وَجْهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇
ــ
وسلم بالجدار (وجهه وبديه) ليتيمم بالجدار لأنه ليس له وضوء (ثم) بعد تيممه (رد عليه) أي على الرجل (السلام) أي سلامه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ١٦٩] والبخاري [٣٣٧] وأبو داود [٣٢٩] والنسائي [١/ ١٦٥].
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت، وهذا الحديث يؤخذ منه أن حضور سبب الشيء كحضور وقته وذلك أنه لما سلَّم هذا الرجل على رسول الله ﷺ تعين عليه ﷺ الرد وخاف الفوت فتيمم، ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا أن من خرج إلى جنازة متوضئًا فانتقض وضوءه أن يتيمم، وقد روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: إني كنت كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهارة، وهذا يُتَمِّم معنى حديث ابن عمر الآتي وحديث أبي الجهيم هذا، ذكر القاضي عياض: أن مسلمًا ذكره مقطوعًا، وفي كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة متفرقة في أربعة عشر موضعًا هذا منها، وفي هذا الحديث حجة لمن قال: إن التيمم يرفع الحدث وهو ظاهر قول مالك في الموطأ ومشهور مذهبه أنه مبيح لا رافع، وقال الزهري وابن المسيب والحسن: يرفع الحدث الأصغر، وقال أبو سلمة: يرفع الحدثين جميعًا اهـ مفهم. قال النواوي: وهذا الحديث محمول على أنه ﷺ كان عادمًا للماء حال التيمم فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع، ولا فرق أيضًا بين صلاة الجنازة والعيد وغيرهما هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، وحكى البغوي من أصحابنا عن بعض أصحابنا: أنه إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلاها بالتيمم ثم توضأ وقضاها والمعروف الأول.
وفي هذا الحديث جواز التيمم بالجدار إذا كان عليه غبار؛ وهذا جائز عندنا وعند الجمهور من السلف والخلف، واحتج به من جوز التيمم بغير التراب، وأجاب الآخرون بأنه محمول على جدار عليه تراب، وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها، كما يجوز للفرائض وهذا مذهب العلماء كافة، إلَّا وجهًا شاذًّا منكرًا لبعض أصحابنا أنه لا يجوز التيمم إلَّا للفريضة؛ وليس هذا الوجه بشيء، فإن قيل كيف يتيمم بالجدار بغير إذن مالكه؟ فالجواب أنه محمول على أن هذا الجدار كان مباحًا أو مملوكًا لإنسان يعرفه فدُلّ عليه النبي ﷺ وتيمم به لعلمه بأنه لا يكره مالكه ذلك، ويجوز مثل هذا، والحالة هذه لآحاد الناس فالنبي ﷺ أولى، قال القاضي عياض: وفيه التيمم على التراب المنقول لأن الجدار تراب منقول، وفيه عدم شرطية الغبار في التراب لأن الجدار ترابه منعقد، وجواز التيمم عليه مع وجود غيره، وفيه التيمم للنوافل، اهـ.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول: حديث عائشة ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث عمار بن ياسر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث: حديث أبي الجهيم ذكره للاستشهاد أيضًا.
***
стр. 2523
١٨٣ - (٨٨)(٧٠) باب لا يرد قاضي الحاجة على من سلَّم عليه
٧١٧ - (٣٣٢)(١٧٨)(١٤٢) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيهِ
ــ
١٨٣ - (٨٨)(٧٠) باب لا يرد قاضي الحاجة على من سلَّم عليه
وترجم أبو داود لحديث الباب (باب في الرجل لا يرد السلام وهو يبول) ولذلك وضعت له ترجمة مستقلة.
٧١٧ - (٣٣٢)(١٧٨)(١٤٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي ثقة، من (٩) مات سنة (١٩٩) روى عنه في (١٧) بابا، قال (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ثقة ثبت إمام فقيه، من (٧) وكان ربما دلس مات سنة (١٦١) روى عنه في (٢٤) بابا (عن الضحاك بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي أبي عثمان المدني، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعد، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يُحْتَج به وهو صدوق يهم، وقال في التقريب: صدوق يهم، من (٧) مات بالمدينة سنة (١٥٣) روى عنه في (٨) أبواب (عن نافع) الفقيه العدوي مولاهم مولى ابن عمر أبي عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مشهور لا يُعرف له خطأ في جميع ما رواه، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، من (٣) مات سنة (١١٧) وقيل بعدها، روى عنه في (١٢) بابا (عن) عبد الله (بن عمر) ﵄ أخبره (أن رجلًا) من المسلمين (مر) على النبي ﷺ (ورسول الله ﷺ يبول فسلم) الرجل على النبي ﷺ (فلم يرد) النبي ﷺ (عليه) أي على الرجل سلامه لكونه على غير طهارة؛ يعني لم يرد ﵇ ولم يُجبه، وقد كان جواب السلام ورده واجبًا فعُلم من ذلك أن في هذه الحالة لا ينبغي أن يُسلم عليه ولو سُلِّم لا يستحق الجواب. قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام، ولهذا أدخله الإمام مسلم في باب التيمم.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أبو داود [٣٣٠, ٣٣١] والترمذي [٩٠]
стр. 2524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنسائي [١/ ٣٦] وسنده من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة كوفيون.
قال النواوي: وفي هذا الحديث أن المسَلِّمَ في هذا الحال لا يستحق جوابًا وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط فإن سلَّمَ عليه كُرِه له رد السلام، قالوا: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، قالوا: فلا يُسبِّح ولا يُهلل ولا يرد السلام ولا يُشمت العاطس ولا يحمد الله تعالى إذا عطس ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، قالوا: وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه ولا يُحرك به لسانه، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع هو كراهة تنزيه لا تحريم فلا إثم على فاعله وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام، ويُستثنى من هذا كله موضع الضرورة كما إذا رأى ضريرًا يكاد أن يقع في بئر أو رأى حية أو عقربًا أو غير ذلك يقصد إنسانًا أو نحو ذلك فإن الكلام في هذه المواضع ليس بمكروه بل هو واجب، وهذا الذي ذكرناه من الكراهة في حال الاختيار هو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وعطاء وسعيد الجهني وعكرمة رضي الله تعالى عنهم، وحُكي عن إبراهيم النخعي وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس به، والله أعلم. اهـ من المنهاج.
وقد صرح علماء الأحناف وغيرهم بكراهة السلام في مثل هذه الحالة قال في الدُر المختار نظمًا:
سلامك مكروه على من ستسمع ... ومن بعد ما أُبدي يُسن ويُشرع
مُصلٍّ وقتال ذاكر ومُحدِّث ... خطيب ومن يُصغي إليهم ويسمع
مُكرر فقه جالس لقضائه ... ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا
مؤذن أيضًا أو مقيم مدَرِّس ... كذا الأجنبيات الفتيات أمنع
لُعَّاب شطرنج وشبْه بخُلْقهم ... ومن هو مع اهل له يتمتع
ودع كافرًا أيضًا ومكشوف عورة ... ومن هو في حال التغوط أشنع
وجه كراهة السلام في حال قضاء الحاجة نهيه ﷺ عن السلام في
стр. 2525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذه الحالة كما في ابن ماجه عن جابر بن عبد الله أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك، ووجه كراهة الجواب في مثل هذه الأحوال أن الكلام عند كشف العورة مكروه فكيف بذكر الله تعالى فإنه يكون أشد كراهة فإن قيل يخالفه ما ورد أنه ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، قلنا المراد من الأحيان حالة الطهارة والحدث لا حالة كشف العورة والخلاء، والله أعلم اهـ بذل.
***
стр. 2526
١٨٤ - (٨٩)(٧١) باب الدليل على طهارة المسلم ولو جنبًا
٧١٨ - (٣٣٣)(١٧٩)(١٤٣) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ)، قَال: حُمَيدٌ حَدَّثَنَا. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حُمَيدٍ الطَّويلِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ،
ــ
١٨٤ - (٨٩)(٧١) باب الدليل على طهارة المسلم ولو جنبًا
٧١٨ - (٣٣٣)(١٧٩)(١٤٣) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، قال (حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان التميمي البصري ثقة، من (٩) وأتى بالعناية في قوله (يعني) شيخي زهير بيحيى الذي أبهمه يحيى (ابن سعيد) إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته (قال) يحيى بن سعيد (حميد) الطويل مبتدأ خبره جملة (حدثنا) والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال. قال النواوي: قوله (قال حميد حدثنا) فقد يلتبس على بعض الناس ولكن ليس فيه ما يُوجب اللبس على من له أدنى اشتغال بهذا الفن فإن أكثر ما فيه أنه قدم حميدًا على حدثنا والغالب أنهم يقولون حدثنا حميد فقال مسلم (حميد حدثنا) ولا فرق بين تقديم وتأخير في المعنى اهـ.
أي قال يحيى بن سعيد حدثنا حميد الطويل بن أبي حميد الخزاعي مولاهم مولى طلحة الطلحات وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي أبو عبيدة البصري، واختلف في اسم أبي حميد على نحو عشرة أقوال قيل تير وقيل تيرويه وقيل زادويه وقيل داور وقيل داود وقيل طرخان وقيل مهران وقيل غير ذلك، سُمي بالطويل لأنه كان قصير القامة، قال ابن خراش: ثقة صدوق، وقال مرة: في حديثه شيء، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال في التقريب: ثقة مدلس، من (٥) مات سنة (١٤٣) وهو قائم يُصلي.
(ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (واللفظ) الآتي (له) أي لأبي بكر قال (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه؛ القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري ثقة، من (٨) مات سنة (١٩٣) روى عنه في (١٥) بابا (عن حميد الطويل عن أبي رافع) نُفَيع مصغرًا بن رافع الصائغ المدني مولى ابنة عمر بن الخطاب، قال العجلي: بصري تابعي ثقة من كبار التابعين، وقال الدارقطني: ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت مشهور بكنيته، من (٢) روى عنه في (٧) أبواب، قال المازري: هذا الإسناد منقطع لأن حميدًا إنما يروي عن بكر بن عبد الله المُزني عن أبي رافع،
стр. 2527
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ. فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغتَسَلَ. فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا جَاءَهُ قَال "أَينَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ " قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللهِ،
ــ
وكذلك أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم من الأئمة عن حميد عن بكر المزني عن أبي رافع ولا يقدح هذا الانقطاع في أصل متن الحديث فإن المتن ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة اهـ نووي.
(عن أبي هريرة أنه لقبه النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة) أي في سكة من سككها (وهو) أي والحال أن أبا هريرة (جُنب) جملة اسمية حالية من الضمير المنصوب في لقيه, قوله (فانسلَّ) أبو هريرة بلفظ الغَيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة من باب التجريد البديعي وهو أنه جرد من نفسه شخصًا وأخبر عنه كأنه غيره وهو المناسب لجميع ما سيأتي، وقد مر أن الانسلال هو الذهاب بخفية، قال المجد: انسل وتسلل انطلق في استخفاء، والمعنى قال أبو هريرة: انطلق أبو هريرة ورجع وراءه خفية (فذهب) إلى موضع يجد فيه ماء (فاغتسل) من الجنابة، وفي رواية فانسللتُ فذهبت فاغتسلت وهو الظاهر، وكان سبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النسائي وابن حبان من حديث حذيفة أنه ﷺ كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، فلما ظن أبو هريرة ﵁ أن الجنب ينجس بالجنابة خشي أن يماسَّه النبي ﷺ كعادته فبادر إلى الاغتسال، اهـ ق (فتفقده النبي ﷺ أي بحث عنه وطلبه وسأل عن سبب فقدانه (فلما جاءه) أبو هريرة سأله عن مغيبه و (قال) له (أين كنت) وتغيبت عنا (يا أبا هريرة قال) أبو هريرة (يا رسول الله لقيتني) أي استقبلتني (وأنا جنب) أي ذو جنابة لأنه اسم جرى مجرى المصدر وهو الإجناب (فكرهت أن أجالسك) أي أن أجلس معك وأنا على غير طهارة (حتى أغتسل) وأتطهر من جنابتي (فقال رسول الله ﷺ سبحان الله) منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا لجريانه مجرى المَثَل، وأتى به هنا للتعجب والاستعظام أي كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر الذي هو نجاسة المؤمن بالجنابة، والمعنى تنزيهًا لله في كل شؤونه التي منها خفاء هذا
стр. 2528
إِنَّ الْمُؤمِنَ لا يَنْجُسُ".
٧١٩ - (٣٣٤)(١٨٠)(١٤٤) وحدَّثنا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ
ــ
الأمر الظاهر عليك يا أبا هريرة (إن المؤمن لا ينجس) معناه أن الأمر بالغسل من الجنابة تعبدي وليس بنجس حقيقة حتى لا يجوز مسه، قال الفيومي: نجس من بابي تعِب وقتَل أي إن المؤمن لا ينجس في ذاته حيًّا ولا ميتًا ولذا يغسل إذا مات، نعم يتنجس بما يعتريه من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار، وحكم الكافر في ذلك كالمسلم، وأما قوله (إنما المشركون نجس) فالمراد به نجاسة اعتقادهم أو لأنه يجب أن يتجنب عنهم كما يتجنب عن الأنجاس أو لأنَّهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسات فهم ملابسون لها غالبًا، وما روي عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير وبه قال ابن حزم، وعن الحسن البصري: مَن صافحهم فليتوضأ؛ عورض بحل نكاح الكتابيات للمسلم ولا تسلم مضاجعتهن من عرقهن ومع ذلك لم يجب مِن غَسلهن إلَّا مثل ما يجب من غسل المسلمات، أو محمول على المبالغة في التبعد عنهم والاحتراز منهم فدل هذا الحديث على أن الآدمي ليس بنجس العين إذ لا فرق بين الرجال والنساء، بل يتنجس بما يعرُض له من خارج.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٣٥ و ٣٨٢] والبخاري [٢٨٣] وأبو داود [٢٣١] والترمذي [٢٢٢] والنسائي [١/ ١٤٥] وابن ماجه [٥٣٤] وسنداه من خماسياته الأول منهما رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد نسائي، والثاني منهما رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد كوفي.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧١٩ - (٣٣٤)(١٨٠)(١٤٤) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي ثقة، من (١٠) قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه، وقال نفطويه: اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفًا، قال البخاري: مات سنة (٢٣٥) روى عنه في (١٦) بابا (وأبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي ثقة، من (١٠) قال ابن عقدة: ظهر له بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث، قال البخاري: مات سنة
стр. 2529
قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَحَادَ عَنْهُ فَاغتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَال: كُنْتُ جُنُبًا. قَال: "إِن الْمُسْلِمَ لا يَنْجُسُ"
ــ
(٢٤٨) روى عنه في (١٠) أبواب (قالا) أي قال كل منهما (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة، من (٩) مات في آخر سنة (١٩٦) روى عنه في (١٩) بابا (عن مسعر) بن كِدام -بكسر أولهما- بن ظُهير -مصغرًا- بن عُبيدة -بضم أوله- الهلالي الهمداني أبي سلمة الكوفي، قال محمد بن بشر: كان عنده ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل، من (٧) مات سنة (١٥٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن واصل) بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي، وثقه ابن معين وأبو داود والنسائي والعجلي ويعقوب بن سفيان وأبو بكر البزار، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٦) مات سنة (١٢٠) (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم، مات سنة (١٠٠) في خلافة عمر بن عبد العزيز، روى عنه في (٩) أبواب (عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي الصحابي ابن الصحابي أبوه استشهد يوم أحد من السابقين. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (أن رسول الله ﷺ لقيه) أي لقي حذيفة ورآه (وهو جنب) أي ذو جنابة، والجملة الاسمية حال من ضمير المفعول (فحاد) حذيفة أي مال وعدل (عنه) ﷺ (فاغتسل) حذيفة من الجنابة (ثم جاء) حذيفة إلى رسول الله فسأله عن غيبته (فقال) حذيفة لرسول الله ﷺ كنت جنبًا) فخشيت أن تصافحني فتغيبْتُ فاغتسلت فجئت (فقال) رسول الله ﷺ : لا بأس عليك (إن المسلم لا ينجس) بالجنابة، بل الأمر بالغسل من الجنابة أمر تعبدي ليس لتنجسه بالجنابة حتى لا يجوز مسه.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أبو داود والنسائي وابن ماجه، أما أبو داود فرواه مختصرًا، وأما النسائي فرواه مطولًا، ولم يذكر في هذا الباب إلَّا حديثين: الأول لأبي هريرة ذكره للاستدلال به، والثاني لحذيفة بن اليمان ذكره للاستشهاد به والله أعلم.
стр. 2530
١٨٥ - (٩٠)(٧٢) باب ذكر الله تعالى في كل الأحيان
٧٢٠ - (٣٣٥)(١٨١)(١٤٥) حدَّثنا أَبُو كُرَيب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى. قَالا: حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْبَهِيِّ،
ــ
١٨٥ - (٩٠)(٧٢) باب ذكر الله تعالى في كل الأحيان
أي في أوقات الحدث وأوقات الطهارة.
٧٢٠ - (٣٣٥)(١٨١)(١٤٥) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي (وإبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي أبو إسحاق الفرّاء الصغير الرازي أحد بحور العلوم، وكان أحمد ينكر على هن يقول فيه الصغير ويقول هو كبير في العلم والجلالة، قال ابن يونس: ثقة، وقال النسائي: صدوق، وقال في التقريب: ثقة، من (١٠) مات سنة عشرين ومائتين (٢٢٠) روى عنه في (٤) أبواب (قالا حدثنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي مولاهم أبو سعيد الكوفي، وثقه العجلي والنسائي وابن المديني وقال: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، وقال أيضًا: انتهى العلم إليه في زمانه، وقال في التقريب: ثقة متقن، من كبار (٩) مات سنة (١٨٤) وله (٩٣) سنة، روى عنه في (١٢) بابا (عن أبيه) زكرياء بن أبي زائدة الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي، قال القطان: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: لين الحديث كان يدلس، وقال أبو داود: ثقة إلَّا أنه يدلس، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة وكان يدلس، من (٦) مات سنة (١٤٩) روى عنه في (١٣) بابا (عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي أبي سلمة الكوفي المعروف بالفَأْفاء لقبٌ لمن ينعقد لسانه عند الكلام، روى عن البهي في الوضوء، وابن المسيب والشعبي وموسى بن طلحة، ويروي عنه (م عم) وزكرياء بن أبي زائدة وشعبة والسفيانان، وثقه أحمد وابن معين وابن المديني، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال في التقريب: صدوق رُمي بالإرجاء والنصب، من الخامسة قُتل سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة بواسط لَمَّا زالت دولة بني أمية، روى عنه في (١) باب (عن البهي) بفتح الموحدة وكسر الهاء وتشديد الياء عبد الله بن يسار القرشي الأسدي مولاهم مولى مصعب بن الزبير بن العوام أبي محمد الكوفي، قال يحيى بن معين وأبو علي الغساني وغيرهما قالوا: هو معدود في الطبقة الأولى من الكوفيين اهـ نووي، روى عن
стр. 2531
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ
ــ
عروة بن الزبير في الوضوء والفضائل، وفاطمة بنت قيس في الطلاق، وعائشة في الفضائل، ويروي عنه (م عم) وخالد بن سلمة وإسماعيل السُّدِّيُّ وإسماعيل بن أبي خالد، وثقه ابن حبان، وقال ابن سعد: كان ثقة معروفًا بالحديث، وقال أبو حاتم: لا يُحتج به وهو مضطرب الحديث، وقال في التقريب: صدوق يخطئ، من الثالثة، روى عنه في (٤) أبواب (عن عروة) بن الزبير القرشي الأسدي أبي عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، من (٣) مات سنة (٩٤) روى عنه في (٢٠) بابا (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم كوفيون واثنان مدنيان أو أربعة منهم كوفيون وواحد رازي (قالت) عائشة (كان النبي ﷺ يذكر الله) بما بدا له من الأذكار (على) كل حالاته من الطهارة والحدث والجلوة والخلوة والسر والجهر في (كل أحيانه) وأوقاته ليلًا ونهارًا، لا تمر عليه لحظة إلَّا هو يذكر الله تعالى سرًّا أو جهرًا.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري رواه تعليقًا [٢/ ١١٤] وأبو داود [١٨] والترمذي [٣٣٨١] وابن ماجه [٣٠٣].
وفي البذل: قوله (على كل أحيانه) المراد من عموم الأحيان حالة التطهر والحدث، سواء كان الحدث أصغر أو أكبر إلَّا أن الأكبر يحجزه عن قراءة القرآن، وأما الحدث الأصغر فلا يمنعه عن تلاوة القرآن وغيرها من الأذكار وكذلك حالة كشف العورة كالجماع وقضاء الحاجة من البول والغائط فإنه أيضًا لا يذكر الله تعالى في تلك الأحوال بل ولا يتكلم فيها مطلقًا إلَّا لبيان الجواز في حالة كشف العورة فالذي ورد من الحديث الدال على كراهة ذكر الله تعالى في تلك الحالة يُحمل على خلاف الأولى ويمكن أن يراد من ذكر الله الذكر القلبي وهو المعبر عنه بالحضور فحينئذ يكون عموم الأحيان شاملًا لجميع أحيانه لا يستثنى منه حينٌ لأنه ﷺ كان دائم الذكر لا ينقطع ذكره القلبي في يقظة ولا نوم ولا في وقتٍ ما، اهـ منه.
قال النواوي: الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في
стр. 2532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جواز قراءة القرآن للجنب والحائض فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعًا ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية فإن الجميع يحرم، ولو قال الجنب: بسم الله أو الحمد لله ونحو ذلك؛ إن قصد به القرآن حرم عليه؛ وإن قصد به الذكر أو لم يقصد شيئًا لم يحرم، ويجوز للجنب والحائض أن يُجْرِيَا القرآن على قلوبهما وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما إذا أرادا الاغتسال أن يقولا: بسم الله؛ على قصد الذكر، وفي الأبي: وفي روايةٍ عن مالك تقرأ الحائض القرآن لطول أمرها دون الجنب لقدرته على التطهير، وجوَّز قراءتهما النخعي وابن سيرين والشعبي وعبد الله بن عمرو بن العاص محتجين بآية ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ولا حجة لهم في هذا الحديث لأن عموم أحيانه مخصوص بعدم رده السلام في الحديث المتقدم، اهـ.
قال النووي: واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع، وقد قدمنا بيان هذا قريبًا في آخر باب التيمم، وبينا الحالة التي تستثنى منه، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في كراهته فعلى قول الجمهور أنه مكروه ويكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال، ويكون معظم المقصود أنه ﷺ كان يذكر الله تعالى متطهرًا ومحدثًا وجنبًا وقائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وماشيًا، والله أعلم.
***
стр. 2533
١٨٦ - (٩١)(٧٣) باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة في ذلك وأن الوضوء ليس على الفور
٧٢١ - (٣٣٦)(١٨٢)(١٤٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ. وَقَال أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ،
ــ
١٨٦ - (٩١)(٧٣) باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة في ذلك وأن الوضوء ليس على الفور
٧٢١ - (٣٣٦)(١٨٢)(١٤٦) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) أبو زكرياء النيسابوري (وأبو الربيع) سليمان بن داود العتكي (الزهراني) البصري ثقة، لم يتكلم فيه أحد بحجة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب، وأتى بجملة قوله (قال يحيى أخبرنا حماد بن زيد وقال أبو الربيع حدثنا حماد) لبيان اختلاف كيفية سماع شيخيه من شيخهما أي قالا: روى لنا حماد بن زيد بن درهم الأزدي أبو إسماعيل الأزرق البصري مولى جرير بن حازم، قال ابن مهدي: ما رأيت أحدًا أحفظ منه ولا أحدًا أفقه منه بالبصرة ولم أر أعلم منه بالسنة، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه، من كبار (٨) مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٤) بابا (عن عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم أبي محمد المكي الأثرم بالمثلثة قال مسعر: كان ثقة ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٤) مات سنة (١٢٦) روى عنه في (٢٢) بابا (عن سعيد بن الحويرث) ويقال ابن أبي الحويرث مولى السائب أبي زيد المكي، روى عن ابن عباس في الوضوء، ويروي عنه (م س) وعمرو بن دينار وابن جريج، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن حبان، وله عندهم فرد حديث، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة (عن) عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون واثنان بصريان أو بصري ونيسابوري (أن النبي ﷺ خرج من الخلاء) أي من موضع قضاء الحاجة، والخلاء: بالمد والفتح اسم لموضع الحدث، سُمي خلاءً لخلوه من الناس. وبالكسر والمد عيب في الإبل مثل الحَرَّان في الخيل. وبالفتح والقصر الحشيش الرطب وهو أيضًا حسن الكلام، ومنه قولهم هو حلو الخلا أي حسن الكلام، ذكر ذلك الفارسي
стр. 2534
فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ فَقَال: "أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَأَتَوَضَّأَ؟ "
ــ
في باب المقصور والممدود من الإيضاح.
(فأُتي) بصيغة المجهول أي أتي النبي ﷺ (بطعام) أي بمأكول (فذكروا) أي ذكر الحاضرون عنده، وفي بعض النسخ فذكر بتوحيد الفعل (له الوضوء) بضم الواو أي طلبوا منه الوضوء لأجل الأكل. قال النووي: المراد بالوضوء الوضوء الشرعي الذي شرع للصلاة، وحمل القاضي عياض على اللغوي الذي هو غسل الكفين، وحكى اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه، وحكى الكراهة عن مالك والثوري، والظاهر أن المراد الوضوء الشرعي اهـ (فقال) النبي ﷺ إنكارًا عليهم أ (أريد) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري أي هل أريد وأقصد (أن أصلي) الصلاة (فأتوضأ) لها بالنصب عطفًا على أصلي أي هل وُجِدَ إرادتي الصلاة فوضوئي لها؛ أي لم يوجد مني قصد الصلاة فلا وضوء علي لأن الطعام لا يحتاج إلى الوضوء، والمعنى: الوضوء يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن (قلت) ولا شك في استحباب تنظيف اليد بغسلها قبل الطعام عقلًا لأن اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال، والعقل حجة شرعية كالسمع بل أقوى كما في مرآة الأصول في بحث القضاء بمثل غير معقول على أن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادةٌ؛ لأن ما يستعان به على العبادات عبادة؛ فهو بهذا الاعتبار بمنزلة الطهارة من الصلاة فيُقَدَّم عليه، وأيضًا أن فيه اسقبالًا للنعمة بالأدب وذلك شكر للنعمة ووفاء بحرمة الطعام المنعم به، والشكر يوجب المزيد؛ وهو معنى ما ورد إن الوضوء يعني غسل اليدين قبل الطعام ينفي الفقر، وكرهه الإمام مالك لكونه من فعل الأعاجم، وفي الحديث ما يردُّ عليه، انظر التيسير في شرح قوله ﷺ "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده" وراجع آداب الأكل من الإحياء اهـ من الهامش. قال النووي: اعلم أن العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل ويشرب ويذكر الله ويقرأ ويجامع ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على ذلك كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة مع إجماع الأمة، وقد قدمنا أن أصحابنا رحمهم الله تعالى اختلفوا في وقت وجوب الوضوء: هل هو بخروج الحدث ويكون وجوبًا موسعًا، أم لا يجب إلَّا بالقيام إلى الصلاة، أم يجب بالخروج والقيام؟ فيه ثلاثة أوجه أصحها عندهم الثالث. والله أعلم اهـ.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
стр. 2535
٧٢٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيرِثِ. سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيَّ ﷺ . فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ بِطَعَامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلا تَوَضَّأُ؟ فَقَال: "لِمَ؟ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأُ؟ "
ــ
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
٧٢٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا سفيان بن عيينة) بن ميمون الهلالي الكوفي (عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن سعيد بن الحويرث) المكي مولى السائب بن يزيد الكندي، قال (سمعت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما حالة كونه (يقول كنا عند النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون واثنان كوفيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن عيينة لحماد بن زيد في رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة في بعض الكلمات (فجاء) النبي ﷺ (من الغائط) أي من موضع قضاء الحاجة، وهو في الأصل الموضع المنخفض المطمئن (وأُتِيَ) بضم أوله على صيغة المبني للمفعول أي أتي النبي ﷺ (بطعام) أي أتاه آت بطعام (فقيل له) ﷺ (ألا توضأ) برفع الفعل لأنه مضارع توضأ الخماسي، أصله تتوضأ فحذفت إحدى التاءين للتخفيف وألَا بالتخفيف حرف عرض وهو الطلب برفق ولين كقولهم ألا تَنْزِل عندنا. قال النووي: والمراد به الوضوء الشرعي بدليل ما بعده أي ألا تتوضأ للأكل وضوء الصلاة (فقال) ﷺ إنكارًا على القائل (لِمَ) أتوضأ بكسر اللام الجارة وفتح الميم لأنها ما الاستفهامية التي دخلت عليها حرف الجر فحذفت ألفها فرقًا بينها وبين ما الموصولة، وحذْفُ ألفها دليل على أنها استفهامية لا موصولة كما هو مقرر في محله (أأصلي) بهمزتين أولاهما مفتوحة للاستفهام، والثانية مضمومة للمضارعة أي هل أريد الصلاة (فأتوضأ) لأجلها بنصب الفعل بأن المضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام فالمصدر المنسبك معطوف على المصدر المتصيد من جملة الاستفهام من غير سابك لإصلاح المعنى، والتقدير هل إرادة الصلاة موجودة مني فوضوئي لها، والاستفهام للإنكار بمعنى النفي. وفي المفهم: قوله "أأصلي فأتوضأ" إنكار على من عرض عليه غسل اليدين قبل الطعام، وبه استدل مالك على كراهة ذلك، وقال: إنه من
стр. 2536
٧٢٣ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيرِثِ، مَوْلَى آلِ السَّائِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَال: ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْغَائِطِ، فَلَمَّا جَاءَ
ــ
فعل الأعاجم، وقال مثله الثوري وقال: لم يكن من فعل السلف، وحمله غيرهما على إنكار كونه واجبًا محتجًا بحديث رواه أبو داود وغيره عنه ﷺ "الوضوء قبل الطعام وبعده بركة" رواه أبو داود [٣٧٦١] والترمذي [١٨٤٧] من حديث سلمان الفارسي، وهذا القول الأخير هو القول السديد والأَولى بالاعتبار، ولا يخفى على أحد ما في غسل اليدين قبل الطعام من الفوائد الصحية والنظافة التي هي مما يدعو إليه العقل وديننا الحنيف اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٢٣ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي أبو زكرياء النيسابوري قال (أخبرنا محمد بن مسلم) بن سُنَين بنونين مصغرًا، وقيل بن سويس بواو مصغرًا، وقيل غير ذلك (الطائفي) روى عن عمرو بن دينار في الوضوء، وإبراهيم بن ميسرة، ويروي عنه (م عم) ويحيى بن يحيى وابن مهدي وعبد الرزاق وقتيبة وخلق، قال ابن معين: ثقة يخطئ إذا حدث من حفظه، وقال أحمد: ما أضعف حديثه، وقال أبو داود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من الحادية عشرة (عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي (عن سعيد بن الحويرث) الكندي مولاهم (مولى آل السائب) بن يزيد الكندي أبي يزيد المكي (أنه) أي أن سعيد بن الحويرث (سمع عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد طائفي وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن مسلم الطائفي لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار، وفائدتها بيان كثرة طرقه لأن الطائفي مختلف فيه لا يصلح لتقوية المتابَع، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سوق الحديث.
(قال) وفي بعض النسخ (يقول) أي سمعت ابن عباس يقول (ذهب رسول الله ﷺ إلى الغائط) أي إلى موضع قضاء الحاجة (فلما جاء) رسول الله
стр. 2537
قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا تَوَضَّأُ؟ قَال: "لِمَ، أَلِلصَّلاةِ؟ ".
٧٢٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلاءِ فَقُرِّبَ إِلَيهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً
ــ
ﷺ من الغائط (قُدِّم له طعام) ليأكل (فقيل) له (يا رسول الله) وفي بعض النسخ (أيا رسول الله) بزيادة الهمزة قبل الياء فتكون أيا حرف نداء أيضًا (ألا توضأ) الوضوء الشرعي كما قاله النواوي (قال) رسول الله ﷺ (لم) أي لأجل ما أتوضأ (١) أتوضأ (للصلاة) لا لأن الصلاة لم يحضر وقتها، فدل الحديث بمنطوقه على جواز أكل المحدث الطعام مع حدثه وأنه لا كراهة فيه، وأن الوضوء للصلاة ليس على الفور.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٢٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثني محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة) بفتحات ابن أبي رواد العتكي الباهلي مولاهم أبو جعفر البصري، قال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يُغْرِب ويخالف، وقال في التقريب: صدوق، من (١١) مات سنة (٢٣٤) روى عنه في (١١) بابا، قال (حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد الشيباني مولاهم البصري قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٩) مات سنة (٢١٢) روى عنه في (١٢) بابا (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أبي الوليد المكي ثقة فقيه، وكان يدلس ويرسل، من (٦) مات سنة (١٥٠) روى عنه في (١٦) بابا (قال) ابن جريج (حدثنا سعيد ابن حويرث) المكي (أنه سمع ابن عباس يقول: أن النبي ﷺ قضى حاجته) بولا وغائطًا (من الخلاء) أي في الخلاء، إن قلنا إن الخلاء اسم لمكان قضاء الحاجة فمِن بمعنى في أو من بيانية على بابها إن قلنا إن الخلاء اسم للحدث الخارج (فقرب إليه) ﷺ (طعام فأكل) منه (ولم يمس ماءً) أي لم يغسل الكفين ولم يتوضأ. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون واثنان بصريان، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لعمرو بن دينار في رواية هذا الحديث عن سعيد بن
стр. 2538
قَال: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيرِثِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَال "مَا أَرَدْتُ صَلاةً فَأَتَوَضَّأَ" وَزَعَمَ عَمْرٌو؛ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيرِثِ
ــ
الحويرث، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر المتن لما في هذه الرواية من المخالفة للأولى في اللفظ (قال) أبو عاصم (وزادني عمرو بن دينار) على ابن جريج في روايته (عن سعيد بن الحويرث أن النبي ﷺ قيل له إنك) يا رسول الله (لم) بسكون الميم حرف جزم (توضأ) فعل مضارع مجزوم، أصله لم تتوضأ حذفت إحدى التاءين للتخفيف (قال) رسول الله ﷺ جوابًا للقائل (ما أردت) ولا قصدت (صلاة فأتوضأ) بنصب الفعل بأن المضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النفي، والمصدر المنسبك من أن المصدرية ومدخولها معطوف على مصدر متصيد من الجملة المنفية، والتقدير لم يكن إرادتي الصلاة فوضوئي لها، وجملة قوله (وزعم عمرو) معطوفة على جملة قوله وزادني عمرو؛ أي وقال أبو عاصم أيضًا: زعم عمرو بن دينار أي قال عمرو بن دينار (أنه سمع) هذا الحديث (من سعيد بن الحويرث) وهذا رفع لما يتوهم من العنعنة من عدم الاتصال. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديث ابن عباس وذكر فيه ثلاث متابعات. والله أعلم.
***
стр. 2539
١٨٧ - (٩٢)(٧٤) باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
٧٢٥ - (٣٣٧)(١٨٣)(١٤٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ. وَقَال يَحْيَى أَيضًا: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسٍ. (فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ. وَفِي حَدِيثِ هُشَيمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ). قَال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ"
ــ
١٨٧ - (٩٢)(٧٤) باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
٧٢٥ - (٣٣٧)(١٨٣)(١٤٧) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي أبو زكرياء النيسابوري ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٢٦) روى عنه في (١٩) بابا (أخبرنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت فقيه، من كبار (٨) مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٤) بابا (وقال يحيى) بن يحيى (أيضًا) أي كما قال أولًا أخبرنا حماد فهو مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا لقيامه مقامه؛ تقديره آض يحيى أيضًا أي رجع إلى الإخبار ثانيًا رجوعًا، والجملة المحذوفة حال من يحيى أي قال يحيى حالة كونه آئضًا أي راجعا إلى الإخبار ثانيًا (أخبرنا هشيم) بن بشير بوزن عظيم بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من (٧) مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٨) بابا (كلاهما) أي كل من حماد وهشيم رويا (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري الأعمى، وثقه ابن سعد والعجلي والنسائي وابن معين، وقال أحمد: ثقة ثقة، من (٤) مات سنة (١٣٠) روى عنه في (٦) أبواب (عن أنس) بن مالك ﵁.
وهذا السند من رباعياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد نيسابوري أو اثنان بصريان وواحد واسطي وواحد نيسابوري (في حديث حماد) وروايته (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء) أي إذا أراد دخول الخلاء قبل دخوله لأن الذكر مكروه في الخلاء كما مر، والخلاء بالفتح والمد وكذا الكنيف والمرحاض والحُشُّ كلها موضع قضاء الحاجة، سمي خلاء لخلوه من الناس، كنى به عن الحدث لأنه يفعل في خلوة، وكنيفًا من الكنف؛ وهو الستر لأنه يستر قاضي الحاجة (وفي حديث هشيم) وروايته (أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الكنيف) أي الخلاء (قال: اللهم إني أعوذ بك) أي ألوذ بك وألتجئ إليك (من) شر (الخبث) وضررهم (و) من شر (الخبائث) وإذايتهن، والخُبُث
стр. 2540
٧٢٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ)، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "أَعُوذ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ"
ــ
بضمتين وقد يخفف بإسكان وسطه جمع الخبيث كالسبل والسبيل وهم ذكران الشياطين، والخبائث جمع الخبيثة وهن إناثهم، وخص الخلاء لأن الشياطين تحضر الأخلية لأنه يهجر فيه ذكر الله تعالى أو تأكل الخارج لأنهم قذرون يحبون الأقذار اهـ من النهاية والمرقاة. وقيل الخبث الشياطين والخبائث البول والغائط، استعاذ أولًا من الشياطين لأنها تضاحك عند كشف العورة للبراز، فإذا ذكر الله تعالى هربت ثم استعاذ ثانيًا من البول والغائط أن يناله منهما أذى. وقال ابن الأعرابي: الخبيث في كلام العرب المكروه وهو ضد الطيب، قال أبو الهيثم: الخبث بالضم جمع خبيث وهو الذكر من الشياطين، والخبائث جمع خبيثة وهي الأنثى منهم، ويعني أنه ﷺ تعوذ من ذكورهم وإناثهم ونحوه، قال الخطابي وقال الداودي: الخبُث الشياطين والخبائث المعاصي، وأما بسكون الباء فقيل فيه إنه المكروه مطلقًا، وقيل إنه الكفر والخبائث الشياطين قاله ابن الأنباري، وقيل الخبائث البول والغائط كما قال "لا تُدَافِعوا الأخبثين الغائط والبول في الصلاة" رواه الطحاوي في مشكل الآثار [٢/ ٤٠٥] من حديث أبي هريرة ﵁ اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٩٩] والبخاري [١٤٢] وأبو داود [٤] والترمذي [٥] والنسائي [١/ ٢٠] وابن ماجه [٢٩٦].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٧٢٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وزهير بن حرب) الحرشي النسائي (قالا حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي أبو بشر البصري، وأتى بهو في قوله (وهو ابن علية) اسم أمه إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني البصري، وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله حدثنا إسماعيل لأنه العامل في المتابع، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو حماد وهشيم أي حدثنا إسماعيل عن عبد العزيز عن أنس هذا الحديث السابق (و) لكن (قال) إسماعيل في روايته (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) بحذف اللهم وبإبدال الضمير بلفظ الجلالة. وهذا السند من رباعياته أيضًا رجاله ثلاثة بصريون وواحد إما كوفي أو
стр. 2541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نسائي، وغرضه بسوقه بيان متابعة إسماعيل بن علية لحماد وهشيم في رواية هذا الحديث عن عبد العزيز بن صهيب، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة، وقد روى أبو داود في المراسيل عن الحسن أنه ﷺ كان إذا أراد الخلاء قال "اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم" فأتى بالخبيث للجنس وأكده بالمُخْبِث، والعرب تقول خبيث مخبِثٌ ومخبثان إذا بالغت في ذلك.
ويستنبط من هذا الحديث كراهة ذكر الله تعالى وقراءة القرآن في هذه المواضع المعتادة للحدث فلو لم يتعوذ عند الدخول ناسيًا فهل يتعوذ بعد الدخول أو لا؟ فعن مالك في ذلك قولان، وكرهه جماعة من السلف كابن عباس وعطاء والشعبي، وأجاز ذكر الله في الكنيف وعلى كل حال جماعةٌ منهم كعبد الله بن عمر وابن سيرين والنخعي متمسكين بحديث عائشة كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، وكذلك اختلفوا في دخول الخلاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى. اهـ مفهم.
***
стр. 2542
١٨٩ - (٩٣)(٧٥) باب الدليل على أن نوم القاعد لا ينقض الوضوء
٧٢٧ - (٣٣٨)(١٨٤)(١٤٨) حدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ -
ــ
١٨٩ - (٩٣)(٧٥) باب الدليل على أن نوم القاعد لا ينقض الوضوء
٧٢٧ - (٣٣٨)(١٨٤)(١٤٨) حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي، قال (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم (ابن علية) الأسدي أبو بشر البصري (ح وحدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي مولاهم أبو محمد الأبلي بضمتين ثم لام مشددة مكسورة، قال أحمد وصالح ومسلمة: ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال في التقريب: صدوق يهم ورمي بالقدر، من صغار (٩) مات سنة (٢٣٦) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم أبو عبيدة البصري ثقة ثبت رمي بالقدر ولم يثبت عنه، من (٨) مات سنة (١٨٠) روى عنه في (٨) أبواب (كلاهما) أي كل من إسماعيل وعبد الوارث رويا (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني البصري (عن أنس) بن مالك الأنصاري الخزرجي أبي حمزة البصري خادم رسول الله ﷺ .
وهذان السندان من رباعياته الأول منهما رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد نسائي، والثاني منهما رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد أُبُليٌّ (قال) أنس (أقيمت الصلاة) المكتوبة يومًا من الأيام أي أقام لها المؤذن لعله بلال (ورسول الله) أي والحال أن رسول الله ﷺ نَجيٌّ) أي مسار (لرجل) من المسلمين أي محدِّث معه محادثة سر لا يسمعه غيرهما، والمناجاة المحادثة سرًّا، يقال رجل نجي ورجلان نجي ورجال نجي يطلق بلفظ واحد على المفرد والجمع والمثنى، ومنه قوله تعالى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] وقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] قال المازري: ومناجاته كانت في مهم وتقديم النظر فيه أولى من المبادرة إلى الصلاة، قال (ع): فيجوز مثله ويكره الكلام بعد الإقامة في غير مهم، وفيه تناجي اثنين دون الجماعة، قال الأبي: ولم يذكر في الحديث أنه أعيدت الإقامة مع أنه قد طال الأمر حتى نام أصحابه، ولعله لم يطل الأمر، والمنصوص: أنه إن طال تأخير الصلاة
стр. 2543
(وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: وَنَبِي اللهِ ﷺ يُنَاجِي الرَّجُلَ) - فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.
٧٢٨ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيب؛ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَال: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا. فَلَمْ يَزَل يُنَاجِيهِ حَتَّى
ــ
أعيدت، واختلف في إعادتها إذا بطلت (وفي حديث عبد الوارث) وروايته (ونبي الله ﷺ يناجي الرجل فما قام) رسول الله ﷺ (إلى الصلاة حتى نام القوم) الحاضرون قعودًا على هيئة انتظار الصلاة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري وأبو داود كما في التحفة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال:
٧٢٨ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثنا عببد الله بن معاذ) التميمي (العنبري) أبو عمرو البصري ثقة حافظ، من (١٠) مات سنة (٢٣٧) روى عن أبيه فقط في مواضع كثيرة، قال (حدثني أبي) معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنى البصري ثقة متقن، من كبار (٩) مات سنة (١٩٦) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الضري ثقة متقن إمام أئمة الجرح والتعديل وهو أول من تكلم في رجال الحديث، من (٧) مات سنة (١٦٠) روى عنه في (٣٠) بابا (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري (سمع) عبد العزيز (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري أبا حمزة البصري خادم رسول الله ﷺ . وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرضه بسوقه بيان متابعة شعبة لإسماعيل بن علية وعبد الوارث في رواية هذا الحديث عن عبد العزيز، وفائدتها تقوية السند الأول لأن شعبة أوثق منهما، وفيه تصريح سماع عبد العزيز من أنس، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة اللفظية (قال) أنس (أقيمت الصلاة) العشاء الأخيرة كما سيصرح بها في الرواية الأخيرة؛ أي أقام المؤذن لها (والنبي) أي والحال أن النبي ﷺ يناجي) ويحادث (رجلًا) سرًّا في أمر مهم من مصالح المسلمين (فلم يزل) أي لم يبرح رسول الله ﷺ (يناجيه) أي يتحدث مع ذلك الرجل (حتى
стр. 2544
نَامَ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ.
٧٢٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ)، حَدَّثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ، ثُم يُصَلُّونَ وَلا يَتَوَضَّؤُونَ.
قَال: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنٍ أَنَسِ؟ قَال: إِي وَاللهِ!
ــ
نام أصحابه) قاعدين في صفوفهم ممكنين مقعدتهم يتساقط بعضهم على بعض (ثم) بعد فراغه من مناجاته مع الرجل (جاء) إلى أصحابه (فصلى بهم) العشاء الآخرة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٧٢٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثني يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) أبو زكريا البصري، قال النسائي: ثقة مأمون قَلَّ شيخ رأيته بالبصرة مثله، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال في التقريب: ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٤٨) روى عنه في (٥) أبواب، قال (حدثنا خالد) بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، قال أبو زرعة: كان يقال له خالد الصدق، وقال ابن سعد وأبو حاتم والنسائي: إمام ثقة ثبت، من (٨) مات سنة (١٨٦) روى عنه في (١٢) بابا، وأتى بهو في قوله (وهو ابن الحارث) إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته، قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري ثقة مدلس، من (٤) مات سنة (١١٧) روى عنه في (٢٥) بابا (قال) قتادة (سمعت أنسًا) ابن مالك. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون أيضًا، وغرضه بسوقه بيان متابعة قتادة لعبد العزيز بن صهيب في رواية هذا الحديث عن أنس، وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة حالة كون أنس (يقول كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون) قعودًا ممكنين المقعدة أو مضطجعين غير مستغرقين في النوم (ثم يصلون ولا يتوضؤون قال) شعبة (قلت) لقتادة أ (سمعته) أي أسمعت هذا الحديث (من أنس قال) قتادة (إي) حرف تصديق في الجواب بمعنى نعم أي نعم سمعته من أنس بأذني (والله) أي أقسمت لك بالله الذي لا إله غيره.
وإنما قال شعبة لقتادة سمعته من أنس مع أنه قال أولًا سمعت أنسًا استثباتًا لسماعه
стр. 2545
٧٣٠ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدَّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ؛ أنَّهُ قَال: أُقِيمَتْ صَلاةُ الْعِشَاءِ. فَقَال رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِيهِ، حَتَّى نَامَ
ــ
لأن قتادة كان من المدلسين، وكان شعبة من أشد الناس ذمًا للتدليس، وكان يقول: الزنا أهون من التدليس. وقد تقرر أن المدلس إذا قال: عن؛ لا يحتج به، وإذا قال: سمعت؛ احتج به على المذهب الصحيح المختار، فأراد شعبة الاستثبات من قتادة في لفظ السماع، والظاهر أن قتادة علم ذلك من حال شعبة ولهذا حلف له، والله أعلم اهـ نووي، والتفصيل المذكور في المدلسين إنما هو في غير الصحيحين كما مر.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٧٣٠ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثني أحمد بن سعيد بن صخر) بن سليمان بن سعيد بن قيس بن عبد الله (الدارمي) نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم أبو جعفر المروزي ثقة حافظ، من (١١) مات سنة (٢٤٦) روى عنه في (٨) أبواب، قال (حدثنا حبان) بفتحتين مع تشديد الموحدة بن هلال الباهلي أبو حبيب البصري، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، وقال النسائي والترمذي وابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٩) مات سنة (٢١٦) روى عنه في (٨) أبواب، قال (حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي أبو سلمة البصري ثقة عدل إمام ثبت فقيه، من كبار (٨) مات سنة (١٧٩) روى عنه في (١٤) بابا (عن ثابت) بن أسلم بن موسى البناني أبي محمد البصري، وثقه أحمد والنسائي والعجلي، وقال في التقريب: ثقة عابد، من (٤) مات سنة (١٢٣) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس) بن مالك البصري خادم رسول الله ﷺ . وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد مروزي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ثابت لعبد العزيز بن صهيب وقتادة في رواية هذا الحديث عن أنس، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة للرواية السابقة في سوق الحديث (أنه) أي أن أنسًا (قال أقيمت صلاة العشاء) الآخرة ليلة من الليالي (فقال رجل) لرسول الله ﷺ (لي) إليك يا رسول الله (حاجة) مهمة (فقام النبي ﷺ ) حالة كونه (يناجيه) أي يناجي ذلك الرجل ويتحدث معه سرًّا واستمر في المناجاة معه (حتى نام
стр. 2546
الْقَوْمُ، (أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ)، ثُم صَلَّوْا
ــ
القوم) المنتظرون للصلاة معه ﷺ كلهم ونعسوا (أو) قال لي أنس حتى نام (بعض القوم) من النساء والصبيان، والشك من ثابت أو ممن دونه (ثم) بعدما فرغ من مناجاته مع الرجل جاء إليهم و (صَلَّوا) صلاة العشاء، ولم يذكر أنه أعيدت الإقامة، لعله لم يطل الزمن أو اكتفوا بالإقامة الأولى.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أنس ﵁ وذكر فيه ثلاث متابعات.
وأما فقه هذا الحديث ففيه جواز مناجاة الرجل بحضرة الجماعة وإنما نهي عن ذلك بحضرة الواحد، وفيه جواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما في الأمور المهمة ولكنه مكروه في غير المهم، وفيه تقديم الأهم فالأهم من الأمور عند ازدحامها فإنه ﷺ إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مهم من أمور الدين مصلحته راجحة على تقديم الصلاة، وفيه أيضًا أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء وهذه المسألة المقصودة من الترجمة، وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب:
أحدها: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج وشعبة.
والمذهب الثاني: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عبيد القاسم بن سلام واسحاق بن راهويه وهو قول غريب للشافعي قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: وروي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
والمذهب الثالث: أن كثير النوم ينقض الوضوء بكل حال وقليله لا ينقض بحال؛ وهذا مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
والمذهب الرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه سواء أكان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض؛ وهذا مذهب أبي حنيفة وداود وهو قول للشافعي غريب.
والمذهب الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد روي هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
стр. 2547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمذهب السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، وروي أيضًا عن أحمد رحمه الله تعالى.
والمذهب السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيف للشافعي.
والمذهب الثامن: أنه إذا نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلا انتقض سواء قل أو كثر سواء كان في الصلاة أو خارجها وهذا مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثًا في نفسه وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن المقعدة غلب على الظن خروج الريح فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقَّق، وأما إذا كان ممكنًا فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة وقد وردت أحاديث كثيرة في هذه المسألة يستدل بها لهذه المذاهب وليس المقصود هنا الإطناب بل الإشارة إلى المقاصد، والله أعلم.
وقد اتفقوا على أن زوال العقل بالجنون أو الإغماء أو السكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء سواء قل أو كثر سواء كان ممكن المقعدة أو غير ممكنها، قال أصحابنا: وكان من خصائص النبي ﷺ أن لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا للحديث الصحيح عن ابن عباس قال: نام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ.
(خاتمة):
قال الشافعي والأصحاب: لا ينتقض الوضوء بالنعاس وهو السنة، قالوا: وعلامة النوم أن فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيرها من الحواس، وأما النعاس فلا يغلب على العقل، وإنما تفتر فيه الحواس من غير سقوطها، ولو شك هل نام أو نعس؟ فلا وضوء عليه، ويستحب أن يتوضأ. ولو تيقن النوم وشك هل نام ممكن المقعدة من الأرض أم لا؟ لم ينتقض وضوؤه، ويستحب أن يتوضأ. ولو نام جالسًا ثم زالت أليتاه أو إحداهما عن الأرض فإن زالت قبل الانتباه انتقض وضوؤه لأنه مضى عليه لحظة وهو نائم غير ممكن المقعدة، وإن زالت بعد الانتباه أو معه أو شك في وقت زوالها لم ينتقض وضوءه. ولو نام ممكنًا مقعدته من الأرض مستندًا إلى الحائط أو غيره لم ينتقض وضوؤه سواء كانت بحيث لو رفع الحائط لسقط أو لم يكن. ولو نام محتبيًا ففيه ثلاثة
стр. 2548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أوجه أحدها: لا ينتقض كالمتربع، والثاني: ينتقض كالمضطجع، والثالث: إن كان نحيف البدن بحيث لا تنطبق أليتاه على الأرض انتقض، وإن كان ألحم البدن بحيث ينطبقان لم ينتقض. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة اهـ من النواوي.
وهذا آخر ما أردنا إيراده وشرحه في هذا المجلد الرابع، وجملة ما اشتمل عليه هذا المجلد من الأحاديث الغير المكررة من الأصول والشواهد مائة وأربعة وثمانون حديثًا (١٨٤) وجملة ما في كتاب الطهارة من الأحاديث المذكورة مائة وثمان وأربعون حديثًا، وجملة ما فيه من الأبواب ثلاثة وتسعون (٩٣) بابا، وجملة ما في كتاب الطهارة من الأبواب خمسة وسبعون بابا (٧٥) وجملة ما شرحنا من الأحاديث الغير المكررة من أول الكتاب إلى هنا (٣٣٨) ثلاثمائة وثمان وثلاثون، ومع المكررة (٧٢٨) سبعمائة وثمانية وعشرون حديثًا، وجملة ما مر لنا من أول الكتاب إلى هنا من الأبواب مائة وتسعة وثمانون بابا (١٨٩) ومن الكتاب كتابان فقط: كتاب الإيمان وكتاب الطهارة.
وجملة ما مر لنا من رباعياته (٣٨) ثمانية وثلاثون سندًا، ومن ثمانياته أحد وعشرون سندًا، ومن تساعياته اثنان فقط واحد في كتاب الإيمان وواحد في كتاب الطهارة، والله أعلم.
وهذا آخر ما أكرمني الله به من هذا المجلد بإتمامه في تاريخ: ٢٨/ ٣ / ١٤٢١ هـ
أوائل ليلة الجمعة ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول من شهور سنة ألف وأربعمائة وإحدى وعشرين سنة من الهجرة المصطفية عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية، بعدما وفقني بابتدائه في تاريخ ١٨/ ٨ / ١٤٢٠ هـ اليوم الثامن عشر من الشهر الثامن من شهور سنة ١٨/ ٨ / ١٤٢٠ هـ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، بعدما عاقني منه العوائق ومنعني المعائق، لأن العوائق لمن في الدنيا شقائق، وما أحسن قول من قال:
وهذا آخر ما أكرمني الله به من هذا المجلد الرابع (١) بإتمامه في تاريخ: ٢٨/ ٣ /
стр. 2549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٤٢١ هـ أوائل ليلة الجمعة ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول من شهور سنة ألف وأربعمائة وإحدى وعشرين سنة من الهجرة المصطفية عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية، بعدما وفقني بابتدائه في تاريخ ١٨/ ٨ / ١٤٢٠ هـ اليوم الثامن عشر من الشهر الثامن من شهور سنة ١٨/ ٨ / ١٤٢٠ هـ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، بعدما عاقني منه العوائق ومنعني المعائق، لأن العوائق لمن في الدنيا شقائق، وما أحسن قول من قال:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعياد
الحمد لله الذي تتم به الصالحات، والصلاة والسلام على سيد البريات، سيدنا محمد منبع العلوم ومقبس الحكمات، وعلى آله وأصحابه ذوي المقامات السنية، وأتباعهم على ضوء السنن والملَّة الحنيفية، إلى يوم المحاسبة والعرض على رب البرية.
آمين آمين يا رب العالمين.
لا تَكشِفَنْ من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترًا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا
آخر:
تساوى الكل منا في المساوي ... فافضلنا فتيلًا ما يساوي
هل الدنيا وما فيها جميعًا ... سوى ظل يزول مع النهار
تم المجلد السادس من الكَوْكَبِ الوَهَّاجِ عَلَى مُسْلِم بْنِ الحَجَّاجِ
ويليه المجلد السابع وأوله كتاب الصلاة
стр. 2550
شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
الجزء السابع
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 2551
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقًا من الناشر
دار المنهاج للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية- جدة
حي الكندرة- شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة ٦٣٠٠٦٥٥
المكتبة ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس ٦٣٢٠٣٩٢
ص. ب ٢٢٩٤٣ - جدة ٢١٤١٦
هاتف المؤلف ٠٥٦٢٠٠٩١٨٨
ISBN ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٤٩٨ - ٣٦ - ٢
WWW.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
стр. 2552
شرح صحيح مسلم
стр. 2553
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2554
ما أَشرقَ بالكوكبِ الوَهَّاج ... في بُرْجِ سَمَا ابنِ الحجَّاج
أنَارَ لِذَوي الابتِهَاج ... في الرَّوْضِ الأُنُفِ البَهَّاجِ
فيَا لَهُ إِنارةَ الدَّيَاجِي ... عن كُلِّ مُشْكِلٍ فيه وَلَّاجِ
ألا أيُّها الإِخْوانُ صَلُّوا وسَلِّمُوا ... على المصطفى في كُلّ وَقْتٍ وساعةٍ
فإِنّ صلاةَ الهاشمي محمدِ ... تُنْجِي من الأَهْوالِ يَوْمَ القِيامة
آخر:
يَا مَنْ يُجِيبُ دعاءَ المُضطرِّ في الظُّلَمِ ... يا كَاشِفَ الضرِّ والبَلْوى مع السَّقَمِ
شَفِّع نَبِيَّكَ في ذُلِّي ومَسْكَنَتِي ... وَاسْتُرْ فَإِنَّكَ ذُو فَضْلٍ وذُو كَرَمِ
آخر:
ومِنْ عَجَبِ الأيَّامِ أنكَ قَاعِدُ ... على الأَرضِ في الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَسِيرُ
فَسَيرُكُ يا هَذا كسَيرِ سَفِينةٍ ... بِقَوْمٍ قُعودٍ والقُلُوبُ تَطِيرُ
آخر:
إِذا المَرْءُ كانَتْ له فِكْرة ... ففي كُلِّ شيءٍ له عِبْرةُ
стр. 2555
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٣) كتاب الصلاة
ــ
الحمد لله الذي شرح صُدورَ أصفيائه، بمعاني سُنَنِ خيرِ أنبيائه، وفَتَح قُفْلَ قلُوبهم بمفاتيحِ الفيوضاتِ، ومَتَّعهم بصُنُوفِ المعارِفِ الإلهيات، وأَذاقَهم كُؤُوسَ ودَادِه الشَّافِيات، الَّتي مَنْ ذاقها رَمَى الدنيا، خَلْفَ القفا، وسَلَك طريقَ المصطفى. والصلاةُ والسلامُ على مَنْبَعِ الحِكَم والأَحكام، سيدنا محمد علَم الهُدى ومَنَارِ الإسلام، وعلى آله الساداتِ الكِرام، وأصحابه الأئمَّةِ الأعلام، وتابعِيهم إلى يوم العَرْضِ ِوالقيام، ما طَلَع وناء نَجْمٌ في دُجَى الظلام، وتَشمَّر دَاعِي اللهِ في نَادِي العِلْمِ وقام.
أمَّا بعد: فلمَّا فرغْتُ من كتابة المجلد الرابع من شرحِ هذا الجامع الصحيح تفرَّغْتُ إِن شاء الله تعالى لِبدايَةِ تسطيرِ المجلد الخامس بقَلَم ما عندي من قطرات الفيض ورَشحات العلوم متبركًا بخدمةِ أحاديثِ الرسول ﷺ فِيما بَقِيَ لي مِنْ بقَايا العُمْر مستمدًا من الله سبحانه التوفيق والسداد إلى أقوم طريق. فقلت: وقولي هذا: -
(كتاب الصلاة)
أي هذا كتاب معقود في بيان الأحاديث الواردة في الصلاة، قد تقدم لك في أول كتاب الإيمان أن الكتابَ اسم لجنس من العلم، والباب نوعٌ منه داخلٌ تَحْتَهُ فكتاب الصلاة هنا جنس يشمل جميع الأبواب المذكورة من هنا إلى كتاب الزكاة، والأصلُ في وجوبها قولُه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي ائْتُوا بها مُقوَّمة مُعدَّلةً بحيثُ تكون مستوفيةً للشروط والأركان، وخبرُ "فَرض الله عليّ وعلَى أمتي خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيفَ حتى جَعلَها خمسًا" فكان في وقت الصبح عَشْر صلوات، وفي وقت الظهر كذلك وهكذا فنُسخت بمراجعتِه ﷺ حتى صارت خمسًا، وكانت مراتُ المراجعة تسعًا وفي كل مرة يَحُطُّ خمسًا، وفُرضت الصلاةُ ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنةٍ وقيل بستةِ أشهر، وإنما لم يجب صُبْحُ يومها لاحتمالِ أن يكون
стр. 2556
١٩٠ - (١) باب بدء الأذان
ــ
صُرِّح له بأنَّ أولَ واجبٍ صلاةُ الظهر ويؤيده أن جبريل ﵇ لمَّا نزلَ ليعلِّمه الكيفيةَ بدأ بها فهي أول صلاةِ ظهرَتْ في الإسلام، وفيه إشارة إلى أن دِينهُ سيَظْهَرُ على سائرِ الأديان كظهورها على سائرِ الصلوات، وكانت عبادتُه ﷺ قبل ذلك في غارِ حراء بالتفكُّرِ في مَصْنُوعات الله تعالى وإكرامِ مَنْ يمر عليه من الضيفان فكان يتعبَّدَ فيه اللياليَ ذواتِ العَدَد، واختار التعبُّدَ فيه دون غيره لأنه تُجاهَ الكعبة وهو يُحِبُّ رؤيتَها، ثُمَّ وَجَب عليه وعلينا قيامُ الليل، ثُمَّ نُسخ في حقنا وحقه أيضًا على الأصح بفَرْضِ الصلوات الخمس وهي أفضل العبادات البدنية الظاهرة ثم الصوم ثم الحج ثم الزكاة ففرْضُها أفضل الفروض ونفلها أفضل النوافل، وأفضل الصلوات صلاة الجمعة، ثم عصرها ثم عصر غيرها، ثم صبحها ثم صبح غيرها، ثم العشاء، ثم الظهر، ثم المغرب، وظاهر كلامهم استواء كل من هذه الثلاثة من الجمعة وغيرها وقد يظهر خلافه.
وأفضل الجماعات جماعة الجمعة، ثم جماعة صبحها، ثم جماعة صبح غيرها، ثم جماعة العشاء، ثم جماعة العصر، ثم جماعة الظهر، ثم جماعة المغرب، والعبادات البدنية الباطنة كالتفكر والصبر والرضا بالقضاء والقدر أفضل من العبادات البدنية الظاهرة حتى من الصلاة فقد ورد "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" وأفضل الجميع الإيمان بالله تعالى.
وهي لغة: الدعاء مأخوذة من صَلَّى إذا دعا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقيل مأخوذة من صَلَّيتُ العُودَ بالنار إذا قَوَّمْتَهُ بها لأن الصلاة تُقَوِّمَ الإنسان للطاعة، ومن ثم ورد في الخبر "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" أي كاملة، ولا يضر كون الصلاة واوية لأن أصلها صَلَوَةُ على وزن فَعَلَةُ تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا فصار صلاة لأنهم يأخذون الواويّ من اليائي والعكس؛ نحو البيع فإنه مأخوذ من الباع. وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة.
١٩٠ - (١) باب بدء الأذان
أي هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الواردة في بيان كيفية بدء الأذان أي استوائه، والأذان لغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ
стр. 2557
٧٣١ (٣٣٩) - (١) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، (وَاللَّفظُ لَهُ) قَال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَال: قَال ابْنُ جُرَيجِ: أَخْبَرَنِي
ــ
الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ وشرعًا: ألفاظ خصوصة، شرعت للإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة. والإقامة لغة: مصدر أقام الرباعي. وشرعًا: ألفاظ مخصوصة شرعت لاستنهاض الحاضرين إلى الصلاة.
٧٣١ - (٣٣٩)(١) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه (الحنظلي) أبو يعقوب المروزي ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٣٨) روى عنه في (٢١) بابا، قال: (حدثنا محمد بن بكر) الأزدي البُرْساني بضم الموحدة وسكون الراء نسبة إلى برسان قبيلة من الأزد، أبو عثمان البصري، وثقه أبو داود وابن سعد وابن معين والعجلي، وقال في التقريب: صدوق يخطئ، من (٩) مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، روى عنه في (٥) أبواب (ح وحدثنا محمد بن رافع) القشيري أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد، من (١١) مات سنة (٢٤٥) روى عنه في (١١) بابا، قال (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني أحد الأئمة الأعلام، صاحب علم وفضل صاحب المصنف الشهير شيخ أحمد بن حنبل، قال ابن عدي: رحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم، وقال في التقريب: ثقة، من (٩) مات سنة (٢١١) روى عنه في (٧) أبواب (قالا) أي قال كل من محمد بن بكر وعبد الرزاق (أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أبو الوليد المكي، ثقة فقيه مدلس مرسل، من (٦) مات سنة (١٥٠) روى عنه في (١٦) بابا (ح وحدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى البزاز المعروف بالحمَّال بالمهملة، وثقه الدارقطني والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من (١٠) العاشرة، مات سنة (٢٤٣) روى عنه في (٩) أبواب، وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي لهارون تورعًا من الكذب على غيره (قال) هارون (حدثنا حجاج بن محمد) مولى سليمان بن مجالد الأعورُ أبو محمد، الترمذيُّ الأصلِ ثم البغداديُّ ثم المِصِّيصي، ثقة ثبت لكنه اختلط في آخرِ عمره لما قدم بغداد قبل موته، من (٩) مات ببغداد سنة (٢٠٦) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا، وأتى بحاء التحويلات لبيان اختلاف مشايخ مشايخه (قال) حجاج بن محمد (قال ابن جريج أخبرني
стр. 2558
نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ قَال: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ. فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ. وَلَيسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ. فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذلِكَ. فَقَال بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى
ــ
نافع) الفقيه العدوي مولاهم (مولى ابن عمر) أبو عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مشهور، من (٣) مات سنة (١١٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي أبي عبد الرحمن المدني الصحابي المشهور من المكثرين.
وهذه الأسانيد من خماسياته الأول منها رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد مروزي، والثاني منها رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، والثالث منها رجاله اثنان منهم مكيان واثنان بغداديان وواحد مدني.
(أنه) أي أن ابن عمر (قال كان المسلمون حين قدموا المدينة) من مكة في الهجرة (يجتمعون فيتحينون) أي يقذرون حِينَ (الصلوات) ووَقْتَها لِيأتُوا إليها في الوقت.
وعبارةُ المفهم: (فيتحينون) أي يقدرون أحيانَها وأوقاتها ليأتوا إليها في الوقت؛ والحينُ الوقتُ والزمانُ، وتشاورُهم في هذا دليل على مراعاتهم المصالحَ والعملَ بها وذلك أنهم لمَّا شقَّ عليهم التَحَيُّنُ بالتبكير فيفوتُهم عملُهم أو بالتأخير فتفوتُهم الصلاةُ نظَرُوا في ذلك فقال كل واحد منهم ما تيسر له من القول (وليس) الشأن (ينادي) بكسر الدال على صيغة المعلوم (بها) أي بالصلاة أحد، وفي رواية البخاري (لها) باللام (أحد) من المسلمين (فتكلموا) أي تكلمت الصحابة ﵃ (يومًا) من أيامهم (في ذلك) أي في شأن الاجتماع للصلاة.
قال القاضي عياض: فيه التشاور في مهمات الدين والدنيا، قال النووي: فيبدي المشاورون ما عندهم ثم يفصِّل صاحب الأمر ما ظهرت له مصلحته، والصحيح عندنا وجوب المشاورة في حقه ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ لأن الأمر للوجوب عند المحققين وهي في حقنا سنة اهـ.
(فقال بعضهم اتخذوا) بكسر الخاء على صيغة الأمر (ناقوسًا مثل ناقوس النصارى) الذي يضربونه لوقت صلاتهم من النقْسِ وهو الضرب، يجمع على نواقيس، وفي
стр. 2559
وَقَال بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. فَقَال عُمَرُ: أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاةِ؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بِلالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ"
ــ
المنجد: الناقوس قطعة طويلة من حديد أو خشب يضربونها لأوقات صلاتهم اهـ.
وفي السندي على ابن ماجه: الناقوس خشبةٌ طويلَةٌ تضرب بخشبة أصغر منها، اهـ.
(وقال بعضهم) بل اتخذوا (قرنًا) أي بوقًا (مثل قرن اليهود) أي مثل بوق اليهود الذي يُنْفَخُ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، ويسمى الشَبُّور بفتح الشين المعجمة وتشديد الموحدة المضمومة، قال الأبي: وهذا اجتهاد منهم، ولا بد للمجتهد من مستند ومستندهم القياس على فعل اليهود والنصارى، ولولا أن فعل اليهود والنصارى حكم شرعي لم يصح القياس عليه إذ لا يصح القياس على ما ليس بشرعي ففيه: أن شرع من قبلنا شرع لنا.
وقال آخرون: ما نرضى ذلك الذي قلتموه من الناقوس والقرن فإن الناقوس شعار النصارى والقرن شعار اليهود، فإن اتخذنا أحدهما التبست أوقاتنا بأوقاتهم (فقال عمر) بن الخطاب (أو لا تبعثون) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، فالهمزة نافية لذلك المحذوف ومقررة لما بعدها حثًا وبعثًا اهـ أبي.
والتقدير: أتقولون بموافقة اليهود والنصارى ولا تبعثون (رجلًا ينادي بالصلاة) أي ينادي بلفظٍ يصلُحُ للإعلام بحضور وقت الصلاة بأي لفظ كان لا بلفظ الأذان لأن لفظ الأذان لم يكن حينئذٍ، وإنما ثبت برؤيا عبد الله بن زيد ﵁ فافترقوا على ذلك فرأى عبد الله بن زيد الأذان فجاء إلى النبي ﷺ فقص عليه رؤياه فصدَّقه فـ (قال رسول الله ﷺ لبلال، وفي رواية البخاري (فقال) بالفاء (يا بلال قم) أي اذهب إلى موضع بارز (فناد) فيه (بالصلاة) أي بالكلمات التي رآها عبد الله بن زيد في منامه ليسمعك الناس فيأتون إلى الصلاة فطلع بلال على سطح بيت أبي أيوب الأنصاري فاذن عليه وهو أول مكان وقع عليه الأذان في الإسلام كما بسطنا ذلك في تفسيرنا حدائق الروح والريحان، قال (ع): وعدوله ﷺ عن عبد الله الرائي إلى بلال؛ بَيَّن وجهه في الترمذي وأبي داود بقوله: "إنه أندى منك صوتًا" أي أرفع، وقيل أطيب، وفي بعض الطرق إنه لفظيع الصوت ففيه استحباب أن يكون
стр. 2560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المؤذن حسن الصوت رفيعه، ويكره ما فيه غلظ وتكَلُّف. فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي؟ أجيب: بأنه إنما خُصص برؤياه لما في ذلك من التنويه بالنبي ﷺ والرفع لذكره لأنه إذا كان على لسان غيره كان أرفع لذكره وأفخر لشأنه، على أنه روى أبو داود في المراسيل: أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ﷺ فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال فقال ﷺ : "سبقك بها الوحي" اهـ قسط.
وهذا التفسير الذي قررناه في حل المتن يزول به الإشكال الواقع في الجمع بين الروايات المتعارضة في أحاديث بدء الأذان، والله أعلم.
قال القرطبي: (قوله قم يا بلال فناد بالصلاة) حجة لمشروعية الأذان والقيام فيه، وأنه لا يجوز أذان القاعد عند العلماء إلا أبا ثور وبه قال أبو الفرج من أصحابنا، وأجازه مالك وغيره لعلةٍ به إذا أذَّن لنفسه. ويحصل من الأذان إعلام بثلاثة أشياء: بدخول الوقت، وبالدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها، وبإظهار شعار الإسلام وكلمة التوحيد.
واختلف في حكمه فقال داود والأوزاعي: وهو ظاهر قول مالك في الموطأ بوجوبه في المساجد والجماعات، وقيل إنه فرض على الكفاية وبه قال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة في مساجد الجماعات والعشائر وهو المشهور من مذهب مالك وغيره، وسبب الاختلاف اختلافهم في قوله ﷺ لبلال: قم يا بلال فناد بالصلاة هل هو محمول على ظاهره من الوجوب أم هو مصروف عن ذلك بالقرائن أعني قرائن التعليم، وأما من صار إلى أنه على الكفاية فيراعي ما يحصل منه من الفوائد الثلاثة المتقدمة الذكر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٦٠٤]، والترمذي [١٩٠] والنسائي [٢/ ٢]. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
* * *