← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسنَةُ الناس، تَكَلَّمُوا فيه ــ البديعيين تجريدًا، وهو أنْ يُجَرِّدَ المتكلِّمُ من نفسه شخصًا مُماثلًا له ويُخْبرَ عنه كأنّه غيرُه، أو (يقولُ: أَخَذَتْهُ ألسنةُ الناس تَكَلَّمُوا فيه) هو من كلام بعض رُواة جامعه عنه (يقولُ) أي: يُريدُ عبدُ الله بن عَوْنٍ بقوله: (نزكُوه): (أَخَذَتْه) أي: أَخَذَتْ شَهْرًا وَعَيَّبَتْه (ألسنةُ الناس) و (تكلمُوا فيه) أي: تَكَلمَ الناسُ في شَهْرٍ بالجَرْح وأسبابه. قال النووي: (والألسنةُ: جمعُ لسان على لُغَةِ مَنْ جَعَلَ اللسانَ مذَكَّرًا، وأما مَنْ جَعَلَهُ مُؤَنَّثًا .. فجَمْعُهُ ألْسُن، قاله ابن قتيبة) (١). وقال أيضًا: (ويَردُّ أيضًا روايةَ التاء: أن شَهْرًا ليس متروكًا، بل وَثَّقَه كثيرٌ من أئمة السلف كابن حَنْبلٍ وابن مَعينٍ، وقال أبو زُرْعة: لا بأسَ به، وقال الترمذي عن البُخَاريّ: "شَهْرُ بن حَوْشَبٍ حَسَنُ الحديث" (٢). وأما ما ذُكِرَ من جَرْحِه أنه أخَذَ خريطةً من بيت المال .. فقد حَمَلَه العلماء المُحَقِّقُون على مَحْمَلٍ صحيحٍ، وقولُ أبي حاتم بن حبَّان (٣): "إنه سَرَق من رفيقه في الحج عَيْبةً" غيرُ مقبولٍ عند المحققين بل أنكروه، والله أعلم) اهـ (٤). وأما ترجمته: فهو شَهْرُ بن حَوْشَب -بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة- مولى أسماء بنت يَزِيد بن السكن، أبو سعيد ويُقال: أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن وأبو الجَعد، الشامي الحمْصي -وقيل: الدمشقي- الأشعري، أَرْسَلَ عن مولاته أسماءَ وابن عَباسٍ وعائشة وأُمّ سلمة وجابرٍ وطائفةٍ، ويروي عنه (م عم) وقتادةُ وثابتٌ

стр. 282

[٣٧] وَحَدَّثنا حَجاجُ بْنُ الشَّاعر، ــ والحَكَمُ وعاصمُ بن بَهْدَلة، وَثَّقَهُ ابنُ مَعين وأحمدُ. وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومائة. وقال النوويُّ: (إنَّ شَهْرًا وَثَّقَهُ كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرُهم، فَممنْ وَثَّقَه أحمدُ بن حنبل ويحيى بن مَعين وآخرون، وقال أحمدُ بن حنبل: ما أحْسَنَ حديثَه! ووَثَّقَهُ، وقال أحمدُ بن عبد الله العجْلي: هو تابعيّ ثقة، وقال ابنُ أبي خيثمة عن يحيى بن مَعين: هو ثقَةٌ، ولم يذكر ابنُ أبي خيثمة غيرَ هذا، وقال أبو زرعة: لا بأسَ به، وقال الترمذي: قال محمدٌ يعني البُخَاري: شَهْرٌ حَسَنُ الحديث، وقَوَّى أمْرَه، وقال: إنما تَكَلَّمَ فيه ابنُ عَوْن، ثم روى عن هلال بن أبي زينب عن شَهْر، وقال يعقوبُ بن شيبة: شَهْرٌ ثقةٌ. وقال صالحُ بن محمد: شَهْرٌ روى عنه الناسُ من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، ولم يُوقَفْ منه على كَذِب، وكان رجلا يَنْسُكُ -أي: يَتَعَبَّدُ- إلّا أنه روى أحاديثَ لم يَشْرَكْهُ فيها أحدٌ، فهذا كلامُ هؤلاء الأئمة في الثناء عليه) اهـ (١). ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى ثانيا بأثَر شُعْبَةَ فقال: [٣٧] (وحَدثنا حَجاجُ بن الشاعر) وفي بعض النسخ: (وحَدثني). قال النووي: (هو حَجَّاجُ بن يوسف بن حَجَّاج الثقفي، أبو محمد البغدادي المعروفُ بابن الشاعر، الحافظ الرحَّال، كان أبوه يوسفُ شاعرًا صَحبَ أبا نُواس، وحَجَّاجٌ هذا يُوافقُ الحَجَّاجَ بنَ يوسف بن الحكم الثقفي أبا محمد الواليَ الجائرَ المشهورَ بالظُّلْمِ وسَفْك الدِّماء، فيُوافقُه في اسمه واسم أبيه وكُنْيته ونَسَبه، ويُخَالفُهُ في جَدِّه وعَصْره وعدالته وحُسن طريقته) (٢). روى عن يونس المؤدِّب ورَوْح بن عُبادة وأبي النَّضْر وأبي علي الحنفي وعبد الرزاق

стр. 283

حَدثنا شَبَابَةُ قَال: قَال شُعبَةُ: وَقَدْ لَقيتُ شَهْرًا فَلَمْ أَعْتَدَّ به. [٣٨] وَحَدَّثَني مُحَمدُ بْنُ عَبْد الله بْن قُهْزَاذَ -منْ أَهْل مَرْوَ- ــ وشَبَابَة، ويروي عنه (م د) وقال (١): هو خيرٌ من مائة مثل الرمادي، ويروي عنه أيضًا المحاملي وابنُ أبي حاتم. وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسعٍ وخمسين ومائتين. قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثنا شَبَابةُ) -بفتح الشين المعجمة وبالباءين الموحدتين- ابن سَوَّار أبو عَمْرو الفزَاري مولاهم، المدائني، أصلُه من خُراسان، قيل: اسمُه مروان وشَبَابَةُ لَقَبُه. روى عن يونس بن أبي إسحاق وحريز بن عثمان، ويروي عنه (ع) وأحمد وعَبَّاس الدوري. قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ رُميَ بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربعٍ أو خمس أو ستّ ومائتين. (قال) شَبَابَةُ بن سَوَّار: (قال شُعْبةُ) بن الحَجاج العتكي البصريُ: (وقد لَقيتُ) أي: رأيتُ (شهْرًا) ابنَ حَوْشَب وعَلمْتُ حالهُ (فلم أَعْتد به) أي: فلم أهْتَمَّ برواية حديثه ولم أعْتَنِ به؛ لأنه ليس ممَّن يُكتب حديثه ولا ممَّن يُوثَقُ به في الحديث، ولم أحسب حديثَه من الأحاديث الصحيحة. ورجالُ هذا السَّنَد ثلاثةٌ: واحدٌ منهم بغدادي، وواحدٌ مدائني، وواحد بصري. وغرَض المؤلِّف منه: الاستشهادُ لمَا قَبله، والله أعلم. ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لمَا قبلَه بأثَر سفيان الثَّوْري فقال: [٣٨] (وحَدَّثني محمدُ بن عبد الله بن قُهْزَاذَ) المَرْوَزي أبو جابرٍ، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومائتين (من أهل مَرْوَ) بلدةٍ عظيمةٍ بخُراسان.

стр. 284

قَال: أَخْبَرَني عَليُّ بْنُ حُسَين بْن وَاقدٍ، قَال: قَال عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَك: قُلْتُ لسُفْيَانَ الثوْري: إن عَبَّادَ بْنَ كَثير ــ (قال) محمدُ بن عبد الله: (أخبرني عَلي بن حُسَين بن وَاقدٍ) بقاف القُرَشي أبو الحَسَن المَرْوَزي. روى عن أبيه وهشام بن سَعْد وابن المبارك، ويروي عنه (من عم) وسوَيد بن نَصْر وعلي بن خَشْرَم وغيرُهم، قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهمُ، من العاشرة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. (قال) علي بن حُسَين: (قال عبدُ الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن المَرْوَزي، أحدُ الأئمة الأعلام: (قلتُ لسفيانَ) بن سعيد بن مسروق (الثوْري) أبي عبد الله الكوفي أحَد الأئمة الأعلام: (إن عَبادَ بنَ كثيرٍ) الثقفي البصري. روى عن أيوبَ السخْتياني ويحيى بن أبي كثير وعَمْرو بن خالد الواسطي وثابت البُناني وعبد الله بن طاوس وأبي الزبير وأبي الزناد وغيرهم، ويروي عنه إبراهيمُ بن طَهْمان وأبو خيثمة -وهما من أقرانه- وإسماعيلُ بن عَياش وغيرُهم. قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوَأُ حالًا من الحَسَن بن عمارة وأبي شَيبة، رَوَى أحاديثَ كذب لم يَسْمَعْهَا، وكان صالحًا، قلتُ: فكيف روى ما لم يَسْمَعْ؟ قال: البَلَهُ والغَفْلَةُ (١). وقال الدُّوري عن ابن مَعين: ضعيف الحديث وليس بشيء، وقال ابنُ أبي مريم

стр. 285

مَنْ تَعْرِفُ حَالهُ، وإذَا حَدَّثَ .. جَاءَ بأمْرٍ عَظيمٍ، فتَرَى أَنْ أَقُولَ للناس: لَا تأخُذُوا عَنْهُ؟ قَال سُفْيَانُ: بَلَى، قَال عَبْدُ الله: فَكُنْتُ ــ عن ابن مَعِين: لا يُكتب حديثه، وقال ابنُ أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة، ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكارٌ، وعن أبي زُرْعة: لا يُكتب حديثه، كان شيخًا صالحًا، لا يضبط الحديث. وذَكَرَه البخاري في "الأوسط" (٢/ ٨١) في فصل: مَنْ مات ما بين الأربعين إلى الخمسين ومائة، وقال: سكتوا عنه، وقال العجْلي: ضعيفٌ متروكُ الحديث، وكان رجلا صالحًا. - وقال في "التقريب": من السابعة، مات بعد الأربعين ومائة، وروى عنه (د ق). ورجالُ هذا السَّنَد أربعةٌ، ومن لطائفه: أن رجاله كُلهم مَرْوَزيُّون إلا سفيان الثوْري فهو كوفي. (مَنْ تَعْرِفُ حالهُ) وضَعْفَه، بالتاء المُثَنَّاة فوقُ خطابًا لسفيان، يعني أنتَ عارفٌ بضَعْفه. (وإذا حَدَّثَ) للناس حديثًا ( .. جاءَ) عَبادٌ (بأمر عظيم) أي: بكَذبٍ عظيمٍ وافتراءٍ شديدٍ، فهو لا يَتَوَرَّعُ عن الكَذب ولا يُبالي في حديثه أَصَدَقَ أم كَذَب، أَ (فَتَرَى) يا سفيانُ، بتقدير همزة الاستفهام من الرأْي؛ أي: أفتَعْتَقدُ رَأْيًا سديدًا وقولًا حقًّا (أنْ أقولَ للناس) الذين يَرْوُون عنه الحديثَ (لا تَأخُذُوا) أيها الناس (عنه؟ ) أي: عن عَبَّاد بن كثير، ولا تَرْوُوا عنه الأحاديثَ؛ لأنه ليس من أهل الحديث؛ لئلّا يَغْتَرُوا بحديثه ويَضِلُّوا به، نصيحةً لهم وذَبًّا عن الذين وحفْظًا للسُّنَّة المطَهَّرة. (قال سفيانُ) الثوْري: (بلى) أي: نَعَمْ أرى ذلك رأيا سديدًا وقولا حقًّا، (بَلَى) هنا بمعنى (نَعَمْ) التي للتصديق لا لنفي النفي؛ لعدم سبقها بالنفي. قال عليُّ بن الحُسَين: (قال) لنا (عبدُ الله) بن المبارك: (فكنتُ) أنا بعد ذلك

стр. 286

إذَا كُنْتُ في مَجْلسٍ ذُكرَ فيه عَبَّادٌ .. أَثْنَيتُ عَلَيه في دينه وَأَقُولُ: لَا تَأخُذُوا عَنْهُ. وَقَال مُحَمَّدٌ: حَدثنا عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ، قَال: قَال أَبي: قَال عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَك: انتهَيتُ إلَى شُعْبةَ فَقَال: ــ (إذا كنتُ في مجلس) وحلقةٍ (ذُكرَ فيه) أي: في ذلك المجلس (عَبادُ) بن كثيرٍ ( .. أثْنَيتُ عليه) بالخير والصلاح (في دينه) وكثرة عبادته وشدة أمانته ويقينه (وأقولُ) بعد ثنائي عليه وذكْره بالخير: ولكنْ (لا تَأخُذُوا) ولا تَرْوُوا (عنه) أي: عن عَبَّادٍ الحديثَ؛ لأنه ليس من أهله؛ لقلَّة ضَبْطه وإتقانه، وكثرة غَفْلَته وخَطئه، واتّهام الناس له بالوَضْع والكَذب. ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى شاهدًا لأثر سفيان فقال: (وقال) لنا (محمدُ) بن عبد الله بن قُهْزَاذَ المَرْوَزي من الحادية عشرة: (حَدثنا عبدُ الله بن عثمانَ) بن جَبَلَة -بفتح الجيم والموحدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء وتشديد الواو- الأزدي العَتكي -بفتح المهملة والمثناة- نسبة إلى بطن من الأزد يُسمى العَتيك، أبو عبد الرحمن المروزي الحافظ المُلَقَّب بعَبْدان. روى عن مالكٍ وشُعْبةَ وابن المبارك، ويروي عنه (خ م دت س) والذهْلي وخَلْق. وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين في شعبان. (قال) عبدُ الله بن عثمان: (قال أبي) عثمانُ بن جَبَلَة بن أبي رَواد العَتكى مولاهم، المَرْوَزي. روى عن عَمِّه عبد العزيز وقُرَّةَ بن خالد، ويروي عنه (خ م س) وابناه عبدان وعبد العزيز وأبو جعفر النَّفَيلي، وَثَّقَهُ أبو حاتم. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من كبار العاشرة، مات على رأس المائتين. (قال) لنا (عبدُ الله بن المبارك) المَرْوَزي: (انْتهَيتُ) أي: وَصَلْتُ (إلى شَعْبةَ) بن الحَجَّاج العتكي البصريّ وعَبادُ بن كثيرٍ جالس عنده، (فقال) لنا شعبةُ:

стр. 287

هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثيرٍ فَاحْذَرُوهُ. [٣٩] وَحَدَّثَني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَال: سَألْتُ مُعَلَّىً الرازيَّ عَنْ مُحَمد بْن سَعيدٍ ــ (هذا) الشخصُ الحاضرُ عندنا هو (عَبَّادُ بن كثير) الثقفي البصري الوَضَّاعُ الكَذَّابُ في الحديث (فاحْذَرُوه) أي: فاحْذَرُوا حديثَه واجْتَنبُوه ولا تَرْوُوا عنه؛ فإنه ضعيف يروي مناكيرَ عن الثقات، وليس أهلا للحديث، وهو يسمع كلامه. وهذا السَّنَدُ من خماسياته، ومن لطائفه: أن رُواتَهُ كُلهم مَرْوَزيُّون إلا شُعبة فإنه بصري. وغَرَضُه بسَوْق هذا السنَد: بيانُ متابعة عثمان بن جَبَلة لعَليِّ بن حُسَين عن عبد الله بن المبارك، أو غَرَضُه استشهادُه لسفيان بشُعْبة. ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ لعبد الله بن المبارك فقال: [٣٩] (وحَدَّثني الفَضْلُ بن سَهْل) بن إبراهيم الأعرج أبو العباس البغدادي الحافظ. روى عن أبي أحمد الزُّبَيري وَيزيد بن هارون وعَفَّان ومحمد بن بشْر، ويروي عنه (خ م دت س) وابنُ مخلد والمحاملي. وكان ذكيًّا يحفظُ. وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وخمسين ومائتين. (قال) الفضل: (سَألْتُ معَلَّى) بنَ منصور (الرازي) أبا يعلى الحنفي الحافظَ الفقيهَ. روى عن مالكٍ والليث وسُلَيمَانَ بن بلال وهُشَيمٍ وحَماد بن زيد وغيرهمْ، ويروي عنه (ع) وابنُه يحيى وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وابنُ المَديني وغيرُهم. قال في "التقريب": ثقةٌ سُني فقيهٌ، طُلبَ للقضاء فامْتَنَع، من العاشرة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين على الصحيح. (عن محمد بن سعيد) بن حسان بن قيس الأسدي -ويقال: الأزدي- الشامي الدمشقي المصلوب، ويقال: محمد بن سعيد بن عبد العزيز، ويُقال له: ابن أبي عُتبة، ويُقال: ابن أبي قيس، ويُقال: ابن أبي حسان، ويُقال: ابن الطبري، ويقال له غير ذلك في نَسَبِه، كنيتُه: أبو عبد الرحمن، ويُقال: أبو عبد الله، ويُقال: أبو قيس، وقد يُنْسَبُ لَجَدِّه، وقيل: إنهم قَلَبُوا اسمَه على مائة وَجْهٍ ليَخْفَى.

стр. 288

الذي رَوَي عَنْهُ عَبَّادٌ، فَأخْبَرَنِي عَنْ عيسَى بْن يُونس قَال: كُنْتُ عَلَى بَابه وَسُفْيَانُ عنْدَهُ، فَلَما خَرَجَ .. سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فأخْبَرني ــ روى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجْهٍ ضعيف وعُبادة بن نُسَي وربيعة بن يَزيد وغيرهم، ويروي عنه (ت ق) وابنُ عجلان والثوري وسعيدُ بن أبي هلال ومروانُ بن معاوية ويحيى بن سعيدٍ الأُموي وغيرُهم، كَذَّبُوه، وقال أحمدُ بن صالح: وَضَعَ أربعةَ آلاف حديث. وقال دُحَيْم: سمعتُ خالدَ بن يزيدَ الأزرقَ يقول: سمعتُ محمدَ بن سعيدٍ الأُرْدُني يقول: إذا كان الكلام حَسَنًا .. لم أُبال أنْ أجْعَلَ له إسنادًا. وقال العُقَيلي: يُغَيِّرُون اسمَه إذا حَدَّثُوا عنه. وقال النَّسائيُّ: الكَذَّابونَ المعروفون بوَضْع الحديث أربعةٌ: إبراهيمُ بن أبي يحيى بالمدينة، والواقديُّ ببغداد، ومُقاتل بخُراسان، ومحمدُ بن سعيدٍ بالشام. وقال عبدُ الله بن أحمدَ عن أبيه: قتَلَه المنصورُ على الزندقة وَصَلَبَه. وقال في "التقريب": من السادسة. وقولُه: (الذي) صفةٌ لمحمد بن سَعيدٍ؛ أي: الذي (رَوَى عنه عَبادُ) بن كثيرٍ (فأخْبَرَني) مُعَلّى بن منصورٍ (عن عيسى بن يُونُس) بن أبي إسحاق السبيعى -بفتح المهملة وكسر الموحدة- أخي إسرائيل أبي عَمْرو الكوفي، أحَد الأئمة الأعلام. روى عن أبيه وأخيه إسرائيلَ وإسماعيلَ بن أبي خالد وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وحَمَّادُ بن سلمة وهو أكبرُ منه، وابنُ وَهْبٍ وابنُ المَديني وغيرُهم، وثَّقَه أبو حاتم، وقال ابنُ المَديني: بخ بخ ثقة مأمون. وقال في "التقريب": ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة إحدى وتسعين ومائة، وقيل: سنة سبع وثمانين ومائة. (قال) عيسى بن يونس: (كنتُ) أنا يومًا واقفًا (على بابه) أي: على باب محمَّد بن سعيدٍ (وسفيانُ) بن سعيدٍ الثوْري جالس (عندَه) أَي: عندَ محمد بن سعيد، (فلمَّا خَرَجَ) سفيانُ الثوري من عند محمد بن سعيدٍ ( .. سألتُه) أي: سألتُ سفيانَ الثوري (عنه) أي: عن حال محمد بن سعيدٍ هل هو ثقة أم لا؟ (فأخبرني)

стр. 289

أنَّه كَذَّابٌ. [٤٠] وَحَدَّثَني مُحَمدُ بْنُ أَبي عَتابٍ، قَال: حَدَّثَني عَفانُ، ــ سفيانُ الثوريُّ: (أنه) أي: أن محمدَ بنَ سعيدٍ هذا هو (كَذاب) وَضَّاعٌ في الحديث، ليس بثقةٍ ولا مأمون، فلا تأخذوا عنه الحديثَ ولا تَرْوُوا حديثَه. وغَرَضُ المؤلِّف رحمه الله تعالى بسَوْق هذا السنَد: بيانُ متابعة عيسى بن يونس لعبد الله بن المبارك في رواية هذا الأثر عن سفيان الثوْري، وكَررَ المتنَ لمَا بين الروايتَين من المخالفة في الكلمات، وهذا السنَدُ من رُباعياته، وفيه روايةُ بغدادي، عن رازي، عن كوفي، عن كوفي. ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لمَا تقدمَ في كَشْف معايب الرواة بأثَر يحيى بن سعيد القطان فقال: [٤٠] (وحَدَّثَني مُحَمَّدُ بن أبي عَتَّاب) بالعين المهملة البغدادي، أبو بكرٍ الأعينُ، واسمُ أبي عَتابٍ: طريفٌ، وقيل: الحسن بن طريف. روى عن رَوْح بن عُبادة وأسود بن عامر وعبد الصمد بن النعمان وزَيد بن الحُباب وغيرهم. ويروي عنه (من ت) وأبو داود في غير "السُّنَنِ" وأبو زُرْعة وأبو حاتم وغيرُهم. قال عبد الخالق بن منصور عن ابن مَعين: ليس هو من أصحاب الحديث، وقال الخطيبُ: عَنَى بذلك أنَّه لم يكن من الحُفاظ لعلَله والنقاد لطُرقه مثْل علي بن المديني ونحوه، وأما الصِّدْقُ والضبْطُ لمَا سَمعَهُ .. فلم يكن مدفوعًا عنه. وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة أربعين ومائتين. (قال) محمدُ بن أبي عَتَّابٍ: (حَدَّثَني عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري مولى عَزْرة بن ثابت أبو عثمان الصفار البصري، أحَدُ الأئمة الأعلام. روى عن هشام الدَّسْتَوَائي وشُعْبة وهَمام وحَمَّاد بن سلمة وطبقتهم، ويروي عنه (ع) وإبراهيمُ الحربي وأبو زُرْعة وأحمدُ وإسحاقُ وابنُ مَعين وغيرُهم. قال العجْلي: ثقةٌ ثَبْتٌ صاحبُ سُنَّة، وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ من كبار

стр. 290

عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن سَعيدٍ الْقَطَّان، عَنْ أَبيه قَال: لَمْ نَرَ الصَّالحينَ في شَيءٍ أَكْذَبَ منْهُمْ في الْحَديث ــ العاشرة، قال ابنُ المَديني: كان إذا شَكَّ في حَرْفٍ من الحديث .. تَرَكَه، ورُبما وَهِمَ، وقال ابنُ عَدِي: اخْتَلَطَ سنةَ تسعَ عشرة، ومات سنة عشرين ومائتين قاله البخاري وأبو داود ومُطَيّن، وليس في مسلم (عَفَّان) إلا هذا الثقة الفاضل. (عن محمد بن يحيى بن سعيدٍ القَطَّان) أبي صالحٍ البصري وَلَد العالم المشهور. روى عن أبيه ومُعاذ بن مُعاذ وفُضَيْل بن عياض وابن عُيَينة وابن مهدي وغيرهم، ويروي عنه (مق) وعُبَيدُ الله بن معاذ ومحمدُ بن يحيى بن أبي حاتم الأَزْدي -وهُما من أقرانه- وصالح وأحمد ابنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان وطائفةٌ، وثَّقَهُ ابنُ حبَّان. وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاثٍ وثلاثين ومائتين على الصحيح. (عن أبيه) يحيى بن سعيدٍ القطَّان أبي سعيدٍ الأحول التميمي الحافظ الحُجَّة. قال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقنٌ حافظٌ إمام قُدْوَةٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة. وهذا السَّنَدُ من رُباعياته، ومن لطائفه: أن رجالهُ كُلهم بصريون إلا محمد بن أبي عَتَّاب فهو بغدادي كما مَر. (قال) أبوه يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ: (لم نَرَ الصالحين) قال النووي: (ضبَطْناهُ هُنا بالنون، وفي الموضع الآتي بالتاء المثنّاة فوق) (١) أي: لم نَعْلَم الصالحين؛ أي: العُبَّادَ الزُّهَّادَ المُراعين لحقوق الله وحقوق العباد (في شَيء) من أُمور الدين والدنيا (أكْذَبَ منهم في الحديث) أي: لم نَعْلَم الصالحين أكثرَ كَذبًا وخطأً في شيءٍ من أُمور الدين والدنيا من كَذبهم وخَطَئهم في رواية الحديث، حتى يَضَعُوا الأحاديثَ في الترغيب والترهيب بقَصْد الإرشاد للأمة والنصيحة لهم. قال النووي: (ومعناه: ما قاله مسلمٌ: إنَّه يجري الكذبُ على ألسنتهم

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يتعمَّدُونه؛ لكَونِهم لا يُعَانُون صناعةَ أهل الحديث، فيقَعُ الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه، ويَرْوُون الكذب ولا يعلمون أنه كَذِبٌ، وقد قدمْنا أن مذهبَ أهل الحق أن الكَذِبَ هو الإخْبَارُ عن الشيء بخلاف ما هو عليه عَمْدًا كان أو سَهْوًا أو غَلَطًا) اهـ (١). وقال القاضي عيَاضٌ: (يعني أنهم يُحَدِّثون بما لم يَصِحَّ لقلَّة معرفتهم بالصحيح، والعِلْم بالحديث، وقِلَّة حفْظهم وضَبْطهم لما سَمعُوه، وشُغلِهم بعبادتهم، وإضْرابهم عن طريق العلم، فكَذَبُوا من حيثُ لم يَعْلمُوا وإنْ لم يتَعَمَّدُوا ... وقد يقَعُ في الكَذب على رسول الله ﷺ منهم مَنْ غَلَبَتْ عليه العبادةُ ولم يكن معه علْمٌ فيَضَعُ الحديثَ في فضائل الأعمال ووجُوه البر، ويتساهلون في رواية ضعيفها ومُنْكَرِها وموضوعاتها، كما قد حُكيَ عن كثير منهم واعترفَ به بعضُهم، وهم يَحْسَبُون -لقلة علْمهم- أنهم يُحْسنُون صُنْعًا. ورُبَّما احْتَجُّوا في ذلك بالحديث المأثور عن أبي هريرة ﵁ يرفعُه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إذا حُدِّثتم عني حديثًا تعرفونه ولا تُنْكرونهُ .. فَصدِّقُوا به قُلْتُه أو لم أقُلْهُ؛ فإني أقولُ ما يُعرف ولا يُنكر" وهو حديثٌ ضعَّفَه الأصيلي وغيرُه من الأئمة، وتأوَّلَهُ الطَّحَاوي وغيرُه، ومعناه -لو صحَّ ظاهره- وهو: أنه ما جاءَ عنهُ موافقًا لكتاب الله تعالى وما عُرِفَ من سُنَّته غَيرَ مُخَالف لشريعته ولا تَحَقَّقَ أنَّه قاله بلَفْظِه فيُصَدَّق به أي بمعناه لا بلفظه؛ إذْ قد صَحَّ من أُصول الشريعة أنه

стр. 292

قَال ابْنُ أَبي عَتَّابٍ: فَلَقيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْن سَعيدٍ الْقَطَّان، فَسَألْتُهُ عَنْهُ فَقَال عَنْ أَبيه: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَير في شَيءٍ أَكْذَبَ منْهُمْ في الْحَديث. قَال مُسْلمٌ: يَقُولُ: يَجْري الْكَذبُ عَلَى لسَانهمْ وَلَا ــ لا يُصَدَّق به؛ لاحتمال أنه قاله بغير هذا اللفظ، ولا يُكَذب به؛ إذ قد يحتمل أنه قاله) اهـ (١). (قال) محمدُ (ابنُ أبي عَتَّاب) البغدادي: (فَلقيتُ) بضمّ التاء للمتكلم، وقولُه: (أنا) تأكيد لتاء المتكلم، أتَى به دفْعًا لما قد، يتَوَهَّمُ أنه بفتح التاء للمخاطَب؛ أي: رأيتُ أنا (مُحَمَّدَ بنَ يحيى بن سعيدٍ القَطَّان) بعدما رَوَى لي عنه عَفَّانُ بن مسلم، وغَرَضُه بهذا الكلام: بيانُ عُلُوِّ سَنَده، وقولُه: (القطَّان) مجرورٌ صفةٌ لـ (يحيى)، وليس منصوبًا على أنه صفة لـ (محمد)، والله أعلم قاله النووي (٢)؛ لأن (القطَّان) صيغةُ نَسَبٍ ليحيى بن سعيد؛ لأن معناه: صاحب قطن؛ لأنه كان يبيعُها على ما قيل، والله أعلم. (فسألتُه) أي: سألتُ محمد بن يحيى (عنه) أي: عن الأثَر الذي حَدَّثَنيه عنه عَفَّانُ بن مسلمٍ (فقال) لي محمدُ بن يحيى مُشَافَهَةً بلا واسطة حالةَ كونه راويًا لي هذا الأثر (عن أبيه) يحيى بن سعيدٍ القَطَّان: (لم تَرَ) أنتَ بتاء الخطاب لا بالنون كما في الرواية الأولى؛ أي: لم تَرَ أنتَ أيها المُخَاطَبُ (أهلَ الخير) والصلاح والعبادة (في شَيء) من أُمور الدين والدنيا، والجار والمجرورُ متعلق بقوله: (أكْذَبَ) أي: أكثرَ كَذبًا في شيءٍ (منهم) أي: منْ كَذبهم (في الحديث) أي: لم تَرَ أهلَ الخير والعبادة في شيءٍ أكذبَ منهم في الحديث، يعني به الغلطَ والخطأ، كما فَسرَهُ مسلم بذلك حين قال على سبيل التجريد: (قال مسلمُ) بن الحَجَّاج رحمه الله تعالى: (يقولُ) أي: يُريدُ يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ بقوله: (لم تَرَ أهلَ الخير في شيءٍ أكْذَبَ منهم في الحديث): (يَجْري الكَذبُ على لسَانهم) أي: يَقَعُ منهم الكَذبُ خَطأً وغَلَطًا، (و) الحالُ أنهم (لا

стр. 293

يَتَعَمَّدُونَ الْكَذبَ. [٤١] حَدَّثَني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَال: حَدثنا يَزيدُ بْنُ هَارُونَ، قَال: أَخْبَرَني خَليفَةُ بْنُ مُوسَى ــ يَتَعَمَّدُون الكَذِبَ) بما جَرَى على لسانهم ولا يَقْصدُونه، بل يقصدون به الترغيبَ والترهيبَ إرشادا للناس وتذكيرًا وعظَةً لهم. قال القرطبيُّ: (وسَبَبُ هذا: أن أهلَ الخير غَلَبَتْ عليهم العبادةُ، فاشتغلوا بها عن الرواية، فنَسُوا الحديثَ، ثم إنهم تعرَّضوا للحديث فغَلِطُوا، أو كَثُرَ عليهم الوَهَمُ فتُرِكَ حديثُهم؛ كما اتَّفقَ للعمري وفَرْقد السَّبخي وغيرهما) اهـ (١). وَغَرضُ المؤلِّف بسوق هذا السند: بيانُ عُلُو سَنَده بعد نزوله ببيان مُشافهة ابن أبي عَتَّابٍ لمحمد بن يحيى بعدَ روايته عنه أولًا بواسطة عَفان بن مسلم، وكَرَّرَ المَتْنَ؛ لمَا في الرواية الثانية من المُخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، فلا اعتراضَ عليه في التكرار؛ لأنه كان لغَرَض. ثم استشهد المؤلِّف رحمه الله تعالى لمَا تَقَدمَ بأثَر خليفة بن موسى فقال: [٤١] (حَدَّثَني الفَضْلُ بن سَهْل) بن إبراهيم الأعرجُ أبو العباس البغدادي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة خمسٍ وخمسين ومائتين. (قال) الفَضْلُ بن سَهْل: (حَدثَنا يَزيدُ بن هارونَ) بن زاذان السُّلَمي مولاهم، أبو خالدٍ الواسطي، أحَدُ الأئمة الأعلام المشاهير. روى عن سليمان التَّيمي وحُمَيد الطويل والجُرَيري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاقُ وابنُ مَعين وعليُّ بن المَديني وابنا أبي شَيبة وآخرون، قال أحمد: كان حافظًا مُتْقنًا. وقال العجْلي: ثقة ثَبْت. وقال أبو حاتم: إمام لا يُسأل عن مثْله. وقال في "التقريب": ثقة مُتْقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين. (قال) يَزيدُ بن هارون: (أخبرني خليفةُ بن موسى) بن راشد العُكْلي بضم

стр. 294

قَال: دَخَلْتُ عَلَى غَالب بْن عُبَيد الله، ــ المهملة وسكون الكاف نسبة إلى العُكْل بطن من تميم -قال ابنُ الأثير: وإنما عُكْل اسم أمَةٍ لامرأةٍ من حمْيَر كما في "اللباب" (٢/ ٣٥٢) - الكوفي. روى عن الشَّرْقيّ بن قُطَاميّ وغالب بن عُبَيد الله الجَزَري ومحمد بن ثابت البُناني، ويروي عنه ابنُ أخيه محمد بن عَباد بن موسى ويَزيدُ بن هارون. قال في "التقريب": مستورٌ من السابعة. (قال) خليفةُ بن موسى: (دَخَلْتُ علي غالب بن عُبَيد الله) العُقيليِّ الجَزَري. روى عن عطاءٍ ومكحولٍ ومجاهدٍ، ويروي عنه يحيى بن حمزة ويعلى بن عُبَيد وعَمْرُو بن أيوب الموصلي وآخرون، وسمعَ منه وَكيعٌ وتَرَكَهُ لكَوْنه قال: حدثنا سعيد بن المسيب والأعمش، وقال ابنُ مَعين: ليس بثقة، وقال الدارقطنيُ وغيرُه: متروك. روى عَمْرُو بن أيوب عن غالب الجَزَري عن نافع عن ابن عُمَرَ: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أرادَ أن يأكل دجاجة .. أمرَ بها فرُبطَتْ أيامًا ثم يأكلها بعد ذلك). وبه: (كان يُقَبِّلُ وهو صائم ولا يُعيدُ الوضوء). وقال ابنُ حبَّان: روى غالبٌ عن عطاءٍ عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ أعطى معاوية سَهْمًا فقال: "هاك هذا حتى تُوافيني به في الجنة". قلتُ: ولم يوصله ابنُ حِبَّان إليه، أنبأنا به عبد الرحمن بن قدامة الفقيه قال: أخبرنا عمر بن محمد، أخبرنا هبة الله بن أحمد الجَوبري، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، أخبرنا أبو عمر بن حَيُّويَهْ، أخبرنا عبد الله بن إسحاق المدائنى، حدثنا إسحاق بن أحمد العلاف، حدثنا موسى بن إسماعيل المنْقَريُّ، عن غالب بن عُبَيد الله، عن عطاء، عن أنسٍ: أن النبي ﷺ أخَذَ سهمًا من كنانته فناوله معاويةَ وقال: "ائتني به في الجنة"، كذا قال عطاءٌ عن أنس. وبه إلى المدائني: حدثنا عمر بن شبّة، حدثنا وضاح حدثنا الوزير، عن غالب، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نَاولَ معاويةَ سهمًا ... الحديث.

стр. 295

فَجَعَلَ يُمْلي عَلَيَّ: حَدَّثَني مَكْحُولٌ حَدَّثَني كَذَا، فَأخَذَهُ الْبَوْلُ فَقَامَ، فَنَظَرْتُ في الْكُراسَة؛ ــ وهذا حديثٌ موضوعٌ، رواه الأصَمُّ عن عباس الدوري، حدثنا الوَضَّاح بن حسان الأنباري، حدثنا وزير بن عبد الله نحوه، والوضَّاحُ ضعيفٌ. اهـ ("الميزان" (٣/ ٣٣٢١ - ٣٣٢). (فجَعَلَ) غالبُ بن عُبَيد الله (يُمْلي) ويَقْرأُ (عَلَي) والإملاءُ: حكايةُ القول لمَنْ يَكْتُبُه، والتلقينُ: حكاية القول لمَنْ يقولهُ حالةَ كَوْنه يقول في إملائه علي: (حَدثني مَكْحُول حَدَّثَني كذا) وكذا، وفي بعض النُّسَخ: (حَدثَني مَكْحُولٌ حَدثَني مَكْحُولٌ) بالتكرار بلا ذكْر لفظة (كذا). وأما مكحولٌ: فهو مكحول الشامي أبو عبد الله، روى عنه (م عم). قال في "التقريب": ثقة فقيه كثيرُ الإرسال مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومائة. وقولُه: (فأخَذَه البولُ) معطوفٌ على (جَعَل) أي: فأخذ غالبا البولُ؛ أي: دَافَعَه البولُ وضَغَطَهُ وأزعجه وأحْوَجَهُ إلى الخُروج (فقام) غالبٌ من مجلسه فخَرجَ لإخراج البول وتَرَك الكُراسة التي يملي عنها علي في مجلسه (فنظَرتُ في الكُراسَة) حين خرج. قال النووي: (وأما الكُرَّاسةُ آخرها هاء .. فمعروفةٌ، قال أبو جعفر بن النحاس في كتابه "صناعة الكتاب": "الكراسة معناها: الكُتُبُ المضمومُ بعضُها إلى بعض والوَرَقُ الذي قد أُلْصِقَ بعضُه إلى بعض، مشتقٌّ من قولهم: رَسْمٌ مُكَرسٌ إذا أَلْصَقَت الريحُ التُّرابَ به، قال: وقال الخليلُ: الكُرَّاسةُ مأخوذةٌ من أكْرَاس الغَنَم وهو أن تَبُولَ في الموضع شيئًا بعد شيء فيتَلبَّد، وقال أقضى القضاة الماوردي: أصلُ الكُرَّاس: العلْمُ، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها عِلْمٌ مكتوبٌ: كُراسة، والله أعلم) اهـ (١). قلت: وهي المعروفةُ الآن عند أهل المطابع بـ (الملْزَمة) ١٦ صفحة.

стр. 296

فَإذَا فيهَا: حَدَّثَني أَبَانٌ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلانٍ، فترَكْتُهُ وَقُمْتُ ــ (فإذا فيها) أي: في الكُرَّاسَة: (حَدثَني أبانُ) بن أبي عياش فيروز أبو إسماعيل، مولى عبد القيس، البصري. روى عن أنس فأكثر، قال الفلاس: متروك الحديث، وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر، روى عنه (د). ولفظُ (أبان) فيه وجهان لأهل العربية (١): أحدهما: الصَّرْفُ على جَعْل الهمزة فيه أصليةً فيكون وزنه فَعالًا وهو الصحيح، وهو الذي اختاره الإمام محمد بن جعفر في كتابه "جامع اللغة" والإمام أبو محمد بن السَّيد البَطَلْيَوْسي. الوجه الثاني: عدمُ الصرف للعلمية ووزن الفعل على جَعْل الهمزة فيه زائدةً فيكون أصلُه فعلًا ماضيًا على وزن أفعل، وعلى هذا: قال بعضُهم: من صَرف أبَانَ .. فهو أتَان (٢). (عن أنسِ) بن مالك الأنصاري الخَزْرَجِيِّ النجَّاريِّ خادمِ رسول الله ﷺ أبي حمزة البصري، مات سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين، وهو آخرُ مَنْ مات بالبصرة من الصحابة. (و) حدثني (أبانٌ عن فُلانٍ) وفلانٍ كذا وكذا، والمعنى: فلما قام لبوله .. نظَرْتُ في الكُراسة التي يُمْلي عَلَيَّ منها فإذا في الكُرَّاسة: (حَدَّثَني أبان عن أنسٍ وأبَان عن فُلانٍ) بدلَ ما يُمْلي عليَّ بقوله: حدثني مكحول حدثني مكحول (فَتَرَكْتُه) أي: فتَرَكْتُ غالبَ بنَ عُبيد الله (وَقُمْتُ) من عنده؛ لظُهور كَذبه لي بمخالفة إملائة لمَا في الكُراسة.

стр. 297

قَال: وَسَمعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَليٍّ الْحُلْوَانيَّ يَقُولُ: رَأَيتُ في كتَاب عَفَّانَ حَديثَ هشَامٍ أَبي الْمقْدَام ــ وعبارة السنوسي ﵀: (يعني تركتُه لمخالفة ما أَمْلَى بلسانه وهو: "حَدثَنا مكحولٌ ... " لما في كُرَّاسه وهو: حَدثنا أبَان عن أنس) اهـ (١). وهذا السَّندُ من ثُلاثياته في الأثَر، ورجالُه بغدادي، عن واسطي، عن كوفي. ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لمَا مَرَّ بأثَر عفان بن مسلم بقوله: (قال) الإمامُ مسلم رحمه الله تعالى، عَبرَ بلفظ الغَيبة على سبيل التجريد: (وسمعتُ الحَسَنَ بنَ عَليِّ) بن محمد الهُذلي نسبة إلى هُذيل بن مُدْركة أبا عليٍّ الخَلَّال (الحُلْوَاني) الحافظَ المكي. روى عن عبد الصمد وعبد الرزاق ووَكيع وأبي معاوية وخلق، ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمد بن إسحاق السراج. قال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين. (يقولُ) أي: حالة كون الحسن يقول: (رأيتُ في كتاب عَفانَ) بن مسلم الأنصاري البصري، ثقَة ثَبْت، من كبار العاشرة، مات سنة عشرين ومائتين؛ أي: رأيتُ في ثَبَته (حديثَ هشام) بن زياد بن أبي يَزيد القُرشي الأموي، مولى آل عثمان، المَكْنِيَّ بـ (أبي المقْدَام)، ويُقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني. روى عن أبيه وأُمّه وأخيه والحَسَن البصري وأبي صالح السَّمان وعُمَرَ بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القُرَظي وغيرهم، ويروي عنه وَكيع وزَيدُ بن الحُباب وابنُ المبارك والنضْر بن شُمَيل ويَزيد بن هارون وغيرُهم. قال ابن مَعين: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: ضعيف ليس بشيء، وقال البُخاري: يتكلَّمون فيه، وقال أبو داود: غيرُ ثقة، وقال الترمذي: يُضَعَّفُ، وقال النَّسائيُّ وعليُّ بن الحُسَيْن بن الجنيد وأبو الفَتْح الأزدي: متروكُ الحديث، وقال أبو

стр. 298

حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَال هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَحْيَى بْنُ فُلانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ــ حاتم: ضعيف الحديثِ ليس بالقوي، وقال ابنُ حِبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوزُ الاحتجاجُ به. وبالجملة اتَّفَقُوا على تَضْعِيفِه وتَرْكِه. وقال في "التقريب": متروك، من السادسة، روى عنه (ت ق). وقولُه: (حديثُ عُمَرَ بنِ عبد العزيزِ) بالرفعِ خبرٌ لمحذوفٍ تقديرُه: أي الذي هو حديثٌ رواه هشامٌ أولًا عن عُمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُمَية بن عبد شمس الأُموي، أبي حفص، الحافظ أمير المؤمنين، وبالنصب بَدَلٌ من حديثِ عمر بن عبد العزيز. وعبارةُ السنوسي هنا: (قوله: "حديثُ عُمَرَ بنِ عبد العزيز" يجوزُ فيه الرفعُ على تقدير المبتدإ؛ أي: وهو حديثُ عمر، والنصبُ على أحد وجهَينِ: إمَّا على البدل من "حديثَ هشام"، أو على أنه مفعولٌ على إضمار أعني) اهـ (١) روى عن أنسٍ وعبدِ الله بن جعفر وابنِ المُسَيَّب، ويروي عنه (ع) وأيوب وحُمَيد والزهْري وخَلْق، قال ميمونُ بن مِهْران: ما كانت العلماءُ عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. وَلِيَ الخلافةَ في سنة تسعٍ وتسعين، ومات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، فمُدةُ خلافته سنتان ونصف (٢)، فهو من الخلفاء الراشدين. (قال هشامُ) بن زياد أبو المقدام المذكورُ في ذلك الحديث المكتوب في كتاب عفان: (حَدَّثني رجل يُقَالُ له) أي: يسَمى (يحيى بن فُلانٍ) أي: ابن سعيد، وهذا بيان للحديث الذي رآه في كتاب عفان (عن محمدِ بنِ كَعْبِ) بن سُلَيم بن أسد

стр. 299

قَال: قُلْتُ لِعَفانَ: إنهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ محمد بْنِ كَعْبٍ، فَقَال: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحمدٍ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ ــ أبي حمزة القُرَظِي المدني ثم الكوفي، وكان قد نَزَلَ الكوفةَ مدةً، أَحَدُ العلماء. روى عن أبي الدرداء مرسلًا، وعن فَضَالة بن عُبَيد وعائشة وأبي هُرَيرَة، ويروي عنه (ع) وابن المُنْكَدِر وَيزِيد بن الهاد والحَكَم بن عُتَيبة، قال عونُ بن عبد اللهِ: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بتأويل القرآن من القُرَظي. وقال في "التقريب": ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك. (قال) الحَسَنُ الحُلْوَانِيُّ. (قلتُ لعَفانَ) بنِ مسلم: (إنهم) أي: إن الناسَ (يقولون: هشامٌ) وابنُ زياد أبو المِقْدام البصري (سَمِعَه) أي: سَمعَ هذا الحديثَ (من محمد بنِ كَعْبٍ) القرظي مشافهةً بلا واسطةٍ، فكيف يقول في كتابك: حدثني يحيى بن فلان عن محمَّد بن كعب بإثبات الواسطة؟ (فقال) عَفَّانُ بن مسلم للحَسَنِ الحُلْواني في جواب سؤاله واستفهامه: (إنما ابْتُلِيَ) هشامٌ وأُصِيبَ بجَرْحِ الناس له وضُعِّفَ عندهم (مِنْ قِبَلِ هذا الحديثِ) أي: بسبب هذا الحديث، يعني حديثَ عمر بن عبد العزيز؛ لأن هشاما (كان) تارةً (يقولُ: حَدَّثني يحيى) بن سعيد (عن محمدِ) بنِ كعب. (ثُمَّ ادعَى) أي: ثُمَّ بعدَ أنْ رَوَى عن يحيى عن محمدٍ .. ادعَى (بعدُ) أي: بعدَ أنْ رَوَى عن محمدٍ بواسطة يحيى، وكلمةُ (بعدُ) لا حاجةَ إليها؛ للاستغناء عنها بثُمَ؛ لأن مفادَهما واحد. (أنه) أي: هشامًا (سَمِعَهُ) أي: سمع ذلك الحديثَ (من محمدِ) بنِ كعبٍ، فكلامُه متناقض يُوْجِبُ الاضطرابَ في روايته المُوجِبَ لضَعْفِه في الحديث. وعبارةُ السنوسي هنا: (قولُه: "إنما ابْتُلِيَ هشامٌ" يعني: إنما ضَعفُوه من قِبَل هذا الحديث، كان يقول: حَدَّثني يحيى عن محمدٍ، ثم ادعى أنه سَمِعَهُ من محمَّد،

стр. 300

[٤٢] حَدَّثَنِي محمدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قُهْزَاذَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي رَوَيتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: ــ قد يُقال: هذا القَدْر لا يَقْتَضي ضَعْفًا؛ لأنه ليس فيه تصريح بكَذبٍ لاحتمال أنه سمعه من محمدٍ ثم نَسِيَه فحَدَّث به عن يحيى عنه ثم ذَكَرَ سماعَهُ من محمدٍ فرواه عنه؛ والجوابُ: أن الأئمة رحمة الله تعالى عليهم إنما ضَعَّفُوه بهذا لمَا قَامَتْ وظَهَرتْ لهم من القرائنِ المُؤْذِنَةِ لهم بعَدَمِ سماعِه من محمدٍ فحَكَمُوا ذلك بتلك القرائن) (١). ورجال هذا السَّنَد ثُنَائِيٌّ: مكيٌّ، عن بصري. ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرّ بأثَرِ عبد الله بن المبارك فقال: [٤٢] (حَدَّثني محمدُ بن عبد اللهِ بن قُهْزَاذَ) الحافظُ المَرْوَزِيُّ أبو جابر، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومائتين. (قال) محمدُ بن عبد الله: (سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمانَ بنِ جَبَلَةَ) بفتح الجيم والموحدة، ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء وتشديد الواو- الأزدي العَتكِيَّ، أبا عبد الرحمن المَرْوَزِيَ الحافظَ المُلَقَّب بـ (عَبْدان)، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين في شعبان. أي: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمان حالةَ كَوْنِه (يقول: قلت لعبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم، أبي عبد الرحمن المَرْوَزِي، أَحَدِ الأئمة الأعلام، ثقة ثَبْت، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة. وهذا السند من ثُلاثياته، ومن لطائفِه: أن رجالهُ كُلهم مَرْوَزِيُّون. أي: قال عبدُ اللهِ بن عثمان: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المبارك بقولي له: (مَنْ هذا الرجلُ الذي رَويتَ) وحَدَّثْتَ لنا (عنه) أي: عن ذلك الرجل (حديثَ عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو) وهو مفعولٌ به لرَوَيتَ.

стр. 301

"يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ"؟ قَال: سُلَيمَانُ بْنُ الْحَجاجِ، ــ وقولُه: ("يوم الفطر يوم الجوائز") بدلٌ محكى من (حديثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو) بدل كُلّ من كُل، والجوائز: جمع جائزة، وهي العطاء. وأما عبدُ اللهِ: فهو ابنُ عَمْرو بن العاص بن وائل السَّهْمِيُّ أبو محمَّد، وقيل: أبو عبد الرحمن، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة، أَحَدُ السابقين إلى الإِسلام، وأَحَدُ المُكْثِرين من الصحابة، وأَحَدُ العبادلة الفقهاء، مات بالطائف على الراجح سنة خمسٍ وستين. وأمَّا حديثُ (يوم الفطر يوم الجوائز) فهو ما رُوي عنه: "إذا كان يومُ الفِطْرِ .. وَقَفَت الملائكةُ على أفواه الطُّرُقِ ونادَتْ: يا معشرَ المسلمين؛ اغْدُوا إلى رَبٍّ رحيمٍ، يأمرُ بالخير ويُثيبُ عليه الجَزِيل، أَمَرَكم فصُمْتُم، وأطعتم رَبكم، فاقْبَلُوا جوائزِكِم، فإذا صَلوا العيدَ .. نادى منادٍ من السماء: ارْجِعُوا إلى منازلكم راشدين فقد غفرْتُ ذُنُوبَكم كُلها، ويُسَمَّى ذلك اليومُ يومَ الجوائز" جمع جائزة، وهي العطاء. قال النوويُ: (وهذا الحديث رويناه في كتاب "المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" تصنيف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي رحمه الله تعالى) اهـ (١) وهو حديث موضوع. (قال) عبدُ الله بن المبارك في جواب استفهام عبد الله بن عثمان: ذلك الرجل الذي رَويتُ عنه ذلك الحديثَ هو (سُلَيمَانُ بن الحَجَّاج)، فهو خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ كما قَدَّرْنا. وأما سُلَيمَان بن الحَجاجِ: فهو شيخٌ للدَّرَاوَرْدِي لا يُعرف عِدادُه في أهل الطائف، فقد روى الدرَاوَرْدِي عنه عن لَيثٍ عن مجاهدٍ عن ابن عَبَّاسٍ: (نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن طعام المتباهين وعن طعام المتبارين). وروى موسى بن أعيَن، عن بكر بن خُنيس، عن سُلَيمَان بن الحَجَّاج، عن خالد بن سعيد، عن أبي حازم، عن سَهْلٍ مرفوعًا: "إن لكُل شيءٍ شبحًا، وشبحُ الجهادِ الرباطُ" وفي رواية: "إن لكُل شيءٍ شيخًا، وشيخ الجهاد الرباط"، وهذا

стр. 302

انْظُرْ مَا وَضَعْتَ في يَدِكَ مِنْهُ. قَال ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ ــ حديثٌ لا أَصْلَ له، بل هو من الموضوعات. اهـ من "الميزان". وقوله: (انظر ما وَضَعْتَ) هو بفتح التاء على الخطاب، ولا يمتنعُ الضمُّ أيضًا (١). والكافُ في قوله: (في يَدِكَ) عائدة إن عبد الله بن عثمان، والضميرُ في قوله: (منه) إن سُلَيمَان بن الحَجَّاج. والمعنى على رواية فتح التاء من (وَضَعْتَ): انْظُرْ وفتِّش يا عبدَ اللهِ ما وَضَعْتَ وجَمَعْتَ في يَدِكَ من الأحاديث، واطْرَحْ منها ما كان مَرْويّا منه؛ أي: من سُلَيمَان بن الحجاج، ولا تَرْوه للناس؛ فإنه مجهولٌ وأحاديثُه من الموضوعات. والمعنى على ضَمِّها: انْظُرْ وفتِّشْ ما جَعَلْتُ أنا في يَدِكَ من الأحاديث التي رَويتُها لك واطْرَحْ منها ما رَوَيتُه لك منه، أي: من سُلَيمَان بن الحَجَّاج؛ فإنه مجهولٌ ليس من أهل الحديث، وهذا الكلام جَرْحٌ وذَمٌّ لسُلَيمَان بن الحَجَّاج؛ لأنه مجهول كما هو مقتضَى السِّياق؛ لأن سِيَاقَ كلامِ المؤلِّف رحمه الله تعالى في كَشْفِ معايب الرُّواة لا في مَدْحِهِم، ولا تَغْتَرَّ بما قاله النوويُّ هنا: (وهو مَدْحٌ وثَنَاءٌ على سُلَيمَان بن الحَجَّاج) (٢) فإنه؛ سَهْوٌ أو سبقُ قلمٍ منه. ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ عبد الله بن المبارك أيضًا فقال: (قال) محمدُ بن عبد الله (ابن قُهْزَاذَ) المَرْوَزِي، والواو في قوله: (وسَمِعْتُ) عاطفةٌ ما بعدَها على قوله (سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمان) مع تكرار العامل الذي هو قال؛ أي: قال محمَّد بن قُهْزَاذَ: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمان، وسَمِعْتُ أيضًا (وَهْبَ بنَ زَمْعَةَ) -بفتح الزاي وإسكان الميم وفتحها (٣) - التميميَّ أبا عبد الله المَرْوَزيَّ. روى عن ابن المبارك وسفيان بن عبد الملك وعبد العزيز بن أبي رِزْمَة وغيرِهم،

стр. 303

يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَال: قَال عَبْدُ الله -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ-: رَأَيتُ: رَوْحَ بْنَ غُطَيفٍ ــ ويروي عنه (من ت س) وأبو إسحاق الجُوزجاني ومحمد بن عبد الله بن قُهْزَاذَ وغيرُهم، وَثقَهُ النَسائيُّ. وقال في "التقريب": ثقة، من قُدماء العاشرة. حالةَ كَوْنِ وَهْب بن زَمْعَة (يَذْكُرُ) وَيَرْوي (عن سفيانَ بنِ عبد الملك) المَرْوَزِيِّ. روى عن ابن المبارك فقط، ويروي عنه (من دت) وابنُ رَاهُويه وعَبْدان. قال في "التقريب": ثقة، من قدماء العاشرة، مات قبل المائتين. (قال) سفيان: (قال عبدُ اللهِ) قال المؤلفُ رحمه الله تعالى إيضاحا لعبدِ اللهِ وإشعارًا بأن النِّسْبَةَ الآتيةَ ليستْ من كلام شيخه، بل ممَّا زَادَه من عند نفسه: (يعني) ويَقْصِدُ سفيانُ بن عبد الملكِ بعبد الله في قوله: (عبدُ اللهِ): (ابنَ المبارك) أي: يَقْصِدُ به عبدَ اللهِ بنَ المبارك. وهذا السَّنَدُ من رباعياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم مَرْوَزِيُّون. وقولُه: (رأيتُ رَوْحَ بنَ غُطَيفٍ) إلى قوله: (كُرْهَ حديثِه) مقولٌ لقال عبدُ الله؛ أي: قال سفيانُ بن عبد الملك: قال لنا عبدُ اللهِ بن المبارك: (رأيتُ) أي: لَقِيتُ (رَوْحَ) بفتح الراء المهملة (بنَ غُطَيفٍ) بضم الغين المعجمة ثم طاء مهملة مفتوحة، هذا هو الصواب (١). وحكى القاضي عِيَاضٌ عن أكثر شيوخه كالعُذري والطبري والسمرقندي: أنهم رَوَوْه غضيف بالضاد المعجمة وهو خطأ (٢). قال البخاري في "تاريخه" (٣/ ٣٠٨): وهو منكر الحديث. وقال الذهبيُّ في "الميزان" (٢/ ٦٠): (رَوْح بن غُطَيف وَهَّاهُ ابنُ مَعِين، وقال

стр. 304

صَاحِبَ الدَّمِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَجَلَسْتُ إِلَيهِ مَجْلِسا، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيي مِنْ أَصْحَابِي ــ النسائيُّ: متروكٌ، وله عن الزُّهْري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "تُعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم"، انفرد به عنه القاسمُ بن مالك المزني (١)، وروى نَصْر بن حماد أحدُ التَّلْفَى عنه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: لا يُعادُ المريضُ إلّا بعد ثلاث. قلتُ: رَوْح بن غُطَيف -بطاء مهملة- عِدادُه في أهل الجزيرة) اهـ. وقولُه: (صاحبَ الدَّمِ) صفة لرَوْح، وقولُه: "قَدْرِ الدِّرْهَم" قال السنوسي: (الظاهرُ جرُّ قَدْرِ الدِّرْهَمِ على البدلية من الدَّمِ قبلَه، أو على أنه عطف بيانٍ له) (٢). هكذا قالوا: وفيه نَظَرٌ؛ لأن المُبْدَلَ منه حينئذ على نِيَّة الطَّرْح، فإذا أسقطناه وقلنا: (صاحبَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ) فلا معنى له، والأَوْلى جَرُّه على أنه صفةٌ للدم على جَعْلِ أل فيه جنسية، والتقدير: صاحبَ الدَّمِ الموصوفِ بكَوْنهِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ، ويَصِح نصبُه على الحالية من الدم، وعلى هذين الاحتمالين: فهو جامدٌ مُؤَوَّلٌ بمشتقٍّ؛ لأن الصفة والحال لا يكونان إلّا مشتقًا أو مؤولًا به. قال النوويُّ: (وأرادَ ابنُ المبارك بهذا الكلام وصفَه وتعريفَه بالحديث الذي رواه رَوْحٌ هذا عن الزهْري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعُه: تُعَادُ الصلاةُ من قَدْرِ الدرهم يعني من الدم) (٣). قال عبدُ اللهِ بن المبارك: لَقِيتُ رَوْحَ بنَ غُطَيفٍ جالسًا في حلقتِه (وجلستُ إليه) أي: عنده أو جنبه؛ أي: جلست جنب حلقته (مجلسًا) أي: جلوسا قليلًا لاستماع حديثه تجربةً له، هل يروي أحاديث صحيحة أو مناكير موضوعة؟ (فجعلت) أي: فصرْتُ وكنت (أسْتَحْييِ) وأستخفي (من أصحابي) وزملائي أهل السُّنَّة والحديث، أي: فكنت وصرت مستحييًا من أصحابي ورفقتي، وجَعَلَ هنا من أخوات صارَ لا التي من أفعال الشُّروع.

стр. 305

أَنْ يَرَوْني جَالِسًا مَعَهُ؛ كُرْهَ حَدِيثِهِ ــ وجملةُ: (أنْ يَرَوْنِي جالسًا معه) أي: أن يراني أصحابي جالسًا معه، في تأويل مصدرٍ مجرورٍ على أنه بدلُ اشتمالٍ من أصحابي؛ أي: فصرتُ أستخفي من أصحابي من رؤيتهم إياي جالسا معه؛ أي: مع رَوْح بن غُطَيف. وقولُه: (جالسًا) إمَّا حالٌ من مفعول رأى إن كانتْ بصريةً، أو مفعولٌ ثانٍ لها إن كانتْ علمية. وقولُه: (كرْهَ حديثِه) مفعولٌ لأجله لأسْتَحْيي؛ أي: كنتُ أستحيي من أصحابي لأجل كراهية حديثه (١)؛ أي: رَوْحِ بنِ غُطَيفٍ. وقولُه: (أسْتَحْيِي) هو بياءين، ويجوزُ حذفُ إحداهما (٢). وحَدَّ ابنُ الصلاح (٣) الحياءَ بأنه خُلُقٌ يمنعُ من القبيح ومن التقصير من الحُقوق. وحدَّه الزمخشريُّ (٤) بأنه تغَيُّرٌ وانكسارٌ يَلْحَقُ من فعلِ أو تَرْكِ ما يُذَمُّ به. وقال المازري: (والحياء هو غَرِيزةٌ في الأكثر، وإنما جُعِلَ من الإيمان المكتسَبِ في حديث: "والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان"؛ لأنه يَمْنَعُ من المعصية كما يمنع منها الإيمان) (٥). وقوله: (كُرْهَ) بضم الكاف ونصب الهاء على أنه مفعولٌ لأجله كما مَرَّ آنفًا، وهو بالضمِّ مصدرٌ سماعيٌّ لِـ (كَرِهَ) الثلاثي، وبالفتح مصدرٌ قياسيٌّ له كَسَمِعَ سَمْعًا. قال النوويُّ؛ (وهذا الحديث ذَكَره البخاريُّ في "تاريخه" (٣/ ٣٠٨)، وهو حديثٌ باطلٌ لا أصلَ له عند أهل الحديث، والله أعلم) (٦). وقال السنوسيُّ: (وقد اختُلِفَ في العَفْو عن يسير النجاسة، فذهب أهلُ العراق

стр. 306

[٤٣] وَحَدَّثَنَا ابْنُ قُهْزَاذَ، قَال: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَال: بَقِيَّةُ ــ إلى أنَّ قَدْرَ الدرهم من جميع النجاسات مَعْفُوٌّ عنه قياسًا على موضع الاستجمار، وذهب الشافعي إلى أنه لا يُعفى عن شيءٍ منها دمًا أو غيرَه، ويُغسل قليلُها وكثيرُها، وذهب مالكٌ إلى ذلك إلا في الدم فرأى العَفْوَ عن يسيرِه للمشقّة، واختُلف عنه في العفو عن يسير دم الحيض، وفي يسير دم غيره ويسير القيح والصديد قولان) اهـ (١). ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ عبد الله بن المبارك في بقيَّة فقال: [٤٣] (وَحَدَّثَنا) وفي بعض النُّسَخ: (حَدَّثَني) محمدُ بن عبد الله (ابنُ قهْزَاذَ قال: سمِعْتُ وَهْبًا) وابنُ زمعة المَرْوَزِيُّ، حالة كون وَهْبٍ (يقولُ) ويروي (عن سفيانَ) بنِ عبد الملك المَروَزِي حالة كونه راويًا (عن) عبد اللهِ (ابن المبارك) الحافظ المَرْوَزِيِّ، ومن لطائف هذا السَّنَدِ: أن رجاله كُلَّهم مَرْوَزِيُون كسابقِه. (قال) عبدُ الله بن المبارك: (بقِية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلاعي بفتح الكاف واللام المخففة نسبة إلى كَلاعة قبيلةٍ كبيرةٍ نزلتْ حِمْصَ من الشام، أبو يُحْمِد -بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم- الميتَمِي (٢). روى عن بَحِير بن سَعْد ومحمد بن زياد الأَلْهاني وأُمَم، ويروي عنه (م عم) وابنُ جريج وشُعْبةُ وهما من شيوخه وكثيرُ بن عُبيد وأحمدُ بن الفَرج الحجازيُّ وخَلْق، له في (م) فرد حديث متابعة (٣). وثقه الجمهورُ فيما سمعه من الثقات، وقال النَّسائيُّ: إذا قال حَدَّثَنا وأخبرنا .. فهو ثقة.

стр. 307

صَدُوقُ اللِّسَانِ، ولكنهُ يَأخُذُ عَمنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. [٤٤] حَدثنا قتيبة بْنُ سَعِيدِ، حَدّثَنَا جَرِيرٌ، ــ وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ التدليس عن الضعفاء, من الثامنة، مات سنة سبعٍ وتسعين ومائة، وله سبعٌ وثمانون سنة. وليس في رجال مسلم (بَقِيَّة) إلَّا هذا. أي: بَقِيَّةُ (صَدُوقُ اللسان) أي: صدوق في كلامهِ وحديثِه ليس كاذبا، (ولكنه) أي: ولكن بَقِيَّةَ (يأخذُ) أي: يروي الحديث (عمنْ أقْبَلَ) على الحديثِ وعَرَفه وضَبَطَهُ وأتْقَنَهُ يعني الثقات، أو عمنْ أقبل بَقِيَّةُ عليه؛ أي: عمنْ عَرَفَ حاله وصِدْقَه وثقتَه في الحديث (و) عَمَّنْ (أدْبَر) وتَوَلى عن الحديث ولم يعرفه ولم ويتقنه ولم يحفظه يعني الضعفاء, أو عمَّنْ أدْبَرَ بَقِيَّة عنه ولَم يَعْرِفْ حاله وصِدْقَه وَكذِبَه، فيروي الحديث عَمَّنْ سَمعَ منه، سواء كان من الثقات أو الضعفاء, فلا يُبالي أيًّا كان. ثم استشهد المؤلَّف رحمه الله تعالى لِمَا مَرّ بأثَرِ الشعْبِيِّ فقال: [٤٤] (حَدَّثَنا قُتَيبةُ بن سَعِيدِ) بن جَمِيل -بفتح الجيم- ابن طَرِيف الثقفي مولاهم، وقتيبة تصغير قِتْبة بكسر القاف واحدة الأقتاب وهي الأمعاء، قال الصغاني: وبها سمَّي الرجل قتيبة ولُقَّب بها، واسمُه فيما قاله ابنُ مَنْدَهْ: علي بن سعيد بن جَميل، وقيل: يحيى بن سعيد، أبو رجاء البَغْلاني -بفتح الموحدة وسكون المعجمة- نسبة إلى بَغْلان قريةِ من قرى بَلْخ، أحد أئمّة الحديث. روى عن مالك والليث وإسماعيل بن جعفر، ويروي عنه (خ م د ت س) وابنُ ماجه بواسطة، ومن أقرانه أحمدُ والحُمَيدي، وثقَه ابنُ مَعِين وأبو حاتم. وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبت، من العاشرة، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة. (حَدَّثَنا جَرِيرٌ) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط -بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة- الضَبّي -بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة- نسبة إلى ضَبَّة بن أُدّ، أبو عبد الله الكوفي ثم الرازي، وُلِدَ بقريةِ من قُرى أصبهان، ونشأ في الكوفة، ونزل الرَّي. روى عن عبد الملك بن عُمَير وأبي إسحاق الشيباني ويحيى بن سعيد الأنصاري،

стр. 308

عَنْ مغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ــ وسُلَيْمَان التَّيمي والأعمش وعاصم الأحول وسُهَيل بن أبي صالح وعبد العزيز بن رُفيع وعُمارة بن القَعْقاع وإسماعيل بن أبي خالد ومنصور بن المُعْتَمر ومغيرة بن مِقْسَم وَيزِيد بن أبي زياد وأبي حَيَّان التيمي وعطاء بن السائب وخَلْقٍ كثير، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإسحاقُ وابنا أبي شَيبة وقُتيبة وعَبْدان المَرْوَزي وأبو خَيثَمَة ومحمد بن قُدَامة المِصِّيصيُّ ومحمد بن قُدامة الطُوسي ومحمد بن قدامة السُّلَمِي وعلي بن المَدِيني ويحيى بن مَعِين ويحيى بن يحيى وأبو الربيع الزَّهْراني وعلي بن حُجْر وجماعةٌ. قال ابنُ سَعْد: كان ثقةً كثيرَ العِلْم يُرْحَلُ إليه، وله مصنَّفات. وقال في "التقريب": ثقةٌ صحيحُ الكتاب، قيل: كان في آخِرِ عُمُرِهِ يَهِمُ من حفظه، مات سنة ثمانٍ وثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة. اهـ وكان من السادسة. (عن مُغيرة) بن مِقْسَم -بكسر أوله وسكون ثانيه- الضَبّي مولاهم، أبي هشام الكوفي الفقيه، قيل: إنه وُلدَ أعمى. روى عن إبراهيم النَّخَعي، والشعْبي، وأبيه، وأبي وائل، ومجاهد، وغيرِهم، ويروي عنه (ع)، وشُعْبة، والثوْري، وزائدة بن قُدامة، وزُهَير بن معاوية، وجَرِير بن عبد الحميد، والمُفَضَّل بن مُهَلْهل، وهُشَيم، ومحمد بن فُضَيل، وأبو عَوانة، وإسرائيل، وإبراهيم بن طَهْمان، وخَلْق، وثقَه العِجْليُّ وابنُ مَعِين. وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ إلّا أنه كان يُدَلِّسُ ولا سيَّما عن إبراهيم النَّخَعي، قال ابنُ فُضَيل: وكُنَّا لا نكتب عنه إلا ما قال: حَدَّثَنا إبراهيم. من السادسة مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح. (عن الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل الحِمْيَريِّ أبي عَمْرو الكوفي الإِمام العَلَم، وُلدَ لست سنين خَلَتْ من خلافة عُمر. روى عن عُمر، وعليّ، وابن مسعود ولم يَسْمَعْ منهم، وعن أبي هريرة، وعائشة، وجَرِير، وابن عباس، وخَلْقٍ. قال: أدركتُ خمسمائة من الصحابة. ويروي عنه ابنُ سيرين، والأعمشُ،

стр. 309

قَال: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ وَكَانَ كَذَّابًا ــ وشُعْبَةُ، و (ع)، وخَلْقٌ، وقال أبو مِجْلَز: ما رأيتُ فيهم أفْقَه من الشعْبي. وقال في "التقريب": ثقة مشهورٌ فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثٍ ومائة، وله نحو من ثمانين سنة، وقيل غير ذلك. (قال) الشَّعْبيُّ: (حَدثني الحارثُ) بن عبد الله (الأعورُ الهَمْداني) بإسكان الميم وبالدال المَهملة، الخَارِفي -بكسر الراء وبالفاء- نسبة إن خَارِف بَطْن من هَمْدان، أبو زُهَير الكوفي. روى عن عليّ، وابن مسعود، وزَيد بن ثابت وبُقَيرة امرأة سَلْمان، ويروي عنه الشَّعْبِيُّ، وأبو البَخْتَري الطائي، وأبو إسحاق السَّبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مُرَّة، وجماعةٌ. قال الشَّعْبيُّ: (وكان) الحارثُ الأعورُ (كَذابًا) أي: كثيرَ الكَذب في الحديث، وقال مُجَالدٌ: قيل للشعبي: كنتَ تَخْتَلِفُ إلى الحارث؟ قال: نعم، أختلفُ إليه أتَعَلَّمُ منه الحساب، كان أحْسَبَ الناس. وقال الدارقطنيُّ: الحارث ضعيف، وقال ابنُ عدي: عَامَّةُ ما يرويه غيرُ محفوظ، وقال ابنُ حِبَّان: كان الحارث غاليًا في التشيُّع، واهيا في الحديث. مات سنة (٦٥)، وكذا ذَكَر وفاتَه إسحاقُ القَرَّابُ في "تاريخه"، وقرأتُه بخطّ الذهبي، والجمهورُ على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبي يُكَذّبُه، ثم يروي عنه .. إلى آخر ما في "تهذيب التهذيب" (٢/ ١٤٦ - ١٤٧) من اختلافهم فيه (١).

стр. 310

[٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الله بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، حَدّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ، ــ وهذا السَّنَدُ من رباعياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا قتَيبة فإنه بَغْلانِيٌّ كما مرّ. ثم ذكر المؤلّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثَرِ الشعْبِيّ فقال: [٤٥] (حَدثنا أبو عامر عبدُ اللهِ بن بَرَّادٍ) -بفتح الموحدة والراء المشددة ثم ألف ثم دال مهملة- ابن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى (الأشعريُّ) الكوفي. روى عن عبد الله بن إدريس، وابن فُضَيل، وأبي أُسامة، ويروي عنه (م)، ومُطَيّن، والحَسَن بن سفيان، قال أحمد: ليس به بأس. وقال في "التقريب": صدوقٌ من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. قال أبو عامر: (حَدَّثَنا أبو أسامة) حَمادُ بن أسامة الهاشمي مولاهم، الحافظ الكوفي، مشهورٌ بكُنْيته. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والمُفَضَّل، والأَجْلَح، وهشام بن عُرْوة، وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع)، وأحمد، وإسحاق، وابنُ مَعِين، وابن المَدِيني، وأبو عامر، وخلائقُ. قال أحمد: ثقةٌ ما كان أثبتَه لا يكادُ يُخْطِئُ. وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ ربما دَلسَ، وكان بأخَرَةٍ يحدث عن كُتُبِ غيره، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومائتين، وهو ابنُ ثمانين سنة. (عن مُفَضَّل) بن مُهَلْهَل السعدي أبي عبد الرحمن الكوفي، روى عن الأعمش ومنصور ومغيرة وبَيَان بن بِشْر وغيرِهم، ويروي عنه (م س ق) وابنُ إدريس وأبو أسامة ويحيى بن آدم وغيرُهم. وثقه ابنُ مَعِين وجماعةٌ.

стр. 311

عَنْ مُغِيرَةَ، قَال: سَمِعْتُ الشعْبِيَّ يقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ نبيلٌ عابدٌ، من السابعة، مات سنة سبعٍ وستين ومائة. (عن مغيرة) بن مِقْسَم بن بُجْرة الكوفي (قال) المغيرةُ: (سمعتُ الشَّعْبيَّ) عامرَ بنَ شراحيل الكوفي. وهذا السَّنَدُ من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيون، وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السند: بيانُ متابعة المُفَضَّل لجرير في رواية هذا الأثَرِ؛ عن المغيرة، وكَرَّرَ لفظَ الأَثرِ لِمَا فيه من المخالفة للرواية الأُولى في الألفاظ، ومن فوائد هذه المتابعة: التصريحُ بسماع المغيرة عن الشَّعْبي، وبيانُ كثرة طُرُقِه. أي: قال المغيرة بن مِقْسَم: سمعتُ الشَّعْبِي حالة كونه (يقول: حدثني الحارثُ) بن عبد الله (الأعورُ) الهَمْداني، وجملةُ قوله: (وهو يَشْهَدُ) في محل النصب حالٌ من فاعل (يقولُ) أي: سمعتُ الشَّعْبِي يقولُ: حَدَّثَني الحارثُ والحالُ أن الشَّعْبِيَّ يَشْهَدُ ويعترفُ بلسانِه (أنه) أي: أن الحارثَ الأعورَ (أحدُ الكَاذِبينَ) في الحديث، قال النوويّ: (بفتح النون على صيغة الجمع -وفي بعض النسخ "أحدُ الكَذَّابين" بصيغة المبالغة- والضميرُ في قوله: "وهو يَشْهَدُ" يعودُ على الشَّعْبي، والقائل "وهو يَشْهَدُ" المغيرةُ بن مِقْسَم) اهـ بزيادة (١). وقال السنوسي: (فإنْ قيل: فهذا كان أحدَ الكَاذِبِينَ فما بالُ الشعْبِي حَدَّثَ عنه؟ فالجوابُ: أن الأئمة رضوان الله عليهم إنما حَدَّثُوا عن مِثْلِ هؤلاء مع اعترافهم بكَذِبهِم لأَوْجُهٍ: منها: أن يعلموا طُرُقَ حديثهِم وضُرُوبَ رواياتِهم؛ لئلّا يأتي مجهولٌ أو مُدَلِّسٌ فيُبَدِّلَ اسمَ الضعيف ويجعلَ مكانه قويًّا فيعلم المُحَقِّقُ بمعرفته طُرُقَ الضعفاء ذلك.

стр. 312

[٤٦] وَحَدَّثَنَا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَال: قَال عَلْقَمَةُ: ــ والثاني: أن يكون الرجل إنما ترك لأجْلِ غَلَطِه وسُوءِ حِفْظِه، أو يكون ممَّنْ أَكْثَرَ فأصابَ وأخطأ، والحُفَّاظُ يعرفون خطأه من صوابه فيَدَعُون تخليطَه ويستظهرون صحيحَ حديثِه لموافقة غيره، وبهذا احْتَجَّ الثَّوْرِيُّ حين نَهى عن الكلبي فقيل له: وأنتَ تروي عنه؟ ! فقال: أنا أعلمُ صِدْقَه من كَذِبِه، وهم لا يَرْوُون منها شيئًا للحُجَّةِ بها والعملِ بمقتضاها) (١). ثم استشهد المؤلِّف لما مَرّ بأثَرِ إبراهيم النَّخَعي فقال: [٤٦] (وحَدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيد) بن جَميل البَغْلاني. قال قتيبَةُ: (حدثنا جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الكوفي (عن مغيرة) بن مقسم الكوفي (عن إبراهيم) بن يَزِيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي أبي عمران الكوفي الفقيه. روى عن عَلْقَمة وهَمَّام بن الحارث والأسود بن يَزِيد وأبي عُبَيدة بن عبد الله ومسروق عن عائشة -ورأى عائشة- وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) والحكم بن عُتَيبة الكندي مولاهم ومنصور والأعمش وابن عَوْن وزُبَيد اليَامِي وعِدَّةٌ. وكان لا يتكلَّمُ إلا إذا سُئِلَ، وكان عجبًا في الوَرَع والخير، مُتوقيًا للشُّهْرة، رأسًا في العِلْم، وقال مغيرة: كُنَّا نَهَابُ إبراهيم هَيبة الأمير. وقال في "التقريب": ثقةٌ إلّا أنه يُرسِلُ كثيرًا، من الخامسة، مات سنة ستٍّ وتسعين، وهو ابنُ خمسين أو نحوها. (قال) إبراهيم: (قال علقمةُ) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النَّخَعِيّ

стр. 313

قَرَأْتُ الْقُرآنَ في سَنتَينِ، فَقَال الْحَارِثُ: الْقُرآنُ هَيِّنٌ، الْوَحْيُ أَشَدُّ. [٤٧] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، ــ أبو شِبْل الكوفيُّ، أحدُ الأئمّة الأعلام، مُخَضْرَم. روى عن أبي بكر وعُمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وحُذَيفة وطائفةٍ، ويروي عنه (ع) وإبراهيم النَّخَعي والشَعْبي وسَلَمة بن كُهَيل وخَلْق، قال إبراهيم: كان يقرأُ القرآنَ في خمس. وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ فقيه عابدٌ، من الثانية. قال ابنُ سَعْد: مات سنة اثنتين وستين، قيل: عن تسعين سنة. (قرأتُ القرآن) وتَعَلَّمْتُه (في سَنَتَينِ، فقال الحارثُ) بن عبد الله الأعور في مقابلة قول علقمة: (القرآنُ هَيِّن) أي: تَعَلمُه سَهْل يُمكن في أقَل من سنتين (١) (الوَحْيُ) أي: تَعَلُّمُ الوَحْي والكتابةِ (أَشَدُّ) أي: أتعبُ وأحوجُ إلى الزمان الكثير (٢). ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثرِ إبراهيم النخَعِيِّ فقال: [٤٧] (وحَدَّثني حجاجُ) بن يوسف بن حَجَّاج الثقفي أبو محمَّد الذي يُقال له (ابنُ الشاعِرِ) البغدادي الحافظ الرحَّال، من الحادية عشرة، مات سنة تسعٍ وخمسين ومائتين.

стр. 314

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ -يَعْنِي ابْنَ يُونس- حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ــ قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثني أحمدُ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يعني) شيخي حجاجُ بن الشاعر، ويقصدُ بأحمدَ الذي روى عنه: أحمدَ (ابنَ يُونُسَ) نُسِبَ إلى جدهِ وشُهِرَ به؛ لأنه أحمدُ بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليَرْبُوعي نسبة إلى اليَرْبُوع بن مالك بَطْنٍ كبيرٍ من تميم كما في "اللباب" (٣/ ٤٠٩)، أبو عبد الله الكوفي. روى عن عاصم بن محمَّد وابن أبي ذئب وابن أبي ليلى والثوري، وإسرائيل، وخَلْقٍ كثير، ويروي عنه (خ م د) وأبو زُرْعَة، وعَبْد بن حُمَيد، وحَجاج بن الشاعر و (ت س ق) بواسطة، قال أحمدُ فيه: هو شيخ الإِسلام، وقال أبو حاتم: كان ثقةً مُتْقنًا. وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من كبار العاشرة، مات سنة سبعٍ وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون سنة. قال أحمد بن يونس: (حَدَّثنا) وفي نسخة: أخبرنا (زائدةُ) بن قُدامة الثقَفي أبو الصَّلْتِ -بفتح أوله وسكون ثانيه- الكوفي أحدُ الأعلام الحُفَّاظ. روى عن سِماك بن حَرْب وزياد بن عِلاقة وعاصم بن بَهْدَلة، ويروي عنه (ع) وابن عُيَينَة وحُسَين الجُعْفي وابن مهدي وأحمد بن يونس. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ صاحب سُنَّة، من السابعة، مات سنة ستين ومائة، وقيل: بعدها. وليس في مسلم من اسمه (زائدة) إلَّا هذا الثقة. (عن) سُلَيمَان بن مِهْران (الأعمشِ) الكاهلي مولاهم، أبي محمَّد الكوفي. قال في "التقريب": ثقة حافظ عارف بالقراءات وَرِع لكنه يُدَلّس، من الخامسة، مات سنة ثمانٍ وأربعين ومائة. (عن إبراهيمَ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي أبي عمران الكوفي، من

стр. 315

أَنَّ الْحَارِثَ قَال: تَعَلَّمْتُ الْقُرآنَ في ثَلاثِ سِنِينَ وَالْوَحْيَ في سَنتَينِ، أَوْ قَال: الْوَحْيَ في ثَلاثِ سِنِينَ وَالْقُرانَ في سَنتَينِ ــ الخامسة، مات سنة ست وتسعين، وهو ابنُ خمسين سنة كما مَرَّ آنفًا. وهذا السَّنَدُ من خُماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيُّون إلّا حَجَّاج بن الشاعر؛ فإنه بغدادي، وغَرَضُه بسَوْق هذا السند: بيانُ متابعة الأعمش لمغيرة بن مِقْسَم في رواية هذا الأثَرِ عن إبراهيم النَّخَعي، وكَرَّرَ المتنَ لما بين الروايَتَينِ من المُخالفة. وجملةُ قوله: (أن الحارثَ) الأعورَ (قال ... ) إلخ مفعولٌ ثانٍ لـ (حدثني حَجَّاجُ بن الشاعر) أو لـ (حدَّثَنا) زائدة؛ أي: قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: حدثني حجاج بن الشاعر بواسطة هؤلاء المشايخ: أن الحارثَ الأعورَ قال: (تَعَلَّمْتُ القرآنَ) وحَفِظْتُهُ (في) مُدَّة (ثلاثِ سنينَ و) تَعَلَّمْتُ (الوَحْيَ) والكتابةَ (في سَنَتَينِ) وهذا يَدُلُّ على أن القرآنَ أشَد من الكتابة. وقولُه: (أو قال) شَكٌّ من إبراهيم النَّخَعي؛ أي: قال إبراهيمُ أو قال الحارثُ: تَعَلَّمْتُ (الوَحْيَ) والكتابةَ (في ثلاثِ سنينَ و) تَعَلَّمْتُ (القرآن في سَنَتَينِ) وهذا يَدُلُّ على أن الكتابةَ أشَدُّ من القرآن، وهذا مُوَافِقٌ لما قاله علقمة بن قيس بالنسْبة إلى القرآن؛ لأن علقمة لم يذكر الوحي. وعبارةُ السنوسي هنا: (وأمّا قول الحارث: "تَعَلَّمْتُ القرآنَ في ثلاثِ سنينَ والوَحْيَ في سَنتَين، أو قال: الوَحْيَ في ثلاثِ سنينَ والقرآنَ في سنتَين"، وفي الرواية الأخرى: "القرآنُ هَيِّنٌ، الوَحْيُ أَشَدُّ" فقد ذَكَرَهُ الإمامُ مسلم رحمه الله تعالى في جملة ما أنكروه على الحارث وجُرِحَ به) (١). قال القاضي عِياض: (وأرجو أن هذا من أخفّ أقواله؛ لاحتماله الصواب، فقد فَسَّرَه بعضُهم أن المرادَ بالوحي هنا: الكتابةُ ومعرفةُ الخطّ، وعن الخَطَّابي مثلُه، وقال ابنُ دريد: وَحَى يَحِي وَحْيًا -من باب وَعَى- إذا كَتَبَ، وقال الهَرَويُّ في قوله

стр. 316

[٤٨] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَال: حَدثني أَحْمَدُ -وَهُوَ ابْنُ يُونس- ــ تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ أي: كَتَبَ لهم في الأرض؛ إذْ كان لا يتكلم، وقيل: أوحى: رمز، وقال بعضُ اللغويين: وَحَى وأوحى واحد، وقاله صاحب "الأفعال") اهـ (١). قلتُ: كأنّه أرادَ بـ (الوَحْي): ما في الصحيفة التي في قِراب سيف عليّ ﵁؛ تعريضًا إلى كثرة ما فيها. وعبارة النووي هنا: (فقد ذَكَرَ الإمامُ مسلمٌ هذا الكلام في جملة ما أُنْكِرَ على الحارث، وجُرِّحَ به وأُخِذَ عليه من قبيح مذهبه وغُلُوِّه في التشيُّع وكَذِبِهِ، قال القاضي عِياض (٢) ﵀: وأرجو أن هذا من أخَفِّ أقواله لاحتماله الصوابَ، فقد فَسَّرَهُ بعضُهم بأن الوَحْيَ هنا الكتابةُ ومعرفةُ الخط قاله الخَطَّابي، يُقال: أوحى وَوَحَى إذا كَتَبَ، وعلى هذا: ليس على الحارث في هذا دَرَكٌ، وعليه الدَّرَكُ في غيره، قال القاضي: ولكنْ لمّا عُرِفَ قُبْحُ مذهبه وغُلوُّه في مذهب الشيعة ودعواهم الوصيَّةَ إلى عليّ ﵁ وسِرّ النبي ﷺ إليه من الوحي وعلم الغيب ما لم يَطَلِعْ غيرُه عليه بزعمِهمِ .. سِيئَ الظنُّ بالحارث في هذا، وذُهِبَ به ذلك المذهب، ولعلَّ هذا القائل فهِمَ من الحارث معنى منكرًا فيما أراده، والله أعلم) اهـ (٣). ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثانيًا المتابعةَ في أثرِ إبراهيم النَّخَعِي فقال: [٤٨] (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ) وابنُ الشاعر (قال) الحَجَّاجُ: (حَدَّثَني أحمدُ) قال المؤلفُ رحمه الله تعالى: (وهو) أي: أحمدُ الذي روى عنه شيخي حَجَّاجٌ: أحمدُ (ابنُ يونس)؛ أي: أحمدُ بن عبد الله بن يونس المنسوبُ إلى جدِّهِ كما مرَّ آنفًا، وأتى بلفظ (هو) ولم يَقُلْ (أحمد بن يونس) إيضاحًا للراوي وإشعارًا بأن هذه

стр. 317

حَدَّثنا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ــ النِّسْبةَ ممّا زادَهُ من عند نفسه لا ممّا سمِعَهُ من شيخه، وتَحَرُّزًا من الكذب على شيخه بنِسْبَتِهِ إليه ما لَم يَقُلْه، وأتَى فيما قبله بلفظ (يعني) وهنا بلفظ (هو) -مع أن الغرضَ منهما واحدٌ- للتفنن، وهو عند البديعيين ذِكْرُ نوعَينِ من الكلام مع كَوْنِ المرادِ منهما واحدًا، لثِقَلِ تكرارِ أحدهما على اللسان، وهو من المحسنات البديعية اللفظية. قال أحمد بن يونس: (حَدَّثَنا زائدةُ) بن قُدامة الثَّقَفي الكوفي (عن منصورِ) بن المُعْتَمِرِ بن عبد الله السلمي أبي عَتَّابٍ -بمثناة بعدها جاء موحدة- الكوفي، أحد الأئمة الأعلام المشاهير. روى عن إبراهيم النَّخَعي وأبي وائل والحَسَن البصري وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأيوب وحصين بن عبد الرحمن والثوْري ومِسْعَر وزائدة وخَلْق. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ وكان لا يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وقولُه: (و) عن (المغيرةِ) بن مِقْسَم الضبيِّ الكوفي بالجرّ معطوفٌ على (منصور). روى عن إبراهيم النخَعِي والشَّعْبي ومُجاهد وخلق، ويروي عنه (ع) وشُعْبةُ والثوْرِيُّ وزائدةُ وغيرُهم. قال في "التقريب": ثقةٌ مُتقِنٌ إلا أنه كان يُدَلسُ ولا سِيما عن إبراهيم -ففائدةُ هذه المقارنة حينئذٍ: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأن المغيرةَ ضعيفٌ عن إبراهيم، من السادسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة على الصحيح. كلاهما (عن إبراهيمَ) بن يَزِيد النَّخَعي الكوفي. وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السَّنَدِ بيانُ متابعة منصورٍ للأعمش في رواية هذا الأثر عن إبراهيم، وكَرَّرَ المَتْنَ؛ لما بين الروايتَينِ من المخالفة، ومن لطائف هذا السند أيضًا: أن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا حَجَّاج بن الشاعر كما مَرَّ آنفًا.

стр. 318

أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ. [٤٩] وَحَدَّثَنَا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزيَّاتِ قَال: سَمِعَ مُرةُ الْهَمْدَانِيُّ ــ وقولُه: (أن الحارثَ اتُّهِمَ) بفتح همزة أن: مفعولٌ ثانٍ لي (حَدَّثني حَجَّاجٌ)، أو لما بعده كما مَرَّ؛ أي: حَدَّثني حَجَّاجُ بن الشاعر بواسطة هؤلاء المشايخ: أن الحارث بن عبد الله الأعورَ اتُّهِمَ بالكَذِب والوَضع في حديثه؛ لغُلُوِّه في التشيُّع، وسِيءَ به الظن بأنه قصد بالوحي ما زعموا أن عَليًّا ﵁ اختص ببعضِ الوَحْي وعلمِ الغيب الذي أسَرَّ إليه النبي ﷺ مما لم يطلعه على غيره. ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ مُرّة الهَمْداني فقال: [٤٩] (وحَدَّثنا قتيبةُ بن سعيدِ) بن جميلِ بن طَرِيف البَغْلاني، قال: (حَدثنا جرير) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط الكوفي، (عن حمزةَ) بن حَبيب بن عُمارة (الزيَّاتِ) -بالزاي وتشديد الياء نسبة إلى بَيع الزيت؛ لأنه كان يجلَب الزيتَ من الكوفة إلى حلوان- أبي عمارة الكوفي، أَحَدِ القُرّاء السبعة. روى عن أبي إسحاق السَّبِيعي وأبي إسحاق الشيباني والأعمش وحَبيب بن أبي ثابت ومنصور بن المُعْتَمِر وغيرِهم، ويروي عنه (م عم) وابن المَبارك وجَرِير بن عبد الحميد وأبو أحمد الزبيري ومحمد بن فُضَيل ووَكِيع وخَلْق. قال في "التقريب": صدوقٌ زاهدٌ ربما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة ست أو ثمانٍ وخمسين ومائة. (قال) حمزةُ: (سَمِعَ مُرَّةُ) بن شَرَاحيل (الهَمْدَاني) بسكون الميم أبو إسماعيل الكوفي العابد يُقال له: مُرّة الطيب ومُرَّة الخير، لُقِّبَ بذلك لعبادته. روى عن أبي بكرٍ وعُمَرَ وعليّ وأبي ذرٍّ وحُذَيفَة وابن مسعود وطائفة، ويروي عنه (ع) والشعْبِي وطلحة بن مُصَرِّف وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وعَمْرو بن مُرَّة وغيرُهم، وَثَّقهُ ابنُ مَعِين.

стр. 319

مِنَ الْحَارِثِ شَيئًا، فَقَال لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَال: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيفَهُ، قَال: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ من الثانية، مات سنة ستٍّ وسبعين، وقيل: بعد ذلك. وليس في مسلم من اسمه (مُرَّة) إلَّا هذا الثقة. تنبيه: في هذا السند انقطاعٌ؛ لأن حمزة الزيَّات لم يُدْرِكْ مُرّة. أي: سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ (من الحارثِ) الأعورِ (شيئًا) من الكلام ممَّا يَدُلُ على تشيُّعِه وكَذِبه ولم يُبيِّن ذلك الكلامَ (فقال) مُرَّةُ (له) أي: للحارثِ: (اقْعُدْ) في هذا المكان والْزَمْ (بـ) هذا (الباب) حتى أدْخُلَ البيتَ وأخرجَ إليك (قال) حمزةُ: (فدَخَلَ مُرَّةُ) البيتَ (وأخَذَ سيفَهُ) ليقتل الحارثَ كأنّه سمع منه ما يُوجبُ قَتْلَه (قال) حمزةُ: (وأحَسَّ الحارثُ بالشَّرِّ) والقتل الذي أراده؛ أي: عَلِمَ الحارَثُ بالقرينة بالشرِّ والضَّرَرِ الذي أراده؛ مُرَّة به (فذَهَبَ) الحارثُ وشَرَدَ ولم ينتظر خوفًا من إيقاع شَرِّه عليه، وإنفاذِ ضرره الذي أراده به، وهذا السَّنَدُ من رُباعياته، ورجالُه كُلُّهم كوفيون إلَّا قتيبة بن سعيد؛ فإنه بَغْلانِيٌّ كما مَرّ. قولُه: (وأحَسَّ بالشرِّ) قال النوويُ: (هكذا ضبطناه من أصول محققة: "أحَسَّ" ووَقَعَ في كثيرٍ من الأُصول أو أكثرِها: "حَسَّ" بغير ألف، وهما لُغتان، ولكن "أَحَسَّ" أفصحُ وأشهرُ، وبها جاء القرآن العزيز، بمعنى "عَلِمَ" و"أيقَنَ" كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. وأمّا قولُ الفقهاء وأصحابِ الأصول: "الحاسّة والحواسّ الخمس" .. فإنما يَصِحُّ على اللغة القليلة: "حَسَّ" بغير ألف (١)، والكثيرُ في "حَسَّ" بغير ألف أن تكون بمعنى "قتَل" كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (٢).

стр. 320

[٥٠] وَحَدَّثَنِي عُبَيدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ــ ثم استشهد المؤلِّفُ لِمَا مَرَّ أيضًا بأثَرٍ آخَرَ لإبراهيم فقال: [٥٠] (وحَدَّثني عُبَيدُ اللهِ بن سعيدِ) بن يحيى اليَشْكُري مولاهم، أبو قُدامة السرخسي نزيل نيسابور الحافظ. روى عن ابن عُيَينَة وحفص بن غِياث وأبي معاوية وابن مهدي، ويروي عنه (خ م س) وابن خُزَيمة والسرَّاج. قال في "التقريب": ثقة مأمونٌ سُنِّيٌّ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. قال عُبَيدُ الله: (حَدَّثنا عبدُ الرحمنِ) قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: (يعني) ويقصد شيخي عُبَيدُ اللهِ بعبد الرحمن الذي رَوَى عنه: عبدَ الرحمنِ (ابنَ مَهْدِيِّ) بن حسان الأزدي مولاهم، أبا سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإِمام العلم، وأتى بلفظ (يعني) إشارةَ إلى أن هذه النِّسْبَة لم يسمعها من شيخه. روى عن عُمر بن ذَرّ وعكرمة بن عمار وشُعْبة وحماد بن زيد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن المبارك وأحمد وابن مَعِين. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاثٍ وستين سنة كما مَرّ. قال عبد الرحمن: (حَدَّثنا حَمَّادُ بن زيدِ) بن دِرْهَم الأزدي أبو إسماعيل الأزرقُ البصري الحافظ مولى آل جَرِير بن حازم، أحَدُ الأعلام. روى عن أنس بن سيرين وثابت وأيوب وغيرِهم. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة. (عن) عبد الله (بنِ عَوْنِ) بن أرْطَبان -بفتح فسكونِ ففَتْحِ- المُزَنيِّ أبي عون البصري، أحَدِ الأعلام.
следующие страницы →