Полный текст (11 982 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَي بْنِ كَعْبٍ؛ قَال: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ. فَدَخَلَ رَجُل يُصَلِّي. فَقَرَأَ قِرَاءَة أَنْكَرْتُهَا عَلَيهِ. ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ. فَقَرَأَ قِرَاءَةَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبهِ. فَلَمَّا قَضَينَا الصَّلاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: إِن هذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ. فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَرَآ. فَحَسَّنَ النبِي ﷺ شَأْنَهُمَا. فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلا إِذْ كنْتُ فِي الْجَاهِليَّةِ
ــ
البجلي الأحمسي الكوفي (عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري أبي محمد الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (١) باب واحد (عن جده) عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري الأوسي أبي عيسى الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي أبي المنذر المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبي بن كعب فإنه مدني.
(قال) أبي بن كعب (كنت في المسجد) النبوي (فدخل) المسجد (رجل) يريد أن (يصلي) فصلى (فقرأ) الرجل في صلاته (قراءة أنكرتها عليه) لكوني لم أسمعها من رسول الله ﷺ (ثم دخل) المسجد رجل (آخر) غير الأول فصلى (فقرأ) هذا الآخر في صلاته (قراءة سوى) أي غير (قراءة صاحبه) يعني الرجل الأول (فلما قضينا الصلاة) وفرغنا منها مسكتهما ومشيت بهما حتى (دخلنا جميعا) معاشر الثلاثة أنا وهما (على رسول الله ﷺ فقلت) له ﷺ (إن هذا) الرجل يعني الداخل أولًا (قرأ) في صلاته (قراءة أنكرتها عليه) لأني لم أسمعها منك (ودخل آخر) يعني الثاني (فقرأ) في صلاته قراءة (سوى) أي غير (قراءة صاحبه فأمرهما) أي فأمر الرجلين (رسول الله ﷺ بأن يقرأ (فقرآ) على رسول الله ﷺ قراءتيهما التي سمعتها منهما (فحسّن) أي صوب (النبي ﷺ شأنهما) أي قراءتهما (فسُقط في نفسي من التكذيب) أي وقع في خاطري من تكذيب النبوة لتصويبه قراءة الرجلين ما لم يقع مثله إذ كنت في الإسلام (ولا إذ كنت في الجاهلية) فلفظ سُقط من السقوط بمعنى الوقوع وهو على بناء المعلوم كما هو المفهوم
стр. 3992
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي. فَفِضْتُ عَرَقًا. وَكَأنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقًا. فَقَال لِي: "يَا أُبَي، أُرْسِلَ إِلَيَّ:
ــ
من كلام النواوي وغيره، والفاعل محذوف، وحذف الفاعل المعلوم جائز مطرد في كلامهم، وعبر عن خطر المستعمل في المعاني بسقط المستعمل في الأجسام إشعارًا بشدة هذا الخاطر وثقله ووقوعه من غير اختيار، ونقل ملا علي عن شراح المصابيح ضبطهم إياه بصيغة المجهول واستصوبه وقال: إن لفظ سُقط جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ﴾ بالقراءة المتواترة على الضم فتحمل رواية هذا الحديث عليه مطابقة بينهما ولا شك أن قوله تعالى: ﴿فِي أَيدِيهِمْ﴾ وقوله في الحديث في نفسي بمعنى واحد لأنه كثيرًا ما يعبر عن النفس بالأيدي فالمعنى هنا ندمت من تكذيبي وإنكاري قراءتهما ندامة ما ندمت مثلها في الإسلام ولا إذ كنت في الجاهلية اهـ وعن هذا ضبطناه بوجهين كما تراه في تشكيلنا، وقوله (ولا إذ كنت في الجاهلية) فهم مما سبق من التقدير كونه معطوفًا والمعنى لا في وقت إسلامي ولا في وقت جاهليتي اهـ من بعض الهوامش.
(فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشبني) وغطاني من الندامة والدهشة أي فلما علم إتيان ما قد أتاني وأخذني وسترني من آثار الخجالة وعلامات الندامة (ضرب) بيده الشريفة (في صدري) لإخراج ذلك الخاطر المذموم ببركة يده المباركة (ففضت عرقا) أي تصببت عرقًا أي امتلأ عرقي استحياء منه ﷺ حتى فاض أي سال من جميع جسدي (وكأنما أنظر) في ذلك الوقت (إلى الله نظر عيان (فرقا) أي خوفًا منه تعالى، وانتصابه على أنه مفعول له، وانتصاب عرقًا على التمييز.
قال الطيبي: كان أُبي ﵁ من أفضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن الموقنين وإنما طرأ عليه ذلك التلويث بسبب الاختلاف نزغة من الشيطان فلما أصابته بركة ضربه ﷺ بيده المباركة على صدره ذهبت تلك الهاجسة وخرجت مع العرق فرجع إلى اليقين فنظر إلى الله تعالى خوفًا وخجلًا مما غشيه من الشيطان اهـ أبي.
(فقال لي) رسول الله ﷺ معطوف على ضرب (يا أُبي أُرسل إليّ)
стр. 3993
أَنِ اقْرَأ القُرْآنَ عَلَي حَرْفٍ. فَرَدَدْتُ إِلَيهِ: أنْ هَوِّنْ عَلَي أُمَّتِي. فَرَدَّ إِلَي الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَينِ. فَرَدَدْتُ إِلَيهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي. فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَي سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةْ تَسْأَلُنِيهَا. فَقُلْتُ: اللَّهمَّ! اغْفِرْ لأُمَّتِي. اللَّهمَّ! اغْفِرْ لأُمَّتِي. وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ. حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ "
ــ
بـ (أن اقرأ القرآن على حرف) واحد أي على لغة واحدة من اللغات السبع أي أرسل الله تعالى إليّ جبريل ﵇ أن اقرأ القرآن على حرف أي على قراءة واحدة، فأن هنا وفيما بعده وفيما بعده من قوله (فرددت إليه أن هوّن) مفسرة لسبقها بجملة فيها معنى القول أي كررت الطلب إليه تعالى أن هون أي سهل (على أمتي) قراءتهم بالتوسعة فيها ويصح كونها مصدرية بتقدير الجار كما أشرنا إليه في الحل الأول (فرد إلي الثانية) أي فرجع إليَّ الردة الثانية بأن (اقرأه) أي بأن اقرأ القرآن (على حرفين) أي على لغتين أو على قراءتين (فرددت) أي كررت الطلب (إليه) سبحانه بـ (أن هوّن) وسهل (على أمتي) القرآن (فرد إليّ) سبحانه الردة (الثالثة) أي المرة الثالثة بأن (اقرأه على سبعة أحرف فلك) يا محمد (بـ) عدد (كل ردة) ودفعة (رددتكها) أي بكل رجعة رجعتكها إليّ (مسألة) أي دعوة مستجابة لك قطعًا، وأما باقي الدعوات فمرجوة الإجابة ليست قطعية الإجابة، وفي المرقاة قوله (فلك بكل ردة رددتكها) أي لك بمقابلة كل دفعة رجعت إليّ ورددتكها بمعنى أرجعتك إليها بحيث ما هونت على أمتك من أول الأمر اهـ منه قوله (مسألة) أي دعوة مستجابة (تسألنيها) أي ينبغي لك أن تسألنيها فأجيبك إليها (فقلت) في مقابلة الردة الأولى (اللهم اغفر لأمتي) وفي مقابلة الردة الثانية (اللهم اغفر لأمتي) أيضًا (وأخرت) الدعوة (الثالثة) التي تكون في مقابلة الردة الثالثة وهي الشفاعة العظمى (ليوم) أي لأدعو بها في يوم (يرغب) ويميل ويحتاج ويبتهل (إليّ) فيه (الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ خليل الله وهو يوم فصل القضاء.
قال ملا علي: قوله (حتى إبراهيم) بالرفع معطوف على الخلق نحو قولهم مات الناس حتى الأنبياء، وفيه دليل على رفعة إبراهيم على سائر الأنبياء، وتفضيل نبينا على الكل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ١٢٤]، وأبو داود [١٤٧٧ و ١٤٧٨]، والترمذي [٢٩٤٥]، والنسائي [٢/ ١٥٢ و ١٥٤].
стр. 3994
١٧٩٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيلَى. أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ أَنهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ. إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى. فَقَرَأَ قِرَاءَةً. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيرٍ.
١٧٩٧ - (٧٨٦) (١٩٢) وَحَدثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أُبي ﵁ فقال:
١٧٩٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا محمد بن بشر) العبدي الكوفي (حدثني إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي الكوفي (حدثني عبد الله بن عيسى) الأنصاري الكوفي (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي (أخبرني أُبي بن كعب) الأنصاري المدني، وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أُبي بن كعب، وفيه التصريح بسماع إسماعيل عن عبد الله بن عيسى وسماع عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أُبي بن كعب، غرضه بيان متابعة محمد بن بشر لعبد الله بن نمير في الرواية عن إسماعيل بن أبي خالد (أنه) أي أن أُبيًا (كان جالسًا في المسجد) النبوي (إذ) فجائية و (دخل رجل) معطوف على كان أي إنه كان جالسًا في المسجد ففاجأه دخول رجل المسجد (فصلى) ذلك الرجل (فقرأ قراءة) أنكرتها عليه (واقتص) أي ذكر محمد بن بشر (الحديث) أي حديث أُبي بن كعب (بمثل حديث) عبد الله (بن نمير) وروايته من غير فرق بين الروايتين.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا بحديث آخر لأبي بن كعب ﵁ فقال:
١٧٩٧ - (٧٨٦) (١٩٢) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري (عن شعبة) بن الحجاج البصري (ح وحدثناه) محمد (بن المثنى و) محمد (بن بشار) البصريان (قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر) بتصريح السماع وباسمه (حدثنا شعبة عن الحكم) بن عُتيبة الكندي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم أبي الحجاج المكي، ثقة، من (٣) (عن) عبد الرحمن (بن أبي
стр. 3995
لَيلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ. قَال فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇. فَقَال: إِن اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقَال: "أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ. وَإِن أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ"، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ. فَقَال: إِن اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَينِ. فَقَال: "أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ. وَإِن أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ". ثُم جَاءَهُ الثَّالِثَةَ فَقَال: إِن اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرآنَ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ. فَقَال: "أَسْالُ اللهَ
ــ
ليلى) الكوفي (عن أُبي بن كعب) الأنصاري المدني، وهذان السندان من سباعياته رجال الأول منهما ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان وواحد مكي وواحد مدني، والثاني منهما رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان وواحد مدني وواحد مكي (أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار) بكسر الغين المعجمة، وأضاة -بوزن حصاة- الغدير، قال النواوي: الأضاة هي الماء المستنقع كالغدير، وجمعها أضا كحصاة وحصى، وإضاء بكسر الهمزة والمد كأكمة وإكام (قال) أبي بن كعب (فأتاه) ﷺ (جبريل ﵇ فقال: إن الله) (يأمرك) يا محمد (أن تقرأ) بفتح التاء والراء بينهما قاف ساكنة و (أمتك) فاعله (القرآن) مفعوله (على حرف) واحد متعلق بتقرأ.
وفي رواية أبي داود أن تقرئ بضم التاء وكسر الراء من الإقراء، وأمتك مفعول تقرئ أي يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد ولغة واحدة (فقال) رسول الله ﷺ (أسال الله) (معافاته) أي تسهيله وتيسيره لهم من عفا الأثر أي سهل وتغير (ومغفرته) أي غفرانه لهم وسؤاله المغفرة لمخافة وقوع التقصير منهم فيما يلزمهم في القراءة اهـ من المفهم.
(وإن أمتي لا تطيق ذلك) أي القراءة على حرف واحد (ثم أتاه) ﷺ جبريل المرة (الثانية فقال) جبريل ﵇ (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين) أي على لغتين (فقال) النبي ﷺ (أسال الله) تعالى (معافاته) أي سلامته لهم من التشديد في القراءة (ومغفرته) لهم فيما قصروا فيه من القراءة (وإن أمتي لا تطيق ذلك) أي قراءته على حرفين فقط (ثم جاءه) ﷺ جبريل ﵇ المرة (الثالثة فقال) جبريل (أن الله) (يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف) فقط (فقال) النبي ﷺ (أسأل الله) تعالى
стр. 3996
مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ". ثُم جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَال: إِن اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَأُوا عَلَيهِ، فَقَدْ أَصَابُوا.
١٧٩٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
(معافاته) لهم من التشديد (ومغفرته) لهم فيما قصروا فيه من ذلك (وإن أمتي لا تطيق ذلك) أي قراءته على ثلاثة أحرف (ثم جاءه) جبريل المرة (الرابعة فقال) جبريل (أن الله) تعالى (يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف) أي على سبع لغات ولا يزيدوا عليها (فأيما حرف قرأوا عليه) أي فأي حرف قرأوا عليه من تلك السبع (فقد أصابوا) أي فقد وافقوا الصواب فيما يلزمهم في القراءة أي فأي شيء قرأوا به من تلك السبع كفاهم وأجزأهم، قال النواوي: معناه لا تجاوز أمتك سبعة أحرف ولهم الخيار في السبعة.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أبو داود والنسائي كما في تحفة الأشراف والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
١٧٩٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (حدثنا شعبة) بن الحخاج البصري (بهذا الإسناد) يعني عن الحكم عن مجاهد .. الخ (مثله) أي مثل ما روى محمد بن جعفر عن شعبة، غرضه بيان متابعة معاذ بن معاذ لمحمد بن جعفر في الرواية عن شعبة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أربعة؛ الأول حديث عمر بن الخطاب ذكره للاسدلال به وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أبي بن كعب ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث أبي بن كعب الأخير ذكره للاستشهاد أيضًا والله أعلم.
***
стр. 3997
٣٥٢ - (٦٤) باب: الترتيل في القراءة واجتناب الهذ فيها، وإباحة جمع سورتين فأكثر في ركعة
١٧٩٩ - (٧٨٧) (١٩٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَال: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ. فَقَال: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، كَيفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ. أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً: مِنْ مَاءِ غَيرِ آسِنٍ أَوْ مِنْ مَاء غَيرِ يَاسِنٍ؟ قَال: فَقَال عَبْدُ اللهِ: وَكُل الْقُرْآنِ قَد أَحْصَيتَ غَيرَ هَذَا؟ قَال: إِنِّي لأقرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ
ــ
٣٥٢ - (٦٤) باب: الترتيل في القراءة واجتناب الهذ فيها، وإباحة جمع سورتين فأكثر في ركعة
والترتيل في القراءة هو التأني فيها مع التدبر في المعاني، والهذ هو الإسراع المبالغ في القراءة بحيث يمنع التدبر في المعاني.
١٧٩٩ - (٧٨٧) (١٩٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (و) محمد بن عبد الله (ابن نمير) الهمداني الكوفي حالة كونهما (جميعا) أي مجتمعين في الرواية (عن وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (قال أبو بكر: حدثنا وكيع عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي (قال) أبو وائل: (جاء رجل) من المسلمين (يقال له: نهيك) بفتح النون وكسر الهاء بعدها ياء ساكنة (بن سنان) بكسر السين وبنونين البجلي الكوفي (إلى عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي ﵁، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (فقال) ذلك الرجل (يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن مسعود (كيف تقرأ هذا الحرف) أ (ألفا تجده) أي تقرأه بأن تقول آسن (أم) تجده وتقرأه (ياء) بأن تقول ياسن حالة كون ذلك الحرف من قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ﴾ والآسن من الماء هو المتغير الطعم واللون، والياسن من اليسن وهو بالتحريك من أسن البئر من باب فرح أي أصابت ببخارها من دخلها كما في القاموس أي أتقرأه (من ماء غير آسن) بالألف الممدودة (أو) تقرأه (من ماء غير ياسن) بالياء (قال) أبو وائل (فقال) له (عبد الله) بن مسعود أ (وكل القرآن قد أحصيت) وضبطت ألفاظه (غير هذا) اللفظ الذي تسأل عنه (قال) الرجل: نعم (إني لأقرأ المفصل) من القرآن (في ركعة)
стр. 3998
فَقَال عَبْدُ اللهِ: هَذا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوزُ تَرَاقِيَهُمْ. وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ، نَفَعَ. إِن أَفْضَلَ الصلاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ. إِنِّي لأعلَمُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرُنُ بَينَهُنَّ. سُورَتَينِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. ثُم قَامَ عَبْدُ اللهِ فَدَخَلَ عَلْقَمَةُ فِي إِثْرِهِ. ثُم خَرَجَ فَقَال: قَدْ أَخْبَرَنِي بِهَا
ــ
واحدة، قال الأبي: وهذا إخبار عن كثرة حفظه وإتقانه ولم يجبه عبد الله عن سؤاله لأنه فهم عنه أنه غير مسترشد اهـ (فقال) له (عبد الله) أتَهذّ القرآن (هَذَّا كهذّ الشعر) أي أتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر وإنشاده، قال النواوي: الهذ شدة الإسراع والإفراط في العجلة، ونصبه على المصدرية بفعل محذوف وجوبًا كما قدرناه، قال في المصباح: الهذ سرعة القطع، وهذ قراءته هذا من باب قتل إذا أسرع فيها، ثم قال عبد الله (أن أقواما) من الناس (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) وهذا اقتباس من حديث الخوارج أي لا يجاوز القرآن تراقيهم ليصل إلى قلوبهم فليس حظهم منه إلا مروره على ألسنتهم، والتراقي جمع الترقوة؟ وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين، وزنها فعلوة بفتح الفاء وضم اللام، وفي المصباح عن بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوانات إلا للإنسان خاصة اهـ، وهذا كناية عن عدم الفهم كما وصف النبي ﷺ به الخوارج حيث قال: "لا يجاوز حناجرهم" (ولكن إذا وقع) القرآن يعني معناه (في القلب فرسخ) أي ثبت (فيه) أي في القلب (نفع) بالعبرة والموعظة (أن أفضل) أركان (الصلاة الركوع والسجود إني لأعلم النظائر) والأشباه (التي كان رسول الله ﷺ يقرن) بضم الراء من باب نصر (بينهن) في الصلاة حالة كونه يقرأ (سورتين) سورتين منها (في كل ركعة) النجم والرحمن في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة مثلًا (ثم قام عبد الله) من بيننا فدخل بيته (فدخل علقمة) على عبد الله (في إثره) أي في إثر عبد الله أي عقب دخول عبد الله بيته ونحن أمرناه بسؤاله عن تلك النظائر (ثم خرج) علقمة من عند عبد الله فقلنا له: هل سألته عن تلك النظائر (فقال) علقمة: نعم (قد) سألته عنها فـ (أخبرني بها) أي بتلك النظائر، وهذه الرواية فيها ركاكة تبينها رواية أبي معاوية الآتية والله أعلم.
стр. 3999
قَال ابْنُ نُمَيرٍ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ إِلَي عَبْدِ اللهِ. وَلَمْ يَقُلْ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ.
١٨٠٠ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللهِ، يُقَالُ لَهُ: نَهيكُ بن سِنَانٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَجَاءَ عَلْقَمَة لِيَدخُلَ عَلَيهِ
ــ
(قوله النظائر) هي والقرائن وهي السور المتقاربة في المقدار، وقد عددها ثماني عشرة في رواية، وفي أخرى عشرين، ولا بعد في ذلك فإنه يذكر في وقت الأقل من غير تعرض للحصر، ويزيد في وقت آخر أو يكون النبي ﷺ قرن في وقت بين ثماني عشرة، وفي أخرى بين عشرين (وقوله إن أفضل الصلاة الركوع والسجود) حجة لمن قال: إن كثرة السجود أفضل من تطويل القيام، قال الأبي: وهذا مذهب ابن مسعود في المسألة، وفي الاحتجاج بمذهب الصحابي خلاف، وقد تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة، واختلف في مبدإ المفصل فقيل من سورة محمد ﷺ وقيل من سورة ق وقيل من سورة الحجرات، وسمي بذلك لكثرة الفصل بين سورة بسطر بسم الله الرحمن الرحيم اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٠٤٣] مختصرًا، وأبو داود [١٣٩٦].
وقوله (قال) محمد (بن نمير في روايته: جاء رجل من بني بجيلة إلى عبد الله ولم يقل) ابن نمير (نهيك بن سنان) بيان لمحل المخالفة بين ابن نمير وأبي بكر بن أبي شيبة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله ﵁ فقال:
١٨٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الكوفي الأسدي (قال) أبو وائل: (جاء رجل إلى عبد الله) بن مسعود (يقال له) أي لذلك الرجل (نهيك بن سنان) البجلي وساق أبو معاوية عن الأعمش (بمثل حديث وكيع) عن الأعمش، وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة أبي معاوية لوكيع في رواية هذا الحديث عن الأعمش، ثم استثنى من المماثلة بقوله (غير أنه) أي لكن أن أبا معاوية (قال) في روايته (فجاء علقمة) بن قيس النخعي (ليدخل عليه) أي على عبد الله بعد ما قام عبد الله من بيننا
стр. 4000
فَقُلْنَا لَهُ: سَلْهُ عَنِ النَّظَائِرِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي رَكْعَةٍ. فَدَخَلَ عَلَيهِ فَسَأَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَقَال: عِشْرُونَ سُورَةَ مِنَ الْمُفَضَّلِ. فِي تَأْلِيفِ عَبْدِ اللهِ.
١٨٠١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثنَا الأَعْمَشُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِنَحْو حَدِيثِهمَا. وَقَال: إِنِّي لأَعْرِفُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . اثْنَتَينِ فِي رَكْعَةِ. عِشْرِينَ سُورَةً فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ
ــ
(فقلنا) معاشر المجلس (له) أي لعلقمة إذا دخلت عليه فـ (سله) أي فاسأل عبد الله (عن) السور (النظائر) والأشباه (التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها) أي بسورتين منها (في ركعة) واحدة (فدخل) علقمة (عليه) أي على عبد الله (فسأله) عن تلك النظائر (ثم خرج علينا) علقمة من عند عبد الله (فقال) علقمة هي (عشرون سورة من المفصل) أي عد لنا علقمة في بيان تلك النظائر عشرين سورة من المفصل (في تأليف) أي في ترتيب مصحف ومجمع (عبد الله) بن مسعود من القرآن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله ﵁ فقال:
١٨٠١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (حدثنا الأعمش في هذا الإسناد) أي بهذا الإسناد يعني عن أبي وائل عن عبد الله، وساق عيسى بن يونس (بنحو حديثهما) أي بنحو حديث وكيع وأبي معاوية عن الأعمش، غرضه بيان متابعة عيسى بن يونس لهما (و) لكن (قال) عيسى في روايته قال عبد الله (إني لأعرف) السور (النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله ﷺ وقوله (اثنتين) منهن (في ركعة) واحدة بدل من ضمير بهن أي يقرأ باثنتين منهن في ركعة، وكذلك قوله (عشرين سورة في عشر ركعات) بدل ثان من الضمير أي يقرأ بعشرين سورة في عشر ركعات.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عبد الله ﵁ فقال:
стр. 4001
١٨٠٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيمُونٍ. حَدَّثنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَال: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَومًا بَعْدَ مَا صلَّينَا الْغَدَاةَ. فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ. فَأَذِنَ لَنَا. قَال: فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيَّة. قَال: فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالتْ: أَلا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا. فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ. فَقَال: مَا مَنَعَكُمْ أَن تَدخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا. إِلَّا أَنَّا ظَنَنَّا أَن بَعْضَ أَهْلِ الْبَيتِ نَائِمٌ. قَال: ظَنَنْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَة؟
ــ
١٨٠٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأُبُلِّيُّ (حدثنا مهدي بن ميمون) الأزدي أبو يحيى البصري، ثقة، من صغار (٦) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا واصل) بن حيان (الأحدب) الأسدي الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة واصل الأحدب لسليمان الأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي وائل، وكرر المتن لما في هذه الرواية من الزيادة الكثيرة (قال) أبو وائل: (غدونا) أي بكَّرْنا (على عبد الله بن مسعود يوما) من الأيام (بعدما صلينا) أي بعد صلاتنا، فما مصدرية (الغداة) أي صلاة الصبح (فسلمنا) سلام الاستئذان (بالباب) أي عند الباب (فأذن لنا) في الدخول عليه بواسطة الجارية (قال) أبو وائل (فمكثنا) أي جلسنا وتأخرنا (بالباب) أي عند الباب (هنية) بضم الهاء وتشديد الياء بدون همز مصغر هنة أي قليلًا من الزمان، ويعبر بها عن كل شيء كما في النهاية (قال) أبو وائل: (فخرجت) إلينا (الجارية) التي أذنت لنا في الدخول (فقالت) لنا (ألا تدخلون) البيت (فدخلنا فإذا هو) أي عبد الله (جالس) حالة كونه (يسبح) أي يذكر الله تعالى بأنواع الذكر من التسبيح والتحميد والتهليل لأن الوقت وقت كراهة الصلاة، وإذا فجائية، والفاء عاطفة أي فدخلنا عليه ففاجأنا جلوسنا مسبحًا أي ذاكرًا (فقال) لنا عبد الله (ما منعكم) من (أن تدخلوا) علينا (و) الحال أنه (قد أذن لكم) في الدخول بواسطة الجارية، قال أبو وائل: (فقلنا) له (لا) مانع من الدخول موجود لنا (إلا أنا) أي لكن أنا (ظننا) أي توهمنا (أن بعض أهل البيت نائم) فنزعجه، قال الأبي: وليس الظن هنا حقيقته الذي هو ترجح أحد الطرفين (قال) عبد الله (ظننتم بآل ابن أم عبد) يعني نفسه فإن أم عبد الهذلية أمه، والنبي ﷺ وغيره كانوا يقولون لابن مسعود ابن أم عبد أي أتظنون بهم (غفلة)
стр. 4002
قَال: ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَال: يَا جَارِيَةُ! انْظُرِي. هَلْ طَلَعَتْ؟ قَال: فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَطْلُعْ. فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَن أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ قَال: يَا جَارِيةُ! انْظُرِي. هَلْ طَلَعَتْ؟ فَنَظَرَتْ فَإذَا هِيَ قَدْ طَلعَتْ. فَقَال: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَقَالنَا يَوْمَنَا هَذا. - (فَقَال مَهْدِيٍّ وَأَحْسِبُهُ قَال) -: وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا. قَال: فَقَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ الْمُفَضَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ. قَال: فَقَال عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ
ــ
بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري أي غفلة عن طاعة الله تعالى لا تظنوا ذلك بهم، ففيه مراعاة الرجل أهل بيته وعيشه في أمر دينهم، والظن هنا بمعنى التوهم يتعدى إلى مفعول واحد (قال) أبو وائل (ثم أقبل) عبد الله أي رجع إلى شغله الأول حالة كونه (يسبح) الله تعالى (حتى ظن) أي توهم أي أدرك إدراكًا غير راجح (أن الشمس قد طلعت فقال يا جارية انظري) الشمس (هل طلعت) أم لا (قال) أبو وائل (فنظرت) الجارية الشمس (فإذا هي) أي الشمس (لم تطلع فأقبل يسبح حتى إذا ظن) وعلم (أن الشمس قد طلعت قال يا جارية انظري هل طلعت) الشمس (فنظرت) الجارية (فإذا هي) أي الشمس (قد طلعت) قال القاضي: ففي قوله (انظري هل طلعت) قبول خبر الواحد والعمل بالظن مع القدرة على اليقين لأنه اكتفى بخبرها مع قدرته على رؤية طلوعها، وقبول خبر المرأة. [قلت]: الخلاف في قبول خبر الواحد إنما هو عند تجرده عن القرائن ومع وجودها فلا خلاف في قبوله والقرائن في القضية واضحة حضورها ولاء والقرب وتمكنه من العلم وغير ذلك مما لا يمكن الجارية معه أن تخبر بخلاف الواقع، وفيه أيضًا أن الأوقات المخصوصة بالذكر ثواب الذكر فيها أكثر من ثواب التلاوة، وفيه أيضًا أن الكلام بمثل هذا لا يقطع ورد التسبيح والذكر اهـ من الأبي (فقال) عبد الله (الحمد لله الذي أقالنا) أي رفع عنا ذنوبنا وسامحها لنا في (يومنا هذا) ولم يؤاخذنا بها حتى تطلع الشمس من مغربها أي أقال عثرتنا ولم يؤاخذنا بسيئاتنا هذا اليوم حتى أطلع علينا الشمس من مطلعها ولم يطلعها من مغربها استعجالًا لعقوبتنا (فقال مهدي) بن ميمون في روايته (وأحسبه) أي وأحسب شيخي واصلًا الأحدب (قال) عند روايته لنا أي زاد لفظة (ولم يهلكنا بذنوبنا قال) أبو وائل (فقال رجل من القوم) الحاضرين عند عبد الله (قرأت المفصل) الليلة (البارحة) أي القريبة إلينا (كله) أي كل المفصل (قال) أبو وائل (فقال عبد الله) أتَهذُّ القرآن (هذًّا كهذ
стр. 4003
الشِّعْرِ؟ إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا الْقَرَائِنَ. وَإِنِّي لأَحْفَظُ الْقَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ. وَسورَتَينِ مِنْ آلِ حم.
١٨٠٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِي، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ. قَال: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ. يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ
ــ
الشعر) أي أتسرع قراءته إسراعًا كإسراع الشعر عند إنشاده (أنا) معاشر أصحاب محمد ﷺ (لقد سمعنا) من رسول الله ﷺ السور (القرائن) أي النظائر والمتشابهات في الطول والقصر التي يقرأ بهن رسول الله ﷺ ، وأراد بها ما أراد بالنظائر الواقعة في الرواية السابقة واللاحقة يعين ما كان يقرن ﷺ بينهن من السور في صلاته (وإني لأحفظ) تلك (القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله ﷺ وقوله (ثمانية عشر) بدل من القرائن أي وإني لأحفظ ثمانية عشر منها (من المفصل) أي من السور التي يكثر الفصل بينهن بسطر بسم الله الرحمن الرحيم وأوله من الحجرات عند الجمهور (و) أحفظ (سورتين من آل حم) معطوف على ثمانية عشر يعني من السور التي في أولها حم نُسب السور إلى هذه الكلمة كقولهم آل فلان وقد يريد حم نفسها لأن الأول يقع على الشخص قاله أبو عبيد، والحديث يدل على أن المفصل ما بعد الحواميم، قال النواوي: وقوله في الرواية الأولى عشرون من المفصل وقوله هنا ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم لا تعارض فيه لأن مراده في الأول معظم العشرين من المفصل ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عبد الله ﵁ فقال:
١٨٠٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) الكسي (حدثنا حسين بن علي) بن الوليد (الجعفي) بضم الجيم وسكون العين نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة من مذحج مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٩) (عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي، ثقة، من (٧) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عثاب الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٩) بابا (عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة منصور بن المعتمر للأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي وائل (قال) شقيق بن سلمة (جاء رجل من بني بجيلة يقال له نهيك بن
стр. 4004
سِنَانٍ، إِلَى عَبْدِ اللهِ. فَقَال: إِني أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَال عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِنَّ. سُورَتَينِ فِي رَكْعَةٍ.
١٨٥٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَال: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيلَةَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ. فَقَال عَبْدُ اللهِ: هَذا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ فَقَال عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ عَرَفْتُ النظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرُنُ
ــ
سنان إلى عبد الله) بن مسعود (فقال) الرجل (إني أقرأ المفصل) كله (في ركعة) واحدة (فقال عبد الله) له أتهذ القرآن (هذًّا كهذ الشعر) والله (لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن سورتين) سورتين (في) كل (ركعة) من ركعات تهجده فكيف يمكن لك أن تقرأ كله في ركعة واحدة إلا أن تهذه هذًّا كهذ الشعر وهذا لا يجوز في القرآن بل الواجب فيه الترتيل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فقال:
١٨٠٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار) البصريان (قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري الملقب بغندر (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث الهمداني المرادي الجملي أبي عبد الله الأعمى الكوفي، ثقة، من (٥) (أنه) أي أن عمرًا (سمع أبا وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، وهذا السند أيضًا من سداسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن مرة لسليمان الأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي وائل حالة كون أبي وائل (يحدّث أن رجلا) من بني بجيلة (جاء إلى) عبد الله (بن مسعود فقال) الرجل لابن مسعود (إني قرأت المفصل) هذه (الليلة كله في ركعة) واحدة (فقال) له (عبد الله) أتهذه (هذًا كهذا الشعر فقال عبد الله) والله (لقد عرفت) وحفظت السور (النظائر) المتشابهات في الطول والقصر (التي كان رسول الله ﷺ يقرن) بضم الراء من باب نصر
стр. 4005
بَينَهُنَّ. قَال: فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ. سُورَتَينِ سُورَتَينِ فِي كُل رَكْعَةٍ
ــ
(بينهن) أي بين سورتين منهن في ركعة واحدة (قال) أبو وائل (نذكر) لنا عبد الله بن مسعود في بيان تلك النظائر (عشرين سورة من المفصل) وذكر أن رسول الله ﷺ يقرؤهن (سورتين سورتين في كل ركعة) من ركعات تهجده.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وذكر فيه خمس متابعات والله أعلم.
***
стр. 4006
٣٥٣ - (٦٥) باب: قراءة ابن مسعود ﵁
١٨٠٥ - (٧٨٨) (١٩٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا أبُو إِسْحَاقَ. قَال: رَأَيتُ رَجُلًا سَأَلَ الأسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَال: كَيفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] أَدَالًا أَمْ ذَالًا؟ قَال: بَلْ دَالًا. سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مُدَّكِرٍ" دَالًا
ــ
٣٥٣ - (٦٥) باب قراءة ابن مسعود ﵁
كذا ترجم عن الحديث الآتي الأبي والسنوسي.
١٨٠٥ - (٧٨٨) (١٩٣) (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا زهير) بن معاوية بن حديج مصغرًا الجعفي أبو خيثمة الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة، من (٥) (قال) أبو إسحاق (رأيت رجلا) من أهل الكوفة (سأل الأسود بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي عن القراءة (وهو) أي والحال أن الأسود بن يزيد كان (يعلّم) الناس (القرآن) أي قراءته (في المسجد) الكوفي (فقال) الرجل في سؤاله (كيف تقرأ) يا أسود (هذه الآية) يعني قوله تعالى (﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ أ) تقرأها (دالا) مهملة (أم) تقرأها (ذالا) معجمة (قال) الأسود لا أقرأها ذالًا معجمة (بل) أقرأها (دالا) مهملة كما هو قراءة حفص، وأصل مدكر مذتكر بمثناة بعد ذال معجمة فأبدلت تاء الافتعال دالًا مهملة ثم أهملت المعجمة لمقاربتها ثم أدغمت في الدال المنقلبة عن تاء الافتعال فصار النطق مدكر بالدال المهملة، وسبب سؤاله عن ذلك لأن بعض السلف قرأها بالمعجمة وهو منقول أيضًا عن قتادة اهـ تحفة الأحوذي، ثم علل الأسود قراءته بالدال المهملة بقوله لأني (سمعت عبد الله بن مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: مدكر دالا) أي بدال مهملة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري رواه في أبواب كثيرة رواه في التفسير في ثلاثة مواضع، ورواه في أحاديث الأنبياء، وأبو داود في الحروف، والترمذي في القراءات وقال: حسن صحيح، والنسائي في التفسير في الكبرى، وسنده من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي أبو إسحاق عن الأسود.
стр. 4007
١٨٠٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدثَنَا مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار. قَال ابْن الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَر. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ. عَنْ عَبْدِ اللهِ. عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ أَنهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذا الْحَرْفَ: "فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ".
١٨٠٧ - (٧٨٩) (١٩٤) وَحَدثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. (وَاللَّفْظ لأَبِي بَكْرٍ)، قَالا: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاويَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَال: قَدِمْنَا الشَّامَ. فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله ﵁ فقال:
١٨٠٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار) البصريان (قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شعبة لزهير بن معاوية في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق السبيعي (عن الأسود) بن يزيد الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود الكوفي (عن النبي ﷺ أنه) ﷺ (كان يقرأ هذا الحرف) أي هذا اللفظ يعني قوله تعالى (فهل من مدكر) بالدال المهملة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨٠٧ - (٧٨٩) (١٩٤) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الكوفي (واللفظ) الآتي (لأبي بكر قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن (براهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي (عن علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (قال) علقمة: (قدِمنا) معاشر أصحاب عبد الله (الشام) وفي رواية البخاري عن طريق حفص عن الأعمش: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء (فأتانا أبو الدرداء) عويمر بن زيد بن عبد الله بن قيس الأنصاري الخزرجي الشامي الدمشقي الصحابي المشهور ﵁، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا الدرداء
стр. 4008
فَقَال: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ؟ فَقُلْتُ: نَعْم. أَنَا. قَال: فَكَيفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]. قَال: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: "وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى" وَالذكَرِ وَالأنثَى قَال: وَأَنَا وَاللهِ، هَكذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا. وَلَكنْ هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: وَمَا خَلَقَ. فَلا أُتَابِعُهُمْ.
١٨٠٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا
ــ
فإنه شامي (فقال) أبو الدرداء (أفيكم) معاشر أصحاب عبد الله (أحد يقرأ على قراءة عبد الله) بن مسعود، قال علقمة (فقلت) له (نعم) فينا من يقرأ قراءة عبد الله (أنا) أقرأ قراءته (قال) أبو الدرداء (فكيف سمعت عبد الله) بن مسعود (بقرأ هذه الآية) يعني قوله تعالى ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال) علقمة قلت له (سمعته) أي سمعت عبد الله حالة كونه (يقرأ والليل إذا يغشى والذكر والأنثى) والمفهوم من سياق الأحاديث في هذا الصحيح وصحيح البخاري أن الذي أسقطه عبد الله في هذه السورة إنما هو ما خلق فإنه كان يقرأ (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) بإعراب الجر لعدم ما خلق عنده، وفي هذا الحديث إسقاط ما لم يسقطه عبد الله ﵁ والرواية التامة ما سيأتي في طريق علي بن حجر السعدي اهـ من بعض الهوامش (قال) أبو الدرداء (وأنا والله هكذا) مفعول ثان مقدم ليقرأها أي (سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها) أي يقرأ هذه الآية هكذا أي مثل ما قرأته يعني والذكر والأنثى بلا ذكر لفظ خلق (ولكن هولاء) الشاميون (يريدون) أي يطلبون مني (أن أقرأ) ها بلفظ (وما خلق) الذكر والأنثى (فلا أتابعهم) أي فلا أوافقهم فيما طلبوا مني من تلك القراءة بل أقرأها والذكر والأنثى كقراءة عبد الله، قوله (فلا أتابعهم) قال المازري: يجب أن يحمل على أن ذلك كان قرآنًا ونسخ ولم يعلم بالنسخ بعض من خالف فبقي على الأول، ولعل هذا إنما وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد بلوغه فلا يظن بأحد منهم أنه خالف فيه اهـ. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري والترمذي والنسائي في الكبرى اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي الدرداء ﵁ فقال:
١٨٠٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن جَمِيِل الثقفي البلخي (حدثنا
стр. 4009
جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. قَال: أَتَى عَلْقَمَةُ الشامَ. فَدَخَلَ مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ. ثُم قَامَ إِلَى حَلْقَةٍ فَجَلَسَ فِيهَا، قَال: فَجَاءَ رَجُل فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ وَهَيئَتَهُمْ. قَال: فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي. ثُم قَال: أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللهِ يَقْرَأُ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
١٨٠٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِي. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ؛ قَال: لَقِيتُ أبَا الدَّرْدَاءِ
ــ
جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن مغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم أبي هشام الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، من (٣) (قال) إبراهيم (أتى علقمة) بن قيس الكوفي، ثقة مخضرم، من (٥) (الشام فدخل) علقمة (مسجدا) من مساجد الشام (فصلى فيه) تحيته (ثم قام) علقمة ذاهبًا (إلى حلقة) مجتمعة في المسجد، قال النواوي: هي بإسكان اللام على اللغة المشهورة وفتحها لغة رديئة (فجلس) علقمة (فيها) أي في تلك الحلقة (قال) علقمة (فجاء رجل) من أهل البلد (فعرفت فيه) أي في حق ذلك الرجل (تحوش القوم) أي اجتماعهم حوله وإحاطتهم به (وهيئتهم) أي احترامهم به وإكرامهم له وانقباضهم عني، ويكون معنى التحوش هنا الاجتماع حوله يقال احتوش القوم فلانًا جعلوه وسطهم وكانوا حاشيته (قال) علقمة (فجلس) ذلك الرجل (إلى جنبي ثم قال) لي (أتحفظ كما كان عبد الله) بن مسعود (يقرأ) أي أتحفظ قراءته في سورة والليل (فذكر) مغيرة بن مقسم عن إبراهيم (بمثله) أي بمثل ما روى الأعمش عن إبراهيم، وسند هذه الرواية من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة المغيرة للأعمش.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي الدرداء ﵁ فقال:
١٨٠٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا علي بن حجر) بن إياس (السعدي) أبو الحسن البغدادي ثم المروزي (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي البصري المعروف بابن علية، ثقة، من (٨) (عن داود بن أبي هند) دينار القشيري مولاهم المصري أو البصري، ثقة، من (٥) (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري أبي عمرو الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٩) بابا (عن علقمة) بن قيس الكوفي (قال) علقمة (لقيت أبا الدرداء) عويمر بن زيد الأنصاري الخزرجي ﵁، وهذا السند من سداسياته،
стр. 4010
فَقَال لِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَال: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَال: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود؟ قَال: قُلتُ: نَعَمْ. قَال: فَاقْرَأ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]. قَال: فَقَرَأتُ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قَال: فَضَحِكَ ثُم قَال: هَكذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقرَؤهَا.
١٨١٠ - (٠٠) (٠٠) وَحَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَال: أَتَيتُ الشَّامَ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ
ــ
غرضه بسوقه بيان متابعة الشعبي لإبراهيم بن يزيد في رواية هذا الحديث عن علقمة بن قيس (فقال لي) أبو الدرداء (ممن أنت) أي من أي بلدة أنت أيها الرجل الغريب (قلت) أنا (من أهل العراق قال من أيهم) أي من أي أهل العراق أمن أهل البصرة أم من أهل الكوفة؟ (قلت) له أنا (من أهل الكوفة قال) أبو الدرداء (هل تقرأ) القرآن (على قراءة عبد الله بن مسعود قال) علقمة (قلت) له (نعم) أقرأ على قراءته (قال) أبو الدرداء (فاقرأ) علي سورة ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال) علقمة (فقرأت) عليه (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) بالجر عطفًا على الليل (قال) علقمة (فضحك) أبو الدرداء تعجبًا من موافقة قراءتي قراءته (ثم قال) أبو الدرداء (هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها) أي سمعته ﷺ يقرأ هذه السورة هكذا أي بمثل قراءتك هذه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي الدرداء ﵁ فقال:
١٨١٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثني عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا داود) بن أبي هند القشيري البصري (عن عامر) بن شراحيل الحميري الشعبي الكوفي (عن علقمة) بن قيس الكوفي، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الأعلى لابن علية في روايته عن داود بن أبي هند (قال) علقمة (أتيت الشام فلقيت أبا الدرداء فذكر) عبد الأعلى (بمثل حديث ابن علية) سواءً.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين حديث ابن مسعود وذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، وحديث أبي الدرداء ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات.
стр. 4011
٣٥٤ - (٦٦) باب: الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، وتحريها بالصلاة فيها
١٨١١ - (٧٩٠) (١٩٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَي مَالِكٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشمْسُ. وَعَنِ الصلاةِ بَعْدَ الصبْحِ، حَتى تَطْلُعَ الشَمس
ــ
٣٥٤ - (٦٦) باب الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها وتحريها بالصلاة فيها
١٨١١ - (٧٩٠) (١٩٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن محمد بن يحيى بن حبان) - بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة- ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني أبي عبد الله المدني، ثقة فيه، من (٤) روى عنه في (٨) أبواب (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري (أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى عن الصلاة) التي لا سبب لها متقدم أو مقارن (بعد) فعل صلاة (العصر حتى تغرب الشمس) بجميع قرصها (وعن الصلاة) المذكورة (بعد) فعل صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس) وترتفع قدر رمح، والمراد بالطلوع هنا ارتفاع الشمس وإشراقها وإضاءتها لا مجرد ظهور قرصها كما في النواوي، يدل عليه ما يأتي من حديث "إذا بدا حاجب الشمس فأخّروا الصلاة حتى تبرز" وحديث النهي حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع. وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وهو مذهب الحنفية أيضًا إلا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أخف منه في غيرهما، وذهب آخرون إلى أنه لا كراهة في هاتين الصورتين ومال إليه ابن المنذر وعلى القول بالنهي اتفق على أن النهي فيما بعد العصر متعلق بفعل الصلاة فإن قدمها اتسع النهي وإن أخرها ضاق، وأما الصبح فاختلفوا فيها فقال الشافعي: هو كالذي قبله إنما تحصل الكراهة بعد فعله كما هو مقتضى الأحاديث، وذهب المالكية والحنفية إلى ثبوت الكراهة من طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر وهو مشهور مذهب أحمد ووجه عند الشافعية، قال
стр. 4012
١٨١٢ - (٧٩١) (١٩٦) وَحَدثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ. جَمِيعًا عَنْ هُشَيمٍ. قَال دَاوُدُ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ. أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ قَتَادَةَ. قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: سَمِعْتُ غَيرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطابِ
ــ
ابن الصباغ: إنه ظاهر المذهب وقطع به المتولي في التتمة، واستثنى الشافعية من كراهة الصلاة في هذه الأوقات مكة فلا تكره الصلاة فيها في شيء منها لا ركعتا الطواف ولا غيرهما لحديث جبير مرفوعًا "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من الليل والنهار" رواه أبو داود وغيره، قال ابن حزم: وإسلام جبير متأخر جدًّا، وإنما أسلم يوم الفتح وهذا بلا شك بعد نهيه ﷺ عن الصلاة في الأوقات فوجب استثناء ذلك من النهي، والله تعالى أعلم اهـ قسط. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي فقط اهـ تحفة الأشراف.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٢ - (٧٩١) (١٩٦) (وحدثنا داود بن رشيد) مصغرًا الهاشمي مولاهم أبو الفضل البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (وإسماعيل بن سالم) الصائغ بمكة البغدادي ثم المكي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (جميعًا عن هشيم) بن بشير السلمي أبي معاوية الواسطي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٨) بابا (قال داود: حدثنا هشيم) بصيغة السماع (أخبرنا منصور) بن زاذان الواسطي أبو المغيرة الثقفي، ثقة عابد، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب، وهو الذي روى عن قتادة، ويروي عنه هشيم (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من (٤) (قال) قتادة (أخبرنا أبو العالية) الرياحي -بكسر الراء- نسبة إلى بطن من تيم أو إلى محلة لهم بالبصرة، رفيع -مصغرًا- ابن مهران البصري، ثقة إمام مخضرم، من (٢) ففي هذا السند تصويح قتادة بالسماع (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان واسطيان وواحد طائفي وواحد بغدادي، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قال) ابن عباس: (سمعت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم عدول مرضيون لا شك في صدقهم ودينهم (منهم عمر بن الخطاب) رضي
стр. 4013
وَكَانَ أحَبَّهُمْ إِلَيَّ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصلاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ، حَتى تَطْلُعَ الشمْسُ. وَبَعْدَ الْعَصْرِ، حَتى تَغْرُبَ الشمْسُ.
١٨١٣ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. ح وَحدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَني أَبِي، كُلُّهُمْ
ــ
الله تعالى عنهم أجمعين (وكان) عمر (أحبهم) وأرضاهم (اليّ) أي عندي أي سمعتهم يحدثون (أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى) نهي تحريم (عن الصلاة) التي لا سبب لها (بعد) صلاة (الفجر حتى تطلع الشمس) وترتفع (وبعد) صلاة (العصر حتى تغرب الشمس) بجميع قرصها، فلو أحرم بما لا سبب له كالنافلة المطلقة لم تنعقد كصوم يوم العيد بخلاف ماله سبب كفرض أو نفل فائتين فلا كراهة فيهما لأنه ﷺ صلى بعد العصر سنة الظهر التي فاتته رواه الشيخان، فالسنة الحاضرة والفريضة الفائتة أولى وكذا صلاة جنازة وكسوت وتحية مسجد وسجدة شكر وتلاوة، ومنع أبو حنيفة مطلقًا إلا عصر يومه كان صلى العصر منفردًا وأراد إعادة تلك العصر مع الجماعة فيجوز له إعادتها، والنهي في الحديث متعلق بأداء الصلاة لا بالوقت فتعين تقدير لفظ الصلاة في الموضعين. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٨١]، وأبو داود [١٢٧٦]، والترمذي [١٨٣]، والنسائي [١/ ٢٧٦ و ٢٧٧]، وابن ماجه [١٢٥٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن شعبة ح وحدثني أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المسمعي) -بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة- البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي أبو محمد البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة مدلس، من (٦) (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، صدوق، من (٩) (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي أبو بكر البصري (كلهم) أي كل من شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام
стр. 4014
عَن قَتَادَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أن فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ وَهِشَامِ: بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ.
١٨١٤ - (٧٩٢) (١٩٧) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ؛ أن ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ؛ قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِي؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصرِ حَتى تَغرُبَ الشمسُ. وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، حَتى تَطْلُعَ الشَمسُ"
ــ
الدستوائي رووا (عن قتادة) بن دعامة البصري، غرضه بسوق هذه الأسانيد الثلاثة بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لمنصور بن زاذان (بهذا الإسناد) يعني عن أبي العالية عن ابن عباس (غير أن في حديث سعيد) بن أبي عروبة (وهشام) الدستوائي لفظة (بعد الصبح حتى تشرق الشمس) بدل قول منصور (بعد الفجر حتى تطلع الشمس). وقوله (تشرق) ضبطه النواوي بوجهين بفتح التاء وضم الراء من الشروق وهو الطلوع يقال شرقت الشمس تشرق إذا طلعت على وزن طلعت تطلع وغربت تغرب، وبضم التاء وكسر الراء من الإشراق يقال أشرقت الشمس تشرق إشراقًا إذا ارتفعت وأضاءت ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] والمراد بالشروق هنا الإشراق الذي هو بمعنى الارتفاع والإضاءة لا مجرد الطلوع وقد أطال النواوي الكلام هنا فراجعه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٤ - (٧٩٢) (١٩٧) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (أن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (أخبره قال) ابن شهاب (أخبرني عطاء بن يزيد الليثي) المدني (أنه سمع) سعد بن مالك الأنصاري (أبا سعيد الخدري) ﵁ (يقول) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قال رسول الله ﷺ : لا صلاة) صحيحة أو حاصلة (بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) بجميع قرصها (ولا صلاة) صحيحة أو حاصلة (بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) وترتفع كما في رواية البخاري إلا لسبب أو المراد لا تصلون بعد صلاة
стр. 4015
١٨١٥ - (٧٩٣) (١٩٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلا عِنْدَ غُرُوبِهَا"
ــ
العصر فيكون نفيًا بمعنى النهي، وإذا كانت غير حاصلة فتحري الوقت لها كلفة لا فائدة فيها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٩٥]، والبخاري [٥٨٦]، والنسائي [١/ ٢٧٧ و ٢٧٨]، وابن ماجه [١٢٤٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على كراهة الصلاة عند الطلوع وعند الغروب بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٥ - (٧٩٣) (١٩٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك) بن أنس المدني (عن نافع) العدوي مولى ابن عمر (عن) عبد الله (ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم) أي لا يقصد أحدكم نفي بمعنى النهي، وفي بعض النسخ (لا يتحر أحدكم) بالجزم على النهي، قال ابن الملك في شرح المشارق: مفعوله محذوف لدلالة المقام عليه أي لا يقصد أحدكم الوقت الذي عند طلوع الشمس بالصلاة (فيصلي) بالرفع عطفًا على لا يتحرى على النفي، وبالنصب في جواب النهي على نسخة لا يتحر، والمعنى لا يقصد أحدكم الوقت الذي عند طلوع الشمس فيصلي (عند طلوع الشمس ولا) يقصد أحدكم الوقت الذي عند غروبها فيصلي (عند غروبها) اهـ ابن الملك، وقال ملا علي في شرح المصابيح: أي لا يقصد أحدكم فعلًا ليكون سببًا لوقوع الصلاة في زمان الكراهة اهـ. والمنهي عنه في هذين الوقتين الفرائض والنوافل جميعًا عند أبي حنيفة وأصحابه، والنوافل فقط عند مالك والشافعي رحمهم الله تعالى لقوله ﵇: "من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" اهـ ابن الملك.
وقيل هذا الحديث مفسر للحديث السابق أي لا تكره الصلاة بعد فعل العصر والفجر إلا لمن قصد بها طلوع الشمس وغروبها، وجزم الجمهور بأن المراد بهذا الحديث نهي مستقل وجعلوا الكراهة مع القصد وعدمه، وقيل في حكمة النهي إن قومًا كانوا يتحرون طلوع الشمس وغروبها فيسجدون لها عبادة من دون الله تعالى فنهى ﷺ أن يتشبه بهم اهـ قسطلاني، وقوله (لا يتحرى أحدكم) خرج بالقصد عدمه
стр. 4016
١٨١٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدثَنَا مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بشْرٍ. قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَحَرَّوْا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشمْسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَي شَيطَانِ
ــ
فلو استيقظ من نومه أو ذكر ما نسيه فليس بقاصد وفي الروضة كأصلها: لو دخل المسجد في أوقات الكراهة ليصلي التحية فوجهان أقيسهما الكراهة كما لو أخر الفائتة ليقضيها فيها اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري والنسائي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (ومحمد بن بشر) العبدي الكوفي (قالا) هو تحريف من النساخ والصواب (قالوا) كما يدل عليه ما سيأتي في الرواية التالية أي قال كل من وكيع وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر حالة كونهم (جميعا) أي مجتمعين على الرواية عن هشام (حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما، وهذان السندان من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة عروة بن الزبير لنافع في رواية هذا الحديث عن ابن عمر، وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة (قال) ابن عمر (قال رسول الله ﷺ لا تحروا) بحذف إحدى التاءين للتخفيف أي لا تقصدوا (بصلاتكم) بالموحدة، وفي رواية للبخاري لصلاتكم (طلوع الشمس ولا غروبها) أي وقت طلوعها وغروبها، وهذان الوقتان هما المقصودان بالنهي لأنهما الوقتان اللذان يسجد فيهما الكفار للشمس كما قال في الحديث الآخر وما قبل هذين الوقتين إنما نهي عنه لأنه ذريعة ووسيلة إلى إيقاع الصلاة فيهما، ومن هنا أجاز مالك الصلاة على الجنازة ما لم تغرب الشمس، وكرهها عند ذلك (فإنها) أي فإن الشمس (تطلع بقرني شيطان) أي بين قرني رأس شيطان فالباء بمعنى بين كما هو في حديث عمرو بن عبسة الآتي، قال النواوي: قيل المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه، وقيل قوته وغلبته وانتشار فساده، وقيل القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون
стр. 4017
١٨١٧ - (٧٩٤) (١٩٨) وَحَدثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَابْنُ بشْير. قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشمسِ، فَأَخِّرُوا الصلاةَ حَتَّى تَبرُزَ. وإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشمْسِ، فَأَخرُوا الصلاةَ حَتَّى تَغِيبَ"
ــ
الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة حينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان، وفي بعض نسخ مسلم هنا بقرني الشيطان بالألف واللام، وسمي شيطانًا لتمرده وعتوه، وكل مارد عات شيطان، والأظهر أنه مشتق من شطن إذا بعد لبعده من الخير والرحمة، وقيل مشتق من شاط إذا هلك واحترق اهـ نواوي. وشارك المؤلف في هذه الرواية أحمد [٢/ ١٠٦]، والبخاري [٥٨٥]، والنسائي [١/ ٢٧٧].
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث آخر له أيضًا رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٧ - (٧٩٤) (١٩٨) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي وابن بشر قالوا جميعًا حدثنا هشام عن أبيه عن ابن عمر) وهذا السند عين السند الذي قبله فلا حاجة إلى شرحه (قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بدا) وظهر وبدا هنا غير مهموز لأنه من البدو بمعنى الظهور لا من البدء بمعنى الابتداء (حاجب الشمس) أي طرفها الأعلى عند الطلوع، وفي المفهم: وحاجب الشمس هو أول ما يبدو منها في الطلوع وهو أول ما يغيب منها عند الغروب اهـ. قال ابن الملك: أراد به ناحيتها وهو مستعار من حاجب الوجه (فأخروا الصلاة) التي لا سبب لها كالنفل المطلق (حتى تبرز) أي تخرج بارزة بالارتفاع قدر رمح أي إلى أن تطلع وترتفع قدر رمح (وإذا غاب) واستتر (حاجب الشمس) أي طرفها الأسفل عند الغروب وهو الذي كان أعلى عند الطلوع (فأخروا الصلاة) التي لا سبب لها (حتى) أي إلى أن (تغيب) وتغرب بجميع قرصها، زاد البخاري في بدء الخلق من طريق عبدة "فإنها تطلع بين قرني شيطان" وعند مسلم من حديث عمرو بن عبسة "وحينئذ يسجد لها
стр. 4018
١٨١٨ - (٧٩٥) (١٩٩) وَحَدثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ خَيرِ بْنِ نُعَيمٍ الْحَضْرَمِي، عَنِ ابْنِ هُبَيرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيشَانِي، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ؛
ــ
الكفار". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٨٢]، والنسائي [١/ ٢٧٩].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي بصرة الغفاري رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨١٨ - (٧٩٥) (١٩٩) (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن خير) بالخاء المعجمة (بن نعيم) بن مرة بن كريب (الحضرمي) أبي نعيم المصري قاضيها وقاضي رقة، روى عن عبد الله بن هبيرة السبئي في الصلاة، وعطاء وأبي الزبير، ويروي عنه (م س) والليث بن سعد ويزيد بن أبي حبيب وحيوة بن شريح، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق فقيه، من السادسة، مات سنة (١٣٧) سبع وثلاثين ومائة، وليس في مسلم من اسمه خير إلا هذا (عن) عبد الله (بن هبيرة) مصغرًا بن أسد السبئي -بفتح المعجمة والموحدة- أبي هبيرة المصري، روى عن أبي تميم الجيشاني في الصلاة، وقبيصة بن ذؤيب وعبد الرحمن بن غنم وعبيد بن عمير، ويروي عنه (م عم) وخير بن نعيم وحيوة بن شريح وابن لهيعة، وثقه أحمد ويعقوب بن سفيان، وقال أبو داود: معروف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة، مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة (عن أبي تميم) عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم -بمهملتين- (الجيشاني) نسبة إلى جيشان قبيلة باليمن -بمعجمتين مفتوحتين بينهما ياء ساكنة- المصري، هاجر زمن عمر من اليمن، مشهور بكنيته، روى عن أبي بصرة الغفاري في الصلاة، وعلي وأبي ذر، ويروي عنه (م ت س ق) وعبد الله بن هبيرة وكعب بن علقمة، وثقه جماعة، وقال في التقريب: ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة (٧٧) سبع وسبعين (عن أبي بصرة) حميل -بوزن حميد- ابن بصرة بن وقاص بن حاجب من بني حرام بن غفار، ويقال حميل مكبرًا، ويقال جميل بالجيم (الغفاري) المصري له صحبة، ويقال عداده في أهل الحجاز، روى عن النبي ﷺ وعن أبي ذر في الفضائل، شهد فتح مصر، وداره بها ودفن في مقبرتها، له (١٢) اثنا عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديث، وليس له عند (م) سواه، ويروي عنه (م دس) وأبو تميم الجيشاني في الصلاة، وقال في التقريب:
стр. 4019
قَال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ. فَقَال: "إِن هَذِهِ الصَّلاةَ عُرِضَتْ عَلَي مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيعُوهَا. فَمَنْ حَافَظَ عَلَيهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَينِ. وَلا صَلاةَ بَعْدَهَا حَتى يَطْلُعَ الشاهِدُ". وَالشَاهِدُ النجْمُ
ــ
صحابي، سكن مصر، ومات بها، وليس في مسلم من اسمه حميل إلا هذا الصحابي الجليل، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي، وفيه التحديث والعنعنة (قال) أبو بصرة: (صلى بنا رسول الله ﷺ العصر) أي صلاتها بموضع يسمى (بالمخمص) هو بضم الميم الأولى وخاء معجمة مفتوحة ثم بميم مشددة مفتوحة آخره صاد مهملة على وزن محمد، موضع معروف بالحجاز كذا في النواوي، وقال ملا علي: بضم الميم الأولى وفتح الخاء المعجمة والميم جميعًا، وقيل بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الميم بعدها في آخرها صاد مهملة على وزن مجلس، اسم طريق اهـ. وقال المجد في القاموس: والمخمص كمنزل اسم طريق اهـ. وقال السيد مرتضى عند شرح قوله كمنزل: ضبطه الصاغاني كمقعد اهـ (فقال) رسول الله ﷺ (أن هذه الصلاة) التي تصلونها في هذا الوقت يعني العصر (عرضت) أي فرضت (على من كان قبلكم) من الأمم (فضيعوها) أي تركوا ملازمتها لكونها في وقت الاشتغال اهـ من المبارق (فمن حافظ) منكم (عليها) أي على أدائها في وقتها المحدد لها (كان له أجره مرتين) أي أجر من جهة امتثاله أمر الله وأجر آخر من جهة محافظة ما ضيعوها اهـ من المبارق، قال القرطبي: وهذا يشعر بتأكدها على غيرها، وذلك مما يدل على أنها الصلاة الوسطى كما تقدم في مبحثها (ولا صلاة) صحيحة (بعدها) أي بعد فعلها (حتى يطلع) ويظهر (الشاهد) أي النجم والمراد به غروب الشمس، وسُمي النجم شاهدًا لأنه يشهد بمغيب الشمس ودخول الليل، والصلاة المنفية بعد العصر هي النافلة التي لا سبب لها لأنها هي المكروهة، وأما التي لها سبب والفوائت فغير مكروهة ما لم تتغير الشمس اهـ من المبارق. قوله (والشاهد النجم) كلام مدرج من الراوي أو ممن دونه تفسيرًا للشاهد. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٣٩٧]، والنسائي [١/ ٢٥٩ - ٢٦٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي بصرة ﵁ فقال:
стр. 4020
١٨١٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيب عَنْ خَيرِ بْنِ نُعَيم الْحَضْرَمِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هُبَيرَةَ السَّبَئِي، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ. بِمِثْلِهِ.
١٨٢٠ - (٧٩٦) (٢٠٠) وَحَدثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ
ــ
١٨١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري المدني (حدثنا أبي) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن) محمد (بن إسحاق) بن يسار المطلبي المدني، صدوق، من (٥) (قال حدثني يزيد بن أبي حبيب) اسمه سويد الأزدي المصري، ثقة فقيه، من (٥) (عن خير بن نعيم الحضرمي) المصري (عن عبد الله بن هبيرة السبئي) المصري، قال خير بن نعيم (وكان) عبد الله بن هبيرة (ثقة عن أبي تميم الجيشاني) عبد الله بن مالك المصري، ثقة مخضرم، من (٢) (عن أبي بصرة الغفاري) حميل بن بصرة المصري ﵁، وهذا السند من تساعياته، غرضه بسوقه بيان متابعة يزيد بن أبي حبيب لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن خير بن نعيم (قال) أبو بصرة (صلى بنا رسول الله ﷺ العصر) وساق يزيد بن أبي حبيب (بمثله) أي بمثل ما ساق ليث بن سعد عن خير بن نعيم.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨٢٠ - (٧٩٦) (٢٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (عن موسى بن عُلي) بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء مصغرًا، ابن رباح بالموحدة اللخمي أبي عبد الرحمن المصري، صدوق، من (٧) (عن أبيه) علي بن رباح بن قصير ضد الطويل اللخمي أبي عبد الله المصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (قال) علي بن رباح (سمعت عقبة بن
стр. 4021
عَامِرٍ الْجُهَنِي يَقُولُ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِن. أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيِهن مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشمْسُ بَازِغَة حَتى تَرتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ
ــ
عامر الجهني) أبا حماد المصري الصحابي المشهور ﵁ وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري حالة كون عقبة (يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن) صلاة الجنازة (أو نقبر فيهن موتانا) أي أن ندفن، يقال قبرته من باب نصر إذا دفنته، والمراد به صلاة الجنازة اهـ ابن الملك، قال القرطبي: رويت هذا اللفظ بأو التي لأحد الشيئين، ورويته أيضًا بالواو الجامعة وهو الأظهر ويكون مورد النهي الصلاة على الجنازة والدفن لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية أو ففيها إشكال إلا إن قلنا إن أو تكون بمعنى الواو كما قاله الكوفي، وقد اختلف في الصلاة عليها في هذه الأوقات المذكورة في هذا الحديث فأجاز الشافعي الصلاة عليها ودفنها في هذه الأوقات، وكره الجمهور الصلاة عليها حينئذ، وعن مالك في ذلك خلاف يذكر في الجنائز إن شاء الله تعالى، والمعنى نهانا أن نصلي فيهن صلاة الجنازة ونقبر فيهن موتانا، وذكر الدفن خرج مخرج الغالب، قال ابن الملك: المذهب عندنا أن هذه الأوقات الثلاثة يحرم فيها الفرائض والنوافل وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة إلا إذا حضرت أو تليت آية السجدة حينئذ فإنهما لا يكرهان لكن الأولى تأخيرهما إلى خروج الأوقات المذكورة اهـ.
قال النواوي: قال بعضهم: إن المراد بالقبر صلاة الجنازة، وهذا القول ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع، فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين كما سبق في الحديث الصحيح "قام فنقرها أربعًا" فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره اهـ منه.
وقوله (حين تطلع الشمس) الخ بيان للساعات الثلاث أي الأول من الساعات الثلاث وقت طلوع الشمس وشروقها في الأفق الشرقي، حالة كونها (بازغة) أي طالعة بارزة حال مؤكدة لمعنى العامل من البزوغ وهو الطلوع (حتى ترتفع) الشمس في السماء قدر رمح في رأي العين وإلا فالمسافة بعيدة (و) الثاني منها (حين يقوم) ويقف (قائم
стр. 4022
الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ. وَحِينَ تَضَيَّفُ الشمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتى تَغْرُبَ.
١٨٢١ - (٧٩٧) (٢٠١) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَر الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمد
ــ
الظهيرة) أي ظل واقف وقت الظهيرة أي وقت الاستواء أي وقت بلوغ الشمس وسط السماء حين لا يبقى للقائم في الظهيرة وهو حر نصف النهار ظل في المشرق ولا في المغرب، وعبارة العون هنا: أي حين قيام الشمس وقت الزوال من قولهم قامت به دابته أي وقفت، والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطات حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع كما يظهر قبل الزوال وبعده فيقال لذلك الوقوف المشاهد قائم الظهيرة قاله في النهاية اهـ منه (حتى تميل الشمس، و) الثالث منها (حين تضيف) بحذف إحدى التاءين أي حين تتضيف (الشمس) وتميل وتجنح (للغروب) يقال ضاف الشيء يضيف بمعنى يميل (حتى تغرب) وتغيب بجميع قرصها، قال القرطبي (قوله حين يقوم قائم الظهيرة) الظهيرة شدة الحر وقائمها قائم الظل الذي لا يزيد ولا ينقص في رأي العين وذلك يكون منتصف النهار حين استواء الشمس، وقد اختلف في الصلاة في ذلك الوقت على ما يأتي في حديث عمرو بن عبسة، وقوله (وحين تضيف الشمس للغروب) أي تميل للغروب يقال ضافت تضيف من باب باع إذا مالت، وأصل الإضافة الإسناد والإمالة كما قال امرؤ القيس:
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب
المشطب الذي فيه خطوط، وطرائق كمدارج النمل، ومنه ضفت فلانًا إذا نزلت به وأضفته أنزلته اهـ منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ١٥٢]، وأبو داود [٣١٩٢]، والترمذي [١٠٣٠]، والنسائي [١/ ٢٧٥ و ٢٧٦].
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث عمرو بن عبسة ﵃ فقال:
١٨٢١ - (٧٩٧) (٢٠١) (حدثني أحمد بن جعفر المعقري) -بفتح الميم وكسر القاف بينهما عين ساكنة- نسبة إلى معقر ناحية باليمن ثم المكي، مقبول، من (١١) مات سنة (٢٥٥) (حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الجرشي -بالجيم المضمومة والشين المعجمة- الأموي مولاهم أبو محمد اليمامي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب
стр. 4023
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَبُو عَمَّارٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ- قَال عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ. وَصَحِبَ أَنَسًا إِلَى الشَّامِ. وَأَثْنَى عَلَيهِ فَضلًا وَخَيرًا- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَال: قَال عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِي: كُنْتُ، وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيةِ، أَظُن أَن النَّاسَ عَلَى ضَلالةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيسُوا
ــ
(حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا شداد بن عبد الله) القرشي الأموي مولى معاوية (أبو عمار) الدمشقي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (ويحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابا كلاهما رويا (عن أبي أمامة) صُدي بن عجلان بن والبة الباهلي الصحابي المشهور ﵁ روى عنه في (٣) أبواب، قال النضر بن محمد: (قال عكرمة) بن عمار في الثناء على شيخه شداد (ولقي) شيخي (شداد) بن عبد الله شيخه (أبا أمامة) صُدي بن عجلان (و) لقي أيضًا (واثلة) بن الأسقع الليثي الشامي الصحابي المشهور ﵁ (وصحب) شداد أيضًا (أنسًا) ابن مالك البصري ﵁ في سفره (إلى الشام وأثنى) عكرمة (عليه) أي على شيخه شداد أي ذكر فيه (فضلا) أي مزية ومنقبة في حسبه (وخيرا) أي صلاحًا في دينه، وقوله ثانيًا (عن أبي أمامة) كرره تأكيدًا لما ذكره لطول الفاصل بينه وبين ما بعده (قال) أبو أمامة (قال عمرو بن عبسة) بموحدة ومهملتين مفتوحات بن عامر بن خالد (السلمي) أبو نجيح الشامي الصحابي المشهور ﵁ له (٤٨) ثمانية وأربعون حديثًا، انفرد له (م) بحديث واحد، يروي عنه (م عم) وأبو أمامة وشرحبيل بن السمط، قال الواقدي: أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه حتى مضت بدر وأحد وخندق وحديبية وخيبر ثم قدم المدينة، قال أبو سعيد: يقولون إنه رابع أو خامس في الإسلام، وكان قبل الإسلام يعتزل عبادة الأصنام ويراها باطلًا وضلالًا، وكان يرعى فتظله غمامة ذكره في التهذيب، روى عنه أبو أمامة في الصلاة، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم شاميون واثنان يماميان وواحد مكي، وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة ورواية صحابي عن صحابي (كنت وأنا) أي والحال أني (في) زمن (الجاهلية) أي في زمن أهل الجهالة بالله تعالى، وجملة قوله (أظن أن الناس على ضلالة) وغواية خبر كان أي كنت ظانًا كون الناس على ضلالة في عبادتهم الأصنام، والحال أني في جهالة (و) أظن (أنهم ليسوا
стр. 4024
عَلَى شَيءٍ. وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأوثَانَ. فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا. فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي. فَقَدِمْتُ عَلَيهِ. فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيهِ قَوْمُهُ. فَتَلَطَّفْتُ حَتى دَخَلْتُ عَلَيهِ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَال: "أَنَا نَبِيٌّ" قُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟
ــ
على شيء) من الحق والدين، قال القرطبي: (قوله أظن أن الناس على ضلالة) أي أعلم وأتيقن، فإن الظن قد يطلق على اليقين كما في قوله تعالى ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] اهـ من المفهم، وقال الأبي: الأظهر من هذا الكلام أنه قد اهتدى في نفسه فالظن بمعنى العلم وهو في ذلك كقس بن ساعدة أو كأحد من الأربعة الذي خلصوا نجيًّا من قريش الذي قدمنا حديثهم في الكلام على حديث ورقة بن نوفل من كتاب الإيمان، وكان شيخنا يحمل الظن على بابه ويقول: لا مانع من حمله عليه اهـ منه، وجملة قوله (وهم) أي والحال أنهم (يعبدون الأوثان) حال من اسم ليس، والأوثان جمع وثن وهو كل ما عبد من دون الله سواء كان من حجر أو شجر وسواء كان على صورة آدمي أم لا (فسمعت) من الناس (برجل) أي بظهور رجل (بمكة يُخبر أخبارا) حقة عن الله بتوحيده وبرسالته وببطلان الشرك مع الله تعالى (فقعدت على راحلتي) أي ناقتي أي ركبتها إلى مكة (فقدمت) إلى مكة واطلعت (عليه فإذا) هو (رسول الله ﷺ مستخفيًا) من الناس أي مستترًا منهم خوفًا من إذايتهم وهو حال من رسول الله، وكذا جملة قوله (جرءاء عليه قومه) حال منه أي يجترءون عليه من الجرأة وهو شدة الإقدام على إذايته، وهو مرفوع على أنه خبر مقدم وقومه مبتدأ مؤخر على مذهب البصريين، قال النواوي: كذا هو في جميع الأصول بضم الجيم بوزن برءاء كعلماء جمع جريء بالهمز من الجرأة أي متسلطون عليه غير هائبين له، وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين حراء بالحاء المهملة المكسورة ومعناه غضاب ذوو غم من شأنه قد قيل حيرهم حتى أثر في أجسادهم من قولهم حرى جسمه يحري من باب رمى يرمي إذا نقص من ألم أر غيره والصحيح أنه بالجيم اهـ، وقوله (فتلطفت) أي طلبت الدخول عليه بلطف ورفق (حتى دخلت عليه) وهو (بمكة) معطوف على قوله (فقدمت عليه) عطفًا تفسيريًّا (فقلت له ما أنت) أي ما حالك وشأنك، قال النواوي: لم يقل من أنت لأنه لم يسئله عن ذاته وإنما سأله عن صفاته والصفات مما لا يعقل اهـ وفي بعض الأصول (من أنت) لأنه سؤال عمن يعقل (قال) لي ذلك الرجل (أنا نبي) من أنبياء الله تعالى (قلت) له (وما نبي؟ ) أي وما معنى
стр. 4025
قَال: "أَرْسَلَنِيَ اللهُ" فَقُلْتُ: وَبِأَي شَيءِ أَرْسَلَكَ؟ قَال: "ارْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيءٌ" قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَي هَذَا؟ قَال: "حُرٌّ وَعَبْدٌ"، (قَال: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ)،
ــ
قولك أنا نبي (قال) ذلك الرجل معناه أنا رسول (أرسلني الله) تعالى إلى كافة الخلق، وفي المفهم قوله (وما نبي) سؤال عن النبوة وهي من جنس ما لا يعقل لأنها معنى من المعاني اهـ (فقلت) له (وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام) أي بالأمر بصلة الأرحام والنهي عن قطيعتها، قال النواوي: يدل على تأكد صلتها لأنه قرنها بالتوحيد، قال الأبي: قد صح أن جواباته ﷺ تكون بحسب السائل وبحسب الزمان والحال، فتخصيص الرحم بالذكر يحتمل لمراعاة حال العرب فيها أو أن غيرها من الفرائض لم يكن فرض اهـ منه (وكسر الأوثان) والأصنام وإعدامها (وأن يوحد الله) تعالى أي يفرد بالعبادة حال كونه (لا يشرك به شيء) من المخلوقات (قلت له) ﷺ (فمن معك على هذا) التوحيد (قال) النبي ﷺ معي على هذا التوحيد (حر وعبد، قال) عمرو بن عبسة (ومعه) ﷺ (يومئذ) أي يوم إذ قدمت عليه (أبو بكر وبلال) حال كونهما (ممن آمن به) ﷺ يعني الحر أبو بكر والعبد بلال، ولم يذكر له النبي ﷺ عليًّا لصغره فإنه أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل ابن عشر ولا خديجة رضي الله تعالى عنها لأنه فهم عنه أنه إنما سأله عن الرجال فأجابه حسب ذلك.
ويشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقاص فإنه قال: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام وظاهره وأن أبا بكر وبلالًا أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد، وأنه أقام سبعة أيام لم يسلم معهم أعني الثلاثة أحد، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبي ﷺ يوم جاءه عمرو بن عبسة أبو بكر وسعد وبلال لكن سكت عنه النبي ﷺ أعني عن سعد فلم يذكره إما ذهولًا عنه وإما لأن سعدًا لم يكن حاضرًا إذ ذلك بمكة وإما لأمر آخر والله أعلم اهـ من المفهم.
قال النواوي: يحتج به من يقول إن أبا بكر أول من آمن، قال الأبي: جمع بين أحاديث أول من آمن فمن قال: أبو بكر يعني من الرجال، ومن قال: بلال يعني من
стр. 4026
فَقُلْتُ: إِني مُتَّبِعُكَ. قَال: "إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذا. أَلا تَرَى حَالِي وَحَال الناسِ؟ وَلَكنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ. فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي" قَال: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي. وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَكُنْتُ فِي أَهْلِي. فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ. حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هذَا الرجُلُ
ــ
الموالي، ومن قال: خديجة يعني من النساء، ومن قال: على يعني من الصغار، وفي الجمع بذلك نظر اهـ (فقلت) له ﷺ (إني متبعك) أي أصحبك وأكون معك في موضعك هذا (قال) له النبي ﷺ (إنك) يا عمرو (لا تستطيع) ولا تقدر (ذلك) أي صحبتك معي في هذه البلدة (يومك هذا) أي في وقتك هذا الحاضر لم يرد رده عن الإسلام، وإنما رده عن إظهار اتباعه خوفًا عليه لغربته في قريش وأمره أن يدوم على الإسلام ويرجع إلى بلده حتى يسمع أنه قد ظهر، قال النواوي: وفيه معجزة إذ وقع الظهور كما ذكر (ألا ترى) وتبصر يا عمرو (حالي وحال الناس) من ضيقي وكربتي منهم وإنكارهم علي رسالتي وما جئت به من التوحيد (ولكن ارجع) الآن (إلى أهلك) وقومك واعبد ربك على حالك (فإذا سمعت بي) أي بخبري بأني (قد ظهرت) وغلبت وعلوت عليهم، وهذا من إخباره ﷺ بالغيب فهو داخل في باب دلالات نبوته فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، وهذا معنى قوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] أي ليعليه (فأتني) أي فاحضر إلي في أي مكان كنت فيه (قال) عمرو (فذهبت) من مكة ورجعت (إلى أهلي وقدم رسول الله ﷺ المدينة) مهاجرًا إليها (وكنت) مواطنًا (في أهلي فجعلت) أي شرعت (أتخبر) أي أستخبر (الأخبار) عن حاله ﷺ (وأسال الناس) عنها (حين قدم المدينة) وهاجر إليها وكنت مواظبًا على الاستخبار عن حاله (حتى قدم) ومر (علي نفر) ورهط (من أهل يثرب) وقوله (من أهل المدينة) بدل مما قبله بدل كل من كل، ويثرب اسم للناحية التي منها المدينة، وقيل لناحية منها، وقيل هي المدينة، روي عنه ﷺ أنه نهى أن يقال للمدينة يثرب وسماها طيبة وطابة كأنه كره الثرب لأنه فساد في كلام العرب كذا في تاج العروس، وما في سورة الأحزاب فحكاية مقالة المنافقين، ولعل ما هنا كان قبل وصول خبر النهي إليه (فقلت) لأولئك النفر (ما فعل هذا الرجل
стр. 4027
الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: الناسُ إِلَيهِ سِرَاعٌ. وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ. فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ. فَدَخَلْتُ عَلَيهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَعْرِفُنِي؟ قَال: "نَعَمْ. أَنْتَ الذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ " قَال: فَقُلْتُ: بَلَى. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وَأَجْهَلُهُ. أَخْبِرْنِي عَنِ الصلاةِ؟ قَال: "صَلِّ صَلاةَ الصُبْحِ. ثُم أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ حَتى تَطْلُعَ الشمْسُ حَتى تَرْتَفِعَ فَإِنهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي شَيطَانٍ
ــ
الذي قدم المدينة فقالوا) أي قال النفر (الناس) الذين في المدينة ومن حولها (إليه) أي إلى الدخول في دينه، وهو متعلق بقوله (سراع) جمع سريع أي مسرعون (وقد أراد قومه) من أهل مكة (قتله) قبل خروجه من مكة (فلم يستطيعوا) أي لم يقدروا (ذلك) أي قتله ولم يتمكنوا منه، قال عمرو بن عبسة (فقدمت المدينة) وكان قدومه إلى المدينة على ما ذكر في أسد الغابة بعد مضي بدر وأحد وخندق بل بعد خيبر وقبل الفتح كما في الإصابة (فدخلت عليه) ﷺ (فقلت: يا رسول الله أتعرفني قال) رسول الله ﷺ (نعم) أعرفك (أنت الذي لقيتني بمكة قال) عمرو (فقلت) له ﷺ (بلى) أي نعم، أنا الذي لقيتك في مكة، وبلى هنا بمعنى نعم لعدم تقدم النفي، قال النواوي: فيه صحة الجواب ببلى وإن لم يتقدم نفي وصحة الإقرار بها وهو الصحيح من مذهبنا، وشرط بعض أصحابنا أن يتقدمها النفي اهـ. قال الأبي: وهو الصحيح عند النحاة وأنه لا يجاب بها إلا بعد النفي، والنفي هنا مقدر أي أولست بالذي لقيتني اهـ قال عمرو (فقلت) له ﷺ (يا نبي الله أخبرني عما علمك الله) (وأجهله) من أمور الدين (أخبرني) أولًا (عن الصلاة) أي عن وقتها الجائزة فيه بدليل الجواب قاله ملا علي، وقال القرطبي: سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قلنا ذلك لأنه ﷺ فهم عنه ذلك فأجابه به ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان جوابه مطابقًا للسؤال اهـ من المفهم (قال) رسول الله ﷺ له (صل صلاة الصبح) أي فرضها (ثم) بعد الفراغ منها (أقصر) أي اكفف (عن الصلاة) التي لا سبب لها (حتى تطلع الشمس) بازغة (حتى ترتفع) قدر رمح فالغاية الثانية بدل من الغاية الأولى، وفي بعض النسخ (حين تطلع حتى ترتفع) قاله ابن الملك (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان) قيل تنكيره للتحقير، وفي بعض النسخ بين قرني الشيطان يعني إنه يدني رأسه إلى الشمس في
стр. 4028
وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ. ثُم صَلِّ. فَإِن الصلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ. حَتى يَسْتَقِل الظِّلُّ بِالرُمْحِ
ــ
هذه الأوقات حبًّا منه أن يعبدوا بجهته فيكون الساجد لها من الكفار كالساجدين له في الصورة فنهى ﷺ عن الصلاة في ذلك الوقت تحرزًا عن شبه الكفرة كما في المبارق (وحينئذ) أي وحين إذ تطلع بين قرني شيطان (يسجد لها الكفار) أي الذين يعبدونها، وهذا الوقت واللذان بعده هو موضع الترجمة من الحديث والله أعلم (ثم) بعدما طلعت الشمس وارتفعت (صل) أي صلاة شئت لأنه خرج وقت الكراهة (فإن الصلاة مشهودة) يشهدها الملائكة (محضورة) يحضرها أهل الطاعات اهـ مبارق، أي من سكان السماء والأرض، فمحضورة ليس تفسير مشهودة فالتأسيس أولى من التأكيد اهـ مرقاة، وعبارة العون مع أبي داود (مشهودة مكتوبة) أي تشهدها الملائكة ويحضرونها وتكتب أجرها وذلك أقرب إلى القبول وحصول الرحمة (حتى يستقل الظل بالرمح) أي حتى يرتفع الظل مع الرمح ولم يبق على الأرض منه شيء وذلك يكون في وقت الاستواء، وتخصيص الرمح بالذكر لأن العرب أهل بادية إذا أرادوا أن يعلموا نصف النهار ركزوا رماحهم في الأرض ثم نظروا إلى ظلها اهـ من المرقاة، وعبارة القرطبي: (قوله حتى يستقل الظل بالرمح) أي حتى يكون ظله قليلًا كأنه قال حتى يقل ظل الرمح، والباء زائدة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وقد رواه أبو داود فقال (حتى يعدل الرمح ظله) قال النواوي: معناه أنه يقوم مقابله في الشمال ليس مائلًا إلى المشرق ولا إلى المغرب وهذا حالة الاستواء اهـ والمراد أنه يكون الظل في جانب الرمح ولم يبق على الأرض من ظله شيء وهذا يكون في بعض أيام السنة ويقدر في سائر الأيام عليه، وقال الخطابي: وهو إذا قامت الشمس قبل أن تزول وإذا تناهى قصر الظل فهو وقت اعتداله فإذا أخذ في الزيادة فهو وقت الزوال اهـ من العون، وقد روى الخشنى: لفظ كتاب مسلم (حتى يستقل ظل الرمح) أي يقوم ولا تظهر زيادته، وفيه حجة لمن منع الصلاة حينئذ وهم أهل الرأي، وقد روي عن مالك، ومشهور مذهبه ومذهب جمهور العلماء جواز الصلاة حينئذ وحجتهم عمل المسلمين في جميع الأقطار على جواز التنفل يوم الجمعة إلى صعود الإمام على المنبر عند الزوال، والظاهر حمل النهي على منع التنفل في هذه الأوقات الثلاثة إلا في يوم الجمعة جمعًا بين الأحاديث والإجماع المحلي اهـ من المفهم باختصار.
стр. 4029
ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ. فَإنَّ، حِينَئِذٍ، تُسْجَرُ جَهَنَّمُ. فَإِذَا اقْبَلَ الْفَيءُ فَصَلِّ. فَإِنَّ الصلاة مشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ. ثم أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ. حَتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَإِنهَا تَغْرُبُ بَينَ قَرْنَي شَيطَانٍ. وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفارُ". قَال فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَالْوُضُوءُ؟ حَدثْنِي عَنْهُ. قَال: "مَا مِنْكُمْ رَجْل يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ ويسْتَنْشِقُ
ــ
(ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ) اسم إن محذوف في أكثر النسخ وهو ضمير الشأن وفي بعضها (فإنه) والظرف متعلق بقوله (تسجر جهنم) أي فإن الشأن والحال توقد جهنم حينئذ أي حين إذ يستقل الظل أي توقد إيقادًا بليغًا كأنه أراد الإبراد بالظهر كما مر في بابه، وضبطه ابن الملك بالتشديد وملا علي به وبالتخفيف، وبكليهما جاء القرآن قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] وقال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] وقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] ولكون إطلاق الشارح التخفيف اقتصرنا عليه وسجر النار تهييجها (فإذا أقبل) وجاء (الفيء) أي الظل بعد الزوال أي أخذ الظل في الازدياد بالزوال (فصل) أي صلاة شئت (فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر) أي إلى أن تصلي العصر (ثم أقصر عن الصلاة) من الإقصار وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه أي أمسك نفسك عنها (حتى تغرب الشمس) بجميع قرصها (فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ) أي حين إذ غربت الشمس (يسجد لها الكفار) قال الخطابي: وذكر تسجير جهنم وكون الشمس بين قرني شيطان وما أشبه ذلك من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء أو لنهي عن شيء من الأمور التي لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان وإنما يجب علينا الإيمان بها اهـ قوله (حتى تصلي العصر) قال في النيل: فيه دليل على أن وقت النهي لا يدخل بدخول وقت العصر ولا بصلاة غير المصلي، وإنما يكره لكل إنسان بعد صلاة نفسه حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنفل قبلها اهـ منه. أقلت، : هذا هو الظاهر من الحديث وحمله الآخرون على وقت الغروب وعلى وقت الطلوع اهـ عون.
(قال) عمرو بن عبسة (فقلت: يا نبي الله فالوضوء) قال في المرقاة: بالرفع، وقيل بالنصب (حدثني عنه) أي أخبرني عن فضله (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالي (ما منكم) أيها المؤمنون (رجل يُقرّب) بضم الياء وتشديد الراء المكسورة من التقريب (وضوءه) بفتح الواو أي ماء يتوضأ به (فيتمضمض) منه فمه (ويستنشق) منه
стр. 4030
فَيَنْتَثِرُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ. ثُم إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أمَرَهُ اللهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُم يَغْسِلُ يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ. ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيهِ إِلَى الْكَعْبَينِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ. فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، وَمَجَّدَهُ بَالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"
ــ
أنفه (فينتثر) أي فيخرج ما في أنفه من الماء والمخاط (إلا خرت) أي سقطت منه (خطايا وجهه) أي ذنوب عملها بوجهه (وفيه) أي وخطايا فمه (وخياشيمه) جمع خيشوم وهو أقصى الأنف وقيل الخياشيم عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين الدماغ، وقيل غير ذلك أي وخطايا أنفه، والمراد بالخطايا الصغائر كما سبق في كتاب الطهارة (ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله) تعالى به بإسباغ غسل وجهه (إلا خرت) أي سقطت (خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء) فيه إشارة إلى سرعة انمحاء الخطايا مع ماء الوضوء كما مر في باب الوضوء (ثم يغسل يديه إلى المرفقين) أي معهما (إلا خرت) وسقطت (خطايا يديه من أنامله مع الماء ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين) أي معهما (إلا خرت) وسقطت (خطايا رجليه من أنامله مع الماء) قال القرطبي: رواية أكثرهم (خرت) بالخاء المعجمة أي سقطت وهو كناية عن مغفرة الذنوب، وعند أبي جعفر (جرت) بالجيم في الأولى، وقد رويناه بالجيم في جميعها ومعناه صحيح كما قال خرجت خطاياه مع الماء (فإن هو) أي ذلك الرجل المتوضئ (قام فصلى) ركعتين سنة وضوء أو غيرهما (فحمد الله) أي وصفه بالكمالات (وأثنى عليه) أي ذكره بتنْزيهه من النقائص (ومجده) أي عظمه (بالذي) أي بذكر الكمال الذي (هو) أي ذلك الكمال إله) تعالى (أهل) أي لائق به تعالى (وفرغ) بالتشديد (قلبه لله) أي مما يشغله عن الصلاة كما قال: لا يحدث فيها نفسه (إلا انصرف) ورجع (من خطيئته كهيئته) أي على هيئته (يوم ولدته أمه) أي لا يبقى عليه شيء من ذنبه لا كبيرة ولا صغيرة، وهذا المعنى ما يدل عليه ظاهر الحديث وقد بينا هذا المعنى في الطهارة فراجعه اهـ من المفهم، وقوله (إلا انصرف من خطيئته) قال ابن الملك: جزاء الشرط محذوف يعني فإن قام فصلى فما يكون على حال من الأحوال إلا على حال انصرافه من خطيئته
следующие страницы →