Полный текст (11 982 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجوب تقديم الأكل على الصلاة، ومنهم من قال إنه مندوب ومن قيد ذلك بالحاجة ومن لم يقيد اهـ من العون. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٨٩].
قال القرطبي: ظاهر هذا الحديث نفي الصحة والإجزاء وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام فتأول بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شغله حتى لا يدري كيف صلى فهو الذي يعيد قبل وبعد، وأما إن شغله شغلًا لا يمنعه من إقاعة حدودها وصلى ضامًا ما بين وركيه فهذا يعيد في الوقت وهو ظاهر قول مالك في هذا، وذهب الشافعي والحنفي في مثل هذا إلى أنه لا إعادة عليه. قال القاضي أبو الفضل: وكلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها أنها لا تجزئه ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها والأخبثان البول والغائط قاله الهروي وغيره.
وفي المبارق: (قوله ولا يدافعه الأخبثان) يعني لا صلاة كاملة حاصلة للمصلي، والحال أنه يدافعه الأخبثان وهما البول والغائط عن الأداء ويدافعهما المصلي لأداء اهـ.
[فائدة]: قال الأبي: قال بعضهم (قوله ولا هو يدافعه الأخبثان) لم أحقق هذا التركيب من جهة الإعراب يعني على رواية سقوط الواو لأن لا النافية باشرت الضمير وهي لا تلي المعارف، وخرّجه شارح المصابيح في وجهين أحدهما أن لا الأولى لنفي الجنس، وبحضرة الطعام خبرها، والثانية زائدة للتأكيد والواو عطفت الجملة على الجملة وهو مبتدأ، ويدافعه الخبر، وفي الكلام حذف؛ والتقدير ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان، والثاني أن تكون لا حُذف اسمها وخبرها، وقوله هو يدافعه حال أي ولا صلاة لمصل وهو يدافعه الأخبثان اهـ قال (ع): وهو مثل نهيه عن صلاة الحاقن وذلك لشغله بها، ثم اختلف فقال مالك: إن شغله ذلك فأحب إليّ أن يعيد أبدًا. واختلف أصحابه في معنى شغله فقيل معناه أن يعجل لأجله، وتأول بعض أصحابه معنى شغله أن يصلي ولا يدري كيف صلى، وأما إن شغله ولم يمنعه من إقامة حدودها وصلاها ضامًا لوركيه فهذا يعيد في الوقت، وقال أبو حنيفة والشافعي في مثل هذا: لا إعادة عليه، وكلهم مجمع على أنه إن بلغ به ما لا يعقل معه ولا يضبط حدودها أنه لا يجزئه ويقطع الصلاة ولا يدخلها على تلك الحال اهـ من الأبي.
стр. 3152
١١٤١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
١١٤١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري أبو زكرياء البغدادي العابد، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (وقتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (و) علي (بن حجر) بن إياس السعدي أبو الحسن المروزي، من صغار (٩) روى عنه في (١١) (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني (أخبرني أبو حزرة) يعقوب بن مجاهد المذكور في الإسناد الأول (القاص عن عبد الله بن أبي عتيق) محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (عن عائشة عن النبي ﷺ وقوله (بمثله) متعلق بقوله حدثنا إسماعيل أي وساق إسماعيل بمثل ما حدّث حاتم بن إسماعيل (ولم يذكر) إسماعيل (في الحديث قصة القاسم) مع عائشة رضي الله تعالى عنها، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث الأول حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث عائشة الأول ذكره للاستشهاد لحديث أنس، والثالث حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد وللاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والله أعلم.
***
стр. 3153
٢٦٥ - (٧٥) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد
١١٤٢ - (٥٢١) (١٨٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، (وَهُوَ الْقَطَّانُ)، عَنْ عُبَيدِ اللهِ. قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال، فِي غَزْوَةِ خَيبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، (يَعْنِي الثُّومَ)، فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ".
قَال زُهَيرٌ: فِي غَزْوَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيبَرَ
ــ
٢٦٥ - (٧٥) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد
١١٤٢ - (٥٢١) (١٨٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالا حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ (وهو القطان) التميمي البصري (عن عبيد الله) بن عمر العدوي العمري المدني (قال أخبرني نافع عن ابن عمر) وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي واثنان بصريان أو بصري ونسائي (أن رسول الله ﷺ قال في غزوة خيبر: "من أكل من هذه الشجرة") غير مطبوخة، قال ابن عمر (يعني) النبي ﷺ بقوله هذه الشجرة بَقْلَةَ (الثومِ) وهذا تفسير مدرج من الراوي (فلا يأتين المساجد) كلها وكذا كل مجامع الخير كمصلى العيد والاستسقاء ومدارس العلم، وهذا حجة على من قال إن ذلك النهي مخصوص بمسجد رسول الله ﷺ لقوله في حديث جابر الآتي "فلا يقربن مسجدنا" والحديث يدل على أن مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها لا يقربها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس ولذلك جمع بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر، وتسمية الثوم شجرة على خلاف الأصل فإنها من البقول، وقد سماها رسول الله ﷺ في الرواية الآتية بقلة، والشجر في كلام العرب ما له ساق قوي يحمل أغصانه وما ليس كذلك فهو نجم كما روي عن ابن عباس وابن جبير في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ الآية، قال المؤلف رحمه الله تعالى (قال) شيخي (زهير) بن حرب في روايته لي قال الرسول ﷺ (في غزوة ولم يذكر) زهير في روايته لفظة (خيبر) بل ذكرها
стр. 3154
١١٤٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي. قَال: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا" يَعْنِي الثُّومَ.
١١٤٤ - (٥٢٢) (١٨١) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ)، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، (وَهُوَ ابْنُ صُهَيبٍ)، قَال: سُئِلَ أَنَسٌ
ــ
ابن المثنى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٣ و ٢٠] والبخاري [٨٥٣] وأبو داود [٣٨٢٥] وابن ماجه [١٠١٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
١١٤٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا) عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (ح قال وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير واللفظ له) لا لأبي بكر (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (قال) أبي (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العدوي العمري (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الله بن نمير ليحيى القطان في رواية هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن رسول الله ﷺ قال من كل من هذه البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب) عنه (ريحها) المنتن بمعالجةٍ كأكل الكزبرة أو طول مكث، قال ابن عمر (يعني) النبي ﷺ بالبقلة (الثوم) بضم المثلثة؛ البقلة المعروفة، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أنس ﵃ فقال:
١١٤٤ - (٥٢٢) (١٨١) (وحدثني زهير بن حرب) الحرشي النسائي (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الهذلي البصري (يعني ابن علية) اسم أمه (عن عبد العزيز وهو ابن صهيب) البُنَاني البصري الأعمى (قال) عبد العزيز (سُئل أنس) بن مالك
стр. 3155
عَنِ الثُّومِ؟ فَقَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِّي مَعَنَا".
١١٤٥ - (٥٢٣) (١٨٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ - قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقَ،
ــ
الأنصاري البصري (عن) أكل (الثوم) وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا زهيرًا فإنه نسائي (فقال) أنس (قال رسول الله ﷺ من أكل من هذه الشجرة) أي من هذه البقلة كما في رواية حديث ابن عمر، ففي الحديث تسمية الثوم شجرًا وبقلًا، وقال أهل اللغة البقل كل نبات اخضرت به الأرض اهـ نواوي (فلا يقربنا) بإدغام نون التوكيد الخفيفة في نون ضمير المتكلمين أي فلا يقربن إيانا في مجالسنا (ولا يصلي) بإثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهي أو على لغة من يجزم المعتل بالسكون الظاهر على حرف العلة كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
أي ولا يصل (معنا) في مساجدنا حتى يزيل رائحتها لئلا يؤذي المسلمين برائحتها المنتنة، وفي بعض الرواية (فلا يقربنا) بتخفيف النون (ولا يصل معنا) بحذف الياء للجازم وكلاهما صحيح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٨٦] والبخاري [٥٤٥١].
وفي الحديث نَهْيُ مَنْ أكَلَ الثومَ ونَحْوَها عن حضورِ مجمَع المسلمين وإن كانوا في غير مسجد، ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات وغيرها كمصلى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا تلتحق بها الأسواق ونحوها.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵃ فقال:
١١٤٥ - (٥٢٣) (١٨٢) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري أبو عبد الله النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (وعبد بن حميد) الكسي صاحب المسند والتفاسير، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٢) بابا (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة، من
стр. 3156
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ".
١١٤٦ - (٥٢٤) (١٨٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ
ــ
(٩) روى عنه في (٧) أبواب (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (عن) محمد بن مسلم (الزهري) أبي بكر المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٢٣) بابا (عن) سعيد (بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أبي محمد المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (١٧) بابا (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري أو كسي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ من أكل من هذه الشجرة) أي من هذه البقلة النيئة المنتنة (فلا يقربن) بنون التوكيد الثقيلة (مسجدنا) أي مساجدنا معاشر المسلمين أيَّ مسجدٍ كان، سواء كان مسجدَ المدينة أو غيره (ولا يؤذينا) بإثبات الياء على أنه خبر بمعنى النهي أو على اللغة السابقة كما مر تفصيله آنفًا، وروي حذفها على النهي الصريح أي فلا يؤذ إيانا في مجامعنا (بريح الثوم) النِّيئِ المنتنِ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٦٤ و ٢٦٦] وابن ماجه [١٠١٥].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث جابر ﵃ فقال:
١١٤٦ - (٥٢٤) (١٨٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا كثير بن هشام) الكلابي أبو سهل الرقي ثم البغدادي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٣) أبواب (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) أبي بكر البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من (٤) روى عنه في (٩) أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي السلمي أبي عبد الله المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله واحد منهم مدني وواحد مكي وواحد بصري وواخد بغدادي وواحد كوفي، وهذا التَّفَرُّقُ
стр. 3157
قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ. فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا. فَقَال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا. فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ".
١١٤٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ؛ أَنَّ
ــ
من لطائفه (قال) جابر (نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث) النيئين المنتنين (فغلبتنا الحاجة) والضرورة يعني الجوع إلى أكلها (فأكلنا منها) أي من كل من البقلتين، وكان مقتضى السياق (منهما) بالتثنية ولكن أفرد الضمير نظرًا إلى أن المقصود النهي من كل واحدة منهما سواء أكلا مجتمعين أو منفردين كما يعلم من قوله (فقال) رسول الله ﷺ (من أكل من هذه الشجرة) أي من هذه البقلة (المنتنة) أي العفنة أيًّا كانت منهما (فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس) وهم ملازمون المساجد ومواضع الذكر، قال النواوي: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما من باب تفعل بحذف إحدى التاءين أصله تَتَأذى وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول تَأذى مِمَّا يَأْذَى منه الإنس بتخفيف الذال فيهما وهي لغة يقال أَذِيَ يَأْذَى مثل رضي يرضى ومعناه تأذى، قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليًا لأنه محل الملائكة ولعموم الأحاديث اهـ. قال القاضي: قال ابن أبي صفْرَة: وفيه أن الملائكة أفضل من بني آدم، ولا حجة فيه لا سيما مع قوله فإنها تتأذى بما يتأذى به الإنسان فسوى بينهم اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٤٠٠] والبخاري [٨٥٨] وأبو داود [٣٨٢٢] والترمذي [١٨٠٧] والنسائي [٢/ ٤٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
١١٤٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي المصري، من (١٠) (وحرملة) بن يحيى التجيبي المصري، من (١١) كلاهما (قالا أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (قال حدثني عطاء بن أبي رباح) واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبو محمد الجُنْدِيّ اليمانيّ ثم المكيُّ، ثقة، من (٣) (أن
стр. 3158
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله قَال: -وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: وَزَعَمَ- أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيتِهِ". وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ. فَقَال:
ــ
جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني (قال وفي رواية حرملة وزعم) بدل قال؛ أي أن جابر بن عبد الله زعم (أن رسول الله ﷺ قال) الحديث المذكور، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عطاء بن أبي رباح لأبي الزبير في رواية هذا الحديث عن جابر، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (من أكل ثومًا أو بصلًا) أي غير مطبوخين (فليعتزلنا) أي فليبتعد عنا في مجامعنا (أو) قال جابر أو من دونه (ليعتزل) آكِلُهُما (مسجدَنا) والشك من الراوي أو ممن دونه فإنه مع أنه مجمع المسلمين مهبط الملائكة المقربين، قال بعض العلماء: النهي عن مسجد النبي ﷺ خاصة، وحجة الجمهور رواية "فلا يقربن مساجدنا" فإنه صريح في العموم (وليقعد) ذلك الآكل (في بيته) حتى يزيل أو تزول عنه تلك الرائحة الكريهة (وإنه) ﷺ (أُتي بقدر) بكسر القاف وسكون الدال ما يطبخ فيه الطعام، قال النواوي: هكذا هو في نسخ صحيح مسلم كلها "بقدر" ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة "أتي ببدر" بفتح الموحدة وسكون الدال، قال العلماء: هذا هو الصواب، وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب البدر بالطبق، قالوا: سمي بدرًا لاستدارته كاستدارة القمر عند كماله، والطبق شيء يتخذ من الخوص وهو ورق النخل ليؤكل عليه الطعام، ولو سلم رواية "بقدر" يكون المعنى أنها لم تمت بالطبخ تلك الرائحة منها فبقي المعنى المكروه فكأنها نيئة، واستدل به على كراهة ما له ريح كريه من البقول وإن طبخ، وجملة قوله (فيه) أي في ذلك القدر، والمشهور في القدر التأنيث وأشار المجد إلى جواز تذكيره فلعل تذكير الضمير هنا مرة وتأنيثه أخرى مبني على ذلك الجواز اهـ من بعض الهوامش (خضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين جمع خضرة، ويروى بضم الخاء وفتح الضاد جمع خضرة (من بقول) من للبيان صفة لقدر (فوجد) ﷺ (لها) أي لتلك القدر (ريحًا) كريهًا أي عرف ما فيها من الريح (فسأل) رسول الله ﷺ عما في القدر (فأخبر) بالبناء للمفعول أي أخبر رسول الله ﷺ (بما فيها) أي بما في تلك القدر (من البقول فقال)
стр. 3159
"قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَال: "كُلْ، فَإِني أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي".
١١٤٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ. قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ
ــ
رسول الله ﷺ (قربوها) أي قربوا تلك القدر (إلى) من عنده من (بعض أصحابه) قال الكرماني: فيه النقل بالمعنى لأن رسول الله ﷺ لم يقله بهذا اللفظ، بل قال قربوها إلى فلان مثلًا، أوفيه حذف أي قال قربوها مشيرًا إلى بعض أصحابه والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاري (فلما رآه) ذلك البعض أي لما رأى ذلك البعض الذي قرب إليه ما في القدر من الخضرات المنتنة (كره أكلها) أي كره ذلك البعض أكلها وأبى منه فـ (قال) له رسول الله ﷺ (كل) منها يا فلان فإنك لست مثلي (فإني أناجي) وأخاطب وأسارر (من لا تناجيـ) ـهم أنت من الملائكة الكرام، ويدل لما قلنا من أن ذلك البعض أبو أيوب الأنصاري ما في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري في قصة نزول النبي ﷺ عليه قال: فكان يصنع للنبي ﷺ طعامًا فإذا جيء به إليه أي بعد أن أكل النبي ﷺ سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ فصنع ذلك مرة فقيل له لم يأكل النبي ﷺ وكان الطعام فيه ثوم فقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن أكرهه" والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
١١٤٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون أبو عبد الله السمين البغدادي صدوق من (١٠) روى عنه في (١١) (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي أبو سعيد البصري الأحول، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٣) بابا (عن) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (قال) ابن جريج (أخبرني عطاء) بن أبي رباح القرشي المكي (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد بغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح (عن النبي ﷺ أنه (قال) في المرة الأولى يعني أول يوم (من أكل من
стр. 3160
هَذِهِ، الْبَقْلَةِ، الثُّومِ -وَقَال مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ".
١١٤٩ - (٠٠) (٠٠) وَحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَال: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا"،
ــ
هذه البقلة) يعني من (الثوم وقال) النبي ﷺ (مرة) ثانية أي في اليوم الثاني (من كل البصل والثوم والكراث) ورواية النسائي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة قال أول يوم: الثوم، ثم قال: الثوم والبصل والكراث فلا يقربنا" (فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) من الرائحة الكريهة، وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة للرواية الأولى، قال المازري: وألحق أهل المذهب بذلك أهل الصنائع المنتنة كالحواتين والجزارين، قال القاضي: وكذلك الفجل لمن يتجشأ به، وألحق ابن المرابط بذلك ذا البخر والجرح المنتن، قلت: وألحق الشيخ بذلك كثير الضُّنَانِ والبرص الذي يتأذكى بريحه، وأفتى ابن رشد بمنع ذي البرص أن يبيع المعجون، قال الشيح: وبيعه اللحم والسلع العطورية أخف من بيع المعجون فاعلمه اهـ أبي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
١١٤٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (أخبرنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني أبو عثمان البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (ح قال وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (قالا) أي قال كل من محمد بن بكر وعبد الرزاق (جميعًا أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد) يعني عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال (من أكل من هذه الشجرة يريد) النبي ﷺ بالشجرة (الثوم) فهو تفسير مدرج من الراوي (فلا يَغْشَنَا) بالجزم على النهي من الغشيان بمعنى الإتيان، يقال غَشِيَ يَغْشَى من باب رضي إذا أتاه أي فلا يأتنا (في مسجدنا) أي في مجمعنا، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة محمد بن بكر وعبد الرزاق ليحيى بن
стр. 3161
وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ
ــ
سعيد في رواية هذا الحديث عن ابن جريج (و) لكن (لم يذكر) في روايتهما (البصل والكراث) كما ذكره يحيى بن سعيد.
قوله ﷺ في الرواية المارة (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا) ضبطه ابن الملك بضم الراء وهو لغة قليلة ولا مانع من الفتح لا رواية ولا دراية فهو لغة القرآن والحديث مضبوط به في صحيح البخاري ثم إن البخاري قيد في الترجمة الثوم بالنيئ وهو الظاهر من النهي في الحديث فإن مداره على التأذي من نتنه ولا يوجد ذلك في مطبوخه وكذلك أخواه البصل والكراث وأنتنهما الثوم، وقد جاء فيه وفي البصل الإماتة بالطبخ على ما سيأتي ذكره، وفي بعض أحاديث الباب إطلاق الشجر، وفي بعضها إطلاق البقل على الثوم، والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له الساق وما لا ساق له فنجم، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ ففيه مجاز، وأما البقل فكل نبات اخضرت به الأرض، وفي الحديث نَهْي مَنْ أَكلَ مِنْ تلك البقول شيئًا عن حضورِ مجمعِ الناس من مجامع العبادات ومجامع العلم والذكر والولائم، فإن العلة مشتركة ومن قصر المنع على المسجد فقد بَعُدَ عن فهم المعنى كمَنْ فَهِمَ مِنْ لفظِ مسجدنا معنى اختصاص الحكم بمسجد نبينا ﷺ وذكر النواوي استدلال بعضِ العلماء بقوله ﷺ فإن الملائكة تتأذى ... إلخ على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليًا من الإنسان لأنه محل الملائكة لكن المفهوم من قوله ولا يؤذينا أن علة المنع هو تأذي بني آدم قاله ابن الملك، ثم قال: ولا تنافي بين العلتين إذ يمكن أن يكون كل منهما علة مستقلة أو يقال: تأذي الملائكة يكون بتأذي الناس منها، وفي قوله: مما يتأذى منه بنو آدم دون أن يقول منها مع كونه أخصر إشارة إليه لأن الحكم المتعلق بالشيء الموصوف يكون وصفه سببًا له كما إذا قيل صحبت الحكماء واجتنبت السفهاء فعلى هذا يجوز دخوله المسجد إذا كان خاليًا لانتفاء تأذي الملائكة بانتفاء تأذي الناس، وفي شرح النواوي: لا يلتحق بالمساجد ونحوها الأسواق، ويلتحق بآكل الثوم من أكل فجلًا وكان يتجشأ به اهـ.
ثم استشهد المؤلف ﵀ رابعًا لحديث ابن عمر بحديث أبي سعيد الخدري ﵄ فقال:
стр. 3162
١١٥٠ - (٥٢٥) (١٨٤) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ قَال: لَمْ نَعْدُ أنْ فُتِحَتْ خَيبَرُ. فَوَقَعْنَا، أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ. الثُّومِ. وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا. ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّيحَ. فَقَال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيئًا فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ" فَقَال النَّاسُ: حُرِّمَتْ. حُرِّمَت
ــ
١١٥٠ - (٥٢٥) (١٨٤) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري (عن) سعيد بن إياس (الجريري) مصغرًا نسبة إلى أحد أجداده جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس أبي مسعود البصري (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العَوَقِي البصري، ثقة، من الثالثة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد بغدادي (قال) أبو سعيد الخدري (لم نعد) بفتح النون وسكون العين وضم الدال لأنه من عداه الشيء إذا جاوزه من باب دعا أي لم نتجاوز (أن فتحت خيبر) بالبناء للمفعول، والفاء في قوله (فوقعنا) بمعنى حتى (أصحابَ رسول الله ﷺ منصوب على الاختصاص، وقوله (في تلك البقلة) متعلق بوقعنا، وقوله (الثوم) بدل من البقلة، وقوله (والناس جياع) جملة حالية من فاعل وقعنا، والمعنى لم نتجاوز نحن أخص أصحاب رسول الله ﷺ فتح خيبر ولم نفرغ من غزوتها حتى وقعنا في أَكْلِ تلك البقلةِ يعني الثوم، والحال أن الناس جائعون لفقد الطعام (فأكلنا منها) أي من تلك البقلة الخبيثة (أكلًا شديدًا) أي أكلًا كثيرًا (ثم رحنا) أي ذهبنا في الرواح (إلى المسجد) النبوي (فوجد رسول الله ﷺ أي عرف وشم منا (الريح) أي ريح البقلة الكريهة (فقال) رسول الله ﷺ (من أكل) منكم (من هذه الشجرة الخبيثة) أي المستكرهة المنتنة (شيئًا) أي قليلًا أو كثيرًا (فلا يقربنا) بتشديد نون الضمير (في) هذا (المسجد) فلما سمع الناس هذا الذم ظنوا أنها قد حرمت فصرحوا به كما قال (فقال الناس) بعضهم لبعض إنها (حرمت) البقلة (حرمت) تأكيد لما قبله؛ وكأنهم فهموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها مع ما قد سمعوا من قول الله
стр. 3163
فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله لِي. وَلكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا".
١١٥١ - (٥٢٦) (١٨٥) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو،
ــ
تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فبين لهم النبي ﷺ أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم إذ قد يراد به ما لا يوافق عادة واستعمالًا (فبلغ ذاك) الذي قالوه (النبي ﷺ فقال: أيها الناس إنه) أي إن الشأن والحال (ليس بي) أي ليس لي (تحريم ما أحل الله) تعالى (لي) ولأمتي (ولكنها) أي ولكن هذه البقلة (شجرة) أي بقلة (أكره ريحها) المنتنة المستكرهة، وسماها خبيثة لقبح رائحتها، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شراب أو شخص، ومن هذا يُعلم أنه لا يصح للشافعي الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ على تحريم ما يستخبث عادة كالحشرات وغيرها إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادة وإلى مستخبث شرعًا ومراده تعالى في الآيةِ المُسْتَخْبَثاتُ الشرعية إذ قد أباح البصل والثوم مع أنها مستخبثة، وحرم الخمر والخنزير وإن كان قد يستطاب اهـ مُفهم. قال النواوي: وقوله ﷺ (أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي ... ) إلخ دليل على أن الثوم ليس بحرام وهو إجماع من يعتد به كما سبق، وقد اختلف أصحابنا في أن الثوم هل كان حرامًا على رسول الله ﷺ أم كان يتركه تَنَزُّهًا، وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرم عليه ﷺ ومن قال بالتحريم يقول ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل لها اهـ. وقال القرطبي: وهذا يرد قول أهل الظاهر بتحريم أكل الثوم لأجل منعه من حضور الجماعة التي يعتقدون فرضيتها على الأعيان وكافة العلماء على خلافهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٦٠ - ٦١] وأبو داود [٣٨٣٣].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بمفهوم حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثاني فقال:
١١٥١ - (٥٢٦) (١٨٥) (حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر، ثقة من (١٠) (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري، صدوق، من (١٠) (قالا حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني عمرو) بن
стр. 3164
عَنْ بُكَيرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ. وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيهِ. فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ. وَأَخَّرَ الآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا.
١١٥٢ - (٥٢٧) (١٨٦) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا هِشَامٌ. حَدَّثنَا قَتَادَةُ عَن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛
ــ
الحارث بن يعقوب الأنصاري أبو أمية المصري، ثقة، من (٧) (عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) المخزومي مولاهم أبي عبد الله المدني ثم المصري، ثقة، من (٥) (عن) عبد الله (بن خباب) الأنصاري النجاري مولاهم المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي سعيد الخدري) وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مصريون واثنان مدنيان (أن رسول الله ﷺ مر على زرَّاعة بصل) بفتح الزاي وتشديد الراء؛ أي على أرض مزروعة بصلًا كثيرًا (هو) تأكيد لفاعل مر ليعطف عليه قوله (وأصحابه فنزل ناس منهم) أي فريق من الأصحاب جنب المزرعة (فأكلوا منه) أي من البصل (ولم يأكل) فريق (آخرون) من البصل، قال أبو سعيد (فرحنا) أي ذهب كلنا في الرواح (إليه) ﷺ (فدعا الذين لم يأكلوا البصل) إلى مجلسه (وأخر الآخرين) أي أمر الآخرين الذي أكلوا البصل بالتأخر عن مجلسه (حتى ذهب) عنهم (ريحها) أي ريح البقلة، أنث الضمير العائد إلى البصل نظرًا إلى كونها بمعنى البقلة. وهذا الحديث دل على الجزء الأخير من الترجمة بمفهومه لأن تأخير الآكلين عن مجلسه بمنزلة إخراجهم من المسجد. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير منها بحديث عمر بن الخطاب الدال عليه منطوقه ﵁ فقال:
١١٥٢ - (٥٢٧) (١٨٦) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي البصري (حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي أبو بكر البصري (حدثنا قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٣) (عن معدان بن أبي طلحة) ويقال ابن
стр. 3165
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَذَكَرَ نَبِيَّ الله ﷺ . وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ. قَال: إِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلاثَ نَقَرَاتٍ. وَإِنِّي لا أُراهُ إِلا حُضُورَ أَجَلِي. وَإِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ. وَإِنَّ الله لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلا خلافَتَهُ، وَلا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيهُ ﷺ
ــ
طلحة الكناني العمري الشامي (أن عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين العدوي المدني ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد مدني وواحد شامي وواحد كوفي (خطب) أي ذكَّر ووعظ الناس (يوم الجمعة) وخطب خطبتها (نذكر) فيها (نبي الله ﷺ وتبليغه (وذكر أبا بكر) الصديق وخلافته و (قال) عمر (إني رأيت) في المنام (كأن ديكًا) ذكر الدجاج (نقرني) أي غرز لي بمنقاره (ثلاث نقرات وإني لا أراه) أي لا أظن ذلك النقر (إلا حضور أجلي) أي إلا علامة على قرب أجلي وموتي.
وهذه الرؤيا مذكورة في تفسير الأحلام لابن سيرين مع هذه الزيادة وهي قوله وقصصتها أي قال عمر وقصصت تلك الرؤيا على أسماء بنت عميس فقالت لي في تفسيرها: يقتلك رجل من العجم المماليك اهـ، وأسماء بنت عميس صحابية قديمة الإسلام ذات الهجرتين، أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وزوجة أبي بكر الصديق بعد جعفر الطيار، والدة محمد بن أبي بكر وهي التي غسلت الصديق في وفاته وكانت من الأخوات المؤمنات كما ورد في الحديث (وإن أقوامًا) من أصحاب رسول الله ﷺ (يأمرونني أن أستخلف) أي بأن أجعل خليفة عني في الناس (وإن الله) (لم يكن ليضيع دينه) دين الإسلام، واللام هنا لام الجحود لوقوعها بعد يكن المنفي بلم كما قال بعضهم في ضابطها:
وكل لام قبله ما كانا ... أو لم يكن فبالجحود بانا
أي لم يكن الله مريدًا لضياع دينه (ولا خلافته) أي ولا لضياع خلافته أي خلافة رسوله (ولا) الدين (الذي بعث به نبيه ﷺ من الشرائع والأحكام بل يقيم له من يقوم به، ومعنى كلامه إن استخلف فحسن لأنه استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن تركت الاستخلاف فحسن فإن النبي ﷺ لم يستخلف كذا روي عنه ﵁.
وفي المفهم: قوله (كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات) هذا الديك الذي أريه عمر مثال
стр. 3166
فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ. فَالْخِلافَةُ شُورَى بَينَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ. الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الأَمْرِ
ــ
للعلج الذي قتله وهو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيًّا، وكان نجارًا حدادًا نقاشًا، وكان من شأنه ما ذكره البخاري [٣٧٠٠] وغيره: وهو أنه وثب على عمر وهو في صلاة الصبح بعد أن دخل عمر فيها فطعنه ثلاث طعنات فصاح عمر قتلني أو أكلني الكلب ظانًا أنه كلب عضه فتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فكمل الصلاة بالناس ثم إن العلج وثب وفي يده سكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة وقيل سبعة فطرح عليه رجل خميصة كانت عليه فلما رأى العِلج أنه مأخوذ نحر نفسه وحز عبد الرحمن بن عوف رأسه وهو الذي كان طرح عليه الخميصة.
وقوله (إن أقوامًا يأمرونني) معنى الأمر هنا العَرْض والتحضيض أو الفتيا بأنه يجب عليه أن يستخلف وأنه مأمور بذلك من جهة الله تعالى، وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لما سمعوا من عمر تأويله لمنامه بحضور أجله وهذا قبل وقوع طعنه، ويحتمل أن يكون هذا بعد أن طعن ويكون بعض الرواة ضم أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدل مساق هذا الخبر. وقوله (وإن الله لم يكن ليضيع دينه) إلخ، وإنما قال ذلك عمر ﵁ لأنه قد علم مما قد فهمه من كتاب الله وسمعه من رسول الله ﷺ أن الله تعالى يستخلف المؤمنين في الأرض ويمكن لهم دينهم ويظهره على الدين كله فقال ذلك ثقة بوعد الله وتوكلًا عليه، والخلافة هنا القيام بأمر أمة محمد ﷺ على نحو ما قام به محمد ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما اهـ من المفهم (فإن عجل بي أمر) أي بادر وأسرع عليّ الموت قبل الاستخلاف (فالخلافة) تكون (شورى) أي ذات مشاورة (بين هولاء الستة) الأنفار (الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض) أي يتشاورون فيه ويتفقون على واحد من هؤلاء الستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ولم يدخل سعيد بن زيد معهم وإن كان مع العشرة لأنه من أقاربه فتورع من إدخاله كما تورع من إدخال ابنه عبد الله ﵃ (وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون) بضم العين وفتحها وهو الأصح هنا اهـ نواوي (في هذا الأمر) أي في
стр. 3167
أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلامِ. فَإِنْ فَعَلُوا ذلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ الله، الكَفَرَةُ الضُّلَّالُ. ثُمَّ إِنِّي لا أَدَعُ بَعْدِي
ــ
جعل هذا الأمر يعني أمر الخلافة في أهل بيت رسول الله ﷺ ، وجملة قوله (أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام) صفة لأقوامًا يعني أن أقوامًا متأخري الإسلام موصوفين بكوني ضربتهم على الدخول في الإسلام يطعنون أي يعيبون في جعل هذا الأمر في أهل بيت النبي ﷺ بل يريدون لأنفسهم، قال القرطبي: قوله (في هذا الأمر) إشارة إلى جعله الأمر شورى بين الستة المذكورين، وقال الأبي: الله أعلم بمن عني عمر بهؤلاء القوم الطاعنين الآبين من الخلافة، نعم كان قوم يأبون أن تكون في أهل البيت، ثم أطال الكلام بحيث لا يسعه المقام، وذكر في أثنائه قول عمر ﵁: والله لا جعلت فيها أحدًا حمل السلاح على رسول الله ﷺ وإن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء، ولَو اسْتَقْبَلْتُ مِن أمري ما اسْتَدْبَرْتُ ما جمعْتُ ليزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان ولايةَ الشام. قال: فيحتمل أن يكون عمر ﵁ أراد بالطاعنين هؤلاء الآبين كونها في أهل البيت، وقد يشهد لذلك قوله أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام.
(فإن فعلوا) أي فإن فعل أولئك الطاعنون (ذلك) الطعن وأفشوه في الناس وعملوا الخلاف في ذلك والمُشَاقَّةَ ولم يَرْضَوا بالذين اخترْتُهم (فأولئك) الطاعنون عند الله المشاقون لمن اخترتهم من أهل الشورى (أعداء الله الكفرة الضلال) قال القرطبي: وظاهر هذا أنه حكم بكفرهم وكأنه علم أنهم منافقون، وعلى هذا يدل قوله (أنا ضربتهم بيدي على الإسلام) يعني أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال لم تنشرح صدورهم للإسلام إنما تستروا بالإسلام وذلك حال المنافقين، ويحتمل أنهم لما فعلوا فعل الكفار من الخلاف وموافقة أهل الأهواء ومشاقة المسلمين أطلق عليهم ما يطلق على الكفار، وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كفران النعم والحقوق، وقوله (الكفرة) جمع كافر على وزن فعلة (الضلال) جمع ضال على وزن فعال وهو عطف بيان للكفرة أو صفة له، قال النواوي: معناه إن استحلوا ذلك فهم كفرة ضلال وإن لم يستحلوا ذلك ففعلهم فعل الكفرة اهـ.
(ثم) بعد ما ذكر قال عمر ﵁ (إني لا أدع) أي لم أترك (بعدي) أي بعد
стр. 3168
شَيئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الكَلالةِ. مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي شَيءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلالةِ. وَمَا أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي. فَقَال: "يَا عُمَرُ، أَلا تَكْفِيكَ آيَةُ الضَّيفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ " وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لا يَقرَأُ الْقُرْآنَ
ــ
وفاتي (شيئًا) وأمرًا من أمور الإسلام (أهم) أي أشد وأكثر اهتمامًا واعتناء ببيانه (عندي من) بيان (الكلالة) وإيضاحها للناس (ما راجعت رسول الله ﷺ في) بيان (شيء) من أمور الإسلام وأحكامه مثل (ما راجعته) ﷺ (في) بيان (الكلالة) لي لأنها أشكلت عليّ جدًّا فراجعته فيها كثيرًا (وما أغلظ لي) وشدد رسول الله ﷺ في الجواب (في شيء) من مسائل مثل (ما أغلظ) وشدد في الجواب (لي) عن سؤالي (فيه) أي في أمر الكلالة بل أغلظ علي في الجواب لي عنها (حتى طعن بأصبعه في صدري فقال يا عمر ألا تكفيك) في بيان أمر الكلالة (آية الصيف) أي الآية التي نزلت في وقت الصيف (التي) هي (في آخر سورة النساء) وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ الآية، قال القاضي: وفيه الإلحاح على العالم ومراجعته وتأديب المتعلم إذا أسرف في ذلك والله أعلم اهـ، وقال النواوي: وفي هذا دليل على جواز قول سورة النساء وسورة البقرة وسورة العنكبوت ونحوها وهذا مذهب من يعتد به من العلماء، والإجماع اليوم منعقد عليه، وكان فيه نزاع في العصر الأول، وكان بعضهم يقول: لا يقال سورة كذا، وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا، وهذا باطل مردود بالأحاديث الصحيحة واستعمال النبي ﷺ والصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء المسلمين ولا مفسدة فيه لأن المعنى مفهوم والله أعلم (وإني إن أَعِشْ) مضارعٌ أجوفُ مسندٌ إلى المتكلم مجزوم بالسكون الظاهر لأنه من عاش يعيش نظير باع يبيع أي وإني إن قدر الله معيشتي وحياتي إلى زمن يسع ذلك (أقض فيها) أي أحكم في ميراث الكلالة (بقضية) واضحة (يقضي بها من يقرأ القرآن) ويعرف معانيه (ومن لا يقرأ القرآن) ولا يعرف معانيه حتى تكون تلك القضية نظامًا واضحًا ودستورًا بَيِّنًا لا يعدل عنه. وهذا يدل على أنه كان اتضح له وجه الصواب فيها وأنه كان قد استعمل فكره فيها حتى يفهم ذلك وأنه أراد أن
стр. 3169
ثُمَّ قَال: اللَّهمَّ، إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ. وَإِنِّي إِنِّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ
ــ
يوضح ذلك على غاية الإيضاح ولم يتمكن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنية ﵁ ولم يُرْوَ عنه فيها شيء من ذلك لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين وأوضحوا ذلك فتبين الصبح لذي عينين، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
(ثم قال) عمر (اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار) والمدن أي على ما أمرتهم به من العدل والنصح لعامة المسلمين (وإني إنما بعثتهم) أي بعثت الأمراء ووليتهم (عليهم) أي على أهل الأمصار (ليعدلوا) أي ليظهروا العدل والحق (عليهم) أي على الرعايا (وليعلموا الناس) أي عوام الناس (دينهم) أي أحكام دينهم (وسنة نبيهم) محمد ﷺ وشريعته (وبقسموا فيهم) أي في الناس (فيئهم) وأرزاقهم التي يستحقون في بيت المال وغنائمهم التي يغنمونها من أعدائهم (ويرفعوا إلي ما أشكل) وَانْبَهَمَ (عليهم من أمر) دينـ (ـهم) ودنياهم.
واعلم أن اهتمام عمر ﵁ بالكلالة لأنها أشكلت عليهم، وذلك أنها نزلت فيها آيتان إحداهما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] وفيها إشكال من جهات، ولذلك اختلف في الكلالة ما هي ففيها أربعة أقوال: أحدها أنها ما دون الوالد والولد قاله أبو بكر الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس في خلق كثير، والثاني أنها من لا ولد له وروي عن عمر أيضًا وهو قول طاوس، والثالث أنها ما عدا الوالد قاله الحكم بن عتيبة، والرابع أنها بنو العم الأباعد قاله ابن الأعرابي، واختلف أيضًا فيما يقع عليه الكلالة على ثلاثة أقوال: أحدها على الحي الوارث قاله ابن عمر، والثاني على الميت قاله السدي، والثالث على المال قاله عطاء، واختلف أيضًا فيما أخذت منه الكلالة على قولين: أحدهما أنها مأخوذة من الإكليل المحيط بالرأس فكأنها تكللت أي أحاطت بالميت من كلا طرفيه ولذلك قال الفرزدق:
وَرِثْتُم قناةَ المُلْكِ لا عَنْ كلالةٍ ... عن ابْنَي مَنَافٍ عبد شمس وهاشم
وقال الآخر:
стр. 3170
ثُمَّ إِنَّكُم، أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلُونَ شَجَرَتَينِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَينِ. هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ. لَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ ، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ
ــ
وإِنَّ أَبا المَرْءِ أَحْمَى لَهُ ... ومَوْلَى الكلالةِ لا يَغْضَبُ
والثاني أنها مأخوذة من الكلال وهو الإعياء وكأنه يصل الميراثُ بالوارث بها عن بُعْدٍ وإِعياءٍ فكأنَّ الرحمَ كَلَّتْ عن وارث قريب، قال الأعشى:
فآلَيتُ لا أَرْثِي لَها عَنْ كَلالةٍ ... ولا مِنَ وَجىً حَتَّى تُلاقِي محمدًا
ثم مقتضى هذه الآية الأولى أن كل واحد من الأخوين له السدس سواء كان أحدهما ذكرًا أو أنثى فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف وللاثنين الثلثين، ولم يبين في واحدة من الآيتين الإخوة هل هي لأم أو لأب أو لهما ثم إذا تَنزلنا على أن الأخوة من الأُولَى للأم، وفي الثانية للأب أو أشقاء فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا أو يكون ذلك فرضهم وإن كان معهم بعض الورثة كل ذلك أمور مطلوبة والوصولُ إلى تحقيق تلك المطالب عسير وسنُبيِّن الصحيحَ من ذلك كله في الفرائض إن شاء الله تعالى.
فلما استشكلَتْ على عمر هذه الوجوه تشوف إلى معرفتها بطريق يزيح عنه الإشكال فأَلحَّ على النبي ﷺ بالسؤال عن ذلك حتى ضرب النبي ﷺ على صدره وأغلظ عليه في ذلك رادعًا له عن الإلحاح إذ كان قد نهى عن كثرة السؤال وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عما في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يبين بعضه بعضًا، وقال الخطابي: يثبه أن يكون لم يفته ووكل الأمر إلى بيان الآية اعتمادًا على علمه وفهمه ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فهم له لبيّن له البيان الشافي، قال: وإن الله أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآيةَ الثانية التي في آخر سورة النساء في الصيف وفيها زيادة بيان اهـ من المفهم.
(ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين) أي بقلتين (لا أراهما) أي لا أظنهما (إلا خبيثتين) أي منتنتين (هذا البصل والثوم) والله (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به) أي بإخراجه من المسجد (فأخرج) ذلك
стр. 3171
إِلَى الْبَقِيعِ. فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتهُمَا طَبْخًا.
١١٥٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارِ. قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
الرجل من المسجد (إلى) جهة (البقيع) ففيه إخراج من وجد منه ريح الثوم أو البصل أو نحوهما من المسجد، وفيه إزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وهذا محل الترجمة (فمن أكلهما) أي فمن أراد أكلهما منكم (فليمتهما) أي فليمت رائحتهما (طبخًا) وليذهبهما بالطبخ لئلا يؤذي الناس بها، وإماتة كل شيء كسر قوته وحدته، ومنه قوله قتلْتُ الخمرَ إذا مزَجَها بالماءِ وكَسَرَ حِدتها، وهذا يدل على أن النهي إنما هو في النِيّء. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٨ و ٤٨]، وابن ماجه [٢٧٢٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعةَ في حديث عمر ﵁ فقال:
١١٥٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا إسماعيل بن علية) الأسدي البصري (عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري (ح قال وحدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (كلاهما عن شبابة بن سوار) المدائني أبي عمرو الفزاري مولاهم (قال حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري (جميعًا) أي كل من سعيد وشعبة (عن قتادة في هذا الإسناد) يعني عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر بن الخطاب (مثله) أي مثل ما روى هشام عن قتادة، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة وشعبة لهشام الدستوائي في رواية هذا الحديث عن قتادة، والله أعلم.
[تنبيه]: قال النواوي: قوله (حدثنا هشام قال خَطَب الجمعة) هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثةَ حُفاظ وهم منصورُ بن المعتمر وحُصين بن عبد الرحمن وعَمرو بن مُرَّة فرَوَوْهُ عن سالم عن عُمر منقطعًا لم يذكروا فيه معدان قال الدارقطني: وقتادة وإن كان ثقة وزيادةُ الثقة مقبولة عندنا فإنه مدلِّس ولم يذكر فيه سماعه من سالم فأشبه أن يكون بَلَغه عن سالم فرواه عنه (قلت)
стр. 3172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا الاستدراكُ مردود لأن قتادة وإن كان مدلسًا فقد قدَّمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلّسين وعَنْعَنُوه فهو محمولٌ على أنه ثَبَت من طريق آخر سماعُ ذلك المدلّس هذا الحديث ممن عنْعَنَه عنه، وأكثر هذا أو كَثيرٌ منه يَذْكُر مسلم وغيره سماعَه من طريق آخر متصلًا به، وقد اتفقوا على أن المدلس لا يُحتج بعنعنته كما سبق بيانُه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح، ولا شك عندنا في أن مسلمًا رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدةَ ويعلمُ تدليسَ قتادة فلولا ثُبوتُ سماعه عنده لم يَحْتَجَّ به، ومع هذا كُلِّه فتدليسُه لا يلزم منه أن يذكر معدان من غير أن يكون له ذِكْرٌ، والذي يخَاف من المدلس أن يَحْذِفَ بعضَ الرواة أما زيادةُ مَنْ لم يكن فهذا لا يفعلُه المدني وإنما هذا فعلُ الكاذب المجاهرِ بكَذبه وإنما ذكر معدان زيادة ثقة فيجب قبولها، والعجبُ من الدارقطني رحمه الله تعالى في كونهِ جَعَلَ التدليس مُوجِبًا لاختراع ذِكْرِ رجل لا ذِكر له ونَسبه إلى مثل قتادة الذي محلُّه من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العاليةِ وبالله التوفيق. وجملةُ ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستةُ أحاديث: الأولُ حديثُ ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزءِ الأول من الترجمة وذكر فيه متابعةً واحدةً، والثاني حديث أنس ذكره للاستشهاد، والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد، والرابع حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد، والسادس حديث عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والله أعلم.
***
стр. 3173
٢٦٦ - (٧٦) باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد
١١٥٤ - (٥٢٨) (١٨٧) حدَّثنا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللهُ عَلَيكَ. فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا"
ــ
٢٦٦ - (٧٦) باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد
١١٥٤ - (٥٢٨) (١٨٧) (حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن السرح الأموي مولاهم المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري (عن حيوة) بن شريح بن صفوان التجيبي أبي زرعة المصري، ثقة عابد، من (٧) (عن محمد بن عبد الرحمن) بن نوفل بن الأسود القرشي الأسدي أبي الأسود المدني يتيم عروة بن الزبير، ثقة، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن) سالم بن عبد الله النصري بالنون نسبة إلى نصر قبيلة أو جد (أبي عبد الله) المدني (مولى شداد بن الهاد) ويقال له مولى النصريين، صدوق، من الثالثة (٣) مات سنة (١١٠) عشر ومائة (أنه سمع أبا هريرة) الدوسي المدني. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون حالة كونه (يقول قال رسول الله ﷺ من سمع رجلًا ينشد) أي يطلب بضم الشين من باب نصر، يقال نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها (ضالة) أي دابة ضائعة (في المسجد) متعلق بينشد، والضالة: هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال ضل الشيء إذا ضاع، قال ابن الأثير: الضالة فاعلة من الصفات الغالبة تقع على الذكر والأنثى والجمع وتجمع على ضوال، وقد تطلق الضالة على المعاني، ومنه الحديث "الحكمة ضالة المؤمن" أي لا يزال يتطلبها كما يتطلب الرجل ضالته (فليقل) السامع للناشد لا وجدتها و (لا ردها الله) تعالى (عليك فإن المساجد لم تُبن لهذا) أي لطلب الضوال فيها، وإنما بنيت للصلاة والذكر والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها.
قوله (ينشد) كيَطْلُب وزنًا ومعنى، قوله (فليقل) السامع وجوبًا أو ندبًا (لا ردها الله
стр. 3174
١١٥٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ. حَدَّثَنَا حَيوَةُ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا الأَسْوَدِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ مَوْلَى شَدَّادٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ:
ــ
عليك) دعاء على الناشد بعدم وجدان ضالته كما ورد في الحديث الآخر لا وجدت، وفي حديث آخر "أيها الناشد غيرك الواجد" زجرًا عن ترك تعظيم المسجد فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده فليلحق به ما في معناه فمن رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته دعي عليه على نقيض مقصوده ذلك بسبب جريمة رفع الصوت في المسجد وإليه ذهب مالك في جماعة حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من المالكية رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم، قالوا لأنهم لا بد لهم من ذلك وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم لا بد لهم من ذلك ممنوع بل لهم بد من ذلك بوجهين أحدهما ملازمةُ الوقارِ والحرمةِ وبإخْطَارِ ذلك بالبال، والتحرزِ مِنْ نقيضه، ومَنْ خاف ما يقع فيه تَحرَّز، والثاني أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعًا يخصه كما فعل عمر وقال: من أراد أن يَلْغَط أو يُنشِدَ شعرًا فليخرُج من المسجد اهـ مفهم. قوله (فإن المساجد لم تبن لهذا) قال ابن الملك: يجوز أن يكون هذا القول تعليلًا للدعاء عليه ويكون المجموع مقولًا لقوله فليقل، وأن يكون تعليلًا لقوله فليقل، ثم قال يعرف كراهية كل أمر لم يبن المسجد لأجله حتى كره مالك البحث العلمي فيه وجوزه أبو حنيفة وغيره مما يحتاج إليه الناس لأن المسجد مجمعهم، واستحسن المتأخرون جلوس القاضي في الجامع لأن القضاء بحق من أشرف العبادات اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٤٩] وأبو داود [٤٧٣] والترمذي [١٣٢١] وابن ماجه [٧٦٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١١٥٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا) عبد الله بن يزيد القصير (المقرئ) أبو عبد الرحمن القرشي العدوي مولاهم المصري المكي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا حيوة) بن شريح المصري (قال سمعت أبا الأسود) محمد بن عبد الرحمن الأسدي المدني (يقول حدثني) سالم بن عبد الله (أبو عبد الله) المدني (مولى شداد) بن الهاد (أنه سمع أبا هريرة يقول) وهذا
стр. 3175
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ . يَقُولُ: بِمِثْلِهِ.
١١٥٦ - (٥٢٩) (١٨٨) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَال: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لا وَجَدْتَ، إِنَّما بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ"
ــ
السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة المقرئ لعبد الله بن وهب في رواية هذا الحديث عن حيوة بن شريح (سمعت رسول الله ﷺ يقول) هذا الحديث، وساق المقرئ عن حيوة (بمثله) أي بمثل ما حدث ابن وهب عن حيوة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث بريدة بن الحصيب ﵁ فقال:
١١٥٦ - (٥٢٩) (١٨٨) (وحدثني حجاج) بن يوسف الثقفي أبو محمد البغدادي المعروف بـ (ابن الشاعر) ثقة، من (١١) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا) سفيان بن سعيد (الثوري) الكوفي، من (٧) (عن علقمة بن مرثد) الحضرمي أبي الحارث الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن سليمان بن بريدة) مصغرًا بن الحصيب مصغرًا أيضًا الأسلمي المروزي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبيه) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي المروزي الصحابي الجليل ﵁ له (١٦٤) مائة وأربعة وستون حديثًا اتفقا على حديث واحد، وانفرد (خ) بحديثين و (م) بأحد عشر، روى عن النبي ﷺ "لا رقية إلا عن عين أو حمة" في حديث ذَكَره وفي الوضوء وفي الصلاة وغيرها، ويروي عنه (ع) وابناه سليمان وعبد الله والشعبي وعدة. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مروزيان واثنان كوفيان وواحد صنعاني وواحد بغدادي (أن رجلًا) من الأعراب كما في الرواية الآتية، ولم أر من ذكر اسمه (نشد) أي طلب (في المسجد) النبوي ضالة (فقال) في طلبها (من دعا إلى الجمل الأحمر) أي من وجد ضالتي وهو الجمل الأحمر فدعاني إليه (فقال النبي ﷺ لا وجدت) ضالتك دعا عليه بعدم الوجدان معاقبة له بنقيض مراده (إنما بنيت المساجد لما بنيت له) من العبادات والأذكار والقرآن، عبر عنها بالموصول تعظيمًا
стр. 3176
١١٥٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَال: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَال النَّبِيُّ
ــ
لشأنها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٣٦١].
قال القرطبي: قوله (إنما بنيت المساجد لما بنيت له) يدل على أن الأصل أن لا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن ولذلك قال ﷺ "إذا رأيتم من يبيع في المسجد ويبتاع فقولوا لا أربح الله تجارتك" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة [٥٦٩] وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع وهذا إذا كان بأجرة فلو كان بغير أجرة لمنع أيضًا من وجه آخر وهو أن الصبيان لا يتحرزون من القذر والوسخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد وقد أمر رسول الله ﷺ بتنظيفها وتطييبها وقال "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسَل سيُوفكم وإقامة حدودكم" رواه ابن ماجه من حديث واثلة [٧٥٠] ﵁، وفي الزوائد إسناده ضعيف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث بريدة ﵁ فقال:
١١٥٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (عن أبي سنان) الأكبر ضرار بن مرة الشيباني الكوفي، روى عن علقمة بن مرثد في الصلاة، ومحارب بن دثار في الجنائز والضحايا والأشربة، وأبي صالح السمان في الصوم، ويروي عنه (م د ت س) ووكيع ومحمد بن فضيل وعبد العزيز بن مسلم والسفيانان، قال أحمد: كوفي ثبت، وقال النسائي: كوفي ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة (عن علقمة بن مرثد) الكوفي (عن سليمان بن بريدة) المروزي (عن أبيه) بريدة بن الحصيب المروزي. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون واثنان مروزيان، غرضه بسوقه بيان متابعة أبي سنان لسفيان الثوري في رواية هذا الحديث عن علقمة بن مرثد، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في سوق الحديث (أن النبي صلى الله عليمه وسلم لما صلى) صلاة الفجر (قام رجل) من القوم (فقال) الرجل (من دعا) في (إلى) ضالتي وهو (الجمل الأحمر فقال) له (النبي
стр. 3177
صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "لَا وَجَدْتَ. إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ".
١١٥٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ الْفَجْرِ. فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.
قَال
ــ
ﷺ لا وجدت) ضالتك دعاء عليه (إنما بنيت) هذه (المساجد لـ) يشتغل فيها بـ (ما بنيت له) من الصلاة والأذكار والاعتكاف والقراءة لا لطلب الضالة ولا لغيره من أشغال الدنيا كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث بريدة بن الحصيب ﵁ فقال:
١١٥٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضَّبيُّ الكوفي، من (٨) (عن محمد بن شيبة) بن نعامة الضَّبيُّ الكوفي، روى عن علقمة بن مرثد في الصلاة، وعمرو بن مرة، ويروي عنه (م) وجرير بن عبد الحميد وهشيم وأبو معاوية وجماعة، له عند (م) فرد حديث وهو هذا الحديث، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول، من السابعة (عن علقمة بن مرثد) الكوفي (عن) سليمان (بن بريدة) المروزي (عن أبيه) بريدة المروزي. وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن شيبة للثوري وأبي سنان، وكرر المتن لما في هذه الرواية من المخالفة لما قبلها (قال) بريدة (جاء) رجل (أعرابي بعدما صلَّى النبي ﷺ صلاة الفجر) وفرغ منها (فأدخل رأسه من باب المسجد) قال القرطبي: وهذا دليل على أن حكم هذا حكم الداخل في المسجد، ولو لم يكن كذلك لما منع لأنه رفع صوته فيه ألا ترى أنه لو رفع صوته خارج المسجد لم يعاقب بذلك وبدليل قوله "إن المساجد لم تبن لهذا" ويستنبط من هذا أن الحالف على أن لا يدخل دارًا فأدخل رأسه فيها أنه يحنث بذلك، وقال بعض علمائنا: وكذلك لو أدخل رجله لأن الاعتماد في الدخول على الرجل، ولهذا فَرَّقَ بعضُ أصحابنا بين أن يكون اعتماده عليها أم لا. اهـ مفهم.
(فذكر) محمد بن شيبة (بمثل حديثهما) أي بمثل حديث الثوري وأبي سنان (قال
стр. 3178
مُسْلِمٌ: هُوَ شَيبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ وَهُشَيمٌ وَجَرِيرٌ وَغَيرُهُمْ، مِنَ الْكُوفِيِّينَ
ــ
مسلم) رحمه الله تعالى قولنا في السند عن محمد بن شيبة (هو) محمد بن (شيبة بن نعامة) الضَّبيُّ (أبو نعامة) الكوفي (روى عنه مسعر) بن كدام (وهشيم) بن بشير (وجرير) بن عبد الحميد (وغيرهم من الكوفيين) كأبي معاوية، والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث بريدة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والله أعلم.
***
стр. 3179
٢٦٧ - (٧٧) باب: السهو في الصلاة والسجود له
١١٥٩ - (٥٣٠) (١٨٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيطَانُ فَلَبَسَ عَلَيهِ. حَتَّى لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى. فَإِذَا وَجَدَ ذلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ"
ــ
٢٦٧ - (٧٧) باب السهو في الصلاة والسجود له
١١٥٩ - (٥٣٠) (١٨٩) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك) بن أنس الأصبحي أبي عبد الله المدني (عن ابن شهاب) الزهري المدني (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة) الدوسي المدني. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري (أن رسول الله ﷺ قال إن أحدكم إذا قام) حالة كونه (يصلي جاءه الشيطان فلبس) بتخفيف الباء الموحدة المفتوحة من باب ضرب وبتشديدها، وعلى كل حال معناه خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ وأما لبس الثوب فهو من باب علم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أي فخلط (عليه) صلاته وهَوَّشَهَا عليه وشَكَّكَهُ فيها (حتى لا يدري) ولا يعلم (كلم) أي أيَّ عدد (صلى) من ركعات صلاته أصلى ثلاثًا أم أربعًا مثلًا، وكم هنا استفهامية بمعنى أي عدد أي حتى لا يدري جواب كم صلى من ركعاته (فإذا وجد ذلك) الشك (أحدكم) من نفسه ولم يدر هل صلى ثلاثًا أم أربعًا (فلـ) يبن علي يقينه الذي هو الثلاث وليأت برابعة و (يسجد سجدتين) في آخر صلاته (وهو جالس) جبرًا للشك وبهذا البناء قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور قالوا متى شك في صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا مثلًا لزمه البناء على اليقين فيجب أن يأتي برابعة ويسجد للسهو عملًا بحديث أبي سعيد الخدري الآتي وهو قوله ﷺ "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعا فليطرح الشك وليبن علي ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إِتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان" قالوا فهذا الحديث صريح في وجوب البناء على اليقين وهو مفسر لحديث أبي هريرة المذكور فيحمل حديث أبي هريرة عليه وهذا متعين فوجب المصير إليه مع ما في
стр. 3180
١١٦٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (وَهُوَ ابْنُ عُيَينَةَ). ح قَال: وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ. كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
حديث أبي سعيد من الموافقة لقواعد الشرع في الشك في الأحداث والميراث من المفقود وغير ذلك والله أعلم اهـ نواوي. لا سيما وقد زاد أبو داود في حديث أبي هريرة من طريق صحيحة وهو جالس قبل أن يسلم فيكون مساويًا لحديث أبي سعيد فهو هو، وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث فقالوا ليس على من لم يدرِ كم صلى ولا يدري هل زاد أو نقص غير سجدتين وهو جالس اهـ مفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٣٠] والبخاري [١٢٣٢] وأبو داود [١٠٣٠] والترمذي [٣٩٧] والنسائي [٣/ ٣١] وابن ماجه [١٢١٦].
ثم هذا الأمر بالسجود لمن سها على جهة الوجوب أوفيه تفصيل، فيه خلاف فمن أصحابنا من قال هو محمول على الندب، أما في الزيادة فواضح لأنه ترغيم للشيطان، وأما في النقصان فهو جبير للنقص، وأرفع درجات الجبر أن يتنَزل منزلة الأصل والأصل مندوب إليه فيكون الجبر مندوبًا إليه لأن سجود السهو إنما يكون في إسقاط السنن على ما يأتي، وعلى هذا لا يعيد من ترك سجود السهو، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا هل ذلك في كل نقص أو يختص بالوجوب إذا كان المُسْقَطُ فعلًا ولم يكن قولًا روايتان اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١١٦٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالا حدثنا سفيان وهو ابن عيينة) الهلالي الكوفي (ح قال وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (ومحمد بن رمح) بن المهاجر المصري (عن الليث بن سعد) المصري (كلاهما) أي كل من سفيان وليث (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن أبي سلمة عن أبي هريرة (نحوه) أي نحو ما حدث مالك عن الزهري، وغرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة سفيان والليث لمالك بن أنس في رواية هذا الحديث عن الزهري.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 3181
١١٦١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا نُودِيَ بِالأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيطَانُ. لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ. فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ. فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ. فَإِذَا قُضِيَ التَّثْويبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَينَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ. يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ
ــ
١١٦١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري نزيل اليمن، صدوق، من (٩) (حدثني أبي) هشام بن سنبر الدستوائي أبو بكر البصري، ثقة، من (٧) (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي، ثقة، من (٥) (حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدثهم) أي حدث أبا سلمة ومن معه، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن أبي سلمة، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من الزيادة الكثيرة التي لا تقبل الفصل (أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان) أي شرد، والحال أنه (له) أي للشيطان (ضراط) أي صوت رفيع يخرج عند خروج ريح الحدث، وهو محمول على الحقيقة لأن الشيطان يأكل (حتى لا يسمع الأذان) أي لئلا يسمع الأذان لثقل الأذان عليه كما يضرط الحمار من ثقل الحمل قاله ابن الملك، وفي مرقاة المفاتيح: شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له اهـ.
(فإذا قضي الأذان) وفرغ منه، وفي المشكاة فإذا قضي النداء أي فرغ المؤذن منه (أقبل) الشيطن وجاء (فإذا ثُوِّبَ) وأقيم (بها) أي بالصلاة، من التثويب وهو الإعلام مرة بعد أخرى؛ والمراد به الإقامة اهـ من المرقاة (أدبر) أي شرد وهرب لثقل الإقامة عليه (فإذا قضي التثويب) أي فرغ المقيم من الإقامة (أقبل) الشيطان أي حضر وجاء، حالة كونه (يخطر) ويوسوس ويحدث (بين المرء ونفسه) أي يحول بين المرء وقلبه بالوسوسة فلا يتمكن من الحضور في الصلاة، قال ملا علي (يخطر) بكسر الطاء وتضم، حالة كونه (يقول) له (اذكر كذا) أي تذكر أمر كذا وكذا كناية عن أشياء غير متعلقة بالصلاة، وقوله (اذكر كذا) ثانيًا تأكيد للأول أي حالة كونه ذاكرًا له (لما لم يكن يذكر) قبل الصلاة أي
стр. 3182
حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى. فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ. وَهُوَ جَالِسٌ".
١١٦٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّ الشَّيطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ وَلَّى وَلَهُ ضُرَاطٌ"
ــ
لشيء لم يكن المصلي يذكره قبل شروعه في الصلاة من المشاكل الدنيوية أو المسائل العلمية (حتى يظل الرجل) أو المرأة أي حتى يصير الرجل (إن يدري) أي ما يدري وما يعلم، فإن نافية بمعنى ما، جواب (كم صلى) من عدد ركعات صلاته (فإذا لم يدر أحدكم) ولم يعلم (كم صلى) أي أيَّ عدد صلى من ركعات صلاته أي لم يعلم هل صلى ثلاثًا أم أربعًا (فـ) ليبن علي يقينه الذي هو الثلاث وليتم عليه صلاته، و (ليسجد سجدتين) في آخر صلاته (وهو جالس) قبل أن يسلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١١٦٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني عمرو) بن الحارث المصري (عن عبد ربه بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري النجاري أخي يحيى بن سعيد المدني، روى عن الأعرج في الصلاة، ومخرمة بن سليمان وعبد الله بن كعب الحميري في الصوم، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في الصوم، وعمرة بنت عبد الرحمن في الطب، وأبي الزبير في الطب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن في الرؤيا، ويروي عنه (ع) وعمرو بن الحارث ومالك بن أنس والسفيانان وشعبة، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من (٥) الخامسة، مات سنة (١٣٩) (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم أبي داود المدني القارئ، ثقة ثبت، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) الدوسي المدني. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مصريون وثلاثة مدنيون، وغرضه بسوقه بيان متابعة الأعرج لأبي سلمة بن عبد الرحمن (أن رسول الله ﷺ قال: إن الشيطان إذا ثوب بالصلاة) أي أقيم بها (ولى) أي ذهب وأدبر (وله ضراط) أي صوت
стр. 3183
فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ "فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُه".
١١٦٣ - (٥٣١) (١٩٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ بُحَينَةَ؛ قَال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَينِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ. ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ. فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ وَنَظَرْنَا
ــ
حدث لثقل الإقامة عليه (فذكر) الأعرج (نحوه) أي نحو حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن (وزاد) الأعرج على أبي سلمة لفظة (فهنَّاه ومَنَّاه) بتشديد النون فيهما الأول من هنأه تهنئة، والثاني من التمنية لأنهما من باب فعَّل المضعف أي ذكر الشيطان المصلي المهانئ والمفارح العاطلة وذكره الأماني الباطلة التي ليس لها أثر ولا أساس ولا وجود لها في الخارج، قال ابن الأثير: المراد بها ما يعرض للإنسان في صلاته من أحاديث النفس وتسويل الشيطان (وذكَّرَه) بتشديد الكاف من التذكير أي وذكره الشيطان (من حاجاته) وشواغله (ما لم يكن) المصلي (يَذْكُرُهُ) ويتحدَّثُه قبل الصلاة من الأماني الباطلة والوساوس العاطلة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله ابن بحينة رضي الله تعالى عنهما فقال:
١١٦٣ - (٥٣١) (١٩٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي المدني (عن عبد الله) بن مالك بن القِشْبِ بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة اسمه جندب بن فضلة الأزدي الأسدي حليف بني المطلب أبي محمد المدني المعروف بـ (ابن بحينة) مصغرًا اسمِ أمه بنتِ الأرثِّ الحارثِ بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي الصحابي المشهور، له (٢٧) حديثًا، اتفقا على أربعة، مات بعد الخمسين ببطن ريم على ثلاثين ميلًا من المدينة، روى عنه في (٢) بابين. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد نيسابوري (قال) عبد الله ابن بحينة (صلى لنا) أي إمامًا لنا (رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات) الخمس (ثم) بعد ركعتين (قام) إلى الثالثة (فلم يجلس) بعدهما (فقام الناس معه) إلى الثالثة (فلما قضى صلاته) وفرغ منها (ونظرنا) أي
стр. 3184
تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ. فَسَجَدَ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ. قَبْلَ التَّسْلِيمِ. ثُمَّ سَلَّمَ.
١١٦٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَينَةَ الأَسْدِيِّ، حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي صَلاةِ الظُّهْرِ
ــ
انتظرنا، ومنه قوله تعالى في سورة [الحديد / ١٣] ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي انتظرونا (تسليمه كبر) للسجود لا للإحرام، قال القرطبي: وهذا التكبير المُعقَّبُ بالسجود لسجود السهو قولًا واحدًا لأنه لم ينفصل عن حكم الإحرام الأول، واختلف في التكبير بعد السلام هل هو للإحرام أو للسجود روايتان عن مالك، والأولى أنه للإحرام ولا بد من نيته لأنه انفصل عن حكم الصلاة، ولأنه لا بد لهما من سلام ينفصل به كما يحرم به قياسًا على سائر الصلوات، وإلى هذا أشار في حديث ذي اليدين حيث قال: فصلى ركعتين ثم كبر ثم سجد ثم كبر اهـ مفهم.
(فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم) جبرًا لنقصان التشهد الأول (ثم سلم) من صلاته.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [١٢٣٠] وأبو داود [١٠٣٤ و ١٠٣٥]، والترمذي [٣٩١] والنسائي [٣/ ١٩ - ٢٠] وابن ماجه [١٢٠٦ و ١٢٠٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله ابن بحينة ﵁ فقال:
١١٦٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (ح قال وحدثنا) محمد (بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري (أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن الأعرج عن عبد الله ابن بحينة) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الليث لمالك بن أنس، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (الأسدي) بإسكان السين، ويقال فيه الأزدي بسكون الزاي، كما في الرواية الآتية وهما اسمان مترادفان لقبيلة واحدة وهم أزد شنوءة (حليف بني عبد المطلب) هكذا هو في جميع نسخ البخاري ومسلم، والذي ذكره ابن سعد وغيره من أهل السير والتواريخ أنه حليف بني المطلب بحذف لفظة عبد، وكان جده حالف المطلب بن عبد مناف (أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر) إلى
стр. 3185
وَعَلَيهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَينِ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ. قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ. مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ.
١١٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَينَةَ الأَزْدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلاتِهِ
ــ
الركعة الثالثة (وعليه جلوس) أي قام والحال أن عليه قعدة سها عنها (فلما أتم) ركعات (صلاته) الأربع (سجد سجدتين) حالة كونه (يكبر في) هوي (كل سجدة) منهما والرفعِ منهما، وجملة قوله (وهو جالس) حال من فاعل سجد أي سجد، والحال أنه جالس، وقوله (قبل أن يسلم) من صلاته متعلق بسجد أيضًا (وسجدهما) أي وسجد هاتين السجدتين (الناس) المصلون (معه) ﷺ ، وقوله (مكان ما نسي من الجلوس) للتشهد الأول منصوب بسجد أيضًا.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله بن بحينة ﵁ فقال:
١١٦٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود العتكي البصري (حدثنا حماد) بن زيد الأزدي البصري (حدثنا يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) أبي داود المدني (عن عبد الله بن مالك) بن جندب بن فضلة الأزدي الأسدي أبي محمد المدني. وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن سعيد الأنصاري لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن الأعرج، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للسابقة، وقوله (ابن بحينة) بالجر صفة ثانية لعبد الله لا صفة لمالك لأن بحينة اسم أم عبد الله ومالك اسم أبيه فيجب كتابة همزة الوصل في ابن لوجود الفاصل بينه وبين موصوفه وهو عبد الله لأن عبد الله هو ابن لمالك وابن لبحينة فمالك أبوه وبحينة أمه وهي زوجة مالك كما مر آنفًا (الأزدي) بالجر صفة لعبد الله (أن رسول الله ﷺ قام) أي نهض (في الشفع الذي يريد) ويقصد (أن يجلس) للتشهد الأول بعده، وقوله (في صلاته) متعلق بقام أي قام في صلاته الرباعية بعد الشفع الذي يريد أن يجلس بعده للتشهد الأول، قوله
стр. 3186
فَمَضَى فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الصَّلاةِ سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
١١٦٦ - (٥٣٢) (١٩١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ
ــ
(فمضى في صلاته) معطوف على قام أي قام بعد الشفع من صلاته ناسيًا الجلوس بعده فمضى في قيامه أي استمر في قيامه ولم يرجع إلى التشهد الأول (فلما كان في آخر الصلاة) بإتمام الركعة الرابعة (سجد) سجدتين (قبل أن يسلم) من الصلاة (ثم) بعد سجدتي السهو (سلم) من صلاته جبرًا لما تركه من التشهد الأول.
قال النواوي: وفي هذا الحديث دليل لمسائل فقهية كثيرة: (الأولى) أن سجود السهو قبل السلام إما مطلقًا كما يقول الشافعي، وإما في النقص كما يقوله مالك (الثانية) أن التشهد الأول والجلوس له ليسا بركنين في الصلاة ولا واجبين إذ لو كانا واجبين لما جبرهما السجود كالركوع والسجود وغيرهما وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى، وقال أحمد في طائفة قليلة: هما واجبان، وإذا سها جبرهما السجود على مقتضى الحديث (الثالثة) فيه أنه يشرع التكبير لسجود السهو وهذا مجمع عليه، واختلفوا فيما إذا فعلهما بعد السلام هل يَتَحرَّمُ ويتَشهَّدُ ويُسلِّم أم لا؟ والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد وهكذا الصحيح عندنا في سجود التلاوة أنه يسلم ولا يتشهد كصلاة الجنازة، وقال مالك: يتشهد ويسلم في سجود السهو بعد السلام، واختلف قوله هل يجهر بسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وهل يحرم لهما أم لا؟ وقد ثبت السلام لهما إذا فعلتا بعد السلام في حديث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين ولم يثبت في التشهد حديث. "واعلم" أن جمهور العلماء على أنه يسجد للسهو في صلاة التطوع كالفرض، وقال ابن سيرين وقتادة: لا سجود للتطوع، وهو قول ضعيف غريب عن الشافعي رحمه الله تعالى اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال:
١١٦٦ - (٥٣٢) (١٩١) (وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف) اسم أبي خلف محمد السلمي مولاهم مولى بني سليم أبو عبد الله البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا، مات سنة (٢٣٧) (حدثنا موسى بن داود) الضبي أبو عبد الله
стр. 3187
حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيقَنَ. ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلاتَهُ. وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَربَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيطَانِ"
ــ
البغدادي الطرسوسي قاضيها، وكان كوفي الأصل، وثقه ابن نمير وابن سعد، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال في التقريب: صدوق فقيه زاهد له أوهام، من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٧) سبع عشرة ومائتين، روى عن سليمان بن بلال في الصلاة، ومالك والثوري وشعبة وغيرهم، ويروي عنه (م د س ق) ومحمد بن أحمد بن أبي خلف وأحمد وحجاج بن الشاعر وآخرون (حدثنا سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٢) بابا (عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم أبي محمد المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بغداديان، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ إذا شك أحدكم في) عدد ركعات (صلاته فلم يدر) أي لم يعلم (كم صلى) أي جواب أيِّ عدد صلى من ركعات صلاته أي لم يعلم أصلى (ثلاثًا أم) صلى (أربعًا) أي لم يعلم تعيين أحدهما (فليطرح الشك) أي فليُلْغِ العدد الذي شك في فعله وهو الأربع هنا وليأخذ العدد الذي تيقن في ضمن الشك وهو الثلاث هنا (وليبن) أي وليكمل ما بقي من صلاته وليرتبه وهو الركعة (على ما استيقن) في ضمن الشك من عدد ركعاته وهو الثلاث (ثم) بعد بنائه على ما استيقن (يسجد) بالرفع على الاستئناف، وبالجزم عطفًا على يَبْنِ أي وليبن علي ما استيقن ثم ليسجد (سجدتين قبل أن يسلم فإن كان) في حقيقة الأمر (صلى خمسًا شفعْن) أي صيَّرن السجدتان وما اشتملتا عليه من الأذكار (له) أي لذلك المصلي أي صيَّرْنَ وجعَلْنَ له (صلاتَه) شفعًا أي زوجًا أربعًا أي رَدَدْنَ إلى الأربع (وإن كان) ذلك المصلِّي بعد الشك (صلى) ما صلى (إتمامًا لأربع) بلا زيادة (كانتا) أي كانت السجدتان (ترغيمًا) وإهانة وإغاظة وإذلالًا (للشيطان) بحرمان مقصوده من التلبيس
стр. 3188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه مأخوذ من الرَّغَام وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه، والمعنى أن الشيطان لبَّس عليه صلاته وتعرض لإفسادِها ونقصِها فجعل الله تعالى للمصلي طريقًا إلى جبير صلاته وتدارك ما لبَّسَه عليه، وإلى إرغام الشيطان وردِّه خاسئًا مُبْعَدًا عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم وامتثل أمر الله تعالى الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود اهـ نووي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٨٧] وأبو داود [١٠٢٤ و ١٠٢٦ و ١٠٢٧ و ١٠٢٩]، والترمذي [٣٩٦] والنسائي [٣/ ٢٧] وابن ماجه [١٢١٠].
وقوله في هذا الحديث (فليطرح الشك وليبن علي ما استيقن) تمسك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه والعمل على المتيقن وأَلْحَقُوا المظنونَ بالمشكوك في الإلغاء وردوا قوله ﷺ في حديث ابن مسعود "فليتحر الصواب من ذلك، إلى حديث أبي سعيد هذا ورأوا أن هذا التحري هو القصد إلى طرح الشك والعمل على المتيقن، وقال أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم: إن التحري هنا هو البناء على غلبة الظن، وأما أبو حنيفة فقال: ذلك لمن اعتراه ذلك مرة بعد مرة فأما لأول ما ينوبه فليبن علي اليقين، وكأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَمَعَ بين الحديثَين باعتبار حَالينِ للشاك اهـ مفهم، قوله (ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم) احتج بظاهره الشافعي لأصل مذهبه على أن سجود السهو كله قبل السلام، وقال الداودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري ثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: بعد السلام، والصحيح من مذهبه في هذه الصورة السجود بعد السلام، وقد اعتل أصحابنا لهذا الحديث بأوجه أحدها: أنه يعارضه حديث ذي اليدين حيث زاد النبي ﷺ ثم سجد بعد السلام وهو حديث لا علة له، وحديث أبي سعيد أرسله مالك عن عطاء وأسنده غيره فكان هذا اضطرابًا فيه والسليم عن ذلك أرجح، وثانيها أن قوله قبل أن يسلم يحتمل أن يريد السلام على النبي ﷺ الذي في التشهد وهو قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فإنه سجد ولم يستوف التشهد، وثالثها أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ سها عن إيقاعه بعد السلام فأوقعه قبله واكتفى به إذ قد فعله ولا يتكرر سجود السهو ولا يعاد، ورابعها يحتمل أن يكون شك في قراءة السورة في إحدى الأوليين فيكون معه زيادة الركعة ونقصان قراءة السورة فغلَّب النقصان إلى غير ذلك اهـ قرطبي.
стр. 3189
١١٦٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللهِ. حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيسٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي مَعْنَاهُ قَال: "يَسْجُدُ سَجْدَتَينِ قَبْلَ السَّلامِ" كَمَا قَال سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ
ــ
قال النواوي: هذا الحديث ظاهر الدلالة لمذهب الشافعي في أنه يسجد للسهو للزيادة والنقص قبل السلام، واعترض عليه بعض أصحاب مالك بأن مالكًا رواه مرسلًا وهذا اعتراض باطل لوجهين: أحدهما أن الثقات الحفاظ الأكثرين رووه متصلًا فلا يضر مخالفة واحد لهم في إرساله لأنهم حفظوا ما لم يحفظه وهم ثقات ضابطون حفاظ متقنون، الثاني أن المرسل عند مالك حجة فهو وارد عليه على كل تقدير اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
١١٦٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب) بن مسلم القرشي أبو عبيد الله المصري، روى عن عمه عبد الله بن وهب في الصلاة والجهاد وغيرها، ويروي عنه (م) وابن خزيمة وابن جرير وجماعة، وثقه ابن أبي حاتم، وقال ابن عدي: رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه، وقال في التقريب: صدوق، من الحادية عشرة تغير بآخره، وقال ابن يونس: لا تقوم به حجة، مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين (حدثني عمي عبد الله) بن وهب المصري (حدثني داود بن قيس) الدباغ القرشي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني (بهذا الإسناد) يعني عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، ولفظة في في قوله (وفي معناه) بمعنى الباء أتى بها فرارًا من ثقل تكرار حرفي جر متحدي المعنى واللفظ والعامل وهما متعلقان بقوله حدثني داود بن قيس أي حدثني داود بن قيس بهذا الإسناد عن زيد بن أسلم بمعنى حديث سليمان بن بلال، غرضه بيان متابعة داود بن قيس لسليمان بن بلال في رواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم، ولكن (قال) داود بن قيس (يسجد سجدتين قبل السلام كما قال) كذلك (سليمان بن بلال) وهذا استثناء من المتابعة في المعنى لأنه في هذه الجملة تابعه في اللفظ والمعنى لا في المعنى فقط.
قال القرطبي: وقوله في هذا الحديث (فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته) يعني أنه لما شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ وبنى على الثلاث فقد اطَّرح الرابعة مع إمكان أن
стр. 3190
١١٦٨ - (٥٣٣) (١٩٢) وحدثنا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَال عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، قَال: قَال عَبْدُ اللهِ: صَلى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَال إِبْرَاهِيمُ: زَادَ، أَوْ نَقَصَ- فَلَمَّا سَلّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ؟
ــ
يكون فعلها فإن كان قد فعلها فهي خمس وموضوع تلك الصلاة شفع فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعية فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوترية وجاءت الشفعية المناسبة للأصل والله أعلم، والنون في (شفعن) نون الإناث، وعادت على معنى فعلات السجدتين مشيرًا إلى ما فيها من الأحكام المتعددة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال:
١١٦٨ - (٥٣٣) (٩٢ ١) (وحدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة) العبسيان الكوفيان (وإسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي المروزي (جميعًا) أي كل من الثلاثة (عن جرير) بن عبد الحميد الضَّبِّيّ الكُوفيّ، ثِقَة، من (٨) (قال عثمان: حَدَّثَنَا جرير، عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي أبو عتاب الكُوفيّ (عن إبراهيم) بن سويد النَّخَعيّ الكُوفيّ الأعور كَمَا سيأتي التصريحُ به، روى عن علقمة في الصلاة، وعبد الرَّحْمَن بن يزيد في الأدب والدعاء، وليس هذا بإبراهيم النَّخَعيّ الفقيه، وثقه النَّسائيّ وابن حبان، وقال في التقريب: ثِقَة، من السادسة، (عن علقمة) بن قيس النَّخَعيّ الكُوفيّ (قال) علقمة (قال عبد الله) بن مسعود الهذلي الكُوفيّ ﵁. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلَّا إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي.
(صلى رسول الله ﷺ بنا بعض الصلوات، قال منصور (قال) لنا (إبراهيم) بن سويد عن علقمة إما قال عبد الله (زاد) النَّبِيّ ﷺ في صلاته (أو) قال (نقص) عن صلاته، والوهم من إبراهيم قاله القرطبي (فلما سلم) النَّبِيّ ﷺ (قيل له) ﷺ (يَا رسول الله أحدث) بهمزة الاستفهام الاستخباري أي هل حدث ووجد (في الصلاة شيء) من النسخ بالزيادة لأنك صليت الظهر خمسًا، وهذا سؤال عن جواز النسخ على ما ثبت من العبادة ويدل هذا على أنَّهم
следующие страницы →