمير رفع منفصل كما هو القاعدة المشهورة عند النحاة ولفظة "في" في قوله (في الإناء الواحد) بمعنى مِنْ متعلقة باغتسل أي كنا نغتسل من ماء الإناء الواحد، وهذا لفظ حديث ليث بن سعد (وفي حديث سفيان) وروايته (من إناء واحد) بدل في الإناء الواحد. قال النواوي: وأما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين لهذه الأحاديث المذكورة في الباب. اهـ (قال قتيبة) بن سعيد (قال) لنا (سفيان) بن عيينة عندما حدثنا هذا الحديث (والفرق) المذكور في هذا الحديث (ثلاثة آصع) أي ما يسع ثلاثة آصع، والآصع جمع صاع على القلب، والأصل أَصْوُعٌ كأنفس في جمع نفس، قدمت الواو على الصاد وقُلبت ألفًا كما قيل في جمع دار آدُرْ، والصاع يذكَّر ويؤنث، وفيه ثلاث لغات صَاعٌ وصَوَعٌ بفتح الصاد والواو وصُوَاع بضم الصاد. اهـ نواوي.
قال القرطبي: وتفسيره بثلاثة آصع هو ما عليه والجمهور، وقال أبو الهيثم: الفرق إناء يأخذ ستة عشر رطلًا، وقال غيره هو إناء ضخم من مكاييل العراق وقيل هو مكيال أهل المدينة المعروف فيهم وهو يسع أربعة أمداد بمد النبي ﷺ . اهـ.
ثم استشهد المؤلف بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها لحديثها الأول فقال:
стр. 2349
٦٢٣ - (٢٨٣)(١٢٩)(٩٣) وحدَّثني عُبَيدُ اللهِ بن مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. قَال: حَدَّثَنَا أَبِي. قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحْمنِ. قَال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، أَنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَسَألَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَفَمَ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَدَعَتْ بَإِنَاءٍ قَدْرِ الصَّاعِ. فَاغْتَسَلَتْ. وَبَينَنَا وَبَينَهَا سِتْرٌ. وَأَفْرَغَتْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلاثًا
ــ
٦٢٣ - (٢٨٣)(١٢٩)(٩٣) (وحدثني عبيد الله بن معاذ) بن معاذ (العنبري) أبو عمرو البصري ثقة حافظ من (١٠) مات سنة (٢٢٧) (قال) عبيد الله (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنى البصري ثقة من (٩) مات سنة (١٩٦) (قال) معاذ بن معاذ (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة ثبت متقن من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابا (عن أبي بكر) عبد الله (بن حفص) بن عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني، مشهور بكنيته عداده في التابعين، روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في الوضوء، وعبد الله بن حنين في الصلاة، وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله في اللباس، ويروي عنه (ع) وشعبة وزيد بن أبي أُنَيسَة والمسعودي وغيرهم، وثَّقَه النسائي، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن عبد البر: كان من أهل العلم والثقة أجمعوا على ذلك، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، قال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث من (٣) مات سنة (٩٤) روى عنه في (١٤) بابا (قال) أبو سلمة (دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة) وكان أبو سلمة ابن الرضاع لأخت عائشة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وكانت عائشة خالة الرضاع لأبي سلمة ولذلك دخل عليها وأخوها من الرضاعة، قال القاضي عياض: قيل إن اسمه عبد الله بن يزيد وهما مَحْرَمَان لعائشة ولذا دخلا عليها ونظرًا إلى أعالي بدنها مما يحل للمحرم نظره (فسألها) أخوها عبد الله بن يزيد (عن) كيفية (غسل النبي ﷺ من الجنابة فدعت) أي فطلبت عائشة ممن عندها (بإناء قدر الصاع) أي بإحضار إناء فيه ماء قدر الصاع، وهذا موضع الترجمة من الحديث (فاغتسلت) عائشة بذلك الماء (وبيننا وبين) أسافل بدنـ (ـها ستر) وحجاب يحجبنا عن رؤية أسافل بدنها مما لا يحل للمحرم نظره، ونحن نرى أعالي بدنها (وأفرفت) أي صبت الماء (على رأسها ثلاثًا) أي ثلاث إفراغات، وهو
стр. 2350
قَال: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِي ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُؤُوسِهِن حَتَّى تَكُونَ كَالوَفْرَةِ
ــ
معطوف على اغتسلت عطفًا تفسيريًّا (قال) أبو سلمة (وكان) شعرها خفيفًا قصيرًا لأن (أزواج النبي ﷺ كن بعد وفاة النبي ﷺ (يأخذن) ويُقَصِّرْنَ (من) شعر (رؤوسهن) أي يخففن من شعورهن (حتَّى تكون) شعورها (كالوفرة) أي مثل الوفرة وهي من الشعر ما كان إلى الأذنين ولا يجاوزهما، ولعلهن فعلن ذلك بعد وفاته ﷺ لتركهن التزيُّنَ، ولا يُظن بهن فعلُهُ في حال حياته ﷺ .
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٦/ ٧٢] والبخاري [٢٥١] وسنده من السداسيات رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة بصريون.
وفي المفهم: قوله (فاغتسلت وبيننا وبينها ستر) ظاهر هذا الحديث أنهما رآيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل لذي المحرم أن يَطَّلِع عليه من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أختها نسبًا، والآخر أخوها رضاعة، وتحققا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد ولولا ذلك لاكتفت بتعليمها بالقول ولم تحتج إلى ذلك الفعل، وقد شوهد غسل النبي ﷺ من وراء الثوب وطؤطيء عن رأسه حتَّى ظهر لمن أراد رؤيته. وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي ﷺ يدل على رؤيته شعرها، وهذا لم يُخْتَلف في جوازه لذي المحرم إلَّا ما يُحْكَى عن ابن عباس من كراهة ذلك، قوله (حتَّى تكون كالوفرة) قال أبو حاتم: الوفرة من الشعر ما غطى الأذنين، واللَّمَّة ما أَلَمَّ بالمنكبين، والجُمَّة ما جاوز المنكبين، والوفرة أقلها، قال النواوي: وفي هذا الَّذي فعلته عائشة رضي الله تعالى عنها دلالة على استحباب التعليم بالوصف بالفعل، فإنه أوقع في النفس من القول ويثبت في الحفظ مالا يثبت بالقول، قال القاضي: والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي ﷺ فعلن ذلك بعد وفاته ﷺ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفًا لمؤنة رؤسهن، وهذا الَّذي قاله القاضي متعين ولا يُظن بهن فعله في حياته ﷺ وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء، والله أعلم.