[٧٤] وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ
ــ
وقال أبو النضر: حَدَّثَنَا صالح المُرِّي عن ثابت عن أنس مرفوعًا: "إن عُمَّار بيوتِ الله هم أهل الله".
وقال مسلم بن إبراهيم الفراهيدي: حَدَّثَنَا صالح المُرِّي عن ثابت عن أنس مرفوعًا: "إنَّ الله مَنَّ عليَّ فيما مَنَّ بهِ أني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قَسَمْتُها بيني وبينك نصفين".
وقال عبد الواحد بن غياث: حَدَّثَنَا صالح المُرِّي عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيبُ دعاءَ مِنْ قَلْبِ لَاهٍ".
وقال أبو إبراهيم التَّرْجُماني: حَدَّثَنَا صالح المُرِّي عن هشام عن ابن سِيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: خَرَج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن نتنازع في القَدَرِ .. فغَضِب) اهـ من "الميزان" (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ من كشف معايب الرواة بأَثَرِ شُعْبة بن الحَجَّاج في الحَسَنُ بن عُمارة فقال:
[٧٤] (وحَدَّثَنا محمودُ بن غَيلَانَ) العَدَويّ مولاهم، المَرْوَزيّ نزيل بغداد، الإِمام الحافظ.
روى عن ابن عُيَينة والفَضْل بن موسى وأبي معاوية وغيرهم، ويروى عنه (خ م ت س ق) وأبو حاتم وأبو زرعة والذُّهْلي وغيرهم، وَثَّقَه النَّسَائِيّ وجماعةٌ.
وقال في "التقريب": ثِقَة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقيل: بعد ذلك.
قال محمودٌ: (حَدَّثَنا أبو داودَ) سُلَيمانُ بن داود بن الجارود الطَّيالِسيّ البَصْرِيّ، أحدُ الأئمة الأعلام الحُفَّاظ.
روى عن ابن عَوْن وهشام بن أبي عبد الله وعَبَّاد بن منصور وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وجَرِير بن عبد الحميد -شيخُه- وأحمدُ وابن المَدِيني وغيرُهم، من التاسعةِ، مات سنة أربعٍ ومائتين.
стр. 387
قَال: قَال لِي شُعْبَةُ: ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ فَقُلْ لَهُ: لا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْويَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ؛ فَإِنَّهُ يَكْذِبُ، قَال أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيفَ ذَاكَ؟ فَقَال: حَدَّثَنَا عَنِ الْحَكَمِ بِأَشْيَاءَ لَمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلًا، قَال: قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيءٍ؟ قَال: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَتْلَى أحُدٍ؟
ــ
(قال) أبو داود: (قال لي شُعْبَةُ) بن الحَجَّاج العتكيُّ البَصْرِيُّ، من السابعة، مات سنة ستين ومائة: (إيتِ) أصله إِئْتِ بهمزتين أُولاهما مكسورة والثانية ساكنة، فقُلبت الثانيةُ ياءَ لكَسْرِ ما قبلها؛ لأنه أمرٌ من أتى يأتي بمعنى (جاء).
أي: جئْ يَا أَبا داود (جريرَ بنَ حازمٍ) واذْهَبْ إليه، وهو جَرِيرُ بن حازم بن زيد الأَزدِيّ البَصْرِيّ، من السادسة، مات سنة سبعين ومائة (فقُلْ) يَا أَبا داود (له) أي: لجرير بن حازم: (لا يَحِلُّ لك) ولا يجوزُ (أنْ تَرْويَ) الحديثَ وتنقلَه (عن الحَسَنِ بنِ عُمَارَةَ) بضم العين؛ (فإنّه) أي: فإنَّ الحَسَنَ بنَ عُمارة (يَكْذِبُ) في الحديث ويَضَعُه من عند نفسه، فإنَّه كَذَّابٌ وَضَّاعٌ، وهذا السَّنَدُ من ثلاثياته: اثنان منهم بصريان وواحدٌ مَرْوَزِيٌّ.
(قال أبو داود) الطَّيالِسيُّ: (قلتُ لشُعْبَةَ) بن الحَجَّاجِ: (وكيف ذاك) الكذب الواقع من الحَسَنُ بن عُمارة؟ أي: فكيف تعرفُ يَا شعبة كَذِبَه وما علامتُه؟
(فقال) شُعْبَةُ: (حَدَّثَنا) الحَسَنُ بن عُمارة (عن الحَكَمِ) بن عُتَيبة -بالمثناة من فوق ثم الموحدة مصغّرًا- الكنديِّ مولاهم، أبي محمَّد أو أبي عبد الله الكُوفيّ، أحدِ الأئمة، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فقيهٌ إلّا أنَّه ربما دَلَّسَ، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها, وله نيف وستون سنة.
(بأشياء) كثيرةٍ من الأخبارِ (لم أَجِدْ) أنا ولم أَرَ (لها) أي: لتلك الأشياء (أصلًا) أي: مأخذًا ولا سَنَدًا.
(قال) أبو داود: (قلتُ له) أي: لشعبة: (بأيِّ شيءٍ) من الأَمارات تعرف أنها لا أَصْلَ لها؟ (قال) شُعْبَةُ: (قلتُ للحَكَم) بن عُتَيبة: (أصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صلاتَه على الجنازة (على قَتْلَى) يوَم (أحُدٍ) وشُهَدَائِه؟
стр. 388
فَقَال: لَمْ يُصَلِّ عَلَيهِمْ، فَقَال الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِن النَّبِيّ ﷺ صَلَّى عَلَيهِمْ وَدَفَنَهُمْ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ في أَوْلَادِ الزِّنَا؟ قَال: يُصَلَّى عَلَيهِمْ، فَقُلْتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَال: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ،
ــ
(فقال) لي الحَكُم بن عُتَيبة: (لم يُصَل) النَّبِيّ ﷺ صلاتَه على الجنازة (عليهم) أي: على قَتْلَى أُحُدٍ وشُهدائِه، (فقال) لي (الحَسَنُ بن عُمَارَةَ) -بضم العين- راويًا (عن الحَكَمِ) بن عُتَيبة، حالة كون الحكم راويًا (عن مِقْسَمٍ)، قال في "التقريب": بكسر الميم وفتح السين، ابن بُجْرة بضم الموحدة وسكون الجيم، ويقال نَجْدَة بفتح النُّون وسكون الجيم وفتح الدال، أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث، وقيل: مولى ابن عباس للزُومِه له، صدوق من الرابعة وكان يُرسل، مات سنة إحدى ومائة، يروي عنه (خ عم).
حالة كون مِقْسَمٍ يروي (عن ابنِ عَبَّاسِ) رضي الله تعالى عنهما: (أن النَّبِيّ ﷺ صلَّى) صلاته على الجنازة (عليهم) أي: على قتلى أُحُد (ودَفنهم) بيده الشريفة.
(قلتُ للحَكَم): معطوفٌ بعاطفٍ مُقَدَّرٍ على قوله: (قلتُ للحَكم)، وفي بعض النُّسَخ: (فقلْتُ).
أي: قال شعبةُ: وقلت أَيضًا للحَكَم بن عُتَيبة: (ما تقولُ) أي: أيَّ حُكْمٍ تقولُ يَا حَكَمُ (في أولادِ الزِّنا؟ ) أي: في أولادٍ ولدوا من وطء الزنا إذا ماتوا .. هل يُصَلَّى عليهم صلاة الجنازة أم لا؟
(قال) الحَكَمُ: (يُصَلَّى عليهم) أي: على أولاد الزِّنا صلاة الجنازة.
قال شعبةُ: (فقلتُ) للحَكمِ: (من حديثِ مَنْ يُرْوَى) الصلاة عليهم؛ أي: بحديثِ مَنْ ثَبَتَت الصلاة عليهم؟
(قال) الحكَمُ: (يُرْوَى) حديثُ الصلاةِ عليهم (عن الحَسَنُ) بن أبي الحسن يَسَار (البَصْرِيّ) الأَنْصَارِيّ مولاهم، أبي سعيد أحد أئمّة الهدى والسُّنَّة.
стр. 389
فَقَال الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ
ــ
(فقال الحَسَنُ بن عُمَارَةَ: حَدَّثَنا) حديثَ الصلاةِ على أولاد الزِّنا (الحَكَمُ) بن عُتَيبَةَ (عن يحيى بنِ الجَزَّارِ) بالجيم والزاي وبالراء آخره، قال صاحب "المطالع": (ليس في "الصحيحين" ولا في "الموطإ" غيره، ومَنْ سواه "خَزَّاز" بخاء وزايين، أو "خراز" بخاء وراء وزاي) (١).
قال شعبةُ: فسألتُ الحَكَمَ عنه فقال: ما سمعتُ منه شيئًا.
ويحيى بن الجَزَّار -بفتح الجيم ثم الزاي المشددة آخره راء مهملة- العُرَني -بضم المهملة وفتح الراء ثم نون- الكُوفيّ، مولى بَجِيلة، قيل: اسم أَبيه زَبّان بزاي وموحدة (٢).
روى عن علّي وأُبَيّ بن كعب وابن عباس والحُسَين بن عليّ وعائشة وأُمّ سلمة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) والحَكم بن عُتَيبة وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم، وَثَّقَه أبو حاتم والنَّسَائِيُّ.
وقال في "التقريب": صدوق رُمِيَ بالغُلُوِّ في التشيُّع، من الثالثة.
(عن عَلِيِّ) بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطَّلب بن هاشم الهاشمي، أبي الحسن، ابنِ عَمِّ رسول الله ﷺ وخَتَنِهِ علي بنته، من السابقين الأولين، وهو أولُ مَنْ أسلم من الصبيان، وأحدُ العَشَرة المبشرة بالجنة، شَهِدَ بدرًا والمشاهدَ كُلَّها، أمير المُؤْمنين، يُكنى أَبا تراب، له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا.
يروي عنه (ع) وأولاده الحَسَنُ والحُسين ومحمَّد وفاطمة وعُمر وابنُ عُمر والأحنف وأُمم، مات في رمضان شهيدًا ليلة الجمعة لإحدى عشرة بقيت أو خلت منه
стр. 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سنة أربعين، وله ثلاثٌ وستون سنة على الأرجح، ومناقبه كثيرة مشهورة.
قال النوويُّ: (معنى هذا الكلام: أن الحَسَنَ بنَ عُمارة كَذَبَ فَرَوى هذا الحديث عن الحَكَم عن يحيى عن علي، وإنما هو عن الحَسَنِ البَصْرِيّ من قوله، وقد قَدَّمْنا أن مِثْلَ هذا وإنْ كان يحتمل كونه جاء عن الحَسَنُ وعن عليّ، لكن الحُفَّاظ يَعْرِفُون كَذِبَ الكَذَّابين بقرائن، وقد يَعْرِفُون ذلك بدلائلَ قطعيةٍ يَعْرِفُها أهلُ هذا الفنّ، فقولُهم مقبولٌ في كُلِّ هذا) اهـ (١).
فصل في ترجمة الحَسَنُ بن عُمارة:
هو الحَسَنُ بن عمارة بن المُضَرِّب -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وبموحدة آخره- البَجَلي مولاهم، الكُوفيّ أبو محمَّد، كان على قضاء بغداد في خلافة أبي جعفر المنصور.
روى عن بُرَيْد بن أبي مريم وحبيب بن أبي ثابت وشبيب بن غَرْقَدة والحَكَم بن عُتَيبة وابن أبي مُلَيكة والزُّهْري وأبي إسحاق السَّبيعي وفراس بن يحيى الهَمْدانيّ والمنهال بن عَمْرو ومحمَّد بن عبد الرَّحْمَن مولى آل طَلحة وعَمْرو بن مُرَّة والأعمش وغيرهم، ويروي عنه (ت ق) والسُّفْيانان وعبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن الحِمّاني وعيسى بن يونس وأبو بَحْر البَكْراوي وأبو معاوية وعبد الرَّزّاق وخلّاد بن يحيى ومحمَّد بن إسحاق بن يَسَار -وهو أكبرُ منه- وجماعة.
قال النَّضْر بن شُمَيل عن شعبة: أفادني الحَسَنُ بن عُمارة سبعين حديثًا عن الحكم فلم يكن لها أصل، وقال ابن عُيَينة: كان له فَضْلٌ، وغيرُه أحفظُ منه.
وقال أبو بكر المَرُّوذي عن أَحْمد: متروك الحديث، وقاله أبو طالب عنه وزاد: قلتُ له: كان له هَوىً؟ قال: لا, ولكن كان مُنْكَرَ الحديث، وأحاديثُه موضوعةٌ، لا يُكتب حديثه، وقال مَرَّةً: ليس بشيء.
وقال ابنُ مَعِين: لا يُكتب حديثه، وقال مَرَّةً: ضعيفٌ، ليس حديثه بشيء، وقال عبد الله بن عليّ بن المَدِيني عن أَبيه: ما أحتاجُ إلى شعبة فيه، أَمْرُه أَبينُ من
стр. 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، قيل له: كان يَغْلَط، فقال: أي شيء كان يغلط؟ كان يَضَعُ.
وقال أبو حاتم ومسلم والنَّسائيّ والدارقطني: متروك الحديث، وقال النَّسائيّ أَيضًا: ليس بثقةٍ، ولا يُكتب حديثه، وقال السَّاجِيُّ: ضعيفُ الحديث متروكٌ، أَجْمَعَ أهلُ الحديث على تَرْكِ حديثه، وقال الجُوزجانيّ: ساقط، وقال جَزَرَة: لا يُكتب حديثه، وقال عَمْرو بن عليّ: رجل صالح صدوق، كثير الوهم والخطإ، متروك الحديث، وقال ابن المبارك عن ابن عُيَينة: كنتُ إذا سمعتُ الحَسَنَ بنَ عُمارة يحدث عن الزُّهْرِيّ .. جعلتُ أصبعي في أذني. اهـ من "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٧).
وفي "الميزان" (١/ ٥١٣ - ٥١٥): (الحَسَنُ بن عُمارة الكُوفيّ الفقيه مولى بجيلة، روى عن ابن أبي مُلَيكة وعَمْرو بن مُرّة وخلق، ويروي عنه "ت ق" والسُّفْيانان ويحيى القطَّان وشَبَابَة وغيرهم.
قال سليمان بن أبي شيخ: حَدَّثني صِلَةُ بن سليمان قال: جاء رجل إلى الحَسَنُ بن عُمارة فقال: إنَّ لي على مِسْعَر بن كدَام سبعمائة درهم من ثَمَن دقيق وغير ذلك، وقد مَطَلَني ويقول: ليس عندي اليوم، فدفعها إليه ابن عُمارة وقال له: أَعْطِ مِسْعَرًا كُل ما أَرادَ ثم تعال.
قال سُليمان: وكان رجل غريب يكتب الحديث عنه، فلمَّا وَدَّعَ الحَسَنَ بنَ عُمارة .. وصَلَهَ بخمسمائة درهم.
وقال بكار بن أسود: حَدَّثَنَا إسماعيل بن أَبان قال: بلغ الحسن بن عمارة أن الأَعمش يَقَعُ فيه، فبعث إليه بكسوة، فلما كان بعد ذلك .. مَدَحَه الأَعمش، وروى حديثًا في: "إِنَّ القلوب جُبِلَتْ على حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إليها ... ".
وقال شعبةُ: روى الحَسَنُ بن عُمارة أحاديثَ عن الحكم، فسألنا الحكمَ عنها فقال الحكمُ: ما سمعتُ منها شيئًا، وروى أبو داود عن شعبة قال: يكذب.
وقال النَّضْر بن شُمَيل: قال الحسن بن عمارة: إن النَّاسَ كُلَّهم في حِلٍّ ما خلا شعبة.
стр. 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو داود الطَّيالِسيّ: قال شعبة: ألا تعجبون من جرير بن حازم هذا المجنون، ومن حماد بن زيد أتياني يسألاني أن أَكَفَّ عن ذكر الحَسَنُ بن عُمارة، لا واللهِ لا أَكُفّ.
وقال العُقَيلي: حَدَّثني عبد الله بن محمَّد بن صالح السمرقندي، حَدَّثني يحيى بن حكيم المقوم قال: قلت لأبي داود الطَّيالِسيّ: إن محمَّد بن الحسن صاحب الرأي حَدَّثَنَا عن الحَسَنُ بن عُمارة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ قرن فطاف طوافين وسعى سعيين، فقال أبو داود وجمع يده إلى نحره: من هذا كان شعبة يشق بطنه من الحَسَنُ بن عُمارة.
قال عليّ بن الحسن بن شَقِيق: قلتُ لابن المبارك: لِمَ تَرَكْتَ حديثَ الحَسَنُ بن عُمارة؟ قال: جَرَحَه عندي سفيانُ الثَّوْرِيُّ وشعبةُ.
وقال الدُّولابي أبو بشر: حَدَّثني أبو صالح بن رواد بن الجراح العسقلاني، حَدَّثَنَا أبي وسألتهُ عن قصة شعبة والحَسَن بن عُمارة فقال: كان ابنُ عُمارة موسرًا، وكان الحَكم بن عُتَيبة مُقلًّا، فضَمَّه إلى نفسه، فكان الحكم يُحَدِّثُه ولا يمنعه، فحدثه بقريب عشرة آلاف قضية عن شريح وغيره، وسمع شعبة من الحكم شيئًا يسيرًا، فلما تُوفِّي الحكم .. قال شعبة للحسن: مِنْ رَأيكَ أن تُحدِّث عن الحكم بكل ما سمعتَهُ؟ قال: نعم، ما أَكْتُم شيئًا، قال: فقال شعبة: مَنْ أراد أن ينظر إلى أَكْذب النَّاس .. فلينظر إلى الحَسَنُ بن عُمارة، فقَبِل النَّاسُ منه وتركوا الحَسَنَ بنَ عُمارة.
قال ابن أبي رواد: ودخلتُ أنا وشعبةُ على الحسن نعودُه في مرضه، فدار شعبةُ فقعد وَراء الحسنِ من حيثُ أن لا يراه فقال: فجعَلَ الحسنُ يقول للنَّاس كلهم: مَن قِبلي في حِلٍّ ما خلا شعبة .. ويومئ إليه.
وقال أحمدُ بن حنبل: كان وَكِيع إذا أتَى على حديث الحَسَنُ بن عُمارة قال: أَجْرِ عليه، يعني: اضربْ عليه.
مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وكان من كبار الفقهاء في زمانه ولي قضاءَ بغداد).
стр. 393
[٧٥] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَال: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَذَكَرَ زِيادَ بْنَ مَيمُونٍ فَقَال: حَلَفْتُ أَلَّا أَرْويَ عَنْهُ شَيئًا، وَلَا عَنْ خَالِدٍ بْنِ مَحْدُوجٍ، وَقَال: لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيمُونٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ، فَحدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ،
ــ
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بأَثَرِ يَزِيد بن هارون فقال:
[٧٥] (وحَدَّثَنا الحَسَنُ) بن عليٍّ (الحُلْوَانِيُّ) أبو علي المكيُّ من الحادية عشرة.
(قال) الحَسَنُ: (سَمِعْتُ يَزِيدَ بنَ هارونَ) بن زاذان السُّلمي مولاهم، أَبا خالد الواسطيّ، أحد الأئمة الأعلام الحُفاظِ المشاهيرِ.
روى عن سُلَيمَان التَّيمِي وحُمَيد الطَّويل والجُريري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإسحاقُ وابنُ مَعِين وخلق، قال أَحْمد: كان حافظًا مُتْقِنًا، وقال العِجْليّ: ثِقَة ثَبْت، وقال أبو حاتم: إمامٌ لا يُسأل عن مثله.
وقال في "التقريب": ثِقَة مُتْقِن عابد، من التاسعة، مات سنة ستٍّ ومائتين.
(وذَكَرَ) يَزيدُ بن هارون (زيادَ بنَ ميمونٍ) الثَّقَفيَّ الفاكهيَّ (فقال) يزيدُ: (حَلَفْتُ) بالله وأقسمتُ على (أنْ لا أرويَ) ولا أُحَدِّثَ (عنه) أي: عن زياد بن ميمون (شيئًا) من الأخبارِ لا قليلًا ولا كثيرًا؛ لأنه كَذَّابٌ وَضَّاعٌ، (و) حَلَفْتُ أَيضًا على أنْ (لا) أرويَ (عن خالدِ بنِ مَحْدُوجٍ) - بميم مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم قال مضمومة مهملة ثم واو ثم جيم- أبي روح الواسطيّ- رأى أنس بنَ مالك رضي الله تعالى عنه - لأنه كَذَّابٌ أَيضًا.
ثم بَيَّنَ يَزِيدُ بن هارون رحمه الله تعالى سبَبَ عدم روايته عن زياد بن ميمون (وقال) يزيدُ: وإنما حَلَفْتُ على تَرْكِ روايتي عنه؛ لأني (لَقِيتُ) ورأيتُ يومًا (زيادَ بنَ ميمونٍ فسألتهُ) أي: فسألتُ زيادًا (عن حديثٍ، فحَدَّثني به عن بكْرٍ) بفتح الباء الموحدة وإسكان الكاف، ابن عبد الله (المُزَنِيّ) التابعي الجليل الفقيه رحمه الله تعالى، وهو بَكْر بن عبد الله بن عَمْرو بن هلال المُزَنِيّ أبو عبد الله البصريُّ، أحدُ الأئمة الأعلام.
روى عن المغيرة وابن عبّاس وابن عُمر، قال ابنُ المَديني: له نحو خمسين حديثًا، ويروي عنه (ع) وقتادة وثابت وحُمَيد وخلق.
стр. 394
ثُمَّ عُدْتُ إِلَيهِ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيهِ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ
ــ
وقال في "التقريب": ثِقَة ثبَتْ جليل، من الثالثة، مات سنة ستٍّ أو ثمانٍ ومائة.
قال يَزيدُ بن هارون: (ثُمَّ عُدْتُ) ورَجَعْتُ (إليه) أي: إلى زياد بن ميمون (فحَدَّثَنِي) زيادٌ (به) أي: بذلك الحديث الذي حَدَّثَني أولًا عن بَكْر المزني مَرَّةً ثانيةً (عن مُوَرِّق) بضمِّ الميم وفتح الواو وكسر الراء المشدّدة، ابن المُشَمْرِج بضمِّ الميم الأولى وفتح الشين المعجمة وسكون الميم وكسر الراء وبالجيم بوزن مُدَحْرِج، العِجْليّ أبي المُعْتَمِر البَصْرِيّ.
روى عن عُمر وسَلمان الفارسيّ وأبي ذَرٍّ وأبي الدَّرداء وابن عبّاس وابن عُمر وجماعة، ويروي عنه (ع) وقتادة وعاصم الأحول وحُمَيد الطَّويل ومجاهدٌ وخلق، وَثَّقة النسائيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ، من كبار الثالثة، مات بعد المائة وليس عندهم (مُوَرِّق) إلَّا هذا.
(ثُمَّ عُدْتُ) وَرَجعْتُ (إليه) أي: زيادٍ ثالثةً (فحَدَّثَني به) أي: بذلك الحديثِ (عن الحَسَنِ) بنِ أبي الحَسَنُ يَسَار البَصْرِيّ إمامِ الهُدى والسُّنَّة، (وكان) يَزِيدُ بن هارون (يَنْسُبُهما) أي: يَنْسُبُ زيادَ بنَ ميمون وخالدَ بن مَحْدُوج (إلى الكَذِبِ) ويقول: إنهما كذّابان.
وقال النوويُّ: (وأما قولُه: "وكان يَنْسُبُهما إلى الكَذِبِ" .. فالقائلُ: هو الحُلْوَانِيُّ، والنَّاسِبُ: هو يزيدُ بن هارون، والمنسوبان: زيادُ بن ميمون وخالدُ بن مَحْدُوج.
وأمَّا قولُه: "حَلَفْتُ أنْ لا أَرْويَ عنهما" .. ففعله نصيحة للمسلمين، ومبالغة في التنفير عنهما؛ لئلّا يَغْتَرَّ أحدٌ بهما فيرويَ عنهما الكذب فيقَعَ في الكذب على رسول الله ﷺ ، وربما راج حديثهما فاحتجّ به.
وأمَّا حُكْمُه بكذب زياد بن ميمون .. فلكَوْنِه حَدَّثَه بالحديثِ عن واحدٍ ثم عن آخرَ
стр. 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم عن آخر، فهو جارٍ على ما تقَدَّمَ من انضمام القرائن والدلائل, على الكذب) اهـ (١).
نبذة من ترجمة زياد بن ميمون:
هو زياد بن ميمون الثَّقَفيّ الفاكهي، روى عن أنس، ويُقال له: زياد أبو عمار البَصْرِيّ، وزياد بن أبي عمار، وزياد بن أبي حسّان، يُدَلِّسُونه لئلا يُعرف في الحال.
قال الليث بن عبدة: سمعتُ ابنَ مَعِين يقول: زياد بن ميمون ليس يسوى (٢) قليلًا ولا كثيرًا، وقال مَرَّةً: ليس بشيء، وقال يَزِيد بن هارون: كان كذّابًا، وقال البُخَارِيّ: تركوه، وقال أبو زُرْعة: واهي الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو داود: أتيتُه فقال: أستغفرُ اللهَ؛ وضَعْتُ هذه الأحاديث.
وقال بشر بن عمر الزهراني: سأَلتُ زيادَ بنَ ميمون أَبا عَمَّار عن حديثٍ لأنس فقال: احسبوني كنتُ يهوديًّا أو نصرانيًّا، قد رَجَعْتُ عَمَّا كنْتُ أُحَدِّثُ به عن أنس، لم أسمع من أنس شيئًا.
ومن مناكيره عن أنس عن النَّبِيّ ﷺ : "طلب العلم فريضة".
وقال صبّاح بن سَهْل: ضعيف، عن زياد بن ميمون، عن أنس مرفوعًا: "ليس من امرأةٍ تَحْمِلُ حملًا .. إلَّا كان لها كأجر القائم الصائم المُخْبتِ، فإذا وَضَعَتْ .. كان لها بكُلِّ رضعةٍ عِتْقُ رقبة، والرجلُ إذا جَامَعَ زوجتَه واغْتَسَلَ .. بَاهَى اللهُ به الملائكة".
قال محمَّد بن الحارث صُدْرَة: حَدَّثَنَا مُفَضَّل بن فَضَالة، عن أبي عروة، عن زيادٍ أبيِ عَمَّار، عن أنسٍ مرفوعًا: "إن الله ليس بتاركٍ أحدًا يوم الجمعة من المسلمين إلَّا غَفرَ له".
قلتُ: قد أدركه يحيى بن يحيى التَّمِيمِيّ. اهـ من "الميزان" (٢/ ٩٤ - ٩٥).
تتمة في ترجمة خالد بن مَحْدُوج:
ويقال له: ابن مَقْدْوح، روى عن أنس وغيره، واسطيٌّ، رماه يَزِيد بن هارون
стр. 396
قَال الْحُلْوَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيمُونٍ فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ
ــ
بالكذب، وقال أبو حاتم: ليس بشيء، ضعيف جدًّا، وقال النَّسائيّ: متروك، وقال ابن عدي: يُكنى أَبا روح.
قال البُخَارِيّ: كان يَزِيد بن هارون يرميه بالكذب، حَدّثَ عنه أبو أسامة.
وقال أبو أسامة: حَدَّثني خالد بن مَحْدُوج، سمعتُ أنسًا يقول: (إنَّ داود ﵇ ظَنَّ أن أحدًا لم يَمْدَحْ خالقَه أفضلَ مِمَّا مدَحَه، وأنَّ ملكًا نزل وهو قاعدٌ في المحراب ... ) الحديث.
قال عبد الصمد بن عبد الوارث: حَدَّثَنَا خالد بن مَحْدُوج، سمعتُ أنسًا يقول: قال رسول الله ﷺ : "التمسوها آخر ليلة".
وقال بِشْر بن محمَّد السُّكرِيُّ أحدُ الواهِين: عن خالد، عن أنس قال: (سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، فأتاه جبرائيل بخاتم فلبسه في يمينه، وقال: لا تَخَفْ شيئًا ما دامَ في يمينِك) اهـ من "الميزان" (١/ ٦٤٢).
ثُمَّ ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْح زياد بن ميمون فقال:
(قال) الحَسَنُ بن عليّ أبو علي (الحُلْوَانِيُّ) المكيُّ: (سَمِعْتُ) أنا (عبدَ الصمدِ) ابنَ عبد الوارث بن سعيد العَنْبريّ مولاهم، أَبا سَهْل البَصْرِيّ الحافظ، روى عن هشام الدَّسْتوائي وشُعْبة وغيرِهما، ويروي عنه (ع) وابنُه عبدُ الوارث وأحمدُ وإسحاقُ وابنُ معِين.
قال في "التقريب": صدوقٌ ثَبْتٌ في شُعْبة، من التاسعة، مات سنة سبعٍ ومائتين، وليس في مسلم من اسمه (عبد الصمد) إلّا هذا الصَّدُوق.
ومفعولُ (سمعتُ) الثاني أو الجملة الواقعة حالًا من المفعول الأول محذوف تقديره: سمعتُ عبد الصمد يَذُمُّ زيادَ بنَ ميمون.
وجملةُ قوله: (و) قد (ذَكَرتُ) أنا (عندَه) أي: عندَ عبد الصمد (زيادَ بنَ ميمونٍ) أَبا عَمَّار البَصْرِيَّ (فنَسَبَه) أي: فنَسَبَ عبدُ الصمدِ زيادًا (إلى الكَذِبِ) فقال: إنَّ زيادَ بنَ ميمون كَذَّابٌ في الحديث متروك .. حالٌ من فاعل (سَمِعْتُ).
стр. 397
[٧٦] وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيلَانَ قَال: قُلْتُ لِأَبي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لَكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَطَّارةِ
ــ
وغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا السَّنَدِ بيانُ: متابعة عبد الصمد ليَزِيد بن هارون في جَرْح زياد بن ميمون.
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى الشاهدَ أَيضًا في جَرْح زياد بن ميمون فقال:
[٧٦] (وحَدَّثَنا محمودُ بن غَيلانَ) العَدَوي المَرْوزي، ثِقَة، من العاشرة، مات سنة (٢٣٩)، أو بعدها.
(قال) محمودٌ: (قلتُ) أنا (لأبي داودَ) سليمانَ بنِ داودَ (الطيالسيِّ) البصريِّ أَحَدِ الأئمة الحُفَّاظ، من التاسعة، مات سنة (٢٠٤): (قد أَكْثَرْتَ) أنتَ يَا أَبا داودَ الروايةَ (عن عَبَّادِ بنِ منصورِ) الناجى أبي سلمة البَصْرِيّ قاضي البصرة، وكان قدريًّا مُدلّسًا، يروي مناكير كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
(فما لَكَ) يَا أَبا داود تروي عنه مع أنَّهم ضَعَّفُوه أ (لَمْ تَسْمَعْ) يَا أَبا داود (منه) أي: من عَبَّادِ بنِ منصورٍ؛ أي: فهل سمعتَ منه (حديثَ) المرأة (العَطَّارَةِ) أي: التي تبيعُ العِطْرَ بالمدينة المنورة التي يُقال لها: الحَوْلاء بنت تُوَيت (١).
قال القاضي عِياضٌ رحمه الله تعالى: (هو حديثٌ رواه زيادُ بن ميمون هذا عن أنسٍ: أن امرأةً يُقال لها: الحولاء، عطَّارة كانت بالمدينة، فدخَلَتْ على عائشة ﵂ وذَكَرَتْ خبرَها مع زوجها وأن النَّبِيّ ﷺ ذكر لها في فضل الزوج، وهو حديثٌ طويل غير صحيح، ذَكَره ابنُ وَضَّاح بكماله، ويُقال: إنَّ هذه العَطَّارة هي الحَوْلَاءُ بنتُ تُوَيت) اهـ (٢).
стр. 398
الذِي رَوَى لَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ؟ ! قَال لِيَ: أسْكُتْ فَأنَا لَقِيتُ
ــ
أي: أَلمْ تَسْمَعْ يا أبا داود مِن عَبَّاد بن منصور حديثَ العَطَّارة (الذي رَوَى) أي: رواه (لنا النَّضْرُ بن شُمَيلٍ؟ ) بالتصغير، المازني أبو الحسن البصري النحوي نزيلُ مَرْوَ وشيخُها، وهو صاحبُ سيبويه وتلميذُ الخليل.
روى عن حُمَيد الطويل وبَهْز بن حكيم وابن عَوْن وشُعْبة وغيرهم، ويروي عنه (ع) ويحيى بن يحيى النيسابوري وإسحاق بن راهويه ويحيى بن مَعِين وغيرُهم، وَثقَه النسائي وأبو حاتم وابنُ مَعِين.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت، من كبار التاسعة، مات سنة أربع ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة.
وغَرَضُه بسَوْق هذا السنَدِ: الاستشهادُ بأبي داود ليَزِيد بن هارون في جَرْح زياد بن ميمون.
أي: ألم تَسْمَعْ حديثَ العطارة الذي رواه لنا النضْرُ بن شُمَيلِ عن عَباد بن منصور عن زياد بن ميمون عن أنس ﵁ (١)؟
قال محمود بن غَيلان: (قال لي) أبو داود: (اسْكُتْ) يا محمودُ واكْفُفْ عفَا سألتَني؟ (فأنا) أُخبرك خبرًا عجبيا يُبيّنُ لك حال زياد بن ميمون، فإني (لَقِيتُ)
стр. 399
زِيَادَ بْنَ مَيمُونٍ وَعَبْدُ الرحْمنِ بْنُ مَهْدِي فَسَألْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ التِي تَرويهَا عَنْ أَنسٍ؟ فَقَال: أَرَأَيتُمَا رَجُلًا يُذْنِبُ فَيتوبُ، آليسَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيهِ؟ قَال: قُلْنَا: نَعَمْ،
ــ
ورأيتُ (زيادَ بنَ ميمونٍ) أنا (وعبدُ الرحمنِ بن مَهْدِي) بالرفع معطوف على ضمير الفاعل في قوله: (لَقِيتُ)، ولم يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالضمير المنفصل استغناءً عنه بوجود الفاصل (١) وهو المفعول به أعني (زيادَ بنَ ميمونٍ) كما قال في "الخلاصة" (٢):
وإنْ على ضميرِ رفعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بالضميرِ المُنْفَصِلْ
أو فاصلٍ مَا، وبلا فَصْلٍ يَرِدْ ... في النظْمِ فاشيًا وضَعْفَه اعْتَقِدْ
أي: لَقِيتُ أنا وعبدُ الرحمنِ بن مَهْدِي زيادَ بنَ ميمونٍ (فسَألْناه) عن أحاديثِه التي رواها عن أنس بن مالك ﵁ هل هي صحيحة أم لا؟ أي: فسألتُ أنا وعبدُ الرحمنِ زيادَ بنَ ميمونِ عن أحاديثه (فقُلْنا) أي: فقلتُ أنا وعبد الرحمن (له) أي: لزياد بن ميمون: (هذه الأحاديثُ التي تَرويها) وتُحَدثُها (عن أنسِ) بن مالك هل هي صحيحةٌ أم لا؟ (فقال) لنا زيادُ بن ميمون: (أرأيتُما) أي: أخبراني أنتما يا أبا داود ويا عبد الرحمن (رجلًا) أي: عن حال رجلٍ (يُذْنِبُ) ويعصي اللهَ سبحانه بالأكاذيب الباطلة (فيتوبُ) أي: فيرجعُ عن ذَنْبه ويتوبُ إليه، فـ (رجلًا): مفعولٌ أولُ لـ (رأيتُما)، و (يُذْنِبُ) صفةٌ لـ (رجلًا)، (فيتوبُ) معطوفٌ على (يُذْنِبُ).
وجملةُ قوله: (أليس) الشأن (يتوبُ اللهُ) ويرجع (عليه؟ ) بالمغفرة .. جملة استفهامية في محل النصب مفعول ثانٍ لي (رأيتُما) عُلقَ عنها بالاستفهام، والمعنى: أخبراني أنتما رجلًا مُذْنبا تائبا إلى الله تعالى، ألَم يكن اللهُ تائبا عليه؟
(قال) أبو داود: (قلْنا) أي: قلتُ أنا وعبد الرحمن بن مهدي لزياد بن ميمون: (نَعَمْ) حرفُ تصديقٍ في الإثبات، ولكنها قائمة هنا مقام بَلى التي تَقَعُ جوابا
стр. 400
قَال: مَا سَمِعْتُ مِنْ أنس مِنْ ذَا قَلِيلًا وَلَا كَثيرًا، إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ الناسُ فَأنتمَا لَا تَعْلَمَانِ أَنِّي لَمْ أَلْقَ أَنَسًا.
قَال أَبُو دَاوُودَ: فَبَلَغَنَا بَعْدُ أَنهُ يَرْوي، فَأتَينَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرحمن
ــ
للنفي؛ لتقدُّم النفْيِ عليها؛ أي: بلى يتوبُ اللهُ تعالى عليه.
(قال) زيادُ بن ميمون: إنْ أردتما أنْ أُخْبِرَكما كلاما صادقا حقا .. فأقول لكما: أنا (ما سَمِعْتُ من أنسِ) بن مالك ﵁ ولا شافهتُ منه (مِنْ) هـ (ذا) الحديثِ المُسْنَدِ إلى النبي ﷺ شيئًا أصلًا (قليلًا) منه (ولا كثيرًا، إن كان) الشأن (لا يَعْلَمُ الناسُ) عدم لقائي أنسًا.
و(لا) في قوله: (فأنتما لا تَعْلَمَانِ) زائدة؛ أي: فأنتما تعلمان (أني لم أَلْقَ) ولم أَرَ (أنسًا) ﵁، فكيف تُصَدِّقان روايتي عن أنس؟ فأنا كاذب في روايتي عنه، فأنا أتوبُ الآن إلى الله تعالى عن كذبي عليه، وأرجو الله تعالى قبول توبتي عنه.
ويحتمل أن تكون (لا) من قوله: (لا تَعْلَمَانِ) أصليةً على تقدير همزة الاستفهام التقريري، والمعنى: إنْ كان الناسُ لا يعلمون عدم لقائي أنسًا .. أفأنتما لا تعلمان ذلك؟ ! بل أنتما تعلمان أني لم أرَ أنسا، فكيف تَصِح روايتي عنه (١)؟ !
(قال أبو داود) الطيالسي: (فبَلَغَنا) أي: وصلنا وسمعنا من الناس، وقولُه: (بعدُ) ظرفُ زمانٍ مبنيٌّ على الضم لحذفِ المضافِ إليه ونَيَّةِ معناه متعلِّق بِـ (يَرْوي) الآتي؛ أي: فبلَغَنا (أنه يروي) بَعْدُ؛ أي: بلغنا أن زيادَ بنَ ميمونٍ يروي عنْ أنس بعد ما قال لنا ذلك الكلامَ من تكذيبِ نفسه (فأتيناه) أي: أتينا زيادَ بنَ ميمون (أنا) تأكيدٌ لضمير الفاعل في أتيناه (وعبدُ الرحمنِ) بن مهدي بالرفع معطوفٌ على ضمير الفاعل كما مَرَّ نظيرُه آنفًا.
стр. 401
فَقَال: أتوبُ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ يُحَدِّثُ فترَكْنَاهُ
ــ
أي: فأتيتُ أنا وعبدُ الرحمنِ زيادَ بنَ ميمونٍ مَرَّةً ثانيةً بذلًا للنصيحة له، فقلنا له: أتروي عن أنسٍ ثانيًا بعد ما كذبت نفسك في روايتك عنه وقلتَ لنا: أتوب إلى الله تعالى من ذلك الكذب؟ !
(فقال) زيادُ بن ميمونٍ في جواب كلامنا: (أتوبُ) ثانيا إلى الله من كذبي ثانيا، قال أبو داود: (ثُم كان) زيادُ بن ميمونٍ، وقولُه: (بعدُ) متعلق بقوله: (يُحَدثُ) كما مَر نظيرُه آنفا؛ أي: ثم كان زياد يُحَدِّثُ ويروي عن أنسٍ بعد ما كذب نفسه مَرةً ثالثةً (فتَرَكْناه) أي: فتَرَكْنا زيادًا على حاله وكذبه؛ لأنه أَبَى عن قبول النصيحة والتوبة إلى الله تعالى، فلا ينفعه الوعظُ والتذكيرُ.
فصل في ترجمة عَبَّاد بن منصور الناجِي:
- بالنون والجيم- أبي سلمة البصري القاضي بها.
قال في "التقريب": صدوقٌ رُمي بالقَدَر، وكان يُدلس، وتغير بآخَرَة، من السادسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. اهـ
روى عن عكرمة وعطاء وأبي رجاء العُطَارِدي وأبي المُهَزم البصري والحَسَن وأيوب وهشام بن عُرْوة والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ويروي عنه (خت عم) وإسرائيل وحمّاد بن سلمة ورَيْحان بن سعيد وزياد بن الربيع وابن أخته عَرْعَرة بن البِرِنْد وشُعْبة ويحيى القطّان وابن وَهْب ورَوْح بن عُبادة ووَكِيع والنضْر بن شُمَيل ويَزيد بن هارون وأبو داود الطيالسي وعدة.
قال علي بن المَدِيني: قلتُ ليحيى بن سعيد: عَباد بن منصور كان قد تَغَيَّرَ؟ قال: لا أدري، إلّا أنا حين رأيناه نحن كان لا يحفظ، ولم أرَ يحيى يرضاه.
وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال جدي: عَبَّاد ثقةٌ، لا ينبغي أن يترك حديثُه لرأي أخطأ فيه، يعني القدر.
وقال الدوري عن ابن مَعِين ليس بشيء، وكان يُرْمَى بالقَدَر، وقال أبو زرعة: لَيِّن.
وقال أبو حاتم: كان ضعيفَ الحديث، يُكتب حديثه، ونرى أنه أَخَذَ هذه
стр. 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأحاديث عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحُصَين عن عكرمة.
وقال علي بن المَدِيني: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: قلتُ لعَباد بن منصور: سمعتَ حديث: "ما مررتُ بملإ من الملائكة"، وأن النبي ﷺ كان يكتحلُ ثلاثا، يعني من عكرمة، فقال: حدثني ابنُ أبي يحيى عن داود عن عكرمة.
وقال أبو داود: وَليَ قضاء البصرة خمس مرات، وليس بذاك، وعنده أحاديثُ فيها نكارة، وقالوا: تَغَيرَ.
وقال الآجُري: سألتُ أبا داود عن عَمْرو الأَغْضَفِ، فقال: قاضي الأهواز ثقة.
قال لعَبَّاد بن منصور: مَن حَدثَك أن ابنَ مسعود رجَعَ عن قوله: "الشقيُّ من شقي في بطن أُمه"؟ قال: شيخ لا أدري من هو.
فقال عَمْرو: أنا أدري من هو، قال: من هو؟ قال: الشيطان.
وقال النسائي: ليس بحُجة، وقال في موضع آخر: ليس بالقَوي، وقال ابنُ عدي: في جملة مَنْ يُكتب حديثه، وقال رُسْتَه عن يحيى بن سعيد: مات عَباد وهو على بطن امرأته، وقال ابنُ قانع: مات سنة اثنين وخمسين ومائة.
قلتُ: وفيها أرخه أبو موسى العَنَزِي وزكرياء الساجي وابنُ حِبان وقال: كان قدريا داعيةً إلى القَدَر، وكُل ما رَوَى عن عكرمة سَمِعَه من إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن داود بن الحُصَين عنه، فدَلسها عن عكرمة.
وقال عَباس الدوري عن يحيى بن مَعِين: حديثه ليس بالقَوي، ولكنه يُكتب، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال مهنأ عن أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان قدريا، وكان يُدلس، وقال ابنُ أبي شيبة: روى عن أيوب وعكرمة: وكان يُنسب إلى القدر، روى أحاديث مناكير، وقال أبو بكر البَزار: روى عن عكرمة أحاديث ولم يسمع منه، وقال العِجْلي: لا بأس به، يُكتب حديثه، وقال مَرةً: جائز الحديث.
وقال ابنُ سَعْد: هو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة، وقال الجُوزجاني: كان يرى برأيهم، وكان سيءَ الحفظ، وتَغَيَّرَ أخيرًا، وقال الآجُري: عن أبي داود حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا عَبادُ بن منصورٍ على قَدَرية
стр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه. اهـ من "تهذيب التهذيب" (٥/ ١٠٣ - ١٠٥).
وفي "الميزان" (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨): (قال بندَار: حدثنا يحيى بن سعيد وحدثنا عَباد بن منصور، قال: رأيتُ عُمَرَ بنَ عبد العزيز يُصلي متربعا.
وقال ريحان بن سعيد: سمعتُ عَباد بن منصور، قال: كان رجل منا يقال له: كابس بن زمعة بن ربيعة، فرآه أنس بن مالك فعانقه وبكى، وقال: مَنْ أَحَب أنْ ينظرَ إلى رسول الله ﷺ .. فلينظر إلى كابس بن زمعة ... وذكر فيه قصةً طويلةً، فدفعه إلى معاوية وشهد سبعة من أصحاب رسول الله ﷺ له كما شَهِدَ أنس.
وقال عبد الله بن بَكْر السهْمي: حدثنا عَباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يعمل عمل قوم لوط، وفي الذي يُؤتى في نفسه، وفي الذي يَقَعُ على ذات مَحْرَم، وفي الذي يأتي البهيمة؟ قال: يقتل.
وقال يَزِيد بن زُرَيع: حدثنا عَباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: نِعْمَ العبدُ الحجّام، يذهب بالدم، ويجلو البصر، ويجف الصلب.
قال البخاري: ربما دَلس عَباد عن عكرمة.
وقال حسنويه: حدثنا أبو سعيد الحداد، عن يحيى بن سعيد: قلتُ لعَباد بن منصور: عمنْ أخذتَ حديث اللعان؟ قال: حدثني إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن حُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقرأتُ على أبي الحسين اليُونيني ببعلبك وعلى أبي الربيع المقدسي بالصَّنَمَينِ وعلى جماعةٍ بدمشق: أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا عبدُ الأَول، أخبرنا الداودِي، أخبرنا ابن حمُّويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم، حدثنا عَبْد بن حُمَيد، أخبرنا يزَيد بن هارون، أخبرنا عَباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "ما مررتُ بملإ من الملائكة ليلةَ أُسري بي إلّا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد".
وقال علي بن المَدِيني: سمعتُ يحيى بن سعيد قال: قلتُ لعَباد بن منصور:
стр. 404
[٧٧] حَدَّثنا حَسَن الْحُلْوَانِي قَال: سَمِعْتُ شَبَابَةَ قَال: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ يُحدثُنَا
ــ
سمعتَ "ما مررتُ بملإ من الملائكة"، و (أن النبي ﷺ كان يكتحلُ ثلاثا)؛ فقال: حدثني ابنُ أبي يحيى، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) اهـ.
ثم استشهد المؤلِّفُ لِمَا مَرَّ من جَرْح الرواة بأثَرِ شَبَابة فقال:
[٧٧] (حَدثَنا حَسَنُ) بن علي (الحُلْوَانِي) أبو علي المكي، ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
(قال) الحَسَنُ: (سَمِعْتُ) أنا (شَبَابةَ) بنَ سَوارِ المدائني أبا عَمْرٍو الفَزَارِيَ مولاهم، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمسِ أو ست ومائتين، ثقة حافظ رُمِيَ بالإرجاء، (قال) شَبَابَةُ: (كان عبدُ القُدُوسِ) بن حبيب الكَلاعي الشامي أبو سعيد الدمشقي.
روى عن عكرمة والشعْبي ومكحول والكبار، ويروي عنه الثوْرِي وإبراهيمُ بن طَهْمان وأبو الجهم وعلي بن الجَعْد وخلق.
قال عبد الرزاق: ما رأيتُ ابنَ المبارك يُفْصِحُ بقوله: كَذاب إلا لعبد القُدوس، وقال الفلاس: أجمعوا على تَرْك حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابنُ عدي: أحاديثُه منكرةُ الإسناد والمتن.
وقال إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره: قالا: حدثنا عبد القدوس عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يا إخواني؛ تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضا؛ فإن الله سائلكم عنه" وفي "الجعديات": أخبرنا عبد القدوس عن أبي الأشعث الصنْعَاني عن شَداد بن أوس مرفوعًا: "مَنْ قرض بيتَ شِعْرٍ بعد العشاء .. لم تُقْبَل له صلاة حتى يصبح".
وقال ابن أبي عُمر العَدَني: حدثنا عبد القدوس بن حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "ما مِنْ مسلمٍ يُصْبِحُ ووالداه عليه ساخطان .. إلا كان له بابان من النار وإن كان واحد .. فواحد".
وجملةُ قوله: (يُحَدِّثُنا) خبرُ كان؛ أي: كان عبدُ القُدُّوسِ مُحَدثا إيانا أحاديثَ
стр. 405
فَيقُولُ: سُوَيدُ بْنُ عَقَلَةَ.
قَال شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يتَّخَذَ الروْحُ عَرْضًا، قَال: فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيءٍ هَذَا؟
ــ
منكرةَ الأسانيدِ والمتونِ (فيقولُ) عبدُ القُدُّوسِ في تحديثه إيانا أحاديثَ منكرةَ الإسنادِ: حَدثَنا (سُويدُ بن عَقَلَةَ) بالعين المهملة والقاف المفتوحتين وهو تصحيف ظاهر، وإنما هو (غَفَلَة) بالغين المعجمة والفاء المفتوحتَينِ.
(قال شبَابةُ) أيضًا: (وسَمِعْتُ عبدَ القدوسِ يقولُ) في تحديثه أحاديثَ منكرةَ المُتُونِ: (نهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُتخَذَ الرَّوْحُ) بفتح الراء (عَرْضًا) بالعين المهملة المفتوحة وإسكان الراء، وهو تصحيف قبيح وخطأ صريح، وصوابهُ: (الرُّوح) بضمِّ الراء، (وغَرَضا) بالغين المعجمة والراء المفتوحتَين (١).
والمرادُ بذِكْر هذا الحديث: بيانُ تصحيفِ عبد القُدُوس وغباوته، واختلالِ ضَبْطه، وحصولِ الوَهَم في إسنادِه ومَتْنِه كما بيناه.
قال النووي: (معنى الحديث: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يتخَذَ الحيوانُ الذي فيه الرُّوْح غرَضا؛ أي: هَدَفا للرمْي، فيُرمى إليه بالنُّشابِ وشِبْهِه) (٢).
وقد ذكر في (كتاب الصيد) على الصواب، وهو مِثْلُ نَهْيِه ﷺ عن قَتْل المصبورة أو المُجَثَّمة، وهي ذات الروح من الطير وغيره تُصْبَرُ؛ أي: تُحْبَسُ ليُرمى عليها، وسيأتي هذا في كتاب الصيد، ولم يختلف العلماءُ في مَنْعِ كلها وأنها غيرُ ذكية.
وفائدةُ الحديثِ: النهْيُ عن قَتْل الحيوان لغير منفعةٍ، والعبثِ بقَتْلِه، وفيه مع ذلك إفسادُ المال (٣).
(قال) شبَابَةُ بن سَوار: (فقيل له) أي: لعبد القدوس وسُئِلَ: (أي شيء) معنى (هذا) الحديث الذي رَويتَ لنا بقولك: (أن يتخذ الروْحُ عَرْضا)؟ بفتح الراء
стр. 406
قَال: يَعْنِي يَتَّخِذُ كَوَّةً فِي حَائِطِهِ (١)؛ لِيَدْخُلَ عَلَيهِ الروْحُ.
وَسَمِعْت عُبَيدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِي يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زيدٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلالٍ بِأيامٍ:
ــ
في الأول وإسكانها في الثاني مع العين المهملة.
(قال) عبدُ القُدوس: (يَعْنِي) النبي ﷺ بذلك: نَهْيَ الرجلِ (يَتخِذُ كَوَّةً) بفتح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب "المطالع": وحُكي فيها الضم (٢)؛ أي: نَهَى أن يَتخِذَ الرجلُ ويفتحَ كوَّةً؛ أي: طاقةً نافذةً وفرجةً مفتوحةً (في حائِطه) أي: جدارِ بيته (لِيَدْخُلَ عليه) أي: على الرجل (الروْحُ) أي: النسيمُ والريحُ اللطيفةُ التي تَجْلِبُ له البرودةَ، وفي بعض النسَخ: (تتخَذَ) بالبناء للمجهول مع التاء الفوقانية بدل الياء التحتانية، ورَفْعِ (كَوَّة) على أنه نائب فاعل لِتتخَذَ، وتنكيرِ (حائط) بلا إضافةٍ لضميرِ الرجل، وهذا الذي رواه عبد القدوس تصحيف قبيح في اللفظ، وخطأ صريح في المعنى.
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَر بأثَرِ حَماد بن زَيد فقال:
(وَسَمِعْتُ عُبيدَ اللهِ) فالواوُ فيه عاطفة على محذوف تقديرُه: سمعتُ من غير عُبَيد الله هذا الجَرْحَ الآتي، وسمعتُ عُبَيدَ الله أيضًا، وفي بعض النسخ: (قال) الإمامُ (مسلم) رحمه الله تعالى على سبيل التجريد البديعي: وسَمِعْتُ عُبيدَ اللهِ (بنَ عُمَرَ) بن مَيسَرة الجُشَمي مولاهم، أبا سعيد (القَوَارِيري) البصري، ثقة ثَبْت من العاشرة، مات سنة خمسٍ وثلاثين ومائتين على الأصِحّ، وله خمسٌ وثمانون سنة.
حالة كون عبيد الله (يقولُ: سَمِعْتُ حَمادَ بنَ زْيدِ) بن دِرْهَم الأَزْدي أبا إسماعيل البصريَّ، ثقة ثَبْت من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.
حالة كون حماد (يقولُ لرجلٍ) من الطلبة، والظرفُ في قوله: (بعدَ ما جَلَسَ) متعلِّق بيقولُ، وما مصدرية، والجار والمجرورُ في قوله: (مَهْدِي بن هلالِ بأيامٍ)
стр. 407
مَا هَذِهِ الْعَينُ الْمَالِحَةُ التِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟ قَال: نعَمْ يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ
ــ
صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والتقديرُ: سمعتُ حَمادًا يقولُ لرجلٍ من أهل البصرة بعد جلوس مهدي بن هلال في البصرة للتدريس جلوسا ملتبسا بأيام قلائل، ومقولُ القولِ قولُه: (ما هذه العَيْنُ المالحةُ)، و (ما) فيه للاستفهام التعجبي، والعينُ: الماء الجاري في الشقوقِ من مَنْبَعِها، أصغر من النهر، وفيه استعارة تصريحية مُرشَّحة حيث استعارَ عَينَ الماء المالح للحديث الذي يُحَدثُه مهدي بن هلال بجامع البشاعة في كُل.
وقولُه: (التي نَبعَتْ قِبَلَكُمْ) ترشيحٌ؛ لأنه يلائم المستعار منه؛ أي: ما هذه العينُ المُرةُ التي لا تقبل الشرب لملوحتِها ومرارتها التي نبعَتْ وجَرَتْ من منبعها إلى جهتكم وشربتموها مع مُلوحتِها، وعدم قبولها للشرب للعاقل، وهذه العين المالحة كنايةٌ عن ضَعْفِه وجَرْحِه، وهو الغَرَضُ من سَوْق هذا الأثَر.
(قال) الرجلُ لحمَّاد بن زيد: (نَعَمْ) حرفُ تصديقٍ في الإثبات قائمة مقام الجواب؛ أي: جَرَتْ قِبَلَنا عينٌ مالحةٌ كما قلت (يا أبا إسماعيلَ) وهو كنْية حَماد بن زيد، كأنَّ الرجلَ وَافَقَ حَمادًا على جَرْح مهدي بن هلال؛ فإن مَهْدِيًا مُتَّفَقٌ على ضَعْفِه، قال النسائي هو بصريٌّ متروك.
تتمة في ترجمة مهدي بن هلال:
هو مهدي بن هلال أبو عبد الله البصري، روى عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح ويونس بن عُبَيد، ويروي عنه ابنه محمد وحمدان بن عُمر وجماعة.
كَذَّبه يحيى بن سعيد وابنُ مَعِين، وقال الدارقطنيُّ وغيرُه: متروك، وقال ابنُ مَعِين أيضًا: صاحب بدعة يَضَعُ الحديث، وساق له ابنُ عدي أحاديثَ وقال: عامةُ ما يرويه لا يتابَعُ عليه.
وقال أحمد بن خلاد القطان: حدثنا مهدي بن هلال، حدثنا يعقوب بن عطاء، عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "ليس على من نام قاعدًا وضوءٌ حتى يضع جَنْبَه إلى الأرض".
وقال زيد بن المبارك: حدثنا مهدي بن هلال، حدثنا ابن جُرَيج والمثنى وإبراهيم بن يزيد، عن عطاء، عن ابن عَباسٍ: (أن النبي ﷺ كان
стр. 408
[٧٨] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِي قَال: سَمِعْتُ عَفانَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانةَ قَال: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ حَدِيث .. إِلَّا أتَيتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَياشٍ فَقَرَأَهُ عَلَيَّ
ــ
يُسَلِّمُ تسليمةً)، رواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيج، عن عطاء قوله، وكان مَهْدِي قَدَريًّا.
قال ابنُ المَدِيني: كان يتهَمُ بالكذب. اهـ من "الميزان" (٤/ ١٩٥ - ١٩٦).
ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَر أيضًا بِأثَرِ أبي عَوَانة فقال:
[٧٨] (وحَدثَنا الحَسَنُ) بن على (الحُلْوَانِي) أبو علي المكي، ثقة حافظ من الحادية عشرة.
(قال) الحَسَنُ: (سَمِعْتُ عَفانَ) بنَ مسلمِ الأنصاري البصري، ثقة ثَبْتٌ، من كبار العاشرة، مات سنة عشرين ومائتين.
(قال) عَفانُ: (سَمِعْتُ أبا عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوَضاح -بتشديد المعجمة ثم حاء مهملة- ابنَ عبد الله اليشكري بالمعجمة الواسطي البرازَ، مشهور بكُنْيته، أحد الأئمة الأعلام.
روى عن قتادة وابن المُنْكَدِر وإسماعيل السدي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشَيبان بن فَروخ وخَلَف بن هشام وقتيبة وخلق.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت من السابعة، مات سنة خمسِ أو ست وسبعين ومائة.
(قال) أبو عَوَانة: (ما بَلَغنِي) ووصَلَني (عن الحَسَنِ) البصري (حديث) واحد ولا أكثرُ (إلا أتيتُ) وجئتُ (به) أي: بذلك الحَدِيثِ الذي وصلني عن الحَسَنِ؛ أي: إلا أخبرتُ به (أبانَ بنَ أبي عَياش) الكذَابَ (فَقَرأَهُ) أي: فَقَرَأ أَبان ذلك الحديثَ (على) راويا عن الحسَن كاذبا.
والمعنى: كُلما أخبرتُه عن الحَسَنِ .. يقول: أنا سمعتُه عن الحسن ويقرؤه على، و (أبان) يُصرف ولا يُصرف، والصرفُ أجودُ؛ لأن النونَ فيه أصلية، ذكره النووي وقال: (ومعنى هذا الكلام: أنه كان يُحَدثُ عن الحَسَنِ بكُل ما يُسْأل عنه وهو كاذب في ذلك) (١).
стр. 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ترجمةُ أبان بن أبي عَياش:
هو أبَانُ بن أبي عيَّاشٍ فَيرُوزَ -وقيل: دينارٍ- أبو إسماعيل مولى عبد القيس البصري الزاهد، أحد الضعفاء، وهو تابعي صغير، يروي عن أنس وغيره.
قال في "التقريب": متروك من الخامسة، مات في حدود الأربعين ومائة.
روى عن أنس فأكثر وسعيد بن جُبَير وخُلَيد بن عبد الله العَصَري وغيرهم، ويروي عنه (د) وأبو إسحاق الفزاري وعمران القطان وَيزِيد بن هارون ومعمر وغيرهم.
قال الفلاس: متروك الحديث، وهو رجل صالح يكنى أبا إسماعيل، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يُحَدِّثان عنه، وقال البخاريُ: كان شعبةُ سَيِّءَ الرأي فيه، وقال عباد المهلبي: أتيتُ شعبة أنا وحَمادُ بن زيد فكلمْنَاه في أبان أن يُمسك عنه فأمسك، ثم لقيتُه بعدَ ذلك فقال: ما أراني يسَعُني السكوتُ عنه.
قال شعيب بن حرب: سمعتُ شعبةَ يقول: لأَنْ أَشْربَ من بول حمارٍ حتى أَرْوَى أَحب إِليَّ مِن [أن] أقول: حَدثنا أبانُ بن أبي عَياش.
وروى ابنُ إدريس وغيرُه عن شعبة قال: لأَنْ يزنيَ الرجلُ خيرٌ من أن يروي عن أبان.
وقال ابنُ إدريس: قلتُ لشعبة: حدثني مهدي بن ميمون عن سَلْم العلويِّ قال: رأيتُ أبان بن أبي عَياش يكتب عن أنس بالليل فقال شعبة: سَلْم يَرَى الهلال قبل الناس بليلتين.
وقال يَزِيد بن هارون: قال شعبة: داري وحماري في المساكين صدقة إنْ لم يكن أبان بن أبي عَياش يكذب في الحديث، قلت له: فَلِمَ سمعْتَ منه؛ قال: ومَن يصبرُ عن ذا الحديث؟ ! يعني حديثه عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن أُمِّه قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع، ورواه خلاد بن يحيى حدثنا الثوْري عن أبان، وقال عبدان عن أبيه عن شعبة: لولا الحياءُ من الناس ما صليتُ على أبان.
وقال يَزِيد بن زُريع: إنما تركت أبانا؛ لأنه روى حديثًا عن أنس فقلتُ له: عن
стр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ ؛ فقال: فهل يروي أنسٌ إلّا عن النبي ﷺ ؛
وقال معاذ بن معاذ: قلت لشعبة: أرأيتَ وَقِيعَتَكَ في أَبانِ تبين لَك غَيرَ ذلك؟ فقال: ظَنٌّ يُشْبهُ اليقينَ.
وقال عبد الله بن أحمد شَبُّوَيهِ -بفتح أوله وتشديد الباء الموحدة-: سمعتُ أبا رجاء يقول: قال حماد بن زيد: كلمْنَا شعبة في أن يكُف عن أبان بن أبي عياش لسِنّهِ وأهلِ بيته فضَمِن أن يفعل، ثم اجتمعا في جنازة فنادى مِنْ بعيد: يا أبا إسماعيل؛ إني قد رجَعْتُ عن ذلك لا يَحِلُّ الكف عنه؛ لأن الأَمْرَ دِين.
وقال أحمد: هو متروك، كان وَكيع إذا مَر على حديثه .. يقول: رجل، ولا يُسميه استضعافًا له، وقال يحيى بن مَعِين: متروك، وقال مرةَ: ضعيف، وقال أبو عوانة: كنت لا أسمع بالبصرة حديثًا إلا جِئْتُ به أبانا فحدثني به عن الحسن، حتى جَمعْتُ منه مصحفا فما أستحلُّ أن أَرْوي عنه، وقال أبو إسحاق السعدي الجوزجاني: ساقط، وقال النسائي: متروك، ثم ساق ابنُ عدي لأبان جملة أحاديثَ منكرةٍ.
ويُروى عن سفيان أنه قيل له: ما لك قليلَ الرواية عن أبانٍ؟ قال: كان نَسِيّا للحديث، وقال أحمد بن حنبل: قال عفان: أوَّلُ مَنْ أَهْلَكَ أبانَ بن أبي عَيَّاش أبو عوانة؛ جمعَ حديث الحسن فجاء به إلى أبان فقرأه عليه، وقال محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى وعبد الرحمن يحدثان عن أبانِ بن أبي عياش شيئًا قط، وقال الحافظ أحمد بن علي الأَبارُ فيما رواه عنه العقيلي: رأيتُ النبي ﷺ في المنام فقلتُ له: أترضى أبانَ بن أبي عياش؟ قال: لا.
وروَى له أبو داود حديثًا واحدا مقرونا بقتادة في الصلاة، ثنا خُلَيد العَصَري عن أبي الدرداء: "خَمس مَنْ جاء بهن ... " الحديث وهو من روايةِ ابن الأعرابي، وقال ابنُ حِبان: كان أبان من العُباد الذي يسهر الليلَ بالقيام، ويطوي النهارَ بالصيام، سمع عن أنس أحاديثَ، وجالس الحسنَ، فكان يسمع كلامه ويحفظ، فإذا حدث .. ربما جعل كلامَ الحسن عن أنس مرفوعًا وهو لا يعلم، ولعله روى عن أنس عن النبي ﷺ أكثرَ من ألف وخمسمائة حديث، ما لكثير منها أصل يُرجع إليه.
стр. 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الحسن بن الفَرَج عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، قال: جاءني أبان بن أبي عياش فقال: أُحب أن تُكلم شعبة أن يكُف عني، قال: فكلمْتهُ .. فكف عنه أياما، فأتاني في الليل فقال: إنه لا يحل الكف عنه؛ فإنه يكذب على رسول الله ﷺ .
ثم قال ابن حبان: فَمِنْ تلك الأشياء التي سَمِعها من الحسن فجَعلهَا عن أنس: أنه روى عن أنس عن النبي ﷺ قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ على ناقة جَدْعَاء فقال: "أيها الناسُ؛ كان الحق فيها على غيرنا وجب، وكان الموت فيها على غيرنا كتب ... " الحديث، رواه ابن أبي السري العسقلاني، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا أبان بهذا.
وقال ضمرة: حدثنا يحيى بن راشد عن أبان عن أنس مرفوعًا: (اسم الله الأعظم قول العبد: اللهم؛ إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام".
وقال حماد بن سلمة: عن أبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت: كان جبرائيل عند النبي ﷺ والحسين معي، فبكى فتركته، فدنا من النبي ﷺ فقال جبرائيل: أتحبه يا محمد؟ قال: "نعم"، قال: إن أمتك ستقتله، وإن شِئْتَ .. أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، فأراه، فإذا الأَرْضُ التي يقال لها: كربلاء.
والكربلاء: الموضعُ الذي قُتل فيه الحسين في طرفِ البرية عند الكوفة.
وقال ابن عدي: حدثنا الحسينُ بن عبد الغفار، حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الفضل بن المختار عن أبان عن أنس قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "ما أَطْيَبَ مَالك! منه بلال مؤذني، وناقتي التي هاجرتُ عليها، وزوجتي ابنتك، وواسيتني بنفسك ومالِك، كأني أنظر إليك على بابِ الجنة تَشْفَعُ لأمتي".
وروى الفضل بن المختار عنه عن أنس مرفوعًا: "الجفاء والبغي بالشام"، قلت: لكن الفضل غير ثقة.
стр. 412
[٧٩] وَحَدَّثَنَا سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ،
ــ
قال ابن عدي: حدثنا أحمد بن محمد الغَزِّي، حدثنا محمدُ بن حماد الطهْراني، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أبان عن أنس: قال رجل: يا رسول الله؛ أوصني، قال: "خُذ الأمر بالتدبير، فإن رأيت في عاقبتِه خيرًا .. فامْضِ، وإنِ خِفْتَ غَيًّا .. فامْسِكْ! .
وبه مرفوعًا: "من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فنصره .. نصره الله في الدنيا والآخرة، فإن لم ينصره .. أدركه الله به في الدنيا والآخرة، .
وقال عمرو بن أبي سلمة: حدثنا زهير، حدثنا أبان وحميد عن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ قال: "ألف دينار".
قلت: هذا من مناكير زهير بن محمد، قال ابن عدي: أرجو أنه لا يتعمد الكذب، وعامة ما أتى به من جهة الرواة عنه.
ويُروى أن مالك بن دينار لقي أبانًا فقال: إِلَى كَمْ تُحدِّثُ الناسَ بالرخَصِ؟ فقال: يا أبا يحيى؛ إني لأَرْجُو أن تَرى مِنْ عفو الله ما تَخْرِقُ له كِسَاءَكَ هذا مِنَ الفرح.
ورُوي أن أبانا رأوه بالمنام فقال: أوقفني الله بين يديه فقال: ما حَملَك على أن تكثر للناس من أبوابِ الرجاء؟ فقال: يا رب؛ أردت أن أُحببكَ إلى خَلْقِك فقال: قد غفرْتُ لك. اهـ من "الميزان" (١/ ١٠ - ١٥) مع زيادة من "التهذيب" (١/ ٩٧ - ١٠١).
ثُمَّ ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى الشَّاهِدَ لأثرِ أبي عَوَانة فقال:
[٧٩] (وحَدثَنا سُويدُ بن سعيدِ) بن سهل الهرويُ الأصلِ، ثم الأنباريُّ، ثم الحَدثاني أبو محمد.
روى عن حفص بن مَيسَرة وحَماد بن زيد ومالك وخَلْق، ويَرْوي عنه (م ق) والفِريابي والبغَوي، قال أحمدُ: أرجو أن يكون صدوقا.
وقال في "التقريب": صدوق، إلا أنه عَمِيَ فصار يَتلقَّن ما ليس من حديثه، وأَفْحَشَ فيه ابنُ مَعِين فكَذَّبه، قال البخاري: مات سنة أربعين ومائتين وله مائة سنة، من قُدماء العاشرة.
стр. 413
حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ قَال: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزياتُ مِنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَياشٍ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ. قَال عَلِي: فَلَقِيتُ حَمْزَةَ، فَأخْبَرَني أَنهُ رَأَى النبِي ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ
ــ
قال سُوَيدٌ: (حَدثَنا عَلَي بن مُسْهِر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء، القرشي أبو الحسن، قاضي الموصل الحافظُ.
روى عن الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة، ويروي عنه (ع) وخالد بن مَخْلَد وغيرهم.
قال في "التقريب": ثقة له غرائب بعدَ أنْ أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومائة.
وغرَضُ المُؤَلفِ بسَوْق هذا السند: الاستشهادُ بأثرِ علي بن مُسْهِر لأبي عَوَانة في جَرح أبان بن أبي عَياش.
(قال) علي بن مُسْهِر: (سَمِعْتُ) فعل وفاعل (أنا) تأكيد لضمير الفاعل (وحمزةُ الزياتُ) بالرفع معطوف على ضمير الفاعل؛ لوجود الفَصْلِ بالضميرِ المنفصل كما مَر نظيرُه قريبا.
وأما حمزة الزيات: فهو حمزة بن حَبيب الزيات -لبَيعِه الريتَ- أبو عمارة الكوفي، أحد القُراء السبعة.
روى عن الحَكَم وحَبيب بن أبي ثابت وعَمْرو بن مُرة، ويروي عنه (م عم) وابن المبارك وجَرِير بن عبد الحَميد وخَلْق.
قال في "التقريب": صدوقٌ زاها ربما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة ست أو ثمان وخمسين ومائة، وكان مولده سنة ثمانين.
أي: سمِعْنا جميعا (من أبانِ بنِ أبي عَياش) الكَذَّابِ (نَحوًا) أي: قَدْرًا أو قريبا (من ألفِ حديثٍ) من الأحاديث الموضوعة.
(قال علي) بن مُسْهِرٍ: (فلَفِيتُ) أنا يوما (حمزةَ) بن حبيب الزيات بعد ما سمعنا منه تلك الأحاديثَ الموضوعةَ (فأخبرني) حمزةُ (أنه رأى النبي ﷺ في المنام) أي: في النوم بعد ما تفارقنا (فَعَرَض) حمزةُ في تلك الرؤيا
стр. 414
عَلَيهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانٍ، فَمَا عَرَفَ مِنْهَا إِلَّا شَيئًا يَسِيرًا خَمْسَةً أَوْ سِتةً
ــ
(عليه) أي: على النبي ﷺ (ما سَمع من أبانِ) بنِ أبي عَيَّاش من تلك الأحاديث الموضوعة (فما عَرَفَ) النبي ﷺ وما قَبِلَ (منها) أَي: من تلك الأحاديث التي سمعناها منه (إلا شيئًا يسيرًا) وعددا قليلًا منها، إمَّا (خمسةً) منها (أو سِتَّةً) أو سبعة مثلًا.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: (هذا ومِثْلُه استئناسٌ واستظهارٌ على ما تَقَرَّرَ من ضَعْف أَبَانٍ، لا أنه يُقطع بأمر المنام، ولا أنه تَبْطُلُ بسببه سُنة ثَبَتَتْ، ولا تَثْبُتُ به سُنَّةٌ لم تَثْبُتْ، وهذا بإجماعِ العلماء) اهـ (١)
وقال النووي: (وكذا نَقَلَ غيرُه من أصحابنا وغيرهم الاتفاقَ على أنه لا يُغير بسبب ما يراه النائمُ ما تَقَرَّرَ في الشرع، وليس هذا الذي ذكرناه مخالفا لقوله ﷺ : "مَنْ رآني في المنام .. فقد رآني حقا"؛ فإن معنى الحديث: أَن رُؤْيَتَه صحيحةٌ، وليستْ من أضغاثِ الأحلام وتلبيسِ الشيطان، ولكنْ لا يجوزُ إثباتُ حُكْم شرعي به؛ لأن حالة النوم ليستْ حالةَ ضبطٍ وتحقيقٍ لما يسمعه الرائي، وقد اتَّفَقُوا على أن مِنْ شَرْطِ مَنْ تُقبل روايتُه وشهادتُه: أن يكون متيقظا لا مغفَّلًا، ولا سيءَ الحفظ، ولا كثيرَ الخطإ، ولا مُخْتَل الضبط، والنائمُ ليس بهذه الصفَة، فلم تُقبل روايتُه لاختلالِ ضَبْطِه.
هذا كُلُّه في منامٍ يتعلَّقُ بإثباتِ حُكْمٍ على خلافِ ما يَحْكُمُ به الوُلاة، أما إذا رأى النبيَّ ﷺ يأمره بفعلِ ما هو مندوبٌ إليه، أو ينهاه عن مَنْهِي عنه، أو يُرشده إلى فعلِ مصلحةٍ .. فلا خلافَ في استحباب العمل على وَفْقهِ؛ لأن ذلك ليس حُكْمًا بمُجَرَّدِ المنام، بل بما تَقَرَّر من أصل الشيء، والله أعلم) اهـ (٢).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لِمَا مَر من جَرح الرواة بأثَر أبي إسحاق الفَزَاري فقال:
стр. 415
[٨٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ الدَّارِمي، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِي، قَال: قَال لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بقِية مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ
ــ
[٨٠] (حَدَّثَنا عبدُ اللهِ بن عبد الرحمنِ) بن الفَضْل بن مهران أو بَهْرَام (الدَّارِمي) نسبة إلى دَارِم أحد أجداده، أبو محمد السمرقندي الحافظ، أحدُ الأئمة الأعلام، صاحب "المسند" و "التفسير" و"الجامع".
روى عن يَزِيد بن هارون ويعلى بن عُبَيد وجعفر بن عون وغيرهم، ويروي عنه (م د ت) والبخاريُ في غير "الصحيح"، قال أحمدُ: إمامُ أهل زمانه.
وقال في "التقريب": ثقة فاضل مُتْقن، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وخمسين ومائتين وله أربع وسبعون سنة.
قال عبدُ اللهِ: (أخبرنا زكرياءُ بن عَدي) بن الصلْت التيمي مولاهم، أبو يحيى الكوفي الحافظ.
روى عن شَرِيك وحَمَّاد بن زَيد وإبراهيم بن سَعْد، ويروي عنه (خ م ت س ق) وإسحاق بن راهويه وإسحاق الكَوْسَج وعَبْد بن حُميد وخلق.
وقال في "التقريب": ثقة جليل من كبار العاشرة، مات سنة إحدى أو اثنتي عشرة ومائتين.
(قال) زكرياءُ بن عَدِي: (قال لي أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء، إبراهيمُ بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الكوفي، الإمام الجليل المُجْمَعُ على جلالتِه وتقدُّمِه في العلم وفضيلتِه.
روى عن خالد الحذاء وحُمَيد الطويل وأبي طُوالة ومالك وخَلْق، ويروي عنه (ع) والأوزاعي والثوْري من شيوخه وخَلْق.
وقال في "التقريب": ثقة حافظ له تصانيف، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومائة، وقيل: بعدها.
أي: قال لي: (اكْتُبْ) يا زكرياء (عن بقيَّة) بن الوليد بن صائد (ما رَوَى) وحَدَّثَ من الأحاديث (عن) الثقاتِ (المعروفين) المشهورين (ولا تكتُبْ) يا زكرياء
стр. 416
عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيرِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشِ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ وَلَا عَنْ غَيرِهِمْ
ــ
(عنه) أي: عن بقِيَّة (ما رَوَى) من الأحاديث (عن) المجهولين (غيرِ المعروفين) بالحفظ والإتقان؛ فإنه ثقةٌ في المعروفين، ضعيفٌ في غيرهم (ولا يكتُبْ) يا زكرياء (عن إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ ما رَوَى) من الأحاديث (عن) الثقات (المعروفين ولا) ما روى (عن غيرِهم) أي: عن غيرِ المعروفين من المجهولين؛ فإنه ضعيفٌ في الكُلِّ (١).
قال النوويُّ: (وهذا الذي قاله أبو إسحاق الفَزَارِي في إسماعيل بن عَياش خِلافُ قولِ جمهور الأئمةِ، قال عَباسٌ (٢): سمعتُ يحيى بنَ مَعِين يقول (٣): إسماعيلُ بن عَياش ثقةٌ، وكان أَحَب إلى أهل الشام من بَقِية ... وقال عَمْرو بن علي: إذا حدث عن أهل بلاده .. فصحيح، وإذا حَدَّثَ عن أهل المدينة مثل هشام بن عروة ويحيى بن سعيد وسُهَيل بن أبي صالح .. فليس بشيء ((٤).
ترجمة بقِية الكَلاعي:
هو بقِيَّة بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلاعيُّ -بفتح الكاف واللام المخففة قبيلة كبيرة نزلت حمص من الشام، - أبو يُحْمِد -بضم الياء وكسر الميم وسكون الحاء المهملة- الحافظ.
стр. 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
روى عن الأوزاعي وابن جُرَيج ومالك والزُّبَيدي وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وابن جُرَيج وشُعْبة وهما من شيوخه وكثير بن عُبَيد وخَلْق.
له في (م) فرد حديث متابعة، وَثَّقَه الجمهورُ فيما سَمِعَه من الثقات، وقال النسائي: إذا قال: حدثنا وأخبرنا .. فهو ثقة.
وقال في التقريب: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة.
قال ابن المبارك: بقِيه صَدُوق، ولكنه كان يكتب عَمَّنْ أقبلَ وأدبر، وقال أحمد: هو أَحَب إلي من إسماعيل بن عَياش، وقال يحيى بن مَعِين: عند بقِيَّة ألفا حديث صحاح عن شُعْبة، وكان يُذَاكِرُ شُعْبة بالفقه، وقال غيرُ واحدِ من الأئمة: بقِية ثقةٌ إذا رَوَى عن الثقات، وقال ابنُ عدِي: إذا روى عن أهل الشام .. فهو ثبت، وقال غيرُ واحدٍ: كان مُدَلِّسًا، فإذا قال: (عن) .. فليس بحُجة.
قال ابنُ حِبَّان: سمع من شعبة ومالك وغيرهما أحاديث مستقيمة، ثم سمع من أقوام كذَّابين عن شعبة ومالك، فروى عن الثقات بالتدليس ما أَخَذَ عن الضعفاء.
وقال أبو حاتم: لا يُحْتَج به، وقال أبو مُسْهِر: أحاديث بقِية ليستْ نَقِية، فكُنْ منها على تَقِيَّة.
وقال أبو إسحاق الجُوزجاني: رَحِمَ الله بقية، ما كان يُبالي إذا وجد خُرافةَ عَمَّنْ يأخذه، فإنْ حَدث عن الثقات .. فلا بأس به.
وقال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن ضَمْرة وبقِية: فقال: ضمرةُ أحب إلينا من الثقات المأمونين، رجل صالح لم يكن بالشام رجل صالح يشبهه رحمه الله تعالى.
قال ابنُ عَدِي: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، حدثنا أبو مسهر، حدثنا بقِية، عن محمد بن زياد، عن أبي راشد، قال: أخذ بيدي أبو أُمامة وقال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم قال: "يا أبا أمامة؛ إن من المؤمنين من يلين له قلبي".
وقال أبو التقِيّ اليَزَني: مَنْ قال: إن بقية قال: حدثنا .. فقد كذب، ما قال قط إلا: حدثني فلان.
стр. 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال ابن خزيمة: لا أحتج ببقية، حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: توهمتُ أن بقِيه لا يُحَدِّثُ المناكيرَ إلا عن المجاهيل، فإذا هو يُحَدِّثُ المناكيرَ عن المشاهير، فَعلِمْتُ مِنْ أين أُتِي.
قال ابنُ حِبّان: دخلتُ حمص وأكبرُ همّي شأن بقية، فتتبعت حديثه وكتبتُ النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أَجِدْ فرأيتهُ ثقة مامونا، ولكنه كان يُدَلِّس عن عُبيد الله بن عُمر وشعبة ومالك ما أخذه عن مثل المجاشع بن عمرو والسري بن عبد الحميد وعُمرَ بن موسى المِيتَمِيِّ وأشباههم، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم ما سمع من هؤلاء الضعفاء عنهم، فكان يقول: قال عبيد الله وقال مالك، فحملوا عن بقية عن عبيد الله، وعن بقية عن مالك، وأسقط الواهي بينهما، فالتزق الوضع ببقيَّة وتخلَّص الواضعُ من التوسط.
وكان ابن معين يُوثّقه، وقال مُضَرُ بن محمد الأسدي: سألتُ يحيى بن مَعين عن بقية فقال: ثقة إذا حَدَّث عن المعروفين، ولكن له مشايخ لا يُدْرى من هم.
إلى أن قال ابنُ حِبَّان: حدثنا سليمان بن محمد الخُزاعي بدمشق، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقِية، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا: "مَنْ أَدْمن على حاجِبَيهِ بالمُشْطِ .. عُوفيَ من الوباء".
وهذا من نسخةٍ كتبناها بهذا الإسناد كلها موضوعة، يشبه أن يكون بقِيَّة سمعه من إنسان واهٍ عن ابن جُرَيج، فدَلسَ عنه والتزق به.
وبه إلى النبي ﷺ : "إذا جامع أحدكم زوجته .. فلا ينظر إلى فَرْجِها؛ فإن ذلك يُورِثُ العَمَى".
وبه إلى النبي ﷺ : "تَرِّبوا الكتاب ومَسِّحوه من أسفله؛ فإنه أنجحُ للحاجة".
وبه: "من أصيب بمصيبة فاحتسب ولم يَشْكُ إلى الناس .. كان حقًّا على الله أن يغفرَ له".
ومن مناكير بقية: حدثنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة مرفوعًا: "بينما الخَضِر
стр. 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يمشي في سوق بني إسرائيل ... " الحديث بطوله، هذا الحديث قال ابن جَوْصَا: سألتُ محمد بن عوف عنه فقال: هذا موضوع، فسألتُ أبا زرعة عنه فقال: حديث منكر.
قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن بقِيَّة غير سليمان بن عبيد الله الرقي، وقد ادعاه عبد الوهاب بن ضحاك العرضي وهو متهم، وأما سليمان .. فقال فيه ابن معين: ليس بشيء، فسَلِمَ منه بقية.
ولبقِية عن يونس، عن الزهْري، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا: (من أدرك ركعةً من الجمعة وتكبيرتها فقط .. فقد أدرك الصلاة". رواه الثقات عن الزهْري فقالوا: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وما فيه: (من الجمعة).
وقال سعيد بن عمرو السكوني: حدثنا بقِيَّة، حدثني ابن المبارك، عن جَرِير بن حازم، عن الزبير بن الخِرِّيت -بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء المكسورة- عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا: (نهى عن طعام المتبارَيينِ)، وهذا صوابه مرسل.
ولبقية عن شعبة كتاب فيه غرائب انفردَ بها بقية.
قال مُهَنَّأُ بن يحيى: -وانفرد بهذا- حدثنا بقية عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعًا: "يحشر المكارون وقتلة الأنفس إلى جهنم في درجة واحدة".
وحدثنا بقِيَّة، عن عبد الله بن عمر، عن أبي الزناد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا نكاح إلا بإذن الرجل والمرأة".
وقال بقِيَّة، عن شريك، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تساكنوا الأنباط في بلادهم، ولا تناكحوا الخُوْزَ؛ فإن لهم أصولًا تدعوهم إلى غير الوفاء"، وهذا منكر، وقد دَلَّسَه عن شَرِيك.
وقال سعيد بن عَمْرو: حدثنا بقِيَّة، عن الحُرّ بن مالك الفزاري، عن أبي محمد، عن حُذَيفة بن اليمان مرفوعًا: "اقرؤوا القرآن بلُحُون أهلِ العرب ... "الحديث.
стр. 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال حماد بن زيد: عن بقِيَّة، عن معاذ بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال رسول الله ﷺ : "يَرُبُّ هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عُدولُه، يَنْفُون عنه تحريفَ الغالِينَ ... " الحديث.
وذكر العقيلي: حدثنا محمد بن سعيد، حدثنا عبد الرحمن بن الحكم، عن وَكيع، قال: ما سمعتُ أحدا أَجْرَأَ على أن يقول: (قال رسول الله ﷺ من بَقِية.
وقال كثير بن عبيد: أنبأنا بقِيَّة، حدثنا شعبة، حدثني عاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثَوْبان مرفوعًا: (مَنْ تكفل لي ألا يسأل امرءًا شيئًا .. أتكفل له بالجنة".
وقال ابن عدي: أنبأنا علي بن سراج، أنبأنا عطية بن بقية، أنبأنا أبي، عن محمد بن زياد، عن أبي أُمامة مرفوعًا: "السباقُ أربعة: أنا سابق العرب، وبلال سابق الحبشة، وصُهَيب سابق الروم، وسَلْمان سابق الفرس".
قال أبو زرعة وأبو حاتم: هذا حديث باطل لا أصل له بهذا الإسناد.
وقال ابن مُصَفَّى وآخرُ: حدثنا بقِيَّة، عن الأوزاعي، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا قال: "مجوس هذه الأمة القدرية".
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد الرحيم بن أبي سعيد، أنبأنا أبو البركات بن الفزاري، أخبرنا محمد بن عبيد الله، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن، حدثنا أبو عَوَانة الحافظ، أنبأنا سعيد بن عمرو السكوني وعطية بن بقية وأبو عتبة الحِمْصيون، قالوا: حدثنا بقِيَّة، حدثنا الزبيدي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دُعِيَ إلى عُرْس ونحوه .. فَلْيُجِبْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن رَاهُويه، عن عيسى بن المنذر، عن بقِيَّة، وليس لبقية في "الصحيح" سواه، أخرجه شاهدا.
وقال عَبَّاس الدُّوري: عن ابن مَعِين قال: إذا لم يُسَمِّ بقِيَّة شيخَه وكَنَاهُ .. فاعْلَمْ أنه لا يُساوي شيئًا.
стр. 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابنُ عَدِي: وَبقِية يُخَالِفُ في بعض حديثه الثقات، وإذا روى عن أهل الشام .. فهو ثَبْت، وإذا روى عن غيرهم .. خلَّط كإسماعيل. اهـ "الميزان" (١/ ٣٣١ ط ٣٣).
ترجمة إسماعيل بن عَيَّاش:
هو إسماعيل بن عَياش بن سُلَيم العَنْسي -بفتح العين وسكون النون يُنْسَب إلى عَنْسِ بن مالك حَيٌّ مِنْ مَذْحِج- أبو عُتْبة الحِمْصي عالم أهل الشام، مات ولم يُخَلَّف مثله.
وقال في "التقريب": صَدُوق في روايته عن أهل بلده مُخَلَّط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة، وله بضع وتسعون سنة.
وُلِدَ سنة ست ومائة، وطلب العلم، فروى عن شُرَحْبيل بن مُسْلم وهو أكبر مَنْ عنده ومحمد بن زياد الأَلْهاني -بفتح الهمزة وسكون اللام كالأنصاري نسبة إلى ألهان بن مالك أخي هَمْدان- وبَحِير بن سَعْد وصفوانِ بن عَمْرو وضَمْضَم بن زُرعة وعبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير والأوزاعي والزُّبَيْدي وغيرهم، ويروي عنه (عم) والثوري والأعمش -وهما من شيوخه- ومحمد بن إسحاق -وهو أكبر منه- وسَعِيد بن منصور وهَنَّاد بن السَّرِي واللَّيث بن سَعْد -ومات قبلَه- وبقِيَّة والوليد بن مسلم ومُعْتَمِر بن سليمان -وهُمْ من أقرانه- وخَلْق.
قال الذهبي: (قال أبو اليمان: كان منزلُه إلى جنب منزلي، فكان يُحيي الليل، وربما قرأ ثم قطع قال: فسألتُه يوما فقال: وما سؤالك؟ قلتُ: أريدُ أن أعرف قال: إني أُصلي فاقرأ، فاذكر الحديث في الباب من الأبواب التي أخرجتها .. فأقطع الصلاة، فاكتبه، ثم أرجع إلى صلاتي.
وروى يحيى الوُحاظي قال: ما رأيتُ أكبرَ نَفْسًا من إسماعيل بن عَياش، كُنّا إذا آتينا مزرعته لا يَرْضَى لنا إلا بالخروف والخَبيص، وسمعتُه يقول: إني ورثتُ من أبي أربعة آلاف دينار أنفقتُها في طلب العلم.
وقال عثمان بن صالح السَّهْمي: كان أهل حمص يَتَنَقَّصُونَ عليّا حتى نشأ فيهم إسماعيلُ بن عَياش، فحَدَّثَهم بفضائِله، فكَفُّوا عن ذلك.
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال داود بن عَمْرو الضبي: ما رأيتُ مع إسماعيل كتابًا قط، فقال له أحمد بن حنبل: فكم كان يحفظ؟ قال: شيئًا كثيرًا، فقال: يحفظ عشرة آلاف حديث؛ قال: عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف، فقال أحمد: هذا كان مِثْلَ وكيع.
وقال الفَسَويُّ: كنتُ أسمعهم يقولون: عِلْمُ الشام عند إسماعيل والوليد، فسمعتُ أبا اليَمَان يقول: كان أصحابنا لهم رَغْبةٌ في العلم، وكانوا يقولون: نَجْهَدُ ونتعِبُ أبداننا ونُسافر، فإذا جئْنَا .. وجَدنا كُل ما كتبنا عند إسماعيل بن عَياش.
وقال الفَسَويُّ: تَكَلمَ قوم في إسماعيل، وهو ثقةٌ عَدْلٌ، أعلمُ الناس بحديث أهل الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يُغْرِبُ عن ثقات الحجازيين.
وقال الهَيثَم بن خارجة: سمعتُ يَزِيدَ بنَ هارون يقول: ما رأيتُ أحفظَ من إسماعيل بن عَياش، ما أدري ما الثوْري؟
وقال عَباس عن يحيى: ثقة.
وروى ابنُ أبي خَيثَمة عن ابن مَعِين: ليس به بأس في أهل الشام.
وقال دُحَيم: هو في الشاميين غاية، وخَلطَ عن المدنيين.
وقال البخاري: إذا حَدثَ عن أهل بلده .. فصحيح، وإذا حَدثَ عن غيرهم .. ففيه نظر.
وقال أبو حاتم: لَيِّن، ما أعلمُ أحدا كَفَّ عنه إلا أبا إسحاق الفَزَاري، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابنُ حِبان: كثيرُ الخطإ في حديثه فخرج عن حد الاحتجاجِ به.
وقال أبو صالح الفراء: قلتُ لأبي إسحاق الفَزَاري: إني أريدُ مكة، وأُرِيدُ أنْ أَمُر بحمص فأسمع من إسماعيل بن عَياش، قال: ذاك رجل لا يَدْرِي ما يخرجُ من رأسه.
وقال محمد بن المثنى: ما سمعتُ عبد الرحمن يُحَدثُ عن إسماعيل بن عَياش شيئًا قط.
وقال عبد الله بن علي بن المَدِيني: سمعتُ أبي يقول: ما كان أحدٌ أعلمَ بحديث
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أهل الشام من إسماعيل بن عَيَّاش لو ثَبَتَ على حديث أهل الشام، ولكنه خَلَّطَ في حديثه عن أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن ثم ضَرَبَ على حديثه، فإسماعيل عندي ضعيف.
وقال عبد الله بن أحمد: عَرَضْتُ على أبي حديثًا حَدَّثناه الفضلُ بن زياد الطسْتِي، حدثنا ابن عَياش، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عُمر مرفوعًا: "لا تقرأ الحائضُ ولا الجُنُبُ شيئًا من القرآن"، فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وَهِمَ.
وسُئِلَ أبي عن إسماعيل وبقِية فقال: بقِيَّة أَحَحب إليَّ.
وقال إسماعيل: عن عبد الله بن دينار، وسعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير مرسلا: أن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى كَرِهَ لكم العبث في الصلاة، والرَّفَثَ في الصيام، والضحك عند المقابر". رواه عنه عبد الله بن المبارك.
وله عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن عائشة مرفوعًا: "مَنْ قاءَ أو رعف فأحْدَثَ في صلاته .. فليذهب فليتوضأ ثُم لَيَبْنِ على صلاته" قال أحمد: صوابه مرسل.
وقال ابنُ مَعِين: إسماعيل أَحَب إِليَّ من بقِيَّة وفَرَجِ بن فَضَالة.
وقال ابنُ مَعِين: حدثنا إسماعيل، عن شُرَحْبيل، عن أبي أُمامة مرفوعًا: "الزعيم غارم".
وقال إسماعيل: عن بَحِير بن سَعد، عن خالد، عن المقدام، عن أبي أيوب مرفوعًا: "كِيلُوا طعامَكم يُبَارَكْ لكم فيه".
وقال إسماعيل: عن ابن جُرَيج، عن عمَرْو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا: "تعافوا الحُدُودَ بينكم، فما بلغني من حَدٍّ .. فقد وَجَب".
وحدثنا محمد بن حِمْيَر، حدثنا إسماعيل، عن محمد بن عَمْرو، عن أبي
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا كَتَبَ أحدُكم كتابًا .. فَلْيترِّبْهُ؛ فإنه أَنْجَحُ للحاجة".
وقال مُضَر بن محمد الأسدي البغدادي القاضي: سألتُ يحيى بنَ مَعِين عن إسماعيل بن عَياش فقال: عن الشاميين حديثُه صحيح، وإذا حَدثَ عن العراقيين والمدنيين .. خَلط ما شئت.
وقال إسماعيل بن عَياشٍ عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن عُمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: "يكونُ في هذه الأمة رجل يُقال له: الوليد، هو أَشَد على هذه الأمة من فرعون على قومه"، قال ابنُ حِبان: وهذا باطل.
وقال إسماعيل بن عَياش، عن ضَمْضَم بن زُرْعة، عن شُرَيح بن عُبَيد، عن أبي راشد الحُبْراني عن عبد الرحمن بن شِبل: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل الضب)، وهذا منكر.
وقال أبو داود: سمعتُ ابنَ مَعِين يقول: إسماعيل بن عَياش ثقة، وقال ابنُ خُزَيمة: لا يُحتَج به.
وقد صَحَّحَ الترمذي لإسماعيل غَيرَ ما حديثٍ مِنْ روايتهِ عن أهل بلده خاصَّةً، منها حديثُ: "لا وَصِية لوارث"، وحديثُ: "بحَسْبِ ابن آدم أكلات يُقِمنَ صُلْبَه".
وقال ابنُ عَياش، عن ضَمْضَم بن زُرْعة، عن شُرَيح بن عُبَيد، حدثنا أبو ظَبْيَة: أن أبا بَحْرِيَّة السَّكُوني حدثه عن مَالِكِ بن يسار السكُوني: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا سألتم اللهَ .. فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظُهُورِها".
لا يُعْرَفُ مالكٌ به) اهـ (١).
ثُم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى الشاهِدَ لأثرِ أبي إسحاق في جَرح بقِيَّة فقال:
стр. 425
[٨١] وَحَدثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِي، قَال: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ قَال: قَال ابْنُ الْمُبَارَكِ: نِعْمَ الرجُلُ بَقِيَّةُ لَوْلَا أَنهُ كَانَ يَكْنِي الأَسَامِيَ ويسَمِّي الْكُنَى،
ــ
[٨١] (وحَدثَنا إسحاقُ بن إبراهيمَ) بن مَخْلَد (الحَنْظَلِي) أبو يعقوب بن رَاهُويه المَرْوَزِيُّ، الإمام الفقيه الحافظ، عالم خراسان، من العاشرة، مات سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، وله سبعٌ وسبعون سنة.
(قال) إسحاق: (سَمِعْتُ) أنا (بعضَ أصحاب عبد اللهِ) بنِ المبارك وبعضَ رواته.
قال النووي: (وهذا البعضُ مجهولٌ، فلا يَصِح الاحتجاجُ به، ولكن ذكره مسلمٌ متابعةَ لا أصلًا) اهـ (١)
(قال) ذلك البعضُ: (قال) عبدُ اللهِ (بن المباركِ) بن واضح الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن المَرْوَزي، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة: (نِعْمَ الرجلُ) رجلا، والمخصوصُ بالمَدْحِ: (بقِيَّةُ) بن الوليد بن صائد الكلاعيُ (لولا أنه) أي: لولا أن بقية (كان يَكْنِي) ويذكر الكنى (الأساميَ) المشهورةَ؛ أي: بَدَلَها.
أي: لولا أنه يذكر الكُنى بدل أسماء مَنْ شُهِرُوا بالأسماء (ويسَمِّي الكُنَى) أي: ويذكر الأسماءَ بدلَ كُنْية مَنْ شُهِرُوا بالكُنى، و (لولا) هنا: حرفُ امتناعٍ لوجود؛ أي: موضوعةٌ للدلالة على امتناع مَدْحِه لوجود تبديلِه الأسماءَ المشهورةَ بالكُنى غيرِ المشهورة، وتبديلِه الكُنى المشهورةَ بالأسماء غيرِ المشهورة، و (أن): حرف نصب ومصدر وتوكيد، والهاء اسمها، وجملةُ (كان) في محلّ الرفع خبرها، وجملةُ (أن) في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على كونه مبتدأَ لخبر محذوف وجوبا تقديرُه: نِعْمَ الرجلُ بقِيةُ لولا تكنيتُه الأسامي وتسميتُه الكنى موجودٌ، وجوابُ لولا الامتناعيةِ معلومٌ مما قبلَها كما قَدرْنا.