Полный текст (11 982 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
٢٥٤ - (٦٥) باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إِباحته
١٠٩٣ - (٤٩٧) (١٥٧) حدَّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ -وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ- قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاويَةَ بْنِ الْحَكَم السُّلَمِيِّ؛ قَال: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ
ــ
٢٥٤ - (٦٥) باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته
١٠٩٣ - (٤٩٧) (١٥٧) (حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح) الدولابي مولدًا الرازي ثم البغدادي البزاز صاحب السنن، وثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وقال في التقريب: ثقة حافظ، من العاشرة (وأبو بكر بن أبي شيبة وتقاربا في لفظ الحديث) الآتي (قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم المعروف بابن علية الأسدي البصري، ثقة، من (٨) (عن حجاج) بن أبي عثمان ميسرة (الصواف) الخياط أبي الصلت الكندي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابا (عن هلال بن) علي بن أسامة (أبي ميمونة) القرشي العامري مولاهم المدني، روى عنه عطاء بن يسار في الصلاة والزكاة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن في البيوع، وأنس بن مالك، ويروي عنه (ع) ويحيى بن أبي كثير وزياد بن سعد ومالك وسعيد بن أبي هلال، وثقه الدارقطني وابن حبان، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومائة (١١٣) (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، ثقة فاضل، من صغار الثالثة، روى عنه في (٩) أبواب (عن معاوية بن الحكم السلمي) المدني الصحابي الجليل له ثلاثة عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديث، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه (م د ت س) وعطاء بن يسار في الصلاة وأبو سلمة بن عبد الرحمن في الطب وابنه كثير. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد إما كوفي أو رازي (قال) معاوية (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم) المصلين معنا، وفي القاموس عطس يَعْطِسُ ويَعْطَسُ عِطاسًا
стр. 3082
فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِم. فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِم. فَلَمَّا رَأَيتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ . فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي،
ــ
وعَطْسًا أَتَتْه العَطْسَة (فقلت) له وأنا في الصلاة (يرحمك الله) تعالى تشميتًا له لعطاسه (فرماني القوم) المصلون أي نظروا إِليَّ (بأبصارهم) نظرًا حديدًا كما يرمى بالسهم زجرًا لي بالبصر من غير كلام لأنهم في الصلاة (فقلت) أي باللسان كما هو الظاهر من تشديدهم الزجر بضرب الأيدي على الأفخاذ أو فقلت في نفسي (وَاثُكْلَ أمياه) أي وَافْقدَ أُمِّي إياي فإني هَلكْتُ فَوا كلمةٌ تَختصُّ بنداءِ الندبة، والندبة نِداءُ المُتفجّع عليه ثُكْلَ منادى مندوب مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، والثُّكْلُ بضم المثلثة مع سكون الكاف وكذا الثَّكَل بفتحتين فُقدانُ المرأةِ ولدَها، وهو مضاف إلى أُمِّ بكسر الميم لإضافته إلى ياء المتكلِم المُلْحَقِ بآخره الألفُ والهاءُ وهذه الألفُ تَلْحَقُ المنادى المندوب لأجل مَدِّ الصوت به إظهارًا لشدةِ التفجعِ والحزنِ والهاء التي بعدها هي هاءُ السكتِ الئابتة في الوقف المحذوفة في الوصل ولا يكونان إلا في الآخر نحو واعَبْدَ المَلِكَاهُ ولا يلتحقان بنحو عبد الله فرارًا من الثقل كما هو المقرر في محفه من كتب النحو (ما شأنكم) بالهمزة وتبدل ألفًا أي ما حالكم وأمركم (تنظرون إليَّ) نظَرَ الغضب (فجعلوا) أي شرعوا (يضربون بأيديهم) زيادة في الإنكار عليَّ (على أفخاذهم) وفيه دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة اهـ مرقاة. قال النواوي: فعلوا هذا ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة اهـ.
(فلما رَأَيتُهم) أي عَلِمْتُهم (يُصَمِّتُونَنِي) بتشديدِ الميم أي يُسكِّتُونني فجوابُ لمَّا محذوف تقديره غَضِبْتُ وتغيَّرْتُ قاله الطيبي كذا في المرقاة، فبه يظهر وَجْه الاستدراكِ في قوله (لكني سكت) أي سكتُ ولم أعمَلْ بمقتضَى الغضب، وقوله (فلما صلى) إلخ جوابُ لما، قوله "قال إِنَّ هذه الصلاة" الحديثَ وما بينهما اعتراض أو الجواب محذوف والتقدير فلمَّا صلى اشتغلَ بتعليمي بالرِّفْقِ، ويُروى فلمَّا صلى دعاني أفاده ملا علي، أي فلما فرغ (رسول الله ﷺ من صلاته اشتغل بتعليمي بالرفقِ، والفاء في قوله (فبأبي هو وأمي) زائدة كما هي محذوفة في رواية أبي داود أو اعتراضية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبرٍ عن هو أي فهو ﷺ مفديٌّ بأبي وأمي
стр. 3083
مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ. فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. قَال: "إِن هَذِهِ الصَّلاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ. إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ".
أَوْ كَمَا قَال رَسُولُ الله ﷺ
ــ
(ما رأيت معلمًا) قطُّ (قبله ولا بعده أحسن) وأرفق (تعليمًا منه) ﷺ (فوالله) أي فأقسمت بالإله الذي لا إله غيره (ما كهرني) أي ما عَنَّفني ولا وَبَّخني (ولا ضربني) بيده (ولا شتمني) أي سَبَّني، قالوا: القهر والكهر والنهر معانيها متقاربة أي ما قهرني وما نهرني، قال أبو عبيد: والكهر الانتهار، وفي النهاية: يقال كهره إذا زَبَره واستقبلَه بوَجْهٍ عَبُوس أراد بذلك نَفْيَ أنواعِ الزجرِ والعنفِ وإثباتَ كمال الإحسان واللطف، و (قال) لي (إن هذه الصلاة) يعني مطلق الصلاة فيشمل الفرائض وغيرها (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) قال الأبي: وإضافة الكلام إلى الناس يخرج التسبيح والدعاء والذكر إذا لم يرد به خطابُ الناس وإفهامُهم، وفيه أن من حلف لا يتكلم فسبح أو قرأ لا يحنث لأنه نفى الكلام وأثبت التسبيح والقراءة اهـ، وفيه تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل ونحوه سبح إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت امرأة، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف، وقال طائفة منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة وهذا في كلام العامد العالم، أما كلام النَّاسِي فلا تَبطُلُ صلاتُه بالكلام القليل عند الجمهور، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى والكوفيون: تبطل، وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام النَّاسِي فلا تبطل الصلاة بقليله لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة لكن علَّمه تحريم الكلام فيما يستقبل اهـ عون.
(إنما هو) أي إنما الشغل في الصلاة (التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) ويحتملُ كونُ تذكيرِ هو نظرًا لكون الخبر مذكرًا أي إنما الصلاة التسبيح إلخ، وقوله (أو) الحديثُ كما قال رسول الله ﷺ أي مِثْلُ ما قال من التسبيح والتهليل نحوَ قَولهِ إنما هي التكبير والقراءة والركوع والتسبيح والاعتدال والتسميع والتشهد مثلًا، شك من الراوي في اللفظ الذي قاله الرسول ﷺ هل هو هذا أو غيره والله أعلم.
стр. 3084
قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ. وَقَدْ جَاءَ الله بَالإِسْلامِ. وَإِن مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ
ــ
قال النواوي: معناه إنما هو هذا المذكور ونحوه فإن التشهدَ والدعاء والتسليمَ مِن الصلاة وغير ذلك من الأذكار المشروع فيها فمعناه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم وإنما هي التسبيح وما في معناه من الذكر والدعاء وأشباههما مما ورد به الشرع.
وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عالمًا عامدًا، قالت الشافعية: إن قال يرحمك الله بكاف الخطاب بطلت صلاته، وإن قال يرحمه الله أو اللهم ارحمه أو رحم الله فلانًا لم تبطل صلاته لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله تعالى سرًّا هذا مذهب الشافعي وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر والنخعي وأحمد أنه يجهر به، والأول أظهر لأنه ذكر، والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار إلا ما استثنيَ من القراءة في بعضِها ونحوها انتهى.
قال معاوية بن الحكم (قلت يا رسول الله إني حديث عهد) وصحبة أو قريب عهد وزمن (بجاهلية) أي بزمن جاهلية الذي يكثر فيه الجهل بالله ورسوله، والجار والمجرور إما متعلق بعهد أو بقريب، والجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفحشهم، وفي بعض الهوامش (قوله حديث عهد بجاهلية) أي قريب العلم والحال بها يعني أن علمه بأحكام الإسلام جديد غير راسخ اهـ.
(وقد جاء الله) (بالإسلام) والخير العظيم بعد الجهل الخطير والضلال البعيد (و) من ضلالِنا وجَهالتِنا ما أذكره وأقول لك (إن منا) معاشر الجاهلية (رجالًا يأتون الكهان) ويصدقون ما يقولون، والكهان بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن ككاتب وكتاب وهو من يدعي معرفة ما غاب عنه، قال الخطابي: والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن من يخبر عن وقوع المستقبلات ويدعي معرفة الأسرار ثم من الكهان من يزعم أن له رِئْيًا من الجن يخبره، ومنهم من يزعم أنه يعرف ذلك بفهمٍ أُعطيه، والعراف من يدعي معرفة الضالة والسرقة والسارق والمسروق ومن يتهم بالمرأة ونحو ذلك، والحديث يدل على منع إتيان الكهان ومن في معناهما من العراف وغيره
стр. 3085
قَال: "فَلَا تَأْتِهِمْ" قَال: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ
ــ
وتصديقهم في أَقْوَالِهمْ اهـ أبي (قال) رسول الله ﷺ (فلا تأتهم) أي لا تأت الكهان، قال المازري: لأن إتيانهم يجر إلى تغيير الشرع بما يلبِّسُون به من إخبارهم عن الغيب، قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الناس بسيب ذلك ولأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان وهو حرام بإجماع المسلمين اهـ عون، قال القرطبي: وقد كانت في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية، وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم ويرجعون إلى أقوالهم كما فعل عبد المطلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في نذر كان نذره فمنعته عشيرته من ذلك وسرى أمرهم حتى ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم فحكم بينهم بأن يفدوه بمائة من الإبل على ترتيبٍ ذُكِرَ في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تابعة من الجن وذلك أن الجني كان يسترق السمع فيخطف الكلمة من الملائكة فيخبر بها وليَّه فيتحدَّث بها ويزيد معها مِائة كَذْبَةٍ كما قال رسول الله ﷺ "تلك الكلمةُ مِن الجن يخطفها الجنيُّ فيَقُرُّهَا في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة" رواه البخاري [٥٧٢٦] ومسلم [٢٢٢٨] فلما بعث الله رسوله ﷺ أرسلت الشهب على الجن فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك فانقطعت الكهانة لئلا يجر ذلك إلى تغيير الشرع ولبس الحق بالباطل لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان فنهى الرسول ﷺ عن اتباعهم لأنهم كذبة مخرفون (أي مختلقون للكذب والإفك) مبطلون ضالون مضلون فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر الإتيان إليهم والسماع منهم (قال) معاوية بن الحكم (ومنا) معاشر الجاهلية (رجال يتطيرون) أي يتشاءمون بمرور الطير عن يمينه إلى يساره، وفي القرطبي: الطيرة مصدر طار يطير طيرة وطيرانًا، وأصلها أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه فإن طار عن يمينه إلى يساره تشاءم به وامتنع عن المضي في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمن به ومضى في حاجته، وأصل هذا أن الرامي للطير إنما يصيب ما كان عن يساره ويخيب ما كان عن يمينه فسمي التشاؤم تطيرًا
стр. 3086
قَال: "ذَاكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ. فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ، (قَال ابْنُ الصَّبَّاحِ: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ) " قَال قُلْتُ: وَمِنا رِجَالٌ يَخُطُّونَ
ــ
بذلك اهـ، وفي النهاية الطير بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء وهو مصدر تَطِيرُ طِيَرةً كما تقول تَخِيرُ خِيَرةً ولم يجيء من المصادر غيرهما وأصل التطير التفاؤل بالطير واستعمل لكل ما يتفاءل به ويتشاءم وقد كانوا في الجاهلية يتَطيَّرُون بالصيد كالطير والظبي فيتيمنون بالسوانح ويتشاءمون بالبوارح، والبوارح على ما في القاموس من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك والسوانح ضدها وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ويمنع عن السير إلى مطالبهم فنفاه الشرع وأبطله ونهاهم عنه (قال) النبي ﷺ (ذاك) التطير (شيء يجدونه) أي يجده أهل الجاهلية (في صدورهم) أي في قلوبهم؛ يعني هذا وَهمٌ ينشأ من نفوسهم بتسويل الشيطان ليس له تأثير في اجتلاب نفع أو دفع ضر، وإنما هو شيء يُسوِّله الشيطان ويزينه حتى يعملوا بقضيته ليجرهم بذلك إلى اعتقادِ مؤثِّرٍ غير الله تعالى وهو لا يحل باتفاق العلماء، وقال النواوي: قال العلماء معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ولا عتب عليكم في ذلك فإنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمنعوا بسببه من التصرف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف فنهاهم ﷺ عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها (فلا يصدنهم) أي فلا يمنعنهم التطير عن مقاصدهم لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه، وقال الطيبي: أي لا يمنعنهم عما يتوجهون إليه من المقاصد أو من سواء السبيل ما يجدون في صدورهم من الوهم، فالنهي وارد على ما يتوهمونه ظاهرًا وهم منهيون في الحقيقة عن مزاولة ما يوقعهم من الوهم في الصدر (قال) محمد (بن الصباح) في روايته (فلا يصدنكم) بضمير المخاطبين.
قال القرطبي: ومعنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد من نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به فينبغي له أن لا يلتفت إلى تلك النفرة ولا لتلك الكراهة ويمضي لوجهه الذي خرج إليه فإن تلك الطيرة لا تضر وإذا لم تضر فلا تصد الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى، فينبغي أن يعول عليه، وتفوض جميع الحوائج إليه، ويفهم منه أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يُلام وَاجِدُهَا عليها شرعًا لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلًا تحت استطاعته.
(قال) معاوية بن الحكم (قلت) يا رسول الله (ومنا رجال يخطون) خطًّا فيتفاءلون
стр. 3087
قَال: "كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ. فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ"
ــ
به، والخط فيما فسره ابن العربي: أن يأتي الرجل العراف وبين يديه غلام فيأمره أن يخط في الرمل خطوطًا كثيرة وهو يقول: ابنَي عِيانٍ أَسْرِعَا البَيان، ثم يأمر من يمحو منها اثنين اثنين، حتى ينظر آخر ما يبقى من تلك المخطوط، فإن كان الباقي زوجًا فهو دليل الفلاح والظفر، وإن بقي فردًا فهو دليل الخيبة والياس، وقد طوَّل الكلام في لِسَانِ العرب اهـ من العون.
وفي القرطبي: قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث هو الخط الذي يخطه الحازي (الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن) فيأتيه ذو الحاجة فيعطيه حلوانًا، فيقول: اقعد، حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام معه مِيلٌ، ثم يأتي إلى أرض رخوة، فيخط الأستاذ خطوطًا بعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطان فهي علامة النجاح، وإن بقي خط واحد فهي علامة الخيبة، والعرب تسميه الأسحم "الأسود" وهو مشؤوم عندهم، قال الأبي: الحازي بالحاء المهلمة والزاي المعجمة؛ هو الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه، ويقال للمنجم حازي لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه، قال صاحب النهاية: خط الرمل علم معروف للناس فيه تصانيف اهـ.
(قال) رسول الله صلى الله عليه وسلمًا كان نبي من الأنبياء يخط) أي فيعرف بالفراسة بتوسط تلك المخطوط، فيه إشارة إلى علم الرمل وذاك النبي كما ذكر في المرقاة بصيغة التمريض إما إدريس أو دانيال ﵉، حكى مكي بن أبي طالب في تفسيره أنه روي أن هذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل اهـ أي كان يخط فيعرف بالفراسة (فمن وافق) منكم فيما يخط (خطه) بالنصب على الأصح؛ أي خط ذلك النبي، ويكون الفاعل ضميرًا مستترًا في وافق يعود على مَن، وروي مرفوعًا فيكون المفعول محذوفًا أي من وافق خطه خطه أي خط ذلك النبي (فذاك) مصيب فيما خط أو يصيب أو يعرف الحال بالفراسة مثل ذلك النبي وهذا تعليق بالمحال فلا يستدل بهذا الحديث لعدم صراحة النهي فيه عن الاشتغال به على إباحته قاله في المرقاة، قال النواوي: اختلف العلماء في معناه فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام لأَنَّهُ لا يُباحُ إلا بيقين الموافقةِ وليس لنا يقينٌ بها، وإنما قال النبي ﷺ فمن وافق خطه فذاك
стр. 3088
قَال: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ. فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا. وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ. آسَفُ كَمَا يَأسَفُونَ. لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً. فَأَتَيتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ
ــ
ولم يقل هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهَّم مُتوهِّم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط فحَافَظَ النبيُّ ﷺ على حُرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى أن ذلك النبي لا مَنْعَ في حقه، وكذا لو علمتم موافقتَه ولكن لا علم لكم بها اهـ.
وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط إذا كان علمًا لنبوة ذلك النبي وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك، وقال القاضي عياض: المختار أن معناه من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن انتهى.
(قال) معاوية بن الحكم (وكانت لي جارية ترعى) وتحفظ (غنمًا لي قبل أحد والجوانية) أي في جهتهما وهما موضعان في شمال المدينة المنورة (والجَوَّانِيَّة) بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة موضع بقرب أحد في شمال المدينة، وأما قول القاضي عياض إنها من عمل الفُرْع فليس بمقبول لأن الفرع بين مكة والمدينة بعيد من المدينة وأحد في شمال المدينة، وقد قال في الحديث قِبَل أحد والجوابية فكيف يكون عند الفرع اهـ عون، وفي الحديث استخدام الجارية في الرعي وليس من سفر المرأة مع غير ذي محرم لبعد السفر وانقطاع المرأة فيه من النظر لها والطمع فيها، فإن خيفت مفسدة في رعيها امتنع كما يمتنع السفر اهـ أبي.
(فاطلعت) عَلَيهَا (ذاتَ يوم فإذا الذيب قد) افترس و (ذهب بشاة من غنمها) أي من الغنم التي ترعاها، والإضافة لأدنى ملابسة (وأنا رجل من بني آدم آسف) وأغضب (كما يأسفون) أي يغضبون ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي أغضبونا، والأسف الحزن والغضب ومنشؤهما واحد، وإنما الاختلاف في التعبير عما نشأ عنه باعتبار التمكن من إظهاره وعدمه (لكني صككتها) أي لطمتها (صكة) أي لطمة أي ضربت وجهها بيدي مبسوطة (فأتيت رسول الله ﷺ أي جئته فأخبرته بما فعلت بها (فعظم) رسول الله ﷺ (ذلك) أي صكي إياها أي عد ذلك
стр. 3089
عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلا أُعْتِقُهَا؟ قَال: "ائْتِني بِهَا" فَأَتَيتُهُ بِهَا. فَقَال لَهَا: "أَينَ الله؟ " قَالتْ: فِي السَّمَاءِ. قَال: "مَنْ أَنَا؟ " قَالتْ: أَنْتَ رَسُولُ الله. قَال: "أَعْتِقْهَا. فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"
ــ
الصك ذنبًا عظيمًا (علي) أي ظلمًا لها (قلت يا رسول الله أفلا أعتقها) أي أفلا يكون عتقها كفارة عني فأعتقها (قال) رسول الله ﷺ (ائتني بها) أي بتلك الجارية لأنظر هل هي مؤمنة أم كافرة (فأتيته) ﷺ (بها) أي بتلك الجارية أي جئته بها كما في رواية أبي داود (فـ) لما أتيته بها (قال لها) رسول الله ﷺ (أين الله) ؟ وهذا السؤال من النبي ﷺ تَنَزُّلٌ مع الجارية على قَدْر فهمها إذ أراد أن يظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، وأين ظرف يسأل به عن المكان كما أن متى ظرف يسأل به عن الزمان، وهو مبني لتضمنه معنى حرف الاستفهام وحرك لالتقاء الساكنين وخص بالفتح تخفيفًا وهو خبر المبتدأ الواقع بعده (قالت) هو (في السماء) أي على السماء أي مستو على السماء استواء يليق به نثبته ونعتقده لا نكيفه ولا نمثله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا من أحاديث الصفات نُمرها على ظاهرها ولا نؤولها نظير قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ونحوه من آيات الصفات وأحاديثها؛ يعني أنها ليست بمتخذة إلهًا سوى الله تعالى وهو القاهر فوق عباده ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ثم (قال) لها رسول الله ﷺ (من أنا) أي هل أنا رسول الله أم لا؟ (قالت) الجارية (أنت رسول الله) إلى الناس كافة (قال) رسول الله ﷺ (أعتقها فإِنها مؤمنة) بالله تعالى وبرسوله ﷺ وفي هذا الحديث أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر، وأجمع العلماء على جواز إعتاق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار واليمين والجماع في نهار رمضان، فقال الشافعي ومالك والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة حملًا للمطلق على المقيد في كفارة القتل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يجزئه الكافر للإطلاق فإِنها تسمى رقبة، وقوله (أين الله قالت في السماء) إلخ فيه دليل على أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله تعالى وبرسالة رسول الله ﷺ ، وفيه دليل على أن من أقر بالشهادتين واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه وكونه من أهل القبلة والجنة، ولا يكلف مع
стр. 3090
١٠٩٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
هذا بإقامة الدليل والبرهان على ذلك ولا يلزمه معرفة الدليل وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور اهـ نواوي.
قال الخطابي في المعالم: قوله (أعتقها فإنها مؤمنة) ولم يكن ظهر له من إيمانها أكثر من قولها حين سألها أين الله؟ قالت: في السماء، وسألها من أنا؟ فقالت: رسول الله، فإن هذا سؤال عن أمارة الإيمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وحقيقته، ولو أن كافرًا جاءنا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت الجارية لم يصر به مسلمًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويتبرأ من دينه الذي كان يعتقده، وإنما هذا كرجل وامرأة يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه المرأة؟ فيقول: زوجتي، فتصدقه المرأة فإنا نصدقهما ولا نكشف عن أمرهما ولا نطالبهما بشرائط عقد الزوجية، حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فإنا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي والشهود وتسمية المهر، كذلك الكافر إذا عرض عليه الإسلام لم يقتصر منه على أن يقول إني مسلم حتى يصف الإيمان وشرائطه فإذا جاءنا من نجهل حاله في الكفر والإيمان فقال: إني مسلم، قبلناه، وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وشارة ونحوهما حكمنا بإسلامه إلى أن يظهر لنا خلاف ذلك اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨] وأبو داود [٩٣٠ و ٩٣١] والنسائي [٣/ ١٤ - ١٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث معاوية بن الحكم ﵁ فقال:
١٠٩٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا (سحاق بن (براهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) (حدثنا) عمرو بن عبد الرحمن (الأوزاعي) الشامي، ثقة، من (٧) (حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد) متعلق بحدثنا الأوزاعي أي حدثنا الأوزاعي عن يحيى عن هلال عن عطاء عن معاوية (نحوه) أي نحو ما حدث حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأوزاعي لحجاج الصواف في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير.
стр. 3091
١٠٩٥ - (٤٩٨) (١٥٨) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَير، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ -وَألْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَال: كُنَا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ. فَيَرُدُّ عَلَينَا. فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ،
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث معاوية بن الحكم بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٠٩٥ - (٤٩٨) (١٥٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (و) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (وأبو سعيد) عبد الله بن سعيد بن حصين (الأشج) الكندي الكوفي (وألفاظهم متقاربة) غير متحدة (قالوا حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من (٩) (حدثنا) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٥) (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة، من الثالثة، روى عنه في (١١) بابا (عن علقمة) بن قيس النخعي أبي شبل الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي، ومن لطائفه أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض؛ الأعمش عن إبراهيم عن علقمة (قال) ابن مسعود (كنا) معاشر الصحابة (نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا) السلام باللفظ، هذا كان منه ﷺ إذ كان الكلام مباحًا في الصلاة في أول الأمر كما قال زيد بن أرقم، ثم لما نسخ ذلك امتنع رد السلام نطقًا من المصلي وغير ذلك من أنواع الكلام مع الغير (فلما رجعنا من عند النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء مشددة كياء النسب وقيل بالتخفيف ورجحه الصغاني وهو لقب مَن مَلَكَ الحبشة، والنجاشي الذي أسلم وآمن بالنبي ﷺ هو أصحمة، ومات قبل الفتح، قال ابن الملك: هاجر جماعة من الصحابة من مكة إلى أرض الحبشة حين كان رسول الله ﷺ بمكة فارِّين منها لما يلحقهم من إيذاء المشركين فلما خرج ﷺ منها إلى المدينة وسمع أولئك بمهاجرته هاجروا من الحبشة إلى المدينة
стр. 3092
سَلَّمْنَا عَلَيهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَينَا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللِه، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فِي الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَلَينَا. فَقَال: "إِن فِي الصلاةِ شُغْلا"
ــ
فوجدوا النبي ﷺ في الصلاة ومنهم ابن مسعود ﵁ (سلمنا عليه) ﷺ (فلم يرد علينا) السلام (فقلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة) قبل هجرتنا إلى الحبشة (فترد علينا) السلام باللفظ وأنت في الصلاة فلم لم ترد علينا السلام الآن (فقال) ﷺ في جواب سؤالهم (أن في الصلاة شغلًا) بضم الشين وسكون الغين، وبضمهما، والتنكير فيه للتنويع أي شغلًا مانعًا من الكلام وغيره؛ أي شغلًا بالقراءة والذكر والدعاء أو التنكير للتعظيم أي شغلًا أي شغل لأنها مناجاة مع الله تستدعي الاستغراق بخدمته فلا يصلح الاشتغال بغيره، قال ابن الملك: والشغل يصح أن يكون بمعنى الفاعل يعني أن في الصلاة شيئًا شاغلًا للمصلي بها، وأن يكون بمعنى المفعول يعني أن في الصلاة شيئًا يشتغل المصلي به اهـ، ويفهم منه التفرغ للصلاة من جميع الأشغال ومن جميع المشوشات والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه اهـ قرطبي، وقال النواوي: ومعناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته وتدبر ما يقوله فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه اهـ. وهذا الحديث حجة على من أجاز للمصلي أن يرد السلام نطقًا وهم أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق، ثم إذا قلنا: لا يرد نطقًا فهل يرد إشارة أم لا؟ وبالأول قال مالك وأصحابه وهو مذهب ابن عمر وجماعة من العلماء، وبالثاني قال أبو حنيفة فمنع الرد إشارة ونطقًا وبه قال الثوري وعطاء والنخعي، ثم اختلف من لم يرده هل يرد إذا سلم أم لا؟ وبالأول قال الثوري وعطاء والنخعي، وبالثاني قال أبو حنيفة، وقال بعض أهل العلم يرد المصلي في نفسه هذا حكمه في الرد. وأما ابتداء السلام على المصلي فاختلف فيه العلماء فعن مالك فيه الجواز وقد رويت عنه الكراهة اهـ قرطبي، قلت: رد السلام قولًا ونطقًا محظور، ورده بعد الخروج من الصلاة سنة وقد رد النبي ﷺ على ابن مسعود بعد الفراغ من صلاته السلام والإشارة سنة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣٨٦] والبخاري [١١٩٩]، وأبو داود [٩٢٣ و ٩٢٤] والنسائي [٣/ ١٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فقال:
стр. 3093
١٠٩٦ - (٠٠) (٠٠) حدثني ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُوليُّ. حَدَّثنَا هُرَيمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
١٠٩٧ - (٤٩٩) (١٥٩) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِيّ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمَ؛
ــ
١٠٩٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثني) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي، قال المازري: وفي بعض النسخ حدثني ابن المثنى، وفي بَعْضِها ابنُ كثير وغير ابن نمير خطأ (حدثني إسحاق بن منصور السلولي) نسبة إلى بني سلول أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من (٩) (حدثنا هريم) مصغرًا (بن سفيان) البجلي أبو محمد الكوفي، صدوق، من كبار التاسعة، روى عن الأعمش في الصلاة، وإسماعيل بن أبي خالد ومنصور بن المعتمر وأبي إسحاق الشيباني وجماعة، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن منصور السلولي وأبو نعيم وأحمد بن يونس وسويد بن عمرو وجماعة، روى عنه في الصلاة فقط متابعة (عن الأعمش بهذا الإسناد) متعلق بحدثنا هريم عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله (نحوه) أي نحو ما حدث ابن فضيل عن الأعمش، غرضه بيان متابعة هريم لابن فضيل.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث معاوية بن الحكم بحديث زيد بن أرقم ﵄ فقال:
١٠٩٧ - (٤٩٩) (١٥٩) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة، من (٧) (عن إسماعبل بن أبي خالد) سعد البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة، من (٤) (عن الحارث بن شبيل) مصغرًا بن عوف البجلي أبي الطفيل الكوفي، روى عن أبي عمرو الشيباني في الصلاة وطارق بن شهاب، وروى عنه (خ م د ت س) وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش، ثقة، من الخامسة (عن أبي عمرو) سعد بن إياس (الشيباني) نسبة إلى شيبان بن ثعلبة بن عُكَابة بن الصعب بن علي بن بكر بن وائل أدرك زمان النبي ﷺ ولم يره، ثقة مخضرم، من (٢) مات سنة (٩٦) وهو ابن (١٢٠) سنة، روى عنه في (٣) أبواب (عن زيد بن أرقم) بن زيد بن
стр. 3094
قَال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصلاةِ. يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاةِ. حَتى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلامِ
ــ
قيس بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي الصحابي المشهور أبي عمر الكوفي، شهد الخندق وهو أول مشاهده وغزا سبع عشرة غزوة، ونزل الكوفة، له تسعون (٩٠) حديثًا اتفقا على أربعة، وانفرد (خ) بحديثين و (م) بستة، روى عنه (ع) وأبو عمرو الشيباني في الصلاة وابن أبي ليلى في الجنائز، وابن عباس في الحج، وأبو إسحاق السبيعي وأبو المنهال في البيوع، ويزيد بن حيان في الفضائل، والنضر بن أنس في الفضائل، وعبد الله بن الحارث في الدعاء وأبو عثمان النهدي في الدعاء. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد واسطي وواحد نيسابوري (قال) زيد بن أرقم (كنا) معشر الصحابة (نتكلم في الصلاة) بكلام الآدميين، وقوله (يكلم الرجل) منا (صاحبه) أي جليسه (وهو إلى جنبه) في حاجته وهما (في الصلاة) تفسير لقوله نتكلم في الصلاة (حتى نزلت) آية ﴿وَقُومُوا﴾ في الصلاة مخلصين ﴿لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٨)] ، حالة كونكم ﴿قَانِتِينَ﴾ أي ساكتين عن كلام البشر (فأمرنا بالسكوت) فيها عن كلام الآدميين (ونهينا عن الكلام) فيها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٤٦٣] والبخاري [٤٥٣٥]، وأبو داود [٩٤٩]، والترمذي [٤٠٥]، والنسائي [٣/ ١٨] وقوله: حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] القنوت ينصرف في الشرع واللغة على أنحاء مختلفة يأتي بمعنى الطاعة وبمعنى السكوت وبمعنى طول القيام وبمعنى الخشوع وبمعنى الدعاء وبمعنى الإقرار بالمعبود وبمعنى الإخلاص وقيل أصله الدوام على الشيء ومنه الحديث قنت رسول الله ﷺ شهرًا على قبائل من العرب أي أدام الدعاء والقيام له واللائق بالآية من هذه المعاني السكوت والخشوع، وقوله (ونهينا عن الكلام) هذا هو الناسخ لإباحة الكلام في الصلاة، واستدل به على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله ونهينا عن الكلام، وأجيب بأن دلالته على ضده دلالة التزام ومن ثم وقع الخلاف فلعله ذكر لكونه أصرح، وقوله (نهينا عن الكلام) ليس للجماعة إنما زاده المؤلف وأبو داود اهـ عون.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث زيد بن أرقم ﵁ فقال:
стр. 3095
١٠٩٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ وَوَكِيعٌ. ح قَال وَحَدَثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
١٠٩٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (ح قال وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (كلهم) أي كل من عبد الله بن نمير ووكيع وعيسى بن يونس رووا (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو عن زيد بن أرقم (نحوه) أي نحو ما حدث هشيم بن بشير عن إسماعيل بن أبي خالد، غرضه بسوقه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لهشيم بن بشير في الرواية عن إسماعيل بن أبي خالد.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث معاوية بن الحكم ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث عبد الله بن مسعود ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث زيد بن أرقم ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة.
* * *
стр. 3096
٢٥٥ - (٦٦) باب جواز رد المصلي السلام عليه بالإشارة
١٠٩٩ - (٥٠٠) (١٦٠) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ عَنْ أَبِي الزبَيرِ، عَنْ جَابِرِ؛ أَنَّهُ قَال: إِن رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ. ثُم أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ -قَال قُتَيبَةُ: يُصَلِّي- فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ. فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فرَغَ دَعَانِي فَقَال: "إِنَكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي" وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
ــ
٢٥٥ - (٦٦) باب جواز رد المصلي السلام عليه بالإشارة
١٠٩٩ - (٥٠٠) (١٦٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البغلاني (حدثنا ليث) بن سعد الفهمي المصري (ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري (أخبرنا الليث) بن سعد (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم الأسدي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري السلمي المدني. وهذان السندان من رباعياته الأول منهما رجاله واحد منهم مدني وواحد مكي وواحد مصري وواحد بلخي، والثاني منهما اثنان منهم مصريان وواحد مدني وواحد مكي (أنه) أي أن جابرا (قال (ن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة) أي أرسلني لحاجة من حوائجه ونحن في سفر (ثم) بعد ما قضيت حاجته (أدركته) أي لحقته في الطريق (وهو) أي والحال أنه ﷺ (يسير) راكبًا (قال قتيبة) في روايته ثم أدركته وهو (يصلي) على راحلته النافلة (فسلمت عليه فاشار إليّ) بيده الشريفة أي إلى رد السلام عليّ (فلما فرغ) من صلاته (دعاني فـ) سألني عن قضاء حاجته، ثم اعتذر إليّ في عدم رد السلام على باللفظ (قال إنك) يا جابر (سلمت) عليّ (آنفًا) أي في الزمن القريب (و) الحال (أنا أصلي) النافلة فلم أرد عليك لأن في الصلاة شغلًا فلا يجوز الكلام فيها برد السلام ولا بغيره، قال جابر (وهو) ﷺ (موجه) بكسر الجيم أي موجه وجهه وراحلته (حينئذ) أي حين إذ صلى (قبل المشرق) أي جهته لأنه مقصده، وحديث جابر هذا حجة لمالك ولمن وافقه على جواز رد المصلي السلام عليه بالإشارة، وعلى جواز ابتداء السلام على المصلي، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، وعلى منع الكلام في الصلاة، وفيه دليل على جواز التنفل على الراحلة لكن في السفر وعلى أنه يصلي النفل عليها حيث توجهت به، وسيأتي بسط الكلام على ذلك كله إن شاء الله تعالى. وشارك المؤلف في رواية هذا
стр. 3097
١١٠٠ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَثَنِي أَبُو الزبَيرِ عَنْ جَابِرٍ؛ قَال: أرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ. فَأتَيتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ. فَكَلَّمْتُهُ. فَقَال لِي بِيَدِهِ هَكَذَا -وَأوْمَأَ زُهَيرٌ بِيَدِهِ- ثُم كَلَّمْتُهُ، فَقَال لِي هَكَذَا -فَأوْمَأ زُهَيرٌ أيضًا بِيَدِهِ نَحْوَ الأَرْضِ- وَأنَا أسْمَعُهُ
ــ
الحديث أحمد [٣/ ٣١٢] والنسائي [٣/ ٦] وابن ماجه [١٠١٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
١١٠٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي أبو عبد الله الكوفي نسب إلى جده لشهرته به، ثقة متقن حافظ، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا زهير) بن معاوية بن حديج مصغرًا الجعفي أبو خيثمة الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثني أبو الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله المدني. وهذا السند أيضًا من رباعياته، غرضه بسوقه بيان متابعة زهير لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن أبي الزبير (قال) جابر (أرسلني رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (منطلق) أي ذاهب (إلى) غزوة (بني المصطلق) في شعبان سنة ست من الهجرة، بضم الميم وسكون الضَّاد وفتح الطاءِ المُشَالة المهملتين وكسر اللام بعدها قاف؛ لقب جَذِيمَة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بطن من بني خزاعة، وخزاعة حي من الأزد، سموا بذلك لأنهم تخزعوا أي تخلفوا عن قومهم وأقاموا بمكة، وسمي جذيمة بالمصطلق لحسن صوته، وهو أول من غنى من خزاعة، والأصل في مصطلق مصتلق بالتاء الفوقية فأبدلت طاء لأجل الصاد اهـ قسطلاني.
(فأتيته) بعد قضاء حاجته (وهو) أي والحال أنه ﷺ (يصلي) النافلة (على بعيره فكلمته) بالسلام عليه (فقال لي) أي أشار إلي (بيده هكذا) أي برَفْعِها ثم خَفْضها إلى الأرض لرد السلام عليَّ، ففيه إطلاق القول على الفعل، وجواز العمل الخفيف في الصلاة (وأومأ زهير) الراوي (بيده) أي أشار بها برَفْعِها وخَفْضها لبيان معنى هكذا (ثم كلمته) أي سلمت عليه ثانيًا ظنًّا بجواز الكلام في الصلاة كما هو العادة أولًا (فقال لي) أي أشار إليّ برده (هكذا) أي برفعها وخفضها (فأومأ زهير أيضًا بيده) برفعها وخفضها (نحو الأرض) لبيان معنى هكذا؛ أي فأتيته وهو يصلي (وأنا أسمعه) حالة كونه
стр. 3098
يَقْرَأ، يُومِئُ بِرَأسِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ قَال: "مَا فَعَلْتَ فِي الذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ إِلا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي".
قَال زُهَيرٌ: وَأَبُو الزبَيرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ. فَقَال بِيَدِهِ أو الزبَيرِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ. فَقَال بِيَدِهِ إِلَى غَيرِ الْكَعْبَةِ.
١١٠١ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيدٍ عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاء،
ــ
(يقرأ) في صلاته حالة كونه (يومئ) أي يشير (برأسه) إلى ركوعه وسجوده (فلما فرغ) من صلاته (قال ما فعلت في) الأمر (الذي أرسلتك له) أي لأجله هل قضيته أم لا؟ (فإنه) أي فإن الشأن والحال (لم يمنعني أن كلمك) برد السلام عليك (إلا أني كنت أصلي) أي إلا كوني في الصلاة لأن الصلاة يحرم الكلام فيها سواء كان برد السلام على المسلم أو بغيره (قال زهير) بن معاوية الراوي عن أبي الزبير (وأبو الزبير) الأسدي المكي (جالس مستقبل الكعبة) حين روى لي هذا الحديث (فقال) أي أشار (بيده أبو الزبير إلى) أرض (بني المصطلق فقال) أي أشار (بيده إلى غير) جهة (الكعبة) أي إلى جهة أرض المريسيع، وهذه الجملة تفسير لما قبلها، قال في القاموس: هو مصغر مرسوع بئر أو ماء لخزاعة بينه وبين الفُرع مسيرة يوم، والفُرع موضع بين مكة والمدينة قريب إلى المدينة، وإليه أي إلى المريسيع تضاف غزوة بني المصطلق، وفيه سَقَط عِقْدُ عائشة ﵂ ونزلت آية التيمم اهـ قسطلاني.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
١١٠١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين (الجحدري) نسبة إلى جحدر بوزن جعفر أحد أجداده البصريُّ (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (عن كثير) بن شنظير بكسر المعجمتين وسكون النون الأزدي أبي قرة البصري، روى عن عطاء بن أبي رباح في الصلاة والحسن ومجاهد، ويروي عنه (خ م دت ق) وحماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لين، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال في التقريب: صدوق يخطئ من السادسة، له في الكتب ثلاثة أحاديث فقط (عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبي محمد اليماني ثم
стр. 3099
عَنْ جَابِرٍ؛ قَال: كُنا مَعَ النبي ﷺ . فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ. فَرَجَعتُ وَهُوَ يُصَلي عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَوَجْهُهُ عَلَى غَيرِ القِبْلَةِ. فَسَلمتُ عَلَيهِ فَلَم يَرُد عَلَيَّ. فَلَما انْصَرَفَ قَال: "إِنهُ لَمْ يَمنَعنِي أَن أَرُدَ عَلَيكَ إِلا أني كُنْتُ أُصَلي".
١١٠٢ - (٠٠) (٠٠) وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا مُعَلَّى بن مَنْصُورٍ. حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا كَثيرُ بْنُ شِنْظِيرِ عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابِرٍ؛
ــ
المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، من (٣) مات سنة (١١٤) روى عنه في (١٠) أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد مكي، غرضه بسوقه بيان متابعة عطاء لأبي الزبير في رواية هذا الحديث عن جابر (قال) جابر كنا مع النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق (فبعثني في حاجة) له (فرجعت) إليه بعدما قضيتها (وهو يصلي) النافلة (على راحلته ووجهه) موجه (على غير القبلة فسلمت عليه فلم يرد عليّ) السلامَ (فلما انصرف) وفرغ من الصلاة (قال إنه لم يمنعني) من (أن أرد عليك) السلام (إلا أني كنت أصلي) أي إلا كوني مصليًا أي مُنْشَغلًا بِالصلاةِ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
١١٠٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين أبو عبد الله البغدادي، صدوق، من (١٠) (حدثنا معلي بن منصور) الحنفي أبو يعلى الرازي ثم البغدادي، روى عن عبد الوارث بن سعيد في الصلاة، وسليمان بن بلال في الحج والفتن، وخالد بن عبد الله في البيوع، ويروي عنه (ع) ومحمد بن حاتم وابن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفرد به وشورك به فيه، متقن صدوق فقيه مأمون، قال ابن سعد: كان صدوقًا صاحب حديث ورأي وفقه، وقال في التقريب: ثقة سني، من العاشرة، مات سنة (٢١١) إحدى عشرة ومائتين على الصحيح طلب للقضاء فأبى وامتنع (حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان التميمي أبو عبيدة البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا كثير بن شنظير) البصري (عن عطاء) بن أبي رباح المكي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد مكي وواحد بغدادي، غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الوارث لحماد بن زيد في
стр. 3100
قَال: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ فِي حَاجَةٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ
ــ
رواية هذا الحديث عن كثير بن شنظير (قال) جابر (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة) وساق عبد الوارث (بمعنى حديث حماد) بن زيد لا بلفظه ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث جابر بن عبد الله وذكر فيه ثلاث متابعات.
* * *
стр. 3101
٢٥٦ - (٦٧) باب جواز لعن الشيطان والتعوذ منه أثناء الصلاة وجواز العمل القليل فيها
١١٠٣ - (٥٠١) (١٦١) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. قَالا: أخْبَرَنَا النضْرُ بْنُ شُمَيلٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا مُحَمدٌ -وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِن عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ. لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصلاةَ
ــ
٢٥٦ (٦٧) باب جواز لعن الشيطان والتعوذ منه أثناء الصلاة وجواز العمل القليل فيها
١١٠٣ - (٥٠١) (١٦١) (حدثنا إسحاق بن إبراهبم) بن راهويه الحنظلي المروزي، من (١٠) روى عنه في (٢١) بابا (وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي أبو يعقوب النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (قالا أخبرنا النضر بن شميل) المازني أبو الحسن البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (أخبرنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٣٠) بابا (حدثنا محمد؛ وهو ابن زياد) الجمحي مولاهم أبو الحارث المدني ثم البصري، ثقة ثبت، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (قال) محمد (سمعت أبا هريرة) الدوسي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد إما مروزي أو نيسابوري، حالة كونه (يقول قال رسول الله ﷺ إن عفريتًا) أي إن العاتيَ الماردَ (من الجن جعل) أي شرع (يَفْتِك) أي أَنْ يَهْجُم (عليَّ) بَغْتَةً ويأخُذَني في غفلةٍ وغِيْلةٍ وخَديعةٍ (البارحةَ) أي في الليلة الماضية والبارحة الليلة التي كانت قبل يومك الذي أنت فيه أي تَعرَّض لي بغتةً في سُرعة في أدنى ليلة مضَتْ، ونصبُ البارحة على الظرفية، والعفريتُ المارد من الجن الشديد، ومنه رجل عفريت أي شديد الدَّهَاءِ والمَكْرِ والحِيلةِ هكذا في صحيح مسلم (يفتك) من باب ضرب؛ ومعناه يُغْفِلُه عن الصلاة ويُشغله، وأصل الفتك القتل على غفلة وغِرة، ومنه قوله ﷺ "الإيمانُ قَيدُ الفَتْكِ" رواه أحمد من حديث الزبير، ومن حديث معاوية وأبو داود من حديث أبي هريرة وهكذا مجيء الشيطان للمصلي على غفلة وغرة، وفي رواية البخاري "تفلَّت عليَّ البارحة" أي جاءني على غفلة وفَلْتَة وغِرَّة وفجأة (ليقطع) بفعله (عليَّ الصلاة
стр. 3102
وَإن اللَّه أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَن أربِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. حَتى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيهِ اجْمعُونَ (أوْ كُلكُمْ) ثُم ذَكَرتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيمَانَ: ﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئًا".
وَقَال ابْنُ مَنْصُورٍ: شُعْبَةُ عَنْ مُحَمدِ بنِ زِيادٍ.
١١٠٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثنَا مُحَمّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثنَا مُحَمَدٌ، (هُوَ ابْنُ
ــ
وإن الله) (أمكنني منه) أي من إمساكه (فذعَتُّه) بالذال المعجمة أي خنقته، قال ابن دريد: ذَعَتَهُ يَذْعِته من بابِ ضرب ذَعْتًا غَمَزَه غَمْزًا شديدًا والتاء لام الكلمة أدغمت في تاء المتكلم، وفي رواية (دَعَتُّهُ) بالدال المهملة ومعناه دَفَعْتُه دفعا شديدًا، وأنكره الخطابي وقال لأن أصلَه يكونُ دَعَتَهُ ولا يصح إدغامُ العين في التاءِ (فلقد هممت) وقصدت (أن أربطه) بكسر الموحدة من باب ضرب أي أن أوثقه (إلى جنب سارية من سواري المسجد) أي أسطوانة من أساطينه (حتى تصبحوا) أي تدخلوا في الصباح، حالة كونكم (تنظرون إليه أجمعون) بالرفع توكيد للضمير المرفوع والفعل تام لا يحتاج إلى خبر وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصلاة أو فيها لأنه يسير احتمالان ذكرهما ابن الملقن فِيما نَقَلَه عنه في المصابيح (أو) قال (كلكم) بدل أجمعون بالشك من الراوي (ثم ذكرت) أي تذكرت (قول أخي سليمان) بن داود ﵉ أي دَعْوَته بقوله ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي﴾ أي لا يحصل ﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) من البشر مِثْلَهُ فتركَه ﷺ مع القدرة عليه حرصًا على إجابة الله دعوةَ سليمان (فرده) أي فرد (الله) ذلك العفريت عني حالة كونه (خاسئًا) أي مطرودًا ذليلًا حقيرًا، من خسأت الكلب إذا زجرته وطردته (وقال) إسحاق (بن منصور) في روايته (شعبة عن محمد بن زياد) بالعنعنة مع ذكر زياد، ولم يقل (حدثنا محمد) بصيغة السماع. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٩٨] والبخاري [٤٦١]. واستدل المؤلف بهذا الحديث على الجزء الأخير من الترجمة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١١٠٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري (حدثنا محمد هو ابن
стр. 3103
جَعْفَرٍ). ح قَال: وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هذَا الإِسْنَادِ وَلَيسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: فَذَعَتُّهُ. وَأَما ابْنُ أبِي شَيبَة فَقَال فِي رِوَايَتِهِ: فَدَعَتُّهُ.
١١٠٥ - (٥٠٢) (١٦٢) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاويةَ بْنِ صَالِحٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛
ــ
جعفر) الهذلي البصري (ح قال وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا شبابة) بن سوار الفزاري مولاهم أبو عمرو المدائني، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب كلاهما) أي كل من محمد بن جعفر وشبابة رويا (عن شعبة) بن الحجاج البصري (في هذا الإسناد) أي بهذا الإسناد يعني عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة محمد بن جعفر وشبابة بن سوار للنضر بن شميل في رواية هذا الحديث عن شعبة (و) لكن اليس في حديث ابن جعفر قوله فذعته) بالذال المعجمة (وأما ابن أبي شيبة فقال في روايته فدعته) بالدال المهملة أي دفعته دفعًا شديدًا، والدَّعْتُ والدَّعُّ الدفع الشديد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأول من الترجمة بحديث أبي الدرداء ﵁ فقال:
١١٠٥ - (٥٠٢) (١٦٢) (حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله بن أبي فاطمة (المرادي) الجملي مولاهم أبو الحارث المصري الفقيه، ثقة ثبت، من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم الفهمي المصري (عن معاوية بن صالح) بن حدير مصغرًا الحضرمي أبي عبد الرحمن الحمصي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وأبو زرعة، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب، حالة كون معاوية (يقول حدثني ربيعة بن يزيد) الدمشقي أبو شعيب الإيادي القصير، ثقة، من (٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي إدريس) الشامي عائذ الله بن عبد الله بن عمرو (الخولاني) العَوَذِي بفتح المهملة آخره معجمة، ثقة، من (٣) (عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن عبد الله الأنصاري الخزرجي الدمشقي الصحابي المشهور، له
стр. 3104
قَال: قَامَ رَسُولُ اللِه ﷺ . فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أعُوذُ بِاللِه مِنْكَ" ثُم قَال: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللِه" ثَلاثا. وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيئًا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصلاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللِه، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصلاةِ شَيئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَرَأَينَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ
ــ
(١٧٩) مائة وتسعة وسبعون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد (خ) بـ (٣) و (م) بـ (٨) انتقل إلى الشام، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وقبره بدمشق، يروي عنه (ع) ومعدان بن أبي طلحة في الصلاة، وأبو إدريس الخولاني وأبو مرة مولى أم هانئ وعلقمة بن قيس وأم الدرداء وجبير بن نفير وصفوان بن عبد الله بن صفوان وغيره. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم شاميون واثنان مصريان (قال) أبو الدرداء (قام رسول الله ﷺ في الصلاة (فسمعناه) ﷺ حالة كونه (يقول أعوذ بالله) أي أستتر وألتجئ في كفايته إياي (منك) أي من شرك ووسوستك، ومنه سمي العود الذي يلجأ إليه الغثاء في السيل عوذا لأن الغثاء يلجأ إليه (ثم قال) رسول الله ﷺ (ألعنك بلعنة الله ثلاثًا) أي ثم قال ثلاث مرات ألعنك بلعنة الله، أصل اللعن الطرد والإبعاد ومعناه أسأل الله سبحانه أن يلعنه بلعنته ولم يقصد مخاطبة الشيطان لأنه حينئذ يكون متكلما في الصلاة د انما قصد أن يكون متعوذا بالله منه كما إذا قال أعوذ بالله منك، قال النواوي: قال القاضي: وقوله ﷺ ألعنك بلعنة الله وأعوذ بالله منك دليل على جواز الدعاء لغيره وعلى غيره بصيغة الخطاب خلافًا لابن شعبان من المالكية في قوله إن الصلاة تبطل بذلك قلت وكذا قال أصحابنا تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة الخطاب كقوله للعاطس: رحمك الله أو يرحمك الله، ولمن سلم عليه: وعليك السلام وأشباهه، والأحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا فيتأول هذا الحديث أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة أو غير ذلك اهـ قال الأبي: وظاهر قوله (فسمعناه يقول) أنهم كانوا معه، وظاهر حديث أبي هريرة المذكور قبله أنه كان وحده فيحتمل أنه قضيتان أو يقال ذلك في الحديث الأول إنما هو إخبار لمن لم يحضرها معه اهـ.
(وبسط يده) أي مدها حين قال ذلك اللعن (كأنه) ﷺ يريد أن (يتناول) ويأخذ (شيئًا) من قدامه (فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك) القول (ورأيناك بسطت يدك) أي مددتها
стр. 3105
قَال: "إِن عَدُوَّ اللِه، إِبْلِيسَ، جَاءَ بِشِهَابٍ مِن نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي. فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللِه مِنْكَ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُم قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ. ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ. وَالله! لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ ولْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"
ــ
أمامك (قال) رسول الله ﷺ (إن عدو الله (بليس) اللعين (جاء) في (بشهاب) أي بشعلة (من نار ليجعله) أي ليجعل ذلك الشهاب ويرميه (في وجهي) أي على وجهي (فقلت أعوذ بالله) أي أتحصن وأعتصم بالله (منك) أي من شرك وضررك (ثلاث مرات ثم قلت) له (ألعنك بلعنة الله التامة) قال القرطبي: والتامة تحتمل معنيين أحدهما أنها الكاملة التي لا ينقص منها شيء، والثاني الواجبة المتحققة عليه أو الموجبة عليه العذاب سرمدًا كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي حقت ووجبت ولم يقصد مخاطبة الشيطان (فلم يستأخر) أي فلم يأخر ويرجع عني، وقوله (ثلاث مرات) منصوب بقلت (ثم أردت أخذه) وإمساكه (والله) أي أقسمت بالإله الذي لا إله غيره (لولا دعوة أخينا سليمان) بن داود ﵉ موجودة يعني قوله "وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي" أي لولا حرصي على إجابة دعوته موجود (لأ) مسكته وأوثقته بسواري المسجد حتى (أصبح موثقًا) أي مربوطًا بالسواري (يلعب به ولدان أهل المدينة) والجملة الفعلية صفة لموثقًا (وقوله ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة) يدل على أن مُلْك الجن والتصرف فيهم بالقهر مما خص به سليمان، وسببُ خصوصيَّتهِ دعوتُه التي استجيبت حيث قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] ولما تحقق النبي ﷺ الخصوصية امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه (فإن قيل) كيف يَتَأتَّى ربطه وأخذه واللعب به مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية؟ (قلْنا) كما تَأتَّى ذلك لسليمان ﵇ حيث جَعَلَ الله له منهم (كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد) ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صور تخصهم ثم مكنهم من التشكل في صور مختلفة فيتمثلون في أي صورة شاءوا أو شاء الله تعالى وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ وقال ﷺ : "وأحيانًا يتمثل لي الملك فيكلمني" رواه البخاري من حديث عائشة فيجوز أن يمكن الله نبيه محمدًا ﷺ من هذا
стр. 3106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجني مع بقاء الجني على صورته التي خلق فيها فيوثقه كما كان سليمان يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان، ويجوز أن يشكله الله تعالى في صورة جسمية محسوسة فيربطه ويلعب به ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكل فيها حتى يفعل الله ما هَمَّ به النبي ﷺ ، وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم والله تعالى أعلم (فإن قلت) إنه يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله مالًا غيره (قلت) كان سليمان ﵇ ناشئًا في بيت الملك والنبوة ووارثًا لهما فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حَسَبِ ما ورثه مُلْكًا زائدًا على المَمالكِ زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ليكون ذلك دليلًا على نبوته قاهرا للمبعوث إليهم وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات فذلك معنى قوله "لا ينبغي لأحد من بعدي" اهـ كشاف، فأعطاه الله ما حكاه لخاتم رسله في قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ... ﴾ الآيات. وفي هامش المشكاة ونبينا ﷺ كان له القدرة على ذلك على الوجه الأتم والأكمل ولكن التصرف في الجن في الظاهر كان مخصوصًا بسليمان فلم يظهره لأجل ذلك اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٢/ ١٣]. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة وحدة، والثاني حديث أبي الدرداء ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة والله أعلم.
* * *
стр. 3107
٢٥٧ - (٦٨) باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة
١١٥٦ - (٥٠٣) (١٦٣) حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيرِ. ح وَحَدثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيم الزرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أمَامَةَ بِنْتَ زَينَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
ــ
٢٥٧ - (٦٨) باب جواز حمل الصبيان في الصلاة
١١٠٦ - (٥٠٣) (١٦٣) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) القعنبي الحارثي أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي، ثقة، من (١٠) (قالا حدثنا مالك) بن أنس الأصبحي المدني، ثقة إمام، من (٧) (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي أبي الحارث المدني، روى عن عمرو بن سليم الزرقي في الصلاة، وأبيه عبد الله بن الزبير، ويروي عنه (ع) ومالك بن أنس وعثمان بن أبي سليمان وابن عجلان وعثمان بن حكيم، وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا وكان ثقة مأمونًا، وله أحاديث كثيرة (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال قلت لمالك أ (حدثك) بتقدير حرف الاستفهام كما يدل عليه كلمة التصديق التي في آخر الحديث (عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم) الأنصاري (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء بعدها قاف المدني، ثقة، من (٢) من كبار التابعين (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي -بفتح السين واللام- المدني، فارس رسول الله ﷺ . وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما بصري أو بلخي أو نيسابوري.
(أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو) أي والحال أنه ﷺ (حامل) بالتنوين (أمامة بنت زينب) وقوله (بنت رسول الله ﷺ بالجر صفة لزينب، وقوله (وهو حامل أمامة) جملة إسمية في محل النصب على الحال من فاعل يصلي، ولفظ حامل بالتنوين، وأمامة بالنصب، قال العيني: وهو المشهور، ويروى بالإضافة كما قرئ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالوجهين اهـ، ويظهر
стр. 3108
وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟ قَال يَحْيَى: قَال مَالِكٌ: نَعَمْ
ــ
أثرهما في قوله بنت زينب فتفتح وتكسر بالاعتبارين وأنت تعرف الفرق بين المعنيين في الصورتين إذا قلت مثلًا: أنا قائل ذلك، وأن الإعمال هنا على إرادة حكاية الحال الماضية كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيد﴾ لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي اهـ (و) هي ابنة (لأبي العاص بن الربيع) بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف لصلبه، واختلف في اسمه فقيل لقيط وقيل مقسم وقيل هشيم والأكثر أنه لقيط كما في أسد الغابة، وهو صهر رسول الله ﷺ على ابنته المشار إليها، وهي أكبر بناته ﷺ فأمامة بنت ابنته ﷺ ولما كبرت تزوجها علي بعد وفاة فاطمة بوصية منها رضي الله تعالى عنهم، قال ابن حجر: ولم تُعْقِبْ (فإذا قام حَملها) على عاتقه (وإذا سجد وضعها) على الأرض، قال الخطابي: لم يحملها عمدًا بل لتعلقِها به وإلفِها له في غير الصلاة تعلَّقت به في الصلاة ولم يدفعها عن نفسه فإذا أراد أن يسجد وضعها من عاتقه حتى يكمل سجوده فتعود الصبية إلى حالتها الأولى فلا يدفعها فإذا قام بقيت معه محمولة وإلا فلا يتوهم أنه كان يحملها عمدًا ويفعل ذلك لأنه عمل كثير في الصلاة، وإذا شغله عَلَم الخميصة حتى بدله فكيف بهذا، ويشهد لهذا ركوب الحسين عليه في سجوده لكن يبعده قوله خرج علينا حاملا أمامة على عاتقه فصلى اهـ أبي. قال النواوي: ففي هذا الحديث دليل لصحة صلاة من حمل آدميًّا أو حيوانًا طاهرًا من طير وشاة وغيرهما، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة، وفيه تواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم اهـ. قال الأبي: حمل ثياب الصبيان على الطهارة إنما هو في صبيان علمت أهاليهم بالتحفظ من النجاسة اهـ (قال يحيى) بن يحيى (قال) لي (مالك) بن أنس في جواب سُؤَالِي (نعم) حدثني عامر بن عبد الله.
[فائدة]: قال بعضهم أحفاد النبي ﷺ من بناته علي بن أبي العاص مات وقد ناهز الحلم، وكان ردف رسول الله ﷺ يوم الفتح، وأمامة أخته كلاهما ابنا زينب رضي الله تعالى عنها، وعَمرو بن عثمان بن عفان مات وهو صغير نقَرَ الديك وجهَه فمات منه، والحسن والحسين والمحسن وزينب وأم كلثوم أبناء علي
стр. 3109
١١٠٧ - (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيمَانَ وَابْنِ عَجْلانَ. سَمِعَا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ يُحَدثُ، عَنْ عَمْرو بْنِ سُلَيمٍ الزُّرَقِي، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِي؛ قَال: رَأَيتُ النَّبِى ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَينَبَ بِنْتِ النَّبِيّ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ
ــ
وفاطمة ﵄ ولم يبق نسله ﷺ إلا من هؤلاء وأما غيرهم فماتوا صغارًا والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٢٩٥ و ٣٠٣] والبخاري [٥١٦] وأبو داود [٩١٧] والنسائي [٣/ ١٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي قتادة ﵁ فقال:
١١٠٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر) العدني ثم المكي، صدوق، من (١٠) (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المكي قاضيها، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير في الصلاة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن في الصلاة، وسعيد بن جبير وعمه نافع وعروة، ويروي عنه (م د س ق) وابن عيينة وابن جريج وابن إسحاق، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة، من السادسة، (و) محمد (بن عجلان) القرشي مولاهم المدني، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب كلاهما (سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير) الأسدي المدني (يحدث عن عمرو بن سلبم الزرقي) المدني (عن أبي قتادة الأنصاري) المدني. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مكيون أو أربعة مدنيون وواحد كوفي وواحد مكي، وغرضه بسوقه بيان متابعة عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان لمالك بن أنس في رواية هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير.
(قال) أبو قتادة (رأيت النبي ﷺ يوم الناس) أي يصلي بالناس (وأمامة) أي والحال أن أمامة (بنت أبي العاص) وجملة قوله (وهي ابنة زينب بنت النبي ﷺ جملة معترضة بين المبتدأ وهو أمامة وخبره وهو قوله (على عاتقه) ﷺ والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل يؤم أي رأيت النبي
стр. 3110
فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا.
١١٠٨ - (٠٠) (٠٠) حدثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيرِ. ح قَال: وَحَدثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيلِي. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيمٍ الزُّرَقِيِّ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ الأنْصَارِيَّ يَقُولُ: رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ. فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا
ــ
ﷺ يؤم الناس، والحال أن أمامة بنت أبي العاص محمولة على عاتقه (فإذا ركع) أي أراد الركوع والسجود (وضعها) على الأرض (وإذا رفع من السجود) وقام رفعها و (أعادها) على عاتقه، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في سوق الحديث.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي قتادة ﵁ فقال:
١١٠٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (عن مخرمة بن بكير) بن عبد الله بن الأشج أبي المسور المدني المخزومي مولاهم، صدوق، من (٧) (ح قال وحدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر (حدثنا) عبد الله بن وهب أخبرني مخرمة) بن بكير (عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم أبي عبد الله المدني ثم المصري (عن عمرو بن سليم الزرقي) المدني (قال سمعت أبا قتادة الأنصاري) السلمي ﵁. وهذان السندان من سداسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة بكير بن عبد الله لعامر بن عبد الله بن الزبير في رواية هذا الحديث عن عمرو بن سليم، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة، حالة كونه (يقول رأيت رسول الله ﷺ يصلي) إمامًا (للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه) أي على عاتقه (فإذا سجد وضعها) على الأرض.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي قتادة ﵁ فقال:
стр. 3111
١١٠٩ - (٠٠) (٠٠) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح قَال: وَحَدثَنَا مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ جَمِيعًا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيمٍ الزُّرَقِي. سَمِعَ أبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِي يَقُولُ: بَينَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ. خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْو حَدِيثهِمْ. غَيرَ أَنهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَهُ أَمَّ النَّاسَ فِي تِلْكَ الصلاةِ
ــ
١١٠٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل البلخي الثقفي (حدثنا ليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري (ح قال وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا أبو بكر) الصغير عبد الكبير بن عبد المجيد (الحنفي) البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي أبو حفص المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب، حالة كون كل من الليث وعبد الحميد (جميعًا) أي مجتمحين في الرواية (عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أَبِي سَعْدِ المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٠) أبواب (عن عمرو بن سليم) الأنصاري (الزرقي) المدني (سمع أبا قتادة الأنصاري) وهذان السندان الأول منهما من خماسياته، والثاني من سداسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة سعيد المقبري لبكير بن عبد الله وعامر بن عبد الله بن الزبير في رواية هذا الحديث عن عمرو بن سليم، حالة كون أبي قتادة (يقول بينا نحن في المسجد) النبوي متعلق بقوله (جلوس) الواقع خبرًا عن المبتدأ أي جالسون في المسجد (خرج علينا رسول الله ﷺ من بعض حجره، وقوله (بنحو حديثهم) متعلق بما عمل في المتابع وهو سعيد المقبري، والصواب (بنحو حديثهما) بضمير التثنية لأن المتابع بفتح الباء اثنان فقط كما قد علمت آنفًا، والتقدير حدثنا سعيد المقبري عن عمرو بن سليم بنحو حديث عامر بن عبد الله بن الزبير وبكير بن عبد الله بن الأشج، والنحو هنا بمعنى المثل بدليل الاستثناء بقوله (غير أنه) أي لكن أن سعيدًا المقبري (لم يذكر) في حديثه (أنه) ﷺ (أم الناس) أي صار إمامًا للناس (في تلك الصلاة) التي صلاها حاملًا أمامة على عاتقه، ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أبي قتادة ﵁ وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
قال القرطبي: اختلف العلماء في تأويل حمل النبي ﷺ لأمامة في
стр. 3112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصلاة والذي أحوجهم لتأويله أنه شغل كثير فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة وهذا تأويل بعيد فإن ظاهر الحديث الذي ذكره أبو داود يدل على أنه في الفريضة لقوله "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر خرج علينا حاملًا أمامة على كتفه ... " وذكر الحديث ورواه البيهقي أيضًا في السنن بنحوه [٢/ ٢٦٣] وعزاه للحميدي، ومعلوم أنه كان ﷺ إنما كان يتنفل في بيته ثم يخرج لصلاة الفريضة فإذا رآه بلال خارجًا أقام الصلاة، وأيضًا ففي هذا الحديث قال أبو قتادة: رأيت رسول الله ﷺ يؤم الناس، وغالب عادته أنه إنما كان يؤم الناس في المسجد في الفريضة، وروى عن مالك أيضًا أشهبُ وابنُ نافع أن هذا للضرورة وإِذا لم يَجِدْ مَنْ يكفيه وأمَّا لِحُب الولد فلا، وظاهرُ هذا إجازته في الفريضة والنافلة، ورَوَى عنه أيضًا التنيسي أن الحديث منسوخ، قال أبو عُمر بن عبد البر: لعل هذا نُسخ بتحريم الحمل والاشتغال في الصلاة بغيرها، وقال الخطابي: يُشبه أن هذا كان منه ﷺ على غير قصد وتعمدٍ، لكن الصبية تعلقت به لطول إِلْفها له وهذا باطل لقوله في الحديث خرج علينا حاملًا أمامة على عاتقه فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها، والأشبه أنه كان لضرورة لم يقدر على أن ينفك عنها أو هو منسوخ والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. وفي بعض هوامش المتون (قوله غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة) وعن هذا اختلف في حمله ﷺ أمامة أكان في النافلة أم في الفريضة وأيًا كان فهو كما قال العيني: لبيانِ الجواز عند الحاجة، وهو عمل غير متوال بوجود الطمأنينة في أركان صلاته، قالوا: وكان السر في ذلك هو الدفع لما كانت الحرب تألفه من كراهة البنات فخالفهم فيها حتى في الصلاة للمبالغة في رَدْعهم عما كانوا عليه والبيانُ بالفعل قد يكون أقوى من القول، وعن بعض أهل العلم أن فاعلًا لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث وإن كنتُ لا أحب لأحد فعله اهـ. وفي هذا الحديث من الفقه جواز إدخال الصغار في المساجد إذا عُلم من عادة الصبي أنه لا يبول وأن ثيابه محمولة على الطهارة، وأن لمس النساء ليس بحدث، وأن حكم مَن لا تُشتَهى من النساء بخلافِ حكم من تُشتَهى منهن، وفيه تواضع رسول الله ﷺ وشفقته، وجواز حمل ما لا يَشْغل في الصلاة شغلًا كثيرًا اهـ من المفهم.
стр. 3113
٢٥٨ - (٦٩) باب اتخاذ المنبر ومن صلى على موضع أرفع ليعلم المأمومين الصلاة ١١١٠ - (٥٠٤) (١٦٣) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أن نَفَرًا جَاؤُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْد. قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ. مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَال: أَمَا وَالله، إِنِّي لأعرِفُ مِنْ أَي عُودٍ هُوَ. وَمَنْ عَمِلَهُ. وَرَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ أَولَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيهِ. قَال: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَباسٍ، فَحَدثْنَا. قَال: أَرْسَلَ
ــ
٢٥٨ - (٦٩) باب اتخاذ المنبر ومن صلى على موضع أرفع ليعلم المأمومين الصلاة
١١١٠ - (٥٠٤) (١٦٣) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وقتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي البلخي (كلاهما) رويا (عن عبد العزيز) بن أبي حازم سلمة بن دينار المخزومي مولاهم، الفقيه المدني، صدوق، من (٨) روى عنه في (٤) أبواب (قال يحيى) بن يحيى (أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني أبي حازم القاص الزاهد، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (أن نفرًا) أي رجالًا من الأنصار، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم (جاؤوا إلى سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي ﵁ وهذا السند من رباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد إما نيسابوري أو بلخي، و (قد تماروا) أي اختلفوا وتنازعوا، والجملة حال من فاعل جاءوا (في المنبر) النبوي، والمنبر شيء مرتفع له درج من النبر وهو الارتفاع (من أي عود هو) أي من عود أي شجر هو؟ أي هل من عود الطرفاء أو من عود الأثل أو من عود الساج (فقال) لهم سهل بن سعد (أما) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (والله) أي أقسمت لكم بالله الذي لا إله غيره (إني لأعرف) وأعلم جواب سؤال (من أي عود هو) -أي ذلك المنبر أي جواب من عود أي شجر هو أي من خشب أي شجر هو (و) إني لأعرف (من عمله) أي صنعه ونحته لرسول الله ﷺ (و) إني لقد (رأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه) أي على ذلك المنبر (قال) أبو حازم (فقلت له) أي لسهل بن سعد (يا أبا عباس) كنية سهل إذًا (فحدِّثنا) أي فأخبرنا عن قصته (قال) لنا سهل (أرسل
стр. 3114
رَسُولُ الله ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ -قَال أَبُو حَازِم: إِنهُ لَيُسَميهَا يَوْمَئِذٍ- "انْظُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ. يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ الناسَ عَلَيهَا". فَعَمِلَ هَذِهِ الثلاثَ دَرَجَاتٍ ثُم أَمَرَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ . فَوُضِعَتْ هَذا الْمَوْضِعَ. فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ
ــ
رسول الله ﷺ إلى امرأة) من الأنصار اسمها عائشة، قال عبد العزيز (قال) لنا (أبو حازم إنه) أي إن سهلًا (ليسميها) أي ليذكر لنا اسم تلك المرأة (يومئذ) أي يوم إذ حدث لنا قصة المنبر ولكن نسيت أنا أي أرسل إليها أنِ (انظري) وشاوري (غلامك النجار) بالنصب صفة لغلامك ومريه (يعمل لي) بالجزم في جواب الأمر؛ أي ينحت لي (أعوادًا) أي منبرًا مركبًا من أعواد أي من ألواح وعمد (أكلم الناس) بالرفع لأن الجملة صفة لأعواد أي أذكر الناس قائمًا (عليها) أي على تلك الأعواد، واسم الغلام بَاقُوم أو ميمون أو مينا بكسر الميم أو قبيصة أو باقول باللام أو صُباح بضم الصاد أو تميم الداري أو غير ذلك ويحتمل أن يكون المراد به تميمًا الداري لأنه كثير السفر إلى أرض الروم، وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون ولا اعتداد بالأخرى لوهائها، وحمله بعضهم على أن الجميع اشتركوا في عمله، وعورض بقوله في كثير من الروايات ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، وأجيب باحتمال أن المراد بالواحد الماهر في صناعته والبقية أعوان له كذا في الفتح والإرشاد "فأمرته" كما في رواية أبي داود أي أمرت المرأة غلامها أن يعمل (فعمل) الغلام ونحت (هذه) الأعواد الموضوعة في المسجد النبوي (الثلاث درجات) بدل من اسم الإشارة، والحديث جاء على اللغة القليلة، والكثير عندهم أن يقال ثلاث الدرجات أو الدرجات الثلاث، وهذا الحديث فيه تصريح بأن منبر رسول الله ﷺ كان ثلاث درجات اهـ نواوي، قال الأبي: والمسألة من باب تعريف العدد والمعروف في تعريف العددِ المضاف ما ذُكِرَ، وإنما أنكروا ما في الحديث لأن فيه الجَمْعَ بين الألف واللام والإضافة وإنما الأصل أن يضاف ما ليس فيه الألفُ واللامُ إلى ما هما فيه، والدَّرج ما يتوصل به إلى غيره فعلى هذا فمحل استقرارِه وجلوسِه غَير الثلاث اهـ منه (ثم أمر بها) أي بوضعها في هذا الموضع الذي كانت فيه الآن (رسول الله ﷺ فوضعت) تلك الأعواد (هذا الموضع) الذي كانت فيه الآن (فهي) أي فتلك الأعواد، أنَّث لإرادة الأعواد والدرجات (من طرفاء الغابة)
стр. 3115
وَلَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ عَلَيهِ فَكَبرَ وَكَبرَ الناسُ وَرَاءَهُ. وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. ثم رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ. ثُم عَادَ حَتى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ
ــ
والطرفاء شجر معروف من أشجار الجبال، وفي منتهى الأرب الطرفاء جمع طرَفَة بالتحريك، بالأرمية غاتِّرًا، والغابة موضع معروف من عوالي المدينة من جهة الشام، قال الأبي: وأساتيذ المغرب يجلسون للإقراء على الكراسي والحديث أصل لهم.
قال النواوي: وفي رواية جابر في صحيح البخاري وغيره أن المرأة قالت: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه فإن لي غلامًا نجارًا، قال: إن شئت! فعملت المنبر، وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة لرواية سهل هذه، والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا أولًا على رسول الله ﷺ ثم بعث إليها النبي ﷺ بطلَبِ تنجيزِ ذلك اهـ. قال سهل (و) الله (لقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه) أي على هذا المنبر (فكبر) للإحرام، قال القاضي عياض: أجاز أحمد أن يصلي الإمام على موضع أرفع مما عليه أصحابه لهذا الحديث، ومالك وغيره يمنعه، قال المازري: ففِعْلُه ﷺ هذا يحتمل أن الارتفاع يسير أو يقال إنما امتنع لأئمتنا لما فيه من التكبر وهو ﷺ معصوم من ذلك، والأشبه ما علله به من أنه فعله ليعلمهم الصلاة، قال القاضي: لأن مع عدم المنبر لا يعلم صلاته إلا من يكتنفه ومع المنبر لا تخفى صلاته على أحد اهـ أبي (وكبر الناس وراءه أي خلفه، زاد في رواية سفيان عن أبي حازم عند البخاري "فقرأ" الفاتحة والسورة "ثم ركع" (وهو على المنبر) جملة حالية (ثم رفع) رأسه من الركوع (فـ) لما أراد السجود (نزل القهقرى) أي رجع إلى خلفه محافظة على استقبال القبلة والقهقرى هو المشي إلى خلف ظهره من غير أن يعود إلى جهة مشيه وكان المنبر ثلاث درجات متقاربة فيتيسر النزول والصعود بخطوة أو خطوتين ولا تبطل الصلاة فكان ما عمله عملًا يسيرًا (حتى سجد) وفي رواية أبي داود "فسجد" وحتى هنا بمعنى الفاء (في أصل المنبر) على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه (ثم عاد) إلى المنبر فصلى كذلك بالطلوع والنزول (حتى فرغ من آخر صلاته) أي حتى فرغ من جميع صلاته، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطبراني فخطب الناس عليه ثم أقيمت الصلاة فكبر وهو على المنبر، فأفادت هذه الرواية تقدم الخطبة
стр. 3116
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الناسِ فَقَال: "يَا أَيهَا النَّاسُ، إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي. وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي".
١١١١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْد الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ. حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ؛ أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْد. ح قَال: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْب وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالُوا:
ــ
على الصلاة اهـ من العون (ثم) بعد ما فرغ من صلاته (أقبل) بوجهه الشريف (على الناس فقال) لهم مبينًا لهم حكمة صلاته على المنبر (يا أيها الناس إني صنعت) وفعلت (هذا) العمل من صلاتي على المنبر (لتأتموا) أي لتقتدوا (بي) في صلاتي (ولتعلموا) كيفية (صلاتي) بكسر اللام وفتح المثناة الفوقية والعين وتشديد اللام أي لتعلموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا فبين ﷺ أن صعوده على المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم ليرى جميعهم أفعاله ﷺ بخلاف ما إذا كان على الأرض فإنه لا يراه إلا بعضهم ممن قرب منه، وفي الحديث جواز العمل اليسير في الصلاة وكذا الكثير إن تفرق، وجواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل وارتفاع الإمام على المأمومين وشروع الخطبة على المنبر لكل خطيب واتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه كذا ذكره القسطلاني في إرشاد الساري. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٣٣٩] والبخاري [٤٤٨] وأبو داود [١٠٨٠]، والنسائي [٢/ ٥٧] وابن ماجه [١٤١٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سهل بن سعد ﵄ فقال:
١١١١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد) بلا إضافة (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى القارة قبيلة معروفة من العرب، وهو بالرفع صفة ليعقوب (القرشي) الزهري حليفهم المدني ثم الإسكندراني، ثقة، من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (حدثني أبو حازم) بالحاء المهملة سلمة بن دينار المدني (أن رجالًا) من الأنصار (أتوا سهل بن سعد ح قال) المؤلف (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (قالوا) أي قال
стр. 3117
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ؛ قَال: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلُوهُ: مِنْ أَيِّ شَيءٍ مِنْبَرُ النبِي ﷺ ؟ وَسَاقُوا الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ
ــ
كل من هؤلاء الثلاثة أبي بكر وزهير وابن أبي عمر (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي (عن أبي حازم، قال) أبو حازم: إن رجالًا من الأنصار (أتوا سهل بن سعد) الساعدي (فسألوه من أي شيء) أي من أي شجر (منبر النبي ﷺ أي خشبه. وهذان السندان من رباعياته الأول منهما رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة فإنه نسائي، والثاني منهما رجاله اثنان مدنيان واثنان كوفيان أو كوفي ونسائي أو كوفي ومكي، وغرضه بسوقهما بيان متابعة يعقوب بن عبد الرحمن وابن عيينة لعبد العزيز بن أبي حازم في رواية هذا الحديث عن أبي حازم وحينئذ فالصواب في قوله (وساقوا الحديث نحو حديث ابن أبي حازم) أن يقال (وساقا الحديث) بضمير التثنية لا بضمير الجمع لأن المتابع بكسر الباء اثنان فقط ولا حاجة إلى تأويل ما أول به النواوي لأنه تكلف لا ضرورة إليه لأن مثل هذا التحريف كثير في أكثر نسخ صحيح مسلم رحمه الله تعالى، قال النواوي: قوله (وساقوا الحديث نحو حديث ابن أبي حازم) هكذا هو في النسخ بضمير الجمع، وكان ينبغي أن يقول (وساقا الحديث) إلخ لأن المراد بيان رواية يعقوب بن عبد الرحمن وسفيان بن عيينة عن أبي حازم فهما شريكا ابن أبي حازم في الراواية عن أبي حازم، ولعله أتى بضمير الجمع ومراده الاثنان وإطلاق الجمع على الاثنين جائز بلا شك لكن هل هو حقيقة أم مجاز؟ فيه خلاف مشهور، الأكثرون أنه مجاز. ويحتمل أن مسلمًا أراد بقوله وساقوا الرواة عن يعقوب وعن سفيان وهم أربعة انتهى، وهذا أيضًا تكلف وخروج عن اصطلاحاته، ويعارضه قوله نحو حديث ابن أبي حازم لأن فيه تصريح بالمتابَع بفتح الباء، والله أعلم. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث سهل بن سعد ﵄ وذكر فيه متابعة واحدة.
* * *
стр. 3118
٢٥٩ - (٧٠) باب: كراهية الاختصار في الصلاة
١١١٢ - (٥٠٥) (١٦٤) وَحَدثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ح قَال: وَحَدثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ مُخْتَصِرًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ قَال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ
ــ
٢٥٩ - (٧٠) باب كراهية الاختصار في الصلاة
وهو أن يضع يده على خاصرته لأنه من فعل المتكبرين، وسيأتي بيان الاختلاف في تأويله إن شاء الله تعالى قريبًا في الباب.
١١١٢ - (٥٠٥) (١٦٤) (وحدثني الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي أبو صالح (القنطري) نسبة إلى القنطرة موضع ببغداد، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (ح قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا أبو خالد) الأحمر الكوفي سليمان بن حيان الأزدي، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٧) بابا، حالة كون كل من عبد الله بن المبارك وأبي خالد وأبي أسامة (جميعًا) أي مجتمعِين في الرواية (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (عن محمد) بن سيرين الأنصاري البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٦) بابا (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁. وهذان السندان من خماسياته الأول منهما اثنان منهم بصريان وواحد مدني وواحد مروزي وواحد بغدادي، والثاني منهما رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مدني (عن النبي ﷺ أنه نهى) وزجر (أن يصلي الرجل) وكذا المرأة لأنهن شقائق الرجال (مختصرًا) أي واضعًا يده على خاصرته (وفي رواية أبي بكر قال نهى رسول الله ﷺ بصيغة السماع لا العنعنة، وفي رواية البخاري نهى عن الخصر في الصلاة، قال النواوي: اختلف العلماء في معنى الاختصار فالصحيح
стр. 3119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين وبه قال أصحابنا في كتب المذهب؛ أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته، وقال الهروي: قيل هو أن يأخذ بيده مخصرة أي عصا يتوكأ عليها، وقيل أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين في فرضه ولا يكملها قاله أبو هريرة، وقيل أن يحذف من الصلاة بحيث لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا حدودها والصحيح الأول، قيل نهى عنه لأنه من فعل اليهود، وقيل فعل الشيطان قيل لأن إبليس هبط من الجنة كذلك، وقيل لأنه من فعل المتكبرين، وفسره أبو داود فقال (يعني يضع يده على خاصرته) هذا هو الصحيح في معنى الاختصار، ويؤيد ما رواه أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن زياد قال: صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه اهـ تحفة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٩٩] والبخاري [١٢١٩ و ١٢٢٠] وأبو داود [٩٤٧] والترمذي [٣٨٣] والنسائي [٢/ ١٢٧] ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أبي هريرة ﵁.
***
стр. 3120
٢٦٠ - (٧١) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في موضع السجود في الصلاة
١١١٣ - (٥٠٦) (١٦٥) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيع. حَدَّثَنَا هِشَام الدَّسْتَوَائِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيقِيبٍ؛ قَال: ذَكَرَ النبِي ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ. يَعْنِي الحَصى قَال: "إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَوَاحِدَة"
ــ
٢٦٠ - (٧١) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في موضع السجود في الصلاة
١١١٣ - (٥٠٦) (١٦٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي (حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) أي المنسوب إلى دستواء من كور الأهواز وكان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها، أبو بكر البصري (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي أبي نصر اليمامي (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن معيقيب) بقاف آخره موحدة مصغرًا بن أبي فاطمة المدني الدوسي حليف بني عبد شمس الصحابي الجليل كان من السابقين الأولين، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان على خاتم النبي ﷺ ، وولي بَيتَ المال لعمر، روى عن النبي ﷺ أحاديث اتفقا على حديث وانفرد (م) بآخر، ويروي عنه (ع) وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف في الصلاة، وابنه محمد وابن ابنه إياس بن الحارث بن معيقيب، وليس عندهم معيقيب إلا هذا الصحابي الجليل ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان كوفيان وواحد بصري وواحد يمامي (قال) معيقيب (ذكر النبي ﷺ المسح) أي مسح الحصى والتراب وتسويتهما (في المسجد) أي في موضع السجود فيما إذا صلى في مكان غير مُبلَّط (يعني) معيقيب بقوله ذكَرَ المَسْحَ (الحصى) أي مَسْح الحصى وتسويتها في موضع السجود، وقائل العناية أبو سلمة أو من دونه، والحصى جمع حصاة؛ وهي الحجارة الصغار والرمال، وتسمى بالحصباء (قال) النبي ﷺ تفسير لذكر النبي ﷺ (أن كنت) أيها المصلي (لا بد) أي لا غنى لك من أن تكون (فاعلًا) لتسوية الحصى لكونها تؤذيك عند السجود عليها (فواحدة) بالنصب أي
следующие страницы →