[٤٨] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَال: حَدثني أَحْمَدُ -وَهُوَ ابْنُ يُونس-
ــ
تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ أي: كَتَبَ لهم في الأرض؛ إذْ كان لا يتكلم، وقيل: أوحى: رمز، وقال بعضُ اللغويين: وَحَى وأوحى واحد، وقاله صاحب "الأفعال") اهـ (١).
قلتُ: كأنّه أرادَ بـ (الوَحْي): ما في الصحيفة التي في قِراب سيف عليّ ﵁؛ تعريضًا إلى كثرة ما فيها.
وعبارة النووي هنا: (فقد ذَكَرَ الإمامُ مسلمٌ هذا الكلام في جملة ما أُنْكِرَ على الحارث، وجُرِّحَ به وأُخِذَ عليه من قبيح مذهبه وغُلُوِّه في التشيُّع وكَذِبِهِ، قال القاضي عِياض (٢) ﵀: وأرجو أن هذا من أخَفِّ أقواله لاحتماله الصوابَ، فقد فَسَّرَهُ بعضُهم بأن الوَحْيَ هنا الكتابةُ ومعرفةُ الخط قاله الخَطَّابي، يُقال: أوحى وَوَحَى إذا كَتَبَ، وعلى هذا: ليس على الحارث في هذا دَرَكٌ، وعليه الدَّرَكُ في غيره، قال القاضي: ولكنْ لمّا عُرِفَ قُبْحُ مذهبه وغُلوُّه في مذهب الشيعة ودعواهم الوصيَّةَ إلى عليّ ﵁ وسِرّ النبي ﷺ إليه من الوحي وعلم الغيب ما لم يَطَلِعْ غيرُه عليه بزعمِهمِ .. سِيئَ الظنُّ بالحارث في هذا، وذُهِبَ به ذلك المذهب، ولعلَّ هذا القائل فهِمَ من الحارث معنى منكرًا فيما أراده، والله أعلم) اهـ (٣).
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثانيًا المتابعةَ في أثرِ إبراهيم النَّخَعِي فقال:
[٤٨] (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ) وابنُ الشاعر (قال) الحَجَّاجُ: (حَدَّثَني أحمدُ) قال المؤلفُ رحمه الله تعالى: (وهو) أي: أحمدُ الذي روى عنه شيخي حَجَّاجٌ: أحمدُ (ابنُ يونس)؛ أي: أحمدُ بن عبد الله بن يونس المنسوبُ إلى جدِّهِ كما مرَّ آنفًا، وأتى بلفظ (هو) ولم يَقُلْ (أحمد بن يونس) إيضاحًا للراوي وإشعارًا بأن هذه
стр. 317
حَدَّثنا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ:
ــ
النِّسْبةَ ممّا زادَهُ من عند نفسه لا ممّا سمِعَهُ من شيخه، وتَحَرُّزًا من الكذب على شيخه بنِسْبَتِهِ إليه ما لَم يَقُلْه، وأتَى فيما قبله بلفظ (يعني) وهنا بلفظ (هو) -مع أن الغرضَ منهما واحدٌ- للتفنن، وهو عند البديعيين ذِكْرُ نوعَينِ من الكلام مع كَوْنِ المرادِ منهما واحدًا، لثِقَلِ تكرارِ أحدهما على اللسان، وهو من المحسنات البديعية اللفظية.
قال أحمد بن يونس: (حَدَّثَنا زائدةُ) بن قُدامة الثَّقَفي الكوفي (عن منصورِ) بن المُعْتَمِرِ بن عبد الله السلمي أبي عَتَّابٍ -بمثناة بعدها جاء موحدة- الكوفي، أحد الأئمة الأعلام المشاهير.
روى عن إبراهيم النَّخَعي وأبي وائل والحَسَن البصري وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأيوب وحصين بن عبد الرحمن والثوْري ومِسْعَر وزائدة وخَلْق.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ وكان لا يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وقولُه: (و) عن (المغيرةِ) بن مِقْسَم الضبيِّ الكوفي بالجرّ معطوفٌ على (منصور).
روى عن إبراهيم النخَعِي والشَّعْبي ومُجاهد وخلق، ويروي عنه (ع) وشُعْبةُ والثوْرِيُّ وزائدةُ وغيرُهم.
قال في "التقريب": ثقةٌ مُتقِنٌ إلا أنه كان يُدَلسُ ولا سِيما عن إبراهيم -ففائدةُ هذه المقارنة حينئذٍ: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأن المغيرةَ ضعيفٌ عن إبراهيم، من السادسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة على الصحيح.
كلاهما (عن إبراهيمَ) بن يَزِيد النَّخَعي الكوفي.
وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السَّنَدِ بيانُ متابعة منصورٍ للأعمش في رواية هذا الأثر عن إبراهيم، وكَرَّرَ المَتْنَ؛ لما بين الروايتَينِ من المخالفة، ومن لطائف هذا السند أيضًا: أن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا حَجَّاج بن الشاعر كما مَرَّ آنفًا.
стр. 318
أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ.
[٤٩] وَحَدَّثَنَا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزيَّاتِ قَال: سَمِعَ مُرةُ الْهَمْدَانِيُّ
ــ
وقولُه: (أن الحارثَ اتُّهِمَ) بفتح همزة أن: مفعولٌ ثانٍ لي (حَدَّثني حَجَّاجٌ)، أو لما بعده كما مَرَّ؛ أي: حَدَّثني حَجَّاجُ بن الشاعر بواسطة هؤلاء المشايخ: أن الحارث بن عبد الله الأعورَ اتُّهِمَ بالكَذِب والوَضع في حديثه؛ لغُلُوِّه في التشيُّع، وسِيءَ به الظن بأنه قصد بالوحي ما زعموا أن عَليًّا ﵁ اختص ببعضِ الوَحْي وعلمِ الغيب الذي أسَرَّ إليه النبي ﷺ مما لم يطلعه على غيره.
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ مُرّة الهَمْداني فقال:
[٤٩] (وحَدَّثنا قتيبةُ بن سعيدِ) بن جميلِ بن طَرِيف البَغْلاني، قال: (حَدثنا جرير) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط الكوفي، (عن حمزةَ) بن حَبيب بن عُمارة (الزيَّاتِ) -بالزاي وتشديد الياء نسبة إلى بَيع الزيت؛ لأنه كان يجلَب الزيتَ من الكوفة إلى حلوان- أبي عمارة الكوفي، أَحَدِ القُرّاء السبعة.
روى عن أبي إسحاق السَّبِيعي وأبي إسحاق الشيباني والأعمش وحَبيب بن أبي ثابت ومنصور بن المُعْتَمِر وغيرِهم، ويروي عنه (م عم) وابن المَبارك وجَرِير بن عبد الحميد وأبو أحمد الزبيري ومحمد بن فُضَيل ووَكِيع وخَلْق.
قال في "التقريب": صدوقٌ زاهدٌ ربما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة ست أو ثمانٍ وخمسين ومائة.
(قال) حمزةُ: (سَمِعَ مُرَّةُ) بن شَرَاحيل (الهَمْدَاني) بسكون الميم أبو إسماعيل الكوفي العابد يُقال له: مُرّة الطيب ومُرَّة الخير، لُقِّبَ بذلك لعبادته.
روى عن أبي بكرٍ وعُمَرَ وعليّ وأبي ذرٍّ وحُذَيفَة وابن مسعود وطائفة، ويروي عنه (ع) والشعْبِي وطلحة بن مُصَرِّف وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وعَمْرو بن مُرَّة وغيرُهم، وَثَّقهُ ابنُ مَعِين.
стр. 319
مِنَ الْحَارِثِ شَيئًا، فَقَال لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَال: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيفَهُ، قَال: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ
ــ
وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ من الثانية، مات سنة ستٍّ وسبعين، وقيل: بعد ذلك.
وليس في مسلم من اسمه (مُرَّة) إلَّا هذا الثقة.
تنبيه:
في هذا السند انقطاعٌ؛ لأن حمزة الزيَّات لم يُدْرِكْ مُرّة.
أي: سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ (من الحارثِ) الأعورِ (شيئًا) من الكلام ممَّا يَدُلُ على تشيُّعِه وكَذِبه ولم يُبيِّن ذلك الكلامَ (فقال) مُرَّةُ (له) أي: للحارثِ: (اقْعُدْ) في هذا المكان والْزَمْ (بـ) هذا (الباب) حتى أدْخُلَ البيتَ وأخرجَ إليك (قال) حمزةُ: (فدَخَلَ مُرَّةُ) البيتَ (وأخَذَ سيفَهُ) ليقتل الحارثَ كأنّه سمع منه ما يُوجبُ قَتْلَه (قال) حمزةُ: (وأحَسَّ الحارثُ بالشَّرِّ) والقتل الذي أراده؛ أي: عَلِمَ الحارَثُ بالقرينة بالشرِّ والضَّرَرِ الذي أراده؛ مُرَّة به (فذَهَبَ) الحارثُ وشَرَدَ ولم ينتظر خوفًا من إيقاع شَرِّه عليه، وإنفاذِ ضرره الذي أراده به، وهذا السَّنَدُ من رُباعياته، ورجالُه كُلُّهم كوفيون إلَّا قتيبة بن سعيد؛ فإنه بَغْلانِيٌّ كما مَرّ.
قولُه: (وأحَسَّ بالشرِّ) قال النوويُ: (هكذا ضبطناه من أصول محققة: "أحَسَّ" ووَقَعَ في كثيرٍ من الأُصول أو أكثرِها: "حَسَّ" بغير ألف، وهما لُغتان، ولكن "أَحَسَّ" أفصحُ وأشهرُ، وبها جاء القرآن العزيز، بمعنى "عَلِمَ" و"أيقَنَ" كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾.
وأمّا قولُ الفقهاء وأصحابِ الأصول: "الحاسّة والحواسّ الخمس" .. فإنما يَصِحُّ على اللغة القليلة: "حَسَّ" بغير ألف (١)، والكثيرُ في "حَسَّ" بغير ألف أن تكون بمعنى "قتَل" كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (٢).
стр. 320
[٥٠] وَحَدَّثَنِي عُبَيدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ
ــ
ثم استشهد المؤلِّفُ لِمَا مَرَّ أيضًا بأثَرٍ آخَرَ لإبراهيم فقال:
[٥٠] (وحَدَّثني عُبَيدُ اللهِ بن سعيدِ) بن يحيى اليَشْكُري مولاهم، أبو قُدامة السرخسي نزيل نيسابور الحافظ.
روى عن ابن عُيَينَة وحفص بن غِياث وأبي معاوية وابن مهدي، ويروي عنه (خ م س) وابن خُزَيمة والسرَّاج.
قال في "التقريب": ثقة مأمونٌ سُنِّيٌّ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين.
قال عُبَيدُ الله: (حَدَّثنا عبدُ الرحمنِ) قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: (يعني) ويقصد شيخي عُبَيدُ اللهِ بعبد الرحمن الذي رَوَى عنه: عبدَ الرحمنِ (ابنَ مَهْدِيِّ) بن حسان الأزدي مولاهم، أبا سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإِمام العلم، وأتى بلفظ (يعني) إشارةَ إلى أن هذه النِّسْبَة لم يسمعها من شيخه.
روى عن عُمر بن ذَرّ وعكرمة بن عمار وشُعْبة وحماد بن زيد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن المبارك وأحمد وابن مَعِين.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاثٍ وستين سنة كما مَرّ.
قال عبد الرحمن: (حَدَّثنا حَمَّادُ بن زيدِ) بن دِرْهَم الأزدي أبو إسماعيل الأزرقُ البصري الحافظ مولى آل جَرِير بن حازم، أحَدُ الأعلام.
روى عن أنس بن سيرين وثابت وأيوب وغيرِهم.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.
(عن) عبد الله (بنِ عَوْنِ) بن أرْطَبان -بفتح فسكونِ ففَتْحِ- المُزَنيِّ أبي عون البصري، أحَدِ الأعلام.
стр. 321
قَال: قَال لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهُمَا كَذَابَانِ
ــ
روى عن عطاء ومجاهد وإبراهيم النّخَعِي والشعْبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشُعْبة والثَّوْري وغيرهم.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فاضلٌ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة.
(قال) ابنُ عَوْن: (قال لنا إبراهيمُ) بن يَزِيد النَّخَعِي الكوفيُّ، من الخامسة، مات سنة ستٍّ وتسعين، عن خمسين سنة.
وهذا السَّنَدُ من خماسياته، ورجاله: ثلاثة منهم بصريون، وواحدٌ نيسابوري، وواحدٌ كوفي.
وقولُه: (إيّاكم) منصوبٌ على التحذير بعاملٍ محذوف وجوبًا؛ لِيقام المعطوف مقامَه (والمغيرةَ بنَ سعيدٍ وأبا عبد الرحيمِ) معطوفان عليه؛ أي: بَاعِدُوا أيُها الناسُ أنفسَكم عن رواية حديثِ المغيرةِ بن سعيد وحديثِ أبي عبد الرحيم (فإنَّهما كَذابانِ) في الحديث.
قال النووي: (وأمّا المغيرةُ بن سعيدِ: فقال النَّسائيُّ في كتابه "الضعفاء": هو كوفي دَجَّال، أُحرق بالنار زَمَنَ النَّخَعِيّ، ادعَى النبوة.
وأمّا أبو عبد الرحيم: فقيل هو شقيق الضبي الكوفي القاصّ (١)، وقيل: هو سلمة بن عبد الرحمن النَّخَعي، وكلاهما يُكنى أبا عبد الرحيم، وهما ضعيفان، وسيأتي ذِكْرُهما قريبًا أيضًا إن شاء الله تعالى) اهـ (٢).
وفي "الميزان" للذهبي (٤/ ١٦٠ - ١٦٢): (المغيرة بن سعيد البجلي: هو أبو عبد الله الكوفي الرافضي الكذَّاب، قال حماد بن عيسى الجهني: حدثني أبو يعقوب الكوفي سمعتُ المغيرة بن سعيد يقول: سألت أبا جعفر: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت برسول الله ﷺ خائفًا، وأصبح الناس كلهم برسول الله ﷺ آمنين، وقال حَمَّاد بن زيد عن ابن عَوْن قال لنا إبراهيم: إياكم
стр. 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمغيرةَ بنَ سعيدٍ وأبا عبد الرحيم فإنهما كَذَّابانِ.
وروى حَمَّاد عن الشعبي أنه قال للمغيرة بن سعيد: ما فَعَل حُبُّ علي؟ قال: في العَظْم والعَصَب والعُرُوق.
وقال شَبَابَةُ: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، سمعتُ المغيرة بن سعيد الكَذَّاب يقول: إن الله يأمر بالعدل "علي" والإحسان "فاطمة" وإيتاء ذي القربى "الحسن والحسين" وينهى عن الفحشاء والمنكر، قال: فلان أفحش الناس والمنكر فلان كأنه ذَكَرَ الشيخَين.
وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كَذابًا ساحرًا.
وقال الجوزجاني: قُتل المغيرة على ادعاء النبوة، كان أشعل النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة حتى أجابه خلق، قال الأعمش: فقلت: واللهِ لأسالنّه، فقلتُ: كان عَلِي يُحيي الموتى؟ فقال: إي والذي نفسي بيده لو شاء أحيا عادًا وثمود، قلتُ: مِنْ أين علمتَ ذاك؛ قال: أتيت بعض أهل البيت فسقاني شربةَ من ماء، فما بَقِيَ شيء إلَّا وقد عَلِمْتُه.
قال أبو معاوية: عن الأعمش قال: جاءني المغيرة بن سعيد، فلمُّا صارَ على عَتَبةِ الباب وَثَبَ إلى البيت فقلت: ما شأنك؟ فقال: إن حِيطانَكم هذه لخَبيثة، ثم قال: طوبى لمن يَرْوى من ماءِ الفُراتِ، فقلتُ: ولنا شراب غيره؟ قال: إنه يُلْقى فيه المحايضُ والجِيفُ، قلت: من أين تشرب؟ قال: من بئر، وكان ألحَنَ الناس فخرج يقول: كيف الطريقُ إلى بنو حَرام؟
قال أبو معاوية عن الأعمش قال: أوّل مَنْ سمعتُه يَنتقِص أبا بكرِ وعُمَرَ المغيرةُ المصلوبُ.
قال كَثيرٌ النوَّاءُ: سمعتُ أبا جعفر يقول: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان بن سمعان فإنهما كَذَبا علينا أهلَ البيت.
قال عبد الله بن صالح العجلي: حدثنا فُضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، قال: دخَلَ عليُّ المغيرةُ بن سعيد وكنتُ أُشَبُّهُ وأنا شابٌّ برسول الله ﷺ ، فذَكَرَ من قرابتي وَشَبَهي وأملَه في، ثم ذكر أبا بكر وعمر فلَعنهما فقلتُ:
стр. 323
[٥١] حَدَّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ،
ــ
يا عدو الله؛ أعندي؟ ! قال: فخَنَقْتُه خنقا حتى أدْلَع لسانه.
قال أبو عوانة عن الأعمش قال: أتاني المغيرة بن سعيد فذَكَر عليًّا ﵁ وذَكَر الأنبياءَ صلوات الله عليهم وسلامه ففَضَّلَه عليهم ثم قال: كان علي بالبصرة فأتاه أعمى فمسح على عينيه فأبصر، ثم قال له: أتُحب أن ترى الكوفة؟ قال: نعم، فحملت الكوفة إليه حتى نظر إليها، ثم قال لها: ارجعي فرجعت، فقلت: سبحان الله سبحان الله، فتركني وقام.
قال ابن عدي: لم يكن بالكوفة أَلْعَنُ من المغيرة بن سعيد فيما يُرْوَى عنه من الزور عن عليّ، هو دائمُ الكذب على أهل البيت، ولا أعرف له حديثًا مسندًا، وقال ابن حزم: قالت فرقةٌ عادية بنُبوَّة المغيرة بن سعيد، وكان -لَعنَهُ الله- مَوْلَى بَجِيلَة.
قال أبو بكر بن عياش: رأيتُ خالدَ بنَ عبد الله القسريَّ حين أُتِيَ بالمغيرة بن سعيد وأتباعِه فقتَل منهم رجلًا ثم قال للمغيرة أخيِه، وكان يُريهم أنه يُحيي الموتى، فقال: والله ما أُحيي الموتى، فأمَرَ خالدٌ بِطَنِّ قَصَبٍ فأضرم نارًا ثم قال للمغيرة: اعتنقْه، فأبَى، فعدا رجلٌ من أصحابه فاعتنقه والنارُ تَأكلُه، فقال خالد: هذا واللهِ أحَق منك بالرياسة، ثم قتَلَه وقتَلَ أصحابَه.
قلتُ: وقُتل في حدود العشرين ومائة.
وأما أبو عبد الرحيم: فهو كوفيّ زنديقٌ في زمن التابعين، ذكره الحاكمُ في كتاب "الإكليل".
وأمَّا شَقِيقٌ الضبيُّ: فهو من قدماء الخوارج صدوق في نفسه، وكان يَقُصُّ في الكوفة، وكان أبو عبد الرحمن السلمي يَذُمُّه ويزجر الناسَ عنه) اهـ من "ميزان الاعتدال" للذهبي.
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرّ أيضًا بأثَر عاصم بن بَهْدَلَة فقال:
[٥١] (حَدَّثَنا أبو كاملٍ) فُضَيل بن حُسَين -بالتصغير فيهما- ابنِ طلحة البصري (الجَحْدَرِي) بجيم مفتوحة، ثم حاء ساكنة، ثم قال مفتوحة، قال أبو سَعْد
стр. 324
حَدَّثنا حَمَّادٌ -وَهُوَ ابْنُ زَيدٍ- قَال: حَدّثَنَا عَاصِمٌ
ــ
السمعاني: (هو منسوبٌ إلى جَحْدَرٍ "اسمِ رجلًا") اهـ (١).
روى عن الحَمَّادَينِ وأبي عَوَانة وسُليم بن أخضر وغيرهم، ويروي عنه (خت م د) و (س) بواسطة زكريا السَّجزي والبَغَوي وجَمْع. وثقَه ابنُ حِبان.
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين.
قال أبو كامل: (حَدَّثَنا حَمَّادٌ) (قال المؤلفُ رحمه الله تعالى: (وهو) أي: حَمَّادٌ الذي روى عنه شيخي أبو كامل: هو حَمَّادُ (بن زيدِ) بن درْهَم -وأتى بـ (هُوَ) إشارةً إلى أنه لم يسمع هذه النِّسْبة من شيخه أبي كامل، بل ممّا زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي كما مرّ - الأزديُّ أبو إسماعيل الأزرق البصري.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيهُ، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.
(قال) حَمَّاد: (حَدَّثَنا عاصمُ) بن بَهْدَلة بفتح وسكون: اسم أمه، وقيل: أبوه، قاله ابن أبي داود (٢)، وهو ابنُ أبي النَّجُود -بفتح النون وضم الجيم- الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي، أحَدُ القُرّاء السبعة.
روى عن أبي وائل وأبي صالح السمَّان وحُمَيْد الطويل، وقرأ على أبي عبد الرحمن السُّلَمي وزِرٍّ وروى عنهما، ويروي عنه (خ م مقرونًا عم) وشُعْبة والسُّفْيانان وزائدة والحمادان وخَلْق، وثقَه أحمدُ والعِجْلِيُّ وأبو زُرْعة.
وقال في "التقريب": صدوق له أوهامٌ، حُجة في القراءة، وحديثُه في "الصحيحين" مقرونٌ -قرناه بآخر، وليس له عندهما غير حديثين (٣) - مات سنة ثمان وعشرين ومائة، من السادسة.
стр. 325
قَال: كُنَّا نأتِي أَبَا عَبْدِ الرحمنِ السُّلَمِي ونَحْنُ غِلْمَةٌ أَيفَاعٌ،
ــ
(قال) عاصمُ بن بَهْدَلَة: (كنَّا) معاشرَ الشباب (نأتي) ونجيءُ (أبا عبد الرحمن السُّلَمِي) بضمِّ السين، عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَةَ -بضم الراء وفتح الموحدة وكسر المثناة المشددة آخره هاء- الكوفي التابعي الجليل المقرئ، مشهورٌ بكُنْيته، ولأبيه صحبة.
روى عن عُمر وعثمان وعلى وابن مسعود وطائفة، ويروي عنه (ع) وإبراهيم النَّخَعي وعلقمة بن مَرْثد وعاصم بن بَهْدَلة، قال أبو إسحاق: أقْرَأَ القرآن في المسجد أربعين سنة، وثَّقَه النسائي.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية، مات بعد السبعين.
وهذا السَّنَدُ من رباعياته: اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان.
وجملةُ قوله: (ونحن غِلْمَةٌ أيْفَاعٌ) حالٌ من فاعل (نأتي) أي: كُنَّا نأتي إلى أبي عبد الرحمن السُّلَمي لاستماعِ الحديث وقراءةِ القرآن حالةَ كَوْنِنا غلمانًا أيفاعًا؛ أي: أولادًا شيبة.
وقولُه: (غِلْمَةٌ) بكسر الغين المعجمة وتسكين اللام: جمع غُلام، واسمُ الغلامِ يَقَعُ على الصبي من حين يُولَدُ على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ.
وقوله: (أيفاع) بفتح الهمزة وسكون الياء: جمع يافع؛ أي: شيبة (١).
قال القاضي عِياضٌ: (معناه: شَبَبة بالغون، يُقال: غُلامٌ يافع ويَفَعٌ ويَفعة -بفتح الفاء فيهما- إذا شبَّ وبَلَغ، أو كادَ أنْ يبلغ، قال الثعالبي: إذا قارَبَ البلوغ أو بلَغَه .. يُقال له: يافع وقد أيفع وهو نادر، وقال أبو عبيد: أيفع الغلام إذا شارف الاحتلامَ ولم يَحْتَلِم) (٢)، هذا آخر نقل القاضي عياض.
قال النووي: (وكان اليافعَ مأخوذٌ من اليَفَاع بفتح الياء، وهو ما ارتفع من الأرض، قال الجوهري: ويُقال: غلمان أيفاع ويفعة أيضًا) اهـ (٣).
стр. 326
فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ غَيرَ أَبِي الأَحْوَصِ، وإيَّاكُمْ وَشَقِيقًا،
ــ
(فكان) أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (يقولُ) إرشادًا (لنا) ونصيحةً: (لا تُجَالِسُوا القُصَّاصَ) أي: لا تجلسوا مع الذين يَقُصُّون القَصَصَ والأخبارَ؛ لأنه لا تخلو أخبارُهم عن الأكاذيب والأباطيل.
قال النووي: (والقُصَّاصُ بضم القاف: جمعُ قاصّ، وهو الذي يقرأ القَصَص والأخبارَ على الناس، قال أهل اللغة: القصة: الأمر والخبر، وقد اقتصصتُ الحديثَ إذا رويته على وجهه، وقصَّ عليه الخبر قَصصا بفتح القاف، والاسمُ أيضًا القَصَص بالفتح، والقِصص بالكسر اسم جمع للقصة) اهـ (١).
وفي "القاموس": (يقال: قصّ أثره قصا وقصصا تتبعه، وقص الخبر أعلمه وبينه ومنه قولُه تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصان الأثَرَ، ومنه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ نبيِّنُ لك أحْسَنَ البيانِ، والقاص: مَنْ يأتي ويخبر بالقصة) اهـ
أي: لا تجلسوا مع القُصاص كلهم (غيرَ أبي الأحوصِ) وأمثالِه من الثقات المأمونين، أمّا أبو الأحوص .. فاجلسوا معه واستمعوا حديثَه؛ لأنه ثقة مأمون.
(وأبو الأحوص) اسمه: عوف بن مالك بن نَضْلة -بفتح النون وسكون المعجمة -الجُشَمي -بضم الجيم وفتح المعجمة- الكوفي، مشهورٌ بكُنْيته.
روى عن أبيه وأبي موسى الأشعري، ويروي عنه (م عم) وأبو إسحاق وعبد الملك بن عُمَير وعاصم وخَلْق، وثَّقَهُ ابنُ مَعِين.
وقال في "التقريب": ثقة من الثالثة، قتَلَتْهُ الخوارجُ في أيام ولاية الحَجَّاج على العراق.
(وَإيَّاكم وَشَقِيقًا) أي: وبَاعِدُوا أنفسَكم أيُها الغلمانُ عن مجالسةِ شَقِيقٍ واستماعِ حديثِه وروايتِه؛ فإنه كَذَّابٌ لا يُؤْمَنُ في حديثه.
стр. 327
قَال: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَيسَ بأبِي وَائِلٍ.
[٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ
ــ
قال النووي: (وأمّا شَقِيقٌ الذي نُهِيَ عن مجالسته: فقال القاضي عِيَاضٌ (١): هو شقيق الضبِّيُّ الكوفي القاصُّ ضَعَّفَهُ النسائيُّ، كُنْيته أبو عبد الرحيم، قال بعضُهم (٢): وهو أبو عبد الرحيم الذي حَذَّر منه إبراهيم النَّخَعِيُّ قبل هذا آنفا، وقيل: إن أبا عبد الرحيم الذي حَذَّرَ منه إبراهيم هو سلمة بن عبد الرحمن النَّخَعِي، ذكر ذلك ابنُ أبي حاتم الرازي في كتابه عن ابن المَدِيني) اهـ (٣)
(قال وكانَ شَقيقٌ هذا) أي: الذي نَهَى عن مجالستِه أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (يَرَى) ويعتقدُ (رأيَ الخوارج) ومذهبَهم، وهم قومٌ خَرَجُوا على المسلمين حين افتراقهم بعد وقعة صِفّين، واستباحوا سَفْكَ دمائِهم وأخْذَ أموالِهم، فقَاتَلَهم علي ﵁ قَتْلَ استئصالٍ.
(وليس) شَقِيقٌ هذا (بأبي وائلٍ) أي: ليس هذا الذي نُهِيَ عن مجالسته بشَقِيق بن سلمة أبي وائل الأسديِّ المشهورِ المعدودِ في كبار التابعين ومن العلماء العاملين.
روى عن أبي بكر وعُمر وعثمان وعلي ومُعاذ بن جبل وطائفة، ويروي عنه (ع) والشعبي وعَمْرو بن مُرَّة ومغيرة بن مِقْسَم ومنصور وزُبَيد، تعلم القرآن في سنتين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ مُخَضرَمٌ، مات في خلافة عُمر بن عبد العزيز (٤)، وله مائة سنة رحمه الله تعالى.
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بأثَرِ جرير بن عبد الحميد فقال:
[٥٢] (حَدثنا أبو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، والمسموعُ في كتُبِ المحدِّثين ورواياتِهم غَسَّانُ بغير صرفٍ للعلمية وزيادة الألف والنون، وذكره
стр. 328
محمد بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، قَال: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِي فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ؛ كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ
ــ
ابن فارس في "المجمل" وغيرُه من أهل اللغة في باب (غسن) فالنون أصلية، وفي باب (غسس) فالنونُ زائدةٌ، وهذا تصريح بأنه يجوزُ صَرْفُه وتركُ صَرْفه، فمَنْ جَعَلَ النُّونَ أصليةً .. صَرَفه، ومَنْ جَعَلَها زائدةً .. لم يَصْرِفْه (١).
(محمدُ بن عَمْرِو) بن بَكْر بن سالم التميمي العَدَوي الطلاس (الرازِيُّ) المعروف بزُنيج بزاي ونون وجيم مصغرًا.
روى عن حَكَّام بن سَلْم وهارون بن المغيرة وطائفة، ويروي عنه (م د ق) وأبو حاتم -ووَثَّقَه- وأبو زرعة والحَسَن بن سفيان وغيرهم.
قال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات في آخر سنة أربعين ومائتين أو أوّل التي بعدها.
(قال) أبو غَسَّان: (سمعتُ جَرِيرًا) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي ثم الرازي، قال في "التقريب": ثقة من السابعة مات سنة ثمانٍ وثمانين ومائة، حالة كون جرير (يقول: لَقِيتُ جابرَ بنَ يَزِيدَ) بنِ الحارث (الجُعْفِيَّ) أبا عبد الله الكوفيّ، قال في "التقريب": ضعيف رافضي، من الخامسة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وفي "الميزان" (١/ ٣٨٤): (مات جابر سنة سبع وستين ومائة).
يروي عنه (د ت ق).
(فلم أكتُبْ) أنا (عنه) أي: عن جابرٍ الجُعْفِيِّ شيئًا من الحديث؛ لأنه (كان يُؤمِنُ) ويُصَدِّقُ ويعتقدُ (بالرجعة) قال النوويُّ: (هي بفتح الراء، قال الأزهريُّ وغيرُه: لا يجوزُ إلّا الفتح- وفي "القاموس": "ويؤْمِنُ بالرَّجْعة" بفتح الراء بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت - وأمَّا رجعةُ المرأةِ المُطلقة .. ففيها لغتان: الكسر والفتح.
стр. 329
[٥٣] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ
ــ
قال القاضي عِياض:
"وحُكي في هذه الرَّجْعة التي كان يُؤْمِنُ بها جابر الكسرُ أيضًا، ومعنى إيمانِه بالرَّجعة: هو ما تقولُه الرافضةُ وتعتقدُه بزَعْمِها الباطلِ أن عليّا ﵁ في السحاب -فسوف يرجع إلى الأرض وينزل إليها ويُقاتِل مَنْ قتَلَ أولادَه- فلا نخرج -لقتال معاوية- مع مَنْ يخرج من ولده حتى يُنادي من السماء: أنِ اخْرُجُوا معه، وهذا نوع من أباطيلهم الكاذبة، وعظيم مِن جهالاتهم اللائقةِ بأذهانِهم السَّخيفةِ وعُقُولهم الواهية" اهـ بزيادة وتصرف (١).
ثم ذَكَرَ المؤلفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْحِ جابرِ الجُعْفِي فقال:
[٥٣] (حَدثنا الحَسَنُ) بن علي بن محمَّد الهذلي أبو علي (الحُلْوَانِيُّ) المكي الحافظ، ثقة من الحادية عشرة مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
قال الحَسَنُ: (حَدثنا يحيى بن آدمَ) بن سُلَيمَان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي أحدُ الأئمّة الأعلام.
روى عن فِطْر بن خليفة ومالك بن مِغْوَل وإسرائيل والثَّوْري وجَرِير بن حازم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاق وعلي بن المَدِيني والحَسَن الحُلْواني وغيرُهم.
قال في "التقريب": ثقة حافظ من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين.
قال يحيى: (حَدثنا مِسْعَرُ) بن كِدام، بكسر أولهما، ابن ظهير بن عبيدة الهلالي أبو سلمة الكوفي، أحدُ الأعلام.
روى عن عطاء وسعيد بن أبي بُرْدة والحَكَم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وسُليمان التَّيمي وشُعْبة والثَّوْري وخلق، ثقة ثَبْت من السابعة، مات سنة ثلاثٍ أو خمس وخمسين ومائة.
стр. 330
قَال: حَدّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ.
[٥٤] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبِ، حَدّثَنَا الْحُمَيدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
ــ
ورجالُ السَّنَدِ ثلاثة: مكيٌّ وكوفيان، وغَرَضُه بسَوْقِهِ: بيانُ متابعة مِسْعَر لجريرٍ في جَرْح جابر بن يَزيد الجُعْفِيّ.
(قال) مِسْعَرٌ: (حَدَّثنا جابرُ بن يَزِيدَ) الأحاديثَ عن رسول الله ﷺ (قَبْلَ أنْ يُحْدِثَ) ويعتقدَ (ما أحْدَثَ) الآنَ واعتقَدهُ من الإيمان بالرَّجْعة، فتركنا الروايةَ عنه بعد ذلك، ودَلَّ هذا الأثَر بمفهومه: أن ما رواه المُحَدِّثُ قبل وقوع سبب الجَرْحِ منه .. يُقْبَلُ، وما بعدَه .. فلا، كما هو القاعدةُ عندهم.
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْح جابر الجُعْفي فقال:
[٥٤] (وحَدَّثني سَلَمَةُ بن شَبِيبِ) المِسْمَعي -بكسر الميم الأولين وفتح الثانية- النَّيسابوريُّ أبو عبد الرحمن الحافظ نزيل مكة.
روى عن أبي أسامة ويَزيد بن هارون وغيرهم، ويروي عنه (م عم) ومحمد بن هارون الرُّوياني.
قال في "التقريب": ثقة، من كبار الحادية عشرة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين.
قال سَلَمَةُ بن شَبيب: (حَدثنا الحُمَيديُّ) عبدُ اللهِ بن الزبير بن عيسى المكي أبو بكر.
قال في "التقريب": ثقة حافظ فقيه، أَجَل أصحاب ابن عُيَينَة، من العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل: بعدها، قال الحاكم: كان البخاري إذا وَجَدَ الحديثَ عن الحُمَيديّ .. لا يَعْدُوه إلى غيره، يروي عنه (خ من د ت س فق).
قال الحُمَيدِيُّ: (حَدَّثنا سفيانُ) بن عُيَينَة بن ميمون الهلالي أبو محمَّد الأعور الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، من الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.
стр. 331
قَال: كَانَ الناس يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ .. اتَّهَمَهُ النَّاسُ في حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ الناس، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَال: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ.
[٥٥] وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ،
ــ
ورجال هذا السَّندِ ثلاثة: واحد نيسابوريٌّ واثنان مكيان، وغَرَضُه بسَوْقِه: بيانُ متابعة سفيان لجريرٍ في جَرْحِ جابرِ أيضًا.
(قال) سفيانُ: (كان الناسُ يَحْمِلُون) الحديثَ ويَرْوُونَه (عن جابرِ) بن يَزِيد الجُعْفِي (قَبْلَ أنْ يُظْهِرَ ما أظْهَرَ) من اعتقادِه بالرَّجْعة (فلمّا أظْهَرَ) وأحْدَثَ جابرٌ (ما أَظْهَرَ) من اعتقاده بالرجعة ( .. اتهَمَه) أي: اتَّهَم جابرًا (الناسُ) من المُحَدِّثين، وارْتابُوا (في حديثِه، وتَرَكه) أي: وتَرَكَ حديثَه (بعضُ الناسِ) ورَفَضُوه ولم يَعْتَدُوا به.
(فقيل له) أي: لسفيان بن عُيَينَة: (وما أَظْهَرَ) جابر وأحْدَثَه؛ (قال) سفيانُ: أَظْهَرَ (الإيمانَ) والاعتقادَ (بالرَّجعة) أي: برجوعِ علي ﵁ إلى الأرض وقتالِه مَنْ قتَل أولادَه.
ثم ذكر المؤلِّفُ أيضًا المتابعةَ في جَرْحِ جابرٍ فقال:
[٥٥] (وحَدَّثنا حَسَنُ) بن على (الحُلْوَانيُّ) المكيّ، ثقة من الحادية عشرة.
قال الحَسَنُ: (حَدَّثنا أبو يحيى) عبدُ الحميد بن عبد الرحمن (الحِمَّانِيُّ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم، منسوب إلى حِمَّان وهي قبيلة من تميم، الكوفيّ، لَقَبُهُ بَشْمِينُ بفتح الموحدة وسكون المعجمة وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثمّ نون.
روى عن بُرَيْد بن أبي بُرْدة والأعمش والسُّفْيَانينِ وأبي حَنِيفة وجماعة، ويروي عنه (خ من د ت ق) وأبو بكر محمَّد بن خلف الحَدَّادي وأبو كُرَيب وخلق.
قال أحمدُ وابنُ سَعْد: كان ضعيفًا، وقال العِجْلِيُّ: كوفيّ ضعيف الحديث
стр. 332
حَدّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ: أنَّهمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ
ــ
مُرْجئ، وقال ابنُ مَعِين: كان ثقةً ولكنه ضعيف العقل.
وقال في "التقريب": صدوق يُخطئ ورُمِيَ بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة اثنتين ومائتين.
قال الحِمَّانِيُّ: (حَدَّثنا قَبِيصَةُ) -بفتح أوله وكسر الموحدة- ابن عُقْبة بن محمَّد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جُنَيدب بن رِئَابِ بن حَبيب بن سُوَاءة بن عامر بن صَعْصَعة السُّوائي -بضمِّ المهملة وتخفيف الواو والمد- أبو عامر الكوفيّ.
روى عن الثَّوْري وشُعْبة ويونس بن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس والجَرَّاح -والد وَكِيع- وحَماد بن سَلَمَة وخلق، ويروي عنه (ع) -البخاري بلا واسطة والباقون بواسطة- وابنُه عُقْبَةُ وأبو بكر بن أبي شيبة وهَنَّاد بن السَّرِي وجماعة.
قال في "التقريب": صدوق ربما خَالف، من التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومائتين على الصحيح.
وقولُه: (وأخوه) بالرفع بالواو معطوفٌ على (قَبيصةُ) أي: وحَدَّثَنا أيضًا سفيانُ بنُ عقبة السُّوائي الكوفي أخو قَبِيصة المذكور.
روى عن حُسَين المُعَلِّم ومِسْعَر والجَرَّاح بن مَلِيح وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وابن أخيه عُقْبة بن قَبِيصة بن عُقْبةَ وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيب وأبو يحيى الحِمّاني وغيرهم.
قال ابنُ مَعِين: لا بأس به، وقال العِجْلِيُّ: كوفي ثقة.
وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة.
وفائدة هذه المقارنةِ: تقويةُ السَّنَدِ؛ لأن كُلًّا من الراويَين صَدُوقٌ.
(أنهما) أي: أن قَبِيصةَ وأخاه سفيانَ بنَ عُقْبة (سَمِعَا الجَرَّاحَ بنَ مَلِيحٍ) -بفتح الميم وكسر اللام- ابن عدي بن فرس بن جُمحة بن سفيان بن الحارث بن عَمْرو بن عُبيد بن رؤاس الرُؤاسي -بضم الراء بعدها واو بهمزة وبعد الألف مهملة- والدَ وَكِيع.
стр. 333
يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ كُلُّهَا
ــ
روى عن أبي إسحاق السَّبِيعي وعطاء بن السائب وسِماك بن حَرْب وعاصم الأحول وغيرهم، ويروي عنه (بخ م د ت ق) وابنه وَكِيع وقَبِيصة وسفيان ابنا عُقْبة وابن مهدي وغيرهم.
قال ابنُ مَعين: ضعيف الحديث، وهو أمْثَلُ من أبي يحيى الحِمّاني، وقال الدَّارَقُطْنيُّ: ليس بشيءٍ وهو كثيرُ الوَهم، وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه ولا يُحْتَجُّ به، وقال النوويُّ: (وهذا الجَرَّاحُ ضعيفٌ عند المحدثين ولكنه مذكورٌ هنا في "المتابعات") اهـ (١).
وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، من السابعة، مات سنة خمس -وقيل: ست- وسبعين ومائة.
وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعةِ الجَرَّاح لجريرٍ في جَرْحِ جابر الجُعْفي، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيون، وهم ثلاثة: اثنان منهم ضعيفان، وواحدٌ صدوق.
حالة كون الجَراح (يقولُ: سمعتُ جابرًا) ابنَ يَزيد الجُعْفِيَّ حالة كون جابرٍ (يقولُ: عندي) أي: في حفظي (سبعون ألفَ حديثٍ) رَوَيتُها ونَقَلْتُها (عن أبي جعفرٍ) محمدِ بن علي بن الحُسَين بن علي بن أبي طالب المعروفِ بـ (الباقرِ)؛ لأنه بَقَرَ العِلْمَ؛ أي: شَقَّه وفتحَهُ فَعَرَفَ أصلَه وتمَكنَ فيه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وقولُه: (عن النبي ﷺ خبرٌ مُقَدَّم، وقولُه: (كُلُّها) مبتدأ مؤخر، والجملةُ الاسميةُ في محل الرفع صفةٌ لـ (سبعون)، أي: عندي سبعون ألف حديث مرويةٌ كُلُّها عن النبي ﷺ ، وهذا يقوله لعدم تَوَرُّعه، ولتَوَغُّلِهِ في الكَذِب.
стр. 334
[٥٦] وَحَدَّثَنِي حجاجُ بْنُ الشاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، قَال: سَمِعْتُ زُهَيرا يَقُولُ: قَال جَابِرٌ -أَوْ سَمِعْتُ جَابِرا يَقُولُ-: إِن عِنْدِي لَخَمْسِينَ
ــ
ثم ذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْح جابر الجُعْفي فقال:
[٥٦] (وحدثني حَجَّاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمَّد الذي يُقال له: (ابنُ الشاعر) الحافظ البغدادي، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة تسع وخمسين ومائتين.
قال حَجَّاج: (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي اليَرْبُوعي الكوفي -وقد يُنْسَبُ إلى جَدِّه كما هنا- ثقة حافظ من كبار العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون سنة، كما مر البسط في ترجمته.
(قال) أحمدُ بن يونس: (سمعتُ زُهَيرًا) وابنُ معاوية بنِ حُدَيج -بضمِّ المهملة الأولى مصغرًا آخره جيم- ابن الرُّحَيل بحاء مهملة مصغرًا- ابن زُهَير بن خيثمة الجُعْفي أبو خيثمة الكومي، أحَدُ الحُفاظ والأعلام، نزيلُ الجزيرة.
روى عن سِماك بن حَرْب والأسود بن قيس وزياد بن عِلاقة وخَلْق، ويروي عنه (ع) والقطان وابن مهدي وأبو نعيم وغيرهم.
قال شُعَيب بن حَرْب: زُهَير أحفظُ من عشرين مِثْل شُعْبة، وقال أبو زرعة: ثقة إلَّا أنه سَمعَ من أبي إسحاق بعد الاختلاط.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت، من السابعة، مات سنة اثنتين أو ثلاثٍ أو أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة مائة.
ورجالُ هذا السَّنَدِ ثلاثة: بغداديٌّ وكوفيان، وغَرَضُه بِسَوْقه: بيانُ متابعة زهير لجريرٍ في جَرْح جابر الجُعْفي.
أي: حالة كون زهير (يقولُ: قال جابر ... ) إلخ، وقال أحمد بن يونس (أو) قال زهيرٌ: (سمعتُ جابرًا يقولُ) والشك من أحمد بن يونس: (إن عندي لخمسين
стр. 335
أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا حَدّثْتُ مِنْهَا بِشَيءٍ، قَال: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بحَدِيثٍ فَقَال: هَذَا مِنَ الْخَمْسِينَ أَلْفًا.
[٥٧] وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْوَليدِ
ــ
ألفَ حديثٍ) وفي هذه الجملة تأكيد النسبة بثلاث مؤكدات: بأن، وباللام، وباسمية الجملة؛ تنزيلًا للمخاطبين منزلة المنكرين للنسبة (ما حَدّثْتُ) أي: ما أخبرتُ أحدًا من الناس (منها) أي: من تلك الخمسين ألفا (بشيءٍ) لا قليلٍ ولا كثيرٍ.
(قال) زُهَيرٌ: (ثُمَّ) بعد زمان من تلك المقالة (حَدّثَ) لنا (يومًا) من الأَيام (بحديثٍ) واحدٍ (فقال) جابرٌ: (هذا) الذي حَدَّثْتُهُ لكم الآن واحد (من) تلك (الخمسين ألفًا) التي كانت محفوظةً عندي، فكَذَبَ بمقالتِه هذه، وما عنده شيءٌ من الأحاديث الصحيحة فَضْلًا عن الخمسين ألفًا.
ثم ذكر المؤلِّفُ أيضًا المُتابعةَ في جَرْح جابر الجُعْفي فقال:
[٥٧] (وحَدَّثني إبراهيمُ بن خالدٍ اليشْكُرِيُّ) أفرده بعضُهم عن أبي ثَوْر، وقيل: هو أبو ثَوْر الفقيه صاحب الشافعي، وأنكر ذلك ابن خَلْفُون، فقال: هو غيرُ أبي ثَوْر، من الحادية عشرة.
روى عنه مسلمٌ في المقدمة عن أبي الوليد الطيالسي، وقال ابنُ خَلْفُون: لا أعرفُ اليَشْكُرِيَّ، ومَنْ ظَنَّ أنه أبو ثور .. فقد وَهِمَ، وقال الذهبيُّ: اليَشْكُرِي مجهول.
وأمّا أبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكَلْبي: فثقةٌ من العاشرة، روى عن ابن عُيَينة وأبي معاوية ووكيع والشافعي وصَحِبَهُ وغيرِهم، ويروي عنه أبو داود وابن ماجه ومسلمٌ خارج "الصحيح" وغيرُهم، مات سنة أربعين ومائتين.
(قال) إبراهيمُ بن خالد: (سمعتُ أبا الوليدِ) الطيالسي هشامَ بنَ عبد الملك الباهليَّ مولاهم، الحافظَ البصريَّ الإمامَ الحُجَّة.
روى عن عاصم بن محمَّد العُمري وزائدة واللَّيث ومالك وهَمَّام بن يحيى وخَلْق، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن راهويه الحنظلي ومحمد بن المثنّى وبندَار وابن سَعْد
стр. 336
يَقُولُ: سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنِ النبي ﷺ .
[٥٨] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدّثَنَا الْحُمَيدِيُّ،
ــ
وغيرهم، قال أحمد: مُتْقِنٌ، وهو اليومَ شيخُ الإِسلام، ما أُقَدِّمُ عليه أحدًا من المُحَدِّثين.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت، من التاسعة، مات سنة سبعٍ وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون.
أي: سمعتُ أبا الوليد حالة كونه (يقولُ) أي: أبو الوليد: (سَمِعْتُ سَلَّامَ بنَ أبي مُطِيع) سَعْدٍ، أبا سعيدٍ الخُزَاعِيَّ مولاهم، البصري.
روى عن أبي عِمْرَان الجَوْنيِّ وقتادة، ويروي عنه (خ م ت س ق) وابنُ مهديّ وابنُ المبارك ومُسَدَّدٌ وغيرُهم.
قال في "التقريب": ثقة صاحبُ سُنة، في روايته عن قتادة ضَعْفٌ، من السابعة، مات سنة أربع وستين، وقيل: بعدها.
حالة كون سلَّام (يقولُ: سَمِعْتُ جابرًا الجُعْفِيَّ) حالة كونه (يقولُ: عندي) أي: في حفظي أو في كتابي، وهو خبرٌ مُقَدَّمٌ لقوله: (خمسون ألفَ حديثٍ) مروية (عن النبي ﷺ لتَوَغُّلِهِ في الكذب على رسول الله ﷺ .
وغَرَضُ المؤلّفِ رحمه الله تعالى بسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعة سلام بن أبي مُطِيع لمن سَبق في جَرْحِ جابر الجُعْفي، ورجالُهُ ثلاثة: واحد منهم مجهول، واثنان ثقتان بصريان.
ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْء جابرٍ الجُعْفِيِّ فقال:
[٥٨] (وحَدَّثَني سَلَمَة بن شَبِيبٍ) المِسْمَعي أبو عبد الرحمن النيسابوري، نزيل مكة، ثقة، من كبار الحادية عشرة، مات سنة سبعٍ وأربعين ومائتين.
قال: (حَدثنا الحُمَيديُّ) عبدُ اللهِ بن الزبير بن عيسى المكي من العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومائتين.
стр. 337
حَدَّثنا سُفْيَانُ قَال: سَمِعْتُ رَجُلًا سَألَ جَابِرًا عَنْ قَوْلهِ : ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فَقَال جَابِرٌ: لَمْ يَجئْ تأويلُ هَذِهِ، قَال سُفْيَانُ: وَكَذَبَ، فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَال: إِن الرَّافِضَةَ
ــ
قال: (حَدَّثنا سفيانُ) بن عُيَينة بن ميمون الهلالي أبو محمَّد الأعور الكوفي ثم المكي، من الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة، ومَرَّ لك قريبا بحثُ هذا السَّنَدِ فرَاجِعْهُ.
(قال) سفيانُ: (سَمِعْتُ رجلًا) حالةَ كَوْنه (سَأَلَ جابرًا) الجُعْفِيَّ (عن) معنى (قوله عَزَّ) أي: اتَّصَفَ بجميعِ الكمالاتِ (وجَلَّ) أي: تنزَّهَ عن جميع النقائص (﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾) أُفَارِقَ (﴿الْأَرْضَ﴾) أرضَ مصر (﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾) والدَي بالعَوْدِ إليه (﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) بخَلاص أخي (﴿وَهُوَ﴾) (﴿خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾) أعدلُ الحاكمين بين عباده.
(فقال جابِرٌ) الجُعْفِيَّ في جواب السائل عن معنى الآية: (لم يَجِيءْ) ولم يَأتِ الآنَ (تأويلُ هذه) الآيةِ وتفسيرُها؛ فإنها ستُفسر تفسيرًا خارجيًّا ظاهرًا لكُل أحَد.
(قال سفيانُ) بن عُيَينَةَ: (وكَذَبَ) جابر الجُعْفِيُّ في قوله: لم يَأتِ تأويلُها الآن؛ فإنَّ الآية نَزَلَتْ في حكاية ما وَقَعَ لإخوةِ يوسف ﵇.
قال الحُمَيدِيُّ: (فقُلْنا لسفيانَ) بن عُيَينَة: (وما أرادَ) جابرٌ (بهذا؟ ) أي: بقوله: لم يَأتِ تأويلُها؛ أي: ما أرادَ بالتأويل الذي سيأتي؟ (فقال) سفيان: أراد بذلك ما تعتقده الرافضةُ من رأيهم الفاسدِ ومذهبهم الباطلِ، وذلك (إن الرافضةَ) وفي "شرح النووي": (سُمُّوا رافضةً من الرفض وهو الترك، قال الأَصْمَعِيُّ وغيرُه: سُمُّوا رافضةً لأنهم رفضوا زيدَ بن عليّ فتركوه) (١).
وفي "القاموس": (رَفَضَه يَرْفُضُه من بابي ضرب ونصر رَفْضًا بالتسكين، ورَفَضًا بالتحريك إذا تركه، والروافض: كل جُندٍ تركوا قائدهم، والرافضة: الفِرْقة منهم، وفِرْقة من الشّيعة بايعوا زيدَ بنَ عليٍّ ثم قالوا له: تَبَرَّأْ من الشيخين فأبَى وقال: كانا
стр. 338
تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا في السَّحَابِ، فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ عَلِيًّا أَنَّهُ يُنَادِي-: اخْرُجُوا مَعَ فُلانٍ، يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأويلُ هَذِهِ الآيَةِ، وَكَذَبَ؛ كَانَتْ في إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ
ــ
وزيرَي جَدِّي، فتَرَكُوْه ورَفَضُوه وارْفَضوا عنه، والنسبة إليه رافضي) اهـ
أي: فقال سفيانُ: إنَّ الرافضةَ؛ أي: الفِرْقةَ الذين رَفَضُوا وخَلَعُوا زيدَ بنَ عليٍّ (تقولُ) وتعتقد: (أن عليًّا) ابن أبي طالب ﵁ لم يَمُتْ بل هو مُسْتَتِرٌ (في السَّحَاب) والغيم ومستقرٌّ فيه، (فلا نَخْرُجُ) بفتح النون وضمّ الراء على صيغة المسند إلى المتَكلِّمين؛ أي: فلا نَخْرُجُ نحن على معاوية ولا نُقَاتِلُه (مَعَ مَنْ خَرَجَ) على معاوية بن أبي سفيان وقاتَلَه من الشيعة (مِنْ وَلَدهِ حتى يُنَادِيَ) وَيصْرُخ (مُنَادٍ من) جهة (السماء يُرِيدُ) جابرٌ بذلك المنادي من السماء (عَلِيًّا) وابنُ أبي طالب ﵁ (١).
وقولُه: (أنه) أي: أن عليًّا (يُنادي) من السماء: جملة في محل النصب بدل من (عليًّا)؛ أي: يُرِيدُ جابر أن عليًّا يُنادي ويقول في ندانه: (اخْرُجُوا) أيها الناس لقتال معاوية (مَعَ) ولدي (فُلانٍ) انتقامًا من معاوية لمَا فَعَلَ بأولادي من القَتْلِ الذريعِ.
(يقولُ جابر) الجُعْفِيُّ: (فذا) لك النداءُ الذي ناداهُ عليّ من السماء (تأويلُ) الإذنِ المذكورِ في (هذه الآيةِ) بقوله: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قال سفيانُ بن عُيَينَة: افْترَى (وكَذَبَ) جابر الجُعْفيُّ؛ لأنه (كانتْ) الآيةُ نَزَلَتْ (في) حكاية قصّة (إخوةِ يوسفَ) الصديقِ ابنِ يعقوبَ ﷺ .
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْحِ جابرٍ بوَجْهِ آخَرَ بالسَّندِ السابقِ، فقال:
стр. 339
[٥٩] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ، حَدَّثَنِي الْحُمَيدِيُّ، حَدّثَنَا سُفْيَانُ قَال: سَمِعْتُ جَابِرًا يحدث بِنَحْوٍ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيئًا وَأَن لِي كَذَا وَكَذَا
ــ
[٥٩] (وحَدَّثني سَلَمَةُ) بن شَبيب المِسْمَعيُّ النيسابوريُّ، قال: (حَدَّثني الحُمَيدي) عبدُ اللهِ بن الزبير المكيُّ، قال: (حَدثنا سفيانُ) بن عُيَينَة، (قال) سفيانُ: (سَمِعْتُ جابرًا) الجُعْفِيَّ (يحدث) ويروي عن النبي ﷺ (بنَحْو) أي: بقَدْر أو بقريبٍ (من ثلاثين ألفَ حديثٍ، ما أستَحِلُّ) أي: ما أحل أنا (أنْ أَذْكُر منها) أي: من تلك الثلاثين ألف حديث وأرويَ منها (شيئًا) لا قليلًا ولا كثيرًا لأحَدٍ من الناس (و) لو (أن لي) بسبب ذِكْرِها (كذا وكذا) من الأموال أو من حُمر النَّعَم؛ أي: ولو قُدِّرَ لي في مقابلةِ ذِكْرِها وروايتِها كذا وكذا من المكافأة بالأموال النفيسة.
تتمة فيما جرحوا به جابرًا الجُعْفِيَّ:
وروى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه قال: يا جابرُ؛ لا تموت حتى تكذب على النبي ﷺ ، قال إسماعيلُ: فما مَضَت الأيام والليالي حتى اتُّهِمَ بالكذب.
وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه قال: ترك يحيى القَطَّانُ جابرًا الجُعْفِي، وحدثنا عنه عبد الرحمن قديما ثم تركه بأخَرَةِ، وترك يحيى حديث جابر بأَخَرَة.
وقال أبو يحيى الحِمَّاني: سمعتُ أبا حنيفة يقول: ما رأيتُ فيمن رأيتُ أفضلَ من عطاءٍ ولا أكذبَ من جابر الجُعْفِي، ما أتيتُه بشيءٍ إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث لم يظهرها.
وقال جرير بن عبد الحميد عن ثعلبة قال: أردت جابرًا الجعفي، فقال لي لَيثُ بن أبي سُلَيم: لا تَأْتِه؛ فإنه كَذاب.
وقال النسائيُّ وغيرُه: متروك، وقال يحيى: لا يُكتب حديثه ولا كرامة، وقال أبو داود: ليس عندي بالقَوي في حديثه.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ألا تعجبون من سفيان بن عُيَينَة لقد تركتُ جابرًا لقوله لما حُكِيَ عنه أكثر من ألف حديث ثم هو يحدِّث عنهُ. وقال جريرُ بن
стр. 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبد الحميد: لا أستحلُّ أن أُحَدِّثَ عن جابر الجُعْفِي، كان يُؤْمِنُ بالرَّجْعة.
وقال ابنُ حِبان: كان جابر الجُعْفِي سيئًا من أصحاب عبد الله بن سَبَإ، كان يقول: إن عليّا يَرجِعُ إلى الدنيا.
وقال يحيى بن يعلى المحاربي: طَرَحَ زائدةُ حديثَ جابر الجُعْفِي وقال: هو كذَاب يُؤْمِنُ بالرَّجْعة.
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبي عن جدّي قال: إنْ كنتُ لآتي جابرًا الجُعْفِيَّ في وقتٍ ليس فيه خيارٌ ولا قِثّاءٌ، فيتحوَّلُ حولَ حوضه ثم يخرج إلي بخيارٍ أو قثّاء فيقول: هذا من بستاني.
وقال عباس الدُّوري عن يحيى: لم يَدعْ جابرًا مِمن رآه إلا زائدةُ، وكان جابرٌ كذابا ليس بشيء.
وقال شهاب بن عباد: سمعتُ أبا الأحوص يقول: كنتُ إذا مررتُ بجابر الجعفي .. سألت ربي العافية، وذكر شهاب أنه سمع ابن عُيَينَة يقول: تركتُ جابرًا الجُعْفِيَّ، وما سمعتُ منه قال: دعا رسولُ الله ﷺ عليا فعلّمه مما تعلّم، ثم دعا علي الحَسَنَ فعلّمه مما تعلّم، ثم دعا الحَسَنُ الحُسَينَ فعلَّمه مما تعلَّم، ثم دعا ولدَه حتى بلغ جعفر بن محمَّد قال سفيان: فتَرَكْتُهُ لذلك.
قال ابن عدي: حدثنا علي بن الحسن بن قديد، حدثنا عُبيد الله بن يزيد بن العوام، سمعتُ إسحاق بن مُظْهِر، سمعتُ الحُمَيدي، سمعتُ سفيان، سمعتُ جابرًا الجُعْفِيَّ يقول: انتقل العِلْمُ الذي كان في النبي ﷺ إلى علي، ثم انتقل من عليّ إلى الحَسَنُ، ثم لم يَزَلْ ينتقلُ حتى بلغ جعفرًا.
قال الشافعي: سمعتُ سفيان: سمعتُ من جابر الجعفي كلاما بادَرْتُ خِفْتُ أن يقع علينا السقفُ.
قال سفيان: كان يُؤْمِنُ بالرَّجْعة، وقال الجُوزجاني: كَذابٌ، سألتُ أحمدَ عنه فقال: تَرَكَه عبدُ الرحمن فاستراح.
وقال شعبة: عن جابر، عن عَمَّار الدُّهْنِي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس
стр. 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مرفوعًا: "مَنْ بنى لله مسجدًا ولو مِثْلَ مَفْحَصِ قَطاة .. بَنَى الله له بيتا في الجنة".
حدثنا يوسف بن يعقوب الضبعي، حدثنا سفيان وشعبة، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بَشير، قال رسول الله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف، وفي كل خطإ أرش".
حدثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أُتِيَ بضَبُعَةٍ من غزوةِ الطائف فجعلوا يضربونها بالعصا ويَرَوْن أنها ميتةٌ، فقال النبي ﷺ : "ضَعُوا فيها السكين واذكروا اسمَ اللهِ وكُلُوا".
قال إسماعيل السُّدّي: حدثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "كُتب عليَّ النحرُ ولم يُكتب عليكم، وأُمِرْتُ بصلاة الضُّحى ولم تُؤمروا".
قال الذهبيُّ: أجاز لي المسلم بن محمَّد وغيره أن الكندي أخبرهم قال: أنبأنا الشيباني، أنبأنا الخطيب، أنبأنا محمَّد بن الحسين القطان، أخبرنا الخُلْدي، حدثنا أحمد بن علي الخزّاز، أنبأنا أسيد بن زيد، حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجُعْفِي، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: دَخَلَ على الحَسَنُ والحُسَينُ فوهبتُ لهما دينارًا وشققتُ مرطي بينهما فردَّيتهما، فخرجا مسرورَينِ يضحكان، فلقيهما النبي ﷺ كفةَ كفةَ (١) فقال: "قُرَّةُ الأعْيُنِ! مَنْ كساكما ووهبكما دينارًا .. فجزاه الله خيرًا" قالا: أُمُّنا عائشةُ، قال: "صَدَقْتُما هيَ والله أُمُّكما وأُمُّ كُل مؤمن"، قالت: فوالله! ما صنَعْتُ، وما قال أحَبُّ من الدنيا وما فيها إلي.
هذا حديث منكر ورواته الثلاثة رافضية، ولكن لا يتهمون في نقل فضل عائشة ﵂، قال ابن عدي: عامَّةُ ما قذفوه به أنه كان يُؤْمِنُ بالرجْعة، وليس لجابر
стр. 342
قَال مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ قَال: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَال: نَعَمْ، شَيخٌ طَويلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ
ــ
الجُعْفِي في "سنن أبي داود" سوى حديثٍ واحدٍ في سجود السهو. اهـ من "الميزان" (١/ ٣٧٩ - ٣٨٣).
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لما مَرّ من جَرْح الرواة بقوله:
(قال مسلمٌ) وفيه من المحسنات البديعية التجريد، وهو: أن يُجَرِّدَ المتكلِّمُ من نفسه شخصًا مماثلًا لنفسه ويُخْبِرَ عنه كأنه غيرُه، والواوُ في قوله: (وسَمِعْتُ) عاطفةٌ على محذوفٍ تقديره: سمعتُ غيرَ أبي غسَّان وسمعتُ (أبا غسَّان محمدَ بَن عَمْرِو) ابن بَكْر بن سالم التميميَّ (الرازيّ) ثقة من العاشرة مات في آخر سنة أربعين ومائتين أو أول التي بعدها.
(قال) أبو غسَّان: (سألتُ جريرَ بنَ عبد الحميد) الضبِّيَّ الكوفي ثم الرازيَّ، ثقة. من السابعة مات سنة ثمانٍ وثمانين ومائة.
قال أبو غسَّان: (فقلتُ) لجرير بنِ عبد الحميد: (الحارث بن حَصِيرةَ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملَتينِ وآخره هاء.
ويجوزُ في (الحارث) الوجهان: الرفعُ، والنصبُ على الاشتغال.
وهو الحارث الأزدي أبو النعمان الكوفي، روى عن زيد بن وَهْب وعِكْرمة وطائفة، ويروي عنه (بخ مق ص عس) ومالك بن مِغوَل وعبد الله بن نُمَير.
قال أبو أحمد الزُّبَيري: كان يُؤْمِنُ بالرَّجعة، وقال يحيى بن مَعِين: ثقة خَشَبي، يُنسبون إن خَشَبةِ زيدِ بن عليّ لمّا صُلِبَ عليها، وقال النَّسائيُّ: ثقة، وقال ابنُ عدي: يُكتب حديثُهُ على ضَعْفِهِ، وهو من المتحرّقين بالكوفة في التشيُّع.
وقال في "التقريب": صدوق يُخطئ، ورُمي بالرَّفض، من السادسة، وله ذِكْرٌ في مقدمة مسلم.
أي: قال الرازيُّ: فقلتُ لجرير بن عبد الحميد: الحارث بن حَصيرة الكوفي هل (لَقِيتَه) ورأيته؟ فـ (قال) جريرٌ: (نَعَمْ) لَقِيتُه هو (شيخٌ طويلُ السُّكُوتِ) أي: كثيرُ الصَّمْتِ والسكوت (يُصِرُّ) ويستمرُّ ويدومُ (على أمْرٍ عظيمٍ) وهو التشيُّع فلا يتوب عنه ولا يُقلع.
стр. 343
[٦٠] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَال: حَدثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ قَال: ذَكَرَ أَيُوبُ رَجُلا
ــ
ثم استشهد المؤلِّف رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ من كَشْفِ معايب الرواة بأثَرِ أيوب السَّخْتِياني فقال:
[٦٠] (حَدَّثني أحمدُ بن إبراهيمَ) بن كثير بن زَيد البغداديُّ (الدَّوْرَقِيُّ) قال النوويُّ: (هو بفتح الدال والراء بينهما واوٌ ساكنة، نِسْبة إلى دَوْرَق بلدةٍ من بلاد فارس أو غيرها، وقيل: كان أبوه ناسكًا؛ أي: عابدًا، وكانوا في ذلك الزمان يُسَمُّون الناسكَ دَوْرقيًا، وهذا القول مَرْويٌّ عن أحمد الدَّوْرَقيّ هذا، وهو من أشهر الأقوال، وقيل: هي نِسْبَةٌ إلى القَلانِس الطِّوال التي تُسمى الدَّوْرَقية) اهـ (١).
وهو الحافظ الثقة أخو يعقوب.
روى عن هُشَيْم ويَزيد بن زُرَيع وحفص بن غِياث وابن مهدي وخَلْق، ويروي عنه (م د ت ق) وبقِيّ بن مَخْلَد وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويعقوب بن شَيبة وغيرُهم.
قال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومائتين. عن ثمان وسبعين سنة.
(قال) الدورَقيُّ: (حَدَّثني عبدُ الرحمنِ بن مَهْديِّ) بن حسان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري الحافظ الإِمام العَلَم.
قال في "التقريب": ثقة ثَبْت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاث وستين سنة.
(عن حمّادِ بنِ زيدِ) بن دِرْهَم الأزدي الجَهْضَمِيِّ، أبي إسماعيل البصري، ثقة ثَبْت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.
(قال) حَمَّادٌ: (ذَكَرَ أيوبُ) بن أبي تَميمة كَيسان السَّخْتياني أبو بكر البصري، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة؛ أي: ذَكَرَ أيوبُ لنا (رجلًا) من
стр. 344
يَوْمًا فَقَال: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ فَقَال: هُوَ يَزِيدُ في الرَّقْمِ.
[٦١] حَدَّثَنِي حجاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ،
ــ
المُحَدِّثين (يومًا) من الأيام؛ أي: ذَكَرَهُ بالجَرْح (فقال) أيوبُ السَّخْتياني: (لم يَكُنْ) ذلك الرجلُ (بمستقيمِ) أي: بقويمِ (اللسانِ) وصدوقِه، (وذَكَرَ) أيوبُ أيضًا رجلًا (آخَرَ) وجَرَحَه (فقال) أيوبُ: (هو) أي: ذلك الآخَرُ (يَزيدُ في الرَّقْم) أي: في رقم سعر البضاعة بأن يكتب على السِّلْعة ما قيمتُه عشرون بثلاثين، وما قيمتُه عشرة بخمسةَ عَشْرَة؛ ليغترَّ الناظرُ إلى ذلك الرقم بزيادة الثمن ويأخذه.
وعبارة السنوسي هنا: (قولُه: "هو يَزيدُ في الرَّقْمِ" وكذلك قولُه: (لم يَكُنْ بمستقيم اللسان" هذا كُلُّه كنايةٌ عن الكذب، وجَعَلَهُ في الأول كالتاجر الذي يَزيدُ في رقم السِّلْعة ويكذبُ فيها ليربحَ على الناس ويَغُرَّهم بذلك الرقم ويشتروا عليه) (١).
ورجالُ هذا السَّنَدِ أربعةٌ كُلُّهم بصريون إلا أحمد الدَّوْرَقيّ فبغدادي.
ثم استشهد المؤلِّف رحمه الله تعالى بأثَرٍ آخَرَ لأيوبَ فقال:
[٦١] (حَدَّثني حجاجُ) بن يوسف الثقفي الذي نِسْبَتُهُ (بن الشاعر) البغدادي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومائتين.
قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثنا سُلَيمَانُ بن حَرْبٍ) الأزْدي الوَاشِحي نسبة إلى وَاشِح بَطْن من الأزْدِ، البصري قاضي مكة، أحد الأئمّة الأعلام.
روى عن شُعْبة والحَمَّادَينِ وجَرِير بن حازم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعَمْرو بن علي الفلاس، وأحمد وغيرهم.
قال أبو حاتم: حَضَرْتُ مجلسَه ببغداد فحَزَرُوا مَنْ فيه أربعين ألف رجل.
قال في "التقريب": ثقة إمام حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله ثمانون سنة (٢).
стр. 345
حَدَّثَنَا حَمادُ بْنُ زيدٍ قَال: قَال أَيُّوبُ: إِن لِي جَارًا -ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ- وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَينِ .. مَا رَأَيتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً.
[٦٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافعٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشاعِرِ،
ــ
قال سُلَيمانُ: (حَدثنا حَمَّادُ بن زَيدِ) بن دِرْهَم الأزْدي أبو إسماعيل البصري، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة وله إحدى وثمانون سنة.
(قال) حَمَّادٌ: (قال أيوبُ) بن أبي تَميمة السَّخْتيانيُّ البصريُّ: (أن لي جارًا) من جيران داري (ثم ذَكَرَ) أيوبُ (من فَضْلِهِ) أي: من فَضْلِ ذلك الجار ومنقبته من صلاحه وعبادته وزهده ووَرَعِهِ وعِلْمه، ثم قال: (و) لكنْ (لو شَهِدَ عندي على تَمْرَتَينِ) أنهما لفُلانٍ فيما إذا حَصَلَتِ الخصومةُ فيهما ( .. ما رأيتُ شهادتَه) بهما أنهما لفُلانٍ (جائزةً) أي؛ مقبولةً مثْبِتَةً للحقِّ للمُدَّعي لقلَّةِ صِدْقِهِ، وهذا أيضًا كناية عن كَذِبِ ذلك الجار.
ورجالُ هذا السند أيضًا كُلُّهم بصريون إلا حَجَّاج بن الشاعر؛ فإنه بغدادي.
ثم استشهدَ المؤلِّف رحمه الله تعالى بأثَرٍ آخَر لأيوبَ أيضًا فقال:
[٦٢] (وحَدَّثني محمدُ بن رافع) القُشَيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري الحافظ أحد الرحالين.
روى عن وَكِيع وابن نُمَير وابن عُيَينَة وغيرهم، وَيرْوي عنه (خ م د ت س) وابنُ خُزَيمة وابنُ أبي داود وجماعةٌ.
قال في "التقريب": ثقة عابدٌ، من الحادية عشرة.
وقولُه: (وحَجَّاجُ بن الشاعرِ) الثقفيُّ: معطوفٌ على (محمدُ بن رافع)، وفائدةُ هذه المقارنةِ: بيانُ كثرةِ طُرُقِه.
стр. 346
قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَال: قَال مَعْمَر: مَا رَأَيتُ أَيُوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَط
ــ
(قالا) أي: قال كُلٌّ من محمد بن رافع وحَجَّاج بن الشاعر: (حَدَّثنا عبدُ الرزاق) ابن هَمَّام بن نافع الحِمْيري الصنْعاني أحَدُ الأئمة الأعلام.
روى عن ابن جُرَيج وهشام بن حسَّان ومَعْمَر ومالك وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاق وابن المَديني وغيرهم.
قال أحمد: مَنْ سَمعَ منه بعد ما ذَهَبَ بصرُه .. فهو ضعيفُ السماع، وقال ابنُ عدِيّ: لم نَرَ بحديثه بأسًا إلا أنهم نَسَبُوه إلى التشيُّع.
وقال في "التقريب": ثقة حافظ مصنِّفٌ شهيرٌ عَمِيَ في آخر عمره فتَغَيَّرَ، وكان يتشيَّع، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، عن خمس وثمانين سنة.
وليس في "صحيح مسلم" عبد الرزَّاق إلا هذا الثقة.
(قال) عبد الرزاق: (قال) لنا (مَعْمَر) وابنُ راشد الأزْدي مولاهم، أبو عُرْوة البصري، نزيل اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، أحد الأئمة الأعلام.
روى عن ثابت البُناني والزُّهري وهَمَّام بن مُنَبه وقتادة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأيوب وابن المبارك وغيرهم.
قال في "التقريب": ثقة ثَبْت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة أربعٍ وخمسين ومائة، وله ثمان وخمسون سنة.
أي: قال مَعْمَرٌ: (ما رأيتُ) أي: ما سمعتُ (أيوبَ) السَّخْتيانيَّ البصريَّ (اغْتَابَ) أي: ذَكَرَ بسوءٍ ونَقِيصَةٍ (أحدًا) من الناس.
وقولُه: (قَطُّ) ظرفٌ مستغرِقٌ لِمَا مَضَى من الزمان في محلّ النصب على الظرفية مبني على الضم تشبيهًا له بأسماء الغايات متعلّق برأيتُ بمعنى سمعتُ، والمعنى: ما سمعتُ أيوب السَّخْتياني في زَمَنِ من الأزمنة الماضية ذَكَرَ أحدًا من الناس بسُوءٍ
стр. 347
إلا عَبْدَ الْكَرِيمِ -يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ- فَإنهُ ذَكَرَهُ فَقَال: ﵀، كَانَ غَيرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ ثُمَّ قَال: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ
ــ
(إلا عبدَ الكريمِ) بنَ أبي المُخارِق المعلمَ البصريَّ نزيل مكة، واسم أبيه قيس، وقيل: طارق.
وقال في "التقريب": ضعيف، وله ذِكْرٌ في مقدّمة مسلم.
قال المؤلِّف رحمه الله تعالى: (يعني) ويقصدُ مَعْمَر بعبد الكريم: عبدَ الكريمِ المَكْنِيَّ (أبا أمَيّةَ؛ فإنه) أي: فإن أيوبَ (ذَكَرَه) أي: ذَكَرَ عبدَ الكريمِ بنَقِيصَةٍ (فقال) أيوبُ في ذِكْره بنَقيصة: ﵀ تعالى وأحْسَنَ إليه بالعَفْو عن كذبه (كان) عبدُ الكريمِ (غيرَ ثِقَةٍ) أي: غيرَ مأمونٍ في حديثه، واللهِ (لقد سألني) عبدُ الكريمِ (عن حديث لعكرمةَ) بنِ خالدٍ المخزوميِّ المكي فحَدَّثْتُهُ، (ثم) سمعتُه بعد ذلك (قال) أي: عبد الكريم للناس (سمعتُ عكرمةَ) يُحَدِّثُ كذا وكذا بلا واسطة، فنَفْيُ الواسطةِ بينه وبين عكرمة فيما سَمِعَهُ عن أيوب عن عكرمة يَدُلُّ على كذبه.
وقال السنوسيُّ: (قد يُقال: في التجريح بمِثْلِ هذا نظرٌ؛ لاحتمال أنه سمعه من عكرمة ثم نَسِيَه فسأل عنه، ثم ذَكَرَه بعدُ، والجوابُ: أنه عَرَف كَذِبَهُ بقرائنَ مُنْضَمَّةٍ إلى ذلك) (١).
وقال النوويُّ: (وهذا القَطْعُ بكذبهِ وكوبه غيرَ ثقةٍ بمثل هذه القضية قد يُستشكل من حيث إنه يجوزُ أن يكون سَمِعَه من عكرمة ثم نَسيَه، فسأل عنه ثم ذكره فرواه عنه، ولكنْ عَرَف كَذِبَه بقرائن.
وممَّن نَصَّ على ضَعْفِ عبد الكريم هذا: سفيانُ بن عُيَينَة وعبدُ الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمدُ بن حنبل وابنُ عدي، وكان عبدُ الكريم هذا من فضلاء فقهاء البصرة والله أعلم) اهـ (٢)
ورجالُ هذا السَّنَدِ منهم نيسابوريٌّ وصَنْعَانِيٌّ وبصري كما عرفتَ.
стр. 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
قال الذهبي: (وعبد الكريم بن أبي المُخَارِق البصري أبو أمية روى عن الحَسَن البصري وطاوس، ويروي عنه "ت س ق" (١) والثوري ومالك وجماعة.
قال مَعْمَرٌ: قال لي أيوبُ: لا تَحْمِلْ عن عبد الكريم أبي أُميّة؛ فإنه ليس بشيء، وقال الفَلَّاس: كان يحيى القطان وابنُ مهدي لا يُحَدِّثان عن عبد الكريم المُعلّم، وروى عثمان بن سعيد عن يحيى: ليس بشيء، وقال أحمد بن حنبل: قد ضرَبْتُ على حديثه، هو شِبْه المتروك، وقال النسائي والدارقطني: متروك.
وقال الحُميدي: حدثنا سفيان قلتُ لأيوب: يا أبا بكر؛ ما لك لم تُكْثِرْ عن طاوس؟ قال: أتيتُه لأسمع منه فرأيتُه بين ثقيلَين: عبد الكريم أبي أُميَّة ولَيث بن أبي سُلَيم فتركتُه.
قلتُ: وقد أخرج له البخاري تعليقًا ومسلمٌ متابعةَ، وهذا يَدُلُّ على أنه ليس بِمُطَّرحٍ.
قال أبو عُمر بن عبد البَرّ: بصري لا يختلفون في ضَعْفِهِ، إلّا أن منهم مَنْ يقبلُه في غير الأحكام خاصّة ولا يحتجّ به، وكان مُؤَدِّبَ كتابٍ، حسَن السَّمْتِ، غَرَّ مالكًا منه سَمْتُهُ، ولم يكن من أهل بلده فيعرفه، كما غَرَّ الشافعيَّ من إبراهيم بن أبي يحيى حِذْقُه
стр. 349
[٦٣] حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ،
ــ
ونَباهَتُه، وهو أَيضًا مُجْمَعٌ على ضَعْفِهِ، ولم يُخرِّج مالك عنه حُكْمًا بل ترغيبًا وفضلًا.
قال أبو الفتح اليَعْمُري (١): لكن لم يُخرج عنه مالكٌ إلَّا الثابت من غير طريقه كحديث: "إذا لم تَسْتَحِ .. فاصْنَعْ ما شئتَ"، "ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة"، وقد اعتذرَ مالكٌ لمّا تبيَّن أمره، وقال: غَرَّني بكثرة بُكائه في المسجد أو نحو هذا.
وقد مات هو وعبد الكريم الجزري الحافظ في عام سبعةٍ وعشرين ومائة، واشتركا في الرواية عن سعيد بن جُبَير ومجاهد والحَسَن، وروى عنهما الثَّوريُّ وابنُ جريج ومالك، وقد يشتبهان في بعض الروايات) اهـ من "الميزان" (٢).
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ قتادة في أبي داود الأعمى فقال:
[٦٣] (حَدَّثني الفَضْلُ بن سَهْلِ) بن إبراهيم الأعرج أبو العباس البغدادي الحافظ.
روى عن أبي أَحْمد الزُّبَيري ويَزيد بن هارون وعفَّان بن مسلم وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن مَخْلَد وغيرهم، وكان ذكيًّا يحفظ.
стр. 350
قَال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَال: قَدِمَ عَلَينَا أَبُو دَاوُودَ الأَعْمَى،
ــ
وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة خمسٍ وخمسين ومائتين.
(قال) الفَضْلُ: (حَدَّثنا عَفَّانُ بن مُسْلِمٍ) بن عبد الله الأَنْصَارِيّ أبو عثمان الصَّفَّار البَصْرِيّ أحد الأئمة.
روى عن هشام الدَّسْتَوائي وشُعْبة وهَمَّام بن يحيى وحَمَّاد بن سلمة وطبقتهم، ويروي عنه (ع) وإبراهيم الحربي وأبو زُرْعة وأَحمد وإسحاق وخلائق.
قال العِجْلِيُّ: ثِقَة ثَبْت صاحب سُنَّة.
وقال في "التقريب": ثِقَة ثَبْتٌ من كبار العاشرة، وقال ابنُ عدي: اختلط سنة تسع عشرة، ومات سنة عشرين ومائتين، قاله البُخَارِيّ وأبو داود ومُطَيَّن.
وليس في مسلم (عفَّان) إلَّا هذا الثقة الفاضل.
قال عفَّانُ بن مسلم: (حَدثنا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينار الأَزدِيّ العَوْذِي -بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- أبو عبد الله البَصْرِيّ، أحد الأئمة الأعلام.
روى عن الحَسَنِ وعطاء ونافع وأنس بن سيرين وغيرهم، ويروي عنه (ع) والثوري -وهو من أقرانه- وصفان وابن المبارك وابن مهدي وغيرهم.
وقال أَحْمد: ثَبْتٌ في كلِّ المشايخ، وقال أبو حاتم: ثِقَة صدوقٌ في حِفْظِهِ شيء.
وقال في "التقريب": ثِقَة، ربما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ومائة.
(قال) هَمَّامٌ: (قَدِمَ علينا) أي: دَخَلَ علينا في البصرة (أبو داود) أي: نُفَيع بن الحارث القاصّ (الأعمى) أي: المكفوف بصره، قال النوويُّ: (متَّفَقٌ على ضعْفِهِ، قال عَمْرو بن عليّ: هو متروك، وقال يحيى بن مَعِين وأبو زُرْعة: ليس هو بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وضَعَّفَه آخرون) اهـ (١).
стр. 351
فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، قَال: وَحَدَّثَنَا زَيدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقتَادَةَ فَقَال: كَذَبَ، مَا سَمعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ
ــ
(فَجَعَلَ) أبو داود؛ أي: شرع يُحَدِّثُ لنا الحديثَ و (يقولُ: حَدَّثنا البَرَاءُ) بن عازب بن الحارث الأَنْصَارِيّ الأوسي، أبو عمارة، نزل الكوفة، له ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث.
(قال) هَمَّامٌ (و) جعل يقول أَيضًا: (حَدَّثنا زيدُ بن أرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأَنْصَارِيّ الخزرجي الصحابي، نزل الكوفة، له تسعون حديثًا، وفي بعض النسخ إسقاط (قال) الثَّانية.
قال هَمَّامُ بن يحيى: (فَذَكَرْنا ذلك) الذي يقول أبو داود من روايته عن البراء وعن زيد بن أرقم (لقتادةَ) بن دعامة بن قتادة السَّدُوسي أبي الخطَّاب، البَصْرِيّ الأَكمَه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مفسِّر مدلِّس، من رؤوس الطَّبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومائة.
ورجالُ هذا السَّند كلهم بصريون إلَّا الفضل بن سهل؛ فإنَّه بغدادي.
(فقال) قتادةُ: (كَذَبَ) أبو داود فيما يقول لكم؛ لأنه (ما سَمعَ منهم) أي: من الصَّحَابَة، البراءِ بن عازب وزيدِ بن أرقم وغيرهما من سائر الصَّحَابَة ممَّن زَعَمَ أنَّه رَوَى عنهم، فإنَّه زعم أنَّه رأى ثمانية عشر بدريًّا، كما صرّح به في الرواية الأُخرى في الكتاب؛ أي: لم يسمع من واحدٍ من الصَّحَابَة بل (إنما كان ذلك) الأعمى فقيرًا محتاجًا (سائلًا) أي: طالبًا صَدَقَةً من المال.
وجملةُ قوله: (يَتكَفَّفُ النَّاسَ) صفةٌ لـ (سائلًا)؛ لأنَّ الجُمَلَ بعد النكرات تكون صفةً غالبًا؛ أي: سائلًا يسألُ النَّاسَ المال، باسطًا كفَّه إليهم كما هو شأن السائل.
وقولُه: (زَمَنَ طاعونِ الجارفِ) ظرفٌ متعلِّقٌ بـ (سائلًا)، وإضافةُ (طاعون) إلى (الجارف) من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع؛ أي: كان سائلًا مشغولًا بطلب المال لا بطلب الحديث في زمن الطاعون الجارف؛ أي: في زمن الوباء الذي جرف النَّاس واستأصلهم وأمات كثيرًا منهم من الصَّحَابَة وغيرهم في سنة
стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سبعٍ وثمانين على المشهور كما سيأتي بيانُ الخلاف فيه.
قال النوويُّ: (قولُه: "يَتكَفَّفُ الناسَ" معناه: يسألهم في كَفه أو بكفه، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ: "يتطفَّف" بالطاء المهملة، وهو بمعنى (يَتكَفَّفُ) أي: يسأل النَّاسَ في كَفهِ الطفيفَ وهو القليلُ، وذكر ابنُ أبي حاتم في كتابه "الجَرْح والتعديل" (٨/ ٤٩٠) (١) وغيره: "يَتنطَّف"، ولعلَّه مأخوذٌ من قولهم: ما تَنَطَّفْتُ بهِ؛ أي: ما تَلَطَّخْتُ به) (٢).
قولُه: (زمن طاعون الجارِف) قال النووي: (والطاعون: وَباء معروف، وهو بُثَرٌ وورَمٌ مؤلم جدًّا، يخرج مع لهب ويَسْوَدُّ ما حوله أو يَخْضَرُّ أو يحمرُّ حمرةً بنفسجيَّةً كَدِرَةً، ويحصلُ معه خفقانُ القلبِ والقيء) (٣).
قال القاضي عياض: (وسُمِّي الجارفَ لكثرة مَنْ مات فيه من النَّاس، وسُمي الموتُ جارفًا لاجترافه النَّاس، وسُمِّي السَّيلُ جارفًا لاجترافِه ما على وجه الأرض، والجَرْفُ: الغَرْفُ مِنْ فوق الأرض، وكَسْحُ ما عليها) (٤).
وقال النووي: (وأمَّا زمنُه: فقد اختلفتْ فيه أقوالُ العلماء رحمهم الله تعالى اختلافًا شديدًا متباينًا تباينًا بعيدًا:
فمنْ ذلك: ما قاله الإمامُ الحافظُ أبو عُمر بن عبد البَرّ في أول "التمهيد" (١/ ٣٤١) قال: مات أيوبُ السَّخْتيانيُّ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة في طاعون الجارف.
ونَقَلَ ابنُ قتيبة في "المعارف" (ص ٦١٠) عن الأصمعيّ: أن طاعون الجارف
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان في زمن ابن الزُّبير سنة سبع وستين (١)، وكذا قال أبو الحسن عليُّ بن محمَّد بن أبي سَيفِ المدائنيُّ في كتاب "التَّعازي": إن طاعون الجارف كان في زمن ابن الزُّبير سنة سبع وستين في شوال، وكذا ذكر الكَلابَاذِيُّ في كتابه في "رجال البُخَارِيّ" معنى هذا؛ فإنَّه قال: وُلدَ أَيُّوب السختياني سنة ستٍّ وستين، وفي قول: إنه ولد قبل الجارف بسنة.
وقال القاضي عِياض (٢) في هذا الموضوع: كان طاعون الجارف سنة تسع عشرة ومائة.
وذكر الحافظُ عبدُ الغنيِّ المَقْدِسِيُّ في ترجمة "عبد الله بن مُطَرِّف" (٣) عن يحيى القطَّان قال: مات مُطَرِّف بعد طاعون الجارف، وكان الجارفُ سنةَ سبعٍ وثمانين.
وذكر في ترجمة "يونس بن عُبيد": أنَّه رأى أنس بن مالك، وأنه وُلدَ بعد الجارف، ومات سنة سبع وثلاثين ومائة (٤).
فهذه أقوال متعارضة، فيجوزُ أن يُجمع بينها بأن كل طاعون من هذه الطواعين يُسمَّى جارفًا؛ لأنَّ معنى الجَرْفِ موجودٌ في جميعها.
وكانت الطواعين كثيرة، ذكر ابنُ قتيبة في "المعارف" (ص ٦٠١) عن الأصمعيّ: أن أول طاعون كان في الإِسلام طاعون عَمواس بالشَّام في زمن عُمر بن الخطاب ﵁، فيه تُوفِّي أبو عُبَيدة بن الجَرَّاح ومعاذ بن جبل وامرأتاه وابنُه.
ثم الجارِف في زمن ابن الزُّبير.
ثم طاعون الفَتيات؛ لأنه بدأ في العذارى والجواري بالبصرة وبواسط وبالشام والكوفة، وكان الحَجَّاج يومئذ بواسطٍ في ولاية عبد الملك بن مروان، وكان يُقال
стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له: طاعون الأشراف، يعني لِمَا مات فيه من الأشراف.
ثم طاعون عَدِيّ بن أرطأة سنة مائة.
ثم طاعون غُراب سنة سبع وعشرين ومائة، وغراب: اسم رجل.
ثم طاعون مسلم بن قتيبة سنة إحدى وثلاثين ومائة في شعبان وشهر رمضان وأقْلع في شوال، وفيه مات أَيُّوب السَّخْتياني، قال: ولم يَقَعْ في المدينة ولا بمكة طاعونٌ قط، هذا ما حكاه ابن قتيبة.
وقال أبو الحسن المدائنيّ: كانت الطواعينُ المشهورةُ العِظامُ في الإِسلام خمسةً: طاعونُ شِيرَوَيهِ بالمدائن على عهد النَّبِيّ ﷺ في سنة ستٍّ من الهجرة.
ثم طاعون عَمَواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وكان بالشَّام، مات فيه خمسةٌ وعشرون ألفًا.
ثم طاعون الجارف في زمن ابن الزُّبير في شوال سنة تسع وستين، هلك في ثلاثة أيام في كُلِّ يومِ سبعون ألفًا، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابنًا، ويقال: ثلاثةٌ وسبعون ابنًا، ومات لعبد الرَّحْمَن بن أبي بَكْرة أربعون ابنًا.
ثُمَّ طاعون الفَتيات في شوال سنة سبع وثمانين.
ثم كان طاعون في سنة إحدى وثلاثين ومائة في رجب، واشتدَّ في شهر رمضان، فكان يُحْصَى في سِكَّة المربد في كل يوم ألفُ جنازة أيامًا، ثُمَّ خَفَّ في شوال، وكان في الكوفة طاعون، وهو الذي مات فيه المغيرة بن شُعْبة سنة خمسين، هذا ما ذكره المدائني.
وكان طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة، وقال أبو زُرْعة الدمشقيُّ: كان سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة، وعَمَواس: قريةٌ بين الرملة وبيت المقدس نُسِبَ الطاعون إليها لكونه بَدَأَ فيها، وقيل: لأنه عَمَّ النَّاس وتَواسَوا فيه، ذكر القولين الحافظ عبدُ الغني في ترجمة "أبي عُبَيدَة بن الجَرَّاح ﵁" (١).
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعَمَوَاس بفتح العين والميم.
فهذا مختصر ما يتعلَّقُ بالطاعون، فإذا عُلِمَ ما قالوه في طاعون الجارف .. فإن قتادة وُلِدَ سنة إحدى وستين، ومات سنة سبع عشرة ومائة على المشهور، وقيل: سنة ثماني عشرة.
ويلزم من هذا: بُطْلَان ما فَسَّرَ به القاضي عِيَاضٌ رحمه الله تعالى طاعونَ الجارف هنا، ويتعيَّن أحدُ الطاعونَين، فإمَّا سنة سبع وستين، فإن قتادة كان ابنَ ستِّ سنين في ذلك الوقت ومِثْلُه يضبطُه، وإمَّا سنة سبعٍ وثمانين وهو الأظهرُ إنْ شاء الله تعالى، والله أعلم) اهـ (١).
ترجمة لأبي داود الأعمى:
نُفَيْع -بضمِّ أوله وفتح ثانيه مصغرًا - ابن الحارث، أبو داود الأعمى الهَمْدانيّ الدَّارمي القاصُّ، ويُقال له: السَّبيعي الكُوفيّ؛ لأنهم مواليه، وقد دَلَّسَهُ بعضُ الرواة فقال: نافع بن أبي نافع.
روى عن عمران بن حُصَيْن ومَعْقل بن يَسَار وأبي بَرْزَة الأسلمي وبُرَيدة بن الحُصَيب وابن عباس وابن عُمر وابن الزُّبير وزَيد بن أرقم وأبي الحَمْراء وأنس وعبد الله بن سَخْبَرة وغيرهم، ويروي عنه (ت ق) وأبو إسحاق -وهو أكبرُ منه- وابنُه يونس بن أبي إسحاق وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش وزياد بن خَيثَمة وعائذ الله المُجاشعي وعليبن الحَزَوَّر والثَّوْري والمسعودي وهَمَّام وأبو الأحوص وشَرِيك وغيرهم.
قال شريك: دخلتُ على أبي داود الأعمى فجعل يقول: سمعتُ أَبا سعيد وسمعتُ ابنَ عُمر وسمعتُ ابنَ عَباس، ثم أعادها في ذلك المجلس فجعل حديثَ ذا لذا وحديثَ ذا لذا.
وقال أَحْمد بن أبي يحيى: سمعت أَحْمد بن حنبل يقول: أبو داود الأعمى يقولُ: سمعتُ العبادلةَ ... ولم يَسْمَعْ منهم شيئًا.