Полный текст (11 982 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
٢٤٩ - (٦١) باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة زادها الله شرفًا
١٠٧٠ - (٤٨٦) (١٤٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ قَال: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ التِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ . فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ
ــ
٢٤٩ - (٦١) باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة زادها الله شرفًا
١٠٧٠ - (٤٨٦) (١٤٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الكوفي الصحابي الجليل ﵁. وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) البراء (صليت مع النبي ﷺ مستقبلًا (إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا) أو سبعة عشر شهرًا كما في الرواية الآتية، والصحيح سبعة عشر شهرًا من غير شك وهو قول مالك وابن المسيب وابن إسحاق، وقيل حولت بعد ثمانية عشر وقيل بعد سنتين، وروي بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر وهذان شاذان، والصحيح ما ذكرناه أولًا، وقوله (حتى نزلت الآية التي في) سورة (البقرة) غاية لصليت متعلق به أي صليت معه إلى بيت المقدس إلى نزول هذه الآية التي في سورة البقرة وهِيَ قولُه تعالى: (﴿وَحَيثُ مَا﴾) أي وفي أي مكان كنتم فيه (﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾) أي وجهوا وجوهكم في صلاتكم (﴿شَطْرَهُ﴾) أي شطر المسجد الحرام وجهته لأنه قبلتكم المستمرة إلى يوم القيامة (فنزلت) هذه الآية، والظرف في قوله (بعدما صلى النبي ﷺ متعلق بانطلق المذكور بعده لأن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا وحذفًا، والتقدير فنزلت هذه الآية فصلى رسول الله ﷺ صلاة العصر إلى مكة (فانطلق رجل) هو عباد بن بشر، وقيل عباد بن نَهِيكٍ (من القوم) الذين صلوا مع رسول الله ﷺ صلاة العصر (بعدما صلى النبي ﷺ أي
стр. 3047
فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ يُصَلُّونَ. فَحَدَّثَهُمْ. فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيتِ
ــ
بعدما فرغ النبي ﷺ من صلاته العصر إلى مكة (فمر) ذلك الرجل (بناس من الأنصار) في داخل المدينة وهم بنو حارثة (وهم) أي والحال أنهم (يصلون) صلاة العصر ذلك اليوم إلى الشام وهم أهل مسجد القبلتين (فحدثهم) أي فحدث ذلك الرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ العصر أولئك الأنصار بأن رسول الله ﷺ حول إلى مكة (فولوا) أي فوجه أولئك الأنصار (وجوههم) وهم في صلاة العصر (قبل البيت) أي إلى جهة مكة وهم أهل مسجد القبلتين فصلوا صلاة واحدة إلى القبلتين بيت المقدس أولًا والكعبة ثانيًا.
قال الحافظ في الفتح: وقع في تفسير ابن أبي حاتم من طريق تُوَيلَة بنت أسلم صليتُ الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة "وهو مسجد القبلتين" فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين أي ركعتين ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ﷺ قد استقبل البيت الحرام فانحرفوا وهم في ركوعٍ إلى الكعبة بأن تحول الإمام من مقدم المسجد إلى مؤخره ثم تحولت الرجال حتى صَارُوا خلفه وتحولت النساء حتى صِرْنَ خَلْفَ الرجال، وقد وَقَع بيانُ كيفية الانحراف والتحول في حديث تويلة، قالت: فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء.
قال الحافظ: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخرة المسجد لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون قد اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة أو وقعت الخطوات غير متوالية عند التحول بل مفرقة انتهى اهـ من تحفة الأَحوَذِيِّ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٢٨٨] والبخاري [٤٠] والترمذي [٢٩٦٦] والنسائي [١/ ٢٤٣] وابن ماجه [١٠١٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث البراء ﵁ فقال:
стр. 3048
١٠٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ. جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ. حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ؛ قَال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: صَلَّينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَحْوَ بَيتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ.
١٠٧٢ - (٤٨٧) (١٤٧) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ
ــ
١٠٧١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (وأبو بكر) محمد (بن خلاد) الباهلي البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (جميعًا عن يحيى) بن سعيد القطان التميمي البصري (قال ابن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي (حدثني أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (قال) أبو إسحاق (سمعت البراء) بن عازب الأنصاري الكوفي. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان، غرضه بسوقه بيان متابعة سفيان الثوري لأبي الأحوص في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع والمقارنة، حالة كون البراء (يقول صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس) أي جهته (ستة عشر شهرًا أو صبعة عشر شهرًا) بالشك من الراوي (ثم صُرِفْنَا) على صيغة المجهول أي حَوَّلَنا الله (نحو الكعبة) أي جهة الكعبة المشرفة أي أمرنا بالاستقبال في صلاتنا إلى جهة مكة المكرمة، قال القاضي عياض: وفي الحديث جواز النسخ، وأجمع عليه المسلمون إلا طائفة من المبتدعة لا يُعْبَأ بها، قال الأبي: وطائفة من المسلمين ردوا ما جاء منه إلى التخصيص، وجمهور اليهود على أنه ممتنع عقلًا لأنه يلزم عليه البداء وهو على الله محال، ومنعه بعضهم سمعًا وزعم أن موسى ﵇ نص على بقاء شريعته ما بقيت السموات والأرض وهذه الحجة لقنها لهم ابن الراوندي لعنه الله تعالى وهي كاذبة، قال القاضي: وفي الحديث قبول خبر الواحد وهو مذهب جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث البراء بحديث ابن عمر ﵄ فقال:
١٠٧٢ - (٤٨٧) (١٤٧) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي، صدوق، من (٩)
стр. 3049
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: بَينَمَا النَّاسُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَال: إِن رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيهِ اللَّيلَةَ. وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا
ــ
(حدثنا عبد العزيز بن مسلم) أبو زيد القسملي نسبة إلى محلة بالبصرة تسمى بالقساملة، روى عن عبد الله بن دينار في الصلاة، ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي سنان ضرار بن مرة في الصوم، ويروي عنه (خ م د ت س) وشيبان بن فروخ وعبد الصمد بن عبد الوارث وإسحاق بن عمر بن سليط وابن مهدي والقعنبي، وثقه ابن معين والعجلي وابن نمير، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال في التقريب: ثقة عابد ربما وهم، من السابعة، مات سنة (١٦٧) سبع وستين ومائة (حدثنا عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني، ثقة من (٤) (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما العدوي المكي. وهذا السند من رباعياته رجاله واحد منهم مكي وواحد مدني وواحد بصري وواحد أبلي (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (واللفظ) الآتي (له) أي لقتيبة لا لشيبان (عن مالك بن أنس) المدني (عن عبد الله بن دينار) المدني (عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند أيضًا من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد بلخي (قال) ابن عمر (بينما الناس في صلاة الصبح) أي بينما أوقات كون الناس في صلاة الصبح (بقباء) موضع بقرب مدينة رسول الله ﷺ من جهة الجنوب على ميلين يقصر ويمد ويصرف ولا يصرف كما في المصباح أي في مسجد قباء (إذ جاءهم آت) بالمد وهو عباد بن بشر، وإذ فجائية رابطة لجواب بينما أي بين أوقات كون الناس في صلاة الصبح فاجأهم مجيء آت من المدينة (فقال) ذلك الآتي (أن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة) قرآن كما هو مصرح به في رواية البخاري بالتنكير لأن القصد منه البعض يعني قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآيات وأطلق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا (وقد أمر) ﷺ بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (أن) أي بأن (يستقبل) أي باستقبال (الكعبة) المشرفة أي جهتها (فاستقبلوها) بفتح الموحدة عند جمهور الرواة على أنه فعل
стр. 3050
وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشامِ. فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَة
ــ
ماض، وقوله (وكانت وجوههم) أولًا موجهة (إلى) جهة (الشام) تفسير من الراوي للتحول المذكور، والضمير في فاستقبلوها ووجوههم لأهل قباء أو للنبي ﷺ ومن معه، وفي رواية (فاستقبِلوها) بكسر الموحدة بصيغة الأمر، والضمير لأهل قباء، قال النواوي: والكسر أفصح وأشهر وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده اهـ، قال القسطلاني: ويؤيده ما عند البخاري في التفسير "وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها" (فاستداروا) أي تحول أهل قباء من الشام (إلى الكعبة) وهم في صلاتهم بأن تحول الإمام من مكانه مقدم المسجد إلى مؤخره، ثم تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال كما مر بيانه، واستشكل هذا لما فيه من العمل الكثير في الصلاة، وأجيب باحتمال وقوعه قبل التحريم أو لم تتوال الخطأ عند التحويل بل وقعت مفرقة. واستنبط من الحديث أن الذي يؤمر به ﵊ يلزم أمته وأن أفعاله يُؤْتَسَى بها كأقواله حتى يثبت دليل على الخصوصية وأن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه وقبول خبر الواحد اهـ قسطلاني. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٤٠٣] والترمذي [٣٤١] والنسائي [٢/ ٦١].
وقال الحافظ: وهذا الحديث لا يعارض حديث البراء في الصحيحين أنهم كانوا في صلاة العصر لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة وذلك في حديث البراء ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء وذلك في حديث ابن عمر اهـ.
قلت: ها هنا اختلاف آخر وهو أنه وقع في رواية الترمذي (فصلى معه ﷺ رجل) وفي حديث عمارة بن أوس أن التي صلاها النبي ﷺ إلى الكعبة إحدى صلاتي العشي، وهكذا في حديث عمارة بن رويبة وحديث تويلة، وفي حديث أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر، والجمع بين هذه الروايات أن من قال إحدى صلاتي العشي شك هل هي الظهر أو العصر، وليس من شك حجة على من جزم، فنظرنا فيمن جزم فوجدنا بعضهم قال الظهر وبعضهم قال العصر ووجدنا رواية العصر أصح لثقة رجالها وإخراج البخاري لها في صحيحه، وأما حديث كونها الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان وهو مختلف فيه، وأما رواية أن أهل قباء كانوا في صلاة الصبح فيمكن أنه أبطأ الخبر عنهم إلى صلاة الصبح كذا في النيل اهـ تحفة الأحوذي.
стр. 3051
١٠٧٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: بَينَمَا النَّاسُ فِي صَلاةِ الْغَدَاةِ. إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
١٠٧٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني نسبة إلى الحديثة بلد على الفرات، صدوق مدلس، من (١٠) مات سنة (٢٤٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثني حفص بن ميسرة) العقيلي مصغرًا نسبة إلى عقيل بن كعب الصنعاني نسبة إلى صنعاء اليمن أو الشام، ثقة، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٥) أبواب (عن نافع) العدوي مولاهم أبي عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، من (٣) روى عنه في (١٢) بابا (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي أبي عبد الرحمن المكي رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد صنعاني وواحد هروي، وغرضه بسوقه بيان متابعة موسى بن عقبة لمالك في رواية هذا الحديث عن ابن عمر ولكنها متابعة ناقصة، وقوله (وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر) معطوف على قوله عن نافع لأن موسى بن عقبة له شيخان نافع وعبد الله بن دينار (قال) ابن عمر (بينما الناس في صلاة النداة) أي الصبح (إذ جاءهم رجل) وساف موسى بن عقبة (بمثل حديث مالك) وهذا بيان لمحل المخالفة بين الروايتين، وقوله (في صلاة الغداة) قال النواوي: فيه جواز تسمية الصبح غداة وهذا لا خلاف فيه، لكن قال الشافعي رحمه الله تعالى: سماها الله تعالى الفجر، وسماها رسول الله ﷺ الصبح فلا أحب أن تسمى بغير هذين الاسمين اهـ.
وفي هذا الحديث دليل على جواز تنبيه من ليس في صلاة لمن فيها وفتحه عليه، وفيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة، ومراعاة السمت لاستدارتهم لأول الأمر قبل وقوعهم على موضع عينها ولا خلاف أن المطلوب عينها مع المشاهدة، وفيه الاجتهاد بحضرته ﷺ وفي ذلك خلاف وأنه لا يثبت حكم إلا بدليل اهـ أبي. قال الطحاوي: وفيه أن من لم تبلغه الدعوة ولا علم بفرض ولا أمكنه استعلام أن الفرض ساقط عنه والحجة غير قائمة عليه، واختلف فيمن أسلم ببلد الحرب أو أطراف بلاد
стр. 3052
١٠٧٤ - (٤٨٨) (١٤٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيتِ الْمَقْدِسِ. فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَمَزَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ. وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً. فَنَادَى: أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ
ــ
الإسلام ولا عَلِمَ أن الله سبحانه فرض شيئًا ولا وجد من يسأل ثم علم بعد ذلك فقال مالك والشافعي وآخرون يلزمه قضاء ما مر عليه من صلاة وصيام لأنه قادر على البحث والخروج، وقال أبو حنيفة: إن أمكنه تعلم ذلك فلم يفعل قضى لأنه فرط وإلا لم يلزمه إذ لا يلزم فرض لمن لم يعلمه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث البراء بحديث أنس ﵄ فقال:
١٠٧٤ - (٤٨٨) (١٤٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري أبو عثمان البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار التميمي أبو سلمة البصري، ثقة، من (٨) (عن ثابت) بن أسلم البناني أبي محمد البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) (عن أنس) بن مالك الأنصاري البصري. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا أبا بكر بن أبي شيبة (أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت) آية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فمر رجل من بني سلمة) ممن صلى مع النبي ﷺ وهو عباد بن بشر كما مر على أهل قباء وهم بنو عمرو بن عوت (وهم) أي والحال أنهم (ركوع) أي راكعون (في صلاة الفجر و) الحال أنهم (قد صلوا ركعة) من الصبح (فنادى) الرجل القوم المصلين فقال لهم (ألا) أي انتبهوا واسمعوا ما أقول لكم (إن القبلة) التي هي بيت المقدس (قد حولت) ونسخت أي إن الاستقبال في الصلاة حول من الشام إلى مكة (فمالوا) أي فمال القوم المصلون لما سمعوا كلامه كما هم) أي على الحال التي كانوا عليها من هيئة
стр. 3053
نَحْوَ الْقِبْلَةِ
ــ
الركوع من جهة الشام (نحو القبلة) أي جهة القبلة الناسخة يعني إلى جهة مكة المكرمة زادها الله شرفًا، وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات ولكن رواه ابن أبي شيبة في مسنده. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث البراء ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أنس ذكره للاستشهاد أيضًا.
***
стр. 3054
٢٥٠ - (٦٢) باب النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذها مساجد ولعن فاعله وعن التصاوير فيها
١٠٧٥ - (٤٨٩) (١٤٩) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ. أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَالشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَينَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاويرُ، لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن أُولَئِكِ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ،
ــ
٢٥٠ - (٦٢) باب النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذها مساجد ولعن فاعله وعن التصاوير فيها
١٠٧٥ - (٤٨٩) (١٤٩) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي أبو سعيد البصري (حدثنا هشام) بن عروة بن الزبير الأسدي المدني (أخبرني أبي) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد نسائي (أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين مشهورة بكنيتها لها خمسة وستون حديثًا (٦٥) اتفقا على حديئين وانفرد (م) بمثلها، روت عن النبي ﷺ وعن زينب بنت جحش في الفتن، ويروي عنها (ع) وبنتُها حبيبةُ في الفتن، وسالم بن شوَّال في الحج، وزينب بنت أم سلمة في النكاح، وعنبسة بن أبي سفيان أخوها (وأم سلمة) هند بنت أبي أمية حذيفة المخزومية زوج النبي ﷺ ﵂، روى عنها في (٩) أبواب (ذكرتا كنيسة) وهي معبد النصارى (رأينها بالحبشة) أي رأتاها مع من معهما من المهاجرات إليها ولك أن تقول إن التعبير عنهما بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان (بالحبشة) جنس من السودان ضد البيضان والحمران (فيها) أي في تلك الكنيسة (تصاوير) جمع تصوير بمعنى مُصَوَّر أي صور من آدميين يعبدونها، وقوله (لرسول الله ﷺ متعلق بذكرتا (فقال رسول الله ﷺ إن أولئكِ) إشارة إلى أهل الحبشة والخطاب للمؤنث التي ذكرَتْ له تلك الكنيسة، وقال الأبي: الإشارة إلى المصنف لا إلى الذين رأت ذلك عندهم لأنه كان قبلهم في الجاهلية الأولى التي هي قوم نوح ﵇ ومَنْ قبلهم (إذا كان فيهم الرجل الصالح) المؤدي لحقوق الله وحقوق العباد، قال ابن الملك:
стр. 3055
فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَيَّ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ. أُولئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
ــ
توصيفه بالصلاح على زعمهم (فمات) ذلك الصالح (بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه) أي في ذلك المسجد (تلك الصور) التي رَأَيتُنَّهَا التي مات أصحابها فالإشارة إلى الصور المنقوشة، والخطاب للتي ذكرتها (أولئك) المصورون تلك الصور (شرار الخلق) وأخساؤهم (عند الله) (يومَ القيَامة) والمحاسبة والمجازاة، والإشارة في قوله (أولئك) إلى أولئك المصورين، والخطاب مثل ما قبله، قال الأبي: الأظهر في الإشارة أنها لمن نحت وعبد وإن كانت في الظاهر لمن نحت فقط فيحتمل كونهم شرار الخلق بتصويرهم لحديث وعيد المصورين، قال القرطبي: قوله (أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا تلك الصور) قال الشيخ ابن عرفة: إنما فعل ذلك أَوائِلُهم ليستأنسوا برؤية تلك الصورة ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله سبحانه كعبادتهم عند قبورهم فمضت له بذلك أزمان ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها وأنها ترزق وتنفع وتضر فعبدوها فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على فعل ذلك وسَدّ الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد" رواه مالك في الموطأ من حديث عطاء بن يسار أي أنهاكم عن ذلك، وقال "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" رواه مسلم، وقال "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" رواه مالك في الموطأ من حديث عطاء أيضًا.
قال الطبري: إن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء أصنام قوم نوح ﵇ إنما كانت أسماء صالحيهم في القديم الذين صوروا صورهم كما مر فلما جاء الخَلَفة نُوسِي أصلُ ذلك الفعل وألقى إليهم الشيطان أن سموا تلك الصور بأسماء أولئك الصالحين فسواع هو ابن شيث ويغوث ويعوق ونسر من أولاده اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٥١]، والبخاري [٤٢٧] والنسائي [٢/ ٤٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة ﵂ فقال:
стр. 3056
١٠٧٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثنَا وَكيعٌ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ. فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَنِيسَةً ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
١٠٧٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَينَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. يُقَالُ لَهَا
ــ
١٠٧٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (قالا حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (حدثنا هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني (عن أبيه) عروة بن الزبير المدني (عن عائشة) ﵂، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة وكيع ليحيى بن سعيد في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة (أنهم) أي أن الأصحاب (تذاكروا) أي تحدثوا (عند رسول الله ﷺ شؤون اليهود والنصارى وعبادتهم وكنائسهم (في مرضه) الذي توفي به رسول الله ﷺ (فذكرت أم سلمة وأم حبيبة) رضي الله تعالى عنهما (كنيسة) رأينها في الحبشة (ثم ذكر) وكيع (نحوه) أي نحو حديث يحيى بن سعيد القطان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة ﵂ فقال:
١٠٧٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي معاوية ليحيى بن سعيد في رواية هذا الحديث عن هشام (قالت ذكرن أزواج النبي ﷺ قال النواوي: هكذا ضبطناه ذكرن بالنون، وفي بعض الأصول ذكرت بالتاء والأول أشهر وهو جائز على تلك اللغة القليلة لغة أكلوني البراغيث، ومنها (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) أي ذكرت أزواجه ﷺ عنده ﷺ في مرضه الذي مات بها كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها)
стр. 3057
مَارِيَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِهِم.
١٠٧٨ - (٤٩٥) (١٥٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا شَيبَانُ عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي حُمَيدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"
ــ
أي لتلك الكنيسة (مارية) لأن صورة مريم أم عيسى ﵉ تعبد فيها وساق أبو معاوية (بمثل حديثهم) الصواب بمثل حديثهما أي بمثل حديث يحيى ووكيع فالمتابعة تامة وهذا هو الظاهر ويحتمل كون المتابعة في مشايخ المؤلف فالمتابعة ناقصة أي وساق أبو كريب بمثل حديث زهير وأبي بكر وعمرو الناقد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
١٠٧٨ - (٤٩٠) (١٥٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وعمرو) بن محمد (الناقد) البغدادي (قالا حدثنا هاشم بن القاسم) بن مسلم الليثي مولاهم أبو النضر البغدادي مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي النحوي مولاهم أبو معاوية الكوفي ثم البغدادي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (عن هلال بن أبي حميد) الجهني مولاهم الوزان الكوفي، واختلف في اسم أبي حميد قيل عبد الله وقيل عبد الرحمن، وقال ابن أبي حاتم: عن أبيه: اسمه مقلاص، ثقة، من (٦) وقيل مختلف فيه (عن عروة بن الزبير عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان وواحد بغدادي (قالت قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه (يعني مات به العن الله) (اليهود والنصارى) وطردهم عن رحمته، فالجملة دعائية خبرية اللفظ إنشائية المعنى فكأنه قال: اللهم العنهم، وهذا تأكيد في النهي، وجملة قوله (اتخذوا قبور أنبيائهم) وصلحائهم (مساجد) أي معابد وكنائس، مستانفة على وجه البيان لِمُوجِبِ اللعنِ كأنه قيل: لم لعنوا؛ فأجيب بأنهم اتخذوا اهـ أبي، قال الأبي: لما علم النبي ﷺ أنه ميت عرَّض بفعل اليهود والنصارى لئلا يفعل بقبره مثل ذلك، قال القاضي عياض: وشدد النهي عن ذلك خوف أن يُتَنَاهى في
стр. 3058
قَالتْ: فَلَوْلا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ. غَيرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ: وَلَوْلا ذَاكَ. لَمْ يَذْكُرْ: قَالتْ
ــ
تعظيمه ويخرج عن حد المبرة إلى حد النَّكِيرِ فيُعْبَد مِن دون الله ، ولذا قال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان على ما تقدم، ولذا لما كثر المسلمون أيام عثمان ﵁ واحتيج إلى التوسعة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه ﷺ ومن جملتها بيت عائشة رضي الله تعالى عنها التي دفن فيها رسول الله ﷺ أدير على القبر المشرف حائط مرتفع كيلا يظهر القبر في المسجد فيصلي إليه العوام فيقعوا في اتخاذ قبره ﷺ مسجدًا ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال حتى لا يُمْكِنَ استقبالُ القبر في الصلاة ولذلك قالت: لولا ذلك لبرز قبره (قلت) ولكن هذا الوصف إنما يتوافق مع وضع القبر الشريف في العصر القديم ثم طرأ عليه تعديل في العصر المملوكي ثم العثماني بحيث أصبح القبر ضمن حجرة مربعة تعلوه القبة الخضراء فمن صلى خلف الحجرة لم يكن مستقبلًا القبر لوجود الساتر والله أعلم.
(قالت) عائشة ﵂ (فلولا ذاك) أي خوف اتخاذ قبره مسجدًا بقرينة السياق وقولها (أبرز قبره) ﷺ بالبناء للمفعول جواب لولا ولفظ البخاري "لأبرزوا قبره" أي لجعلوه بارزًا منكشفًا للناس لكن لم يبرزوه أي لم يكشفوه بل بنوا عليه حائلًا يمنع الترائي والدخول فامتنع الإبراز لوجود خشية الاتخاذ ولولا حرف لامتناع الشيء لوجود غيره كما هو المعلوم في محله (غير أنه) أي غير أن الشأن والحال (خشي) قال النواوي: بضم الخاء بالبناء للمفعول وفتحها بالبناء للفاعل وفاعله ضمير يعود على النبي ﷺ وهما صحيحان أي لكن أنه خيف (أن يتخذ مسجدًا) أي معبدًا فبنى عليه، قال شراح البخاري: وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد ولذا لما وسع المسجد جعلت الحجرة الشريفة -رزقنا الله العود إليها- مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر المشرف مع استقبال القبلة اهـ (وفي رواية) أبي بكر (ابن أبي شيبة ولولا ذاك) بالواو بدل الفاء و (لم يذكر) ابن أبي شيبة لفظة (قالت) عائشة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٣٤ و ٨٠] والبخاري [١٣٣٠] والنسائي [٢/ ٤٠ - ٤١].
стр. 3059
١٠٧٩ - (٤٩١) (١٥١) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسَ وَمَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيبِ؛ أنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ. اتَخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
١٠٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ الأَصَمِّ. حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة هذا الأخير بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٠٧٩ - (٤٩١) (١٥١) (حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) ثقة، من (١٠) (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (ومالك) بن أنس المدني (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) المدني (حدثني سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني (أن أبا هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان أيليان وواحد مصري (قال قال رسول الله ﷺ قاتل الله اليهود) أي لعنهم كما في الرواية الآتية، وقيل معناه قتلهم وأهلكهم، وقوله (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) استئناف وقع تعليلًا في المعنى لدعائه عليهم لأن اتخاذهم كذا إما لعبادتهم الأنبياء أو لتشريكهم الأنبياء وكلاهما مذمومان كذا في المبارق. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الصلاة، وأبو داود في الجنائز، والنسائي في الوفاة اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١٠٨٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني (حدثنا الفزاري) مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن عبيد الله) بن عبد الله (بن الأصم) العامري الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول، من (٦) روى عنه في الصلاة فقط، قال (حدثنا) عمي (يزيد بن الأصم) عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة
стр. 3060
أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
١٠٨١ - (٤٩٢) (١٥٢) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، (قَال حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أخْبَرَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالا: لَمَّا نُزِلَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، طَفِق يَطْرَحُ
ــ
منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بغلاني، غرضه بسوقه بيان متابعة يزيد بن الأصم لسعيد بن المسيب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة الثاني وابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٠٨١ - (٤٩٢) (١٥٢) (وحدثني هارون بن سعيد الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتانية السعدي مولاهم، ثقة، من (١٠) (وحرملة بن يحيى) التجيبي المصري (قال حرملة أخبرنا، وقال هارون: حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (أخبرني عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني (أن عائشة وعبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي أو اثنان منهم أيليان وواحد مصري واثنان مدنيان وواحد طائفي (قالا لما نزلت) بالبناء للفاعل مع تاء التأنيث أي لما نزلت الوفاة (برسول الله ﷺ وحضرته هكذا في أكثر الأصول، وفي بعض النسخ لما نزل بضم النون وكسر الزاي على صيغة المبني للمجهول أي نزل ملك الموت والملائكة الكرام به ﷺ (طفق) بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح وأشهر وبه جاء القرآن، يقال طفق يفعل كذا وهو من أفعال الشروع كقولك أخذ يفعل كذا، ويستعمل في الإيجاب دون النفي ولا بد لها من اسم وخبر إلا أن خبرها يلزم فيه أن يكون فعلًا مجردًا عن أن وقد قدمنا القول في عسى ويوشك؛ أي شرع (يطرح) أي
стр. 3061
خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَإذَا اغْتَمَّ كَشَفَها عَنْ وَجْهِهِ. فَقَال، وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا.
١٠٨٢ - (٤٩٣) (١٥٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)، (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ)، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ؛
ــ
يضع (خميصة له) وهو كساء له أعلام (على وجهه فإذا اغتم) أي عرق واشتد حره (كشفها) أي كشف الخميصة وأزالها (عن وجهه فقال وهو) أي والحال أنه كذلك) أي على تلك الحال من طرح الخميصة على وجهه وكشفها عنه (لعنة الله) سبحانه أي طَرْد الله وإبعاده عن رحمته (على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) أي معبدًا وموضعًا لصلاتهم، حالة كونه (يحذر) من التحذير أي يريد أن يحذر ويمنع أمته أن يفعلوا بقبره (مثل ما صنعوا) أي مثل ما صنعت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذها مساجد والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٧٥ و ٢٩٩] والبخاري [٣٤٥٣ و ٣٤٥٤] والنسائي [٢/ ٤٠].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأول من الترجمة بحديث جندب ﵁ الدال على صريح النهي فقال:
١٠٨٢ - (٤٩٣) (١٥٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنطلي المروزي (واللفظ) الآتي (لأبي بكر قال إسحاق أخبرنا وقال أبو بكر حدثنا زكرياء بن عدي) بن الصلت التيمي مولاهم أبو يحيى الكوفي، ثقة حافظ، من كبار (١٠) مات سنة (٢١٢) روى عنه في (٨) أبواب (عن عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبي وهب الجزري الرقي، ثقة فقيه ربما وهم، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن زيد بن أبي أنيسة) الغنوي الجزري، ثقة له أفراد، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن عمرو بن مرة) بن طارق بن عبد الله الهمداني المرادي الجملي الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (عن عبد الله بن الحارث) الزبيدي بالضم (النجراني) بنون وجيم نسبة إلى نجران بلدة معروفة في اليمن المعروفِ بالمُكْتِب الكوفي، روى عن جندب بن عبد الله وابن مسعود، ويروي عنه (م عم) وعمرو بن مرة
стр. 3062
قَال: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ. فَإِن الله تَعَالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا
ــ
وحميد الأعرج، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن المديني، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (قال) النجراني (حدثني جندب) بن عبد الله بن سفيان البجلي أبو عبد الله الكوفي الصحابي الجليل ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم كوفيون واثنان جزريان، وفيه التحديث با لإفراد والجمع والإخبار والعنعنة والمقارنة (قال) جندب بن عبد الله (سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس) ليال (وهو) ﷺ أي والحال أنه ﷺ (يقول إني أبرأ) أي أتبرأ وأتخلص (إلى الله) الذي لا إله غيره من (أن يكون لي منكم) أيها الأصحاب (خليل) أي حبيب أطلعه على سرّي وصاحب أشتكي إليه حاجتي يقال أبرأ من كذا أمتنع منه وأنكره، والخليل هو المنقطع إليه، وقيل المختص بشيء دون غيره، قيل هو مشتق من الخَلة بفتح الخاء وهي الحاجة، وقيل من الخُلة بضم الخاء وهي تخلل المودة في القلب، فنفى ﷺ أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى، وقيل الخليل من لا يتسع القلب لغيره اهـ نواوي، وفي هامش بعض المتون (قوله إني أبرأ إلى الله) يعني ألتجيء إليه من (أن يكون لي منكم خليل) وخليل هنا بمعنى المفعول أي محبوب، وفي قوله (فإن الله تعالى قد اتخذني) أي جعلني (خليلًا) أي محبًا له (كما اتخذ إبراهيم) ﵇ أي جعله (خليلًا) أي محبًا له بمعنى الفاعل كما فسرناه، والخليل من الخلة بضم الخاء وهي الصداقة المخللة في قلب المحب الداعية إلى اطلاع المحبوب على سره (ولو كنت متخذًا) لنفسي (من أمتي خليلًا) أي محبوبًا (لاتخذت أبا بكر خليلًا) أي محبوبًا، وفي هذا إشارة إلى أحقيته بالخلافة اهـ أبي؛ أي لو جاز لي أن أتخذ صديقا من الخلق يقف على سري لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن لا يطلع على سري إلا الله ووجه تخصيصه بذلك أن أبا بكر كان أقرب سرًّا من سر رسول الله ﷺ لما روي أنه ﵊ قال: "إن أبا بكر لم يفضل عليكم بصوم ولا صلاة ولكن بشيء كتب الله
стр. 3063
أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ. أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقبُورَ مَسَاجِدَ. إِني أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ"
ــ
في قلبه" أفاده ابن الملك، والتتمة المذكورة موجودة في حديث "إن من أمن الناس على في صحبته وماله أبا بكر" كما في فضائل الصحيحين.
وقيل إنما سمي إبراهيم ﵇ خليلًا لقوله لجبريل ﵇ وقد قال له: ألك حاجة، وقد رمي في المنجنيق، قال: أما إليك فلا. فنفى ﵇ أن تكون له حاجة إلى أحد غير الله .
[فائدة] قلت: والفرق بين المحبة والخلة أن المحبة قد تكون من جانب واحد كحبك المال مثلًا، والخلة لا تكون إلا من الجانبين (ألا) حرف تنبيه أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإن من كان قبلكم) من الأمم (كانوا يتخذون) أي يجعلون (قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) لصلاتهم (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (فلا تتخذوا القبور) أي قبري وقبور الصالحين (مساجد) أي مواضع لصلاتكم تستقبلون إليها ألا (إني أنهاكم) وأحذركم (عن ذلك) أي عن اتخاذ القبور مساجد كما اتخذها من قبلكم مساجد، قال النواوي: النهي عن اتخاذ قبره ﷺ أو قبر غيره مسجدًا هو خوف المبالغة في التعظيم فيؤدي الحال إلى الكفر كما اتفق في الأمم الخالية اهـ قال القاضي عياض: (قوله أنهاكم عن ذلك) أكد النهي عن ذلك خوف أن يتغالى في تعظيم قبره ﷺ حتى يخرج من حد المبرة إلى حد المنكر فيعبد من دون الله فيكون وثنًا أي مثل الوثن المعبود في تعظيم الناس له عند الزيارة واستقبالهم له في السجود فيكون شركًا، قال الأبي: والفرق بين الصنم والوثن أن الصنم ما نحت من حجر أو غيره والوثن ما نحت من غير الحجارة نحاسًا أو غيره اهـ، وعبارة القرطبي هنا قوله في حديث جندب (إني أبرأ إلى الله) إلخ أي أبعد عن هذا وأنقطع عنه وإنما كان كذلك لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه فلا يتسع لمخالة غيره أو لأنه ﷺ قد انقطع بحاجاته كلها إلى الله ولجأ إليه في سد خلاته فكفاه ووقاه فلا يحتاج إلى أحد من المخلوقين، وقد تقدم القول في الخلة والخليل (وقوله ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا) إلخ هذا يدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأنه
стр. 3064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مخصوص من منح الله تعالى ومن كريم مواهبه ومن محبة رسول الله ﷺ له لما ليس لأحد من بعده وهذا مذهب أهل السنة أجمعين من السَّلَفِ المَاضِينَ والخَلَف اللَّاحِقينَ اهـ منه.
وهذا الحديث مما انفرد به الإمامُ مسلم رحمه الله تعالى. وجملةُ ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث الأول حديثُ عائشةَ الأولُ ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعَتَين، والثاني حديثُ عائشة الثاني ذكره للاستدلال به على لعن اليهود، والثالثُ حديثُ أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث عائشة الثاني وذكَرَ فيه متابعة واحدةً، والرابعُ حديث عائشة وابن عباس ذكره للاستشهاد به لحديثها الثاني، والخامسُ حديثُ جندب بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة والله أعلم.
***
стр. 3065
٢٥١ - (٦٢) باب ثواب من بنى لله مسجدًا
١٠٨٣ - (٤٩٣) (١٥٣) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ أَنَّ بُكَيرًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَثهُ سَمِعَ عُبَيدَ اللهِ الْخَوْلانِي يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَانَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ :
ــ
٢٥١ - (٦٢) باب ثواب من بنى لله مسجدًا
١٠٨٣ - (٤٩٣) (١٥٣) (حدثني هارون بن سعيد الأيلي) بن الهيثم التميمي (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المَعْرُوفُ بالتستري، صدوق، من (١٠) روى عن ابن وهب فقط في الإيمان والصلاة وغيرهما (قالا حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٣) بابا (أن بكيرًا) ابن عبد الله بن الأشج المخزومي المصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (حدثه) أي حدث لعمرو بن الحارث (أن عاصم بن عمر بن قتادة) بن النعمان الأنصاري الأوسي أبا عمر المدني، روى عن عبيد الله الخولاني في الصلاة والزهد، وجابر بن عبد الله في الطب، ويروي عنه (ع) وبكير بن عبد الله بن الأشج وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل وزيد بن أسلم، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو زرعة والنسائي، وقال البزار: ثقة مشهور، وقال في التقريب: ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة، مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة (حدثه) أي حدث بكيرًا (أنه) أي أن عاصم بن عمر (سمع عبيد الله) بن الأسود (الخولاني) المدني ربيبَ ميمونة زوج النبي ﷺ روى عن عثمان بن عفان في الصلاة والزهد، وزيد بن خالد في اللباس، ويروي عنه (خ م د س) وعاصم بن عمر بن قتادة وبسر بن سعيد له عندهم ثلاثة أحاديث، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (يذكر أنه سمع عثمان بن عفان) ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون وثلاثة مدنيون أو ثلاثة مصريون وواحد أيلي، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبارُ والسماع والمقارنة؛ أي سمع عثمان بن عفان، حالة كونه "يقول" كما في رواية البخاري (عند قول الناس فيه) أي في عثمان ما قالوا في إنكارهم عليه بناء المسجد (حين بنى) أي أراد أن يبني (مسجد الرسول ﷺ بالحجارة المنقوشة والقَصَّةِ ويجعل عمده من الحجارة
стр. 3066
إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلهِ تَعَالى -قَال بُكَيرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَال: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله- بَنَى الله لَهُ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ"
ــ
ويسقفه بالساج وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور ولم يبن المسجد إنشاء وإنما وسعه وشيده (إنكم) أيها الناس (قد كثرتم) الكلام في الإنكار عَلَى ما فَعَلْتهُ (وإني سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول من بنى) حقيقة أو مجازًا (مسجدًا) كبيرًا كان أو صغيرًا، ولابن خزيمة "كمفحص قطاة أو أصغر" ومَفْحَصُها بفتح الميم والحاء المهملة كمقعد هو مجثَّمها لتضع فيه بَيضَها وتَرْقد عليه كأنها تفحص عنه التراب أي تكشفه والفحص البحث والكشف، ولا ريب أنه لا يكفي مقداره للصلاة فيه فهو محمول على المبالغة لأن الشارع يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يقع كقوله "اسمعوا وأطيعوا ولو عبدًا حبشيًّا" وقد ثبت أنه ﷺ قال: "الأئمة من قريش" أو هو على ظاهره بأن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر أو اشترك جماعة في بناءِ مسجد فتقع حصَّةُ كل واحد منهم ذلك القَدْر أو المراد بالمسجد موضع السجود وهو ما يسع الجبهة فأطلق عليه البناء مجازًا لكن الحمل على الحقيقة أولى، وخص القطاة بهذا لأنها لا تبيض على شجرة ولا على رأس جبل بل إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير فلذلك شبه به المسجد ولأنها توصف بالصدق فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه، وقيل لأن أَفْحوصها يشبه محراب المسجد في استدارته وتكوينه (لله تعالى) أي مخلًا له تعالى في بنائه لا للرياء والسمعة والمحمدة كما في الرواية الأخرى "يبتغي به وجه الله" (قال بكير) المذكور (حسبت أنه) أي أن شيخه عاصمًا (قال) بالإسناد السابق (يبتغي) أي يطلب ويقصد (به) أي ببناء المسجد (وجه الله) أي ذاته تعالى طلبًا لمرضاته تعالى لا رياء ولا سمعة، ومَن كتب اسمه على المسجد الذي يَبْنِيه كان بعيدًا من الإخلاص قاله ابن الجوزي. وجملة يبتغي في موضع الحال من ضمير بنى إن كان من لفظ النبي ﷺ وإنما لم يجزم بكير بهذه الزيادة لأنه نسيها فذكَرَها بالمعنى مترددًا في اللفظ الذي ظنه، والجملة اعتراض بين الشرط وهو قوله من بنى وجوابه وهو قوله (بنى الله) (له) أي لذلك الباني (بيتًا) كائنًا (في الجنة) لكنه في السعة أفضل مما لا عين رأت ولا أذن
стр. 3067
وَقَال ابْنُ عِيسى فِي رِوَايَتِهِ: "مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ".
١٠٨٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ
ــ
سمعت ولا خطر على قلب بشر (وقال ابن عيسى في روايته) بنَى له (مثْلَه) أي مثل ذلك المسجد في مسمى البيت فهو صفة لمصدر محذوف تقديره بِناءَ مِثْلَهُ، حالة كونه (في الجنة) لكنَّهُ في السعة أفضلُ، قال القرطبي: هذه المثلية ليست على ظاهرها ولا من كل الوجوه، وإنما يَعْنِي أنه بنى له بثوابه بناء أشرف وأعظم وأرفع وكذلك في الرواية الأخرى "بنى الله بيتًا في الجنة" ولم يسمه مسجدًا وهذا البيت هو "والله أعلم" مثل بيت خديجة الذي قال فيه "إنه من قصب لا صخب فيه ولا نصب" رواه البخاري يريد من قصب الزمرد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدق بالتمرة "إنها تربى حتى تصير مثل الجبل" رواه أحمد والبخاري، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولما فهم عثمان هذا المعنى تأنق في بناء المسجد وحسنه وأتقنه وأخلص له فيه رجاء أن يبنى له قصر متقن مشرف مرقع وقد فعل الله تعالى له ذلك وزيادة رضي الله تعالى عنه اهـ منه. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [١/ ٦١ - ٧٠] والبخاري [٤٥٠] والترمذي [٣١٨] وابن ماجه [٧٦٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عثمان ﵁ فقال:
١٠٨٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا الضحاك بن مخلد) الشيباني أبو عاصم النبيل البصري، ثقة، من (٩) (أخبرنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله الأنصاري الأوسي أبو حفص المدني، روى عن أبيه في الصلاة والأشربة والعلم والفتن والزهد، وسعيد المقبري وعمران بن أبي حسن في الحج، ويزيد بن أبي حبيب في النكاح والبيوع واللباس، والأسود أبي العلاء في الفتن، وعمرو بن الحكم في الفتن، ويروي عنه (م عم) وأبو عاصم النبيل وأبو بكر الحنفي وابن وهب وهشيم ووكيع وأبو خالد الأحمر ويحيى القطان وعيسى بن يونس وأبو أسامة وعبد الله بن عمران وخالد بن الحارث وعبد الملك بن الصباح، وثقه ابن معين وابن سعد، وقال في التقريب: صدوق، وربما وهم، من السادسة، مات سنة (١٥٣) ثلاث
стр. 3068
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ. فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيئَتِهِ. فَقَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلهِ بَنَى الله لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ"
ــ
وخمسين ومائة (حدثني أبي) جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري الأوسي أبو عبد الحميد المدني، يروي عنه (م عم) وابنه عبد الحميد، ثقة، من (٨) روى عنه في (٦) أبواب (عن محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس الأنصاري الأشهلي أبي نعيم المدني صحابي صغير جل روايته عن الصحابة، روى عن أبي سعيد وعمر وعثمان بن عفان في الصلاة، ويروي عنه (م عم) وجعفر بن عبد الله الأنصاري الأوسي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وطائفة، مات سنة (٩٦) ست وتسعين، وله (٩٩) تسع وتسعون سنة (أن عثمان بن عفان) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان أو بصري ونسائي، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وفيه المقارنة، غرضه بسوقه بيان متابعة محمود بن لبيد لعبيد الله الخولاني في رواية هذا الحديث عن عثمان (أراد بناء المسجد) النبوي أي توسعته (فكره الناس ذلك) أي هدم ما بناه النبي ﷺ وتوسعته أي أنكروا ذلك عليه (فأحبوا أن يدعه) أي أن يترك المسجد النبوي (على هيئته) وبنائه الأول (فقال) عثمان معتذرًا إليهم إني (سمعت رسول الله ﷺ يقول من بنى مسجدًا) صغيرًا أو كبيرًا مخلصًا (لله) (بنى الله له في الجنة) بناء (مثله) أي بيتًا يماثل المسجد في الشرف ولا يلزم أن تكون جهة الشرف متحدة، انظر المبارق فإن تمام الكلام فيه. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث عثمان وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 3069
٢٥٢ - (٦٣) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق
١٠٨٥ - (٤٩٤) (١٥٤) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيبٍ. قَال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ. قَالا: أَتَينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ. فَقَال: أَصَلَّى هَؤلاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا. قَال: فَقُومُوا فَصَلُّوا. فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ
ــ
٢٥٢ - (٦٣) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق
والتطبيق أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلها بين ركبتيه في الركوع وهو خلاف السنة.
١٠٨٥ - (٤٩٤) (١٥٤) (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (الهمداني أبو كريب) الكوفي (قال حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمران الكوفي (عن الأسود) بن قيس النخعي أبي عمرو الكوفي، ثقة، من (٢) مخضرم (وعلقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي أبي شبل الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) كلاهما (قالا أتينا عبد الله بن مسعود) الهذلي أبا عبد الرحمن الكوفي. وهذا السند من سداسياته، من لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون وأن فيه ثلاثة من الأتباع يروي بعضهم عن بعض (في داره) أي في دار ابن مسعود في الكوفة متعلق بأتينا (فقال) لنا ابن مسعود (أصلى هؤلاء) الناس يعني الأمير وأتباعه، وفيه إشارة إلى إنكار تأخيرهم الصلاة، قال القرطبي: هذه الإشارة إلى الأمراء عاب عليهم تأخيرها عن وقتها المستحب ويدل عليه آخر الحديث، وقوله (خلفكم) إشارة إلى موضعهم فكأنه قال: أصلى هؤلاء الذين بقوا وراءكم في مساجدهم، ولم يرد به أنهم أئمتهم إذ قد صلى بهم عبد الله ﵁ اهـ قرطبي.
(فقلنا) له (لا) أي لم يصلوا الآن (قال) عبد الله (فقوموا فصلوا) معنا (فلم يأمرنا) عبد الله لصلاتنا معه (بأذان ولا إقامة) ففيه إشارة إلى جواز إقامة الجماعة في البيوت لكن لا يسقط بها فرض الكفاية إذا قلنا بالمذهب الصحيح أنها فرض كفاية بل لا بد من إظهارها وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود على فعلها في البيت لأن الفرض كان يسقط
стр. 3070
قَال: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ. فَأَخَذَ بِأَيدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ. قَال: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أيدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا. قَال: فَضَرَبَ أَيدِيَنَا وَطَبَّقَ بَينَ كَفَّيهِ. ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَينَ فَخِذَيهِ
ــ
بفعل الأمير وعامة الناس صمان أخروها إلى أواخر الوقت (فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة) قال النواوي: هذا مذهب ابن مسعود ﵁ وبعض السلف من أصحابه وغيرهم أنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه ويقام لصلاة الجماعة العظمى بل يكفي أذانهم وإقامتهم، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه ولا يكفيه إقامة الجماعة واختلفوا في الأذان فقال بعضهم يشرع له، وقال بعضهم لا يشرع، والصحيح في مذهبنا أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة وإلا فلا يشرع انتهى (قال) الأسود أفرد الفعل نظرًا إلى أن الأسود هو المعتبر لأن علقمة تبع مقارن له (وذهبنا) أي قَصَدْنَا وشَرَعْنَا (لنقوم خلفه) أي خلف ابن مسعود ووراءه (فأخذ) ابن مسعود أي أمسك (بأيدينا) أي بيد كل واحد منا (فجعل) أي أقام (أحدنا عن يمينه و) جعل (الآخر عن شماله) هذه الكيفية هي مذهب ابن مسعود ومن وافقه، وخالفه جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن فقالوا إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفا لحديث جابر وجبار بن صخر، وقد ذكره مسلم في صحيحه في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره لحديث صلاة النبي ﷺ وأبي بكر في مرضه على ما تقدم ولا أظنه يصح عنه وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس وكيف كان فهم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه اهـ قال الأبي: هَيئَاتُ الوُقوفِ المذكورةُ مستحبة وهو للأنثى خَلْفُ، قال ابن حبيب: والصغيرُ يَثْبُتُ كالكبيرِ وغَيرهُ لَغْوٌ.
(قال) الأسود (فلما ركع) ابن مسعود ركعنا معه و (وضعنا أيدينا) أي أكفنا (على ركبنا) جمع ركبة (قال (الأسود (فضرب) ابن مسعود (أيدينا) لنوافقه في التطبيق (و) الحال أن ابن مسعود (طبق) أي شبك وجمع (بين كفيه ثم أدخلهما بين فخذيه) قال القرطبي: وما ذكر من تشبيك اليدين وتطبيقهما بين الفخذين هو مذهب ابن مسعود وأصحابه خاصة وهو صحيح من فعل النبي ﷺ إلا أنه منسوخ كما ذكر
стр. 3071
قَال: فَلَمَّا صَلَّى قَال: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا. وَيخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى. فَإِذَا رَأيتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَصَلُّوا الصَّلاةَ لِمِيقَاتِهَا. وَاجْعَلُوا صَلاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً
ــ
في حديث سعد بن أبي وقاص ولم يبلغ ابن مسعود نسخه والله أعلم، وعلى نسخ التطبيق كَافَّةُ العلماء غَيْر من ذكر (قال) الأسود (فلما صلى) ابن مسعود أي فرغ من الصلاة (قال) ابن مسعود (إنه) أي إن الشأن والحال (ستكون) أي سَتُولَّى (عليكم أمراءُ يؤخرون الصلاة عن) أول (ميقاتها) المستحب (ويَخْنقُونها) بضم النون من باب نصر أي يضيقون وقتها ويؤخرون أداءها إلى ذلك الحين، يقال هم في خِنَاقي مِن كذا أي في ضيق منه، والمختنَقُ المُضيَّق أي يؤخرونها عن أول وقتها (إلى) أَنْ دنَت الشمسُ للغروب ولم يَبْقَ من الوقت إلا قَدْرُ وَقْتِ (شَرَقِ الموتى) أي إلا قدر وَقْتِ غُصَّتِهم بريقهم يعني أنهم يُصلُّونَها ولم يَبْقَ من النهار إلا قَدْرُ ما بَقِيَ من نَفْس المحتضر إذا شَرِقَ بريقه أي غُصَّ أفاده المجدُ، والإضافةُ إلى الموتى لكونِ ضوئها عند ذلك الوقتِ ساقطًا على المقابر.
قال المازري: أي يُؤخرونها عن أول وقتها المختار ويفعلونها في غيره وقد بقي منه قدر شرق الموتى، قال ابن الأعرابي: شرق الموتى من قولهم شَرِقَ الميتُ بريقِه إذا لم يُبْقِ إلَّا يسيرًا ويموت، شَبَّه قلة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة من شرق بريقه اهـ وهذا التأخير وقع في أمراء بني أمية، وكذلك أخر عمر بن عبد العزيز العصر فدخل عليه عروة بن الزبير فأنكر عليه، وهذا الحديث من أدلة نبوة النبي ﷺ إذ قد أخبر عن شيء من الغيب فوقع على نحو ما أخبر وكان بني أمية كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخير الصلاة إلى آخِر وقتٍ يَسعُها أفضلُ كما هو قياس أبي حنيفة حيث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب، وقالت الأحناف: إن التعجيل في أول الوقت هو المستحب في صلاتي الفجر والمغرب أما صلاة الظهر فيستحب تأخيرها حتى تنكسر حدة الشمس، وكذا صلاة العصر بحيث لا تؤخر إلى وَقْت تَغير قُرْصِ الشمسِ، والعشاءُ يُستحب تأخيرها إلى قَبْل ثُلُثِ الليل. انظر فتح القدير لابن همام [١/ ١٥٨] القرطبي.
(فإذا رأيتموهم) أي رأيتم الأمراء (قد فعلوا ذلك) أي تأخير الصلاة إلى شَرقِ الموتى (فصلوا الصلاةَ) أنتم بأنفسكم (لميقاتها) أي في أولِ وَقْتِها الأفضلِ (واجعلوا صلاتكم معهم سبحة) بضم السين وسكون الموحدة أي نافلة، وهذا لِما يُخْشَى مِن أذاهم
стр. 3072
وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ. وَإذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيهِ عَلَى فَخِذَيهِ وَلْيَجْنَأْ. وَلْيُطَبِّقْ بَينَ كَفيهِ
ــ
ومن المخالفة عليهم. قال النواوي: معناه صلوا في أول الوقت يسقط عنكم الفرض ثم صلوا معهم متى صلوا لِتَحْرزُوا فضيلةَ أولِ الوقت وفضيلة الجماعة ولئلا تقع فتنة بسبب التخلف عن الصلاة مع الإمام وتختلف كلمة المسلمين، وفيه دليل على أن من صلى فريضة مرتين تكون الثانية سنة، والفرض سقط بالأول وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقيل الفرض أكملها، وقيل كلاهما، وقيل إحداهما مبهمة، وتظهر فائدة الخلاف في مسائل معروفة في كتب الفروع (وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا) أي مجتمعين متساويين في القيام بلا تقدم واحد منكم إلى مقام الإمام في الجماعة الكثيرة كما تدل عليه رواية النسائي "قال وإذا كنتم ثلاثة فاصنعوا هكذا" أي مثل ما صنعنا اليوم من قيام أحدكما عن يميني والآخر عن يساري (وإذا كنتم أكثر من ذلك) أي من الثلاث (فليؤمكم أحدكم) أي فليتقدم عليكم في القيام وليقم مقام الإمام من القوم (وإذا ركع أحدكم فَلْيُفْرِش) من أفرش الرباعي أي فليضع (ذراعيه) أي ساعديه (على فخذيه وليجنأ) بفتح الياء وسكون الجيم وفتح النون هكذا عند الطبري من جنأ يجنأ جنأ وجنوءًا إذا انحنى في الركوع، وفي رواية الترمذي "وليَحْنُ" بضم النون وفتح الياء من حنوت العود إذا عطفته، ورواية أكثر الشيوخ "وليَحْنِ" بكسر النون من حنيت العود وهما بمعنى وكلها صحيح والمعنى واحد وهو الانحناء في الركوع وتقوس الصلب وأصل الركوع في لغة العرب الخضوع والذلة قال شاعرهم:
لا تُهِينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَركعَ يومًا والدَّهرُ قد رفَعه
ثم هو في الشرع عبارة عن التذلل بالانحناء، وأقله عند المالكية تمكين وضع اليدين على الركبتين منحنيًا وهو الواجب، وهل الطمأنينة واجبة أو ليست بواجبة قولان عندهم، وعند أبي حنيفة الواجب منه أقل ما يطلق عليه اسم المُنْحَنى، والحديثُ الصحيح يرد عليه على ما سيأتي إن شاء الله تعالى اهـ قرطبي.
(وليطبق) أي وليشبك (بين) أصابع (كفيه) وليجعلهما بين ركبتيه والتطبيق كما مر هو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع كما في النهاية وهو خلاف السنة فإن السنة فيه أخذ الركبتين باليدين، وما ذكره عبد الله هو مذهبه ومذهب صاحبيه
стр. 3073
فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلافِ أَصَابعِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَرَاهُمْ.
١٠٨٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِي. أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح قَال: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الأعمَشِ،
ــ
علقمة بن قيس والأسود بن يزيد النخعيين وهو منسوخ، وناسخه حديث سعد بن أبي وقاص الآتي ولعله لم يبلغهم ولا يستبعد ذلك إذ لم يكن دأبه ﷺ إلا إمامة الجمع الكثير دون اثنين إلا في الندرة كهذه القصة على تقدير ثبوت الرفع فيها بمقتضى الطريق الثالث. وتَرْكُ وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وتَرْكُ وضعهما على الفخذين فيما بين السجدتين، وفي حال التشهد من مكروهات الصلاةِ عِنْدَ الأئمَّةِ الفقهاءِ اهـ من بعض الهوامش، قال عبد الله بن مسعود (فلكأني أنظر) الآن (إلى اختلاف أصابع) يدي (رسول الله ﷺ أي مخالفتها عند تشبيكها وتطبيقها، قال الأسود (فأراهم) عبد الله بن مسعود، من الإراءة؛ أي أرى عبدُ الله الأسودَ وعلقمةَ ومَنْ معهما كيفيةَ اختلاف أصابع رسول الله ﷺ عند تشبيكه إياها. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث النسائي [٢/ ١٨٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فقال:
١٠٨٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا منجاب بن الحارث) بن عبد الرحمن (التميمي) أبو محمد الكوفي، ثقة، من (١٠) وليس عندهم منجاب إلا هذا (أخبرنا) علي (بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (ح قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من (١٠) (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (ح قال وحدثني محمد بن رافع) القشيري مولاهم النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا مفضل) بن مهلهل السعدي أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (كلهم) أي كل من علي بن مسهر وجرير ومفضل رووا (عن الأعمش) الكاهلي الكوفي، غرضه
стр. 3074
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أَنَّهُمَا دَخَلا عَلَى عَبْدِ الله بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوَيةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَني أَنْظَرُ إِلَى اخْتِلافِ أَصَابِعِ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ.
١٠٨٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أَنَّهُمَا دَخَلا عَلَى عَبْدِ اللهِ. فَقَال: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالا: نَعَمْ
ــ
بسَوْقِ هذه الأسانيدِ بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش (عن إبراهيم) النخعي الكوفي (عن علقمة والأسود) النخعيين الكوفيين، ومن لطائف هذه الأسانيد أن رجالها كلهم كوفيون (أنهما دخلا على عبد الله) بن مسعود وساقوا (بمعنى حديث أبي معاوية و) لكن (في حديث ابن مسهر وجرير فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (راكع) بزيادة لفظة وهو راكع على رواية غيرهما.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله ﵁ فقال:
١٠٨٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) نسبة إلى دارم بكسر الراء أبو قبيلة أبو محمد السمرقندي صاحب المسند، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (أخبرنا عبيد الله بن موسى) العبسي أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي أبي يوسف الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٩) بابا (عن إبراهيم عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله) بن مسعود ﵁. وهذا السند من سباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا الدارمي فإنه سمرقندي، وغرضه بسوقه بيان متابعة منصور للأعمش في رواية هذا الحديث عن إبراهيم النخعي (فقال) عبد الله لهما (أصلى) أي هل صلى الآن (من) تركتم (خلفكم) ووراءكم من أهل البلدة أراد بهم من عبر عنه أولًا بهؤلاء يعني الأمير وأتباعه من الناس (قالا) أي قال الأسود وعلقمة لعبد الله (نعم) صلوا والذي تقدم في الرواية السابقة "فقلنا لا" ولعل
стр. 3075
فَقَامَ بَينَهُمَا. وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ رَكَعْنَا. فَوَضَعْنَا أَيدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا. فَضَرَب أَيدِيَنَا. ثُمَّ طَبَّقَ بَينَ يَدَيهِ. ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَينَ فَخِذَيهِ. فَلَمَّا صَلَّى قَال: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ .
١٠٨٨ - (٤٩٥) (١٥٥) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيبَةَ)، قَالا: حَدَّثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ،
ــ
الحادثة ليست بواحدة، وعبارة الأبي هنا: وفي الأول قالوا: لا، فيحتمل أنهما موطنان اهـ فيندفع التعارض بتعدد الواقعة (فقام) عبد الله (بينهما) أي بين علقمة والأسود ووسطهما (وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله) وهذا أيضًا مذهب عبد الله وصاحبيه المذكورين والسنة أن يقفَ واحدٌ عن يمين الإمام ويَصْطفُّ اثْنان فصاعدًا خَلْفه، ولعل ما حكاه عنه ﷺ كان لضيق المكان اهـ من بعض الهوامش. قال الراوي (ثم) ركع عبد الله و (ركعنا) معه (فوضعنا أيدينا) في الركوع (على ركبنا فضرب) عبد الله (أيدينا ثم طبق) وشبك عبد الله (بين) أصابع (يديه ثم جعلهما بين فخذيه فلما صلى) عبد الله أي فرغ من الصلاة (قال) لنا (هكذا) أي مثل هذا الذي فعلته من التطبيق والوضع بين الفخذين (فعل رسول الله ﷺ وهذا منسوخ بما سيأتي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال:
١٠٨٨ - (٤٩٥) (١٥٥) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي البلخي (وأبو كامل) فضيل بن حسين (الجحدري) نسبة إلى جحدر أحد أجداده البصري (واللفظ) الآتي (لقتيبة قالا حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٩) (عن أبي يعفور) بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء العبدي الكوفي الكبير، مشهور بكنيته، اسمه وقدان، وقيل اسمه وا قد، وَوَقْدانَ لقَبُه، روى عن مصعب بن سعد في الصلاة وعرفجة بن شريح في الجهاد، وابن أبي أوفى في الذبائح وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبو عوانة وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وشعبة وابن يونس وغيرهم، قال أحمد: كوفي ثقة، ووثقه ابن معين وعلي بن المديني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة، وليس في مسلم من اسمه وقدان إلا هذا الثقة.
стр. 3076
عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ. قَال: صَلَّيتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي. قَال: وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَينَ رُكْبَتَيَّ. فَقَال لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيكَ عَلَى رُكْبَتَيكَ. قَال: ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَضَرَبَ يَدَيَّ وَقَال: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا. وَأُمِرْنَا أنْ نَضرِبَ بِالأكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ.
١٠٨٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ ح قَال: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ
ــ
[تنبيه]: وما ذكره النواوي هنا من أن المراد بأبي يعفور هنا الأصغر اسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بكسر النون فسبق قلم أو سهو منه رحمه الله تعالى لأنه مخالف لما في كتب الرجال لأن أبا يعفور الأصغر لا يروي عن مصعب بن سعد، ولا يروي عنه أبو عوانة والله أعلم.
(عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص أبي زرارة المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (قال) مصعب (صليت إلى جنب أبي) سعد بن أبي وقاص الزهري المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد كوفي وواحد واسطي وواحد إما بلخي أو بصري (قال) مصعب (وجعلت يدَيَّ) أي كَفَّيَّ في الركوعِ (بين ركبَتي فقال لي أبي) سعدُ بن أبي وقاص (اضرِبْ) أي اجْعَلْ (بكفَّيكَ على ركبتَيك قال) مصعبٌ (ثم فعلت ذلك) الذي فعلته أولًا من وضع اليدين بين الركبتين (مرة أخرى فضرب يدي) أبي (وقال إنا نهينا) معاشر الصحابة (عن هذا) الوضع الذي فعلته (وأمرنا أن نضرب) ونضع (بالأكف على الركب) قال ابن العربي: كان الناس في صدر الإسلام يطبقون أيديهم ويشبكون أصابعهم ويضعونها بين أفخاذهم، ثم نسخ ذلك وأمروا برفعها إلى الركب اهـ زهر الربا على سنن المجتبى للسيوطي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النساني [٢/ ١٨٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
١٠٨٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا خلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة البزار بالراء آخره أبو محمد البغدادي المقرئ، ثقة من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابًا (ح قال وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي، صدوق، من (١٠) روى عنه
стр. 3077
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. إِلَى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ. وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.
١٠٩٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ؛ قَال: رَكَعْتُ فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا -يَعْنِي طَبَّقَ بِهِمَا وَوَضَعَهُمَا بَينَ فَخِذَيهِ- فَقَال أَبِي: قَدْ كُنَا نَفْعَلُ هَذَا. ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ
ــ
في (١١) بابا (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٢٥) بابا (كلاهما) أي كل من أبي الأحوص وسفيان رويا (عن أبي يعفور) غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعتهما لأبي عوانة في رواية هذا الحديث عن أبي يعفور (بهذا الإسناد) يعني عن مصعب عن سعد بن أبي وقاص (إلى قوله) أي إلى قول سعد (فنهينا) أي نهانا النبي ﷺ (عنه) عن ذلك التطبيق وهذا في حكم الرفع فثبت نسخه لحديث عبد الله السابق (ولم يذكرا) أي ولم يذكر أبو الأحوص وسفيان (ما بعده) أي ما بعد قوله نهينا عنه من قوله "وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب".
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال:
١٠٩٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (عن إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي اسم أبي خالد سعيد، وقيل هرمز، أبي عبد الله الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٨) أبواب (عن الزبير بن عدي) الهمداني أبي عدي الكوفي، ثقة فقيه، من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (قال) مصعب (ركعت) جنب أبي (فقلت) أي فعلت (بيدي هكذا يعني) مصعب بقوله فقلت إلخ (طبق بهما) أي شبك باصابعهما (ووضعهما بين فخذيه فقال أبي) معطوف على فقلت (قد كنا) معاشر الصحابة (نفعل) في ركوعنا (هذا) الذي فعلته من التشبيك والوضع (ثم أمرنا) أي أمرنا النبي ﷺ (بـ) وضع الأصابع مبسوطة على (الركب) وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم كوفيون واثنان مدنيان، غرضه بسوقه بيان متابعة الزبير بن عدي لأبي يعفور في رواية هذا الحديث عن
стр. 3078
١٠٩١ - (٠٠) (٠٠) حدثني الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ قَال: صَلَّيتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي. فَلَمَّا رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِي وَجَعَلْتُهُمَا بَينَ رُكْبَتَيَّ. فَضَرَبَ يَدَيَّ. فَلَمَّا صَلَّى قَال: قَدْ كُنَا نَفْعَلُ هَذَا. ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ
ــ
مصعب بن سعد، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٠٩١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٨) بابا (حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) سعد البجلي الأحمسي الكوفي (عن الزبير بن عدي) الهمداني الكوفي (عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عيسى بن يونس لوكيع بن الجراح في رواية هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد (قال صليت إلى جنب أبي فلما ركعت شبكت أصابعي) أي أدخلت بعضها في بعض (وجعلتهما) أي جعلت اليدين (بين ركبتي فضرب) أبي (يدي) زجرًا لي عن التشبيك والوضع بين الركبتين (فلما صلى) أبي أي فرغ من صلاته (قال) لي (قد كنا) معاشر الصحابة (نفعل) مثل (هذا) الذي فعلته (ثم أمرنا) أي أمرنا النبي ﷺ (أن) نخرج أيدينا من بين الركب و (نرفعـ) ـها (إلى الركب) أي فوق الركب، وهذه الكيفية هي السنة التي أجمع عليها المسلمون سلفًا وخلفًا وما فعله عبد الله بن مسعود وصاحباه فهو منسوخ بحديث سعد هذا والله أعلم، وكرر المتن هنا لما فيها من المخالفة لما قبلها.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث عبد الله بن مسعود ذكره للاستدلال به على أول الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
***
стр. 3079
٢٥٣ - (٦٤) باب جواز الإقعاء أي الجلوس على العقبين في الصلاة
١٠٩٢ - (٤٩٦) (١٥٦) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ -وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: قُلْنَا لابْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَينِ. فَقَال: هِيَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ
ــ
٢٥٣ - (٦٤) باب جواز الإقعاء أي الجلوس على العقبين في الصلاة
١٠٩٢ - (٤٩٦) (١٥٦) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (أخبرنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني نسبة إلى برسان قبيلة من الأزد، أبو عثمان البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (ح وحدثنا حسن) بن علي الخلال (الحلواني) المكي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري أبو بكر الصنعاني، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (وتقاربا) أي تقارب محمد بن بكر وعبد الرزاق (في اللفظ) أي في لفظ الحديث الذي يرويانه (قالا جميعًا أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي أبو الوليد المكي (أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم الأسدي المكي (أنه سمع طاوسًا) ابن كيسان اليماني أبا عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، حالة كونه (يقول قلنا لابن عباس في الإقعاء) أي الجلوس (على القدمين) أي على العقبين في الصلاة أي سألناه هل يجوز في جلسات الصلاة أم لا؟ (فقال) ابن عباس (هي) أي جلسة الإقعاء هي (السنة) أي الطريقة المشروعة في الصلاة، قال طاوس (فقلنا له) أي لابن عباس (إنا لنراه) أي لنظن ونعتقد الإقعاء على القدمين (جفاء) بفتح الجيم أي غلظة وقسوة (بالرجل) أي علامة على جفاء قلب الرجل وغلظه وعدم مبالاته بالخير والتواضع (فقال) لنا (ابن عباس) ليس الأمر كما ظننتم (بل هي) أي بل جلسة الإقعاء (سنةُ نَبِيِّكُم) محمدٍ ﷺ وطريقته التي سنها للأمة بتقريرها، قال الحافظ في التلخيص: ضَبط ابن عبد البر (بالرِجل) بكسر الراء وإسكان الجيم بمعنى الجارحة وغلَّط
стр. 3080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ ضبطه بفتح الراء وضم الجيم وخالفه الأكثرون، وقال النواوي: رَدَّ الجمهورُ على ابن عبد البر، وقالوا: الصوابُ الضم وهو الذي يَلِيق به إضافةُ الجَفاء إليه لأن نسبةَ الجفاء إلى الإنسان في الجَلْسة أولى من نسبتِهِ إلى الجارحة اهـ ويُؤيّد ما ذهَب إليه الجمهور ما رواه ابن أبي خيثمة بلفظ لنراه جَفاءَ بالمرء والله أعلم بالصواب انتهى كلام الحافظ، والجَفاءُ غِلظُ الطبع وتركُ الصلة والبر، وهذا الحديث نص صريح في أن الإقعاء سنة، واختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء فجَنح الخطابي والماوردي إلى أن الإقعاء منسوخ، ولعل ابن عباس لم يبلغه النسخُ، وجَنَح البيهقي إلى الجمع بينهما بأن الإقعاء ضربان أحدهما أن يضع أليتيه على عقبيه وتكون ركبتاه على الأرض وهذا هو الذي رواه ابن عباس وفعلَتْه العبادلةُ ونصَّ الشافعي في البويطي على استحبابه بين السجدتين لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه لكثرة الرواة له ولأنه أعون للمصلي وأحسن في هيئة الصلاة، والثاني أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه ويضمهما إلى صدره وهذا هو الذي وردت الأحاديث بكراهته، وتَبع البيهقيَّ على هذا الجمع ابنُ الصلاح والنواوي وأنكرا على من ادعى فيهما النسخ، وقالا: كيف ثَبَتَ النسخُ مع عدم تعذر الجمع وعدمِ العلم بالتاريخ كذا في التلخيص الحبير، وقد اختار هذا الجمعَ بعضُ أئمة الحنفية كابن الهمام وغيره اهـ تحفة الأحوذي بتصرف. قال ابن حجر المكي: الافتراشُ بين السجدتين أفضل من الإقعاء المسنون بينهما لأن ذلك هو الأكثر من أحواله ﷺ اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣١٣] وأبو داود [٨٤٥] والترمذي [٢٨٣] ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث ابن عباس ﵄.
***
стр. 3081
٢٥٤ - (٦٥) باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إِباحته
١٠٩٣ - (٤٩٧) (١٥٧) حدَّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ -وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ- قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاويَةَ بْنِ الْحَكَم السُّلَمِيِّ؛ قَال: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ
ــ
٢٥٤ - (٦٥) باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته
١٠٩٣ - (٤٩٧) (١٥٧) (حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح) الدولابي مولدًا الرازي ثم البغدادي البزاز صاحب السنن، وثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وقال في التقريب: ثقة حافظ، من العاشرة (وأبو بكر بن أبي شيبة وتقاربا في لفظ الحديث) الآتي (قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم المعروف بابن علية الأسدي البصري، ثقة، من (٨) (عن حجاج) بن أبي عثمان ميسرة (الصواف) الخياط أبي الصلت الكندي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابا (عن هلال بن) علي بن أسامة (أبي ميمونة) القرشي العامري مولاهم المدني، روى عنه عطاء بن يسار في الصلاة والزكاة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن في البيوع، وأنس بن مالك، ويروي عنه (ع) ويحيى بن أبي كثير وزياد بن سعد ومالك وسعيد بن أبي هلال، وثقه الدارقطني وابن حبان، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومائة (١١٣) (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، ثقة فاضل، من صغار الثالثة، روى عنه في (٩) أبواب (عن معاوية بن الحكم السلمي) المدني الصحابي الجليل له ثلاثة عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديث، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه (م د ت س) وعطاء بن يسار في الصلاة وأبو سلمة بن عبد الرحمن في الطب وابنه كثير. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد إما كوفي أو رازي (قال) معاوية (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم) المصلين معنا، وفي القاموس عطس يَعْطِسُ ويَعْطَسُ عِطاسًا
стр. 3082
فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِم. فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِم. فَلَمَّا رَأَيتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ . فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي،
ــ
وعَطْسًا أَتَتْه العَطْسَة (فقلت) له وأنا في الصلاة (يرحمك الله) تعالى تشميتًا له لعطاسه (فرماني القوم) المصلون أي نظروا إِليَّ (بأبصارهم) نظرًا حديدًا كما يرمى بالسهم زجرًا لي بالبصر من غير كلام لأنهم في الصلاة (فقلت) أي باللسان كما هو الظاهر من تشديدهم الزجر بضرب الأيدي على الأفخاذ أو فقلت في نفسي (وَاثُكْلَ أمياه) أي وَافْقدَ أُمِّي إياي فإني هَلكْتُ فَوا كلمةٌ تَختصُّ بنداءِ الندبة، والندبة نِداءُ المُتفجّع عليه ثُكْلَ منادى مندوب مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، والثُّكْلُ بضم المثلثة مع سكون الكاف وكذا الثَّكَل بفتحتين فُقدانُ المرأةِ ولدَها، وهو مضاف إلى أُمِّ بكسر الميم لإضافته إلى ياء المتكلِم المُلْحَقِ بآخره الألفُ والهاءُ وهذه الألفُ تَلْحَقُ المنادى المندوب لأجل مَدِّ الصوت به إظهارًا لشدةِ التفجعِ والحزنِ والهاء التي بعدها هي هاءُ السكتِ الئابتة في الوقف المحذوفة في الوصل ولا يكونان إلا في الآخر نحو واعَبْدَ المَلِكَاهُ ولا يلتحقان بنحو عبد الله فرارًا من الثقل كما هو المقرر في محفه من كتب النحو (ما شأنكم) بالهمزة وتبدل ألفًا أي ما حالكم وأمركم (تنظرون إليَّ) نظَرَ الغضب (فجعلوا) أي شرعوا (يضربون بأيديهم) زيادة في الإنكار عليَّ (على أفخاذهم) وفيه دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة اهـ مرقاة. قال النواوي: فعلوا هذا ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة اهـ.
(فلما رَأَيتُهم) أي عَلِمْتُهم (يُصَمِّتُونَنِي) بتشديدِ الميم أي يُسكِّتُونني فجوابُ لمَّا محذوف تقديره غَضِبْتُ وتغيَّرْتُ قاله الطيبي كذا في المرقاة، فبه يظهر وَجْه الاستدراكِ في قوله (لكني سكت) أي سكتُ ولم أعمَلْ بمقتضَى الغضب، وقوله (فلما صلى) إلخ جوابُ لما، قوله "قال إِنَّ هذه الصلاة" الحديثَ وما بينهما اعتراض أو الجواب محذوف والتقدير فلمَّا صلى اشتغلَ بتعليمي بالرِّفْقِ، ويُروى فلمَّا صلى دعاني أفاده ملا علي، أي فلما فرغ (رسول الله ﷺ من صلاته اشتغل بتعليمي بالرفقِ، والفاء في قوله (فبأبي هو وأمي) زائدة كما هي محذوفة في رواية أبي داود أو اعتراضية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبرٍ عن هو أي فهو ﷺ مفديٌّ بأبي وأمي
стр. 3083
مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ. فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. قَال: "إِن هَذِهِ الصَّلاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ. إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ".
أَوْ كَمَا قَال رَسُولُ الله ﷺ
ــ
(ما رأيت معلمًا) قطُّ (قبله ولا بعده أحسن) وأرفق (تعليمًا منه) ﷺ (فوالله) أي فأقسمت بالإله الذي لا إله غيره (ما كهرني) أي ما عَنَّفني ولا وَبَّخني (ولا ضربني) بيده (ولا شتمني) أي سَبَّني، قالوا: القهر والكهر والنهر معانيها متقاربة أي ما قهرني وما نهرني، قال أبو عبيد: والكهر الانتهار، وفي النهاية: يقال كهره إذا زَبَره واستقبلَه بوَجْهٍ عَبُوس أراد بذلك نَفْيَ أنواعِ الزجرِ والعنفِ وإثباتَ كمال الإحسان واللطف، و (قال) لي (إن هذه الصلاة) يعني مطلق الصلاة فيشمل الفرائض وغيرها (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) قال الأبي: وإضافة الكلام إلى الناس يخرج التسبيح والدعاء والذكر إذا لم يرد به خطابُ الناس وإفهامُهم، وفيه أن من حلف لا يتكلم فسبح أو قرأ لا يحنث لأنه نفى الكلام وأثبت التسبيح والقراءة اهـ، وفيه تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل ونحوه سبح إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت امرأة، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف، وقال طائفة منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة وهذا في كلام العامد العالم، أما كلام النَّاسِي فلا تَبطُلُ صلاتُه بالكلام القليل عند الجمهور، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى والكوفيون: تبطل، وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام النَّاسِي فلا تبطل الصلاة بقليله لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة لكن علَّمه تحريم الكلام فيما يستقبل اهـ عون.
(إنما هو) أي إنما الشغل في الصلاة (التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) ويحتملُ كونُ تذكيرِ هو نظرًا لكون الخبر مذكرًا أي إنما الصلاة التسبيح إلخ، وقوله (أو) الحديثُ كما قال رسول الله ﷺ أي مِثْلُ ما قال من التسبيح والتهليل نحوَ قَولهِ إنما هي التكبير والقراءة والركوع والتسبيح والاعتدال والتسميع والتشهد مثلًا، شك من الراوي في اللفظ الذي قاله الرسول ﷺ هل هو هذا أو غيره والله أعلم.
стр. 3084
قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ. وَقَدْ جَاءَ الله بَالإِسْلامِ. وَإِن مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ
ــ
قال النواوي: معناه إنما هو هذا المذكور ونحوه فإن التشهدَ والدعاء والتسليمَ مِن الصلاة وغير ذلك من الأذكار المشروع فيها فمعناه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم وإنما هي التسبيح وما في معناه من الذكر والدعاء وأشباههما مما ورد به الشرع.
وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عالمًا عامدًا، قالت الشافعية: إن قال يرحمك الله بكاف الخطاب بطلت صلاته، وإن قال يرحمه الله أو اللهم ارحمه أو رحم الله فلانًا لم تبطل صلاته لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله تعالى سرًّا هذا مذهب الشافعي وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر والنخعي وأحمد أنه يجهر به، والأول أظهر لأنه ذكر، والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار إلا ما استثنيَ من القراءة في بعضِها ونحوها انتهى.
قال معاوية بن الحكم (قلت يا رسول الله إني حديث عهد) وصحبة أو قريب عهد وزمن (بجاهلية) أي بزمن جاهلية الذي يكثر فيه الجهل بالله ورسوله، والجار والمجرور إما متعلق بعهد أو بقريب، والجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفحشهم، وفي بعض الهوامش (قوله حديث عهد بجاهلية) أي قريب العلم والحال بها يعني أن علمه بأحكام الإسلام جديد غير راسخ اهـ.
(وقد جاء الله) (بالإسلام) والخير العظيم بعد الجهل الخطير والضلال البعيد (و) من ضلالِنا وجَهالتِنا ما أذكره وأقول لك (إن منا) معاشر الجاهلية (رجالًا يأتون الكهان) ويصدقون ما يقولون، والكهان بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن ككاتب وكتاب وهو من يدعي معرفة ما غاب عنه، قال الخطابي: والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن من يخبر عن وقوع المستقبلات ويدعي معرفة الأسرار ثم من الكهان من يزعم أن له رِئْيًا من الجن يخبره، ومنهم من يزعم أنه يعرف ذلك بفهمٍ أُعطيه، والعراف من يدعي معرفة الضالة والسرقة والسارق والمسروق ومن يتهم بالمرأة ونحو ذلك، والحديث يدل على منع إتيان الكهان ومن في معناهما من العراف وغيره
стр. 3085
قَال: "فَلَا تَأْتِهِمْ" قَال: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ
ــ
وتصديقهم في أَقْوَالِهمْ اهـ أبي (قال) رسول الله ﷺ (فلا تأتهم) أي لا تأت الكهان، قال المازري: لأن إتيانهم يجر إلى تغيير الشرع بما يلبِّسُون به من إخبارهم عن الغيب، قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الناس بسيب ذلك ولأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان وهو حرام بإجماع المسلمين اهـ عون، قال القرطبي: وقد كانت في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية، وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم ويرجعون إلى أقوالهم كما فعل عبد المطلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في نذر كان نذره فمنعته عشيرته من ذلك وسرى أمرهم حتى ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم فحكم بينهم بأن يفدوه بمائة من الإبل على ترتيبٍ ذُكِرَ في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تابعة من الجن وذلك أن الجني كان يسترق السمع فيخطف الكلمة من الملائكة فيخبر بها وليَّه فيتحدَّث بها ويزيد معها مِائة كَذْبَةٍ كما قال رسول الله ﷺ "تلك الكلمةُ مِن الجن يخطفها الجنيُّ فيَقُرُّهَا في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة" رواه البخاري [٥٧٢٦] ومسلم [٢٢٢٨] فلما بعث الله رسوله ﷺ أرسلت الشهب على الجن فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك فانقطعت الكهانة لئلا يجر ذلك إلى تغيير الشرع ولبس الحق بالباطل لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان فنهى الرسول ﷺ عن اتباعهم لأنهم كذبة مخرفون (أي مختلقون للكذب والإفك) مبطلون ضالون مضلون فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر الإتيان إليهم والسماع منهم (قال) معاوية بن الحكم (ومنا) معاشر الجاهلية (رجال يتطيرون) أي يتشاءمون بمرور الطير عن يمينه إلى يساره، وفي القرطبي: الطيرة مصدر طار يطير طيرة وطيرانًا، وأصلها أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه فإن طار عن يمينه إلى يساره تشاءم به وامتنع عن المضي في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمن به ومضى في حاجته، وأصل هذا أن الرامي للطير إنما يصيب ما كان عن يساره ويخيب ما كان عن يمينه فسمي التشاؤم تطيرًا
следующие страницы →