قَال سُلَيمَانُ: فَسَألْتُهُ عَنِ الروْحَاءِ؟ فَقَال: هِيَ مِنَ المدِينَةِ سِتة وَثَلاثُونَ ميلًا.
٧٤٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدَّثناه أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ.
٧٥٠ - (٣٥١)(١٤) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
ــ
كي لا يسمعه إلى أن يكون في مثل الروحاء من المدينة في البعد؛ وهو كما في القاموس موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلًا من المدينة، وفسره الراوي بستة وثلاثين ميلًا، وإنما يذهب الشيطان لئلا يسمع نداء داعي الحق، وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات، وغرضه بسوقه الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة (قال سليمان) الأعمش (فسألته) أي سألت أبا سفيان طلحة بن نافع (عن الروحاء) ما هي (فقال) لي أبو سفيان (هي) أي الروحاء أي مسافتها (من المدينة) المنورة (ستة وثلاثون ميلًا) والميل أربعة آلاف خطوة بخطوة البعير، وقيل أربعة آلاف ذراع.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٧٤٩ - (٠٠)(٠٠) (وحدثناه) أي وحدثنا الحديث المذكور يعني حديث جابر (أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (قالا حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الضرير الكوفي ثقة، من (٩) (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بحدثنا أبو معاوية؛ أي حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مثل ما روى جرير عن الأعمش.
وهذا الإسناد أيضًا من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد مكي، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي معاوية لجرير في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جابر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٧٥٠ - (٣٥١)(١٤) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البغلاني (وزهير بن حرب) الحرشي أبو خثيمة النسائي (واسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي،
стр. 2592
(وَاللَّفْظ لِقُتَيبَةَ)، قَال إِسْحَاقُ: أَخبَرَنَا، وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِير، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "إِن الشيطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصلاةِ أَحَال لَهُ ضُرَاط. حَتى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ
ــ
وأتى بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لقتيبة) لا لزهير ولا لإسحاق تورعًا من الكذب عليهما وأتى بقوله (قال إسحاق أخبرنا) جرير (وقال الآخران) أي قتيبة وزهير (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي لبيان اختلاف كيفية سماع مشايخه (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن أبي صالح) السمان ذكوان الزيات المدني مولى جويرية بنت أحمد القيسية (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان.
(عن النبي ﷺ قال: إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة) أي الأذان (أحال) بالحاء المهملة أي ذهب هاربًا، من أحال إلى الشيء إذا أقبل إليه هاربًا؛ أي ذهب وأدبر الشيطان من موضع الأذان هاربًا؛ أي إبليس أو جنس الشيطان أو كل متمرد اهـ ابن رسلان.
و(له ضراط) بزيادة واو الحال كما في رواية أبي داود، والضراط بوزن غراب ريح يخرج من أسفل الإنسان وغيره وهذا لثقل الأذان عليه كما للحمار من ثقل الحمل، قال القاضي عياض: والضراط يحتمل أنه حقيقة لأنه جسم متغذ فيصح خروج الريح منه، وقيل كناية عن شدة الغيظ والنفار لما يرى من الإعلان بكلمة الإيمان، قال الأبي: وقيل استعارة شبه إشغاله نفسه بالهروب عن سماع الأذان بالصوت الذي يمنع السمع عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له، وقد تقدم أن الأولى الكناية عن المعاني المستقبح سماع لفظها إلا أن تدعو ضرورة لذكر اللفظ أو لتضمن ذكره مصلحة كالتقبيح المتقدم ذكره اهـ.
أي ذهب هاربًا من موضع الأذان، والحال أن له ضراطًا (حتى لا يسمع صوته) أي لكي لا يسمع صوت المؤذن بالأذان، وهذا تعليل لإدباره وإحالته، قال القاري: قيل هذا محمول على الحقيقة لأن الشياطين يأكلون ويشربون فلا يمتنع وجود ذلك منهم خوفًا من ذكر الله تعالى، أو المراد استخفاف اللعين بذكر الله تعالى من قولهم ضرط به فلان إذا استخفه اهـ.
стр. 2593
فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ، فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ".
٧٥١ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِي
ــ
(فإذا سكت) المؤذن وفرغ من أذانه وأتمه (رجع) الشيطان وأقبل إلى موضع الصلاة قبل هروبه لانقطاع طمعه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد إذ لا يقدر أن يصرف الناس عنه حينئذٍ فإذا سكت المؤذن رجع (فوَسْوَس) أي أَلْقى الوسوسةَ والتَّشوُّشَ عن الصلاة في قلوبهم، قال الأبي: الشيطان المذكور يحتمل أن يكون شيطانَ المؤذن أو شيطان سامع الأذان أو جنسَ الشيطان، وبعضُ التوجيهات السابقة إنما تتوجه على أنه شيطان المؤذن وبعضُها على أنه الجنس (فإذا) أقام المؤذن و (سمع) الشيطان (الإقامة) أي صَوْتها (ذهب) الشيطان هاربًا (حتى لا يسمع) أي لكي لا يسمع الشيطان (صوتَه) أي صوتَ المؤذن بالإقامة (فإذا) فرغ المؤذن من الإقامة و (سكت رجع) الشيطان إلى موضعِ الصلاة (فوسوس) بين المرء وقلبِه ويقول اذكر كذا اذكر كذا لمَا لم يكن يذكر قبل الصلاة.
قال الأبي: لِم هَربَ من الأذان ولم يَهْرب من الصلاة مع أنها أشرفُ لاختصاص الأذان بموجِب الهرب على ما سبق، وأيضًا قال هنا فإذا سكت رجع، وقال في كتاب الأطعمة إذا دخل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامِه قال الشيطان لا مَبِيتَ لكم ولا عَشاءَ، فظاهره أنه يذهب ولا يرجع، فما الفرق بينهما؟ (قلت) الفرق أن هُروبَه في الأذان لئلا يسمع موجِب هربه فإذا انقضى رَجَع وذِكْرُ اللهِ عند دخولِ البيت جَعَله الشرع مانعًا من الكونِ في البيت فإذا ذَهَب لا يرجع، وأجاب غيره بأنَّ المبيت في البيت أخص من مطلق الكون فيها، ولا يلزم من نَفْيِ الأخص نَفْيُ الأعم فقد يرجع إلى الوسوسة ولا يَبِيت فيستوي الحديثان اهـ منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢١/ ٣١٣ و ٤٦٠] والبخاري [١٢٣١] وأبو داود [٥١٦] والنسائي [٢/ ٢١ - ٢٢].
ثم ذكر المؤلف المتابعةَ في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٥١ - (٠٠)(٠٠) (حدثني عبد الحميد بن بيان) بن زكرياء اليشكري أبو الحسن (الواسطي) العطار، قال مسلمة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب:
стр. 2594
حَدَّثَنَا خَالِد، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللهِ)، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَذنَ الْمُؤَذنُ أَدْبَرَ الشيطَانُ وَلَهُ حُصَاص".
٧٥٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثني أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ،
ــ
صدوق، من (١٠) مات سنة (٢٤٤) روى عنه في (٢) بابين، قال (حدثنا خالد) بن عبد الله الطحان المزني أبو القاسم الواسطي، وثقه أحمد وأبو زرعة والنسائي وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٨) مات سنة (١٨٢) روى عنه في (٧) أبواب، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن عبد الله) إشعارًا بأن هذه النسبة من زيادته (عن سهيل) بن أبي صالح السمان مولى جويرية بنت أحمد الغطفانية أبي يزيد المدني، وثقه ابن عيينة والعجلي، وقال في التقريب: صدوق من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن أبيه) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة).
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان واسطيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة سهيل بن أبي صالح لسليمان الأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي صالح، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة.
(قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان) أي ذهب هاربًا من موضع الأذان غيظًا من سماع كلمة الإيمان (وله حصاص) جملة حالية من فاعل أدبر أي أدبر والحال أن له حصاصًا أي ضراطًا، قال النواوي: الحصاص بضم الحاء المهملة وصادين مهملتين الضراط وقيل شدة العدو، وقال ابن أبي النجود: إذا ضرب بأذنيه ومصع بذنبه وعدا فذلك الحصاص، وفي مرقاة المفاتيح شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٥٢ - (٠٠)(٠٠) (حدثني أمية بن بسطام) بكسر الباء وفتحها بمنع الصرف للعلمية والعجمة ابن المنتشر العيشي أبو بكر البصري، قال أبو حاتم: محله الصدق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من (١٠) مات سنة (٢٣١)
стр. 2595
حَدَّثَنَا يَزِيدُ، (يَعْنِي ابْنَ زُرَيع)، حَدَّثَنَا رَوْح، عَنْ سُهَيل. قَال: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ. قَال: وَمَعِي غُلام لَنَا، (أَوْ صَاحِب لَنَا)، فَنَادَاهُ مُنَاب مِنْ حَائِطِ بِاسْمِهِ. قَال: وَأَشْرَفَ الذي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيئًا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لأبِي فَقَال: لَوْ شَعَرْتُ أَنكَ تَلْقَي هذَا لَمْ أُرْسِلْكَ،
ــ
روى عنه في (٣) أبواب، قال أمية (حدثنا يزيد) بن زريع التيمي العيشي أبو معاوية البصري، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٨) مات سنة (١٨٢) روى عنه في (١٢) بابا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن زريع) لما مر آنفًا فلا تغفل، وإنما كررنا التنبيه عليه لئلا يغفل الطالب عنه فربما يكون موضع العناية بداية درسه فيصعب عليه، قال يزيد (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث البصري، وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وأحمد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في التقريب: ثقة حافظ، من (٦) مات سنة (١٤١) روى عنه في (١١) بابا (عن سهيل) بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة روح بن القاسم لخالد بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من الزيادة الكثيرة.
(قال) سهيل (أرسلني) أي بعثني (أبي) أبو صالح (إلى) منازل (بني حارثة) بالحاء المهملة بطن مشهور من الأنصار لحاجة (قال) سهيل (ومعي كلام) أي عبد (لنا أو) قال سهيل: ومعي (صاحب لنا) والشك من روح بن القاسم (فناداه) أي فنادى سهيلًا (مناد) أي دعاه داع (من) جوف (حائط) أي بستان جانب الطريق (باسمه) أي باسم سهيل بصوت رفيع (قال) سهيل (وأشرف) أي اطلع الصاحب (الذي معي على) داخل (الحائط) والبستان لينظر من يناديني باسمي (فلم ير) المطلع (شيئًا) من الحيوانات إنسًا ولا غيره في داخل البستان فرجعنا إلى أَبي أبِي صالح (فذكرت) أي أخبرت (ذلك) النداء الذي وقع لي الأبي) أي أبي صالح السمان (فقال) أبي أبو صالح (لو شعرت) وعلمت أولًا (أنك تلقى) وتنال (هذا) الهاتف الذي لا يرى شخصه (لم أرسلك) أي لم أبعثك في حاجتي إلى بني حارثة لأنه ربما يكون متمردًا من الجن يريد أن يؤذيك لو أجبت نداءه
стр. 2596
وَلكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصلاةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يُحَدثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنهُ قَال: "إِن الشيطَانَ، إِذَا نُودِيَ بِالصلاةِ، وَلى وَلَهُ حُصَاص".
٧٥٣ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَاميَّ)، عَنْ أَبِي الزنَادِ،
ــ
(ولكن إذا سمعت) بعد اليوم (صوتًا) أي نداء لا يرى صاحبه (فناد بالصلاة) أي أذن أذانًا مثل أذان الصلاة (فإني سمعت أبا هريرة يحدث) ويروي (عن رسول الله ﷺ أنه) ﷺ (قال إن الشيطان) أي إن جنس الشيطان أو إبليس (إذا نودي) بالبناء للمفعول أي إذا نودي وأذن إعلامًا (بالصلاة) أي بدخول وقتها (ولى) أي أدبر وذهب هاربًا من موضع الأذان (وله حصاص) أي والحال أن له ضراطًا أي صوتًا رفيعًا يخرج من دبر الإنسان يشغل به نفسه عن سماع الأذان لعظم أمره عليه لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شعار الإسلام وإنما رجع عند الصلاة مع ما فيها من القرآن لأن غالبها سر ومناجاة فله تطرق إلى إفسادها على فاعلها وإفساد خشوعه بخلاف الأذان فإنه يرى اتفاق كل المؤذنين على الإعلان به ونزول الرحمة العامة عليهم مع يأسه عن أن يردهم عما أعلنوا به ويوقِنُ بالخيبة بما تفضل الله عليهم من ثواب ذلك ويَذْكُر معصيةَ اللهِ ومَضادَّتَه أمْرَهُ فلا يملك الحدث لما حصل له من الخوف، وقيل لأنه دعاء إلى الصلاة التي فيها السجود الذي امتنع من فعله لما أمِر به، ففيه تصميمُه على مخالفة أمر النص تعالى واستمراره على معصية الله فإذا دعا داعي الله فَر منه. وفي الحديث فضلُ الأذانِ وعِظمُ قَدرِه لأن الشيطان يَهْرَب منه ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصلاة التي هي أفضلُ اهـ قسطلاني.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٥٣ - (٠٠)(٠٠) حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي أبو رجاء البلخي ثقة، من (١٠) قال (حدثنا المغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشي الأسدي الحزامي بكسر الحاء وبالزاي المدني لقَبُه قُصَي، قال أبو داود وأحمد: ما بحديثه بأس، وقال ابن معين والنسائي: ليس بشيء، وقال في التقريب: ثقة له غرائب، من (٧) وأتى بالعناية في قوله (يعني الحزامي) لما مر مرارًا (عن أبي الزناد) عبد الله بن
стр. 2597
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أن النَّبِيّ ﷺ قَال: "إِذَا نُودِيَ لِلصلاةِ أَدْبَرَ الشيطَانُ لَه ضُرَاط حَتَّى لا يَسْمَعَ التأْذِينَ. فَإِذَا قُضِيَ التأذِينُ أَقْبَلَ. حَتى إِذَا ثُوبَ بِالصلاةِ أَدْبَرَ، حَتى إِذَا قُضِيَ التَّثْويبُ أَقْبَلَ. حَتى يَخطِرَ بَينَ المرْءِ وَنَفْسِهِ
ــ
ذكوان الأموي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني ثقة فقيه من (٥) مات سنة (١٣٠) روى عنه في (٩) أبواب (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي، مولاهم أبي داود المدني القارئ، وثقه جماعة من النقاد، وقال في التقريب: ثقة ثبت عالم، من (٣) مات سنة (١١٧) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي، وغرضه بسوقه بيان متابعة الأعرج لأبي صالح السمان في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة.
(أن النبي ﷺ قال: إذا نودي للصلاة) وأذن لها (أدبر الشيطان) أي إبليس أو شيطان المؤذن أو جنسه على الخلاف المار أي ذهب هاربًا و (له ضراط) بوزن غراب صوتُ الريحِ المنتنُ يخرج من الدبر (حتى لا يسمع) أي لكي لا يسمع (التأذينَ) أي يُخْرِج الضراطَ شغلًا لسمعِه عن سماع الأذان، والتأذين مصدر قياسي لأذن الرباعي، والأذان اسم مصدر له ومعناهما واحد وهو إعلام دخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة ينادى بها (فإذا قضي) بضم القاف مبنيًا للمفعول (التأذين) بالرفع نائب فاعل لقضي أي فإذا فرغ المؤذن من الأذان (أقبل) أي الشيطان أي جاء الشيطان إلى موضع الصلاة فوسوس الناس (حتى إذا ثوب) بضم أوله على صيغة المجهول وكسر الواو المشددة أي حتى إذا أعيد النداء (بالصلاة) مرة ثانية، والمراد به الإقامة لا قوله في الصبح "الصلاة خير من النوم" لأنه خاص به، وأصله من ثاب إذا رجع، ومقيم الصلاة راجع إلى الدعاء إليها فإن الأذان دعاء إلى الصلاة بإعلام دخول وقتها، والإقامة دعاء إليها باستنهاض الحاضرين إلى الصلاة (أدبر) الشيطان وذهب هاربًا (حتى إذا قضي التثويب) وفرغ من الإقامة (أقبل) الشيطان (حتى يخطر) بفتح أوله وكسر الطاء كما ضبطه القاضي عياض في المشارق عن المتقنين وهو الأفصح، وحكي ضمها أيضًا أي يوسوس من قولهم خطر الفحل بذنبه إذا حركه فضرب فخذيه، وأما بالضم فمن السلوك والمرور أي يدنو من المصلي فيمر (بين المرء) أي الإنسان (ونفسه) أي قلبه
стр. 2598
يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ. حَتَّى يَظَل الرجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صلَّى".
٧٥٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ، حَدَّثَنَا معمر،
ــ
فيشغله ويحول بينه وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها، وحتى هنا تعليلية أي أقبل كي يحول بين المرء وقلبه بالوسوسة فلا يمكن من الحضور في الصلاة، قال ملا علي: ولا ينافي إسناد الحيلولة إلى الشيطان إسنادها إليه تعالى في قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ لأن هذا الإسناد حقيقة عند أهل السنة، والأول باعتبار أن الله تعالى مكنه منها حتى تم ابتلاء العبد به، وأيضًا الأول أضيف إلى الشيطان فإنه مقام الشر ولذا عبر عن قلبه بنفسه، والثاني مقام الإطلاق كما يقال: الله خالق كل شيء، ولا يقال: خالق الكلب والخنزير أدبًا مع الله تعالى، وهذا معنى قوله ﷺ : "الخير بيديك والشر ليس إليك" مع اعتقاد أن الأمر كله لله، وُكِلَ من الله إلى الله (يقول) أي الشيطان في وسوسته للمصلي (اذكر) أيها المصلي (كذا) من حساب مالك (واذكر كذا) من نفقات عيالك، ومن غوامض ما أشكل عليك من العلم، ذاكرًا له (لما) أي لشيء (لم يكن يذكر من قبل) أي من قبل الصلاة فيشغل قلبه عن الصلاة (حتى يظل) بفتح الظاءِ المعجمةِ المُشالةِ أي حتى يصير (الرجل ما يدري) فما نافية بمعنى لا كما في رواية البخاري؛ أي حتى يصير الإنسان لا يدري (كم صلى) أي أي عدد صلى من الركعات أصلَّى ثلاثًا أم أربعًا فكم استفهامية بمعنى أي عدد أي لا يدري جواب كم صليت، ولم يذكر هنا في إدبار الشيطان ما ذكره في الأول من الضراط اكتفاء بذكره فيه أو لأن الشدةَ في الأول تأتيه غَفْلَةً فتكونُ أَهْولَ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٥٤ - (٠٠)(٠٠) (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد القشيري أبو عبد الله النيسابوري ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، من (٩) مات سنة (٢١١) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، قال العجلي: ثقة صالح، وقال النسائي: ثقة مأمون، وضعفه ابن معين في
стр. 2599
عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبِي ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيرَ أَنهُ قَال: "حَتَّى يَظَلَّ الرجُلُ إِنْ يَدْرِي كَيفَ صَلى"
ــ
ثابت، وقال في التقريب: ثقة ثبت من كبار (٧) مات سنة (١٥٤) (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني أبي عقبة الصنعاني، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة، من (٤) مات سنة (١٣٢) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم صنعانيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة همام لعبد الرحمن الأعرج في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه (عن النبي ﷺ والجار والمجرور في قوله (بمثله) متعلق بما عمل في المتابع وهو هنا همام، والضمير في بمثله عائد إلى الأعرج لأنه المتابع بفتح الباء، والتقدير حدثنا همام بن منبه عن أبي هريرة بمثل ما حدث الأعرج عن أبي هريرة أي بمماثله لفظ ومعنى، وقوله (غير أنه) استثناء من المماثلة أي لكن أن همامًا (قال) في روايته (حتى يظل الرجل) أي حتى يصير الرجل المصلي (إن يدري) أي ما يدري (كيف صلى) أي على أي حال صلى أصلى على حالة الحضور أم لا أصلى على حالة الخشوع والإخلاص أم لا، فأتى همام في روايته بإن النافية وبكيف الاستفهامية بدل ما النافية وكم الاستفهامية في رواية الأعرج.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول حديث معاوية ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، وذكر فيه متابعة واحدة.
والثاني حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، وذكر فيه متابعة واحدة.
والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث جابر، وذكر فيه أربعة متابعات ﵃ أجمعين آمين.
***
стр. 2600
١٩٧ - (٩) باب رفع اليدين في الصلاة ومتى يرفعهما وإلى أين يرفع ومتى يترك الرفع
٧٥٥ - (٣٥٢)(١٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَينَةَ، (وَاللفْظُ لِيَحْيَى)، قَال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بن عبد الله، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلا يَرْفَعُهُمَا بَينَ السجْدَتَينِ
ــ
١٩٧ - (٩) باب رفع اليدين في الصلاة ومتى يرفعهما وإلى أين يرفع ومتى يترك الرفع
٧٥٥ - (٣٥٢)(١٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) أبو زكريا النيسابوري (وسعيد بن منصور) بن شعبة أبو عثمان الخراساني نزيل مكة الإمام الحافظ صاحب السنن، قال أبو حاتم: ثقة من المتقنين الأثبات، وقال في التقريب: ثقة مصنف، مات سنة (٢٢٧) روى عنه في (١٥) بابا (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (و) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي كلهم) أي كل هؤلاء الستة رووا (عن سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي، وأتى بقوله (واللفظ) أي ولفظ الحديث الآتي (ليحيي) لا لغيره تورعًا من الكذب على غيره (قال) يحيى (أخبرنا سفيان بن عيينة عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني (عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني (عن أبيه) عبد الله بن عمر العدوي المكي.
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي واثنان كوفيان أو كوفي ونيسابوري أو كوفي وخراساني أو كوفي وبغدادي أو كوفي ونسائي.
(قال) عبد الله بن عمر (رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة) أي شرع فيها (رفع يديه) أي كفيه (حتى يحاذي) ويقابل بهما (منكبيه) (و) رأيته يرفعهما (قبل أن يركع) أي قبل أن يهوي للركوع عند ابتداء الركوع (و) رأيته يرفعهما (إذا رفع) أي إذا أراد الرفع (من الركوع و) رأيته (لا يرفعهما) أي لا يرفع الكفين (بين السجدتين) أي لا يرفعهما للرفع من السجود ولا للهوي له.
стр. 2601
٧٥٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حذدثني مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاق. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. حَدثَنِي ابْنُ شِهَاب عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَن ابْنَ عُمَرَ
ــ
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٢/ ١٣٤] والبخاري [٧٣٦] وأبو داود [٧٢١ - ٧٤٣] والترمذي [٢٥٥] والنسائي [٢/ ١٢١ - ١٢٢].
واختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة هل يرفعهما أو لا يرفعهما في شيء من الصلاة أو يرفعهما مرة واحدة عند الافتتاح؟ ثلاثة أقوال، عند مالك مشهور مذهبه الثالث وهو مذهب الكوفيين على حديث عبد الله بن مسعود والبراء "أنه ﷺ كان يرفع يديه عند الإحرام مرة ولا يزيد عليها" وفي أخرى "لا يعود" أخرجهما أبو داود ولا يصح شيءٌ منهما ذكَرَ علتهما أَبُو محمدٍ عبدُ الحق، والأولُ منها هو أحدُ أقواله وأصحها والمعروف من عمل الصحابة ومذهب كافة العلماء إلا منْ ذُكر وهو أنه يرفعهما عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه وإذا قام من اثنتين وهو الذي يشهد له الصحيح من الأحاديث.
والثاني أضعف الأقوال وأشذها: وهو أن لا يرفع في شيء من الصلاة ذكره ابن شعبان وابن خوَيزِ مَنْدَاد (١) وابنُ قصار.
"تنبيه" هذا الرفع من هيئات الصلاة وفضائلها في تلك المواضع، وذهب داود إلى وجوبه عند تكبيرة الإحرام، وقال بعضهم: إنه واجب كله اهـ، من المفهم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٥٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثني محمد بن رافع) بن أبي زيد القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أبو الوليد المكي (حدثني) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (عن سالم بن عبد الله) بن عمر العدوي المدني (أن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي المكي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان مدنيان وواحد صنعاني
стр. 2602
قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا قَامَ لِلصلاةِ، رَفَعَ يَدَيهِ حَتى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيهِ. ثم كَبَّرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الركُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، وَلا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السجُودِ
ــ
وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة.
(قال) عبد الله بن عمر (كان رسول الله ﷺ قال القرطبي: زعم بعض من لقيناه من الفقهاء أن (كان) متى استعملت في رسول الله ﷺ يلزمها الدوام والكثرة، قال: بحكم عرفهم، والشأن في نقل هذا العرفُ وإلا فأصلها أن تصدق على من فعل الشيء مرة واحدة، ونحن على الأصل حتى ينقل عنه اهـ.
(إذا قام للصلاة) أي شرع فيها (رفع يديه حتى تكونا) أي تكون الكفان (حذو منكبيه) أي مقابلهما بفتح الميم وكسر الكاف تثنية منكب؛ وهو مجمع عظم العضد والكتف، وبهذا أخذ الشافعي والجمهور خلافًا للحنفية حيث أخذوا بحديث مالك بن الحويرث التالي بهذا الحديث (ثم) بعد رفع اليدين (كبر) للإحرام (فإذا أراد أن يركع) أي أن ينحني للركوع (فعل مثل ذلك) أي مثل ما ذكرناه من رفع اليدين حذو المنكبين (وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك) المذكور من رفع اليدين حذو المنكبين (ولا يفعله) أي لا يفعل رفع اليدين (حين يرفع رأسه من السجود) ولا حين يهوي له.
وروي أن الحكمة في رفع اليدين عند الإحرام وغيره هي أن المنافقين كانوا يصلون في المسجد وأصنامهم تحت آباطهم فلما علم النبي ﷺ بذلك رفع يديه فرفع الصحابة ﵃ خلفه ورفع المنافقون معهم فسقطت أصنامهم من تحت آباطهم فخرجوا من المسجد ولم يعودوا بعد ذلك فهو من الأحكام التي انتفت علتها وبقي حكمها كالهرولة في السعي والرمل في الطواف. اهـ من بعض الهوامش.
وفي الطحْطَاوي على مراقي الفَلاح: والحكمة في الجمع بين رفع اليدين والتكبير إعلام المعذورين من الأصم والأعمى اهـ، قال (ع): قال بعض المتكلمين: وحكمة ابتداء الصلاة بالتكبير أنه حمد الله على الهداية للتوحيد والعبادة وامتثال ما أمر به وحض عليه في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ﴾ ثم طابق ذلك أول ما يستفتح به
стр. 2603
٧٥٧ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثني مُحَمَدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَينٌ، (وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَى)، حَدَّثَنَا الليثُ، عَنْ عُقَيلِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ. حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ
ــ
في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي ثبتنا على ذلك اهـ أبي. وقيل: الحكمة في الرفع ليطابق فعله قوله: "الله أكبر" اهـ ط.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٥٧ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثني محمد بن رافع) بن أبي كثير القشيري النيسابوري، قال (حدثنا حجين) بن المثنى اليمامي أبو عمرو البغدادي، وثقه محمد بن رافع وصالح بن محمد والجارودي وابن سعد، وقال في التقريب: ثقة، من (٩) مات ببغداد سنة (٢٥٠) روى عنه في (٦) أبواب، وأتى بهو في قوله (وهو ابن المثنى) إشارة إلى أنه من زيادته (حدثنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن عقيل) بن خالد الأموي المصري (ح وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ) بضم القاف وسكون الهاء ثم زاي بعدها ألف، أبو جابر المروزي، روى عن سلمة بن سليمان في الصلاة والصوم والمعروف، وعلي بن الحسن بن شقيق في الصوم والحج، وعبد الله بن عثمان في الأشربة والفضائل والفتن، وجعفر بن عون والنضر بن شميل، ويروي عنه (م) وزكريا خَياطُ السُنَّةِ وابنُ أبي داود وأبو عوانة، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة، مات سنة (٢٦٢) اثنتين وستين ومائتين، قال (حدثنا سلمة بن سليمان) أبو سليمان المروزي المؤدب، روى عن عبد الله بن المبارك في الصلاة والصوم والمعروف، وأبي حمزة السكري وعدة، ويروي عنه (خ م س) ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ وأحمد بن أبي رجاء وعلي بن خشرم، روى أنه حدث بعشرة آلاف حديث من حفظه، قال أبو حاتم: مِنْ جلة أصحاب ابن مبارك، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة حافظ، كان يوَرِّقُ لابن المبارك، من كبار العاشرة، مات سنة (٢٠٣) ثلاث ومائتين، روى عنه في (٣) أبواب، قال سلمة (أخبرنا عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من (٨) مات سنة (١٨١) روى عنه في (١٠) أبواب، قال (أخبرنا يونس) بن يزيد بن أبي
стр. 2604
كِلاهُمَا عَنِ الزهْرِي، بِهذَا الإِسْنَادِ. كَمَا قَال ابْنُ جُرَيجٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلصلاةِ، رَفَعَ يَدَيهِ حَتى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيهِ. ثُم كَبَّرَ.
٧٥٨ - (٣٥٣)(١٦) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَن خَالِد؛ عَنْ أَبِي قِلابَةَ؛
ــ
النجاد الأموي مولاهم مولى معاوية بن أبي سفيان أبو يزيد الأيلي (كلاهما) أي كل من عقيل ويونس رويا (عن) محمد بن مسلم (الزهري) أبي بكر المدني، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع وهما عقيل ويونس، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو ابن جريج أي روى كل من عقيل ويونس عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر (كما قال ابن جريج) أي رويا بهذا الإسناد مثل ما روى ابن جريج عن الزهري، وقالا في روايتهما (كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر) الحديث.
وهذان السندان من سباعياته الأول منهما رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد مكي وواحد بغدادي وواحد نيسابوري، والثاني منهما رجاله اثنان منهم مدنيان وثلاثة مروزيون وواحد مكي وواحد أيلِي، وغرضه بسوقهما بيان متابعة عقيل بن خالد ويونس بن يزيد لابن جريج في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقال:
٧٥٨ - (٣٥٢)(١٦) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي أبو زكريا النيسابوري، قال (أخبرنا خالد بن عبد الله) الطحان المزني مولاهم أبو محمد الواسطي، وثقه أحمد وابن سعد والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٨) مات سنة (١٨٢) روى عنه في (٧) أبواب (عن خالد) بن مهران الحذاء المجاشعي أبي المنازل البصري، قال ألعجلي: بصري ثقة، وقال أحمد: ثبت، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال في التقريب: ثقة يرسل، من (٥) مات سنة (١٤٢) روى عنه في (١٤) بابا (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري ثقة فاضل كثير الإرسال، من (٣) مات بالشام هاربًا من القضاء سنة (١٠٤) روى عنه في
стр. 2605
أَنهُ رَأَى مَالِكَ بنَ الْحُوَيرِثِ، إِذَا صَلى كَبَّرَ. ثُم رَفَعَ يَدَيهِ. وَإذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيهِ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الركُوعِ رَفَعَ يَدَيهِ. وَحَدثَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكذَا
ــ
(١١) بابا (أنه رأى مالك بن الحويرث) بالتصغير بن خُشَيشِ بن عوت بن جُنْدَعٍ الليثي أبا سليمان البصري له سماع من النبي ﷺ له خمسة عشر حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بحديث، يروي عنه أبو قلابة في الصلاة ونصر بن عاصم الليثي و (ع) وقال في التقريب: صحابي نزل بالبصرة، مات سنة (٩٤) أربع وتسعين.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد واسطي وواحد نيسابوري أي أن أبا قلابة رأى مالك بن الحويرث الليثي.
(إذا صلى) أي شرع في الصلاة (كبر) للإحرام (ثم رفع يديه) حتى يكونا حذو منكبيه، وثم هنا بمعنى الواو كما في رواية البخاري (وإذا أراد أن يركع رفع يديه) مع التكبير (وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه) وفي القسطلاني وإنما قال أراد في الركوع لأنه فيه عند إرادته بخلاف رفعهما في رفع الرأس منه فإنه عند نفس الرفع لا عند إرادته، وكذا في إذا صَلى كبر التَكْبِير عند فِعْلِ الصلاةِ وهذا مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لأبي حنيفة ومالك في أشهر الروايات عنه، واستدل الحنفية برواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك، وأجيب بالطعن في إسناده لأن أبا بكر بن عياش ساء حفظه بآخرة، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما والمثبت مقدم على النافي، وأيضًا فإن ابن عمر لم يكن يراه واجبًا ففعله تارة وتركه تارة، وروي عن بعض الحنفية بطلان الصلاة به، وأما الرفع في تكبيرة الإحرام فعليه الإجماع اهـ.
قال أبو قلابة (وحدث) مالك بن الحويرث (أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا) أي مثل ما فعل مالك بن الحويرث، والواو في وحدث للحال لا للعطف على رأى لأن المحدث مالك والرائي أبو قلابة.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [٥/ ٥٣] والبخاري [٧٣٧] وأبو داود [٧٤٥] والنسائي [٢/ ١٨٢].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه فقال:
стр. 2606
٧٥٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثني أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِي. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِم، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيرِثِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبرَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيهِ. وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيهِ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الركُوعِ، فَقَال: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ.
٧٦٠ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدثناه مُحَمدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِي عن سعيد،
ــ
٧٥٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين بن طلحة (الجحدري) نسبة إلى أحد أجداده البصري (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري (عن نصر بن عاصم) الليثي البصري النحوي، روى عن مالك بن الحويرث في الصلاة، وعمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهم، ويروي عنه (م د س ق) وقتادة وحميد بن هلال وعمران بن حدير، وثقه النسائي وابن حبان، وقال خالد الحذاء: وهو أول من وضع العربية، له في (م) حديث واحد، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة، رمي برأي الخوارج وصح رجوعه عنه (عن مالك بن الحويرث) الصحابي البصري ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا أبا عوانة فإنه واسطي، وغرضه بسوقه بيان متابعة نصر بن عاصم لأبي قلابة في رواية هذا الحديث عن مالك بن الحويرث، وغرضه بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في سوق الحديث.
(أن رسول الله ﷺ كان) دائمًا (إذا كبر) للإحرام (رفع بديه حتى يحاذي) أي يقابل (بهما) أي بكفيه شحمتي (أذنيه وإذا ركع) أي أراد أن يركع (رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا رمع رأسه من الركوع فقال سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك) الرفع المذكور.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث مالك بن الحويرث ﵁ فقال:
٧٦٠ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدثناه محمد بن المثنى (العنزي البصري، قال (حدثنا) محمد (بن) إبراهيم (أبي عدي) السلمي أبو عمرو البصري (عن سعيد) بن أبي
стр. 2607
عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ؛ أَنهُ رَأَى نَبِيَّ اللهِ ﷺ . وَقَال: حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيهِ
ــ
عروبة مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري (عن قتادة) بن دعامة البصري، وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع وهو سعيد بن أبي عروبة، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع وهو أبو عوانة، والتقدير: روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بهذا الإسناد أي عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث (أنه) أي أن مالك بن الحويرث (رأى نبي الله ﷺ بمثل حديث أبي عوانة عن قتادة (و) لكن (قال) سعيد بن أبي عروبة في روايته رفع النبي ﷺ يديه (حتى يحاذي بهما) أي بكفيه (فروع أذنيه) أي أطراف أذنيه، وفي النهاية: فروع أذنيه أي أعاليهما وفرع كل شيء أعلاه اهـ، وهذا بيان لمحل المخالفة بزيادة لفظة فروع. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وغرضه بسوقه بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة لأبي عوانة في رواية هذا الحديث عن قتادة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث مالك بن الحويرث ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين أيضًا، والله أعلم.
قال النواوي: أما صفة الرفع فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه أي أعالي أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه فهذا معنى قولهم حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعي رحمه الله تعالى بين روايات الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه، وأما وقت الرفع ففي الرواية الأولى: رفع يديه ثم كبر، وفي الثانية: كبر ثم رفع يديه، وفي الثالثة: إذا كبر رفع يديه، ولأصحابنا في المختار من ذلك خمسة أوجه أحدها وهو أصحهاة أن يبتدئ بالتكبير والرفع معًا، وَلَا اسْتِحْبَابَ في الانتهاءِ فإن فرغ منهما قبل الحط حطهما ولم يستدم الرفع، وإن فرغ من أحدهما قبل الآخر أتم الباقي، الثاني: يرفعهما غير مكبر ثم يبتدئ التكبير والإرسال وينهيهما معًا، الثالث: يرفع غير مكبر ثم يُكَبر ويداه قائمتان ثم يرسلهما، الرابع: يبتدئ بالرفع والتكبير معًا ثم ينهيهما معًا، الخاص: يبتدئ بهما معًا وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال. ولو كان أقطع اليدين من المعصم أو إحداهما رفع الساعد، وإن قطع من الساعد رفع العضد على الأصح، وقيل لا يرفعه ولو لم يقدر على
стр. 2608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرفع إلا بزيادة على المشروع أو نقص منه فعل الممكن، ويستحب أن تكون كفاه إلى القبلة عند الرفع، وأن يكشفهما، وأن يفرق بين أصابعهما تفريقًا وسطًا، ولو ترك الرفع حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي فلو تركه حتى أتمه لم يرفعهما بعده، ولا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يبالغ في مده بالتمطيط بل يأتي به مبينًا. وهل يمده أو يخففه؟ فيه وجهان إلى آخر ما في النواوي اهـ.
***
стр. 2609
١٩٨ - (١٠) - باب: التكبير في كل خفض ورفع إلا الرفع من الركوع
١ ٧٦ - (٣٥٤)(١٧) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحْمنِ؛ أَن أَبَا هُرَيرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ. فَلَما انْصَرَفَ قَال: وَاللهِ! إِني لأَشبَهُكُم صَلاةَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
١٩٨ - (١٠) باب التكبير في كل خفض ورفع إلا الرفع من الركوع
٧٦١ - (٣٥٤)(١٧) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي أبو زكريا النيسابوري (قال) يحيى (قرأت) وحدي (على مالك) بن أنس الأصبحي المدني إمام دار الهجرة وهو بمنزله أخبرني (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني.
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري.
(كان يصلي) إمامًا (لهم) أي للناس حين استخلفه مروان على المدينة (فيكبر) أي فكان يكبر (كلما خفض) وهوى لركن من أركان الصلاة كالركوع والسجود (و) كلما (رفع) أي ارتفع من ركن من أركان الصلاة كالسجودين إلا الرفع من الركوع، قوله (فيكبر كلما خفض ورفع) هذا هو الأمر الثابت من فعله ﷺ والذي استقر عليه عمل المسلمين، وقد كان بعض السلف يرى أنه لا تكبير في الصلاة غير تكبيرة الإحرام، وقال بعضهم: ليس بسنة إلا للجماعة ليُشْعِر الإمام بحركاته من وراءه، ومذهب أحمد بن حنبل وجوب جميع التكبير في الصلاة، وعامة العلماء على أنه سنة بدليل قوله للذي علمه الصلاة "إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم استقبل القبلة ثم كبر" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، ولم يذكر له إلا فرائض الصلاة، وقوله (كلما خفض ورفع) فيه ما يدل على مقارنة التكبير للفعل وعليه يدل قوله سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع اهـ من المفهم (فلما انصرف) أبو هريرة وفرغ من صلاته (قال) لمن عنده (والله) أي أقسمت بالله الذي لا إله غيره (إني لأشبهكم صلاة) أي لأكثركم شبهًا (برسول الله ﷺ في الصلاة، وصلاة تمييز محول عن المبتدأ منصوب
стр. 2610
٧٦٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرحْمنِ؛ أَنَهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وَسَئمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ
ــ
باسم التفضيل، والأصل: إن صلاتي أشد شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ من صلاتكم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٥٤، ٤٧٠] والبخاري [٧٨٩] وأبو داود [٨٣٦] والنسائي [٢/ ٢٣٢].
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٦٢ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي كثير القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي (أخبرني) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (عن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أبي عبد الرحمن المدني، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وكان يقال له راهب قريش لكثرة صلاته، وكان فقيهًا عابدًا يصوم الدهر كله، وكان أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمد وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وثقه الواقدي وابن خراش والعجلي، وقال في التقريب: ثقة فقيه عابد، من (٣) مات سنة (٩٤) روى عنه في (٦) أبواب (أنه) أي أن أبا بكر (سمع أبا هريرة) الدوسي المدني حالة كونه (يقول): - وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي بكر بن عبد الرحمن لأبي سلمة بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي - (كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر) تكبيرة الإحرام (حين يقوم) أي حين يستوي قائمًا، وقوله (يكبر) حجة في وجوب التكبير للإحرام وتعيينه، وقد قال النبي ﷺ للذي علمه الصلاة: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" رواه السبعة إلا ابن ماجه من حديث أبي هريرة، واختلف في حكم الإحرام فعامة أهل العلم على وجوبه إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحسن
стр. 2611
ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ. ثُم يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الركُوعِ. ثُم يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبنا وَلَكَ الْحَمْدُ"
ــ
والحكم والأوزاعي وقتادة أنه سنة، وأنه يجزئ الدخول في الصلاة بالنية، وعامة أهل العلم أنه لا يجزئ إلا بلفظ التكبير إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم يجيزون الدخول في الصلاة بكل لفظ فيه تعظيم الله، وأجاز الشافعي الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف الله الكبير، ومالك لا يجيز إلا اللَّفْظَ المعيَّنَ "الله أكبر" المعهود في عرف اللغة والشرع لا سواه، والأولى ما صار إليه مالك رحمه الله تعالى لما صح عن النبي ﷺ من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم" رواه أبو داود والترمذي من حديث علي ﵁، والألف واللام في التكبير والتسليم منصرفة إلى معهود تكبيره ﷺ وتسليمه، ولم يُرو عنه قط أنه قال في التكبير ولا في التسليم غير اللفظين المعينين وهما الله أكبر والسلام عليكم اهـ من المفهم.
(ثم يكبر) أي يبدأ بالتكبير (حين يركع) أي حين يشرع في الانتقال إلى الركوع ويمده حتى يصل إلى حد الركوع وكذا في السجود والقيام (ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه) وظهره (من الركوع ثم يقول وهو قائم) معتدل مستو، جملة حالية من فاعل يقول (ربنا ولك الحمد) وفي هذا تصريح بأن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد وفاقًا للجمهور لأن صلاته ﷺ الموصوفة محمولة على حالة الإمامة لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله، وخالف ذلك أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه لحديث "إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" وهذه قسمة منافية للشركة كقوله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وأجابوا عن حديث الباب بأنه محمول على انفراده ﷺ في صلاة النفل توفيقًا بين الحديثين والمنفرد يجمع بينهما في الأصح.
قوله (ربنا ولك الحمد) قال العلماء: إن رواية الواو أرجح وهي زائدة، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عنها فقال زائدة، تقول العرب بعْني هذا فيقول المخاطبُ نعم وهو لك بدرهم فالواو زائدة وقيل عاطفة على مقدر أي ربنا حمدناكَ ولك الحمد اهـ قسط.
стр. 2612
ثُم يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوي سَاجِدًا. ثُم يُكَبرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ. ثُم يُكَبرُ حِينَ يَسْجُدُ. ثُم يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ. ثُم يَفعَلُ مِثْلَ ذلِكَ فِي الصلاةِ كُلهَا حَتى يَقضِيَهَا. ويكَبرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ. ثُم يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: إِني لأَشْبَهُكُمْ صَلاة بِرَسُولِ اللهِ ﷺ .
٧٦٣ - (٠٠)(٠٠) حدثني محَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا حُجَينٌ
ــ
(ثم يكبر حين يهوي) بفتح أوله وكسر ثالثه أي يسقط (ساجدًا ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجود الأول (ثم يكبر حين يسجد) الثانية (ثم يكبر حين يرفع رأسه) منها (ثم يفعل مثل ذلك) المذكور الذي فعله في الركعة الأولى (في) ركعات (الصلاة كلها حتى يقضيها) أي حتى يتم الصلاة (وبكبر حين يقوم) إلى الثالثة (من المَثْنَى) أي من الشفع؛ أي من الركعتين الأوليين وعبارة (ع) هنا قوله من المثْنَى أي من الاثنتين أي بعد ركعتين من الرباعية أو من الثلاثية، قال الله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وقال ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" اهـ.
(بعد الجلوس) للتشهد الأول، وهذا الحديث مفسر لما سبق من قوله: "فيكبر كلما خفض ورفع" (ثم) بعد رواية هذا الحديث (يقول) لنا (أبو هريرة إني لأشبهكم صلاة) أي لأكثركم شبهًا (برسول الله ﷺ من جهة الصلاة.
وقوله (يكبر حين يهوي ساجدًا) وهو قول أهل العلم واستثنى مالك من ذلك التكبير بعد القيام من اثنتين فلا يكبر حتى يستوي قائمًا وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وإن كبر هنا في نهوضه فهو في سعة و (يهوي) هو بفتح الياء وكسر الواو، وماضيه هوى بفتح الواو من باب رمى؛ ومعناه يسقط إلى الأرض ساجدًا، وأما أهوى الرباعي فمضارعه يهوي بضم الياء وكسر الواو؛ فمعناه أقبل على الشيء ليأخذه بيده يقال أهويت للشيء إذا أردت أخذه بيدك، وأما هَوِيَ بفتح الهاء وكسر الواو من باب رضي؛ فمعناه أحب ومضارعه يهوى بفتح الياء والواو ذكره الجوهري في الصحاح اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٦٣ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثني محمد بن رافع) بن أبي كثير القشيري النيسابوري (حدثنا حجين) مصغرًا ابن المثنى اليمامي أبو عمرو البغدادي ثقة، من (٩) مات ببغداد
стр. 2613
حَدَّثَنَا الليثُ عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو بَكرِ بن عَبْدِ الرحمنِ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنه سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابنِ جُرَيجٍ. وَلَم يَذكُرْ قَولَ أَبِي هُرَيرَةَ: إِني أَشْبَهُكُمْ صَلاةَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ .
٧٦٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب. أَخْبَرَنِي يُونُس عَنِ ابْنِ شِهَاب. أَخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحْمَن؛ أن أبا هريرة
ــ
سنة (٢٥٠) قال (حدثنا الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت، من (٧) (عن عقيل) مصغرًا بن خالد الأموي المصري ثقة، من (٦) (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني، من (٤) قال (أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث) القرشي المخزومي أبو عبد الرحمن المدني ثقة، من (٣) (أنه) أي أن أبا بكر (سمع أبا هريرة) حالة كونه (يقول):
وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد بغدادي وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة عقيل بن خالد لابن جريج في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان محل المخالفة.
يقول أبو هريرة كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر) للإحرام (حين يقوم) أي حين يستوي قائمًا، وساق عقيل بن خالد (بمثل حديث ابن جريج) أي بمماثله لفظًا ومعنى (و) لكن (لم يذكر) عقيل (قول أبي هريرة إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ هذا بيان لمحل المخالفة بين المتابع والمتابَع.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا فقال:
٧٦٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري صدوق، من (١١) (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، من (٩) (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي أبو يزيد الأموي، من (٧) (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني، قال (أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة، من (٣) (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، وغرضه بسوقه بيان متابعة يونس بن يزيد لابن جريج في رواية هذا الحديث عن أبي
стр. 2614
كَانَ، حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ، إِذَا قَامَ لِلصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيج. وَفِي حَدِيثِه: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلمَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِني لأَشْبَهُكُمْ صَلاة بِرَسُولِ اللهِ ﷺ .
٧٦٥ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ
ــ
هريرة ولكنها متابعة ناقصة لأن يونس بن يزيد روى هذا الحديث عن أبي هريرة بواسطة ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأما ابن جريج فروى عن أبي هريرة بواسطة ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
أي أخبره أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة (كان حين يستخلفه) عبر بالمضارع حكاية للحال الماضية أي كان أبو هريرة حين استخلفه (مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي أبو عبد الملك المدني، ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل بأربع، روى عن النبي ﷺ ولا يصح له منه سماع، كتب لعثمان وولي إمرة المدينة أيام معاوية وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية وغلب مروان على دمشق ثم على مصر، ومات في رمضان سنة (٦٥) خمس وستين، وكانت ولايته تسعة أشهر، قال ابن حجر: قال البخاري: لم ير النبي صلى الله ممليه وسلم، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: كانت له صحبة، ولد يوم الخندق، وعن مالك إنه وُلدَ يوم أحد، والله أعلم.
(على المدينة) لأن مروان كان أميرًا على المدينة أيام معاوية بن أبي سفيان أي كان أبو هريرة (إذا قام للصلاة المكتوبة) ليصلي بالناس (كبر) أبو هريرة للإحرام (فدكر) يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة (نحو حديث ابن جريج) عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (و) لكن (في حديثه) أي في حديث يونس وروايته (فإذا قضاها) أي قضى أبو هريرة الصلاة المكتوبة وأتمها (وسلم) منها (أقبل) بوجهه (على أهل المسجد) النبوي و (قال والذي) أي أقسمت لكم بالإله الذي (نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (أني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٦٥ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا محمد بن مهران) بكسر أوله وسكون ثانيه الجمال
стр. 2615
الرَّازِي. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدثنَا الأَوْزَاعي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَن أَبَا هُرَيرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلاةِ كُلمَا رَفَعَ وَوَضَعَ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَال: إِنهَا لَصَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
بالجيم أبو جعفر (الرازي) قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة بن القاسم: ثقة، وقال في التقريب: ثقة حافظ، من (١٠) مات سنة (٢٣٩) روى عنه في (٦) أبواب، قال (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي عالم الشام، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من (٨) مات سنة (١٩٥) روى عنه في ستة أبواب، قال (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد بضم الياء وكسر الميم أبو عمرو الشامي الإمام العلم الفقيه نسبة إلى الأوزاع قبيلة من حمير أو قرية بدمشق إذا خرجتَ من باب الفراديس إنما قيل لها أوزاع لأنها من أوزاع القبائل كما مر في ترجمته، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا كثير الحديث والعلم والفقه، وقال إسحاق: إذا اجتمع الأوزاعي والثوري ومالك على الأمر فهو سنة، وقال في التقريب: ثقة جليل فاضل، من (٧) مات في الحمام سنة (١٥٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، من (٥) مات سنة (١٣٢) روى عنه في (١٦) بابا (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني ثقة، من (٣) (أن أبا هريرة) الدوسي المدني.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان شاميان وواحد يمامي وواحد رازي، وغرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير للزهري في رواية هذا الحديث عن أبي سلمة، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
أي روى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن أبا هريرة كان يكبر في الصلاة كلما رفع) من سجود (ووضع) لركوع أو سجود (فقلنا) نحن معاشر المصلين معه (يا أبا هريرة: ما هذا التكبير) الذي أكثرت في الصلاة كلما رفعت وخفضت (قال) أبو هريرة (إنها) أي إن هذه الصلاة التي أكثرت فيها التكبير الصلاة رسول الله ﷺ .
ثم ذكر المؤلف المتابعة خامسًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
стр. 2616
٧٦٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرحْمَنِ)، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَهُ كَانَ يُكَبرُ كُلمَا خَفَضَ وَرَفَعَ. ويحَدثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفعَلُ ذلِكَ.
٧٦٧ - (٣٥٥)(١٨) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، جَمِيعا عَنْ حَمادٍ
ــ
٧٦٦ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البغلاني، قال (حدثنا يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري بتشديد التحتانية نسبة إلى قارة حي من العرب القرشي مولاهم المدني، وثقه ابن معين وأحمد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من (٨) مات سنة (١٨١) روى عنه في (٧) أبواب، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن عبد الرحمن) إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته (عن سهيل) بن أبي صالح السمان أبي يزيد المدني، وثقه ابن عيينة والعجلي، وقال في التقريب: صدوق، من (٦) مات في خلافة المنصور، روى عنه في (١٣) بابا (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان المدني ثقة ثبت، من (٣) مات سنة (١٠١) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي، وغرضه بسوقه بيان متابعة أبي صالح لمن روى عن أبي هريرة.
(أنه) أي أن أبا هريرة (كان يكبر كلما خفض ورفع ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك) التكبير عند الخفض والرفع.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٦٧ - (٣٥٥)(١٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي أبو زكرياء النيسابوري ثقة، من (١٠) (وخلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة البزار بالراء آخره المقرئ أبو محمد البغدادي، قال النسائي: بغدادي ثقة، وقال الدارقطني: كان عابدًا فاضلًا، وقال في التقريب: ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٢٧) روى عنه في (٣) أبواب، حالة كونهما (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن حماد) بن زيد بن درهم الأزدي أَبِي إسماعيلَ البصري ثقة ثبت فقيه، مِن كبار (٨) مات سنة (١٧٩) وله (٨١)
стр. 2617
قَال يَحْيَى: أخْبَرَنَا حَمادُ بن زَيدٍ، عَنْ غَيلانَ، عَنْ مُطَرَّفٍ. قَال: صَليتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَينٍ خَلفَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ. فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبرَ. وإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبرَ. وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الركْعَتَينِ كَبرَ، فَلَما انْصَرَفنَا مِنَ الصلاةِ قَال: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي ثُم قَال: لَقَدْ صلى بِنَا هَذَا صَلاةَ مُحَمدٍ ﷺ ، أَو قَال: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمدِ ﷺ
ــ
سنة، روى عنه في (١٤) بابا، وأَتَى بجملةِ قوله (قال يحيى أخبرنا حماد بن زيد) تورعًا من الكذب عليه (عن غيلان) بن جرير الأزدي المِعْوَلي البصري، وثقه أحمد، وقال في التقريب: ثقة، من (٥) روى عنه في (٧) أبواب (عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير العامري الحَرَشي أبي عبد الله البصري أحدِ سادة التابعين، وَثقه ابنُ سعد والعجلي وابنُ حبان، وُلِدَ في حياةِ النبي ﷺ وكان من عُبادِ أهلِ البصرة وزُهادِهم، وقال في التقريب: ثقة عابد، من (٢) مات سنة (٩٥) روى عنه في (٩) أبواب (قال) مطرف (صليت أنا وعمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نُجيد البصري بضم النون مصغرًا، أسلم عام خيبر، له (١٣٠) مائة وثلاثون حديثًا اتفقا على (٨) وانفرد (خ) بـ (٤) و (م) بـ (٩) وكان من علماء الصحابة وكانت الملائكة تسلم عليه بعثه عمر إلى البصرة ليفقههم، ومات بها سنة (٥٢) اثنتين وخمسين، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري أو خلف بن هشام فإنه بغدادي؛ أي صلينا بالبصرة (خلف علي بن أبي طالب) القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وختنه أحد العشرة المبشرة وأحد الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (فكان) علي (إذا سجد) أي هوى للسجود كبر وإذا رفع رأسه) من السجود كبر وإذا نهض) وقام (من الركعتين) في الثلاثية والرباعية بعد التشهد الأول (كبر) قال مطرف (فلما انصرفنا) وفرغنا (من الصلاة) مع علي بن أبي طالب (قال) مطرف (أخذ عمران) بن حصين (بيدي ثم قال) عمران: والله (لقد صلى بنا هذا) الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (صلاة) نبينا وحبيبنا (محمد ﷺ أي صلاة كصلاته في توفر الأركان والسنن والهيئات (أو قال) عمران والشك من مطرف: والله (قد ذكرَني هذا) الرجل (صلاة محمد ﷺ التي صليناها معه ﷺ وفي هذا إشارة إلى أنه هجر استعمال التكبير في الانتقالات يعني أنه كان من السلف من
стр. 2618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يكبر إلا في الإحرام ظنا منهم أن ما عدا تكبيرة الإحرام إنما هو سنة في الجماعة للإعلام ثم استقر العمل إلى اليوم فيما عدا القومة من الانتقالات على التكبير وهو بإجماع الأئمة من سنن الصلاة اهـ من بعض الهوامش.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري وأبو داود والنسائي كما في التحفة.
وجملة ما ذكره في هذا الباب حديثان:
الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال وذكر فيه خمس متابعات.
والثاني حديث عمران ذكره للاستشهاد.
***
стр. 2619
١٩٩ - (١١) باب القراءة في الصلاة وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
٧٦٨ - (٣٥٦)(١٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَال أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزهْرِي، عَنْ مَحْمُودِ بنِ الربِيع، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ. يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "لا صَلاةَ لِمَنْ لَم يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"
ــ
١٩٩ - (١١) باب القراءة في الصلاة وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
٧٦٨ - (٣٥٦) (٩ ١) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي (وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة حافظ وَهِمَ في حديث، من (١٠) (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي أبو يعقوب المروزي، حالة كونهم (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن سفيان) بن عيينة الهلالي أبي محمد الأعور الكوفي، وأتى بقوله (قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عبينة) تورعًا من الكذب عليه (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب (الزهري) أبي بكر المدني (عن محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة بن سراقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي أبي محمد المدني صحابي صغير جل روايته عن الصحابة عقل عن النبي ﷺ مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم وهو ابن خمس سنين، مات سنة (٩٩) وهو ابن (٩٣) (عن عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصرم بن فهر الأنصاري الخزرجي أبي الوليد الشامي، شهد العقبتين وبدرًا وهو أحد النقباء، مات في الشام بالرملة سنة (٣٤) وهو يومئذ ابن (٩٢) سنة، له (١٨١) حديثًا اتفقا على (٦) وانفرد (خ) بـ (٢) وكذا (م) روى عنه في (٥) أبواب. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان كوفيان وواحد شامي أو مدنيان وشامي وكوفي وبغدادي أو كوفي ومروزي، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي، حالة كون عبادة بن الصامت (يبلغ به) أي بهذا الحديث (النبي ﷺ أي يرفعه إلى النبي ﷺ وينسبه إليه يعني لم يقفه عليه إلا صلاة لمن لم يقرأ) فيها (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا أسر
стр. 2620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإمام أو جهر؛ والمعنى لا صلاة صحيحة كما هو مذهب الشافعي أو كاملة كما هو مذهب الأحناف قالوا: لأن فرضية القراءة إنما ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ كما هو الرواية في حديث المسيء صلاته الآتي، وهذا الحديث لكونه من أخبار الآحاد إنما يصلح لإفادة الوجوب لا الفرضية فنقول بوجوبها عملًا بالدليلين فيكون المنفي كمال الصلاة اهـ من الهامش.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٧٥٦] وأبو داود [٨٢٣] والترمذي [٢٤٧] والنسائي [٢١/ ١٣٧ - ١٣٨] وكذا ابن ماجه اتفق عليه أصحاب الأمهات الست كما في القسطلاني.
قال القرطبي: (قوله لا صلاة) ظاهره نفي الإجزاء في كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، ورأى أبو حنيفة أنها لا تتعين وأن غيرها من آي القرآن وسوره يجزئ فيتعين عليه حمل لا صلاة على نفي الكمال أو على الإجمال بينهما أي بين الكمال والإجزاء كما صار القاضي إليه ومذهب الجمهور هو الصحيح لأن نفي الإجزاء هو السابق للفهم كما تقول العرب: لا رجل في الدار فإنه يقتضي نفي أصل الجنس الكامل والناقص، ولا يصار لنفي الوصف إلا بدليل من خارج.
واختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والمنفرد في كل ركعة وهو مشهور قول مالك، وعنه أيضًا أنها واجبة في جل الصلاة وهو قول إسحاق، وعنه أنها تجب في ركعة واحدة وقاله المغيرة والحسن، وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة وهو أشذ الروايات، وحكي عنه أنها تجب في نصف الصلاة وإليه ذهب الأوزاعي، وذهب الأوزاعي أيضًا وأبو أيوب وغيرهما إلى أنها تجب على الإمام والمنفرد والمأموم على كل حال وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى اهـ من المفهم.
وعبارة النواوي: قوله (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فيه دليل لمذهب الشافعي ومن وافقه أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد ومما يؤيد وجوبها على المأموم قول أبي هريرة: "اقرأ بها في نفسك" فمعناه اقرأها سرًا بحيث تُسمع نفسك، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره فلا
стр. 2621
٧٦٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثني أبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب. أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الربِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقتَرِئ بِأم الْقُرآنِ"
ــ
يقبل لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يُسمع نفسه ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة، وحكى القاضي عياض: عن علي بن أبي طالب ﵁ وربيعة ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب مالك أنه لا تجب القراءة أصلًا وهي رواية شاذة عن مالك، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى لا تجب القراءة في الركعتين الأخيرتين بل هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء من السلف والخلف وجوب القراءة في كل ركعة لقوله ﷺ للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبادة بن الصامت ﵁ فقال:
٧٦٩ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح الأموي المصري، من (١٠) قال (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي أبو محمد المصري، من (٩) (عن يونس) بن يزيد الأيلي أبي يزيد الأموي، من (٧) (ح وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي أبو حفص المصري صدوق، من (١١) (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس) أتى بحاء التحويل لبيان اختلاف كيفية سماع شيخيه (عن ابن شهاب أخبرني محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الباء مكبرًا (عن عبادة بن الصامت).
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم شاميان واثنان مدنيان واثنان مصريان، وغرضه بسوقه بيان متابعة يونس بن يزيد لسفيان بن عيينة، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في لفظ القراءة وفي اسم الفاتحة.
(قال) عبادة (قال رسول الله ﷺ لا صلاة) صحيحة أو كاملة (لمن لم يقترئ) أي لمن لم يقرأ (بأم القرآن) لأن باب افتعل يأتي بمعنى الثلاثي وبناؤه حينئذ للمبالغة يقال قرأت أم القرآن وبأم القرآن واقترأته واقترأت به يتعدى بنفسه وبالباء،
стр. 2622
٧٧٠ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِي الْحُلْوَانِي. حَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الربِيعِ، الذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئرِهِمْ، أَخبَرَهُ؛ أَنْ عُبَادَةَ بْنَ الصامِتِ أَخْبَرَهُ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأْ بِأم الْقُرآن".
٧٧١ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) وحدثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
ــ
وسميت الفاتحة بأم القرآن وبأم الكتاب لاشتمالها على مقاصده إجمالًا وأم كل شيء أصله وعماده كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها ووسط الأرض المعمورة.
٧٧٠ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي الخلال (الحلواني) المكي ثقة، من (١١) مات سنة (٢٤٢) روى عنه في (٨) أبواب، قال (حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري أبو يوسف المدني ثقة، من (٩) مات سنة (٢٠٨) روى عنه في (٤) أبواب، قال (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني ثقة حجة، من (٨) مات سنة (١٨٣) روى عنه في (١٤) بابا (عن صالح) بن كيسان الغفاري مولاهم أبي محمد المدني ثقة ثبت فقيه، من (٤) مات سنة (١٤٠) روى عنه في (٥) أبواب (عن) محمد (بن شهاب) الزهري المدني (أن محمود بن الربيع) الأنصاري المدني (الذي مج رسول الله ﷺ في وجهه من بئرهم) أي من بئر في دارهم، والمج رمي الماء من بين الشفتين (أخبره) أي أخبر للزهري (أن عبادة بن الصامت أخبره) أي أخبر لمحمود (أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة) صحيحة أو كاملة (لمن لم يقرأ بأم القرآن).
وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم مدنيون وواحد شامي وواحد مكي، وغرضه بسوقه بيان متابعة صالح بن كيسان لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في اسم الفاتحة وبذكر المج في هذه الرواية.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث عبادة بن الصامت ﵁ فقال:
٧٧١ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي أبو يعقوب
стр. 2623
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيد. قَالا: أخْبَرَنَا عَندُ الرزاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزهْرِي، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَه. وَزَاد: فَصَاعِدًا.
٧٧٢ - (٣٥٧)(٢٠) وحدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِي
ــ
المروزي ثقة، من (١٠) (وعبد بن حميد) الكسي ثقة، من (١١) (قالا أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني ثقة، من (٩) قال (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري ثقة، من (٧) (عن الزهري) محمد بن مسلم المدني، من (٤) وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بأخبرنا معمر لأنه العامل في المتابع، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع وهو صالح بن كيسان، وكذا قوله (مثله) منصوب بما عمل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى المتابع؛ والتقدير: أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد يعني عن محمود عن عبادة مثله أي مثل ما روى صالح بن كيسان عن الزهري.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد شامي وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد إما مروزي أو كسي، وغرضه بسوقه بيان متابعة معمر لصالح بن كيسان في رواية هذا الحديث عن الزهري.
(و) لكن (زاد) معمر لفظة (فصاعدًا) أي زاد هذا الراوي على قوله بأم القرآن قوله فصاعدًا يعني لمن لم يقرأ، حالة كون قراءته زائدة على أم القرآن، وعبارة الأبي هنا: قوله وزاد فصاعدًا أي قال لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا أي فما زاد عليها كقولهم اشتريته بدرهم فصاعدًا، وهو منصوب على الحال بعامل محذوف أي فزاد الثمن صاعدا، وتَقْدِيرُهَا هُنا أي فزادت القراءةُ صاعدةً.
وعبارة المفهم هنا: قوله (فصاعدًا) معناه فزائدًا ويلزم من ظاهر هذا اللفظ أن تكون الزيادة على أم القرآن التي هي السورة واجبة، ولا قائل أعلمه يقول بوجوب قراءة السورة زيادة على أم القرآن، وإنما الخلاف في وجوب أم القرآن خاصة، وقد أجمعوا على أن لا صلاة إلا بقراءة في الركعتين الأوليين إلا ما قاله الشافعي فيمن نسي القراءة في الصلاة كلها أنها تجزئه لعذر النسيان وهذا شاذ، وقد رجع عنه وإلا ما شذ من قول مالك اهـ منه.
ثم استشهد المؤلف لحديث عبادة بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٧٧٢ - (٣٥٧)(٢٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) أبو يعقوب
стр. 2624
أَخبَرَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَينَةَ عَنِ العَلاءِ، عَن أَبِيهِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "مَن صلى صَلاة لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُم الْقُرْانِ فَهِيَ خِدَاج" ثَلاثًا، غَيرُ تَمَامٍ
ــ
المروزي ثقة، من (١٠) قال (أخبرنا سفيان بن عيينة) الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي ثم المكي ثقة، من (٨) (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم أبي شبل المدني صدوق ربما وهم، من (٥) (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولاهم أبي العلاء المدني ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد مروزي.
(عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن) أي في كل ركعة من ركعاتها إمامًا كان أو مأمومًا غير مسبوق أو منفردًا (فهي) أي فتلك الصلاة التي لم يقرأ فيها الفاتحة (خداج) أي ذات خداج أي نقص أي غير تامة، قال الهروي: الخداج النقصان، يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة، فقوله (خداج) أي ذات خداج فحَذَف ذات وأقام الخداج مقامه وهذا مذهب الخليل في الخداج وأبي حاتم والأصمعي، وأما الأخفش فعكسى فجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق، قال الأحناف: والحديث حجة لنا في أن الصلاة تجوز بدون الفاتحة مع النقصان وهم لا يجوزونها بدونها، وسميت الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب لأنها أصله أي محيطة بجميع علومه فهي منها وراجعة إليها ومنها سميت الأم أما لأنها أصل النسل، والأرض أما في قوله:
فالأرض مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمنا ... فيها مقَابرُنا وفيها نُولد
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ وقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ولا معنى لكراهية من كره تسميتها بأم القرآن مع وجود ذلك في الحديث اهـ من المفهم. فكرر قوله هي خداج (ثلاثًا) أي ثلاث مرات كما هو مذكور في رواية النسائي فمعنى خداج بكسر الخاء المعجمة غير تامة، وقوله (غير تمام) تفسير له، قال السندي في شرح النسائي: وهذا ليس بنص في افتراض الفاتحة بل يحتمل الافتراض وعدمه وكأنه لذلك عدل عنه أبو هريرة إلى حديث قسمت الصلاة في الاستدلال على الافتراض اهـ.
стр. 2625
فَقِيلَ لأَبِي هُرَيرَةَ: إِنا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ. فَقَال: اقرَأْ بِهَا فِي نَفسِكَ. فَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "قَال اللهُ تَعَالى: قَسَمتُ الصلاةَ بَينِي وَبَينَ عَبْدِي نِصْفَينِ،
ــ
(فقيل لأبي هريرة إنا نكون) ونصلي (وراء الإمام) أي خلفه فهل نقرأها (نقال) أبو هريرة للسائل (اقرأ بها في نفسك) أي اقرأها سرًّا لا جهرًا ولا تتركها لأن قراءتها واجبة على كل مصل إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
وفي المفهم: قوله (اقرأ بها في نفسك) اختلف العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على كل حال وإليه ذهب الشافعي تمسكًا بقول أبي هريرة وبعموم قوله (لا صلاة) وذهب مالك وابن المسيب في جماعة من التابعين وغيرهم وفقهاء أهل الحجاز والشام إلى أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه ويقرأ معه ما أسر فيه الإمام تمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وبقول أبي هريرة فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ وبقوله ﷺ : "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" وذهب أكثر هؤلاء إلى أن القراءة فيما يسر فيه الإمام غير واجبة إلا داود وأحمد بن حنبل وأصحاب الحديث فإنهم أوجبوا قراءة الفاتحة إذا أسر الإمام وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم خلف الإمام على كل حال اهـ منه.
(فإني) أي لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول) فيما يرويه عن ربه يعني الحديث القدسي (قال الله) سبحانه و (تعالى قسمت الصلاة) أي الفاتحة؛ والمراد بالصلاة هنا الفاتحة لأنها لا تصح إلا بها، قال ابن الملك: أراد بالصلاة القراءة لأنها جزؤها، ويطلق كل منهما على الآخر مجازًا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ أي بقراءتك، وقال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ يعني صلاة الفجر؛ والمراد من الصلاة هنا قراءة الفاتحة بقرينة تتمة الحديث.
وقوله (بيني وبين عبدي نصفين) قرينة قوية للمجاز المذكور فإن الصلاة خالصة لله تعالى لا تكون مقسومة.
قال السندي: ووجه الاستدلال بهذا التقسيم على وجوبها هو أن قسمة الفاتحة جعلت قسمة للصلاة واعتبرت الصلاة مقسومة باعتبارها ولا يظهر ذلك إلا عند لزوم
стр. 2626
وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَال الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ. قَال اللهُ تَعَالي: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَال: الرحْمَنِ الرحِيمِ. قَال اللهُ تَعَالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَندِي. وَإِذَا قَال: مَالِكِ يَوْمِ الدينِ. قَال: مَجَّدَنِي عَبْدِي. (وَقَال مَرةً: فَوَّضَ إلي عَبْدِي). فَإِذَا قَال: إِياكَ نَعْبُدُ وَإياكَ نَسْتَعِينُ. قَال: هَذا
ــ
الفاتحة فيها ثم لا يخفى ما في الحديث من الدلالة على خروج البسملة من الفاتحة وأخذ منه المصنف (النسائي) أنها لا تقرأ وهو بعيد لجواز أن لا تكون جزءًا من الفاتحة ويرده الشروع بالقراءة بها مع الفاتحة تبركًا فمن أين جاء أنها لا تقرأ فالحق أن مقتضى الأدلة أنها تقرأ سرًّا لا جهرًا كما هو مذهب علمائنا الحنفية، وكونها لا تقرأ أصلًا كمذهب مالك أو تقرأ جهرًا كمذهب الشافعي لا تساعده الأدلة ولعل مراد المصنف الاستدلال على عدم لزوم قراءتها، والله أعلم اهـ من السندي على النسائي.
قال ابن الملك: قوله (نصفين) اعلم أن تقسيم الفاتحة نصفين بمعنى أن بعضها ثناء إلى قوله إياك نعبد، وبعضها دعاء وهو من قوله إياك نستعين إلى آخر السورة، والنصف هنا بمعنى البعض لا أنها منصفة حقيقة لأن طَرفَ الدعاء أكثرُ، وقيل إنها منصفة حقيقة لأنها سبع آيات ثلاث ثناء من قوله الحمد لله إلى يوم الدين وثلاث دعاء من قوله اهدنا إلى آخرها، والآية المتوسطة نصفها ثناء ونصفها دعاء اهـ ابن الملك.
وعلى هذا الحساب لا تدخل البسملة في الفاتحة وهو مطلوب لنا، قال ملا علي: وتمسك أصحابنا بهذا الحديث على أن البسملة ليست من الفاتحة، وبوجه آخر وهو أنه ﷺ لم يذكر التسمية فيما حكاه عن الله اهـ من بعض الهوامش.
(ولعبدي ما سألـ) ـنيه (فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي) أي أثنى علي بربوبيتي (وإذا قال) العبد (الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي) بصفاتي وإنعامي (وإذا قال: مالك يوم الدين، قال) : (مجدني عبدي) أي عظمني بجلالي وسلطاني (وقال) رسول الله ﷺ أو أبو هريرة (مرة) أي تارة بدل مجدني (فوض) وأسند (إلي عبدي) جميع أمور مخلوقاتي (فإذا قال) العبد (إياك نعبد واياك نستعين قال) الله سبحانه (هذا) المقول الذي قاله العبد
стр. 2627
بَينِي وَبَينَ عَبْدِي وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. قَال: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأل".
قَال سُفْيَانُ: حَدثَنِي بِهِ الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ. دَخَلْتُ عَلَيهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيتِهِ، فَسَألْتُهُ أَنَا عَنْهُ
ــ
في هذه المرة مقسوم (بيني) يعني قوله إياك نعبد (وبين عبدي) يعني قوله وإياك نستعين (ولعبدي ما سأل) من الإعانة، وفي هذا بشارة عظيمة للعبد (فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قال) الله سبحانه (هذا) المقول خاص العبدي ولعبدي ما سأل) من الهداية (قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (حدثني به) أي بهذا الحديث (العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) حين (دخلت عليه) أي على العلاء لعيادته (وهو مريض) وقوله (في بيته) أي في بيت العلاء إما متعلق بدخلت لأنه الأقرب أو بحدثني لأنه الأسبق، وقوله (فسألته أنا عنه) معطوف على دخلت أي حين دخلْتُ علَيهِ فسأَلْتهُ أنا عنه أي عن حاله هل هو صالح أم لا أو حين دخلت عليه للعيادة فسألته عنه أي عن هذا الحديث، وقوله أنا تأكيد لضمير الفاعل، ومراد سفيان بذكر هذا الكلام التصريح بسماعه منه دفعا لما يُتوهم من العنعنة السابقة من الانقطاع والتدليس، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٠ ٢٥ و ٢٨٥] وأبو داود [٨١٩ و ٨٢٠] والترمذي [٢٩٥٤ و ٢٩٥٥] والنسائي [٢/ ١٣٥ - ١٣٦].
وفي المفهم: قوله (قسمت الصلاة) يعني أم القرآن سماها صلاة لأن الصلاة لا تتم أو لا تصح إلا بها، ومعنى القسمة هنا من جهة المعاني لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه وحاجته وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك، وهذا التَقْسِيمُ حجةٌ على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من الفاتحة خلافًا للشافعي وسيأتي قوله، وقوله (حمدني عبدي) أي أثنى علي بصفات كمالي وجلالي (ومجدني) شرفني أي اعتقد شرفي ونطق به، والمجد نهاية الشرف وهو الكثيرُ صفات الكمال والمجدُ الكثرة ومنه قوله: في كل شجر نار وَاسْتَمْجَدَ المَرْخ والعَفَارَ؛ أي كَثُر نارهما والمرخ شجر سريع الاشتعال، والعفار شجر يتخذ منه
стр. 2628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزناد، واستمجد استكثر، وهذا المثل يُضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض، قوله (وربما قال فوض إلي عبدي) أي يقول هذا ويقول هذا غير أن فوض أقل ما يقوله وليس شكًّا وهو مطابق لقوله مالك يوم الدين لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالمُلك إذ لا تبقى دعوى لِمُدع (والدين) الجزاء والحساب والطاعة والعبادة والمُلك، وقوله (نعبد) أي نخضع ونتذلل (ونستعين) نسألك العون (اهدنا) أرشدنا وثبتنا على الهداية (والصراط المستقيم) الذي لا اعوجاج فيه (والمنعم عليهم) هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون (والمغضوب عليهم) اليهود (والضلالُ) النصارى، كذا رُوي عن رسول الله ﷺ في حديث عدي ﵁ رواه أحمد [٤/ ٣٧٨] والترمذي [٢٩٥٣].
وإنما قال الله تعالى هنا "هذا بيني وبين عبدي" لأنها تضمنت تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طلب منه، وقوله فيما بقي من السورة "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" لأن العبد دعا لنفسه، وقال مالك بن أنس في قوله (فهؤلاء لعبدي) هي إشارة إلى أنها ثلاث آيات لا آيتان، وفي المنهاج قوله (قسمت الصلاة قسمين) قال العلماء: والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار، واحتج القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث وهو من أوضح ما احتجوا به، قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع فثلاث في أولها ثناء أولها الحمد لله وثلاث دعاء أولها اهدنا الصراط المستقيم والسابعة متوسطة وهي إياك نعبد وإياك نستعين، قالوا: ولأنه قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين الخ فلم يذكر البسملة ولو كانت منها لذكرها، وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة: أحدها أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا باعتبار حقيقة اللفظ، والثاني أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين، وقال العلماء أيضًا: قوله تعالى: (حمدني عبدي وأثنى علي ومجدني) إنما قاله لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال أثنى عليه في ذلك كله ولهذا جاء جوابًا للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية
стр. 2629
٧٧٣ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَس، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحْمَنِ؛ أنهُ سَمِعَ أبَا السائِبِ، مَوْلَي هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
والفعلية، وقوله وربما قال فوض إلي عبدي وجه مطابقة هذا لقوله مالك يوم الدين أن الله تعالى هو المنفرد بالمُلك في ذلك اليوم وبجزاء العباد وحسابهم، والدين الحساب وقيل الجزاء، ولا دعوى لأحد في ذلك اليوم ولا مجاز، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي ويدَّعِي بعضهم دعوة باطلة وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم هذا معناه فالله هو المالك والملك على الحقيقة للدارين وما فيهما ومن فيهما وكل من سواه مربوب له عبد مسخر ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى، وقوله تعالى: (فإذا قال العبد اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخر السورة (فهذا لعبدي) هكذا هو في صحيح مسلم وفي غيره فهؤلاء لعبدي، وفي هذه الرواية دليل على أن اهدنا وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان، وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أم لا؟ فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنها من الفاتحة وأنها آية واهدنا وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول إنها ليست من الفاتحة يقول اهدنا وما بعده ثلاث آيات وللأكثرين أن يقولوا قوله هؤلاء المراد به الكلمات لا الآيات بدليل رواية مسلم فهذا لعبدي وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين لأن هذا مجاز عند الأكثرين فيحتاج إلى دليل على صرفه من الحقيقة إلى المجاز، والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٧٣ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني (عن مالك بن أنس) الإمام المدني (عن العلاء بن عبد الرحمن) الجهني المدني (أنه سمع أبا السالب) الأنصاري مولاهم (مولى هشام بن زهرة) عبد الله بن السائب المدني (يقول سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ الحديث الآتي، روى عن أبي هريرة في الصلاة وأبي سعيد الخدري في ذكر الجان، والمغيرة بن شعبة، ويروي عنه (م عم) والعلاء بن عبد الرحمن، وبكير بن الأشج، وصيفي مولى ابن أفْلحَ، وأسماءُ بن عُبيد، قال في التقريب: ثقة من الثالثة.
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة فإنه بغلاني، وغرضه بسوقه
стр. 2630
٧٧٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) ح وَحَدثَنِي مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَام بْنِ زُهْرَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صلى صَلاة فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأم القُرْآنِ". بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ. وَفِي حَدِيثِهما:
ــ
بيان متابعة مالك بن أنس لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة ولكنها متابعة ناقصة، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٧٤ - (٠٠)(٠٠)(٠٠) (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني محمد بن رافع) بن أبي كثير القشيري النيسابوري وهو معطوف على قوله حدثنا قتيبة بن سعيد، قال (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، قال (أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، قال (أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الجهني المدني (أن أبا السائب) عبد الله بن السائب المدني الأنصاري مولاهم (مولى بني عبد الله بن هشام بن زهرة) وعبد الله بن هشام هذا أدرك النبي ﷺ وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال: هو صغير فمسح برأسه ودعا له اهـ من الإصابة وليس من رجال مسلم (أخبره) أي أخبر للعلاء بن عبد الرحمن (أنه) أي أن أبا السائب (سمع أبا هريرة يقول).
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة ولكنها متابعة ناقصة كالسند الذي قبله لأن مالك بن أنس وابن جريج رويا عن أبي هريرة بواسطة العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة، وسفيان روى عن أبي هريرة بواسطة العلاء عن أبيه عن أبي هريرة.
(قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة) فرضًا كانت أو نفلًا إمامًا كان أو غيره (فلم يقرأ فيها بأم القرآن") وساقا أي وساق مالك بن أنس وابن جريج (بمثل حديث سفيان) بن عيينة (و) لكن (في حديثهما) أي في حديث مالك بن أنس