Полный текст (11 982 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
١٢٩٩ - (٥٨٣) (٢٤١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ؛ قَال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّلاةَ فِي الرَّمْضَاءِ. فَلَمْ يُشْكِنَا
ــ
١٢٩٩ - (٥٨٣) (٢٤١) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم) الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٧) (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن سعيد بن وهب) الهمداني ثم الخيواني -بفتح المعجمة وسكون الياء التحتانية وبعد الألف نون- كان يقال له القُراد -بضم القاف مخففًا- الكوفي، روى عن خباب في الصلاة ومعاذ وعلي، ويروي عنه (م س) وأبو إسحاق السبيعي وابنه عبد الرحمن، وثقه ابن معين والعجلي وابن نمير، وذكره ابن حبان في الثقات وقال فيه: وهو الذي يقال له سعيد بن أبي خيرة، وقال في التقريب: ثقة مخضرم، من (٢) مات سنة (٧٦) ست وسبعين، له عندهم ثلاثة أحاديث (عن خباب) بن الأرت -بفتحتين وتشديد المثناة فوق- بن جعدلة بن سعد التميمي حليف بني زهرة أبي عبد الله الكوفي، من السابقين إلى الإسلام، وكان أحد مَن عُذب في الله تعالى، وشهد بدرًا، له (٣٢) اثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة وانفرد (خ) بحديثين و (م) بفرد حديث، يروي عنه (ع) وسعيد بن وهب في الصلاة، وأبو وائل في الجنائز، وقيس بن أبي حازم في الدعاء، ومسروق في البعث، وعلقمة وطائفة، نزل بالكوفة، ومات بها منصرفًا في صفين سنة (٣٧) سبع وثلاثين، عن ثلاث وسبعين سنة (٧٣) وصلى عليه علي بن أبي طالب. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال) خباب (شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء) أي أخبرنا رسول الله ﷺ مشقة إقامة صلاة الظهر في أول وقتها لأجل ما يصيب أقدامنا من الرمضاء وهي الرمل الذي اشتدت حرارته (فلم يُشْكِنَا) بضم الياء من أشكى الرباعي أي لم يزل شكوانا أي لم يزل ما اشتكينا إليه من المشقة بالترخيص لنا في الإبراد، فالهمزة هنا للسلب، وذكر النواوي أن حديث خباب هذا قيل إنه منسوخ بأحاديث الإبراد، وقيل المختار استحباب الإبراد لأحاديثه، وأما حديث خباب فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد وهو الصحيح لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ١٠٨] والنسائي [١/ ٢٤٧] وابن ماجه [٦٧٥].
стр. 3362
١٣٠٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ - قَال عَوْنٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ يُونُسَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا زُهَيرٌ - قَال: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ. عَنْ خَبَّابٍ؛ قَال: أَتَينَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَكَوْنَا إِلَيهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا.
قَال زُهَيرٌ: قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: أَفِي الظُّهْرِ؟ قَال: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَال: نَعَمْ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث خباب ﵁ فقال:
١٣٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) مشهور بجده التميمي الكوفي، ثقة، من (١٠) (وعون بن سلام) الهاشمي مولاهم أبو جعفر الكوفي، ثقة، من (١٠) (قال عون أخبرنا وقال ابن يونس واللفظ له حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي أبو خيثمة الكوفي، ثقة، من (٧) (قال حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب) وهذا السند أيضًا من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون غرضه بسوقه بيان متابعة زهير بن معاوية لأبي الأحوص في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من بعض المخالفة (قال) خباب (أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء) أي شدة ما نلقى من حر الأرض المحماة بالشمس في أقدامنا إذا صلينا الظهر في أول وقتها (فلم يشكنا) أي لم يُسْعِفْ طلَبَنا ولم يُجِبْنا إلى مطلوبنا يقال شكوت إلى فلان إذا رفعت إليه حاجتك، وأَشْكَيتُه إذا نزعْتَ عنه الشكوى، وأشكيته إذا ألجأته إلى الشكوى كما قال الشاعر:
تُشْكِي المُحِبَّ وتَشْكُو وهِيَ ظالمةٌ ... كالقَوْس تُصْمِي الرَّمَايَا وهِيَ مُرْنَانُ
ويحتمل أن يكون هذا منه ﷺ قبل أن يؤمر بالإبراد ويحتمل أن يحمل على أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر على قدر الإبراد فلم يجبهم إلى ذلك، وقد قال ثعلب في قوله (فلم يشكنا): أي فلم يُحْوجْنا إلى الشكوى، ورَخَّص لنا في الإبراد حكاه عنه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكون الأحاديث كلها متواردة على معنى واحد اهـ من المفهم (قال زهبر) بن معاوية (قلت لأبي إسحاق) السبيعي (أ) شكوا (في) حر (الظهر قال) أبو إسحاق (نعم) شكوا فيها، قال زهير (قلت) لأبي إسحاق (أ) شكوا (في) مشقة (تعجيلها) أي تعجيل الظهر (قال) أبو إسحاق (نعم) شكوا من مشقة تعجيلها في أول الوقت.
стр. 3363
١٣٠١ - (٥٨٤) (٢٤٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: كُنَا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيهِ
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث خباب بحديث أنس ﵄ فقال:
١٣٠١ - (٥٨٤) (٢٤٢) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (حدثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي بالقاف مولاهم أبو إسماعيل البصري، ثقة، من (٨) (من غالب) بن أبي غيلان (القطان) أبي سليمان البصري التميمي مولاهم من عبد القيس واسم أبي غيلان خُطَّاف -بضم المعجمة وتشديد الطاء المهملة- روى عن بكر بن عبد الله المزني في الصلاة، وابن سيرين وسعيد بن جبير والحسن، ويروى عنه (ع) وبشر بن المفضل وشعبة وابن علية وطائفة، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: صدوق، من السادسة، وليس في مسلم من اسمه غالب إلا هذا (عن بكر بن عبد الله) بن عمرو بن هلال المزني أبي عبد الله البصري، وثقه أبو زرعة والنسائي، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا حجة فقيهًا، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من (٣) مات سنة (١٠٨) (عن أنس بن مالك) ﵁ أبي حمزة البصري. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري (قال) أنس (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر (في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض) في السجود (بسط ثوبه) المتصل به في الصلاة لتكون وقاية له عن حرارة الأرض (فسجد عليه) أي على ثوبه المبسوط، قال القرطبي: وهذا مما يدل على جواز الصلاة على البسط والثياب لا سيما عند الضرورة والمشقة، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها اهـ، وقال القاضي عياض: فيه السجود على الثياب لا سيما عندما يتقى من حر أو شوك، وفيه أن السنة مباشرة الأرض بالجبهة إلا عند الضرورة من حر أو شوك، وفيه السجود على ما خف من طاقات العمامة، وأما على كورها فمكروه عند مالك ولم يأمره بالإعادة إن فعل، وأوجبها عليه ابن حبيب في الوقت، ومنع منه الشافعي، وأجازه الحنفية اهـ، وقال النواوي: وفي الحديث دليل لمن أجاز السجود
стр. 3364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على طرف ثوبه المتصل به وبه قال أبو حنيفة والجمهور، ولم يجوزه الشافعي، وتأول هذا الحديث وشبهه على السجود على ثوب منفصل اهـ.
قال القرطبي: و (قول أنس كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر) ليس فيه دليل على أنه ﷺ كان لا يبرد بل قد توجد سَوْرَة الحر وشدته بعد الإبراد إلا أنها أخف مما قبله والله أعلم اهـ مفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٣٨٥] وأبو داود [٦٦٠] وابن ماجه [١٠٣٣١].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول حديث جابر ذكره للاستدلال، والثاني حديث خباب ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أنس ذكره للاستشهاد.
* * *
стр. 3365
٢٨٥ - (١٠٥) باب تعجيل صلاة العصر
١٣٠٢ - (٥٨٥) (٢٤٣) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيبَةُ: فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ
ــ
٢٨٥ - (١٠٥) باب تعجيل صلاة العصر
١٣٠٢ - (٥٨٥) (٢٤٣) (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (ح قال وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر المصري (أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن أنس بن مالك) وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مصريان وواحد بصري وواحد مدني أو مصري وبلخي (أنه) أي أن أنس بن مالك (أخبره) أي أخبر لابن شهاب (أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس) أي والحال أن الشمس (مرتفعة) في السماء (حية) أي كاملة الضوء والحرارة فالمراد بحياتها صفاء لونها وبقاء حرها فإن كل شيء ضعفت قوته فكأنه قد مات، قال الخطابي: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير وهذا مثل قوله بيضاء نقية، وقال غيره: حياتها بقاء حرها (فيذهب الذاهب) ممن صلى مع رسول الله ﷺ (إلى العوالي فيأتي) ذلك الذاهب (العوالي) إظهار في مقام الإضمار مبالغة في الإيضاح (والشمس) أي والحال أن الشمس (مرتفعة) في السماء، والعوالي هي عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها السافلة، وبُعد بعض العوالي من المدينة أربعة أميال وأبعدها ثمانية أميال وأقربها ميلان وبعضها ثلاثة أميال كما في الفتح (ولم يذكر قتيبة) في روايته لفظة (فيأتي العوالي) قال القرطبي: وهذا إنما يتفق في الأيام الطويلة إذا عجلت العصر في أول وقتها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٥٠] وأبو داود [٤٠٤ - ٤٠٦] والنسائي [١/ ٢٥٢ - ٢٥٤] وابن ماجه [٦٨٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
стр. 3366
١٣٠٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، بِمِثْلِهِ، سَوَاءً.
١٣٠٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ. ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ. فَيَأَتِيهِمْ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَةٌ
ــ
١٣٠٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني هارون بن سعبد) بن الهيثم التميمي السعدي مولاهم أبو جعفر (الأيلي) ثقة، من (١٠) (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني عمرو) بن الحارث الأنصاري المصري، ثقة، من (٧) (عن ابن شهاب عن أنس) وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مصريان وواحد بصري وواحد مدني وواحد أيلي، غرضه بيان متابعة عمرو بن الحارث لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب (أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر) وساق عمرو بن الحارث (بمثله) أي بمثل حديث ليث بن سعد، حالة كون حديثهما (سواء) أي متساويين في اللفظ والمعنى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
١٣٠٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن ابن شهاب عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة مالك لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (قال) أنس (كنا نصلي العصر) مع رسول الله ﷺ (ثم يذهب الذاهب) ممن صلى معه ﷺ (إلى قباء) بضم القاف هو موضع بقرب مدينة رسول الله ﷺ من جهة الجنوب على نحو ميلين منها يقصر ويمد يصرف ولا يصرف قاله الفيومي (فيأتيهم) أي فيأتي أهل قباء (والشمس) أي والحال أن الشمس (مرتفعة) في السماء، قال القرطبي: قال هنا إلى قباء، وفي الرواية السابقة إلى العوالي، وكلاهما صحيحُ الروايةِ والمعنى فإن قباء من أدنى العوالي بينه وبين المديثة ميلان أو نحوهما قاله الباجي.
стр. 3367
١٣٠٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَيَجِدُهُمْ يُصلُّونَ الْعَصْرَ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
١٣٠٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري أبي يحيى المدني، ثقة، من (٤) (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة إسحاق بن عبد الله لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن أنس لما بين الروايتين من المخالفة في بعض الألفاظ (قال) أنس (كنا نصلي العصر) مع رسول الله ﷺ (ثم يخرج الإنسان) منا (إلى) منازل (بني عمرو بن عوف) بطن من الأنصار وهم على ميلين من المدينة أو هم أهل قباء (فيجدهم يصلون العصر) لكون الشمس حية مرتفعة، والمراد بهذه الأحاديث وما بعدها المبادرة لصلاة العصر أول وقتها لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين أو ثلاثة والشمس لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة، وقوله (ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف) إلخ، قال العلماء: منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله ﷺ وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو بن عوف لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم وزروعهم وحوائطهم فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتأخُّرُ صلاتِهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى، وفي هذه الأحاديث وما بعدها دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء على أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس ﵄ في بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك اهـ نواوي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس الأول بحديث آخر لأنس ﵁ فقال:
стр. 3368
١٣٠٦ - (٥٨٦) (٢٤٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَس بْنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ. حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ. وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيهِ قَال: أَصَلَّيتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ. قَال: فَصَلُّوا الْعَصْرَ. فَقُمْنَا فَصَلَّينَا. فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِ
ــ
١٣٠٦ - (٥٨٦) (٢٤٣) (وحدثنا يحيى بن أيوب) المقابري أبو زكرياء البغدادي، ثقة، من (١٠) (ومحمد بن الصباح) الدولابي أبو جعفر البغدادي، ثقة، من (١٠) (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (و) علي (بن حجر) بن إياس السعدي المروزي، ثقة، من صغار (٩) (قالوا حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني، ثقة، من (٨) (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم أبي شبل المدني، صدوق، من (٥) (أنه) أي أن العلاءَ (دخل على أنس بن مالك) حالة كون أنس (في داره) ومنزله، حالة كون داره كائنة (بالبصرة) بلدة مشهورة بالعراق، والظرف في قوله (حين انصرف من الظهر) متعلق بدخل أي دخل العلاء على أنس حين فرغ العلاء من صلاة الظهر مع الناس (وداره) أي والحال أن دار أنس (بجنب المسجد) البصري أي بقرب المسجد على جانبه، قال العلاء (فلما دخلنا عليه) أي على أنس (قال) أي أنس (أصليتم) أي هل صليتم الآن (العصر) مع إمام البلدة؟ وفي الرواية الآتية كما في البخاري صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك (فقلنا له) أي لأنس ما صلينا العصر (إنما انصرفنا) وفرغنا هذه (الساعة) الحاضرة (من) صلاة (الظهر قال) لنا أنس (فصلوا) بضم اللام على صيغة الأمر أي صلوا بنا (العصر فقمنا) معه (فصلينا) العصر (فلما انصرفنا) وفرغنا من صلاة العصر (قال) أنس (سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تلك) الصلاة المخرجة عن وقتها المختار (صلاة المنافق) فتلك إشارة إلى صلاة العصر المخرجة عن وقتها، وقال ابن الملك: إشارة إلى مذكور حكمًا أي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار، وقال الطيبي: إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن من الصلاة المخصوصة اهـ من تحفة الأحوذي، ومعناه أن الذي يخرجها عن وقتها يشبه
стр. 3369
يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ. حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَينَ قَرْنَيِ الشَّيطَانِ. قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا. لا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا"
ــ
فعله ذلك فعل المنافق الذي يتهاون بأمرها ويضيعها حتى يخرجها عن وقتها، ولذلك وصفه بقوله (يجلس) ذلك المنافق، والجملة حال من المنافق أو مستأنفة كما في تحفة الأحوذي، وجملة (يرقب الشمس") وينتظرها حال من فاعل يجلس أي حالة كون ذلك المنافق يجلس ويتأخر عن أداء صلاة العصر في وقتها المختار، حالة كونه في جلوسه يراقب غروب الشمس أي ينتظر قرب غروبها، وهذا عبارة عن عدم مبالاته بها وتضييعه لها، ففيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر لقوله ﷺ : "يجلس يرقب الشمس" اهـ نواوي.
وقوله (حتى إذا كانت) غاية ليرقب أي يرقب الشمس حتى إذا قربت إلى الغروب وكانت (بين قرني الشيطان) قيل هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقاربها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له، وقيل هو على المجاز والمراد بقرنيه علوه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه وسجود مطيعه من الكفار للشمس، قال الخطابي: هو تمثيل ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه، والصحيح الأول اهـ نووي.
أي حتى إذا كانت الشمس بين جانبي رأس الشيطان (قام) إلى الصلاة (فنقرها) أي نقر الصلاة، حالة كونها (أربعًا) أي أربع ركعات من نقر الطائر الحبة نقرًا إذا التقطها، وهذا كناية عن سرعة الحركات كنقر الطائر، قال في النهاية: يريد تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله اهـ وقيل: تخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمان سجدات اعتبار بالركعات كما مر في الحل، وهذا يدل على وجوب تعديل الأركان والطمأنينة فيها.
والمعنى حتى إذا رأى قد حان غروبها قام يصليها رياء وتلبيسًا حالة كونه (لا يذكر الله) (فيها) أي في الصلاة بلسانه ولا بقلبه (إلا) ذكرًا (قليلًا) وإنما خص العصر بالذكر لأنها الصلاة الوسطى، وقيل إنما خصها لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم قاله القاري.
стр. 3370
١٣٠٧ - (٥٨٧) (٢٤٤) وحدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ؛ قَال: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ: صَلَّينَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ. ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فَوَجَدْنَاهُ يُصَلَّي الْعَصْرَ. فَقُلْتُ:
ــ
قال القرطبي: قوله (فقام فنقرها أربعًا) هذا النقر عبارة عن سرعة حركاته في أركان الصلاة في ركوعها وسجودها وخفة ذلك بحيث لا يتم ركوعها ولا سجودها فشبهه بنقر الطائر، وهو ذم لمن فعل ذلك، وفيه رد على من قال إن الواجب من أركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه أنه نقر الصلاة فدخل في الذم المترتب على ذلك، وقوله (لا يذكر الله فيها إلا قليلًا) أي لسرعة حركاته فيها وليرائي بالقليل الذي يذكره عند تخيله من يلاحظه من الناس اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٠٣ و ١٨٥] وأبو داود [٤١٣] والترمذي [١٦٠] والنسائي [١/ ٢٥٤].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس الأول بحديث آخر لأنس ﵁ فقال:
١٣٠٧ - (٥٨٧) (٢٤٤) (وحدثنا منصور بن أبي مزاحم) بشير التركي أبو نصر البغدادي الكاتب، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من (٨) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبي بكر) كنيته اسمه (بن عثمان بن سهل بن حنيف) الأنصاري الأوسي المدني، روى عن عمه أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف في الصلاة، ويروي عنه (خ م س) وابن المبارك والثوري ومالك، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: مقبول، من السادسة (قال) أبو بكر (سمعت) عمي (أبا أمامة) أسعد (بن سهل) الأنصاري المدني (يقول صلينا مع عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أبي حفص المدني، في البصرة، وهو أمير على البصرة وقتئذ، ثقة، من (٤) أي صلينا معه (الظهر ثم خرجنا) من المسجد (حتى دخلنا على أنس بن مالك) وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بصري وواحد مروزي وواحد بغدادي (فوجدناه) أي فوجدنا أنسًا (يصلي العصر) قال أبو أمامة (فقلت)
стр. 3371
يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيتَ؟ قَال: الْعَصْرُ. وَهَذِهِ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله تَعَالى عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
١٣٠٨ - (٥٨٨) (٢٤٥) حدَّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسى- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ،
ــ
لأنس (يا عم) بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسر أي يا عمي، وهذا من باب التوقير والتعظيم والإكرام لأنس ولكونه أكبر منه سنًّا مع أن نسبهما مجتمع في الأنصار، لأنه ليس عمه على الحقيقة اهـ عيني (ما هذه الصلاة التي صليتـ) ـها (قال) أنس هي (العصر وهذه) الصلاة المفعولة في هذا الوقت هي (صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصليـ) ـها (معه) ﷺ قال في الفتح: وإخراج المؤلف لهذا الحديث مشعر بأنه كان يرى أن قول الصحابي كنا نفعل كذا مسند ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي ﷺ ، وهو اختيار الحاكم، وقال الدارقطني والخطيب وغيرهما: هو موقوف، والحق أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي ﷺ فدل هذا الحديث على تعجيل النبي ﷺ بصلاة العصر في أول وقتها، وفي القصة دليل على أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي العصر في آخر وقتها تبعًا لسلفه إلى أن أنكر عليه عروة فرجع إليه كما تقدم، وإنما أنكر عليه عروة في العصر دون الظهر لأن وقت الظهر لا كراهة فيه بخلاف وقت العصر، وقال القاضي عياض: يدل أن تأخيره في حديث عروة المتقدم إنما كان إلى آخر الوقت المختار وهي كانت عادة بني أمية، ويحتمل أنه ليس بعادة له وإنما فعله لمهم شغله من أمور المسلمين، وفيه حجة للتوسعة إذ لم ينكر عليه أنس ذلك، وإنما احتج على أن المبادرة أولى اهـ من إكمال المعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٤٩]، والنسائي [١/ ٢٥٣].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
١٣٠٨ - (٥٨٨) (٢٤٥) (حدثنا عمرو بن سواد العامري) السرحي أبو محمد المصري، ثقة، من (١١) (ومحمد بن سلمة) بن عبد الله (المرادي) الجملي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة، من (١١) (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري لكونه يتجر فيها، صدوق، من (١٠) (وألفاظهم) أي ألفاظ حديثهم (متقاربة)
стр. 3372
قَال عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ- أَخْبَرَنِي، عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ مُوسَى بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا. وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا. قَال: "نَعَمْ" فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ. فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ،
ــ
اللفظ متحدة المعنى، لكن (قال عمرو) بن سواد (أخبرنا، وقال الآخران حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، ثقة، من (٧) (عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سويد الأزدي أبي رجاء المصري، ثقة، من (٥) (أن موسى بن سعد) بن زيد بن ثابت (الأنصاري) المدني، روى عن حفص بن عبيد الله في الصلاة، وسالم بن عبد الله ويوسف بن عبد الله بن سلام وجماعة، ويروي عنه (م د ق) ويزيد بن أبي حبيب وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: مقبول، من الرابعة (حدثه) أي حدث ليزيد بن أبي حبيب (عن حفص بن عبيد الله) بن أنس الأنصاري البصري، روى عن جده أنس بن مالك وأبي هريرة وجابر في (خ) ويروي عنه (خ م ت س ق) وموسى بن سعد الأنصاري وأسامة بن زيد الليثي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم، صدوق، من الثالثة (عن) جده (أنس بن مالك) الأنصاري البصري، خادم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون واثنان بصريان وواحد مدني (أنه) أي أن أنسًا (قال صلى) إمامًا (لنا رسول الله ﷺ العصر) في أول وقتها (فلما انصرت) وفرغ رسول الله ﷺ من صلاته (أتاه) ﷺ (رجل من بني سلمة) بكسر اللام كما في النواوي، بطن من الأنصار، منازلهم في قباء (فقال) الرجل (يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا) والنحر الطعن في أسفل اللبة، والجزور بفتح الجيم ما ينحر من الإبل، والجزرة من غيرها من الجزر وهو الشق والطعن اهـ أبي (ونحن نحب) ونريد منك (أن تحضر) أكل لحمـ (ـها) معنا لنتبرك بحضورك (قال) رسول الله ﷺ (نعم) أحضرها إن شاء الله تعالى، قال أنس (فانطلق) رسول الله ﷺ وذهب إلى بني سلمة (وانطلقنا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت) بالبناء
стр. 3373
ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلْنَا، قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ.
وَقَال الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
١٣٠٩ - (٥٨٩) (٢٤٦) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثنَا الأَوْزَاعِيُّ
ــ
للمفعول؛ أي فنحرت الجزور بعد ما حضرناهم (ثم قطعت) بالبناء للمفعول أيضًا من القطع أي جعل لحمها قطعًا قطعًا (ثم طبخ منها) أي من لحمها شيء (ثم أكلنا) منه (قبل أن تغيب) وتغرب (الشمس) وهذا الحديث نص في المبالغة في التبكير بالعصر، وفيه إجابة الدعوة وأن الدعوة للطعام مستحبة في كل وقت سواء كانت في أول النهار أو في آخره اهـ نواوي، قال الأبي: وفي إجابته ﷺ ما يدل على حسن خلقه، وفيه أكله الطعام بحضرة الغير ليتبرك به الغير، ولما جاء في بعض الأحاديث "من أكل مع مغفور له غفر له" وكان مالك لا يأكل الطعام إلا بحضرة أحد، والفرق ما ذكر آنفًا من خصوصية الأكل معه ﷺ ليتبرك به (وقال) محمد بن سلمة (المرادي) في روايته (حدثنا ابن وهب عن) عبد الله (بن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء، وفسر المجد اللهيعة بالغفلة والكسل، ابن عقبة الحضرمي أبي عبد الرحمن المصري، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون فيه وهو ما هنا، مات سنة (١٧٤) أربع وسبعين ومائة؛ أي قال المرادي: حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة (وعمرو بن الحارث) بزيادة ابن لهيعة (في) سند (هذا الحديث) دون غيره، وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى كما ذكره في تحفة الأشراف والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أنس الأول بحديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٣٠٩ - (٥٨٩) (٢٤٦) (حدثنا محمد بن مهران) -بكسر الميم وسكون الهاء- الجمال بالجيم، أبو جعفر (الرازي) ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبو عمرو الشامي، ثقة، من (٧) روى
стр. 3374
عَنْ أَبِي النَّجَاشِى. قَال: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ. فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ
ــ
عنه في (١١) بابا (عن أبي النجاشي) -بفتح النون وتخفيف الجيم- عطاء بن صهيب الأنصاري مولاهم مولى رافع بن خديج المدني، روى عن رافع بن خديج في الصلاة والبيوع وغيرهما، ويروي عنه (خ م س ق) والأوزاعي وعكرمة بن عمار، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة، من (٤) (قال) أبوالنجاشي (سمعت رافع بن خديج) بن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي المدني، الصحابي المشهور، شهد أحدًا وما بعدها، له (٧٨) ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على (٥) وانفرد (م) بـ (٣) عاش (٨٦) سنة، ومات سنة (٧٤) أربع وسبعين، روى عن النبي ﷺ وعمه ظهير وأخيه في البيوع، ويروي عنه (ع) وأبو النجاشي عطاء بن صهيب في الصلاة، وعباية بن رفاعة في الزكاة، وعبد الله بن عمرو بن عثمان في الحج، ونافع بن جبير في الحج، وبشير بن يسار وعبد الله بن عمر ونافع مولى ابن عمر وسليمان بن يسار وحنظلة بن قيس والسائب بن يزيد. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان شاميان وواحد رازي (يقول كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ثم تنحر) بالبناء للمفعول (الجزور) من الإبل (فتقسم) بضم أوله أي تُجَزَّأُ (عَشْرَ قِسَم) أي عشر أجزاء بين عشرة أنفار (ثم تطبخ) تلك الجزور بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ ثم نطْبخُ بالنون للبناء للفاعل (فنأكل لحمًا نضيجًا) أي مطبوخًا طبخًا جيدًا غير نيء (قبل مغيب الشمس) وغروبها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٤٨٥].
قال القرطبي: هذا الحديث وما قبله يدل على فساد مذهب أبي حنيفة، إذ قال: إن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، إذ لا يتسع الوقت على رأيه لمثل هذا العمل، ولا لأن يأتوا العوالي والشمس مرتفعة، بل يتمكن من مثل هذا كله إذا صليت في أول المثل الثاني وكان النهار طويلًا والله أعلم اهـ مفهم
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث رافع بن خديج ﵁ فقال:
стр. 3375
١٣١٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ وَشُعَيبُ بْنُ إِسَحَاقَ الدِّمَشْقِي. قَالا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِي، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: كُنَّا نَنْحَرُ الْجَزُورَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بَعْدَ الْعَصْرِ. وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ
ــ
١٣١٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (وشعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم (الدمشقي) روى عن الأوزاعي في الصلاة والبيوع واللباس، وعن هشام بن عروة في الزكاة والحج والوصايا والأدب، وعبيد الله بن عمر في الحدود وآخر الكتاب، ويروي عنه (خ م د س ق) وإسحاق الحنظلي والحكم بن موسى في الزكاة، وإبراهيم بن موسى وغيرهم، وثقه أحمد وأبو داود وقال: هو مرجئ، وابن معين ودحيم والنسائي، وقال أبو حاتم: صدودتى، وقال في التقريب: ثقة رمي بالإرجاء، من كبار التاسعة، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، عن (٧١) إحدى وسبعين سنة (قالا حدثنا الأوزاعي بهذا الإسناد) يعني عن أبي النجاشي عن رافع بن خديج مثله أي مثل ما روى محمد بن مهران عن الأوزاعي، غرضه بيان متابعة إسحاق بن إبراهيم لمحمد بن مهران في رواية هذا الحديث عن الأوزاعي ولكنها متابعة ناقصة لأن إسحاق روى عن الأوزاعي بواسطة عيسى وشعيب، وأما محمد بن مهران فروى عنه بواسطة الوليد، ولذلك قال (غير أنه) أي لكن أن إسحاق بن إبراهيم (قال) في روايته (كنا ننحر الجزور) من الإبل (على عهد رسول الله ﷺ بعد العصر ولم يقل) إسحاق في روايته (كنا نصلي معه) ﷺ كما قال محمد بن مهران، وهذا استثناء من المماثلة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول حديث أنس ذكره للاستدلال وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني حديث أنس الثاني ذكره للاستشهاد، والثالث حديث أنس الثالث ذكره للاستشهاد أيضًا، والرابع حديث أنس الرابع ذكره للاستشهاد، والخامس حديث رافع بن خديج ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
* * *
стр. 3376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى هنا وقفت الأقلام في ترقيم هذا المجلدِ هَاءِ التمامِ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد مصطفى الأنام، وعلى آله وصحبه الغر الكرام، ومن تبعهم إلى يوم القيام.
وهذا آخر ما أردنا إيراده وشرحه في هذا المجلد الخاص، وجملة ما اشتمل عليه هذا المجلد الميمون من الأحاديث الغير المكررة من الأصول والشواهد [٢٤٦] مائتان وستة وأربعون حديثًا، وجملة ما سبق منها من أول الكتاب إلى هنا [٥٨٩] خمسمائة حديث وتسعة وثمانون حديثًا، وجملة ما سبق منها مع المكرر من أوله إلى هنا [١٣١٠] ألف حديث وثلاثمائة حديث وعشرة أحاديث، وجملة ما في هذا المجلد من الأبواب [١٠٥] مائة باب وخمسة أبواب، ومن أول الكتاب إلى هنا [٢٨٥] مائتان وخمسة وثمانون بابا، وجملة ما في هذا المجلد من الأسانيد الرباعية [٧٠] سبعون سندًا تقريبًا، وجملتها من أول الكتاب إلى هنا [١٠٨] مائة وثمان رباعيات، وفيه سند واحد من الثمانيات، وليس فيه شيء من التساعيات.
وهذا آخر ما أكرمني الله به من هذا المجلد بإتمامه في تاريخ ١٠/ ٤ / ١٤٢٢ هـ قبيل المغرب من يوم الاثنين؛ العاشر من شهر ربيع الثاني من شهور سنة ألف وأربعمائة واثنتين وعشرين سنة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. بعد ما وفقني بابتدائه يوم الثلاثاء من تاريخ ١/ ٤ / ١٤٢١ هـ، ولكن كتبت خلال هذه السنة مجلدًا واحدًا من كتابنا مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى حل وفك سنن ابن ماجه، ومن رسالتنا المقاصد الوفية من الأسانيد الرباعية في صحيح مسلم، مع ما لازمني من العوائق والمعائق لأنهن لمن في الدنيا شقائق وما أحسن قول من قال:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعياد
هل الدنيا وما فيها جميعًا ... سوى ظل يزول مع النهار
الحمد لله واهب العطية، لمن شاء من عباده وافر المنة، والصلاة والسلام على سيد الكائنات، سيدنا محمد منبع العلوم والشريعات، وعلى آله وصحبه ذوي المقامات السنية، وأتباعهم على منهج الملة الحنيفية، إلى يوم المجازاة والعرض على رب البرية.
قال أبو الطيب المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
стр. 3377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز عقلى ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
آخر:
كرر عليّ حديثهم يا حادي ... فحديثهم فيه الشفا لفؤادي
كرر عليّ حديثهم فلربما ... لان الحديد بضربة الحداد
آخر:
جزى الله خيرًا من تأمل صنعتي ... وقابل ما فيها من السهو بالعفو
وأصلح ما أخطأت فيه بفضله ... وفطنته أستغفر الله من سهوي
تم المجلد الثامن من الكوكب الوهاج على مسلم بن الحجاج ويليه المجلد التاسع وأوله "باب التغليظ في تفويت صلاة العصر"
***
стр. 3378
شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
الجزء التاسع
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 3379
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دار المنهاج
جدة السعودية
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 3380
شرح صحيح مسلم
стр. 3381
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3382
قال الشاعر
ثلاثٌ يَعِزُّ الصَّبرُ عِنْدَ حُلولِها ... ويَذْهَلُ عَنْهَا عَقْل كُلِّ لَبِيب
خُروجُ اضطرارٍ مِنْ بِلادٍ تُحِبُّها ... وفُرْقَةُ إِخْوَانٍ وفَقْدُ حَبِيب
آخر
مَنْ شَاءَ أن يحْتَويَ آمَالهُ جُمَلا ... فَلْيَتَخِذ لَيلَه في دَرْكِهَا جَمَلا
أقْلِلْ طَعَامَكَ كَي تَحْظَى به سَهَرًا ... إِنْ شِئْتَ يَا صَاحِبي أَنْ تَبْلُغَ الكَمَلا
стр. 3383
٢٨٦ - (١) بابُ: التغليظ في تفويت صلاة العصر
١٣١١ - (٥٩٠) (١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالهُ"
ــ
الحمد لله على كبريائه والشكر له على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا مثيل له في ذاته ولا شريك له في صفاته ولا معين له في أفعاله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله خص من الإرسال الإلهي بعمومه وختامه وكماله ومن الحق المبين بصفوه ومحضه وزلاله وأوتي من جوامع الكلم ما لا طاقة لبشر على مثاله وخياله ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الهداة المهديين لا سيما الخلفاء الراشدين آمين.
أما بعد: فلما فرغت من تسطير المجلد الخامس بعون الله وتيسيره، تفرغت لبداية المجلد السادس إن شاء الله تعالى بتوفيقه راجيًا منه الإمداد من قطرات الفيض والإرشاد فقلت وبالله التوفيق قال: وقال المؤلف رحمه الله تعالى: -
٢٨٦ - (١) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر
١٣١١ - (٥٩٠) (١) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد نيسابوري، وفيه التحديث والقراءة والعنعنة (أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر) بإخراجها عن وقتها المختار أو بإخراجها عن وقتها أصلًا (كأنما وتر) بالبناء للمفعول أي كأنما سلب (أهله وماله) وأخذا منه فصار وترًا أي فردًا بلا أهل ولا مال، وفي رواية أخرى "من فاتته" الخ، قال ابن الملك: الأظهر أن يراد به فوتها بالعمد لأنه جاء في رواية البخاري "من ترك" مكان من فاتته اهـ قوله (كأنما وتر أهله وماله) يقال: وترت زيدًا حقه أتره من باب وعد إذا نقصته، ومنه (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) بنصبهما على المفعولية شبه فقدان الأجر لأنه يُعَدُّ لقطعِ المصاعِب ودفع الشدائد بفقدان الأهل والمال لأنهما يعدان لذلك فأقام الأهل والمال مقام الأجر كذا في المصباح فهو كما في النهاية من الوتر بمعنى الفرد فكأنما جعل وترًا أي فردًا بعد أن كان
стр. 3384
١٣١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: رَفَعَهُ
ــ
كثيرًا، وقيل هو من الوتر بمعنى الجناية، وأرجعهما الزمخشري إلى معنى واحد، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ﴾ من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلًا من ولد أو أخ أو حميم أو حريمه، وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر وهو من فصيح الكلام، ومنه قوله ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" أي أفرد عنهما قتلًا ونهبًا. انتهى. إلى هنا ما في الكشاف، والتلاوة تدل على أنه متعد لمفعولين لتضمنه معنى السلب ونحوه مما يتعدى لاثنين بنفسه فالأهل والمال في الحديث منصوب على أنه مفعول ثان لوتر، والمفعول الأول نائب منابه وهو الضمير الذي فيه العائد إلى الموصول، قال ابن الملك: شبه خسران من فاته صلاة العصر بخسران من ضاع أهله وماله للتفهيم وإلا ففائت الثواب في المآل أخسر من فائت الأهل والمال، وقيل معناه ليكن حذره من فوتها كحذره من ذهابهما اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٢٥] وأبو داود [٤١٤] و ٤١٥] والترمذي [١٧٥] والنسائي [١/ ٢٣٨] وابن ماجه [٦٨٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
١٣١٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (قالا حدثنا سفيان) بن عيينة الكوفي (عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني (عن سالم) بن عبد الله بن عمر (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، غرضه بسوف هذا السند بيان متابعة سالم لنافع في رواية هذا الحديث عن ابن عمر، قال المؤلف رحمه الله تعالى (قال) لنا (عمرو) الناقد في روايته لنا (يبلغ) ابن عمر (به) أي بهذا الحديث ويصله إلى النبي ﷺ (وقال أبو بكر) بن أبي شيبة في روايته لنا (رفعه) أي رفع ابن عمر هذا الحديث إلى النبي ﷺ .
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
стр. 3385
١٣١٣ - (٠٠) (٠٠) ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بن سَعِيدٍ الأَيلِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ .. فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ"
ــ
١٣١٣ - (٠٠) (٠٠) (ح) وحدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) معطوف على حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (واللفظ) الآتي (له) أي لهارون لا لأبي بكر ولا لعمرو (قال حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقة فقيه، من (٧) (عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه) غرضه بسوقه بيان متابعة عمرو بن الحارث لسفيان في رواية الحديث الآتي عن الزهري (أن رسول الله ﷺ قال: من فاتته) صلاة (العصر فكأنما وتر) وسلب (أهله وماله) في الخسران، وإن كان خسران الأول في الآخرة وخسران هذا في الدنيا، قال القرطبي: (وتر أهله وماله) رويناه برفع أهله وماله ونصبهما، فالرفع على أن وتر بمعنى نزع وأخذ ومحمول عليه، والنصب على أن وتر بمعنى سلب وهو يتعدى إلى مفعولين بنفسه تقول سلب زيد ثوبه فتقيم الأول مقام الفاعل، وتترك الثاني منصوبًا على حاله، وقد اختلفوا في تأويل هذا الحديث فذهب ابن وهب إلى أن هذا إنما هولمن لم يصلها في الوقت المختار وقاله الداودي؛ فيكون معناه على هذا إن ما فاته من الثواب يلحقه عليه من الأسف والحزن مثل ما يلحق من أخذ ماله وأهله منه، وذهب الأصيلي إلى أن هذا الفوات إنما هو بغروب الشمس فيكون معناه على هذا ما قاله أبو عمر إنه يكون بمنزلة الذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا فلا يلحقه فيجتمع عليه غم المصاب وغم مقاضاة طلب الوتر، وقال الداودي: معناه أنه يجب عليه من الأسف والاسترجاع مثل الذي يمس من وتر أهله وماله لأنه أتى بكبيرة يجب عليه الندم والأسف لأجلها، وقيل هذا الفوات هو أن يؤخرها إلى أن تصفر الشمس، وقد روي مفسرًا من رواية الأوزاعي في الحديث قال فيه "وفواتها أن تدخل الشمس صفرة" وأما تخصيص هذا بالعصر فقال أبو عمر: يحتمل أن جوابه فيه على سؤال سائل عن العصر. وعلى هذا يكون حكم من فاته صلاة من الصلوات كذلك، وقيل خصت بذلك لكونها مشهودة للملائكة عند تعاقبهم وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح إذ الملائكة يتعاقبون فيها،
стр. 3386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل خصت بذلك تأكيدًا وحضًا على المثابرة عليها لأنها صلاة تأتي في وقت اشتغال الناس وعلى هذا فالصبح أولى لذلك لأنها وقت النوم، ويحتمل أن يقال إنما خصت بذلك لأنها الصلاة الوسطى كما سيأتي، وقد جاء في البخاري "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" رواه البخاري [٥٩٤] من حديث بريدة ﵁، قال الداودي: ليس ذلك خاصًّا بالعصر بل كذلك حكم غيرها من الصلوات اهـ من المفهم.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
***
стр. 3387
٢٨٧ - (٢) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى
١٣١٤ - (٥٩١) (٢) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا. كَمَا حَبَسُونَا وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى. حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ"
ــ
٢٨٧ - (٢) باب ما جاء في الصلاة الوسطى
١٣١٤ - (٢) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٦) بابًا تقريبًا (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٧) بابا (عن هشام) بن عروة بن الزبير الأسدي أبي المنذر المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابا (عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم أبي بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٦) بابا (عن عبيدة) بفتح أوله، ابن عمرو السلماني -بفتح السين وسكون اللام، ويقال بفتحها- قبيلة من مراد أبي عمرو الكوفي، مات النبي ﷺ وهو في الطريق، روى عن علي، وعنه ابن سيرين، ثقة ثبت مخضرم (عن علي) بن أبي طالب الهاشمي المدني ابن عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان وواحد بصري (قال) علي بن أبي طالب (لما كان) ووجد (يوم) غزوة (الأحزاب) وهي غزوة الخندق، وكانت سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس (قال رسول الله ﷺ ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا) والضمير هنا بمعنى الكل لا بمعنى الكلية لأنه قد آمن منهم كثير، وهذا دعاء عليهم بعذاب الدارين من خراب بيوتهم في الدنيا فتكون النار استعارة للفتنة ومن اشتعال النار في قبورهم ذكره ابن الملك عن شارح المشكاة. والكاف في قوله (كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى) للتعليل كما هي في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ﴾ أي لمنعهم إيانا عن أداء الصلاة الوسطى وشغلهم إيانا بمحاربتهم (حتى غابت الشمس) وغربت قبل صلاتنا إياها، قال القاضي عياض: ولفظ شغلونا ظاهر في أنه نسيها لشغله بالعدو أو يكون أخرها قصدًا لشغله بذلك ولم تكن صلاة الخوف شرعت حينئذ لأنها إنما أنزلت في
стр. 3388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غزوة ذات الرقاع فهي ناسخة لهذا، وقال الشاميون ومكحول: إذا لم يمكن أداء صلاة الخوف على سننها أخرت لوقت الأمن، والصحيح والذي عليه الجمهور أنها إذا لم يمكن ذلك فيها تصلى بحسب الطاقة ولا تؤخر وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى في صلاة الخوف، وقيل يحتمل في وجه آخر أن يكون على غير وضوء فشغلهم ما هم فيه عن الوضوء والتيمم، وقد تقدمت هذه المسألة في الطهارة، قال الأبي: يعني مسألة فاقد الماء والتراب اهـ من الأبي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٨٢ و ١١٣ و ١٢٢] والبخاري [٢٩٣١] وأبو داود [٤٠٩] والترمذي [٢٩٨٧] والنسائي [١/ ٢٣٦] وابن ماجه [٦٨٤].
قال القرطبي: اختلفوا في الصلاة الوسطى فقيل هي مبهمة ليحافظ على الصلوات كلها، وقيل الجمعة، وقيل الصلوات الخمس لأنها أوسط الدين، وقال ابن عباس: هي الصبح، ووافقه مالك والشافعي، وقال زيد بن ثابت وعائشة وأبو سعيد الخدري: هي الظهر، وقال علي بن أبي طالب: هي العصر ووافقه أبو حنيفة، وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، وقال غيره: هي العتمة، وأضعف الأقوال من قال هي الصلوات كلها لأن ذلك يؤدي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه: أحدها أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مفصلًا مبينًا، ثم يذكرونه مجملًا، وإنما عادتهم أن يشيروا إلى مجمل أو كل، ثم يفصلوه كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وقد قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والصلوات مبين والصلاة الوسطى مجمل.
وثانيها أن الفصحاء لا يطلقون لفظ الجمع ويعطفون عليه أحد مفرداته ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع فإن ذلك في غاية العي والإلباس.
وثالثهما أنه لو أراد بالصلاة الوسطى الصلوات لكان كأنه قال حافظوا على الصلوات والصلوات، ويريد بالثاني الأول، ولو كان كذلك لما كان فصيحًا في لفظه، ولا صحيحًا في معناه إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأول لأنه معطوف، ولا يفسد معنى آخر فيكون حشوًا وحمل كلام الله تعالى على شيء من هذه الثلاثة غير مسوغ ولا جائز، وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين صلاحية الوسطى لأن يراد بها التوسط في العدد أو في الزمان فإن راعينا عدد الركعات أدى إلى أنها المغرب لأن أكثر أعداد
стр. 3389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصلوات أربع ركعات وأقلها ركعتان وأوسطها ثلاث وهي المغرب، وإن راعينا أعداد الصلوات أنفسها فما من صلاة إلا وهي متوسطة بين شفعين إذ الصلوات خمس، وإن راعينا الأوسط من الزمان كان الأبين أنها الصبح لأنها بين صلاتي نهار محقق وهما الظهر والعصر وبين صلاتي ليل محقق وهما المغرب والعشاء، فأما وقت الصبح فوقت متردد بين النهار والليل. (قلت) والله أعلم لا يصلح هذا الذي ذكر أن يكون سببًا في الخلاف فيها إذ لا مناسبة لما ذكر لكون هذه الصلاة أفضل أو أوكد من غيرها.
أما أعداد الركعات فالمناسب هو أن تكون الرباعية أفضل لأنها أَكْثَرُ ركعاتٍ وأكثر عملا والقاعدة أن ما كثر عمله كثر ثوابه، وأما مراعاة أعداد الصلوات فيلزم منه أن تكون كل صلاة هي الوسطى وهو الذي أبطلناه وأيضًا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثرية الثواب، وأما اعتبارها من حيث الأزمان فغير مناسب أيضًا لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلها من حيث الزمانية واحدة فإن فرض شيء يكون في بعض الأزمان فذلك لأمر خارج عن الزمان، والذي يظهر لي أن السبب في اختلافهم فيها اختلافهم في مفهوم الكتاب والسنة الواردة في ذلك المعنى، ونحن نتكلم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وصحيح الأحاديث إن شاء الله تعالى فنقول: إن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هو من باب قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ [البقرة: ٩٨] فخص الرمان والنخل وجبريل وميكال بالذكر هان كانوا قد دخلوا فيما قبل بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا، وإذا كان ذلك كذلك فلهذه الصلاة المعبر عنها بالوسطى شرفية وفضيلة ليست لغيرها غير أن هذه الشرفية لم يعينها الله تعالى في القرآن فوجب أن يبحث عن تعيينها في السنة فبحثنا عن ذلك فوجدنا ما يعينها، وأصح ما في ذلك أنها العصر على ما في حديث علي، وأنص من ذلك ما ذكره الترمذي وصححه وهو قوله ﷺ "الصلاة الوسطى صلاة العصر" رواه الترمذي [٢٩٨٦ و ٢٩٨٨] من حديث سمرة بن جندب وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وهذا نص في الغرض غير أنه قد جاء ما يشعث التعويل عليه وهو ما ذكره البراء بن عازب وذلك أنه قال نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين
стр. 3390
١٣١٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ. جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
ــ
ولم يمكنا أن نتمسك بالأحاديث المتقدمة فلما أبهم أمر تعيينها أخذ العلماء يستدلون على تعيينها بما ظهر لكل واحد منهم بما يناسب الأفضلية فذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الصبح أولى بذلك لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة واستصعاب الطهارة فتكثر المشقة في المحافظة عليها أكثر من غيرها فتكون هي الأحق بكونها أفضل، وأيضًا فإنه وقت يتمكن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرغه للصلاة لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم وأشغال النهار بعد لم تأت ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي يحضره القارئ بفراغ ذهنه على أحد التأويلات وهو أحسنها وبنحو من هذا يستدل لسائرها من الصلوات إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى. وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكل من المختلفين على تعيين ماعينه من الصلوات بحسب ما غلب على ظنه من أرجحية ما عين، والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين أن القول قول من قال إن الله أخفاها في جملة الصلوات ليحافظ على الكل كما فعل في ليلة القدر وساعة الجمعة والله أعلم اهـ، المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث علي ﵁ فقال:
١٣١٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن أبي بكر) بن علي بن عطاء بن مقدم (المقدمي) على صيغة اسم المفعول نسبة إلى جده مقدم، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي البصري (ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي المروزي (أخبرنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري، حالة كون كل من يحيى والمعتمر (جميعا) أي مجتمعين على الرواية (عن هشام) بن عروة (بهذا الإسناد) يعني عن محمد عن عبيدة عن علي رضي الله تعالى عنه مثله، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة يحيى ومعتمر لأبي أسامة في رواية هذا الحديث عن هشام.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث علي ﵁ فقال:
стр. 3391
١٣١٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمدُ بن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَال ابْن الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ الأَحْزَابِ: "شَغَلُونَا عَنْ صَلاةِ الْوُسْطى حَتَّى آبَتِ الشمْسُ. مَلأَ اللهُ قُبُورَهُم نَارًا. أَوْ بُيُوتَهُمْ أَوْ بُطُونَهُمْ" - شَك شُعْبَةُ في الْبُيُوتِ وَالْبُطُونِ. وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ
ــ
١٣١٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزى البصري (ومحمد بن بشار) العبدي البصري (قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (قال سمعت قتادة) بن دعامة السدوسى البصري (يحدث عن أبي حسان) مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد البصري، روى عن عبيدة السلماني في الصلاة وابن عباس في الحج وأبي هريرة وعائشة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وقتادة وعاصم الأحول، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال في التقريب: صدوق، رمي برأي الخوارج، من الرابعة، قتل سنة (١٣٠) ثلاثين ومائة (عن عبيدة) بن عمرو السلماني أبي عمرو الكوفي، ثقة مخضرم (عن علي) بن أبي طالب ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم بصريون وواحد مدني وواحد كوفي، غرضه بسوقه بيان متابعة أبي حسان لمحمد بن سيرين في رواية هذا الحديث عن عبيدة، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في مساق الحديث (قال) علي ﵁ (قال رسول الله ﷺ يوم) غزوة (الأحزاب) والخندق سنة أربع (شغلونا) أي شغلنا الأحزاب والكفار المتحزبون (عن) أداء (صلاة الوسطى) في وقتها (حتى آبت الشمس) أي رجعت إلى مكانها في الليل؟ أي غربت، من قولهم آب إلى منزله إذا رجع قاله الحربي، وقال غيره: معناه سارت للغروب والتأويب سير النهار (ملأ الله) (قبورهم نارًا) قال شعبة (أو) قال لي قتادة: ملأ الله قبورهم و (بيوتهم أو) قال قتادة: ملأ الله قبورهم و (بطونهم، شك شعبة في) ما قال له قتادة من (البيوت والبطون) هل ذكر مع القبور البيوت أو ذكر معه البطون (وحدثنا محمد بن المثنى) أيضًا قال (حدثنا) محمد (بن) إبراهيم (أبي عدى) السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ثقة، من (٩) (عن
стр. 3392
سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ - وَلَمْ يَشُكَّ -.
١٣١٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ (وَاللَّفظُ لَهُ)، قَال: حَدَّثَنَا أبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيي، سَمع عَلِيًّا
ــ
-
سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري، ثقة، من (٦) (عن قتادة بهذا الإسناد) يعني عن أبي حسان عن عبيدة عن علي ﵁، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة لشعبة في رواية هذا الحديث عن قتادة (وقال) سعيد في روايته؛ ملأ الله (بيوتهم وقبورهم ولم يشك) سعيد في لفظ البيوت والبطون كما شك شعبة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث علي ﵁ فقال:
١٣١٧ - (٠٠) (٠٠) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حدثنا وكيع عن شعبة عن الحكم) بن عتيبة مصغرًا الكندي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن يحيى بن الجزار) -بفتح الجيم والزاي المشددة آخره راء مهملة - العرني -بضم العين المهملة وفتح الراء ثم نون- مولى نخيلة، قيل اسمه زبان - بزاي وموحدة - الكوفي، روى عن علي في الصلاة وعبد الرحمن بن أبي ليلى في الإيمان وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) والحكم بن عتيبة والحسن العرني وعمرو بن مرة وحبيب بن أبي ثابت وآخرون، وثقه أبو زرعة والنسائي وأبو حاتم، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان يتشيع، وقال في التقريب: صدوق رمي بالغلوفي التشيع، من الثالثة (عن علي) بن أبي طالب ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدنى وواحد بصري (ح وحدثناه عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (واللفظ) الآتي (له) أي لعبيد الله لا لأبي بكر ولا لزهير (قال) عبيد الله (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبرى البصري (حدثنا شعبة عن الحكم عن يحيى) بن الجزار العرني الكوفي (سمع عليا) ﵁ وأعاد مسلم هذا الطريق للاختلاف بينها وبين التي قبلها في عن وسمع لأنه قال في الأول يحيى بن الجزار عن علي، وفي هذه عن يحيى سمع عليا ذكره النواوي. وهذا السند أيضًا من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان
стр. 3393
يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ الأحزَابِ، وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فُرْضَةٍ منْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى. حَتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وبُيُوتَهُمْ، (أَوْ قَال: قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ)، نَارًا".
١٣١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعاويَةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صُبَيحٍ، عَنْ شُتَيرِ بْنِ شَكَل، عَنْ
ــ
وواحد مدني، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة يحيى بن الجزار لعبيدة السلماني في رواية هذا الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرر متن. الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (يقول) علي ﵁ (قال رسول الله ﷺ يوم، الأحزاب وهو قاعد على فرضة) بضم الفاء وسكون الراء وبالضاد المعجمة وهي المدخل من مداخله والمنفذ إليه وأصله المشارع إلى الماء يجمع على فرض أي على حفرة (من فرض الخندق) أي من حفر الخندق (شغلونا عن الصلاة الوسطى) وكانت الرواية فيما قيل عن صلاة الوسطى بالإضافة المعلومة (حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم) أمواتا (وبيوتهم) أحياء، قال شعبة (أو قال) لنا الحكم (قبورهم وبطونهم) بدل موتهم (نارًا) والشك من شعبة فيما قاله الحكم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث علي ﵁ فقال:
١٣١٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد النسائي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (قالوا حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن مسلم بن صبيح) مصغرًا الهمداني الكوفي (عن شتير) مصغرًا (بن شكل) بالتحريك ويقال بإسكان الكاف، ابن حميد العبسي الكوفي أدرك الجاهلية. روى عن علي في الصلاة، وحفصة في البيوع، وعن أبيه شكل بن حميد وابن مسعود، ويروي عنه (م عم) ومسلم بن صبيج والشعبي وبلال بن يحيى، وثقة النسائي وابن سعد، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن
стр. 3394
عَلِيٍّ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ الأَحْزَابِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةِ الْعَصْرِ. مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُم وَقُبُورَهُمْ نَارًا" ثُم صَلَّاهَا بَينَ الْعِشَاءَينِ، بَينَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
ــ
علي) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون إلا عليًّا وزهير بن حرب، غرضه بسوقه بيان متابعة شتير بن شكل لعبيدة السلماني ويحيى بن الجزار في رواية هذا الحديث عن علي، وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة (قال) علي ﵁ (قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى) أي الفضلى (صلاة العصر) بدل أو عطف بيان، وفيه حجة على من قال: الصلاة الوسطى غير العصر، وعلى من قال إنها مبهمة أبهمها الله تعالى تحريضا للخلق على محافظتها كساعة الإجابة يوم الجمعة، فإن قيل ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها إنه ﷺ قال (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) يدل على أن الوسطى غير العصر (قلت) يحتمل أن يكون الوسطى لقبًا والعصر اسمًا فذكرها النبي ﷺ باسميها كذا في المبارق فتأمله. فالوسطى ثأنيث الأوسط وهو الأعدل من كل شيء، قال أعرابي يمدح النبي ﷺ :
يا أوسط الناس طُرًّا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أُمًا بَرّةً وأبا
(ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا) أي فتنة وخرابًا (ثم صلاها) أي صلى العصر التي فاتته (بين) الغروب وبين صلاتي (العشاءين) يعني بين الغروب و (بين المغرب والعشاء) يعني صلاها بعد الغروب، وقيل المغرب والعشاء مراعاة للترتيب بين القضاء والأداء.
قال القرطبي: وقوله (بين العشاءين بين المغرب والعشاء) ظاهر هذا أنه صلى العصر المتروكة بعد أن صلى المغرب وقبل العشاء، وليس بصحيح بدليل ما جاء في حديث جابر قال: "فصلى رسول الله ﷺ العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب" رواه أحمد [٣/ ١٢٩] والبخاري [٥٩٨] والترمذي [١٨٠]، والنسائي [٣/ ٨٤] وهذا نص وإنما أراد بقوله بين العشاءين بين وقتي العشاءين فإن التأخير كان منه إلى أن غربت الشمس، ثم توضأ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب، وقد روى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه "أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب
стр. 3395
١٣١٩ - (٥٩٢) (٣) وَحَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِي. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ عَنْ زُبَيدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ــ
من الليل ما شاء الله فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء" رواه الترمذي [١٧٩]. قال النواوي: واعلم أنه وقع في هذا الحديث هنا وفي البخاري أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر، وظاهره أنه لم يفته غيرها، وفي الموطإ أنها الظهر والعصر، وفي غيره أنه أخر أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهب بعض من الليل، وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أيامًا فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها اهـ منه. وبهذه الأحاديث استدل جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد، واختلفوا إذا ذكر صلاة فائتة في ضيق وقت حاضرة هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة، أو يبدأ بالحاضرة، أو يتخير فيقدم أيتهما شاء؟ ثلاثة أقوال: وبالأول قال مالك والليث والزهري، وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وفقهاء أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب من أصحابنا، وبالثالث قال أشهب من أصحابنا. وهذا ما لم تكثر الصلوات فلا خلاف عند جمعيهم على ما حكاه القاضي عياض أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة، واختلفوا في مقدار اليسير فعن مالك قال: إن الخمس فدون من اليسير، وقيل الأربع فدون، ولم يختلف المذهب أن الست كثير اهـ، من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي بحديث ابن مسعود ﵄ فقال:
١٣١٩ - (٥٩٢) (٣) (وحدثنا عون بن سلام) بتشديد اللام الهاشمي مولاهم أبو جعفر (الكوفي) ثقة، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (أخبرنا محمد بن طلحة) بن مصرف بن عمرو الهمداني (اليامي) نسبة إلى يام بن رافع بن مالك أبي قبيلة باليمن من همدان، أبو عبد الله الكوفي، صدوق، من (٧) روى عنه في (٣) أبواب (عن زبيد) مصغرًا بن الحارث بن عبد الكريم اليامي نسبة إلى يام بن رافع المذكور أبي عبد الرحمن الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٧) أبواب (عن مرة) بن شراحيل الهمداني أبي إسماعيل الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٣) أبواب (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي
стр. 3396
قَال: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاةِ الْعَصْرِ. حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَو اصْفَرَّتْ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةِ الْعَصْرِ. مَلأ اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" أَوْ قَال: "حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا".
١٣٢٠ - (٥٩٣) (٤) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ؛ أَنَّهُ قَال: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا
ــ
الكوفي ﵁. وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) عبد الله (حبس المشركون) يوم الخندق أي منعوا (رسول الله ﷺ وشغلوه (عن) أداء (صلاة العصر) في وقتها فصار كأنه ممنوع منها، والحبس المنع (حتى احمرت الشمس أو) قال عبد الله حتى (اصفرت) الشمس للغروب، والشك من مرة فيما قال عبد الله أو ممن دونه أي حتى تغيرت باحمرارها أو باصفرارها (فقال رسول الله ﷺ شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله) سبحانه (أجوافهم) أي بطونهم (وقبورهم نارًا) دعاء عليهم بخسران الدارين (أو قال) رسول الله ﷺ أو عبد الله، والشك من الراوي أو ممن دونه (حشا الله) بدل ملأ الله فهما بمعنى واحد (أجوافهم وقبورهم نارًا) وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد [١/ ٤٠٣ - ٤٠٤] وابن ماجه [٦٨٦].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث علي بحديث عائشة ﵄ فقال:
١٣٢٠ - (٥٩٣) (٤) وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابورى (قال) يحيى (قرأت على مالك) بن أنس (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم أبي عبد الله المدني (عن القعقاع بن حكيم) الكناني المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي يونس مولى عائشة) المدني، اسمه كنيته، روى عن عائشة، ويروي عنه (م د ت س) والقعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم وغيرهم، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في الثقات، له في صحيح مسلم وفي السنن حديثان وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدفيين (أنه قال أمرتني عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (أن أكتب لها مصحفًا) أي قرآنًا سيجعل
стр. 3397
وَقَالتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا. فَأمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصرِ. وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. قَالتْ عَائِشَةُ: لسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
مصحفًا. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى (وقالت) لي (إذا بلغت) في الكتابة (هذه الآية فآذني) - بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتشديد النون - أي أعلمنى تريد بقولها هذه الآية قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها) أي بلغت هذه الآية في الكتابة (آذنتها) أي أعلمتها (فأملت علي) - بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة - من أملى - وبفتح الميم واللام مشددة - من أملل يملل أي ألقت علي فالأول لغة الحجاز، والثانية لغة بني تميم وقيس، والأولى من الإملاء وهو حكاية القول لمن يكتبه، والثانية من الإملال وهي بمعنى الأول أي قرأت علي بلفظ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) بزيادة (وصلاة العصر) على القراءة المشهورة بالواو الفاصلة وهي تدل على أن الوسطى غير العصر لأن العطف يقتضي المغايرة، وأجيب بوجوه أحدها أن هذه القراءة شاذة ليست بحجة ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا قاله النواوي. وثانيها أن يجعل العطف تفسيريًا فيكون الجمع بين الروايات. وثالثها أن تكون الواوفيه زائدة كما زيدت في قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل
أي فلما أجزنا ساحة الحي انتحى فإذا قدرنا زيادتها كانت صلاة العصر هي الصلاة الوسطى ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها "والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو (وقوموا لله) في الصلاة (قانتين) أي مطيعين، وقيل ساكتين أي عن كلام الناس لا مطلق الصمت ثم (قالت عائشة) هكذا (سمعتها) أي سمعت هذه الآية (من رسول الله ﷺ قال الباجي: يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء الآتي، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقي رسمه، ويحتمل أنه ذكرها ﷺ على
стр. 3398
١٣٢١ - (٥٩٤) (٥) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا الْفُضَيلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ قَال: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فَقَرَأناهَا مَا شَاءَ اللهُ
ــ
أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها فظنتها قرآنًا فأرادت إثباتها في المصحف لذلك قاله الزرقاني في شرح الموطإ، قال القرطبي: وقد اتفق المسلمون كافة على أن قولها وصلاة العصر ليس قرآنًا اليوم يتلى، وإنما هي رواية شاذة انفردت بها وبرفعها إلى النبي ﷺ غايتها أن تكون خبرًا إلا أنها قد رفعتها وأسندتها، والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أبو داود [٤١٠] والترمذي [٢٩٨٦] والنسائي [١/ ٢٣٦].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث علي بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٣٢١ - (٥٩٤) (٥) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) أبو يعقوب المروزي المعروف بابن راهويه (أخبرنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي أبو زكريا الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا الفضيل بن مرزوق) الأغر بالمعجمة والراء الرقاشي أبو عبد الرحمن الكوفي، روى عن شقيق بن عقبة في الصلاة، وعدي بن ثابت في الزكاة وأبي حازم، ويروي عنه (م عم) ويحيى بن آدم في الصلاة، وأبو أسامة في الزكاة، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق يهم كثيرًا يكتب حديثه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال العجلي: جائز الحديث صدوق، وكان فيه تشيع، وقال في التقريب: صدوق يهم، من السابعة، مات في حدود سنة (١٦٠) ستين ومائة (عن شقيق بن عقبة) العبدي الكوفي، روى عن البراء بن عازب في الصلاة، ويروي عنه (م) وفضيل ابن مرزوق والأسود بن قيس، وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، ومن الرابعة (عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي أبي عمارة الكوفي الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي (قال) البراء (نزلت هذه الآية) هكذا، يعني قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقرأناها) هكذا بزيادة (وصلاة العصر) (ما شاء الله) تعالى قراءتنا إياها من الزمن
стр. 3399
ثُمَّ نَسَخَهَا اللهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فَقَال رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ إِذَنْ صَلاةُ الْعَصْرِ. فَقَال الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيفَ نَزَلَتْ. وَكَيفَ نَسَخَهَا اللهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. قَال مُسْلِمٌ: وَرَوَاهُ الأشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ، عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيسٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ
ــ
(ثم نسخها الله) تعالى؛ أي نسخ تلاوتها (فنزلت) في نسخها آية (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال الفضيل بن مرزوق (فقال رجل) ممن (كان جالسًا عند شقيق) بن عقبة (له) أي للبراء بن عازب فهو متعلق بقال لا صفة لشقيق لأن شقيقًا هنا علم للراوي لا بمعنى الأخ (هي) أي الصلاة الوسطى (إذن) أي إذا كان نزولها لنسخ صلاة العصر هي (صلاة العصر، فقال البراء) للرجل السائل (قد أخبرتك كيف نزلت) أولًا (وكيف نسخها الله) تعالى ثانيًا فعن أبي شيء سألتني بعد ذلك، قال القرطبي: وقول البراء للسائل قد أخبرتك كيف نزلت؟ وكيف نسخها الله؟ يظهر منه تردد، لكن فيماذا هل نسخ تعيينها فقط وبقيت هي الوسطى أو كونها وسطى في هذا تردد، والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. فهذا الحديث مما انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات، ولكن شاركه أحمد [٤/ ٣٠١] وقوله (والله أعلم) فيه مراعاة الأدب مع الله تعالى، قوله و (قال مسلم: ورواه الأشجعي) هذا من كلام مسلم على سبيل التجريد أو من كلام بعض رواته. وهذا السند معلق حذف شيخه لأن مسلمًا إنما يروي عن الأشجعي بواسطة بعض مشايخه لأنه إنما يروي عنه بواسطة أبي النضر هاشم بن القاسم أو أبي كريب أو عثمان بن أبي شيبة كأنه قال: (ورواه) أي وروى لنا هذا الحديث أبو النضر هاشم بن القاسم أو أبو كريب مثلًا، قال أبو النضر (حدثنا الأشجعي) عبيد الله بن عبيد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت مأمون، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق (الثوري) الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٢٤) بابا (عن الأسود بن قيس) النخعي أبي قيس الكوفي، روى عن شقيق بن عقبة في الصلاة، وسعيد بن عمرو بن سعيد في الصوم، وجندب بن عبد الله في الجهاد والأضاحي، ويروي عنه (ع) والثوري وشعبة وأبو عوانة وابن عيينة وزهير بن معاوية وأبو الأحوص سلام بن سليم، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة، من (٤) (عن شقيق بن عقبة) العبدي الكوفي (عن البراء بن عازب) الأنصاري الأوسي الكوفي ﵁، غرضه بسوق
стр. 3400
قَال: قَرَأْنَاهَا مَعَ النَّبِي ﷺ زَمَانًا بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيلِ بْنِ مَرْزُوقٍ
ــ
هذا التعليق بيان متابعة الأسود بن قيس لفضيل بن مرزوق في رواية هذا الحديث عن شقيق بن عقبة (قال) البراء (قرأناها مع النبي ﷺ زمانا) طويلًا، وساق الأسود بن قيس عن شقيق عن البراء (بمثل حديث فضيل بن مرزوق) عن شقيق.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث الأول حديث علي بن أبي طالب ذكره للاستدلال وذكر فيه أربع متابعات، والثاني حديث عبد الله بن مسعود ذكره للاستشهاد، والثالث حديث عائشة ذكره للاستشهاد، والرابع حديث البراء بن عازب ذكره للاستشهاد.
***
следующие страницы →